رضي الله عنه _ أنه قال، لما توفي ﷺ : "بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين؛ أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها. وقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات"١، واستدل على ذلك بالقرآن، ورجع إليه جميع أصحاب النبي ﷺ . وأما الحياة التي أثبتها الله للشهداء في القرآن، وحياته ﷺ التي ثبتت في الحديث أنه يرد بها السلام على من سلم عليه٢؛ فكلتاهما حياة برزخية ليست معقولة لأهل الدنيا؛ أما في الشهداء فقد نص تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣، وقد فسرها النبي ﷺ بأنهم تجعل أرواحهم في حواصل طيور خضر ترتع في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فهم يتنعمون بذلك٤وأما ما ثبت عنه ﷺ من أنه لا يسلم عليه أحد إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇، وأن الله وَكَّلَ ملائكة يبلغون سلام أمته٥؛ فإن تلك الحياة أيضاً لايعقل حقيقتها أهل الدنيا؛ لأنها ثابتة له ﷺ , مع أن روحه الكريمة في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى فوق أرواح الشهداء، فتعلق هذه الروح الطاهرة التي هي في أعلى عليين بهذا البدن الشريف الذي لا تأكله الأرض يعلم الله حقيقتها ولا يعلمها الخلق، كما قال في جنس ذلك: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٦"٧.
стр. 387
ثم فند بالأدلة والبراهين القوية ما قد يتوهم من أن حياته ﷺ في قبره كحياته في الدنيا، فقال ﵀: "ولو كانت كالحياة التي يعرفها أهل الدنيا لما قال الصديق ﵁: إنه ﷺ مات، ولما جاز دفنه ولانصب خليفة غيره، ولا قتل عثمان، ولا اختلف أصحابه، ولاجرى على عائشة ما جرى، وليسألوه عن الأحكام التي اختلفوا فيها بعده؛ كالعول، وميراث الجد والإخوة، ونحو ذلك. وإذا صرح القرآن بأن الشهداء أحياء في قوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾ ، وصرح القرآن بأن هذه الحياة لا يعرف حقيقتها أهل الدنيا بقوله: ﴿ولكن لا تشعرون﴾ ، وكان النبي ﷺ أثبت حياته في القبر بحيث يسمع السلام ويرده، وأصحابه الذين دفنوه ﷺ لا تشعر حواسهم بتلك الحياة: عرفنا أنها حياة لا يعقلها أهل الدنيا أيضاً، ومما يقرب هذا للذهن حياة النائم؛ فإنه يخالف الحي في جميع التصرفات، مع أنه يدرك الرؤيا ويعقل المعاني. والله أعلم"١.
ثم استشهد ﵀ بكلام ابن القيم، فقال: "قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتاب الروح، ما نصه: ومعلوم بالضرورة أن جسده ﷺ في الأرض طري مطرى، وقد سأله الصحابة: "كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ " فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء "٢. ولو لم يكن جسده في ضريحه لما أجاب بهذا الجواب. وقد صح عنه أنه خرج بين أبي بكر وعمر، وقال: " هكذا نبعث "٣، هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى
стр. 388
عليين مع أرواح الأنبياء. وقد صح عنه أنه رأى موسى يصلي في قبره ليلة الإسراء، ورآه في السماء السادسة أو السابعة١؛ فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف عليه وتعلق به بحيث يصلي في قبره، ويرد سلام من يسلم عليه، وهي في الرفيق الأعلى، ولا تنافي بين الأمرين؛ فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان"٢.
ثم عقب ﵀ بقوله: "وهو يدل على أن الحياة المذكورة غير معلومة الحقيقة لأهل الدنيا، قال تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣. والعلم عند الله"٤.
стр. 389
المبحث الرابع: معجزات الأنبياء
المطلب الأول: من معجزات رسولنا محمد ﷺ
...
المبحث الرابع: معجزات الأنبياء
تمهيد:
المعجزة، كما عرفها الإمام السفاريني ﵀، هي: "ما خرق العادة من قول أو فعل، إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطابقها على جهة التحدي ابتداء، بحيث لايقدر أحد عليها ولا على مثلها ولا على ما يقاربها"١.
فالله أيد أنبياءه بالآيات الدالة على صدقهم فيما جاءُوا به من عند ربهم.
يقول الشيخ الأمين ﵀: "وما أرسل الله من رسول إلا مصحوباً بالمعجزات التي تصدقه وتؤيده. وقد بين ذلك الصادق المصدوق بقوله، ﷺ : "ما من الأنبياء من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله به إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً "٢، وهو صريح أنه ما أرسل الله رسولاً إلا أيده بما يدل على صدقه، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ٤. والآيات في ذلك كثيرة
стр. 390
جداً"١.
وقال ﵀ في موضع آخر: "إن من آياته التي يريها بعض خلقه: معجزات رسله؛ لأن المعجزات آيات؛ أي دلالات وعلامات على صدق الرسل، كما قال تعالى في فرعون: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ ٢. وبين في موضع آخر أن من آياته التي يريها خلقه: عقوبته المكذبين رسله؛ كما قال تعالى في قصة إهلاكه قوم لوط: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٣وقال في عقوبته فرعون وقومه بالطوفان والجراد والقمل ... إلخ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ ٤"٥.
