يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي١ ﵀ موضحاً هذا الأمر: "إن الله تعالى هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك؛ بكهانة أو عرافة أو غيرها، أو صدق من ادعى ذلك فقد جعل لله شريكاً فيما هو من خصائصه، وقد كذب الله ورسوله. وكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي تستعين بها على دعوى العلوم الغيبية، فهو شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير الله" ٢.
وبذلك يتبين كفر من ادعى علم الغيب بأي طريقة من الطرق الشيطانية؛ إذ إنه زعم لنفسه ما اختص الله به دون خلقه، وكذب بالقرآن العظيم، وبآياته الكريمة التي ذكر الله جل وعلا فيها أنه لايعلم الغيب أحد سواه جل وعلا.
стр. 177
المطلب الرابع: الحلف بغير الله
حذر الرسول ﷺ من الحلف بغير الله، وذلك لسد الطرق الموصلة للشرك، وحماية لجناب التوحيد، وحتى يكون الدين كله لله.
قال ﵊: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك "١.
وهذا الشرك الذي عناه الرسول ﷺ بقوله:"أشرك"هو الشرك الأصغر، الذي لا يخلد صاحبه في النار، ولكنه على خطر عظيم إن لم يتب منه.
وقد أشار الشيخ الأمين ﵀ إلى أنه لا يجوز الحلف بغير الله، ومن حلف فإن يمينه باطلة، وإنما يكون الحلف صحيحاً إذا كان بالله، أو بأسمائه، أو صفاته.
قال ﵀: "اعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته، فلا يجوز القسم بمخلوق؛ لقوله ﷺ : "من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت" ٢"٣.
ثم يرد ﵀ على من جوز الحلف برسول الله ﷺ مبيناً أن ذلك مصادمة للأمر النبوي الكريم المانع من الحلف بغير الله، فيقول: "ولا تنعقد يمين بمخلوق كائنا ما كان، كما أنه لا تجوز بإجماع من
стр. 178
يعتدّ به من أهل العلم، وبالنص الصحيح الصريح في منع الحلف بغير الله. فقول بعض أهل العلم١ بانعقاد اليمين به ﷺ لتوقف إسلام المرء على الإيمان به ظاهر البطلان، والله تعالى أعلم" ٢.
وهذا الذي قرره الشيخ الأمين ﵀ هو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حين ذكر تنازع الناس في الحلف بالنبي ﷺ , ثم قال بعد ذلك: "إن الصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أن لا يحلف بمخلوق؛ لا نبي ولا غير نبي، ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره، وهو أحد القولين في مذهب أحمد" ٣.
وإذا كان الشيخ الأمين ﵀ يبيّن أن ليس للمخلوق أن يحلف بغير الله، فإنه يؤكد في موضع آخر أن للخالق أن يقسم بما شاء من خلقه، فيقول ﵀: " والله جلّ وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلا نبينا ﷺ . وفي ذلك من التشريف له ﷺ ما لا يخفى"٤
وما بينه الشيخ ﵀ من أن للخالق أن يقسم بما شاء من خلقه أشار إليه الشيخ سليمان بن عبد الله٥ ﵀ بقوله: "فإن قيل إن الله أقسم بالمخلوقات في القرآن. قيل: ذلك يختص بالله ﵎؛ فهو يقسم بما شاء من خلقه لما في ذلك من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته،
стр. 179
وإلهيته، وعلمه، وحكمته، وغير ذلك من صفات كماله. وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق تعالى. فالله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وقد نهانا عن الحلف بغيره، فيجب على العبد التسليم والإذعان لما جاء من عند الله" ١.
وهكذا نرى الشيخ الأمين ﵀ يؤكد أن للخالق جل وعلا أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس للمخلوق أن يقسم بأحد سوى خالقه جل وعلا؛ لدلالة الأدلة الشرعية على ذلك، ولأن حلف المخلوق بغير خالقه قد يجره إلى أمر جد خطير، فقد يخرجه من الملة –عياذا بالله-؛ لأن الحلف بغير الله ذريعة من أقوى الذرائع الموصلة إلى الشرك الأكبر؛ إذ إن الحالف قد يتدرج في تعظيم المحلوف به، حتى يصل به إلى درجة المساواة مع الخالق جل وعلا، ولا يختلف اثنان أنّ هذا شرك أكبر.
стр. 180
المطلب الخامس: السحر
السحر من الأعمال المحرمة التي تضادّ التوحيد، وهو محادة لله ورسوله.
أنواعه كثيرة، ومن أعظمها السحر الذي لا يتم إلا بالإشراك بالله والتقرب إلى الشياطين، حتى يحققوا للساحر مراده من حصول بعض التأثيرات القبيحة فيمن يريد أن يسحره.
ومنه ما تحصل بسببه بعض التأثيرات القبيحة: كالتلبيس على العقول، أو القتل، أو التفريق بين المتحابين، أو أعمال أخرى كثيرة ومؤذية.
والسحر لا يؤثر إلا بإذن الله وإرادته الكونية؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ "١.
لذلك حارب الإسلام السحر، وحرمه على المسلمين لما فيه من ادعاء الاطلاع على المجهول، وذلك مشاركة لله في علمه، وكذلك لما فيه من التوسل إلى الشياطين والتقرب إليهم ليساعدوه في تحقيق مأربه.
وقليل السحر وكثيره لا يتم إلا بالتعرض لغضب الله وسخطه، وهو من
стр. 181
السبع الموبقات.
وقد بسط الشيخ الأمين –﵀ الكلام عن السحر، وطرقه من جميع جوانبه. وقد أطال النفس فيه جداً؛ فتكلم عن تعريفه، وهل هو حقيقة أو خيال؟ وحكم متعاطيه، وغير ذلك من المباحث.
تعريف السحر:
عرفه ﵀ لغة بقوله: "يطلق في اللغة على كل شيء خفي سببه، ولطف، ودق، ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر"١.
أما التعريف الإصطلاحي، فقال فيه: "لا يمكن حده بحدّ جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك يكون جامعاً لها، مانعاً لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافاً متبايناً"٢.
ولهذا السبب لم يعرف الشيخ الأمين –﵀ السحر تعريفاً اصطلاحيا؛ لأنه يرى أنه يصعب أن يحد بتعريف يكون شاملاً لجميع أنواعه وطرقه.
