الشفع الثاني منها لعدم صحة الخلوة بدخولها في الشفع الأول ثم أتم الأربع كما في صلاة الظهر "بخلاف" الرباعيات "المندوبة" فيستفتح ويتعوذ ويصلي على النبي ﷺ في ابتداء كل شفع منها وقال في شرح المنية مسألة الاستفتاح ونحوه ليست مروية عن المتقدمين من الأئمة وإنما هي اختيار بعض المتأخرين "وإذا صلى نافلة أكثر من ركعتين" كأربع فأتمها "ولم يجلس إلا في آخرها" فالقياس فسادها وبه قال زفر وهو رواية عن محمد وفي الاستحسان لا تفسد وهو قوله "صح" نفله "استحسانا لأنها صارت صلاة واحدة" لأن التطوع كما شرع ركعتين شرع أربعا أيضا "وفيها الفرض الجلوس آخرها" لأنها صارت من ذوات الأربع ويجبر ترك القعود على الركعتين ساهيا بالسجود ويجب العود إليه بتذكره بعد القيام ما لم يسجد كذا في الفتح وروى مسلم أنه ﷺ صلى تسع ركعات لم يجلس إلا في الثامنة ثم نهض فصلى التاسعة وإذا لم يقعد إلا على الثالثة وسلم اختلف في صحتها وصحح الفساد في الخلاصة "وكره الزيادة على أربع بتسليمة في" نفل "النهار و" الزيادة "على ثان ليلا" بتسليمة واحدة لأنه ﷺ لم يزد عليه وهذا اختيار أكثر المشايخ وفي المعراج والأصح أنه لا يكره لما فيه من وصل العبادة وكذا صحح السرخسي عدم كراهة الزيادة عليها لما في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ كان ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة
ــ.
"فيستفتح" ويلزمه كمال المهر بالقيام إلى الشفع الثاني وتسقط شفعته ولا تبقى على خيارها اهـ سيد قال وبترك القعود على رأس الثانية لا يثني ولا يتعوذ في الثالثة اهـ قوله: "وفي الاستحسان الخ" تطويل من غير فائدة فالأولى الإقتصار على ما في المصنف قوله: "لأنها صارت من ذوات الأربع الخ" هذا الكلام صريح في أنها تحسب بتمامها له خلافا لمن قال إنها تحسب شفعا واحدا ولا ينافيه ما ذكره ابن أميرحاج في بحث التراويح لو صلى الكل بسلام واحد ولم يقعد إلا في آخرها اختلف فيه المشايخ والصحيح أنه يجزيه عن تسليمة واحدة كما لو صلى أربعا بتسليمة واحدة ولم يقعد على رأس الركعتين على ما هو الصحيح اهـ لأنه في التراويح خاصة لكونها شرعت على هيئة مخصوصة فلا تؤدى بغيرها فالمعنى أنها تنوب عن ركعتين من التراويح وإن كانت تحسب له عشرين نافلة فتدبر قوله: "وصحح الفساد في الخلاصة" لأن القعدة المشروعة قد تركها والتي فعلها لم تكن في محلها ثم يجب عليه قضاء ركعتين لأنه شرع في الشفع الأول ثم أفسده بترك القعود ولا يلزمه بالثالثة شيء مطلقا عمدا كان أو سهوا لأن البناء على الفاسد لا يلزمه شيئا أو تمامه في الشرح قوله: "وكره الزيادة على أربع بتسليمة في نفل النهار" باتفاق الروايات لأنه لم يرو أنه ﷺ زاد على ذلك ولولا الكراهة لزاد تعليما للجواز كذا قالوا: وهذا يفيد أنها تحريمية اهـ سيد عن النهر قوله: "وعلى ثمان ليلا" تعرب ثمان إعراب قاض وقد تظهر عليها الحركات قوله: "لما في صحيح
стр. 422
ركعة ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين فتبقى العشرة نفلا أي والثلاث وترا كما في البرهان "والأفضل فيهما" أي الليل والنهار "رباع عند" الإمام الأعظم "أبي حنيفة" رحمه الله تعالى لأن النبي ﷺ كان يصلي بالليل أربع ركعات لا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا لا تسل عن طولهن وحسنهن وكان ﷺ يصلي الضحى "وعندهما" أي أبي يوسف ومحمد "الأفضل" في النهار كما قال الإمام و "في الليل مثنى مثنى" قال في الدراية وفي العيون "وبه" أي بقولهما "يفتى" اتباعا للحديث وهو قوله ﵊ "صلاة الليل مثنى مثنى" "وصلاة الليل" خصوصا في الثلث الأخير منه "أفضل من صلاة النهار" لأنه أشق على النفس وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ "وطول القيام" في الصلاة ليلا أو نهارا "أحب من كثرة السجود" لقوله ﷺ : "أفضل الصلاة طول القنوت" أي القيان ولأن القراءة تكثر بطول القيام وبكثرة الركوع والسجود يكثر التسبيح والقراءة أضل منه ونقل في المجتبي عن محمد خلافه وهو أن كثرة الركوع والسجود أفضل وفصل أبو
ــ.
البخاري الخ" هذا لا ينتج المدعي لأنه لا يفيد أنه جمع بين العشر بتسليمة واحدة قوله: "اتباعا للحديث الخ" أجاب المحقق ابن الهمام عن هذا الحديث بأن لفظه يحتمل أن يكون المعنى فيه مثنى في حق الفضيلة بالنسبة إلى الأربع أو في حق الإباحة بالنسبة إلى الفرد وترجيح أحدهما لا يكون إلا بمرجح وقد ورد فعله ﷺ على كلام النحوين لكن عقلنا زيادة فضيلة الأربع بأنها أكثر مشقة على النفس بسبب طول تقييدها في مقام الخدمة ورأيناه ﷺ قال: "إنما أجرك على قدر نصبك" وقال ﷺ "أفضل الأعمال أجهدها" ولهذا لو نذر أن يصلي أربعا بتسليمة لا يخرج عنه بتسليمتين وعلى القلب يخرج فحكمنا بأن المراد الثاني وهو الإباحة أن يباح مثنى لا واحدة أو ثلاثا ووافق الكمال على ذلك تلميذه العلامة قاسم وغيره قوله: "لأنه أشق على النفس" وأبعد عن الرياء ولكونه وقت التجلي وعرض الإحسان وقال ﷺ : "من أطال قيام الليل خفف الله عنه يوم القيامة" قوله: "وقال تعالى" أي في مدح من قام الليل تتجافى أي تتباعد جنوبهم جمع جنب عن المضاجع أي محل اضطجاعهم واستراحتهم والمناسب للمؤلف أن يقول الآية ليفيد أن الكلام متوقف على آخر الآية وهو قوله فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين قوله: "ولأن القراءة تكثر بطول القيام" واجتماع ركني القراءة والقيام أفضل لأنهما من أجزاء الصلاة فكان أفضل من إجتماع ركن السجود مع سنة التسبيح قوله: "ونقل في المجتبى عن محمد خلافه" ونقل الطحاوي في شرح الآثار عن محمد موافقتهما وصححه في البدائع وهو ظاهر عبارة البرهان وتوقف الإمام أحمد لتعارض الأدلة وسوى بينهما مالك لتساوي الدليلين ووجه ما
стр. 423
يوسف رحمه الله تعالى فقال: إذا كان له ورد من الليل بقراءة من القرآن فالأفضل أن تكثر عدد الركعات وإلا فطول القيام أفضل لأن القيام في الأول لا يختلف ويضم إليه زيادة الركوع والسجود.
ــ.
في المجتبى قوله ﷺ للسائل عليك بكثرة السجود وللآخر أعني على نفسك بكثرة السجود وقوله ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" لأن السجود غاية التواضع والعبودية والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 424
" فصل في تحية المسجد وصلاة الضحى وإحياء الليالي ".
وغيرها "سن تحية المسجد بركعتين" يصليهما في غير وقت مكروه "قبل الجلوس" لقوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" "وأداء الفرض ينوب عنها" قاله الزيلعي "و" كذا "كل صلاة أداها" أي فعليها "عند الدخول بلا نية التحية" لأنها لتعظيمه وحرمته وقد حصل ذلك بما صلاه ولا تفوت بالجلوس عندنا وإن كان الأفضل فعلها قبله وإذا تكرر دخوله يكفيه ركعتان في اليوم وندب أن يقول عند دخوله المسجد
ــ.
فصل في تحية المسجد.
قوله: "وغيرها" كصلاة الليل والإستخارة قوله: "سن تحية المسجد" أي تحية رب المسجد لأن التحية إنما تكون لصاحب المكان لا للمكان ويستثنى المسجد الحرام فإن تحيته الطواف وصرح المنلا علي بأن من دخل المسجد الحرام لا يشتغل بتحية لأن تحية هذا المسجد الشريف هو الطواف لمن عليه طواف أو أراده بخلاف من لم يرده أو أراد أن يجلس فلا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد اهـ قوله: "بركعتين" وإن شاء بأربع والثنتان أفضل قهستاني قوله: "في غير وقت مكروه" في القهستاني إذا دخل المسجد بعد الفجر أو العصر لا يأتي بالتحية بل يسبح ويهلل ويصلي على النبي ﷺ فإنه حينئذ يؤيدي حق المسجد كما إذا دخل للمكتوبة فإنه غير مأمور بها كما في التمرتاشي اهـ وفي الدر عن الضياء عن القوت من لم يتمكن منها لحدث أو غيره يقول كلمات التسبيح الأربع أربعا اهـ وهي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قوله: "قبل الجلوس" هذا بيان للأولى كما يأتي وهذا قول العامة وهو الصحيح وقيل يجلس أولا ثم يصلي قوله: "وإن كان الأفضل فعلها قبله" هذا يدل على أنهم حملوا النهي في حديث فلا يجلس حتى يركع ركعتين
стр. 425
اللهم افتح لي أبواب رحمتك وعند خروجه اللهم إني أسألك من فضلك لأمر النبي ﷺ به " وندب ركعتان بعد الوضوء قبل جفافه" لقوله ﷺ : "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه إلا وجبت له الجنة" رواه مسلم "و" ندب صلاة الضحى على الراجع وهي "أربع" ركعات لما رويناه قريبا عن عائشة ﵂ أنه ﵇ كان يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء فلذا قلنا ندب أربع "فصاعد في" وقت "الضحى" وابتداؤه من ارتفاع الشمس إلى قبل زوالها فيزيد على الأربع اثنتي عشرة ركعة لما روى الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء قال قال رسول الله ﷺ :
ــ.
على التنزيه قوله: "يكفيه ركعتان في اليوم" علله بعضهم بالحرج كما في الحموي على الأشباه وقيل لكل دخول تحية لأنه معتبر بتحية الإنسان فإنه يجيبه كلما لقيه كما في السراج قوله: "وندب" أي بعد ذكره الصلاة على النبي ﷺ كما دلت عليه الأحاديث قوله: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك" أي إحسانك وإنعامك بالإخلاص والقبول وغير ذلك قوله: "اللهم إني أسألك من فضلك" مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠] قوله: "لقوله ﷺ الخ" وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لبلال: "يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة" قال ما عملت عملا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي رواه البخاري والدف بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء صوت النعل حالة المشي كما في الحلبي وفي شرح المشكاة من كتاب الطهارة لو صلى عقب الوضوء فريضة حصلت له هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بذلك اهـ قوله: "يقبل عليهما بقلبه" بحيث يستحضر فيهما عظمة الله تعالى قوله: "إلا وجبت له الجنة" أي ثبتت قوله: "وندب صلاة الضحى" الضحوة إرتفاع النهار والضحى بالضم والقصر فوق ذلك وبالفتح والمد إذا علت الشمس إلى ربع السماء قوله: "على الراجح" وقيل غير مندوبة قوله: "وهي أربع" قال الحاكم صحبت جماعة من أئمة الحديث الحفاظ الأثبات فوجدتهم يختارون الأربع لتواتر الأخبار الصحيحة فيها وإليها أذهب فقد روي في قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال ﷺ : "أتدرون ما وفى وفى عمل يومه بأربع ركعات الضحى" واختلف العلماء هل الأفضل المواظبة عليها أولا والظاهر الأول لحديث أحب العمل إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه وإن قل وروي أنه ﷺ أمر أن يقرأ في صلاة الضحى بالشمس وضحاها والضحى وتمامه في شرح البدر العيني على البخاري قوله: "وابتداؤه من إرتفاع الشمس" ووقتها المختار إذا مضى ربع النهار لحديث زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال" رواه مسلم وترمض بفتح التاء والميم أي تبرك من شدة الحر في أخفافها قوله: "إلى ثنتي عشرة ركعة" وفي الدر عن المنية أقلها ركعتان
стр. 426
"من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين ومن صلى أربعا كتب من العابدين ومن صلى ستا كفي ذلك اليوم ومن صلى ثمانية كتبه الله تعالى من القانتين ومن صلى اثني عشر ركعة بنى الله له بيتا في الجنة" "وندب صلاة الليل" خصوصا آخره كما ذكرناه وأقل ما ينبغي أن يتنفل بالليل ثمان ركعات كذا في الجوهرة وفضلها لا يحصر قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ
ــ.
وأكثرها اثنتا عشرة وأوسطها ثمان وهو أفضلها كما في الذخائر الأشرفية لثبوته بفعله وقوله ﷺ : "وأما أكثرها" فبقوله فقط قال وهذا لو صلى الأكثر بسلام واحد أما لو فصل فكلما زاد فهو أفضل كما أفاده ابن حجر في شرح البخاري اهـ ولعل هذا على مذهب الشافعي وإلا فالزيادة على أربع في نفل النهار مكروهة عندنا قوله: "لما روى الطبراني الخ" وروى يقول الله: "يا ابن آدم اضمن لي ركعتين من أول النهار أكفك آخره وروى يقول الله تعالى يا ابن آدم اكفني أول النهار بأربع ركعات أكفك بهن آخر يومك" وروى أنها تقوم مقام الصدقات التي على كل مفصل من بني آدم وهي ثلثمائة وستون مفصلا قوله: "كفى ذلك اليوم" أي مع حصول الفضيلتين السابقتين وكذا يقال فيما بعد من مشايخنا إلى أن قيام الليل فرض عليه ﷺ تمسكوا بقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المزمل ٢] وعلى هذا فتكون صلاة قوله: "وندب صلاة الليل الخ" ذهب طائفة من العلماء وعليه الأصوليون الليل مندوبة لأن الأدلة القولية فيه إنما تفيد الندب وقال طائفة كان تطوعا منه ﷺ فيكون في حقنا سنة لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ وأجاب الأولون قالوا: لا منافاة لأن المراد بالنافلة الزائدة أي زائدة على ما فرض على غيرك وربما يعطي التقييد بالمجرور ذلك وفي تفسير ابن عباس قم الليل يعني كله إلا قليلا فاشتد ذلك على النبي ﷺ وعلى أصحابه وقاموا الليل كله ولم يعرفوا ما حد القليل فأنزل الله تعالى نصفه أو أنقص منه قليلا أو زد عليه يعني أنقص من النصف إلى الثلث أو زد عليه إلى الثلثين خيره بين هذه المنازل فإشتد ذلك أيضا على النبي ﷺ وعلى أصحابه فقاموا الليل كله حتى انتفخت أقدامهم مخافة أن لا يحفظوا القدر الواجب فعلوا ذلك سنة فأنزل الله تعالى ناسختها فقال: علم أن لن تحصوه يعني قيام الليل من الثلث والنصف والثلثين وكان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس فلما فرضت الصلوات الخمس نسخت هذه كما نسخت الزكاة كل صدقة وصوم رمضان كل صوم اهـ وفي تفسير الجزري نسخ وجوب التقدير بقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ أي صلوا ما تيسر من الصلاة ولو قدر حلب شاة ثم نسخ وجوب قيام الليل بالصلوات الخمس بعد سنة أخرى فكان بين الوجوب والتخفيف سنة وبين الوجوب والنسخ سنتان كذا في العيني على البخاري قوله: "خصوصا آخره" وهو السدس الخامس من أسداس الليل وهو الوقت الذي ورد فيه النزول الإلهي قوله: "وأقل ما ينبغي أن يتنفل بالليل ثمان ركعات" الذي في الحاوي القدسي أن أقله ركعتان وأكثره ثمان لما روي
стр. 427
نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : "عليكم بصلاة الليل فإنها دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم " "و" ندب "صلاة الاستخارة" وقد أفصحت السنة عن بيانها قال جابر ﵁ كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر
ــ.