وسوف أذكر بعض معجزات الأنبياء ﵈، التي تطرق إلى ذكرها الشيخ الأمين ﵀ بادئاً بمعجزات نبينا ﵇.
стр. 391
المطلب الأول: من معجزات رسولنا محمد ﷺ
أولاً: القرآن الكريم:
هو معجزة رسولنا ﷺ الباقية الخالدة الذي لا تنقضي عجائبه قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١.
وقد أشار الشيخ الأمين ﵀ إلى أن الله جل وعلا تحدى العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بعشر سور مثله، أو بسورة مثله فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢: "صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن لايكون مفترى من دون الله مكذوباً به عليه، وأنه لاشك في أنه من رب العالمين جل وعلا، وأشار إلى أن تصديقه للكتب السماوية المنزلة قبله، وتفصيله للعقائد والحلال والحرام ونحو ذلك، مما لاشك أنه من الله جل وعلا: دليل على أنه غير مفترى، وأنه لاريب في كونه من ربّ العالمين. وبين هذا في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ ٥، والآيات في
стр. 392
مثل ذلك كثيرة. ثم إنه تعالى لما صرح هنا بأن هذا القرآن ما كان أن يفترى على الله وأقام البرهان القاطع على أنه من الله؛ فتحدى جميع الخلق بسورة واحدة مثله. ولاشك أنه لو كان من جنس كلام الخلق لقدر الخلق على الإتيان بمثله، فلما عجزوا عن ذلك كلهم حصل اليقين والعلم الضروري أنه من الله جل وعلا. قال جل وعلا في هذه السورة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١، وتحداهم أيضاً في سورة البقرة بسورة واحدة من مثله، بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ الآية٢، وتحداهم في هود بعشر سور مثله، بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ الآية٣، وتحداهم في الطور به كله بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٤، وصرح في سورة بني إسرائيل بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ٥ كما قدمنا، وبين أنهم لايأتون بمثله أيضاً بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُو﴾ ٦"٧.
وقال ﵀ أيضاً: "وبين جل وعلا هنا أن الإعجاز القرآني دليل قطعي وبرهان يقيني على صدق الوحي وصحة الرسالة: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّه﴾ ٨"٩.
стр. 393
وقال ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿أْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ ١: "أي في الفصاحة، والبلاغة، وصدق الأخبار، وعدل الأحكام؛ فإن هذه الأمور مع ما يذكر الله من بدائع صنعه من إعجاز القرآن إذ لايتجرأ أحد أن يقول: أنا خلقت السموات والأرض، ونصبت الجبال إلا رمي بالجنون والسفه، بخلاف رب السموات والأرض جل وعلا"٢.
وقال ﵀ أيضاً، عند تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ ٣: "الإشارة إلى ما مضى من قصص نوح من دعوته قومه إلى عبادة الله، وعنادهم له، ومحاورته معهم في شأن أتباعه من المؤمنين، وصنعه السفينة، واستهزائهم به، وما جعل الله له من العلامة على إهلاكهم، وأمره له بحمل المؤمنين ومن كل الحيوانات زوجين في السفينة، وما كان من أمره مع ابنه، وعتاب الله له في ذلك، ورجوعه وتوبته إلى الله، ثم ما تبع ذلك من الخاتمة له ولقومه المؤمنين بالسلامة، والهلاك للكافرين؛ أي تلك القصص التي أخبرناك بها من الأمور التي هي غائبة عن الناس، وفي هذا أعظم معجزة للرسول ﷺ ؛ حيث إنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وإذا به يخبر عن غرائب التاريخ التي مضى عليها آلاف السنين بضبط وإتقان، فليست إلا بوحي من الله جل وعلا"٤.
فيا له من معجزة خالدة على مر الأيام والدهور، لاتنقضي عجائبه، ولا يمل مع التكرار.
ثانياً: الإسراء والمعراج:
الإسراء والمعراج من معجزات نبينا ﷺ , أسرى به الله
стр. 394
سبحانه وتعالى ليلاً من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء، ووصل إلى سدرة المنتهى.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ١.
وقد اختلف في كيفية الإسراء: هل هو بالروح، أم بالروح والجسد معاً؟ وهل كان ذلك يقظة أم مناماً٢؟.
وقد أشار الشيخ الأمين ﵀ إلى هذا الاختلاف، ورجح أنه بجسده وروحه، يقظة لا مناماً. وقد ذكر عدة مرجحات، فقال ﵀: "ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده ﷺ , يقظة لامناماً؛ لأنه قال: ﴿بعبده﴾ ، والعبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، ولأنه قال: ﴿سبحان﴾ ، والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه. ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ٣؛ لأن البصر من آلات الذات لا الروح، وقوله هنا: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ٤. ومن أوضح الأدلة القرآنية على ذلك: قوله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ ٥؛ فإنه رؤيا عين يقظة، لا رؤيا منام، كما صح عن ابن عباس وغيره. ومن الأدلة الواضحة على ذلك: أنها لو كانت رؤيا منام لما كانت فتنة ولا سبباً لتكذيب قريش؛ لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار؛ لأن المنام قد يرى فيه ما لايصح، فالذي جعله الله فتنة هو ما رآه بعينه من الغرائب والعجائب، فزعم المشركون أن من ادعى رؤية ذلك بعينه فهو كاذب لا
стр. 395
محالة، فصار فتنة لهم. وكون الشجرة الملعونة التي هي شجرة الزقوم على التحقيق فتنة لهم أن الله لما أنزل قوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ ١، قالوا: ظهر كذبه لأن الشجر لا ينبت بالأرض اليابسة، فكيف ينبت في أصل النار....وركوبه ﷺ على البراق يدل على أن الإسراء بجسمه؛ لأن الروح ليس من شأنه الركوب على الدواب كما هو معروف. وعلى كل حال: فقد تواترت الأحاديث الصحيحة عنه أن أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأنه عرج به من المسجد الأقصى حتى جاوز السموات السبع. وقد دلت الأحاديث المذكورة على أن الإسراء والمعراج كليهما بجسمه وروحه يقظة لا مناماً٢، كما دلت على ذلك أيضاً الآيات التي ذكرنا. وعلى ذلك من يعتد به من أهل السنة والجماعة٣، فلا عبرة بمن أنكر ذلك من الملحدين"٤.