حقيقة السحر:
اختلف الناس في السحر: هل هو حقيقة، أم خيال فذكر الشيخ٣
стр. 182
-﵀ أنّ المعتزلة١وغيرهم٢ذهبوا إلى أنه لا حقيقة للسحر٣، وأنهم احتجوا بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ٤، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ الآية٥.
وذهب الجمهور إلى أن منه ما له حقيقة، وليس خيالاً فقط كما توهم البعض.
ورجح الشيخ الأمين –﵀ ما ذهب إليه الجمهور، وذكر شيئا من أدلتهم، فقال ﵀: "والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة، لا مطلق تخييل لا حقيقة له. ومما يدلّ على أن منه ما له حقيقة قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ٦؛ فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سبباً للتفريق بين الرجل وامرأته. وقد عبر الله عنه بـ"ما" الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضاً قوله
стр. 183
تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ١؛ يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، وينفثن في عقدهن. فلولا أن السحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه"٢.
وهذه الأدلة التي استدل بها الشيخ الأمين –﵀ على حقيقة السحر أدلة صريحة على أنّ للسحر أثرا، ومنه ما هو حقيقة ومحسوس، وليس كله خيالاً.
وأما جانب الخيال في السحر: فيجعل الشيخ –﵀ من قصة سحرة فرعون مثالاً على الخيال في السحر، ولا يرضى قول من قال: إنّ سحرهم حقيقة لا خيال، فيقول ﵀: "فإن قيل: قوله في (طه) : ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ﴾ الآية٣، وقوله في (الأعراف) ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ ٤الدالان علىأن سحر فرعون خيال لا حقيقة له، يعارضهما قوله في) الأعراف) : ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ٥؛ لأن وصف سرحهم بالعظيم يدل على أنه غير خيال. فالذي يظهر في الجواب –والله أعلم- أنهم أخذوا كثيرا من الحبال والعصي، وخيلوا بسحرهم لأعين الناس أن الحبال والعصي تسعى، وهي كثيرة. فظنّ الناظرون أنّ الأرض ملئت حيات تسعى لكثرة ما ألقوا من الحبال والعصي، وخافوا من كثرتها، وبتخييل سعي ذلك العدد الكثير وُصف سحرهم بالعظم. وهذا ظاهر لا إشكال فيه"٦.
فالشيخ ﵀ يوضح أن السحر وصف بالعظم؛ لكثرة ما ألقى
стр. 184
السحرة من الحبال والعصي، ولتخييلهم للناس أنها تسعى. فهذا النوع ليس السحر فيه حقيقة، بل هو تخييل.
وقد وافق الشيخُ ﵀ في فهم هذه الآية الحافظ ابن حجر حيث إنه جعل سحر سحرة فرعون من الخيال، لا من الحقيقة، فقال عند قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ١:"هذه الآية عمدة من زعم أن السحر إنما هو تخييل. ولا حجة له بها؛ لأن هذه وردت في قصة سحرة فرعون، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أن جميع أنواع السحر تخييل"٢.
فما قاله الشيخ الأمين –﵀ من أن السحر الذي جاء به سحرة فرعون إنما هو تخييل، هو الصواب؛ فلا شك أنه من التخييل الناتج من تأثير السحر على أبصارهم حتى رأت غير الحقيقة؛ كما قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ ٣.
وحاصل الكلام أن السحر قسمان –كما ذكر ذلك الشيخ الأمين-: حقيقي، وخيالي، وهذا التقسيم تعضده الأدلة النقلية وهو مذهب جمهور المسلمين.
قال الإمام القرطبي ﵀ بعد ما ساق أدلة المعتزلة التي استدلوا بها علىأن السحر خيال لا حقيقة؛ مثل قوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاس﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ٥،
стр. 185
فقال: "وهذا لا حجة فيه؛ لأننا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل، وورد بها السمع؛ فمن ذلك ما جاء في هذه الآية١من ذكر السحر وتعليمه، ولو لم يكن له حقيقة لم يكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدلّ على أنّ له حقيقة" ٢.
وأخيراً أختم كلام العلماء في هذا الجانب بقول أحد أئمة الدعوة البارزين؛ وهو الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ الذي قال: "وقد زعم قوم من المعتزلة وغيرهم أن السحر تخييل لا حقيقة له، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل منه ما هو تخييل، ومنه ما له حقيقة" ٣.
حكم استعمال السحر، وتعلمه:
أوضح الشيخ الأمين –﵀ أن قول جمهور العلماء –منهم أبو حنيفة، ومالك، وأصحاب أحمد، وغيرهم- في الذي يستعمل السحر ويتعلمه أنه يكفر بذلك. وفي رواية عن أحمد ما يقتضي عدم كفره. وفصل الشافعي ﵀ في هذه المسألة، فقال: "إذا تعلم السحر، قلنا له: صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر؛ مثل ما في سحر أهل بابل من التقرب للكواكب، وأنها تفعل ما يطلب منها فهو كافر. وإن كان لا يوجب
الكفر: فإن اعتقد إباحته فهو كافر، وإلا فلا" ٤.
стр. 186
وقول الشيخ الأمين –﵀ في هذه المسألة شبيه بقول الشافعي وأصحابه، حيث إنه لا يكفر الساحر إلا أن يكون في سحره شرك بالله، فإن كان يتم بدون الإشراك بالله فهو لا يصل إلى الكفر، ولكنه محرم تحريماً شديداً، فيقول ﵀ موضحاً هذا المعنى:
"والتحقيق في هذه المسألة هو التفصيل، فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر، فهو كفر بلا نزاع. ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة؛ فإنه كفر بلا نزاع، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ١وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٤.... وإن كان السحر لا يقتضي الكفر؛ كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها: فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر"٥.
والشيخ الأمين –﵀ ربط حكم السحر بما يتصل به من أسباب؛ فإن كانت أسبابه كفراً، وكان لا يتم إلا بالتقرب إلى الشياطين والكواكب: فهو من أنواع السحر التي يكفر متعاطيها، وإن كانت أسبابه غير مكفرة؛ بمعنى أن الساحر لا يعظم أحداً سوى الله، ولا يدّعي أنه يعلم الغيب، ولا يصرف شيئاً من العبادة لغير الله: فهذا ليس كفراً وإن اشتمل على التخييل والكذب والخداع والغش، بل هو عمل محرم من كبائر الذنوب.