أنه ﷺ كان يصلي خمس ركعات منها الوتر ثلاث وروي سبع وروي تسع وروي إحدى عشرة وثلاثة عشر ركعة والوتر من الجميع قوله: "فإنه دأب الصالحين" أي عادة الصالحين أي معتادهم قوله: "وقربة" أي مقربة لكم من ربكم قوله: "ومكفرة للسيئات" أي الصغائر قوله: "ومنهاة عن الإثم" أي ناهية عنه قوله: "وندب صلاة الاستخارة" أي طلب ما فيه الخير وهي تكون لأمر في المستقبل ليظهر الله تعالى خير الأمرين وأما صلاة الحاجة فتارة تكون لأمر نزل أو سينزل وهذا الأمر معنى يراد تحصيله أو دفعه وهذا أولى مما في السيد عن النهر قوله: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة الخ" وقال ﷺ : "من سعادة ابن آدم استخارة الله " زاد الحاكم ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله وقد روى بإسناد حسن أن داود ﵇ قال أي عبادك أبغض إليك قال عبد استخارني في أمر فخرت له فلم يرض قوله: "يقول" بدل من قوله يعلمنا قوله: "فليركع ركعتين" يقرأ في الأولى بالكافرون وفي الثانية بالإخلاص وقال بعضهم يقرأ في الأولى بقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ إلى يعلنون وفي الثانية بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿مُبِيناً﴾ وبعضهم يجمع بين ما ذكروا إذا تعذر عليه الصلاة استخار بالدعاء فقد روى الترمذي بإسناد ضعيف عن أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أراد الأمر قال اللهم خر لي واختر لي اهـ قوله: "اللهم إني أستخيرك" أي أطلب منك تحصيل خير الأمرين والباء في قوله بعملك للقسم أو للتعليل أي لأنك عالم بذلك وكذا يقال فيما إذا بعد قوله: "فإنك تقدر الخ" تعليل على اللف والنشر المشوش قوله: "وأسألك من فضلك العظيم" يحتمل أن من اسم بمعنى بعض مفعول به لأسأل والفضل بمعنى المتفضل ويحتمل أن المفعول به محذوف تقديره بيان الخير قوله: "وأنت علام الغيوب" أي تعلم المغياب علما تاما كما تفيده صيغة المبالغة والغيوب جمع غيب بمعنى مغيب وإذا كان يعلم المغيبات فعلم المشاهد لنا كذلك بل أولى على ما تقضي به العادة قوله: "اللهم إن كنت تعلم الخ" الشك بالنسبة إلى الداعي لا إلى علام الغيوب قوله: "أن هذا الأمر" يذكر حاجته بدل لفظ الأمر
стр. 428
شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به" قال ويسمي حاجته رواه الجماعة إلا مسلم وينبغي أن يجمع بين الروايتين فيقول وعاقبة أمري وعاجله وآجله والاستخارة في الحج والجهاد وجميع أبواب الخير تحمل على تعيين الوقت لا نفس الفعل وإذا استخار يمضي لا ينشرح له صدره وينبغي أن يكررها سبع مرات لما روي عن أنس قال رسول الله ﷺ : "يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخير فيه" "و" ندب "صلاة الحاجة" وهي ركعتان. عن عبد الله بن أبي أوفى قال رسول الله ﷺ : "من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين ثم ليثني على الله وليصلي على النبي ﷺ ثم ليقل: "لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته
ــ.
قوله: "فاقدره" بضم الدال وكسرها من بابي نصر وضرب أي هيئة ولا يجوز فتحها هنا لأن الفتح من قدر باب فتح بمعنى اليسار والقوة ولا يناسب هنا قوله: "ثم بارك لي فيه" أي اجعل لي منه خيرا زائدا على خيرية أصله وثم بمعنى الواو والترتيب باعتبار ما يشاهد قوله: "وإن كنت تعلم" أي علمت قوله: "فاصرفه عني الخ" لما كان لا يلزم من صرف الأحد المعين عن الآخر صرف الآخر عنه دعا بصرف كل منهما عن الآخر قوله: "ثم رضني" وفي رواية أرضني قوله: "قال ويسمي حاجته" أي بدل لفظ الأمر كما قدمناه ويستحب إفتتاح الدعاء المذكور بالحمد والصلاة على رسول الله ﷺ قوله: "والاستخارة في الحج والجهاد الخ" اعلم أن محل ندب الاستخارة إنما هو في الأمور التي لا يدري العبد وجه الصواب فيها أما ما هو معروف خيره أو شره كالعبادات وصنائع المعروف والمعاصي والمنكرات فلا حاجة إلا الاستخارة فيها نعم قد يستخار فيها البيان خصوص الوقت كالحج مثلا في هذه السنة لإحتمال عدو أو فتنة ولذلك يحسن أن يستخار في النهي عن المنكر في شخص متمرد يخشى بنهيه حصول ضرر عظيم عام أو خاص وإن جاء في الحديث أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر لكن إن خشي ضررا عاما للمسلمين فلا ينكر وإن خشي على نفسه فله الإنكار ولكن يسقط الوجوب كذا في العيني على البخاري قوله: "مضى لما ينشرح له صدره" أي قلبه وهو يفيد أنه يحصل بعد الاستخارة أحد الأمرين لا محالة والمراد أنه ينشرح له صدره إنشراحا خاليا عن هوى النفس قوله: "وهي ركعتان" أو أربع وفي الحاوي أنها إثنتا عشرة ركعة بسلام واحد قاله السيد قوله: "إلى الله" أي من غير واسطة بني آدم وقوله أو إلى أحد من بني آدم المراد به ما كان يجري على أيديهم وإلا فكل الحوائج من الله تعالى قوله: "أسألك موجبات رحمتك" أي الأشياء التي تقتضي الرحمة منك والإحسان وقوله وعزائم
стр. 429
ولا هما إلا فرجته ولا حاجة لك فيها رضى إلا قضيتها يا أرحم الراحمين" ومن دعائه "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ﷺ يا محمد إني توجهت بك إلى ربك في حاجتي هذه لتقضى لك اللهم فشفعه في" وندب إحياء ليالي العشر الأخير من رمضان" لما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر والقصد منه إحياء ليلة القدر فإن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها وروى أحمد "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له
ــ.
مغفرتك أي الأشياء التي تقتضي مغفرة الذنوب إقتضاء تاما كأنها تحتم ذلك قوله: "والغنيمة من كل بر" أي خير أي أسألك أن تجعل غنيمتي وعطيتي كل خير قوله: "يا أرحم الراحمين" ثم يسأل من أمر الدنيا والآخرة ما شاء فإنه يقدر له ذلك كذا في ابن أميرحاج قوله: "ومن دعائه" أي دعاء قضاء الحاجة بعد الصلاة أو من دعائه ﷺ الذي علمه لرجل ضرير البصر أتى إليه فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يعافيني فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو أعظم لأجرك وإن شئت دعوت الله فقال: ادع الله فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوأه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء اهـ وله طرق كثيرة قال الطبراني بعد ذكر طرقه والحديث صحيح قوله: "إني توجهت بك الخ" يشكل هذا على ما قالوه إنه يكره للرجل أن يقول اللهم إني أسألك بأنبيائك وأجيب بأن السمع خص هذا والحق عدم الخصوصية لما ورد في إستسقاء عمر بالعباس وما قيل في وجه الكراهة أنه لا حق لأحد على الله تعالى فيه نظر لأن للعباد المخلصين عليه حقا فضلا منه وكرما جعله على نفسه وعليه استحقاقا ذاتيا لهم وتمامه في ابن أميرحاج قوله: "وشد المئزر" أي اجتهد في العبادة قوله: "فإن العمل فيها الخ" روي أنه ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله تعالى ألف شهر فعجب المسلمون فأنزل الله سورة القدر أي ليلة القدر خير من الألف شهر التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ويروى أنه ﷺ ذكر أربعة من بني إسرائيل فقال: عبدوا الله ثمانين عاما لم يعصوه طرفة عين فذكر أيوب وزكريا وحزقيل ويوشع بن نون ﵈ فعجبت الصحابة من ذلك فنزل جبريل وقال يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين فقد أنزل الله عليك خيرا من ذلك وقرأ السورة فهذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك فسر النبي ﷺ والناس معه والألف شهر ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر قال النووي وقد خص الله تعالى هذه الأمة بها فلم تكن لمن قبلهم على الصحيح المشهور وقد أجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر للأحاديث المشهورة وأنها ترى حقيقة لمن شاء الله في كل رمضان كما تظاهرت عليه الأحاديث ويستحب كتمانها لمن رآها إتباعا له ﷺ والحكمة في إخفائها أن يجتهد من يريدها في إحياء الليالي الكثيرة طلبا لموافقتها فتكثر عبادته له تعالى اهـ قوله: "واحتسابا" أي ادخارا لثوابها عند الله تعالى.
стр. 430
ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وقال ﷺ : "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" متفق عليه وقال ابن مسعود ﵁ هي في كل السنة وبه قال الإمام الأعظم في المشهور عنه أنها تدور في السنة وقد تكون في رمضان وقد تكون في غيره قاله قاضيخان وفي المبسوط أن المذهب عند أبي حنيفة أنها تكون في رمضان لكن تتقدم وتتأخر وعندهما لا تتقدم ولا تتأخر "و" ندب " إحياء ليلة العيدين" الفطر والأضحى لحديث "من أحيا ليلة العيد أحيا قلبه يوم تموت القلوب" ويستحب الإكثار من الاستغفار بالأسحار وسيد الاستغفار "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" والدعاء فيها مستجاب "و" ندب إحياء "ليالي عشر ذي الحجة" لقوله ﷺ : "ما من أيام أحب إلى الله تعالى أن يتعبد فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر". وقال ﷺ : "صوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية" "و" يندب إحياء "ليلة النصف
ــ.
قوله: "في العشر الأواخر" قال معظم الأئمة أنها مختصة بها الوتر والشفع في ذلك للسواء وقال بعضهم ليالي الوتر آكد وذهب الأكثر إلى أنها ليلة سبع وعشرين وهو قول ابن عباس وجماعة من الصحابة ونسبه العيني في شرح البخاري إلى الصاحبين قوله: "لكن تتقدم وتتأخر" والثمرة تظهر فيمن قال لعبده أنت حر ليلة القدر وقد مضى بعض من رمضان فعندهما لا يعتق حتى يمضي ذلك البعض من رمضان العاجل وعنده حتى يمضي رمضان القابل كله وعليه الفتوى لإحتمال أنها تكون في آخره في العام القابل قوله: "ويستحب الإكثار من الاستغفار بالاسحار" فإن الله تعالى مدح المستغفرين فيها فقال: وبالأسحار هم يستغفرون قوله: "وسيد الإستغفار اللهم الخ" مبتدأ وخبر أي فهو أولى من غيره ويترتب على كونه سيده أنه يبر به لو حلف ليستغفرن الله بسيد الإستغفار قوله: "وأنا على عهدك" أي ما عاهدتني عليه من الطاعة قوله: "ووعدك" أي وعدي إياك بالإمثتال وفي شرح المصابيح أي أنا مقيم على الوفاء بما عاهدتني في الأزل بربوبيتك وأنا موقن بما وعدتني من البعث والنشور وأحوال القيامة والثواب والعقاب اهـ قوله: "أبوء" على وزن أقول مهموز الآخر بمعنى أقر وأعترف قوله: "والدعاء فيها مستجاب" الأولى فيهما ويحتمل رجوعه إلى ليلة العيد المذكورة في الحديث والمراد الجنس قوله: "يعدل" بالبناء للمجهول قوله: "صوم يوم عرفة الخ" فيندب صومه إلا للحاج لأنه ربما يضعف بصومه عن المطلوب منه يومه قالوا: والحكمة في زيادة صوم عرفة في التكفير عن صوم عاشوراء أنه من شريعة سيدنا محمد ﷺ وصوم عاشوراء من شريعة الكليم ﵇ وشرع محمد أفضل قوله: "ولأنها يقدر فيها
стр. 431
من شعبان" لأنها تكفر ذنوب السنة والليلة الجمعة تكفر ذنوب الأسبوع وليلة القدر تكفر ذنوب العمر ولأنها تقدر فيها الأرزاق والآجال والإغناء والإفقار والإعزاز والإذلال والإحياء والإماتة وعدد الحاج وفيها يسح الله تعالى الخير سحا وخمس ليالي لا يرد فيهن الدعاء ليلة الجمعة وأول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان وليلتا العيدين. وقال ﷺ : "إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء فيقول ألا مستغفر فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه حتى يطلع الفجر" وقال ﷺ : "من أحيا الليالي الخمس وجبت له الجنة ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر وليلة الفطر وليلة النصف من شعبان" وقال ﷺ : "من قام ليلة النصف من شعبان وليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" ومعنى القيام أن يكون مشتغلا معظم الليل بطاعة وقيل بساعة منه يقرأ أو يسمع القرآن أو الحديث أو يسبح أو يصلي على النبي ﷺ وعن ابن عباس بصلاة العشاء جماعة والعزم على صلاة الصبح جماعة كما في إحياء ليلتي
ــ.
الأرزاق" قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٤] قوله: "وفيها يسح الله تعالى الخير سحا" قال في القاموس السح الصب والسيلان من فوق كالسح بالضم اهـ فشبه الخير بماء يصب من محل عال والمراد كثرة الخير قوله: "ينزل فيها" أي ينزل أمره أو ملائكته أو النزول صفة له تعالى لا كصفة الحوادث على ما ذكروه من الطريقين قوله: "ألا مستغفر الخ" ألا أداة استفتاح وأغفر له بالرفع لا بالجزم١ لأنه في جواب العرض مثلا وألا هنا ليست له لأنها تدخل على الأفعال قوله: "ليلة التروية" هي ليلة الثامن من ذي الحجة قوله: "لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" أي بمحبسة الدنيا حتى تصده عن الآخرة كما جاء لا تجالسوا الموتى يعني أهل الدنيا وقال بعضهم لم يمت قلبه أي لا يتحير قلبه عند النزع ولا في القبر ولا في القيامة كذا في الشرح قوله: "يقرأ أو يسمع" أو يدعو وأحسن ما يدعو به اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.