ثم أجاب ﵀ على حديث شريك، عن أنس ﵁، والذي فيه أن الإسراء كان مناماً، فقال ﵀: "وما ثبت في الصحيحين من طريق شريك، عن أنس ﵁ أن الإسراء المذكور وقع مناماً٥لا ينافي ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة، ودلت عليه نصوص الكتاب والسنة لإمكان أن يكون رأى الإسراء المذكور نوماً، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح، فأسرى به يقظة تصديقاً لتلك الرؤيا
стр. 396
المنامية؛ كما رأى في النوم أنهم دخلوا المسجد الحرام، فجاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح، فدخلوا المسجد الحرام في عمرة القضاء عام سبع يقظة لامناماً، تصديقاً لتلك الرؤيا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِين﴾ الآية١. ويؤيد ذلك حديث عائشة الصحيح: "فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"٢، مع أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ساء حفظه في تلك الرواية المذكورة عن أنس، وزاد فيها ونقص، وقدم وأخر. ورواها عن أنس غيره من الحفاظ على الصواب، فلم يذكروا المنام الذي ذكره شريك المذكور٣. وانظر رواياتهم بأسانيدها ومتونها في تفسير ابن كثير٤ -رحمه الله تعالى-؛ فقد جمع طرق حديث الإسراء جمعاً حسناً بإتقان"٥.
ثالثاً: إخباره عن ترك الإبل، وتعطيلها آخر الزمان:
ذكر الشيخ الأمين ﵀ حديث أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "والله لينزلن ابن مريم حكماً عادلاً، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال، فلا يقبله أحد "٦.
ثم قال ﵀ معلقاً على هذا الحديث: "ومحل الشاهد من هذا الحديث الصحيح: قوله ﷺ : "ولتتركن القلاص فلا
стр. 397
يسعى عليها"؛ فإنه قسم من النبي ﷺ أنه ستترك الإبل فلا يسعى عليها. وهذا مشاهد الآن للاستغناء عن ركوبها بالمراكب المذكورة. وفي الحديث معجزة عظمى تدل على صحة نبوته ﷺ . وإن كانت معجزاته صلوات الله عليه وسلامه أكثر من أن تحصر"١.
وكما قال الشيخ الأمين ﵀ فإن معجزات نبينا محمد ﷺ أكثر من أن تحصر، لكن لما لم يذكر الشيخ الأمين ﵀ سوى هذه المعجزات، اقتصرت على ما ذكره ﵀.
стр. 398
المطلب الثاني: من معجزات موسى ﵇
قال الشيخ الأمين ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ١: "قال بعض أهل العلم: هذه الآيات التسع هي: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات٢. وقد بين جل وعلا هذه الآيات في مواضع أخر؛ كقوله: المطلب الثاني: من معجزات موسى ﵇
قال الشيخ الأمين ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ١: "قال بعض أهل العلم: هذه الآيات التسع هي: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات٢. وقد بين جل وعلا هذه الآيات في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية٤، وقوله ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ ٥، وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلات﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما ذكرنا. وجعل بعضهم الجبل بدل السنين٧، وعليه فقد بين ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ ٨، ونحوها من الآيات"٩.
стр. 399
المطلب الثالث: من معجزات صالح ﵇
قال الشيخ الأمين ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ ١: "الكلام يدل على أنهم اقترحوا عليه أن يأتيهم بمعجزة، وبالأخص الناقة؛ فقالوا: أخرج لنا ناقة عظيمة عشراء من الجبل أو الصخرة تدل على صدق دعواك الرسالة. فصلى ركعتين ودعا الله، فاضطربت الصخرة، حتى خرجت منها الناقة العشراء الجوفاء العظيمة، فكانت المواشي تشرد منها فتشرب جميع المياه، ويسقيهم كلهم من لبنها، واليوم الآخر تترك المياه فتستقي مواشيهم؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ ٤"٥.
وقال ﵀ في موضع آخر: "فأخرج الله الناقة من تلك الصخرة معجزة لصالح، وفتنة لهم؛ أي ابتلاء واختباراً، وذلك أن تلك الناقة معجزة عاينوها، وأن الله حذرهم على لسان نبيه صالح من أن يمسوها بسوء، وأنهم إن تعرضوا لها بأذى أخذهم الله بعذابه"٦.