стр. 187
وللإمام النووي١-﵀ كلام قريب من هذا المعنى؛ فقد قال ﵀ عن حكم السحر: "إنه قد يكون كفراً، وقد لا يكون كفراً، بل معصية كبيرة. فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر، وإلا فلا. وأما تعلمه ونعليمه فحرام؛ فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا. وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر، واستتيب منه، ولا يقتل عندنا، فإن تاب قبلت
توبته"٢.
وهكذا يتبين أن كلام العلماء ﵏ يتفق مع ما ذكره الشيخ الأمين –﵀ من عدم كفر الساحر مطلقاً، بل الأمر فيه تفصيل –كما مر معنا-.
стр. 188
حد الساحر:
اختلف العلماء ﵏ في حد الساحر: هل يقتل بمجرد فعله السحر، أو لا؟.
فذكر الشيخ الأمين ﵀ أقوال العلماء في هذه المسألة؟، وذكر أدلتهم، ثم ذكر ما ترجح لديه من هذه الأقوال.
وسوف أستعرض أقوال العلماء، وأدلتهم، وما ترجح لدى الشيخ الأمين ﵀ في هذه المسألة:
اتفق الأئمة الأربعة على قتل الساحر كفراً إذا تضمن سحره الكفر١.
أما إن قتل بسحره إنساناً، ولم يكن سحره متضمناً الكفر: فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد ﵏. أما أبو حنيفة ﵀ فقال: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك، أو يقرّ بذلك في حقّ شخص معين.
وإذا قتل فإنه يقتل حداً عندهم إلا الشافعي فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصاً٢.
أما هل يقتل الساحر بمجرد فعله السحر؟
قال مالك وأبو حنيفة ورواية عن أحمد: يقتل٣.
وقال الشافعي: الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر يقتل، فإذا عمل عملاً دون الكفر لم نر عليه قتلا٤. وهو رواية عن أحمد٥.
أما عن قبول توبة الساحر: فقد منع من قبولها الإمام أبو حنيفة، والإمام
стр. 189
مالك، والإمام أحمد في رواية. وقال الإمام الشافعي والإمام أحمد في رواية أخرى: تقبل توبته.
وأما ساحر أهل الكتاب: فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل ساحر المسلمين. وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يقتل: يعني لقصة لبيد بن الأعصم.
وأما الساحرة التي تنتسب إلى الإسلام: فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل١.
ونخلص من ذلك إلى أنه لا خلاف بين العلماء في قتل الساحر إذا اشتمل سحره على الكفر، أو قتل بسحره شخصاً معيناً بإقراره وإنما الخلاف في قتل الساحر الذي يشتمل سحره على عمل دون الكفر –كما مر عند ذكر أقوال العلماء في ذلك-.
وقد ترجح لدى الشيخ الأمين ﵀ أن الساحر الذي لا يتمّ سحره إلا بالكفر: يقتل كافراً إن لم يتب؛ لأنه قد ارتد وبدل دينه. لكن إن استتيب فتاب وأناب فالراجح قبول توبته:
يقول ﵀: "إن السحر نوعان.... منه ما هو كفر، ومنه ما لا يبلغ بصاحبه الكفر. فإن كان الساحر استعمل السحر الذي هو كفر: فلا شك في أنه يقتل كفراً؛ لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ٢. وأظهر القولين عندي في استتابته: أنه يستتاب، فإن تاب قبلت توبته" ٣.
ويعلل ﵀ قبول توبة الساحر، فيقول: "لأن الله لم يأمر
стр. 190
نبيه، ولا أمته ﷺ بالتنقيب عن قلوب الناس، بل بالاكتفاء بالظاهر. وما يخفونه في سرائرهم أمره إلى الله تعالى" ١.
وأما ساحر أهل الكتاب: فيؤكد ﵀ أنه يقتل، فيقول: "وأظهر الأقوال عندنا أنه لايكون أشد حرمة من ساحر المسلمين، بل يقتل كما يقتل ساحر المسلمين" ٢.
وأما من استدلّ بقصة لبيد بن الأعصم على عدم قتل ساحر أهل الكتاب: فقد ردّ الشيخ الأمين ﵀، وبين سبب عدم قتل لبيد بن الأعصم مع أنه سحر النبي ﷺ بقوله: "بينت الروايات الصحيحة أنه ترك قتله اتقاء إثارة فتنة. فدلّ على أنه لولا ذلك لقتله. وقد ترك المنافقين لئلا يقول الناس محمد يقتل أصحابه، فيكون في ذلك تنفير عن دين الإسلام، مع اتفاق العلماء على قتل الزنديق؛ وهو عبارة عن المنافق –والله أعلم-"٣.
وأما المرأة الساحرة: فيرجح ﵀ أن حكمها حكم الرجل على التفصيل المتقدم، فيقول: "وأظهر القولين عندي: أن المرأة الساحرة حكمها حكم الرجل الساحر، وأنها إن كفرت بسحرها قتلت كما يقتل الرجل؛ لأن لفظة (من) في قوله: "من بدل دينه فاقتلوه " ٤ تشمل الأنثى على أظهر القولين وأصحهما إن شاء الله تعالى. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآية٥؛ فأدخل الأنثى في لفظة (من) ، وقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنّ﴾ الآية٦
стр. 191
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ﴾ ١، إلى غير ذلك من الآيات" ٢.
وللعلماء أدلة وحجج في قتل الساحر وعدمه. وقد ذكر الشيخ الأمين ﵀ هذه الأدلة وناقشها، ثم رجح ما يظهر له أنه الصواب من الأقوال في ذلك. وهاك تفصيل ذلك:
أولاً: الذين قالوا بقتل الساحر مطلقاً:
استدلوا بآثار عن الصحابة، وحديث. فمن هذه الآثار:
١- قول عمر بن الخطاب ﵁ قبل موته بسنة: "اقتلوا كل ساحر". قال الراوي: فقتلنا في يوم واحد ثلاث سواحر٣.
٢- وما رواه مالك من أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها فأمرت بها فقتلت٤.
٣- ومارواه البخاري في تاريخه الكبير: "كان عند الوليد رجل يلعب. فذبح إنساناً وأبان رأسه، فجاء جندب الأزدي٥ فقتله" ٦.