خاتمة من المندوب صلاة القتل فإذا ابتلي به مسلم يستحب أن يصلي ركعتين يستغفر بعدهما من ذنوبه لتكون الصلاة الإستغفار آخر أعماله ومنه الصلاة إذا نزل منزلا فيستحب أن لا يقعد حتى يصلي ركعتين كما في السير الكبير وكذا إذا أراد سفرا أو رجع ومنه صلاة الإستغفار لمعصية وقعت منه لما عن علي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "ما من عبد يذنب ذنبا فيتوضأ ويحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له" كذا في القهستاني
стр. 432
العيدين وقال رسول الله ﷺ : "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله" رواه مسلم "ويكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي" المتقدم ذكرها "في المساجد" وغيرها لأنه لم يفعله النبي ﷺ ولا الصحابة فأنكره أكثر العلماء من أهل الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة وفقهاء أهل المدينة وأصحاب مالك وغيرهم وقالوا: ذلك كله بدعة ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه إحياء ليلتي العيدين جماعة واختلف علماء الشم في صفة إحياء ليلة النصف من شعبان على قولين أحدهما أنه استحب إحياؤها بجماعة في المسجد طائفة من أعيان التابعين كخالد بن معدان ولقمان بن عامر ووافقهم اسحق بن راهويه والقول الثاني أنه يكره الاجتماع لها في المساجد للصلاة وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم.
ــ.
قوله: "ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله" يحتمل أنه بصلاة الصبح يحصل له ثواب النصف الآخر فالليل كله حصل بمجموع الصلاتين وهو الذي يشير إليه كلام ابن عباس فإنه جعل صلاة العشاء بجماعة والعزم على صلاة الصبح بها يقوم مقام إحياء الليل ويحتمل أنه أشار به إلى أن صلاة الصبح أفضل من صلاة العشاء لأنه يكون بصلاتها كأنه قام نصف الليل وبصلاته كأنه قام الليل كله قوله: "ويكره الإجتماع الخ" ولا يخرج بنذر الجماعة في الصلوات التي في تلك الليالي أو غيرها من الرغائب عن الكراهة وإن كان لا يخرج عنها إلا بالجماعة بشرط أن يكون الإمام غير ناذر لها وإلا لا يصح لعدم صحة اقتداء الناذر بالناذر ويدخل في ذلك صلاة التسبيح فإن قيل يلزم على ما سبق من أن النذر وجد من المقتدي لا من الإمام بناء القوي على الضعيف قلت بناء القوي على الضعيف إنما يمنع حيث كانت القوة ذاتية أما إذا لم تكن كما هنا فلا لأنها عرضت بالنذر ومن هذا قال الحلبي النذر كالنفل واعلم أن الصلاة في نفسها مشروعة بصفة الإنفراد والإقتداء فيها صحيح مع الكراهة حيث كان على التداعي أفاده السيد والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 433
فصل في صلاة النفل جالسا وفي الصلاة على الدابة وصلاة الماشي .
"يجوز النفل" إنما عبر به ليشمل السنن المؤكدة وغيرها فتصح إذا صلاها "قاعدا مع
ــ.
فصل في صلاة النفل جالسا
قوله: "يجوز النفل قاعدا" مطلقا من غير كراهة كما في مجمع الأنهر قوله: "لما قيل
стр. 434
القدرة على القيام" وقد حكي فيه إجماع العلماء وعلى غير المعتمد يقال إلا سنة الفجر لما قيل بوجوبها وقوة تأكدها إلا التراويح على غير الصحيح لأن الأصح جوازه قاعدا من غير عذر فلا يستثنى من جواز النفل جالسا بلا عذر شيء على الصحيح لأنه ﷺ كان يصلي بعد الوتر قاعدا وكان يجلس في عامة صلاته بالليل تخفيفا وفي رواية عن عائشة ﵂ فلما أراد أن يركع قام فقرأ آيات ثم ركع وسجد وعاد إلى القعود وقال في معراج الدراية وهو المستحب في كل تطوع يصليه قاعدا موافقة للسنة ولو لم يقرأ حين استوى قائما وركع وسجد أجزأه ولو لم يستو قائما وركع لا يجزئه لأنه لا يكون ركوعا قائما ولا ركوعا قاعدا كما في التجنيس و "لكن له" أي للمتنفل جالسا "نصف أجر القائم" لقوله ﷺ : "من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد" "إلا" أنهم قالوا: هذا في حق القادر أما العاجز "من عذر" فصلاته بالإيماء أفضل من صلاة القائم الراكع الساجد لأنه جهد المقل والإجماع منعقد على أن صلاة القاعد بعذر مساوية لصلاة القائم في الأجر كذا في الدراية. قلت بل هو
ــ.
بوجوبها" قال في الخلاصة وأجمعوا على أن ركعتي الفجر من غير عذر قاعدا لا تجوز كذا روى الحسن عن الإمام اهـ ولا يخفي ما في حكاية الإجماع على ذلك وليس الإجماع إلا على تأكدها كذا في الشرح وما في قوله ما قيل مصدرية قوله: "على الصحيح" يفيد أن القول بتحتم القيام في سنة الفجر وفي التراويح غير مرجح وليس كذلك أفاده السيد قوله: "بعد الوتر" أي غير الوتر لأن المقصود الإستدلال على جواز كل النفل قاعدا ويحتمل أنه إشارة إلى ما كان يفعله ﷺ من صلاة ركعتين بعد الوتر لبيان الجواز إلا أنه لا ينتج المدعي قوله: "ولو لم يستو قائما" بأن قام قياما تنال يداه فيه ركبتيه وركع وأما إذا وضع ركبتيه على الأرض ونصب نصفه الأعلى فالظاهر أنه لا مانع من الجواز قوله: "ولكن له نصف أجر القائم" يستثنى منه صاحب الشرع ﷺ كما ورد عنه ﷺ فإن أجر صلاته قاعدا كأجر صلاته قائما فهو من خصوصياته قوله: "ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد" صرح في البحر عن المشارق بنفي جوازه نائما فقال: ورد في بعض رواياته ومن صلى نائما أي مضطجعا فله نصف أجر القاعد ولا يمكن حمله على النفل مع القدرة لا يصح مضطجعا اللهم إلا أن يحكم بشذوذ هذه الرواية انتهى وفهم المؤلف من كلام القوم أن في ذلك خلافا كما هو عند الشافعية ولكن قال الكمال ولا أعلمه في فقهنا اهـ قوله: "فصلاته بالإيماء أفضل" أي مضطجعا أو مستلقيا أو قاعدا قوله: "لأنه جهد المقل" أي اجتهاد المقل بمعنى أنه ليس في وسعه غيره والجهد بمعنى المجهود قوله: "على أن صلاة القاعد" أي الذي يركع ويسجد فإن المومي تقدم الكلام عليه قوله: "قلت بل هو أرقى الخ" هو ظاهر لأن الصلاة بالإيماء أقل رتبة من
стр. 435
أرقى منه لأنه أيضا جهد المقل ونية المرء خير من عمله "ويقعد" المتنفل جالسا "كالتشهد" إذا لم يكن به عذر فيفترش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب يمناه "في المختار" وعليه الفتوى ولكن ذكر شيخ الإسلام الأفضل له أن يقعد في موضع القيام محتبيا لأن عامة صلاة رسول الله ﷺ في آخر عمره كان محتبيا أي في النفل ولأن المحتبي أكثر توجها لأعضائه القبلة لتوجه الساقين كالقيام وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى يقعد كيف شاء لأنه لما جاز له ترك أصل القيام فترك صفة القعود أولى وأما المريض فلا يتقيد صفة جلوسه بشيء "وجاز إتمامه" أي إتمام القادر نفله "قاعدا" سواء كان في الأولى أو الثانية "بعد افتتاحه قائما" عند أبي حنيفة ﵀ لأن القيام ليس ركنا في النفل فجاز تركه وعندهما لا يجوز لأن الشروع ملزم فأشبه النذر ولأبي حنيفة أن نذره ملزم صلاة مطلقة وهي الكاملة بالقيام مع جميع الأركان والشروع لا يلزمه إلا صيانة النفل وهي لا توجب القيام فيتمه جالسا "بلا كراهة على الأصح" لأن البقاء أسهل من الابتداء وابتداؤه جالسا لا يكره فالبقاء أولى وكان ﷺ يفتتح التطوع ثم ينتقل من القيام إلى القعود ومن القعود إلى القيام روته عائشة
ــ.
صلاة القاعد في العمل وإذا كانت مع قلة العمل فيها أفضل من صلاة القائم فصلاة القاعد بعذر وهي أكثر عملا أفضل منها بالأولى قوله: "ونية المرء خير من عمله" هذا إنما يظهر إذا خطر بباله أنه لو كان صحيحا لأداها قائما وإنما كانت خيرا لبعدها عن الرياء قوله: "ويقعد كالمتشهد" فيه إشارة إلى أنه لا يضع يمناه على يسراه تحت سرته لكن صرح في كتاب سياسة الدنيا والدين بأنه يضع وإليه يشير قولهم إن القعود كالقيام اهـ من السيد قوله: "في المختار" هو إحدى روايات ثلاث عن الإمام وبها أخذ زفر قال في النهر ولا شك في جواز القعود على أي حال وإنما الاختلاف في تعيين ما هو الأفضل اهـ قوله: "ولكن ذكر شيخ الإسلام" هذه رواية ثانية عن الإمام وبها أخذ أبو يوسف وعن الإمام أنه يتربع وبها أخذ محمد كما في مجمع الأنهر فإذا أراد أن يركع يعني على الروايتين الأخيرتين افترش رجله اليسرى وجلس عليها ليكون أيسر عليه كذا في ابن أميرحاج وهذا الخلاف في غير حال التشهد أما فيه فإنه يجلس كما يجلس المتشهد بالإجماع سواء سقط القيام لعذر أم لا اهـ نهر قوله: "لتوجه الساقين" أي وكل القدمين وهو لازم لما قبله قوله: "وعندهما لا يجوز" الخلاف في غير الشفع الثاني أما لو ابتدأ الشفع الأول قائما ثم قعد في الشفع الثاني فهو جائز اتفاقا لأن كل شفع صلاة على حدة قوله: "ولأبي حنيفة أن نذره ملزم الخ" لا فرق في لزوم القيام فيه بين أن يلتزمه نصا أو لا واختاره الكمال وفي المحيط أنه إن لم يلتزم القيام نصا لا يلزمه قال فخر الإسلام هو الصحيح أفاده السيد قوله: "بالقيام الخ" متعلق بالكاملة قوله: "بلا كراهة على الأصح" واختار صاحب الهداية الكراهة إذا كان من غير عذر كالإعياء والتعب قوله: "ثم يتنقل
стр. 436
رضي الله عنها "وينتقل" أي جاز له التنفل بل ندب له "راكبا خارج المصر" يعني خارج العمران ليشمل خارج القرية والأخبية بمحل إذا دخله مسافر قصر الفرض وسواء كان مسافرا أو خرج لحاجة في بعض النواحي على الأصح وقيل إذا خرج قدر ميل وقيل إذا خرج قدر فرسخين جاز له وإلا فلا وعن أبي يوسف جوازها في المصر أيضا على الدابة "موميا إلى أي جهة" ويفتتح الصلاة حيث "توجهت" به "دابته" لمكان الحاجة ولا يشترط عجزه عن إيقافها للتحريمة في ظاهر الرواية لقول جابر "رأيت رسول الله ﷺ يصلي النوافل على راحلته في كل وجه يومئ إيماء ولكنه يخفض السجدتين من الركعتين" ورواه ابن حبان في صحيحه وإذا حرك رجله أو ضرب دابته فلا بأس به إذا لم يصنع شيئا كثيرا وبنى.
ــ.
من القيام إلى القعود" أي في الركعة الواحدة فقد ذكر في مجمع الروايات أنه ﷺ كان يفتتح التطوع قائما ثم يقعد فإذا بقي من قراءته مقدار عشرين آية أو ثلاثين قام فقرأ ثم سجد كذا في الشرح قوله: "أي جاز له التنفل" لأن الصلاة خير موضوع فلو اشترط ما يشق من نحو النزول يلزم الإنقطاع عن الخير قال في المبسوط لو لم يكن في التنفل على الدابة من المنفعة إلا حفظ اللسان من فضول الكلام لكان كافيا في جوازه قوله: "بل ندب له" لفعله ﷺ كثيرا قوله: "إذا دخله" أي وصل إليه قوله: "على الأصح" هو قول جمهور العلماء وعند مالك يشترط كونه مسافرا وذكره في الذخيرة عن محمد وليس مشهورا عنه ولكن عن أبي يوسف جوازها في المصر بلا كراهة وعن محمد كذلك وفي رواية أجازه مع الكراهة مخافة الغلط بكثرة اللغط واستدلا بما روى عن ابن عمر أنه ﷺ ركب الحمار في المدينة يعود سعد بن عبادة وكان يصلي وهو راكب وأجيب عن الإمام بشذوذ الحديث وتمامه في الشرح قوله: "موميا إلى أي جهة الخ" فلو سجد على سرجه أو على شيء وضع عنده يكون عبثا لا فائدة فيه فيكره ولا تفسد لأنه إيماء وزيادة اللهم إلا أن يكون ذلك الشيء نجسا فتفسد لاتصال النجاسة به كما حققه البرهان الحلبي قوله: "ويفتتح الصلاة الخ" إنما زاده لوقوع الخلاف فيه فإن الإمام الشافعي ﵁ يشترط الإستقبال عند الإفتتاح وفي شرح عمدة الأحكام وعند أبي حنيفة وأبي ثور يفتتح أولا إلى القبلة استحبابا ثم يصلي كيف شاء وبه قال أحمد وهو الأشبه كذا في ابن أميرحاج قوله: "حيث توجهت به دابته" أشار به إلى أنه إذا صلى إلى غير ما توجهت به دابته لا يجوز لعدم الضرورة إلى ذلك كما في السراج وفي توحيد الضمير في قوله موميا وقوله به إشارة إلى أن الصلاة على الدابة لا تصح بالجماعة فإن فعلوا فصلاة الإمام صحيحة وصلاة القوم فاسدة وقيل تجوز إذا كانا على دابة واحدة كما في البحر عن الظهيرية وبه جزم في الدرر قوله: "في ظاهر الرواية" وقال الكاكي يشترط ذلك وإن تعذر جاز قال في الشرنبلالية وينبغي حمله على صلاة الفرض لأن باب النفل أوسع اهـ قوله: "وإذا حرك الخ" أشار به إلى أن تسيره لا يضر إذا كان بعمل قليل وهو المعتمد خلافا
стр. 437
بنزوله" على ما مضى إذا لم يحصل منه عمل كثير كما إذا ثنى رجله فانحدر لأن إحرامه انعقد مجوزا للركوع والسجود عزيمة بنزوله بعده فكان له الإيماء بهما راكبا رخصة وبهذا يفرق بين جواز بنائه وعدم بناء المريض بالركوع والسجود وكان موميا لأن إحرام المريض لم يتناولهما لعدم قدرته عليهما فلذا "لا" يجوز البناء بعد "ركوبه" على ما مضى من صلاته نازلا في ظاهر الرواية عنهم لأن افتتاحه على الأرض استلزم جميع الشروط وفي الركوب يفوت شرط الاستقبال واتحاد المكان وطهارته وحقيقة الركوع والسجود "و" جاز الإيماء على الدابة و "لو كان بالنوافل الراتبة" المؤكدة وغيرها حتى سنة الفجر "و" روي "عن
ــ.