стр. 400
وقد ذكر الأمين ﵀ أنها معجزة لكونها خرجت من الصخرة لا لكونها تشرب كل الماء، أو لكثرة لبنها.
وذكر ﵀ أيضاً، أن قوماً يزعمون أن فصيل الناقة هو الدابة التي تخرج آخر الزمان، ثم بين عدم صحة ذلك، فقال: "وكل ذلك قصص لا معول عليها، ولا ثبوت لها، والله أعلم بقصة الفصيل؛ لأن القرآن لم يبين ما كان مصيره، ولم يبينه. ولم يثبت خبره بوحي صحيح، وإنما هي روايات يحكيها المؤرخون والمفسرون"١.
стр. 401
الفصل الرابع: جهود الشيخ الأمين ﵀ في توضيح عقيدة السلف في اليوم الآخر
المبحث الأول: بعض أشراط الساعة
المطلب الأول: بعض العلامات الصغرى
...
الفصل الرابع: جهود الشيخ الأمين ﵀ في توضيح عقيدة السلف في اليوم الآخر
تمهيد:
الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الإيمان الذي لا يتم إيمان العبد إلا به، فمن أنكره فقد كفر؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ ٢.
وقد عده رسول الله ﷺ من أركان الإيمان في حديث جبريل المشهور، فقال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر: خيره وشره "٣.
ومن مقدمات اليوم الآخر ما أخبر به رسول الله ﷺ مما يكون قبل الموت من أشراط الساعة وأماراتها، وما يكون بعد الموت من فتنة القبر ونعيمه وعذابه، والنفخ في الصور، والبعث، والنشور، والحشر، والحوض، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، ورؤية الله في الجنة، وغير ذلك من أحوال الآخرة التي أخبرنا الله ورسوله عنها، والتي ينبغي على العبد تصديقها، والعمل بما يجلب مرضاة الله، ويجنب سخطه؛ قال تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ
стр. 402
وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ ٢.
وقد اهتم الشيخ الأمين ﵀ بهذا الركن العظيم، فأشار في ثنايا مؤلفاته إلى كثير من أحوال اليوم الآخر، وفصلّ في بعضها، وأجمل في البعض الآخر. ومما فصلّ فيه ﵀ من هذه الأحوال: سماع الموتى، والبعث، والصراط، وأبدية النار، والردّ على من قال بفنائها، وبرؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
وسوف أرتب ما ذكره الشيخ ﵀ عن اليوم الآخر، كما يمرّ بها العبد في رحلته إلى دار القرار.
وقد وصف ﵀ رحلة الإنسان من بدء خلقه إلى استقراره في إحدى الدارين في الآخرة، موضحاً سبب تسميتها بالدار الآخرة؛ فقال ﵀: (وإنما قيل لتلك الدار: الآخرة؛ لأنها هي آخر المنازل، فلا انتقال عنها البتة إلى دار أخرى. والإنسان قبل الوصول إليها ينتقل من محلّ إلى محلّ؛ فأول ابتدائه من التراب، ثمّ انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة، ثمّ إلى العلقة، ثمّ إلى المضغة، ثمّ إلى العظام، ثمّ كسا الله العظام لحماً، وأنشأها خلقاً آخر، وأخرجه للعالم في هذه الدار، ثمّ ينتقل إلى القبر، ثمّ إلى الحشر، ثمّ يتفرقون ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتا﴾ ٣، فسالك ذات اليمين إلى الجنة، وسالك ذات الشمال إلى النار، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ٤، فإذا دخل أهل الجنة الجنة،
стр. 403
وأهل النار النار، فعند ذلك تلقى عصا التسيار، ويذبح الموت، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ويبقى ذلك دائما لا انقطاع له ولا تحول عنه إلى محلّ آخر. فهذا معنى وصفها بالآخرة، كما أوضحه جل وعلا بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ١"٢.
стр. 404
المبحث الأول: بعض أشراط الساعة
تمهيد:
الساعة من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ ١.
ومن الأحاديث الدالة على ذلك حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: سمعت النبيّ ﷺ قبل أن يموت بشهر: "تسألونني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة "٢. وكذا حديث جبريل المشهور حين قال للنبيّ ﷺ : فأخبرني عن الساعة؟ فقال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" ٣.
فكل هذه النصوص تدل على أنّ الساعة لا يعلمها إلا الله وحده.
وهذا ما أوضحه الشيخ الأمين ﵀، فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُو﴾ الآية٤:
"هذه الآية الكريمة تدلّ على أنّ وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وقد جاءت آيات أخر تدلّ على ذلك أيضاً كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ
стр. 405
عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ ١، وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ﴾ ٢. وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية٣"٤.
وإذا كان الله قد أخفى الساعة عن الخلق، فقد جعل لها علامات تدلّ على قرب وقوعها، وردت في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
وقد قسم العلماء هذه العلامات إلى علامات صغرى، وعلامات كبرى، وهي كثيرة جداً.
وقد أشار الشيخ ﵀ إلى بعض هذه العلامات:
стр. 406
المطلب الأول: بعض العلامات الصغرى
ذكر الشيخ الأمين ﵀ بعض العلامات الدالة على قرب الساعة بطريقة استنباط من نصوص الوحي، مما يدلّ على سعة علمه وفهمه للنصوص وقوة ملكته.