٤- وبما رواه الترمذي والدارقطني عن جندب قال: قال رسول الله
стр. 192
صلى الله عليه وسلم: " حد الساحر ضربة بالسيف" ١.
قال الشيخ الأمين ﵀ عن هذه الأدلة: "فهذه الآثار التي لم يعلم أن أحداً من الصحابة أنكرها على من عمل بها، مع اعتضادها بالحديث المرفوع المذكور. وهي حجة من قال بقتله مطلقاً. والآثار المذكورة، والحديث فيهما الدلالة على أنه يقتل ولو لم يبلغ به سحره الكفر؛ لأن الساحر الذي قتله جندب ﵁ كان سحره من نحو الشعوذة والأخذ بالعيون، حتى إنه يخيل إليهم أنه أبان رأس الرجل، والواقع بخلاف ذلك. وقول عمر: "اقتلوا كل ساحر" يدل على ذلك لصيغة العموم٢"٣.
فالشيخ ﵀ يرى أن هذه الأدلة قوية ومعتبرة، ولها وزنها في الحكم؛ (أعني الحكم بقتل الساحر مطلقاً) ؛ حيث إنها من عمل بعض الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يعلم أن أحداً من الصحابة أنكرها على من عمل بها.
стр. 193
ثانياً: أدلة من فصّلوا في الحكم على الساحر:
ذكر الشيخ الأمين ﵀ أدلة الفريق الثاني، وهي كما يلي:
١- استدلوا بما رواه البخاري بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة" ١.
ووجه الاستشهاد بهذا الحديث: أن السحر الذي لم يكفر صاحبه ليس من الثلاث المذكورة في الحديث.
٢- واحتجوا بأن عائشة ﵂ باعت مدبرة لها سحرتها٢.
ولو وجب قتلها لما جاز بيعها.
وذكر الشيخ ﵀ أن بعضهم٣ أراد أن يوفق بين أدلة الفريقين بحمل أدلة الفريق الأول الدالة على قتل الساحر مطلقاً بأن المراد السحر الذي يشتمل على كفر. أما الذي لا يبلغ سحره الكفر فتحمل عليه أدلة من قال بعدم القتل.
لكن الشيخ ﵀ لم يرتض هذا الجمع، ورد على ذلك بقوله: "لا يصح؛ لأن الآثار الواردة في قتله جاءت بقتل الساحر الذي سحره من نوع الشعوذة؛ كساحر جندب الذي قتله. وليس ذلك مما يقتضي الكفر المخرج من ملة الإسلام كما تقدم إيضاحه؛ فالجمع غير ممكن. وعليه فيجب الترجيح: فبعضهم يرجح عدم القتل؛ بأن دماء المسلمين حرام إلا
стр. 194
بيقين١. وبعضهم يرجح القتل؛ بأن أدلته خاصة، ولا يتعارض عام وخاص لأن الخاص يقضي على العام عند أكثر أهل الأصول كما هو مقرر في محله" ٢.
والشيخ الأمين ﵀ يميل إلى القول بعدم قتل الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر، فيقول: "والأظهر عندي أن الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر، ولم يقتل به إنساناً أنه لا يقتل؛ لدلالة النصوص القطعية والإجماع على عصمة دماء المسلمين عامة إلا بدليل واضح. وقتل الساحر الذي لم يكفر بسحره لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ , والتجرؤ على دم مسلم من غير دليل صحيح من كتاب أو سنة مرفوعة غير ظاهر عندي.
والعلم عند الله تعالى. مع أن القول بقتله قوي جداً بفعل الصحابة له من غير نكير" ٣.
وما قاله الشيخ ﵀: قال به قبله الشافعي، وأحمد –في رواية- وابن المنذر٤، والنووي٥، والقرطبي٦.
حل السحر عن المسحور:
يقال لحل السحر عن المسحور، وكشفه وعلاجه: النشرة. وقد نقل الشيخ الأمين ﵀ اختلاف العلماء في حكمها، فذكر أن بعضهم قد أجازها، وبعضهم قد منع منها.
стр. 195
وممن أجازها: سعيد بن المسيب١ رحمه الله تعالى؛ قال قتادة٢:
(قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طبّ٣، -أو يؤخذ عن أمراته- أيُحلّ عنه، أو ينشر؟ قال: لابأس، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه) ٤.
ومال إلى هذا المزني٥، وقال الشعبي٦: لابأس بالنشرة٧. وكذا قال أبو جعفر الطبري. وممن كرهها: الحسن البصري٨.
أما الشيخ ﵀ فيرى أن السحر إن كان يحل بالآيات الشرعية، والأدعية المأثورة: فهذا مباح. وإن كان لا يحل إلا بسحر مثله، أو شيء ممنوع شرعاً: فهذا لايجوز.
يقول ﵀: "إن استخراج السحر إن كان بالقرآن والمعوذتين وآية الكرسي، ونحو ذلك مما تجوز الرقية به: فلا مانع من ذلك. وإن كان
стр. 196
بسحر، أو بألفاظ عجمية، أو بما لا يفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز: فإنه ممنوع. وهذا واضح، وهو الصواب إن شاء الله تعالى كما ترى" ١.
فالشيخ ﵀ لم يمنع النشرة إن كانت بسبب مباح شرعاً. أما النشرة التي تكون عن طريق الشيطان والسحرة: فهذه التي منعها؛ لأن السحر من السبع الموبقات، فكيف يحل الذهاب إلى الساحر والطلب منه أن يفك السحر، والله لم يجعل شفاء أمة محمد ﷺ فيما حرم عليها.
وأختم هذه المسألة بكلام للشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن٢ ﵀ في النشرة، يقول فيه: "إن ما كان منه بالسحر فيحرم. وما كان بالقرآن والدعوات والأدوية المباحة فجائز. والله أعلم" ٣.
وهذا الكلام يتوافق مع ما قاله الشيخ الأمين ﵀ في هذه المسألة.
قدر تأثير الساحر في المسحور:
أشار الشيخ الأمين ﵀ إلى أن هناك خلافاً بين العلماء في بيان القدر الذي يمكن أن يبلغه تأثير السحر في المسحور.
وقد فصّل الشيخ ﵀ في هذه المسألة، وجعل لها واسطة وطرفين.
فالطرف الأول: لا خلاف في أن تأثير السحر يبلغه؛ كالتفريق بين الرجل وامرأته، وكالمرض الذي يصيب المسحور من السحر، ونحو ذلك.