لما في القنية أنه إذا سيرها صاحبها لم يجز الفرض ولا التطوع قوله: "لأن إحرامه انعقد مجوزا للركوع والسجود" إيضاحه أن يقال أن بناء بعض الصلاة على بعض عند الاختلاف إنما يجوز إذا تناولتهما تحريمة واحدة وأما إذا لم يكونا كذلك فلا يجوز إذا ظهر هذا فتحريمة الراكب انعقدت مجوزة للإيماء راكبا وللركوع والسجود بتقدير النزول فكان ما صلى بالإيماء وهو راكب وما يصلي بعد النزول بركوع وسجود داخلين تحت تحريمة واحدة فجاز بناء أحدهما على الآخر وإحرام النازل انقعد موجبا للركوع والسجود فقط فلم يتناول الإيماء راكبا فلا يصح بناؤه عليه كذا في العناية فإن قيل ما ذكر فيه بناء القوي على الضعيف وذلك لا يجوز كما في المريض إذا صح أجيب بأن إحرام المريض لم يتناول الأركان أي الأصلية بدون إيماء لعدم قدرته عليها فلا يجوز بناء ما لم يتناوله إحرامه على ما تناوله وأجيب أيضا بأن إيماء الراكب كركوعه وسجوده في القوة وليس خلفا عنهما ولذا جاز ابتداؤه بالإيماء مع قدرته على النزول إذ الخلف ما لا يصار إليه إلا عند تعذر الأصل ولا يصبح الجمع بينهما بخلاف المريض فإن إيماء خلف لا يجوز له ابتداء مع القدرة أي فلا يصح الجمع بينه وبين الأصل فلا يصح له البناء قال في النهاية وعلى هذا الفرق يجب أن لا يبني في المكتوبة فيما إذا افتتحها راكبا لعذر ثم نزل لأنه ليس له أن يفتتحها على الدابة عند القدرة فكان الإيماء فيها خلفا فلا يصح البناء للزوم الجمع بين الأصل والخلف ولهذا قيد المسئلة في الهداية بالمتطوع اهـ قوله: "عزيمة" أي أمرا محتما عليه وهو مفعول مطلق لمحذوف أي عزم عليه عزيمة وقوله بنزوله متعلق به قوله: "فكان له الإيماء" الأولى أن يقول وللإيماء بهما عطف على قوله للركوع قوله: "رخصة" أي جاء على خلاف الحكم الأصلي تسهيلا قوله: "وبهذا" الإشارة ترجع إلى التعليل قوله: "فلذا" أي للتعليل بعدم التناول قال في الشرح وعدم بناء المريض إذا قدر على الركوع والسجود وكان موميا لأن إحرام المريض لم يتناولهما لعدم قدرته عليها فصار كإحرام النازل الذي افتتح الصلاة على الأرض فلا يجوز بناء ما لم يتناوله إحرامه على ما تناوله فلذا لا تجوز الخ قوله: "في ظاهر الرواية" وقال زفر يجوز له البناء كما أوضحه في الفتح قوله: "حتى سنة الفجر" بالجر عطفا على النوافل الراتبة قوله:
стр. 438
أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه ينزل" الراكب "لسنة الفجر لأنها آكد من غيرها" قال ابن شجاع ﵀ يجوز أن يكون هذا لبيان الأولى يعني أن الأولى أن ينزل لركعتي الفجر كذا في العناية وقدمنا أن هذا على رواية وجوبها "وجاز للمتطوع الاتكاء على شيء" كحصى وحائط وخادم "إن تعب" لأنه عذر كما جاز أن يقعد "بلا كراهة وإن كان" الاتكاء "بغير عذر كره في الأظهر لإساءة الأدب" بخلاف القعود بغير عذر بعد القيام كما قدمناه "ولا يمنع صحة الصلاة على الدابة نجاسة" كثيرة "عليها" أي الدابة "ولو كانت" التي تزيد على الدرهم "في السرج والركابين على الأصح" وهو قول أكثر مشايخنا للضرورة "ولا تصح صلاة الماشي بالإجماع" أي إجماع أئمتنا لاختلاف المكان.
ــ.
"يعني أن الأولى الخ" أي فيجاب عنه بجوابين قوله: "كره في الأظهر" أي تنزيها بدليل التعليل قوله: "بخلاف القعود" فإنه لا كراهة فيه على الأصح قوله: "للضرورة" ولأنه لما سقط اعتبار الأركان الأصلية فلأن يسقط شرط طهارة المكان أولى قوله: "ولا تصح صلاة الماشي" ولا السابح وهو يسبح كما في المضمرات سواء كان بعذر أم لا فرضا كانت الصلاة أم لا قوله: "لاختلاف المكان" ولأن كلا من المشي والسباحة مناف للصلاة وأداء الأركان مع المنافي لا يصح والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 439
فصل: في صلاة الفرض والواجب على الدابة
والمحمل "لا يصح على الدابة صلاة الفرائض ولا الواجبات كالوتر والمنذور" والعيدين "و" لا قضاء "ما شرع فيه نفلا فأفسده ولا صلاة الجنازة و" لا "سجدة" تلاوة قد "تليت آيتها على الأرض إلا لضرورة" نص عليها في الفرض بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ والواجب ملحق به "كخوف لص على نفسه أو دابته أو ثيابه لو نزل" ولم تقف له رفقته "وخوف سبع" على نفسه أو دابته "و" وجود مطر و "طين" في "المكان"
ــ.
فصل في صلاة الفرض والواجب على الدابة.
قوله: "والمحمل" اسم مكان قياسه فتح الميم قوله: "ولا قضاء ما شرع فيه نفلا" ولو شرع فيه بقعود أفاده السيد قوله: "قد تليت آيتها على الأرض" أما إذا تليت آيتها عليها فتصح عليها قوله: "إلا لضرورة" قال في الخلاصة أما صلاة الفرض على الدابة بالعذر فجائزة فيقف عليها أي مستقبل القبلة ويصلي بالإيماء إن أمكنه إيقاف الدابة فإن لم يمكنه صلى أينما توجهت ولو مستدبر القبلة كذا في غاية البيان قوله: "كخوف لص" يعم قاطع الطريق قوله: "ولم تقف له رفقته" هذا على الغالب ومن غير الغالب أن وقوف الرفقة لا يفيد منع اللص
стр. 440
يغيب فيه الوجه أو يلطخه أو يتلف ما يبسطه عليه أما مجرد نداوة فلا يبيح ذلك والذي لا دابة له يصلي قائما في الطين بالإيماء "وجموح الدابة وعدم وجدان من يركبه" دابته ولو كانت غير جموح "لعجزه" بالاتفاق ولا تلزمه الإعادة بزوال العذر والمريض الذي يحصل له بالنزول والركوب زيادة مرض أو بطؤ برء يجوز له الإيماء بالفرض على الدابة واقفة مستقبل القبلة إن أمكن وإلا فلا وكذا لطين المكان وإن وجد العاجز عن الركوب معينا فهي مسألة القادر بقدرة غيره خلافا لهما كالمرأة إذا لم تقدر على النزول إلا بمحرم أو زوج ومعادل زوجته أو محرمه إذا لم يقم ولده محله كالمرأة "والصلاة في المحمل" وهو "على الدابة كالصلاة عليها" في الحكم الذي علمته "سواء كانت سائرة أو واقفة ولو" أوقفها و "جعل تحت المحمل خشبة" أو نحوها "حتى بقي قراره" أي المحمل "إلى الأرض" بواسطة ما جعل تحته "كان" أي صار المحمل "بمنزلة الأرض فتصح الفريضة فيه قائما" لا قاعدا بالركوع والسجود.
ــ.
فيجوز له حينئذ الصلاة عليها قوله: "واقفة مستقبل القبلة" لا يخص المريض بل هو حكم صلاة الفرض وما ألحق به على الدابة مطلقا قوله: "خلافا لهما" تقدم ترجيح قولهما قوله: "كالمرأة" أي فإنها قادرة بقدرة الغير قوله: "ومعادل زوجته" مبتدأ وخبره قوله كالمرأة والظاهر أن الزوجة والمحرم ليسا بقيد قوله: "إذا لم يقم ولده محله" أي لأجل تعادل الحمل قوله: "كالمرأة" أي المعادلة فيجوز له الصلاة على الدابة كذا بحثه صاحب البحر وأقره عليه من بعده قوله: "فتصح الفريضة فيه قائما" فإن لم يمكنه القيام ولا النزول صلى قاعدا كما هو مفاد كلامهم أفاده بعض الأفاضل بحثا وقال السيد بعد عبارة المصنف هذه وهذا وإن أطلقه المصنف يحمل على ما إذا أمكنه القيام والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 441
فصل في الصلاة في السفينة صلاة الفرض
والواجب "فيها وهي جارية" حال كونه "قاعدا بلا عذر" به وهو يقدر على الخرج منها "صحيحة عند" الإمام الأعظم "أبي حنيفة" رحمه الله تعالى لكن "بالركوع والسجود" لا
ــ.
فصل في الصلاة في السفينة
مناسبة هذا الفصل لما قبله أن السفينة لها شبه بالدابة لأنها مركب البحر والدابة مركب البر ولذا سقط القيام كما هو في صلاة الدابة ولها شبه بالأرض من حيث الجلوس عليها بقرار ولذا لزم الركوع والسجود والإستقبال قوله: "صلاة الفرض والواجب" ويعلم منه حكم النفل بالأولى قوله: "وهو يقدر" نص على المتوهم قوله: "صحيحة عند الإمام
стр. 442
بالإيماء لأن الغالب في القيام دوران الرأس والغالب كالمتحقق لكن القيام فيها والخروج أفضل إن أمكنه لأنه أبعد عن شبهة الخلاف وأسكن لقلبه "وقالا" أي أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى "لا تصح" جالسا "إلا من عذر وهو الأظهر" لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ سئل عن الصلاة في السفينة فقال: "صل فيها قائما إلا أن تكون تخاف الغرق" وقال مثله لجعفر ولأن القيام ركن فلا يترك إلا بعذر محقق لا موهوم ودليل الإمام أقوى فيتبع لأن ابن سيرين قال صلينا مع أنس في السفينة قعودا ولو شئنا لخرجنا إلى الجد وقال مجاهد صلينا مع جنادة ﵁ في السفينة قعودا ولو شئنا لقمنا وقال الزاهدي وحديث عمر وجعفر محمول على الندب فظهر قوة دليله لموافقة تابعيين ابن سيرين ومجاهد وصحابيين أنس وجنادة فيتبع قول الإمام رحمه الله تعالى "والعذر كدوران الرأس وعدم القدرة على الخروج ولا تجوز" أي لا تصح الصلاة "فيها بالإيماء" لمن يقدر على الركوع والسجود "اتفاقا" لفقد المبيح حقيقة وحكما "والمربوطة في لجة البحر" بالمراسي والجبال "و" مع ذلك "تحركها الريح" تحريكا "شديدا" هي "كالسائرة" في الحكم الذي قد علمته والخلاف فيه "وإلا" أي وإن لم تحركها شديدا "فكالواقفة" بالشط "على الأصح و" الواقفة ذكرها مع حكمها ب قوله "إن كانت مربوطة بالشط لا تجوز صلاته" فيها "قاعدا" مع قدرته على القيام لانتفاء المقتضي للصحة "بالإجماع" على الصحيح وهو احتراز عن قول بعضهم أنها أيضا على الخلاف "فإن صلى" في المربوطة بالشط "قائما وكان شيء من السفينة على قرار الأرض صحت الصلاة" بمنزلة الصلاة على السرير "وإلا" أي وإن لم يستقر منها شيء على الأرض "فلا تصح" الصلاة فيها "على المختار" كما في المحيط والبدائع لأنها حينئذ كالدابة. وظاهر الهداية والنهاية جواز الصلاة في المربوطة بالشط قائما مطلقا أي سواء استقرت بالأرض أو لا "إلا إذا لم يمكنه الخروج" بلا ضرر فيصلي فيها للخروج "و"
ــ.
الأعظم" من غير كراهة عنده كما في حاشية الدرر للمؤلف وفي المضمرات والبحر عن البدائع أن فيه إساءة أدب وهو الذي يفيده كلامه بعده قوله: "والخروج أفضل" أي من الصلاة قائما فيها يعني إذا أمكنه من غير ضرر لنفسه أو ماله قوله: "لأنه أبعد الخ" هو على سبيل اللف والنشر المرتب قوله: "وقال مثله لجعفر" اي ابن أبي طالب لما بعثه إلى الحبشة قوله: "لخرجنا إلى الجد" بكسر الجيم وتشديد الدال الشاطيء وهذا دليل لجواز الصلاة فيها مع إمكان الخروج منها وما بعده دليل لجواز الصلاة قاعدا مع إمكان الصلاة من قيام قوله: "محمول على الندب" أي الأمر فيه وهو صل فيها قائما محمله الندب لتتوافق الأدلة قوله: "المبيح حقيقة" هو كالمريض وحكما هو كالدابة قوله: "كما في المحيط والبدائع الخ" اعلم أن ظاهر الهداية والنهاية والإختيار جواز الصلاة قائما في المربوطة بالشط
стр. 443
إذا كانت سائرة "يتوجه المصلي فيها إلى القبلة" لقدرته على فرض الاستقبال "عند افتتاح الصلاة وكلما استدارت" السفينة "عنها" أي القبلة "يتوجه" المصلي باستدارتها "إليها" أي القبلة "في خلال الصلاة" وإن عجز يمسك عن الصلاة "حتى" يقدر إلى أن "يتمها مستقبلا" ولو ترك الاستقبال لا تجزئه في قولهم جميعا.
ــ.