ومن العلامات التي ذكرها الشيخ ﵀: قيام دولة لليهود في آخر الزمان؛ فقد سئل ﵀: هل في الكتاب والسنة ما يدلّ على قيام دولة لليهود في آخر الزمان؟ فأجاب ﵀: "إنه ثبت في الصحيح عن النبيّ ﷺ ما يدلّ بالعلامة المعروفة عند الأصوليين بدلالة الشارة على وجود دولة لهم في آخر الزمان. أما النصّ الذي دلّ على ذلك بدلالة الإشارة: فقوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر، وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله " رواه البخاري بهذا اللفظ١، ومسلم٢عن أبي هريرة ﵁....فهذا نصّ صحيح من النبيّ ﷺ أنه لابد من قتال المسلمين واليهود حتى تكون عاقبة النصر والظفر للمؤمنين. والمقاتلة بحسب الوضع اللغوي تقتضي وجود القتال من طائفتين مقتتلتين؛ لأنّ المفاعلة تقتضي الطرفين وضعا، ومن قوله ﷺ : "تقاتلوا اليهود". على وجود جنس مقاتل من اليهود. وذلك إنما يكون من طائفة
стр. 407
متحدة الكلمة تحت طاعة أمير يقاتل بهم، وذلك هو معنى دلالة الحديث على وجود دولة في آخر الزمان؛ لأنهم لو كانوا دائماً عليهم مضمون قوله تعالى: ﴿وقطعناهم في الأرض أمماً﴾ ١، وكانوا متفرقين غير مجتمعين أبداً تحت أمير على كلمة واحدة: ما صحّ قتالهم مع المسلمين الذي نصّ عليه الرسول ﷺ في الحديث الصحيح"٢.
من العلامات الصغرى:
وفي مقابل ذلك: فالشيخ ﵀ يؤكد أنّ الإسلام سيظهر في آخر الزمان كما أظهره الله في أوله، فقال ﵀: "الدين فيما مضى ظهر على جميع الأديان، وعلى الدول الكبار المعروفة؛ كالدولة الكسروية، والدولة القيصرية، ولم يبق منهم إلا من يعطي الجزية عن يد وهو صاغر، أو مسلم. وانتشر في أقطار الدنيا في شرقها وغربها، وظهر على كلّ الأديان، وسيأتي ذلك في آخر الزمان أيضاً، كما جاء في أحاديث صحيحة كثيرة: أنه لايبقى في آخر الزمان أحد إلا كان مسلماً، ولم يكن في المعمورة غير دين الإسلام، هذا معنى قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ٣، ولو كره المشركون إظهاره"٤.
ولعلّ مما يستشهد به في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ٥، وقوله ﷺ : " إن الله زوى لي الأرض فرأيت
стр. 408
مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها.." ١، وقوله ﷺ : "إنه سيفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها.." ٢.
والشيخ ﵀ لم يفصّل في ذلك الانتصار الكبير، متى يتحقق؟ وعلى يد من يكون؟.
وقد ذكر ابن جرير الطبري ﵀ عن بعض العلماء أن ذلك عند خروج عيسى حين تصير الملل كلها واحدة٣.
ويرى بعض المفسرين المعاصرين أن ذلك قبل عيسى، وأن الإسلام ستكون له الغلبة قبل قيام الساعة٤. والله أعلم.
стр. 409
المطلب الثاني: نزول عيسى ﵇
من أشراط الساعة الكبرى: نزول عيسى ﵇ من السماء حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الدجال والخنزير، ويضع الجزية، ويحكم بشريعة الإسلام. ويظهر يأجوج ومأجوج فيدعو عليهم فيموتوا ببركة دعائه١.
ثمّ يمكث في الأرض سبع سنين٢، فينتشر الأمن في الأرض، وتظهر الأرض بركاتها؛ قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها "٣.
وقد تحدث الشيخ الأمين –﵀، عن نزول عيسى ﵇، وأنه من علامات الساعة؛ فقال ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ ٤:
"التحقيق أنّ الضمير في قوله: ﴿وإنه﴾ راجع إلى عيسى، لا إلى القرآن، ولا إلى النّبي ﷺ . ومعنى قوله: ﴿لعلم للساعة﴾ على القول الحقّ الصحيح الذي يشهد له القرآن العظيم والسنة المتواترة، هو أنّ نزول عيسى في آخر الزمان حيّاً علم للساعة؛ أي علامة
стр. 410
لقرب مجيئها؛ لأنه من أشراطها الدالة على قربها"١.
وقد تطرق الأمين ﵀ عند ذكره لنزول عيسى ﵇ إلى شبهة يعتقدها من لا تحقيق عندهم بزعمهم أنّ عيسى قد توفي٢، مثل اعتقاد ضلال اليهود والنصارى. ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٣، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ ٤. وقد رد ﵀ هذا الفهم، وبين أنه لا دلالة في الآيتين على أن عيسى ﵇ قد توفي.
وقد استعان الشيخ الأمين –﵀، في ردّ مفهومهم بعلوم اللغة أثناء تفسيره لهاتين الآيتين، وذكر اختلاف أهل الأصول في الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية. وقد أطال ﵀ في تقرير ذلك.