стр. 197
واستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة:
أما الكتاب: فأشار إلى قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ١.
أما من السنة: فأورد الحديث الثابت في الصحيحين، وفيه أن رسول الله ﷺ سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن٢.
والطرف الثاني: لا خلاف في أن تأثير السحر لايمكن أن يبلغه؛ كإحياء الموتى، وفلق البحر، ونحو ذلك.
وأما الواسطة: فهي التي وقع فيها الخلاف بين العلماء.
وأمثلتها: هل يجوز أن ينقلب الإنسان بالسحر حماراً. أو الحمار إنسانا؟ وهل يصحّ أن يطير الساحر في الهواء؟ أو يدقق جسمه حتى يتمكن من الدخول من كوة ضيقة؟ أو ينتصب على رأس قصبة؟ أو يجري على خيط مستدق؟ أو يمشي على الماء، ويركب الكلب، ونحو ذلك؟
ثمّ ذكر ﵀ أن بعض الناس جعل من مقدور الساحر أن يفعل هذه الأمور. ومنهم الفخر الرازي٣. وبعضهم منع ذلك٤.
стр. 198
وممن أجازه المازري١، وقال: هو مذهب الأشعرية٢؛ لأنه لا فاعل إلا الله تعالى٣.
وكذلك أجازه القرطبي، ونقل ذلك عن بعض مشايخه، فقال: "قالوا: ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات، والانتصاب على رأس قصبة، والجري على خيط مستدق، والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وركوب كلب، وغير ذلك. ومع ذلك فلا يكون السحر موجباً لذلك، ولا علة لوقوعه، ولا سبباً مولداً، ولا يكون الساحر مستقلاً به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر. كما يخلق الشبع عند الأكل، والري عند شرب الماء" ٤.
أما موقف الشيخ ﵀ فيختلف عن موقف من أجازه بهذا المعنى الذي تقدم؛ فإنه ﵀ قد أوضح أن هذا النوع من السحر مقتدر
стр. 199
للساحر على سبيل أن الله هو خالق الأسباب ومسبباتها. وما يجري من هذه الأفعال فالسحر سبب له. لكنه ﵀ يميل إلى أن هذه الأمثلة هي من نوع التخييل والشعوذة، ليست من نوع تغيير طبيعة الشيء إلى غيرها. وقد أكد أنّ هذا المعنى هو الأظهر عنده فقال: "أما بالنسبة إلى أنّ الله قادر على أن يفعل جميع ذلك، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب وإن لم تكن هناك مناسبة عقلية بين السبب والمسبب كما قدمناه مستوفى في سورة مريم١، فلا مانع من ذلك والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢. وأما بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم عليه دليل مقنع؛ لأن غالب ما يستدلّ عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول، ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة والأخذ بالعيون، لا قلب الحقيقة مثلاً إلى حقيقة أخرى. وهذا هو الأظهر عندي، والله تعالى أعلم" ٣.
وأوضح كلام الشيخ ﵀ ببعض النقاط:
أولاً: ما قاله الشيخ الأمين ﵀ من أنّ الله قادر على أن يفعل، وأنه سبحانه يجعل بعض الأسباب لها تأثير في بعض الأشياء. هذا هو معتقد أهل السنة في أفعال الله . والشيخ ﵀ بهذا الكلام يردّ على من جعل بمقدور الساحر أن يفعل ما مرّ معنا من الأمثلة، على كون الله هو الفاعل، وأن الساحر لا سبب له في ذلك ولا قدرة، وإنما خلقه الله عندما يريد الساحر ذلك، لا كونه جعله سبباً لحصول هذه الأمور. وهذا هو قول من ينكر حكمة الله والأسباب التي جعلها سبباً لحصول بعض
стр. 200
الأشياء، ولا فعل للعبد عندهم، والله هو الفاعل. وهذا هو قول الأشاعرة كما مرّ معنا، وهو مخالف للنقل والعقل وهو حقيقة قول الجبرية١. وقد بين شيخ الإسلام ﵀ مقدورات الله، وأنها على قسمين، فقال: "منها ما يفعله بواسطة قدرة العبد؛ كأفعال العباد وما يصنعونه. ومنها ما يفعله بدون ذلك؛ كإنزال المطر" ٢.
وبهذا يتضح مراد الشيخ الأمين ﵀؛ وهو أنّ الله يعطي الساحر من الأسباب ما به يستطيع أن تحصل له هذه الأمور، والله هو خالق الأسباب ومسبباتها.
ثانياً: ما ذكر الشيخ ﵀ من الأمثلة المختلف فيها عن مقدورات الساحر: فهي بمقدور الخلق من الجنّ والإنس فعله، وليست بصعبة عليهم. أما المثال الذي ذكره ضمن الأمثلة؛ وهو أن الساحر بمقدوره أن يقلب الإنسان حماراً، والحمار إنساناً: فهذا ليس باستطاعة الخلق فعله؛ لأنه ليس من مقدورهم، إلا على سبيل التخييل والشعوذة؛ لأن السحرة تساعدهم الشياطين، وهذا الأمر ليس باستطاعة الشياطين فعله؛ لأنها لا تستطيع قلب عين إلى آخر، ولا التصرف في الطبائع والحقائق، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وجميع ما يختص بالسحرة والكهان وغيرهم ممن ليس بنبيّ: لا يخرج عن مقدور الإنس والجنّ. وأعني بالمقدور: ما يمكنهم التوصل إليه بطريق من الطرق....فما يقدر عليه الساحر من سحر بعض الناس حتى يمرض أو يموت هو من مقدور الجنّ،
стр. 201
وهو من جنس مقدور الإنس" ١.
وقال أيضاً: "فإنّ الساحر قد يصعد في الهواء والناس ينظرونه، وقد يركب شيئاً من الجمادات؛ إما قصبة، وإما خابية، وإما مكنسة، وإما غير ذلك فيصعد به الهواء، وذلك أنّ الشياطين تحمله. وتفعل الشياطين هذا ونحوه بكثير من العباد والضلال من عباد الشركس ... وكذلك المشي على الماء: قد يجعل له الجن ما يمشي عليه وهو يظن أنه يمشي على الماء، وقد يخيلون إليه أنه التقى طرفا النهر ليعبر، والنهر لم يتغير في نفسه، ولكن خيلوا إليه ذلك" ٢.