مطلقا سواء استقرت على الأرض أم لا أمكنه الخروج أم لا وقيده في الإيضاح بأحد أمرين بالإستقرار وعدم إمكان الخروج عند عمد الإستقرار كما في الفتح والتبيين واختاره في المحيط والبدائع كما في البحر فما قاله الشيخ شاهين في رسالة له وما في الإيضاح لم أقف على تصحيحه لأحد بل هو ضعيف والمعتمد الإطلاق مردود قال الحلبي وعلى هذا أي ما ذكر في الإيضاح ينبغي أن لا تجوز الصلاة فيها إذا كانت سائرة مع إمكان الخروج إلى البر والإيضاح هو للتجريد في ثلاث مجلدات كلاهما لعبد الرحمن أبي الفضل الكرماني قوله: "وإن عجز يمسك عن الصلاة" نقله في الشرح عن مجمع الروايات قوله: "ولو ترك الاستقبال لا تجزيه في قولهم جميعا" هذا ما أورده الشيخ أكمل الدين بقوله وينبغي أن يتوجه إلى القبلة كيفما دارت السفينة سواء كان عند الإفتتاح أو في خلال الصلاة لأن التوجه فرض عند القدرة وهذا قادر اهـ كذا في الشرح قال بعض الحذاق المتبادر أن لزوم التوجه منوط بالقدرة عليه كما يشير إليه كلام المضمرات والاسبيجابي إذ الاستقبال قد يسقط للعذر ولو عند الإمكان كما في الخائف من عدوه عدم الإمكان أولى والعلامة الأكمل لم يطلق لزوم الإستقبال بل قيد بالقدرة وعند عدم القدرة على الشيء كيف يتحقق لزومه وإلى ما ذكرنا يشير كلام الدرر حيث قال لأنه يمكنه الإستقبال من غير مشقة إذ مفهومه أنه عند عدم الإمكان وعند المشقة لا يلزمه الاستقبال ومفاهيم الكتب حجة كما لا يخفى وما في مجمع الروايات أنه إن عجز يمسك عن الصلاة يمكن حمله على حالة الرجاء اهـ أي رجاء زوال العذر قبل الوقت فتأمل اهـ بتصرف وهو كلام حسن إذ على ما أفاده المصنف يلزمه تأخير الصلوات في أسفار البحر الملح عند إشتداد الأرياح وتقلبها وفي سفن مصر عند السفر إلى العارف بالله تعالى السيد أحمد البدوي بحرا في المراكب العامة وغير ذلك والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 444
فصل: في صلاة التراويح
الترويحة الجلسة في الأصل ثم سميت بها الأربع ركعات التي آخرها الترويحة. روى
ــ.
فصل في صلاة التراويح
قوله: "الترويحة الجلسة" فهي المرة الواحدة من الراحة قوله: "ثم سميت بها الأربع
стр. 445
الحسن عن أبي حنيفة صفتها بقوله "التراويح سنة" كما في الخلاصة وهي مؤكدة كما في الاختيار وروى أسد بن عمرو عن أبي يوسف قال سألت أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عمر ﵁ فقال: التراويح سنة مؤكدة ولم يتخرصه عمر من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعا ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله ﷺ وهي سنة عين
ــ.
ركعات الخ" مجازا للإستراحة بعدها غالبا فهو من إطلاق اسم المجاور على ما جاوره وقوله التي آخرها الأولى أن يقول التي بعدها ويمكن أن تكون نفسها راحة ومنه قوله ﷺ "أرحنا بالصلاة يا بلال" أي أقمها فيكون فعلها راحة لأن إنتظارها مشقة على النفس أو لأنها يتوصل بها إلى راحة الجنة وهذه العبارة التي للمصنف نقلها في الشرح عن المستصفي والذي فيه عن الفتح أن التراويح جمع ترويحة للنصف أي استراحة وهي في الأصل مصدر بمعنى الإستراحة سميت بها كل أربع لاستلزامها شرعا استراحة بعدها بقدرها اهـ فالعلاقة اللزوم قوله: "التراويح سنة" بإجماع الصحابة ومن بعدهم من الأمة منكرها مبتدع ضال مردود الشهادة كما في المضمرات وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة اهـ منها الوتر كما في صحيحي ابن خزيمة وابن حبان وأما ما رواه ابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ كان يصلي في رمضان عشرين سوى الوتر فضعيف وإنما ثبت العشرون بمواظبة الخلفاء الراشدين ما عدا الصديق رضي الله تعالى عنهم ففي البخاري فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر حين جمعهم عمر على أبي بن كعب فقام بهم في رمضان فكان ذلك أول اجتماع الناس على قارىء واحد في رمضان كما في فتح الباري وبالجملة فهي سنة رسول الله ﷺ سنها لنا وندبنا إليها وكيف لا وقد قال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" وروى أبو نعيم من حديث عروبة الكندي أن رسول الله ﷺ قال: "ستحدث بعدي أشياء فأحبها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر" وفي البحر عن الخلاصة اختلف المشايخ في كونها سنة يعني أو مستحبة قال وانقطع الخلاف برواية الحسن عن الإمام أنها سنة اهـ وقد ذكر الأصوليون أن السنة ما فعله النبي ﷺ أو واحد من الصحابة قوله: "ولم يتخرصه عمر من تلقاء نفسه" ١ قال في القاموس تخرصه افترى عليه اهـ وقال
стр. 446
مؤكدة "على الرجال والنساء" ثبتت سنيتها بفعل النبي ﷺ وقوله قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" وقد واظب عليها عمر وعثمان وعلي ﵃. وقال ﷺ في حديث "افترض الله عليكم صيامه وسننت لكم قيامه" وفيه رد لقول بعض الروافض هي سنة للرجال دون النساء وقول بعضهم سنة عمر لأن الصحيح أنها سنة النبي ﷺ والجماعة سنة فيها أيضا لكن على الكفاية بينه بقوله "وصلاتها بالجماعة سنة كفاية" لما ثبت أنه ﷺ صلى بالجماعة إحدى عشر ركعة بالوتر على سبيل التداعي ولم يجرها مجرى سائر النوافل ثم بين العذر في الترك وهو خشيته ﷺ افتراضها علينا وقال
ــ.
قبله الخرص القول بالظن وذكر له معاني كثيرة قوله: "في حديث" بالتنكير وقوله افترض الخ في محل نصب مقول القول قوله: "وفيه رد لقول بعض الروافض هي سنة الرجال دون النساء" أقول هكذا قاله حافظ الدين في الكافي لكن المشهور عنهم أنها ليست بسنة أصلا قال في البرهان قد اجتمعت الأمة على مشروعية التراويح وجوازها ولم ينكرها أحد من أهل القبلة إلا الروافض ذكره العلامة نوح قوله: "وقول بعضهم سنة عمر الخ" في الفتاوي الهندية عن الجواهر هي سنة رسول الله ﷺ وقيل هي سنة عمر ﵁ والأول أصح وفي حاشية السيد على العلامة مسكين وما قيل يكفر من يقول إنها سنة عمر ﵁ كما تقوله الروافض فممنوع فقد صرح في كثير من المتداولات بأنها سنة عمر يعني بالنظر لكونها عشرين ركعة وللمواظبة عليها وذلك لا يمنع كونها سنة رسول الله ﷺ أيضا لما ذكرنا اهـ قوله: "وصلاتها بالجماعة سنة كفاية" فلا لو على من لم يحضر الجماعة إلا أن يتركوها جميعا أو يكون فقيها يقتدى به وقال المرغيناني إنها سنة عين وكره أن يؤم في التراويح مرتين في ليلة واحدة وعليه الفتوى لأن السنة لا تتكرر في الوقت الواحد فتقع الثانية نفلا مضمرات بخلاف ما لو صلاها مأموما مرتين حيث لا يكره كما لو أم فيها ثم اقتدى بآخر في تلك الصلاة وكما لو صلى العشاء إماما أو مقتديا ثم أقيمت ثانيا فإنه لا يكره له أن يدخل فيها ثانيا بل يستحل له ذلك كما حققه العمدة ابن أميرحاج ولينظر الجمع بين هذا وبين ما ورد من حديث لا يصلي بعد صلاة مثلها والظاهر أن الظهر مثل العشاء بخلاف بقية الفرائض فيكره إعادتها وهذا غير مشهور فإن المشهور كراهة الإعادة إلا لمن صلى منفردا ثم أقيمت صلاة العشاء أو الظهر ويستفاد من طلب الجماعة في التراويح أن فضيلتها بالجماعة أكثر من فضيلة الإنفراد وهل هي كالجماعة في الفرض فتضاعف على صلاة الفذ بسبع وعشرين أو خمس وعشرين أو المتحقق فيها زيادة ثواب من غير قيد بالعدد ومثل ذلك يقال في صلاة التطوع جماعة إذا كان على غير وجه التداعي يحرر قوله: "وهو خشيته ﷺ افتراضها علينا" إن قيل كيف خشي النبي ﷺ أن تفترض علينا مع علمه بأنه لا يزاد على الصلوات الخمس لقوله تعالى في حديث الإسراء لما فرض الصلاة لا يبدل القول لدي أجيب بأن الممنوع زيادة الأوقات
стр. 447
الصدر الشهيد الجماعة سنة كفاية فيها حتى لو أقامها البعض في المسجد بجماعة وباقي أهل المحلة منفردا في بيته لا يكون تاركا للسنة لأنه يروي عن أفراد الصحابة للتخلف. وقال في المبسوط لو صلى إنسان في بيته لا يأثم فقد فعله ابن عمر وعروة وسالم والقاسم وإبراهيم ونافع فدل فعل هؤلاء أن الجماعة في المسجد سنة على سبيل الكفاية إذ لا يظن بابن عمر ومن تبعه ترك السنة اه. وإن صلاها بجماعة في بيته فالصحيح أنه نال إحدى الفضيلتين فإن الأداء في المسجد له فضيلة ليس للأداء في البيت ذلك وكذا الحكم في الفرائض "ووقتها" ما "بعد صلاة العشاء" على الصحيح إلى طلوع الفجر "و" لتبعيتها للعشاء "يصح تقديم الوتر على التراويح وتأخيره عنها" وهو أفضل حتى لو تبين فساد العشاء دون التراويح والوتر أعادوا العشاء ثم التراويح دون الوتر عند أبي حنيفة لوقوعها نافلة مطلقة بوقوعها في غير محلها وهو الصحيح وقال جماعة من أصحابنا منهم إسماعيل الزاهد أن الليل كله وقت لها قبل العشاء وبعده وقبل الوتر وبعده لأنها قيام الليل "ويستحب تأخير التروايح إلى" قبل "ثلث الليل أو" قبيل "نصفه" واختلفوا في أدائها بعد النصف فقال بعضهم: يكره لأنها تبع للعشاء فصارت كسنة العشاء "و" قال بعضهم "لا يكره تأخيرها
ــ.
ونقصانها لا زيادة عدد الركعات ونقصانها ألا ترى أن الصلاة فرضت ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر كما في حاشية الشلبي على الزيلعي أو أن الفرضية قد تكون معلقة على المداومة أو خشيت بمداومة عليها أن تعتقد وفرضيتها اهـ قوله: "وباقي أهل المحلة أقامها منفردا" أفاد بهذا التعبير أنها سنة كفاية لكل محلة فيها مسجد فإقامتها بمسجد واحد في البلد لا تسقط الجماعة عن جميعهم حيث تعددت مساجد المحلة ويحرر ومقتضى إطلاقهم أنها سنة كفاية أن المراد أنها سنة كفاية البلد لا في المحلة قوله: "فالصحيح أنه نال إحدى الفضيلتين" هما صلاتها في البيت جماعة وصلاتها في المسجد جماعة قوله: "فإن الأداء الخ" علة لمحذوف كان الواجب ذكره وهو الأفضل فيها المسجد فإن الأداء الخ قال البرهان الحلبي كل ما شرع بجماعة فالمسجد فيه أفضل لزيادة فضيلة المسجد وتكثير الجماعة وإظهار شعار الإسلام اهـ وفي النهر أنها في المسجد أفضل على ما عليه الاعتماد قوله: "ووقتها ما بعد صلاة العشاء" أي الوقت الذي هو بعد صلاة العشاء قوله: "يصح تقديم الوتر على التراويح الخ" وقيل وقتها بعد العشاء قيل الوتر وبه قال عامة مشايخ بخارى وأثر الخلاف يظهر فيما لو فاتته ترويحة لو اشتغل بها يفوته الوتر بالجماعة يشتغل بالترويحة على قول مشايخ بخارى وبالوتر على قول غيرهم قوله: "وقال جماعة من أصحابنا الخ" قال في البحر ولم أر من صححه وإذا فاتت قيل تقضي ما لم يأت وقتها من الليلة المستقبلة وقيل ما لم يمض الشهر والصحيح أنها لا تقضى مطلقا فإن قضاها كانت نفلا لا تراويح كما في الدر والسراج قوله: "وقال بعضهم لا يكره الخ" أي تحريما وإلا فمخالفة الأولى ثابتة بدليل
стр. 448
إلى ما بعده" أي ما بعد نصف الليل "على الصحيح" لأن أفضل صلاة الليل آخره في حد ذاتها لكن الأحب أن لا يؤخر التراويح إليه خشية الفوات "وهي عشرون ركعة" بإجماع الصحابة ﵃ "بعشر تسليمات" كما هو المتوارث يسلم على رأس كل ركعتين فإذا وصلها وجلس على كل شفع فالأصح أنه إن تعمد ذلك كره وصحت وأجزأته عن كلها وإذا لم يجلس إلا في آخر أربع نابت عن تسليمة فتكون بمنزلة ركعتين في الصحيح "ويستحب الجلوس بعد" صلاة "كل أربع" ركعات "بقدرها وكذا" يستحب الجلوس يقدرها "بين الترويحة الخامسة والوتر" لأن المتوارث عن السلف وهذا روي عن أبي حنيفة ﵀ ولأن اسم التراويح ينبئ عن ذلك وهم مخيرون في الجلوس بين التسبيح والقراءة والصلاة فرادى والسكوت "وسن ختم القرآن فيها" أي التراويح "مرة في الشهر على
ــ.
قوله ولكن الأحب أن لا يؤخر التراويح قوله: "آخره" يصح قراءته بالرفع ويكون على تقدير مضاف أي صلاة آخره ويصح قراءته بالنصب على الظرفية أي الكائن آخره قوله: "في حد ذاتها" أي لا بالنظر للتراويح قوله: "وهي عشرون ركعة" الحكمة في تقديرها بهذا العدد مساواة المكمل وهي السنن للمكمل وهي الفرائض الاعتقادية والعملية قوله: "فالأصح أنه إن تعمد ذلك كره" مقابله ما في منية المصلي من عدم الكراهة لأنه أكمل لزيادة المشقة ورد بأن الكمال لا يحصل بمجرد المشقة ما لم يكن فيه اتباع السنة اهـ قوله: "وإذا لم يجلس إلا في آخر أربع الخ" أي آخر كل أربع فإذا جلس على آخر كل ركعتين تنوب عن تسليمتين على ما عليه العامة ذكره السيد وإذا لم يقعد إلا في آخر العشرين فعلى الصحيح تجوز عن تسليمة أي ركعتين بخلاف ما إذا قعد على رأس ركعتين كما في الخلاصة.
قوله: "نابت عن تسليمة" فيه أنهم قالوا: إن القعود الأول في رباعية النفل واجب يجبر بالسجود ومقتضاه أن تنوب عن تسليمتين ويجب عليه السجود إن كان ساهيا وقد يجاب بأن المذكور هنا في خصوص التراويح لكونها شرعت على هيئة مخصوصة بالسلام على رأس الركعتين فلا ينافي أنها في غيرها تجعل أربعا وفيه أن هذا يرد على ما إذا جمع الكل بتسليمة واحدة مع أنها إنما تنوب عن تسليمة واحدة على المفتي به كما في الدر قوله: "والصلاة فرادى" أي بعد كل أربع أما بعد كل شفع فهي مكروهة قال البرهان الحلبي يكره صلاة ركعتين منفردا بعد كل ركعتين لأنها بدعة مع مخالفة الإمام اهـ وفي الكافي وتكره الإستراحة على خمس تسليمات عند الجمهور.