وخلاصة كلامه ﵀ أنه جعل لقوله تعالى: ﴿إني متوفيك﴾ أربعة توجيهات للمراد بالوفاة، كلها تنفي مزاعم من قال بوفاته ﵇، وقد بين هذه التوجيهات بقوله: "الأول: إنّ قوله تعالى: ﴿متوفيك﴾ لايدلّ على تعيين الوقت، ولايدلّ على كونه قد مضى. وهو متوفيه قطعاً يوماً ما، ولكن لا دليل على أنّ ذلك اليوم قد مضى. وأما عطفه: ﴿ورافعك إليّ﴾ على قوله: ﴿متوفيك﴾ فلا دليل فيه؛ لإطباق جمهور أهل اللسان العربي على أنّ الواو لاتقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي مطلق التشريك"٥.
стр. 411
ثمّ ذكر ﵀ التوجيه الثاني والثالث، فقال: "إنّ معنى "متوفيك" أي مُنيمك. ورافعك إليّ: أي في تلك النومة. وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ١، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ٢، وعزا ابن كثير هذا القول للأكثرين، واستدلّ بالآيتين المذكورتين٣.
الوجه الثالث: أنّ متوفيك، اسم فاعل توفاه، إذا قبضه وحازه إليه، ومنه قولهم: توفى فلان دينه، إذا قبضه إليه. فيكون معنى (متوفيك) على هذا: قابضك منهم إليّ حيا. وهذا القول هو اختيار ابن جرير٤. وأما الجمع بأنه توفاه ساعات أو أياماً، ثمّ أحياه، فالظاهر أنه من الإسرائيليات. وقد نهى ﷺ عن تصديقها وتكذيبها٥.
ثمّ قال ﵀: "وأما الوجه الرابع من الأوجه المذكورة سابقاً: أن الذين زعموا أنّ عيسى قد مات، قالوا: إنه لا سبب لذلك الموت، إلا أنّ اليهود قتلوه وصلبوه. فإذا تحقق نفي هذا السبب وقطعهم أنه لم يمت بسبب غيره تحققنا أنه لم يمت أصلاً. وذلك السبب الذي زعموه منفيّ يقيناً بلا شك؛ لأنّ الله جلّ وعلا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ ٧. وضمير رفعه ظاهر في رفع الجسم والروح معاً كما لا يخفى"٨.
стр. 412
أما الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ : فقد نفى الشيخ الأمين ﵀ دلالتها على موت عيسى ﵇ من وجهين، فقال ﵀:
"الأول منهما: أنّ عيسى يقول ذلك يوم القيامة، ولاشك أنه يموت قبل يوم القيامة؛ فإخباره يوم القيامة بموته لايدلّ على أنه الآن قد مات كما لا يخفى.
والثاني منهما: أنّ ظاهر الآية أنه توفي رفع وقبض للروح والجسد، لا توفي الموت. وإيضاح ذلك: أنّ مقابلته لذلك التوفي بالديمومة فيهم، في قوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ الآية١ تدل على ذلك؛ لأنه لو كان توفي موتاً لقال: ما دمت حياً، فلما توفيتني؛ لأنّ الذي يقابل بالموت هو الحياة؛ كما في قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ ٢. أما التوفي المقابل بالديمومة فيهم فالظاهر أنه توفي انتقال عنهم إلى موضع آخر. وغاية ما في ذلك هو حمل اللفظ على حقيقته اللغوية مع قرينة صارفة عن قصد العرفية. وهذا لا إشكال فيه"٣.
وفي الختام، يقول ﵀: "والحاصل أن القرآن العظيم على التفسير الصحيح، والسنة المتواترة عن النبيّ ﷺ كلاهما دالّ على أنّ عيسى حيّ، وأنه سينزل في آخر الزمان، وأنّ نزوله من علامات الساعة، وأنّ معتمد الذين زعموا أنهم قتلوه، ومن تبعهم هو: إلقاء شبهه على غيره، واعتقادهم الكاذب أنّ ذلك المقتول الذي هو شبه بعيسى هو عيسى"٤.
стр. 413
فالشيخ ﵀ يأبى المسلك الذي يصادم التفسير الصحيح والسنة المتواترة.
وما ذهب إليه الشيخ ﵀ هو مذهب أساطين أئمة المفسرين؛ كالطبري١، والقرطبي٢، وابن تيمية٣، وابن كثير٤.
стр. 414
المطلب الثالث: خروج يأجوج ومأجوج
خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى.
وقد دلّ على خروجهم الكتاب والسنة؛ فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ ٢.
وأما من السنة فما روته زينب بنت جحش، ﵂: أنّ رسول الله ﷺ دخل عليها فزعاً يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه "، وحلق بأصبعيه، الإبهام والتي تليها. قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟.قال: "نعم إذا كثر الخبث" ٣.
ومنها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري، ﵁، قال: اطلع النبيّ ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات "، فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول
стр. 415
عيسى ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف؛ خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"١.
وقد سلك الشيخ الأمين ﵀ مسلك السلف في الإيمان بهذه العلامة التي تكون في آخر الزمان دليلاً على قرب قيام الساعة؛ فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ ٢: "إنّ هذه الآية الكريمة، وآية الأنبياء قد دلتا في الجملة على أنّ السدّ الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج إنما يجعله الله دكاً عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه، وقد دلتا على أنه بقرب يوم القيامة؛ لأنه قال هنا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ ٣"٤.