إذاً: ما يفعله الساحر من هذه الأمور يكون بمساعدة الشيطان له، فتتضافر قدرة الشيطان مع فعل الساحر فيحصل المطلوب.
فالشياطين يتلبسون بالسحرة، ويحققون مآربهم إذا أطاعوهم، لكن لا يستطيعون قلب عين إلى أخرى؛ لأنه ليس بمقدور الخلق فعل ذلك، وإنما هو الله وحده.
والشيخ الأمين ﵀ يميل إلى أنّ هذه الأمور التي يظهر منها أنّ عين الشيء انقلبت إلى أخرى هي من التخييل والشعوذة، وسحر عين الرائي، وليس من قلب الحقيقة إلى أخرى.
ولا شك أن عمل الساحر إما أن يكون بالتأثير على أعين الناس؛ فيرون الشيء على غير حقيقته. وإما أن يكون التأثير في المشاهد بفعل السحر الذي يتم بتعاون الشياطين مع السحرة؛ قال ابن القيم ﵀: "إنّ الساحر يفعل هذا وهذا؛ فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به. وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية
стр. 202
حتى يتصرف فيها" ١.
وكل ذلك –ولله الحمد- ليس فيه قلب للحقائق كما قال الشيخ الأمين ﵀؛ لأن السحر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لا يتعدى مقدور الخلق، والخلق ليس باستطاعتهم قلب الطبائع.
стр. 203
المطلب السادس: البناء على القبور
من أعظم الأمور خطرا على عقيدة المسلم: هذه الفتنة التي انتشرت في الكثير من بلاد المسلمين؛ ألا وهي فتنة البناء على القبور، ورفع القباب الفخمة، والمباني الكبيرة عليها، وإنفاق الأموال الطائلة على زخرفتها وتزويقها. فإذا رآها الجاهل عظمها في قلبه، ودخلت عليه المهابة من صاحب القبر. فصار ذلك وسيلة للوقوع في الشرك؛ إذ قد يزين له الشيطان أن يطلب من صاحب القبر الذي اعتقد أنه عظيم من العظماء ززقعت في قلبه مهابته ما لا يقدر عليه إلا الله فيقع في الشرك الذي حذرنا منه رسولنا الكريم ﷺ .
وسداً لهذه الذريعة نهى رسول الله ﷺ عن إقامة الأبنية على القبور، ولعن من يفعل ذلك؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" ١.
ولا شك أنّ البناء على القبور محادة لله ورسوله. ورغم أنه كذلك فقد صار في بعض بلدان المسلمين ديناً يتقرب به إلى الله؛ وذلك بسبب جهل الناس، وقلة من ينكر عليهم ذلك.
وقد ذكر الشيخ الأمين ﵀ أن بعض من يفعل ذلك زعم أن الكتاب والسنة دلا على اتخاذ المساجد على القبور، وذكر ﵀ أن عمدتهم في
стр. 204
ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ١، وما ثبت في الصحيح من أنّ موضع مسجد النبي ﷺ كان فيه قبوراً للمشركين٢.
وقد عقب ﵀ على هذا الاستدلال الذي به جوزوا البناء على القبور بوصفه إياه بأنه: "في غاية السقوط، وقائله من أجهل خلق الله" ٣.
وقد تبنى ﵀ رد الإمام الطبري ﵀ على من استدل بهذه الآية، وهذا الحديث على جواز البناء على القبور بقوله: "وقد قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في هؤلاء القوم مانصه: وقد اختلف في قائلي هذه المقالة٤: أهم الرهط المسلمون، أم هم الكفار؟ فإذا علمت ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار، فلا إشكال في أن فعلهم ليس بحجة؛ إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري. وعلى القول بأنهم مسلمون كما يدلّ له ذكر المسجد؛ لأن اتخاذ المساجد من صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية أنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ إلا من طمس الله بصيرته؛ فقابل قولهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ٥ بقوله ﷺ في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " الحديث٦. يظهر لك أنّ من اتبع هؤلاء القوم في
стр. 205
اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق ﷺ كما هو واضح. ومن كان ملعوناً على لسانه ﷺ فهو ملعون في كتاب الله، كما صحّ عن ابن مسعود ﵁؛ لأنّ الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١ ... "٢.
وبذلك يتضح أنّ هذه الآية لا تدل على جواز البناء على القبور كما زعم بعضهم.
وقد قال العلامة الألوسي٣ ﵀: "وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة، مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٤.
وهذا واضح؛ إذ لو كان شرعاً لمن قبلنا لما لعن رسول الله ﷺ فاعله من الأمم الماضية، فدلّ على أنه من الأمور المحرمة عند جميع الأمم؛ لأنه من وسائل الشرك. وكما هو معروف فإن الأنبياء جميعهم يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويسدون الذرائع الموصلة إلى عبادة غيره جل وعلا.
أما استدلالهم بأنه كان في موضع مسجد الرسول ﷺ قبور للمشركين؛ فقد نقل الشيخ الأمين ﵀ ردّ الإمام الطبري على هؤلاء فقال ﵀: "وأما استدلالهم بأن مسجد النبي ﷺ بالمدينة مبني في محل مقابر المشركين: فسقوطه ظاهر؛ لأنّ النبي ﷺ أمر بها فنبشت وأزيل ما فيها؛ ففي الصحيحين من
стр. 206
حديث أنس ﵁: "فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل. فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع. فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة ... " الحديث. هذا لفظ البخاري١، ولفظ مسلم قريب منه بمعناه٢. فقبور المشركين لا حرمة لها، ولذلك أمر ﷺ بنبشها وإزالة ما فيها، فصار الموضع كأن لم يكن فيه قبر أصلاً؛ لإزالته بالكلية. وهو واضح كما ترى" ٣.
ولذلك لايوجد –ولله الحمد- أدلة يتمسك بها من أجاز البناء على القبور؛ لأنّ مبدأ عبادة الأوثان أصلها من الفتنة بالمقبورين. لذلك نهى رسول الله ﷺ عن البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وحذر أمته من ذلك. وكلّ ذلك من نصحه ﵊ لأمته، ومن حرصه على حماية جناب التوحيد؛ فالفتنة بالمقبورين من الوسائل الموصلة إلى عبادتها من دون الله جل وعلا، وهذا ما يريده الشيطان من المؤمنين؛ يريد أن يضلهم ضلالاً بعيداً.