قوله: "مرة في الشهر" ومرتين فضيلة وثلاثا في كل عشر مرة أفضل كافي وإذا كان إمام مسجد حية لا يختم فله أن يتركه إلى غيره كما في الفتح وكذا لو كان الإمام لحانا وفي الفتح والتبيين ثم إذا ختم مرة قبل آخره قيل لا يكره وترك التراويح فيما بقي لأنها شرعت
стр. 449
الصحيح" وهو قول الأكثر رواه الحسن عن أبي حنيفة ﵀ يقرأ فيكل ركعة عشر آيات أو نحوها وعن أبي حنيفة ﵀ أنه كان يختم في رمضان إحدى وستين ختمة في كل يوم ختمة وفي كل ليلة ختمة وفي كل التروايح ختمة وصلى بالقرآن في ركعتين وصلى الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة "وإن مل به" أي بختم القرآن في الشهر "القوم قرأ بقدر ما لا يؤدي إلى تنفيرهم في المختار" لأن الأفضل في زماننا ما لا يؤدي إلى تنفير الجماعة كذا في الاختيار وفي المحيط الأفضل في زماننا أن يقرأ بما لا يؤدي إلى تنفير القوم عن الجماعة لأن تكثير القوم أفضل من تطويل القراءة وبه يفتى. وقال الزاهد يقرأ كما في المغرب أي بقصار المفصل بعد الفاتحة ويكره الاقتصار على دون ثلاث آيات أو آية طويلة بعد الفاتحة لترك الواجب "ولا يترك الصلاة على النبي ﷺ في كل تشهد منها" لأنها سنة مؤكدة عندنا وفرض على قول بعض المجتهدين فلا تصح بدونها
ــ.
لأجل ختم القرآن وقد حصل مرة وقيل يصليها أو يقرأ فيها ما شاء اهـ وإذا قرأ بالختم فغلط فترك سورة أو آية وقرأ ما بعدها فالمستحب له أن يقرأ المتروك ثم المقروء ليكون على الترتيب قوله: "يقرأ في كل ركعة عشر آيات أو نحوها" لأن عدد ركعات التراويح ستمائة ركعة أو إلا عشرين إن كان الشهر ناقصا فينبغي الزيادة على العشرة ولو كان كاملا لأن الآيات تزيد على قدرها كاملة بستمائة وستين آية ليتأتى له الختم فيه وجميع آيات القرآن ستة آلاف وستمائة وستة وستون آية ألف وعد وألف وعيد وألف أمر وألف نهي وألف قصص وألف خبر وخمسمائة حلال وحرام ومائة دعاء وتسبيح وست وستون ناسخ ومنسوخ كذا في الشعبي عن الكشاف.
قوله: "ما لا يؤدي إلى تنفير الجماعة" من طول قراءة وتسبيح وأدعية تشهد وقوله في زماننا لا مفهوم له لأن النبي ﷺ نهى أبيا عن تطويل القراءة قوله: "لأن تكثير القوم أفضل من تطويل القراءة" أي أكثر ثوابا لأنه يزاد بكل فرد صلاة ويتعلم جاهلهم من عالمهم وتعود بركة الكامل منهم على التناقص قوله: "ويكره الإقتصار على ما دون ثلاث آيات وآية طويلة بعد الفاتحة" أوآيتان متوسطتان كما في الشرح قوله: "لترك الواجب" أفاد به أنه مكروه تحريما وما في فضائل رمضان للزاهدي من أن أبا الفضل الكرماني والوبري أفتيا أنه إذا قرأ في التراويح الفاتحة وآية أو آيتين لا يكره ومن لم يكن عالما بأهل زمانه فهو جاهل انتهى محمول على الآية الطويلة والآيتين المتوسطتين أو هو ضعيف لأن فيه إفراطا يؤدي إلى التفريط بترك الواجب قوله: "ولا بترك الصلاة على النبي ﷺ " ويكتفي باللهم صل على محمد لأنه الفرض عند الشافعي در قوله: "وفرض على قول بعض المجتهدين" منهم مولانا الإمام الشافعي ﵁.
стр. 450
ويحذر من الهذرمة وترك الترتيل وترك تعديل الأركان وغيرها كما يفعله من لا خشية له "ولو مل القوم" بذلك "على المختار" لأنه عين الكسل منهم فلا يلتفت إليهم فيه "و" كذا "لا يترك الثناء" في افتتاح كل شفع "و" كذا "تسبيح الركوع والسجود" لا يترك لافتراضه عند البعض وتأكيد سنيته عندنا "ولا يأتي" الإمام "بالدعاء" عند السلام "إن مل القوم" به ولا يتركه بالمرة فيدعو بما قصر تحصيلا للسنة "ولا تقضى التراويح" أصلا "بفواتها" عن وقتها "منفردا ولا بجماعة" على الأصح لأن القضاء من خصائص الواجبات وإن قضاها كانت نفلا مستحبا لا تراويح وهي سنة الوقت لا سنة الصوم في الأصح فمن صار أهلا للصلاة في آخر اليوم يسن له التراويح كالحائض إذا طهرت والمسافر والمريض المفطر
ــ.
قوله: "ويحذر من الهدرمة" الموجود في النسخ التي بأيدينا بالدال المهملة والذي في الدر بالذال المعجمة وفسرها في القاموس بسرعة الكلام والقراءة قوله: "وترك الترتيل" في القاموس رتل الكلام ترتيلا أحسن تأليفه اهـ والمراد أن لا يعطي التلاوة وحقها قوله: "وغيرها" كترك التعوذ والتسمية وترك الإستراحة فيما بين كل ترويحتين والكراهة في الثلاثة المذكورة في كلامه تحريمية وفي غيرها تنزيهية لأنها في مقابلة ترك السنن قوله: "وكذا لا يترك الثناء" سواء كان إماما أو مقتديا أو منفردا وعلله في الفتح بأن السنن لا تترك للجماعات قوله: "لافتراضه عند البعض" هو أبو مطيع البلخي تلميذ الإمام الأعظم ﵁ وقيل بوجوبه قوله: "ولا يأتي الإمام بالدعاء" أي الدعاء الطويل لقوله فيدعو بما قصر قوله: "ولا تقضي التراويح" لأنها ليست آكد من سنة المغرب والعشاء وهما لا يقضيان فهي أولى بعدم القضاء قوله: "على الأصح" فقد تقدم مقابله قوله: "والمسافر والمريض" لا يحسن عطفهما على الحائض لأنهما أهل لها قبل آخر اليوم وعبارته في الشرح أولى حيث قال والأصح أنها سنة الوقت لقوله ﷺ : "وسننت لكم قيام ليله" حتى أن المريض المفطر والمسافر والحائض والنفساء إذا طهرتا والكافر إذا أسلم في آخر اليوم تسن لهم التراويح فكيف يعذر المقيم الصحيح الصائم في تركها اهـ وفي القنية لو تركوا الجماعة في الفرض ليس لهم أن يصلوا التراويح جماعة لأنها تبع له ولو لم يصلها بإمام له أن يصلي الوتر به كما أن له أن يصلي التراويح بإمام والوتر بآخر على الصحيح ويكره للمقتدي أن يقعد في التراويح فإذا أراد الإمام أن يركع يقوم وظاهر عبارة الشرح يفيد ثبوت الكراهة ولو كان داخلا في صلاة الإمام لأنه علله بقوله لما في هذا من مخالفة الإمام ولما فيه من القول بلزوم القيام في التراويح وتكره مع غلبة النوم فينصرف حتى يستيقظ لأن في الصلاة مع النوم تهاونا وغفلة وترك التدبر ولا خصوصية لها بهذا بل كل الصلوات كذلك اهـ والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 451
باب الصلاة في الكعبة
قدمنا من شروط الصلاة استقبال القبلة وهي الكعبة والشرط استقبال جزء من بقعة الكعبة أو هوائها لأن القبلة اسم لبقعة الكعبة المحدودة وهو أنها إلى عنان السماء عندنا كما في العناية وليس بناؤها قبلة ولذا حين أزيل البناء صلى الصحابة ﵃ إلى البقعة ولم ينقل عنهم أنهم اتخذوا سترة فلذا "صح فرض ونفل فيها" أي في داخلها إلى أي جزء منها توجه لقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ الآية. لأن الأمر بالتطهير للصلاة فيه ظاهر في صحتها فيه "وكذا" صح فرض ونفل "فوقها وإن لم يتخذ" مصليهما "سترة" لما ذكرنا "لكنه مكروه" له الصلاة فوقها "لإساءة الأدب باستعلائه عليها" وترك تعظيمها "ومن جعل ظهره إلى غير وجه أمامه فيها أو فوقها" بأن كان وجهه إلى ظهر إمامه وإلى جنب إمامه أو ظهره إلى جنب إمامه أو ظهره إلى ظهر إمامه أو جنبيه إلى وجه إمامه أو جنبيه إلى جنب
ــ.
باب الصلاة في الكعبة
وهي البيت الحرام سميت كعبة لتربعها أو لنتوئها ومنه الكاعب لمن ارتفع نهدها واختلف في المضاعفة الحاصلة في الصلاة فقيل خاصة بالعمل فيها أي في المسجد العتيق وهو ما حولها المحدد بوضع الرخام فيه وقيل تحصل بالعمل في كل بقاع المسجد وقيل بالعمل في كل الحرم قوله: "عندنا" وعند الشافعي اسم للبناء والبقعة حموي عن البرجندي قوله: "وليس بناؤها قبلة" لأنه لو صلى على جبل أبي قبيس لا يكون بين يديه شيء من بناء الكعبة وصحت صلاته كذا في الشرح قوله: "ولذا حين أزيل البناء" أي في زمن عبد الله بن الزبير قوله: "الآية" أي اقرأ الآية وتمامها للطائفين والعاكفين والركع السجود قوله: "ظاهر في صحتها فيه" إذ لا معنى لتطهير المكان لأجل الصلاة وهي لا تجوز في ذلك المكان كذا في الشرح والدليل على صحة الصلاة فيها مطلقا من السنة حديث بلال رضي الله تعالى عنه أنه ﷺ دخل البيت وصلى فيه وصلاته ﷺ وإن كانت نفلا فالفرض في معناه فيما هو من شرائط الجواز دون الأركان ولأنها صلاة استجمعت شرائطها بوجود استقبال القبلة أفاده في الشرح ومتى صارت قبلة فاستدبارها في الصلاة من غير ضرورة يكون مفسدا فلو صلى ركعة إلى جهته وركعة إلى جهة أخرى لا تصح صلاته لأنه صار مستدبرا للجهة التي صارت قبلة في حقه بيقين من غير ضرورة بخلاف المتحري إذا تبدل تحريه أفاده السيد والمراد بالاستدبار ترك الإستقبال وإلا فقد ينتقل من جهة إلى جهة من غير استدبار قوله: "لما ذكرنا" أي من أن القبلة اسم لبقعة الكعبة المحدودة وهوائها إلى عنان السماء قوله "لإساءة الأدب" يفيد أن الكراهة للتنزيه قوله: "وترك تعظيمها" أي ظاهرا وإلا فهو معظم لها باطنا وإلا كفر قوله:
стр. 452
إمامه متوجها إلى غير جهته أو وجهه إلى وجه إمامه "صح" اقتداؤه في هذه الصور السبع إلا أنه يكره إذا قابل وجهه وجه إمامه وليس بينهما حائل لما تقدم من كراهته لشبهه عبادة الصور وكل جانب قبلة والتقدم والتأخر إنما يظهر عنه اتحاد الجهة وهي مختلفة في جوف الكعبة وقوله "وإن جعل ظهره إلى وجه إمامه لا يصح" اقتداؤه تصريح بما علم التزاما من السابق لإيضاح الحكم وذلك لتقدمه على إمامه "وصح" الاقتداء لمن كان "خارجها بإمام فيها" أي في جوفها سواء كان معه جماعة فيها أو لم يكن "والباب مفتوح" لأن كقيامه في المحراب في غيرها من المساجد والقيد بفتح الباب اتفاقا فإذا سمع التبليغ والباب مغلق لا مانع من صحة الاقتداء كما تقدم "وإن تحلقوا حولها والإمام" يصلي "خارجها صح" اقتداء جميعهم "إلا" أنه لا يصح "لمن كان أقرب إليها" من إمامه وهو "في جهة إمامه لتقدمه على إمامه وأما من كان أقرب إليها من إمامه وليس في جهته فاقتداؤه صحيح لأن التقدم والتأخر لا يظهر إلا عند اتحاد الجانب المتوجه إليه كل منهما.
ــ.
"متوجها إلى غير جهته" بأن يجتمعا في أحد الأركان الأربعة ويستقبل كل جهة وإنما قيد بغير الجهة لأنه لو كان في جهته يصح بالأولى قوله: "في هذه الصور السبع" وإذا اعتبر في الجنب فالصور التي ذكر هو فيها اليمين والشمال ويمين الإمام ويمين المأموم تزيد على هذا العدد قوله: "إلا أنه يكره إذا قابل الخ" ظاهره كراهة التحريم لما يأتي من التعليل قوله: "وليس بينهما حائل" أما إذا وجد فلا كراهة لعدم التشبه بعبادة الصور قوله: "وكل جانب قبلة الخ" اعلم أنه لا بد في صلاة الجماعة من استقبال الجميع القبلة وأن لا يتقدم المأموم على إمامه فأشار إلى الأول بقوله وكل جانب قبلة وأشار إلى الثاني بقوله والتقدم والتأخر الخ قوله: "وهي مختلفة في جوف الكعبة " يعم الصلاة فيها وفوقها فإن الجوف موجود فيهما قوله: "وذلك لتقدمه على إمامه" أي في جهته واسم الإشارة راجع إلى عدم الصحة قوله: "وصح الإقتداء الخ" أي إذا وجدت الشروط أما إذا فقد بعضها كما إذا خرج عن استقبال العين فإنه لا يصح الإقتداء كالمنفرد قوله: "أو لم يكن" وهل يكره ذلك لانفراد الإمام في محل عال عن كل المأمومين الظاهر نعم لوجود ما ذكر وللإنفراد من الإمام قوله: "في غيرها" صفة للمحراب قوله: "كما تقدم" من أن الأصح اعتبار الاشتباه وعدمه قوله: "صح اقتداء جميعهم إلا أنه لا يصح الخ" هذه هي الصورة السابقة بعينها صحة وفسادا إلا أنها ذكرت فيما تقدم إذا كان الصلاة فيها أو فوقها وهنا ذكرت فيما إذا تحلقوا حولها قوله: "لا يظهر" الأولى لا يظهر أن أو الواو بمعنى أو أن كلا منهما لازم للآخر لأنه يلزم من التقدم التأخر وعكسه فهما بمنزلة شيء واحد فلذا أفرد الضمير قوله: "المتوجه" بصيغة اسم الفاعل وكل فاعله والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 453
" باب صلاة المسافر ".