ثمّ تعرض ﵀ إلى زعم المعاصرين أنّ يأجوج ومأجوج هم روسية، وأنّ السدّ فتح منذ زمن طويل٥، فردّ هذا القول وفنّده لمصادمته للنصوص الصريحة، وحكى شبهتهم وبين تفاهتها؛ فقال ﵀:
стр. 416
"فإذا قيل: إنما تدلّ الآيات المذكورة في الكهف والأنبياء على مطلق اقتراب يوم القيامة؛ من دكّ السدّ واقترابه من يوم القيامة، لا ينافي كونه قد وقع بالفعل، كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية١. وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ٢، وقال النّبي ﷺ : "ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه –وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها " الحديث٣..... فقد دلّ القرآن والسنة الصحيحة على أنّ اقتراب ما ذكر لا يستلزم اقترانه به، بل يصح اقترابه مع مهلة، فلا ينافي دكّ السدّ الماضي المزعوم الاقتراب من يوم القيامة، فلا يكون في الآيات المذكورة دليل على أنه لم يدكّ السدّ إلى الآن"٤.
وقد أجاب ﵀ على هذه الشبهة، فقال: "فالجواب ما قدمنا أنّ هذا البيان بهذه الآيات ليس وافياً بتمام الإيضاح إلا بضميمة السنة له، ولذلك ذكرنا أننا نتمم مثله من السنة لأنها مبينة للقرآن"٥.
ثمّ ساق ﵀ حديث النواس بن سمعان ﵁ الطويل، المرفوع إلى رسول الله ﷺ , وفيه: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أن قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كلّ حدب ينسلون، فيمرّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمرّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبيّ الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم. فيرغب نبيّ
стр. 417
الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف١في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثمّ يهبط نبيّ الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبيّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت٢فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثمّ يرسل الله مطراً لا يكنّ منه بيت مدر٣ولا وبر٤، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة٥، ثمّ يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك." ٦٧.
ثم عقب ﵀ على هذا الحديث بقوله: "وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي ﷺ بأن الله يوحي إلى عيسى بن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال.
فمن يدعي لأنهم روسية، وأن السد قد اندك منذ زمان فهو مخالف لما أخبر به النبي ﷺ مخالفة صريحة لا وجه لها. ولا شك أن كل خبر ناقض خبر الصادق المصدوق ﷺ , فهو باطل، لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم. ولم يثبت في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ شيء يعارض هذا الحديث
стр. 418
الذي رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود"١.
ثم ذكر الشيخ الأمين –﵀ شبهة عقلية توصلوا بها إلى نفي وجود يأجوج وراء السد إلى الآن، وهي زعمهم أنه لو كانوا وراء السد الآن لاطلع عليهم الناس، لتطور وسائل المواصلات، لكن لما لم يطلع عليهم أحد فليسوا وراء السد. وبذلك نفوا وجودهم.
وقد نقض الشيخ الأمين –﵀ هذه الشبهة العقلية، وردّ عليها، فقال: "فقولكم: لو كانوا موجودين وراء السدّ إلى الآن لاطلع عليهم الناس. غير صحيح؛ لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس. ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة المائدة من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذلك في قوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ الآية٢؛ وهم في فراسخ قليلة من الأرض يمشون ليلهم ونهارهم، ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق. وعلى كلّ حال فربك فعّال لما يريد، وأخبار رسوله ﷺ الثابتة عنه صادقة."٣.
فالشيخ ﵀، لا يرضى هذا القول الذي يمسّ العقيدة ويصادمها، والذي ينبني على أدلة باطلة وتوهمات فاسدة، بل يقف ﵀ أمامه فيكشف عواره، ويرده بالحجج القوية والبراهين الناصعة ليحصل الاطمئنان إلى المعتقد الصحيح، وليزهق الباطل وينتصر الحقّ.
وما ذكره الشيخ الأمين –﵀ في يأجوج ومأجوج، ووضحه بأسلوبه القويّ المقنع، وفنّد أقوال أصحاب التأويلات الفاسدة في هذا
стр. 419
الباب، كلّ ذلك من الأدلة علىاقتفائه أثر سلف هذه الأمة ﵏ الذين وضحوا هذا المعتقد أيما إيضاح، وردوا على المخالفين لهذه العقيدة المبنية على الكتاب والسنة.
فهذا ابن قدامة ﵀ يقول: "ويجب الإيمان بكلّ ما أخبر به النبيّ ﷺ , وصحّ به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا؛ نعلم أنه حقّ وصدق. وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج، ... ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صحّ به النقل"١.
وقال شارح الطحاوية: "وأحاديث الدجال، وعيسى بن مريم ﵇ ينزل من السماء ويقتله، ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم، يضيق هذا المختصر عن بسطها"٢.
стр. 420
المبحث الثاني: القبر
المطلب الأول: عذاب القبر
...
المبحث الثاني: القبر
تمهيد:
من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وأنه إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة.
دلّ على ذلك قوله ﷺ : "إنّ القبر أول منازل الآخرة؛ فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج فما بعده أشدّ منه " ١.
قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٢، وقال جل وعلا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣، وقال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ٤.
ومن الأحاديث الدالة على عذاب القبر: حديث أنس بن مالك ﵁، قال: قال نبيّ الله ﷺ : "إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم. قال: يأتيه ملكان فيقعدان، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة ". قال نبيّ الله صلى الله عليه
стр. 421
وسلم: " فيراهما جميعاً "١.
وقد تعرض الشيخ الأمين ﵀ لعدة مسائل في هذا الباب، ولبيان هذه المسائل قسمت هذا المبحث إلى مطالب.
стр. 422
المطلب الأول: عذاب القبر
ذكر الشيخ الأمين ﵀ أنّ عذاب القبر حقّ لا مرية فيه، فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١: "الظاهر أنّ قوله: ﴿عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ هو ما عذبوا به في دار الدنيا من القتل وغيره، كما دلّ على ذلك قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَر﴾ الآية٢، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ ٣، إلى غير ذلك من الآيات. لا مانع من دخول عذاب القبر في ذلك لأنه قد يدخل في ظاهر الآية. وما قيل في معنى الآية غير هذا لا يتجه عندي، والعلم عند الله تعالى"٤.
هل يعذب الميّت ببكاء أهله عليه؟
تناول الشيخ الأمين ﵀ مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه؛ كما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ : "إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه "٥، وفي رواية: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه "٦.
وبين ﵀ عدم معارضته، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٧؛ إذ قد يظنّ من لا يعلم أن تعذيب الميت ببكاء الحيّ عليه من مؤاخذة العبد بذنب غيره، وليس الأمر كذلك.
وقد أجاب عن هذه المسألة بجوابين، فقال ﵀: "الأول: أن يكون
стр. 423
الميت أوصى بالنوح عليه؛ كما قال طرفة بن العبد في معلقته:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهله
وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد
لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه، فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر، وذلك من فعله لا فعل غيره. الثاني: أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه؛ لأنّ إهماله نهيهم تفريط منه ومخالفة لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارا﴾ ١. فتعذيبه إذن بسبب تفريطه وتركه ما أمر به من قوله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وهذا ظاهر كما ترى" ٢.
قال عبد الله بن المبارك: "إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئاً من ذلك بعد وفاته لم يكن عليه شيء. والعذاب عندهم يعني العقاب"٣.
هذا عن كلام الشيخ الأمين ﵀ عن عذاب القبر، أما نعيم القبر: فلم أجد له ﵀ كلاماً في ذلك؛ إذ من دأبه ﵀ أنه يفسر القرآن بالقرآن، ولم تأت مناسبة يتحدث فيها عن نعيم القبر.
ويكفي في إثبات عذاب القبر ونعيمه قوله ﷺ : " إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي؛ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة "٤.
стр. 424
المطلب الثاني: سماع الموتى
سماع الموتى من المسائل الخلافية بين العلماء، فمنهم من يرى أنّ الأصل أنّ الموتى لا يسمعون؛ ويستثنون ما ورد فيه النصّ، مثل حديث خفق نعال المشيعين بعد الدفن، وسماع أهل القليب يوم بدر لنداء الرسول ﷺ , وخطابه لهم؛ فهو سماع مخصوص ببعض الأحوال.
وقال أصحاب هذا القول: إنّ هذه قضايا جزئية لا تُشكّل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور١.
ومن العلماء من يرى أنّ الموتى يسمعون كلام من كلمهم، وأنهم يسمعون سلام الأحياء وخطابهم. ويرون أنّ هذا السماع غير مخصوص بوقت معين، ولا بإنسان بعينه٢.
وقد استدلّ الفريق الأول بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٣، وبقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ٤.
واستدلّ المجيزون بحديث أهل القليب، وحديث قرع النعال، وقالوا: إنه غير مخصوص بأحد، ولا بوقت؛ إذ لا دليل على التخصيص.
وأجابوا عن الآيتين: أنّ المراد بالموتى هنا: الأشقياء الذين لا يسمعون
стр. 425
الحقّ سماع هدى وقبول١.
وقد استطرد الشيخ الأمين ﵀ في بيان هذه المسألة، والخلاف الذي وقع فيها، ورجح سماع الأموات لكلام الأحياء وخطابهم، واستدلّ على ذلك بحديث القليب، وحديث خفق النعال، وقال: إنه غير مخصوص بوقت، ولا بإنسان ومما قاله ﵀: "اعلم أنّ الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أنّ الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم، وأنّ قول عائشة ﵂، ومن تبعها: إنهم لا يسمعون، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ٢، وما جاء بمعناها من الآيات: غلط منها، وممن تبعها. وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبنيّ على مقدمتين:
الأولى منهما: أنّ سماع الموتى ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث متعددة ثبوتاً لامطعن فيه، ولم يذكر ﷺ , أنّ ذلك خاصّ بإنسان ولابوقت.
والمقدمة الثانية: هي أن النصوص الصحيحة عنه ﷺ في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها، وتأويل عائشة ﵂ بعض الآيات على معنى يخالف الأحاديث المذكورة: لا يجب الرجوع إليه؛ لأنّ غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا تردّ النصوص الصحيحة عن النبيّ ﷺ بتأويل بعض الصحابة بعض الآيات"٣.