وقد بيّن الشيخ الأمين ﵀ حرمة البناء على القبور فقال: "والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز البناء على القبور ولا تجصيصها؛ لما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي الهياج الأسدي٤ أن علياً ﵁ قال له: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؛ ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" ٥، ولما ثبت
стр. 207
في صحيح مسلم وغيره أيضاً عن جابر ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه" ١. فهذا النهي ثابت عنه ﷺ , وقد قال: "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " ٢ وقال جل وعلا: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣"٤.
وهذه النصوص الشرعية التي ذكرها الشيخ ﵀ أدلة قاطعة على تحريم هذا العمل، حتى تبقى دعوة التوحيد خالصة لله لا يشوبها إشراك؛ لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فهذا التحذير منه، واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المساجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة في هذا. ودليل على الحذر من جنس أعمالهم حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من هذا الجنس. ثم من المعلوم ما قد ابتلى به كثير من هذه الأمة من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء. وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة" ٥.
ولذلك نرى الشيخ الأمين ﵀ يؤكد أن عقيدة هذه الأمة المحمدية هي تحريم البناء على القبور، وقد أيد كلامه بالنصوص الصريحة في النهي عن البناء على القبور، وفي الأمر بهدم ما بني منها وتسويته بالأرض سداً لذريعة الشرك. وحماية لجناب التوحيد.
стр. 208
الفصل الثالث: جهود الشيخ الأمين في توضيح توحيد الأسماء والصفات
المبحث الأول: جهود الشيخ في إبراز عقيدة السلف في الصفات
المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات
...
الفصل الثالث: جهود الشيخ الأمين في توضيح توحيد الأسماء والصفات
تمهيد:
إن توحيد الأسماء والصفات من أصول دين الإسلام الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه.
وتوحيد الأسماء والصفات أحد أقسام التوحيد الثلاثة الذي لا يتم الإيمان إلا به، والله خلق الخلق ليعرفوه، ويعبدوه.
والطريق إلى معرفة الله يكون بمعرفة أسمائه وصفاته، والتعبد بها، وقد عرف رسول الله ﷺ أمته به. والله ﵎ وصف لنا نفسه سبحانه، ووصفه رسوله ﷺ . وليس لنا طريق لمعرفته إلا الكتاب والسنة؛ لأن الله لا يرى في هذه الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ ١، وكما قال ﷺ : "إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" ٢.
فهذا النوع من التوحيد من أشرف العلوم، وبمعرفته يتم إيمان العبد. وهو يستلزم أن لا يعبد إلا الله، ولا يتوجه إلا إليه سبحانه؛ فهو إذاً مستلزم لتوحيد الألوهية؛ فإذا أخبرنا الله بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وبأنه الخالق والرازق، والمعطي والمانع فهذا يستلزم أن لا نصرف شيئاً من العبادة إلا إليه، وأن لا نشرك به أحدً جلّ وعلا.
стр. 209
وللإمام ابن القيم ﵀ كلام نفيس حول هذا المعنى يقول فيه ﵀: "فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ أعني من موجبات العلم بها، والتحقق بمعرفتها وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح؛ فعلم العبد بتفرد الربّ تعالى بالضر والنفع، والعطاء والمنع، والخلق والرزق، والإحياء والإماتة: يثمر له عبودية التوكل عليه باطناً، ولوازم التوكل وثمراته ظاهراً. وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور: يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كلّ ما لا يرضي الله"١.
ثم يذكر بعض الصفات وآثارها، ويختم كلامه بقوله: "فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات"٢.
ولذلك فأهمية هذا التوحيد في حياة المسلم عظيمة، وآثاره في هذا الكون جليلة.
وقد تكفل الله بإظهار دينه، وبحفظه عن التبديل والتحريف حتى يبقى الدين كله لله، وهيأ له العلماء الذين يذوذن عنه تحريف الغالين، وتلبيس الجاهلين، وانتحال المبطلين، فكلما ظهرت بدعة قيض الله لها من كشف زيفها وضررها على الدين؛ لأنه لا رسول ولا نبي بعد خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ . وبذلك بقي معتقد السلف ظاهراً وواضحاً لا لبس فيه ولا خفاء.
وقد اهتم علماء السنة بهذه العقيدة؛ فمنهم من ألف في تسهيلها وتوضيحها المؤلفات العظيمة، ومنهم من ردّ على من خاض فيها بغير علم
стр. 210
ودعا إلى غير هدى.
ومن هؤلاء العلماء: الشيخ محمد الأمين ﵀، الذي نصر عقيدة أهل السنة والجماعة بلسانه وقلمه، وذاد عن حماها كلّ معطل ومحرف ومشبه، وقلّ أن يخلو كتاب من كتبه من اهتمام بعقيدة السلف، ودعوة إليها؛ كما مر معنا عند الكلام على جهوده في إبراز توحيد الألوهية واهتمامه به، وكما سيظهر لنا في هذا الفصل من اهتمامه بتوحيد الأسماء والصفات.
ومن أول الأمور الدالة على اهتمام الشيخ الأمين ﵀ بهذا النوع من التوحيد، والتي يلاحظها الباحث عند قراءته في مؤلفاته أنه جعل البحث في الصفات نوعاً من أنواع بيان القرآن بالقرآن؛ فيقول ﵀:
"ومن أنواع البيان المذكور قي هذا الكتاب المبارك، وهو من أهمها: بيان أنّ جميع ما وصف الله به نفسه في هذا القرآن العظيم من الصفات؛ كالاستواء، واليد، والوجه، ونحو ذلك من جميع الصفات: فهو موصوف به حقيقة لا مجازاً، مع تنزيهه جلّ وعلا عن مشابهة صفات الحوادث عن ذلك علوا كبيراً. وذلك البيان العظيم لجميع الصفات في قوله جلّ وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١؛ فنفى عنه مماثلة الحوادث بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وأثبت له الصفات على الحقيقة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ " ٢.
ومن اهتمامه بهذا النوع من أنواع التوحيد: إبرازه وإيضاحه بأسلوب عربي بعيد عن مصطلح أهل الكلام؛ لتكون الفائدة في الانتفاع به أعمّ: يقول ﵀: "وقد أردنا أن نوضحها هنا باختصار بأسلوب عربي خال
стр. 211
من اصطلاح أهل المنطق وأهل البحث والمناظرة، لينفع الله بذلك من أراد هدايته من خلقه"١.