من باب إضافة الشرط إلى شرطه ويقال إلى محله أو الفعل إلى فاعله والسفر في اللغة قطع المسافة وفي الشرع مسافة مقدرة بسير مخصوص بينه بقوله "أقل" مدة "سفر تتغير به" أي السفر "الأحكام" وهي لزوم قصر الصلاة كرخصة الإسقاط. واعلم أن الرخصة
ــ.
باب صلاة المسافر
هو اسم فاعل من المسافرة بمعنى السفر كالكشف وزنا ومعنى لأنه يكشف عن أخلاق الرجال يقال سفر الرجل سفرا من باب ضرب فهو سافر بمعنى مسافر والجمع سفر مثل راكب وركب وصاحب وصحب فهو للمصدر والجمع لكن استعمال الفعل واسم الفاعل منه مهجور مصباح والسفر بفتحتين اسم منه وجمعه أسفار سمي به لأنه يسفر أي يكشف عن أخلاق الرجال فالمفاعلة ليست على بابها لأنها لا تكون إلا بين اثنين وهذا من واحد وقال الراغب هي على بابها باعتبار أنه أسفر أي انكشف عن المكان وهو عنه اهـ قوله: "إلى شرطه" فيه أن الشرط السفر لا المسافر سيد عن الحموي قوله: "ويقال إلى محله" كل فاعل محل قوله: "والسفر في اللغة قطع المسافة" التعبير بالمسافة يشعر بالامتداد فهو بمعنى قول السعد في التلويح هو في اللغة الخروج المديد وشرعا خروج من عمران الوطن مع قصد سير مسافة مخصوصة اهـ قوله: "أقل مدة سفر تتغير به الأحكام" السفر على ثلاثة أقسام سفر طاعة كالحج والجهاد وسفر مباح كالتجارة وسفر معصية كقطع الطريق والأولان سببان للرخصة إتفاقا وأما الأخير فكذلك عندنا وبه قال الأوزاعي والثوري وداود والمزني وبعض المالكية خلافا لمالك والشافعي وأحمد فإنهم قالوا: سفر المعصية لا يفيد الرخصة لأنها تثبت تخفيفا وما كان كذلك لا يتعلق بما يوجب التغليظ أعني المعصية ذكره العلامة نوح وفي الحلبي الكبير وللمسافر أحكام يخالف فيها المقيم كإباحة الفطر في رمضان وامتداد مدة المسح ثلاثة أيام وسقوط الجمعة والعيدين والأضحية ومن ذلك قصر ذوات الأربع من الصلاة اهـ قوله: "وهي لزوم قصر الصلاة" الضمير للأحكام ولا يحسن هذا التفسير والأولى ما في الشرح حيث قال وهي لزوم قصر الصلاة وإباحة الفطر وامتداد مدة المسح إلى ثلاثة أيام وسقوط وجوب الجمعة والعدين والأضحية وحرمة الخروج على الحرة بغير محرم وغير ذلك اهـ قوله: "كرخصة الاسقاط" الأولى أن يقول وهو رخصة إسقاط أي مسقطة للحكم أصلا لا إلى بدل فإن الشفع الثاني سقط عنه حتى لا يقضيه بعد الإقامة فالفرض في حقه ركعتان فلم يوجد التغير من العسر إلى اليسر في حقه فظهر بهذا أن رخصة الإسقاط والعزيمة شيء واحد في الما صدق وإن اختلفا في المفهوم ومن ثمة قال في الفتح ومن حكى خلافا بين المشايخ في أن القصر عزيمة عندنا أو رخصة فقد غلط لأن من قال رخصة
стр. 454
على قسمين رخصة حقيقية ورخصة مجازية وتسمى رخصة ترفيه مثل الفطر وإجراء كلمة الكفر للإكراه والثانية مثل الإكراه على شرب الخمر وقصر الصلاة في السفر فالأولى العبد مخير بين ارتكاب الرخصة والعمل بالعزيمة فيثاب والثانية لا تخيير له لتعين الفعل فيها بالرخصة وسقوط العزيمة فلا يتضمن إكمال الصلاة ثوابا لأن الثواب في فعل العبد ما عليه ولو بالتخيير بينه وبين ما هو أيسر منه كلابس الخف فإنه مخير بين إبقائه والمسح وبين قلعه والغسل وأما الصلاة في السفر فليست إلا ركعتين من الرباعية فإذا صلاهما لم يبق عليه شيء فلا ثواب له في الإكمال أربعا لمخالفته المفروض عليه عينا وإساءته بتأخير السلام وظنه فرضية الزائدتين ولا ثواب له بالصبر على القتل وعدم شربه الخمر بالإكراه بل يأثم بصبره وتسمية هذه وتسمية القصر في السفر رخصة مجاز لأن الرخصة الحقيقية يثبت معها الخيار للعبد بين الإقدام على الرخصة وبين الإتيان بالعزيمة كالمسح على الخف كما ذكرناه والفطر في رمضان وسقوط وجوب الجمعة والعيدين
ــ.
عني رخصة الاسقاط وهي العزيمة وتسميتها رخصة مجاز كما لا يخفى اهـ قوله: "واعلم أن الرخصة على قسمين الخ" الرخصة مقابل العزيمة والعزيمة ما شرع لغير عذر وهو معنى قولهم ما تقرر على الأمر الأول والرخصة ما تغير من عسر إلى يسر بواسطة عذر وهي الرخصة الحقيقية ويقال لها رخصة فيه أي تخفيف وتيسير مسقطة للوجوب في الحال مع وجوب القضاء فيما يتأتى فيه القضاء في المآل كإباحة الفطر في رمضان قوله: "ورخصة مجازية الخ" فإن قصر الصلاة مثلا بالنظر لصلاة المقيم فيه تخفيف النصف لكنه في الحقيقة عزيمة لأنها كل صلاته ولا يتضمن الإكمال فضل ثواب لأن تمام الثواب في فعل العبد جميع ما عليه إلا في أعداد الركعات والمسافر قد أتى بجميع ما عليه كالمقيم قوله: "وتسمى رخصة ترفيه" الضمير في تسمى للرخصة الحقيقية فالأولى تقديمه قوله: "مثل الفطر" أي فطر رمضان في السفر فإنه رخصة ويتضمن فعل العزيمة فضل ثواب لموافقة المسلمين فيها قوله: "وإجراء كلمة الكفر بالإكراه" أي إجراؤها باللسان والقلب مطمئن بالإيمان ويتضمن فعل العزيمة وهو الصبر على القتل ثواب الشهادة قوله: "والثانية مثل الكره على شرب الخمر" الأولى مثل شرب الخمر بالإكراه قوله: "ما عليه ولو بالتخيير" وهو الواجب المخير كأحد الأشياء الثلاثة في كفارة اليمين قوله: "بينه" الأولى بين ما هو أشق وبين ما هو أيسر الخ قوله: "كلابس الخف" مثال للواجب المخير قوله: "بين بقائه" أي الخف قوله: "من الرباعية" أي من الصلاة الرباعية في حق المقيم قوله: "عينا" أي وليس من المفروض المخير فيه ككفارة اليمين قوله: "واساءته بتأخير السلام" المراد بالإساءة كراهة التحريم قوله: "وظنه فرضية الزائدتين" هذا لا يطرد في كل مكمل فلو قال وخلط الفرض بالنفل لكان مطردا قوله: "وتسمية هذه" أي رخصة الشرب بالإكراه قوله: "وسقوط وجوب الجمعة والعيدين"
стр. 455
والأضحية ولا تخيير له بين شرب الخمر مكرها وصبره على قتله ولا بين إكمال الصلاة الرباعية وقصره بالسفر "مسيرة ثلاثة أيام من أقصر أيام السنة" وقدر بالأيام دون المراحل والفراسخ وهو الأصح "بسير وسط" نهارا لأن الليل ليس محلا للسير بل للاستراحة ولا بد أن يكون السير نهارا "مع الاستراحات" فينزل المسافر فيه للأكل والشرب وقضاء الضرورة والصلاة ولأكثر النهار حكم كله فإذا خرج قاصدا محلا وبكر في اليوم الأول وسار إلى وقت الزوال حتى بلغ المرحلة فنزل فيها للاستراحة وبات فيها ثم بكر في اليوم الثاني وسار إلى ما بعد الزوال ونزل ثم بكر في الثالث وسار إلى الزوال فبلغ المقصد قال شمس الأئمة السرخسي الصحيح أنه مسافر "و" اعتبر السير "الوسط" وهو "سير الإبل ومشي الأقدام في البر" يعتبر "في الجبل بما يناسبه" لأنه يكون صعودا أو هبوطا ومضيقا ووعرا فيكون مشي الإبل والأقدام فيه دون سيرهما في السهل فإذا قطع بذلك السير مسافة ليست ببعيدة من ابتداء اليوم ونزل بعد الزوال احتسبه على نحو ما قدمناه يوما فإذا بات ثم
ــ.
بالجر عطفا على المسح فإن المسافر إذا صلى الجمعة والعيدين وضحى صح ذلك منه وأثيب قوله: "ولا تخيير له الخ" بل يتعين عليه الشرب والقصر قوله: "مسيرة ثلاثة أيام" هذا التقدير للسفر الذي تقصر فيه الصلاة ويباح فيه الفطر ويمسح فيه أكثر من يوم وليلة وتسقط به الأضحية وأما المبيح لترك الجمعة والعيدين والجماعة والمبيح للتنفل على الدابة وللتيمم ولاستحباب القرعة بين نسائه فلا يقدر بهذه المدة قوله: "دون المراحل والفراسخ" روي عن الإمام أنها مقدرة بثلاثة مراحل قال في الهداية وهو قريب من الأول لأن المعتاد في السير كل يوم مرحلة قوله: "وهو الأصح" قال في البحر وأنا أتعجب من فتواهم في هذا وأمثاله بما يخالف مذهب الإمام خصوصا المخالف للنص الصريح عنه وعن بعض أصحابنا تقديرها بخمسة عشر فرسخا قوله: "بسير وسط" فلو أسرع بريدة فقطع ما يقطع بالسير الوسط في ثلاثة أيام في أقل منها قصر وكما إذا سار فيها سيرا خارقا للعادة وصرح في التبيين أنه يكتفي في تقدير المسافة بالمدة المذكورة بغلبة الظن ولا يشترط اليقين اهـ قوله: "لأن الليل ليس محلا للسير" قال القهستاني الأولى ترك ذكر الليالي لأنها للإستراحة قوله: "ولا بد الخ" محل الإشتراط قوله مع الاستراحات والسين والتاء فيها زائدتان قوله: "وسار إلى ما بعد الزوال" الذي في عبارة غيره التسوية بين الأيام الثلاثة في اعتبار الزوال واعلم أن الزوال أكثر النهار الشرعي الذي هو من الفجر إلى الغروب وهو نصف النهار الفلكي الذي هو من الطلوع إلى الغروب ثم إن من الفجر إلى الزوال في أقصر أيام السنة في مصر وما ساواها في العرض سبع ساعات إلا ربعا فمجموع الثلاثة أيام عشرون ساعة وربع اهـ ذكره صاحب تحفة الأخيار قوله: "وهو سير الأبل" أي ابل القافلة بدليل قوله ومشي الأقدام قوله: "في البر" متعلق بقوله اعتبر قوله: "وعرا" أي صعبا شاقا قوله: "من ابتداء اليوم"
стр. 456
أصبح وفعل كذلك إلى ما بعد الزوال ثم نزل كان يوما ثانيا ولا يعتبر أعجل السير وهو سير البريد ولا أبطأ السير وهو مشي العجلة التي تجرها مع الدواب فإن خير الأمور أوساطها وهو هنا سير الإبل والأقدام كما ذكرناه "وفي البحر" يعتبر "اعتدال الريح" على المفتى به فإذا سار أكثر اليوم به كان ككله وإن كانت المسافة دون ما في السهل "فيقصر" المسافر "الفرض" العلمي "الرباعي" فلا قصر للثنائي والثلاثي ولا للوتر فإنه فرض عملي ولا في السنن فإن كان في حال نزول وقرار وأمن يأتي بالسنن وإن كان سائرا أو خائفا فلا يأتي بها وهو المختار - قالت عائشة ﵂: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في الحضر وأقرت في السفر إلا المغرب فإنها وتر النهار والجمعة لمكانتها من الخطبة والصبح لطول قراءتها - وعندنا يقصر "من نوى السفر ولو كان عاصيا بسفره" كأبق من سيده
ــ.
متعلق بقوله قطع قوله: "ونزل بعد الزوال" عبارة عند الزوال بدون بعد قوله: "يوما" مرتبط بقوله احتسب قوله: "وهو سير البريد" أي البغل قوله: "وفي البحر يعتبر اعتدال الريح" فينظر إلى السفينة كم تسير في ثلاثة أيام ولياليها عند استواء الريح بحيث لم تكن عاصفة ولا هادئة فيجعل ذلك أصلا قوله: "فيقصر المسافر الخ" لو قال فيصلي المسافر الفرض الرباعي ركعتين لكان أولى لأن الركعتين تمام فرضه قوله: "العلمي" أخرج الوتر ولو لم يذكره لخرج بالرباعي قوله: "أو خائفا" أي ولو كان قارا في المحطة قوله: "وهو المختار" وقيل الأفضل الفعل تقربا وقيل الترك ترخصا وقيل كذلك الإسنة الفجر والمغرب قوله: "فزيدت في الحضر" في الظهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول بعد مقدمه المدينة ﷺ بشهر وأقرت صلاة السفر ركعتين كما في العيني على البخاري قوله: "فإنه وتر النهار" سميت بهذا الإسم مع أنها تصلى بعد ذهاب النهار باعتبار أنها تقع عقب النهار ويطلب فعلها سريعا فأطلق عليها وتر النهار لقربها منه والإضافة تأتي لأدنى ملابسة أو لتتميز عن وتر الليل الواقع بعد العشاء فلا مخالفة بين كونها صلاة ليلية وبين هذا الحديث قوله: "لمكانها من الخطبة" الأولى لمكان الخطبة أي لوجود الخطبة فيها فإنها نازلة منها منزلة ركعتين على ما قاله البعض قوله: "والصبح لطول قراءتها" فيه أن الظهر كذلك قوله: "من نوى السفر" أي قصده قصدا جازما كما في القهستاني ولا بد من كون القصد قبل الصلاة حتى لو افتتح الصلاة في السفينة حال الإقامة في طرف البحر فنقلها الريح فنوى السفر يتم صلاة المقيم عند أبي يوسف لأنه اجتمع الموجب للإتمام وما يمنعه فرجحنا الموجب احتياطا خلافا لمحمد والمراد القصد المعتبر حتى لو قصد صبي مسافة سفر فبلغ قبل بلوغ المقصد بيوم لا يقصر بخلاف الكافر إذا أسلم بناء على أن نية الكافر إنشاء السفر معتبرة بخلاف الصبي ولا يعتبر القصد ما لم يتصل به عمل السفر ولو لم يقصد لا يكون مسافرا ولو طاف الدنيا جميعا فلو قصد السياحة أو ذهب صاحب جيش لطلب عدو أو
стр. 457
وقاطع طريق لإطلاق نص الرخصة "إذا جاوز بيوت مقامه" ولو بيوت الأخبية من الجانب الذي خرج منه ولو حاذاه في أحد جانبيه فقط لا يضره "و" يشترط أن يكون قد "جاوز" أيضا "ما اتصل به" أي بمقامه "من فنائه" كما يشترط مجاوزة ربضه وهو ما حول المدينة من بيوت ومساكن فإنه في حكم المصر وكذا القرى المتصلة بربض يشترط مجاوزتها في الصحيح "وإن انفصل البناء بمزرعة أو" فضاء "قدر غلوة" وتقدم أنها من ثلاثمائة خطوة إلى أربعمائة "لا يشترط مجاوزته" أي الفناء وكذا لو اتصلت القرية بالفناء لا بالربض لا يشترط مجاوزتها بل مجاوزة الفناء كذا في قاضيخان ويخالفه ما في النهاية والفتاوى الولوالجية والتجنيس والمزيد ونصها. يقصر بخروجه عن عمران المصر ولا يلحق فناء المصر بالمصر في حق السفر ويلحق الفناء بالمصر لصحة صلاة والفرق أن
ــ.
ذهب لطلب آبق أو غريم ولم يعلم أين يدركه أتم في الذهاب وفي موضع المكث وإن طالت المدة أما في الرجوع فإن كانت مدة سفر قصر وإلا لا قوله: "ولو كان عاصيا بسفره" بأن سافر لطلب الزنا أو قطع الطريق ولو طرأ عليه قصد المعصية بعد إنشاء السفر فإنه يترخص بالاتفاق واعلم أنه يكون عاصيا بقصد فعل المعصية سواء وجدت منه المعصية بالفعل أم لا أفاده السيد قوله: "لإطلاق نص الرخصة" قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة ١٨٤] الآية وقال ﷺ يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها والقبح المجاور لا ينفي الأحكام كالبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة قوله: "إذا جاوز بيوت مقامه" عبر بالجمع ليفيد اشتراط مجاورة الكل فيدخل فيه محلة منفصلة وفي القديم كانت متصلة لأنها تعد من المصر كما في الخانية قوله: "ولو بيوت الأخبية" متصلة أو متفرقة فإن نزلوا على ماء أو محتطب يعتبر مفارقة الماء والمحتطب قال في الشرح ولعله ما لم يكن محتطبا واسعا جدا اهـ ولا يشترط غيبوبة البيوت عن بصره لما روي عن علي بن ربيعة الأسدي خرجنا مع علي ونحن ننظر إلى الكوفة فصلى ركعتين ثم رجعنا فصلى ركعتين وهو ينظر إلى القرية فقلنا ألا نصلي أربعا فقال: حتى ندخلها قوله: "المتصلة بربض المصر" قيد بالربض احترازا عن القرية المتصلة بالفناء فلا يشترط مجاوزتها على هذا الصحيح الذي صححه الشرع تبعا للنهاية معزيا للمحيط وأفاد في النهر عن الولوالجية أن المختار عدم اشتراط مجاوزة القرية مطلقا قوله: "وتقدم أنها من ثلثمائة الخ" فإذا تحقق أقلها لا يشترط مجاوزته وفي البحر الغلوة أربعمائة ذراع في الأصح ولعله بيان لنهايتها قال التمرتاشي إن هذا التفصيل هو الأشبه قوله: "ويخالفه الخ" يؤيده ما صح عنه ﷺ أنه قصر العصر بذي الحليفة وهو من فناء المدينة قوله: "ويلحق الفناء بالمصر لصحة صلاة الجمعة" ومن المشايخ من منع الجمعة فيه إذا كان منقطعا عن العمران وهو المعول عليه كما سيأتي في الجمعة إن شاء الله تعالى
стр. 458
الجمعة من مصالح المصر وفناء المصر ملحق بالمصر فيما هو من حوائج المصر وأداء الجمعة منها وقصر الصلاة ليس من حوائج أهل المصر فلا يلحق فناء المصر بالمصر في حق هذا الحكم أي قصر الصلاة "والفناء المكان المعد لمصالح البلد كركضي الدواب ودفن الموتى" وإلقاء التراب ولا تعتبر البساتين من عمران المدينة وإن كانت متصلة ببنائها ولو سكنها أهل البلدة في جميع السنة أو بعضها ولا تعتبر سكنى الحفظة وإلا كرة اتفاقا "ويشترط لصحة نية السفر ثلاثة أشياء: الاستقلال بالحكم و" الثاني "البلوغ و" الثالث "عدم نقصان مدة السفر عن ثلاثة أيام فلا يقصر من لم يجاوز عمران مقامه أو جاوز" العمران ناويا "و" لكن "كان صبيا أو تابعا لم ينومتبوعه السفر" والتابع "كالمرأة مع زوجها" وقد أوفاها معجل مهرها وإن لم يوفها لم تكن تبعا له ولو دخل بها لأنها يجوز لها منعه من الوطء والإخراج للمهر عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى "والعبد" غير المكاتب فيشمل أم الولد والمدبر مع مولاه والجندي مع أميره إذا كان يرتزق منه والأجير مع المستأجر والتلميذ مع أستاذه والأسير والمكره مع من أكرهه على السفر والأعمى مع المتبرع بقوده وإن كان أجيرا فالعبرة لنية الأعمى "أو" كان "ناويا دون الثلاثة" الأيام لأن ما دونها لا يصير به مسافرا شرعا "وتعتبر نية الإقامة والسفر من الأصل" كالزوج والمولى والأمير "دون التبع" كالمرأة والعبد والجندي "إن علم" التبع "نية المتبوع في الأصح" فلا يلزمه الإتمام بنية الأصل والإقامة حتى يعلم كما في توجه الخطاب الشرعي الوكيل حتى لو صلى مخالفا له قبل
ــ.
قوله: "وإلا كرة اتفاقا" أي الحراثين قوله: "الإستقلال بالحكم" أي الإنفراد بحكم نفسه بحيث لا يكون تابعا لغيره في حكمه قوله: "والثالث عدم نقصان مدة السفر" أي السفر الذي تقصر فيه الصلاة قوله: "فلا يقصر من لم يجاوز الخ" محترز قوله إذا جاوز قوله: "ولكن كان صبيا" محترز التقييد بالبلوغ قوله: "أو تابعا" محترز التقييد بالاستقلال ففيه لف ونشر مخلبط قوله: "عند أبي حنيفة ﵁" وعندهما لا يجوز لهما ما ذكر قوله: "والعبد غير المكاتب" أما هو فقال: في البحر ينبغي أن لا يكون تبعا لأن له السفر بغير إذن المولى قوله: "إذا كان يرتزق منه" كذا في الزيلعي أو من بيت المال كما في النهر والأوجه في الذي تزوج أن يكون مقيما كما إذا تزوجت إتفاقا قوله: "لا يصير به مسافرا شرعا" أي سفرا تقصر به الصلاة أما في ترك الجمعة والجماعة والتيمم والصلاة على الدابة فيصير مسافرا شرعا قوله: "حتى يعلم الخ" لم يبين أنه يجب عليه السؤال من المتبوع أولا والظاهر الأول ويؤيده ما في الدراية والخانية مسلم أسره العدو ان كانت مسيرة العدو مدة سفر يقصر وإلا لا وإن لم يعلم يسأله وإن سأله ولم يخبره ينظر إن كان العدو مسافرا يقصر وإلا فلا اهـ والظاهر كما قاله أبو السعود في حاشية الأشباه أن مسافرا في قوله إن كان العدو مسافرا معناه سائرا ووجه
стр. 459
علمه صحت في الأصح "والقصر عزيمة عندنا" لما قدمناه "فإذا أتم الرباعية و" الحال أنه "قعد القعود الأول" قدر التشهد "صحت صلاته" لوجود الفرض في محله وهو الجلوس على الركعتين وتصير الأخريان نافلة له "مع الكراهة" لتأخير الواجب وهو السلام عن محله إن كان عامدا فإن كان ساهيا يسجد للسهو "وإلا" أي وإن لم يكن قد جلس قدر التشهد على رأس الركعتين الأوليين "فلا تصح" صلاته لتركه فرض الجلوس في محله واختلاط النفل بالفرض قبل كماله "إلا إذا نوى الإقامة لما قام للثالثة" في محل تصح الإقامة فيه لأنه صار مقيما بالنية فانقلب فرضه أربعا وترك واجب القعود الأول لا يفسد وكذا لو قرأ في ركعة لأنه أمكنه تدارك فرض القراءة في الأخريين بنية الإقامة "ولا يزال" المسافر الذي استحكم سفره بمضي ثلاثة أيام مسافرا "يقصر حتى يدخل مصره" يعني وطنه الأصلي "أو ينوي إقامته نصف شهر ببلد أو قرية" قدره ابن عباس وابن عمر ﵃ وإذا لم يستحكم سفره
ــ.
التأييد أن التعبير بالفعل حيث قال يسأله يشعر بالوجوب وأيضا فإنه يتوصل به لإقامة الواجب على وجهه وما لا يقام الواجب إلا به فهو واجب قوله: "كما في توجه الخطاب الشرعي" وذلك كما إذا أسلم في دار الكفر ولم يعلم بالأحكام حتى انتقل إلى دار الإسلام فإنه لا يلزمه أن يقضي ما مضى والوكيل لا ينعزل عن وكالته بالعزل القصدي قبل علمه به بخلاف الحكمي كموت الموكل وفي التنوير ولا بد من علم التابع بنية المتبوع فلو نوى المتبوع الإقامة ولم يعلم التابع فهو مسافر حتى يعلم على الأصح قوله: "لتأخير الواجب" وترك واجب القصر وترك افتتاح النفل وخلطه بالفرد وكل ذلك لا يجوز أفاده السيد عن الدر قوله: "لما قام للثالثة" أي قبل أن يقيدها بسجدة وإلا صارت الثلاثة نفلا فيضم إليها أخرى تحرزا عن التنفل بالبتيراء ولو أفسده لا شيء عليه لأنه لم يشرع فيه ملتزما ولو نوى الإقامة بعد ركوع الثالثة قبل التقييد بسجدة أعاد القيام والركوع لوقوعهما نفلا فلا ينوبان عن الفرض أفاده السيد ولا بد أن ينوي الإقامة حقيقة حتى لو نواها لأجل الإتمام فقط لا يكون مقيما قوله: "في محل تصح إقامة فيه" شروط إتمام الصلاة ستة النية والمدة واستقلال الرأي واتحاد الموضع وصلاحيته وترك السير در قوله: "يقصر" جملة يقصر صفة مسافرا قوله: "يعني وطنه الأصلي" ومنتهى ذلك بالوصول إلى الربض فإن الانتهاء كالابتداء والإطلاق دال على أن الدخول أعم من أن يكون للإقامة أولا ولحاجة نسيها وأن يكون في الصلاة كما إذا سبقه الحدث فدخله للماء أولا فإنه يتم في هذه الصور إلا أن يكون لاحقا فإنه لا يتم لأنه خلف الإمام حكما قوله: "قدره ابن عباس وابن عمر ﵃" فإنهما قالا إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها والأثر في مثله كالخبر لأن المقدرات الشرعية لا مجال للرأي فيها كما في العناية والفتح وهو حجة على الشافعي في تقديره بأربعة أيام غير يومي الدخول
стр. 460
بأن أراد الرجوع لوطنه قبل مضي ثلاثة أيام يتم بمجرد الركوع وإن لم يصل لوطنه لنقضه السفر لأنه ترك بخلاف السفر لا يوجد بمجرد النية حتى يسير لأنه فعل "وقصر إن نوى أقل منه" أي من نصف شهر "أو لم ينو" شيئا "وبقي" على ذلك "سنين" وهو ينوي الخروج في غذ أو بعد جمعة لأن علقمة بن قيس مكث كذلك بخوارزم سنتين يقصر الصلاة "ولا تصح نية الإقامة ببلدتين لم يعين المبيت بإحداهما" وكل واحدة أصل بنفسها وإذا كانت تابعة كقرية يجب على ساكنها الجمعة تصح الإقامة بدخول أيتهما وكذا تصح إذا عين المبيت بواحدة من البلدتين لأن الإقامة تضاف لمحل المبيت "ولا" تصح نية الإقامة "في مفازة لغير أهل الأخبية" لعدم صلاحية المكان في حقه والأخبية جمع خبا بغير همزة مثل كسا وأكسية: بيت من وبر أو صوف والمراد ما هو أعم من ذلك وأما أهل الأخبية فتصح نيتهم الإقامة في الأصح في المغارة "ولا" تصح نية الإقامة "لعسكرنا
ــ.
والخروج كذا في التبيين اهـ قوله: "لنقضه السفر" أي بإرادة الرجوع قوله: "لأنه ترك" أي لأن نقض السفر ترك والتروك تحصل بمجرد النية قوله: "لأن علقمة الخ" وكذا روي عن ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وابن عباس ﵃ قوله: "لم يعين المبيت بإحداهما" أما إذا عينه بأن نوى أن يقيم الليل في إحداهما ويخرج بالنهار إلى الموضع الآخر فإذا دخل أولا الموضع الذي عزم على الإقامة فيه بالنهار لم يصر مقيما أي حتى يدخل الموضع الذي نوى المبيت فيه وإن دخل أولا الموضع الذي عزم على الإقامة فيه بالليل صار مقيما ثم بالخروج إلى الموضع الآخر لم يصر مسافرا لأن موضع إقامة المرء حيث يبيت فيه ألا ترى أنك إذا قلت لشخص أين تسكن يقول في محلة كذا وهو بالنهار يكون بالسوق نقله السيد عن العلامة مسكين قوله: "ولا تصح نية الإقامة في مفازة" مثلها الجزيرة والبحر والسفينة والملاح مسافر وسفينته ليست بوطن إلا عند الحسن نقله السيد عن البحر قوله: "وأما أهل الأخبية فتصح نيتهم الإقامة الخ" أي إذا كان عندهم من الماء والكلأ ما يكفيهم تلك المدة وأهل الأخبية هم الأعراب والترك والكرد الذين يسكنون المفازة نهر وقيد بهم لأن غيرهم لو نوى الإقامة معهم لا يصير مقيما عند الإمام وهو الصحيح وعن الثاني روايتان قوله: "لعسكرنا بدار الحرب" أما من دخلها بأمان ونوى الإقامة في موضعها صحت ويتم درر قوله: "لمخالفة حالهم" أي لعزيمتهم بسبب التردد لأن احتمال وصول مدد إلى العدو ووجود مكيدة من القليل يغلب بها الكثير قائم وذلك يمنع قطع القصد فلم تكن دار إقامة قوله: "في حال محاصرة أهل البغي" ولو في المصر كما أفاده أكمل الدين في العناية وصاحب البحر والتقييد بغير المصرفي عبارة البعض اتفاقي والبغاة قوم خرجوا عن طاعة الإمام الحق ظانين أنهم على الحق ولا يحكم بفسقهم لأنهم متمسكون بشبهة وإن كانت فاسدة فإن لم تكن لهم