لذلك نراه ﵀ يكره التعمق في آيات الصفات مشيراً إلى أن ذلك هو طريق السلف، فيقول ﵀: "اعلموا أن كثرة الخوض والتعمق في البحث في آيات الصفات، وكثرة الأسئلة في ذلك الموضوع من البدع التي يكرهها السلف"٢.
لأن عقيدة السلف واضحة تقوم على نصوص الكتاب والسنة، بعيدة عن شبه المعطلين والمشبهين، وتربط المسلم بسلفه الصالح، وتحجزه عن أن يتكلم في ذات الله وصفاته بغير علم.
لذلك نرى الشيخ ﵀ مستاءً من ابتعاد كثير من الناس عن طريق السلف الصالح، وانتهاجهم طريقة أهل المنطق التي توقع صاحبها في تعطيل الله عن صفاته.
يقول ﵀"أما هذا الكلام الذي يدرس في أقطار الدنيا اليوم في المسلمين؛ فإن أغلب الذين يدرسونه إنما يثبتون من الصفات التي يسمونها صفات المعاني سبع صفات فقط، وينكرون سواها من المعاني"٣.
لذا فقد اعتنى الشيخ ﵀ بإظهار العقيدة الصحيحة، والذبّ عنها؛ فقد أبرز ﵀ الأسس التي يقوم عليها منهج الأسماء والصفات عند السلف، وأنّ الضابط هو الكتاب والسنة؛ فكلّ ما ثبت فيهما من الصفات يوصف به الله على ما يليق بجلاله . وكذلك فقد أبان ﵀ عن كثير من الصفات بالتفصيل وفق العقيدة الصحيحة، مبينا أدلتها، وسهولة مأخذها وأنها بعيدة عن شوائب التشبيه والتعطيل.
стр. 212
ثم نراه ﵀ يبيّن خطأ طريقة المتكلمين في الصفات، موضحا شبههم، ورادا عليهم. وقد أثبت رجوع كثير من أئمتهم في أواخر حياتهم مؤيدا ذلك بنقولات من كتبهم.
وفي الأخير يعقد مقارنة بين مذهب السلف وبين الخلف مبرزا مذهب السلف، مشيرا إلى أنه هو الأسلم والأحكم والأعلم، وأنه المنجي يوم القيامة، موضحا الأخطاء التي وقع فيها أهل التأويل، وأنّ الاعتقاد فيهم أنهم اجتهدوا فأخطأوا فكان قصدهم حسنا، غير أنّ طريقهم سيئ.
هذه أبرز النقاط التي تحدث عنها الشيخ ﵀ عند كلامه على توحيد الأسماء والصفات.
وقد قمت بتقسيم هذا الفصل إلى مبحثين: تكلمت في الأول عن جهود الشيخ ﵀ في إبراز عقيدة السلف في الأسماء والصفات، وفي الثاني عن موقفه ﵀ من أهل التأويل.
стр. 213
المبحث الأول: جهود الشيخ في إبراز عقيدة السلف في الصفات
المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات:
يقوم هذا التعريف على أساسين، ذكرهما الله في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، وهما: إثبات صفات الكمال كما جاءت بالسمع، ونفي صفات العيوب والنقص. وقد اعتمد الشيخ ﵀ على هذه الآية عند تعريفه لهذا النوع من أنواع التوحيد؛ فقد أثبت الأسماء والصفات لله كما جاءت في الكتاب والسنة، مع نفي صفات النقص والعيوب. قال ﵀ عند تعريفه لأنواع التوحيد: (النوع الثالث) : هو توحيده جلّ وعلا في أسمائه وصفاته. وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين، كما بينه جلّ وعلا: (الأول) : هو تنزيهه تعالى عن مشابهة صفات الحوادث.
(الثاني) : هو الإيمان بكل ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، حقيقة لا مجازا على الوجه اللائق بكماله وجلاله.
ومعلوم أنه لا يصف الله أعلم بالله من الله، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله.
والله يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ٢، ويقول عن رسوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣، فقد بيّن تعالى نفي المماثلة عنه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وبين إثبات الصفات له على الحقيقة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فأول الآية يقضي بعدم التمثيل،
стр. 214
وآخرها يقضي بعدم التعطيل.
فيتضح من الآية أنّ الواجب إثبات الصفات حقيقة من غير تمثيل، ونفي المماثلة من غير تعطيل. وبيّن عجز الخلق من الإحاطة به جلّ وعلا، فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ١ ... "٢.
ويقول ﵀ في موضع آخر:
"إن الحقّ الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه الصفات التي أثبتها تعالى لنفسه، والإيمان بها من غير تكييف٣، ولا تشبيه٤، ولا تعطيل٥، ولا تمثيل٦ ... "٧.
ويزيد ﵀ هذا المعنى إيضاحا، مبينا الطريقة الصحيحة لفهم الصفات، والضابط الذي نميز به صفات الله حتى نعتقدها في قلوبنا، ونتعبد بها في جوارحنا، فيقول: "ومن اعتقد أنّ وصف الله يشابه صفات الخلق، فهو مشبه ملحد ضال. ومن أثبت ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ مع تنزيهه جلّ وعلا عن مشابهة الخلق، فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال والتنزيه عن مشابهة الخلق سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، والآية التي أوضح الله بها هذا هي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فنفى عن نفسه جلّ وعلا مماثلة الحوادث بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فصرح في
стр. 215
هذه الآية الكريمة بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال"١.
وقال الشيخ الأمين ﵀ في موضع آخر، عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ ٢: "فنحن معاشر المسلمين نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ , ونثبت له ما أثبت لنفسه، منزهين خالق السموات والأرض عن مشابهة الخلق، فلا نميل إلى التعطيل، ولا إلى التمثيل، بل نقرّ بصفات الله ونؤمن بها على سبيل مخالفة صفات الخلق، كما علمنا الله في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣ ... "٤.
وهذا المسلك الذي سلكه الشيخ الأمين ﵀ في توضيحه لتعريف توحيد الأسماء والصفات، هو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "فالأصل في هذا الباب -توحيد الصفات- أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيا وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه. وقد علم أنّ طريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن