النافع باطنا "مريعا" بضم الميم وبالتحتية أي آتيا بالمريع وهو الزيادة من المرواعة وهو الخصب بكسر أوله ويجوز فتح الميم هنا أي ذا ريع أي نماء أو بالموحدة من أربع البعير أكل الربيع أو الفوقية من رتعت الماشية أكلت ما شاءت والمقصود واحد "غدقا" أي كثير الماء والخير أو قطره كبار "٤" "مجللا" بكسر اللام أي ساترا للأفق لعمومه أو للأرض بالنبات كجل الفرس "سحا" بفتح السين المهملة وتشديد الحاء أي شديد الوقع بالأرض من سح جرى "طبقا" بفتح أوله أي يطبق الأرض حتى يعمها "دائما" إلى انتهاء الحاجة إليه "و" يدعو أيضا بكل "ما أشبهه" أي أشبه الذي ذكرناه مما يناسب المقام "سرا أو جهرا" وثبت عن النبي ﷺ : "اللهم اسقنا غيثا مغيثا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل اللهم اسق عبادتك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل
ــ.
وأما بأن يكون قوة على الطاعة وإما بإخراج فضلاته سهلة غير ضارة وقولي بأن ينفع الأحشاء أي أحشاء كل من تناول وقولي بأن يكون قوة على الطاعة أي من المكلف وما تناوله غيره كالبهائم يرجع إليه وقولي وأما بإخراج الخ لا مانع من تعميمه للمكلف وغيره قوله: "أو بالموحدة" مع ضم الميم قوله: "أو الفوقية" أي مع ضم الميم من أرتع المطر إذا أنبت ما يرتع فيه قوله: "غدقا" ضده الطل قاله السيد قوله: "أي ساترا بالأفق" الأولى التعبير باللام كما في الشرح وهو كذلك في نسخ على أن ستر يتعدى بنفسه قوله: "أو للأرض بالنبات" أو هو الذي يجلل الأرض بالمطر أي يعمها أفاده السيد ونسبة التجليل بالنبات إليه من النسبة إلى السبب قوله: "أي شديد الوقع بالأرض" في شرح السيد أي سائلا من فوق اهـ وفي القاموس كلا المعنيين فإنه قال السح الصب والسيلان من فوق ثم قال والشديد من المطر اهـ ولا شك أن الشديد منه يرجع إلى قول المصنف أي شديد الوقع بالأرض قوله: "إلى انتهاء الحاجة" أشار به إلى أن الدوام في الحديث مقيد فإن المطلق مهلك قوله: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا" زاد في حديث جابر مريئا مريعا قوله: "وانشر رحمتك" أي عمم انعامك قوله: "وأحي بلدك الميت" بعدم الإنبات بإمطارها قوله: "اللهم أنت الله الخ" روى أبو داود عن عائشة ﵂ شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه قالت عائشة فخرج ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم ثم قال الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم١ أنت الله الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا بلاغا إلى خير"
стр. 597
علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين فإذا أمطروا قالوا: استحبابا: اللهم صيبا نافعا وإذا طلب رفعه عن الأماكن قالوا: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام "٥" والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر "وليس فيه" أي الاستسقاء "قلب رداء" عند أبي حنيفة.
ــ.
ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين فأنشأ الله تعالى سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى فلم يأت ﷺ مسجده حتى سالت السيول فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه وقال أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبده ورسوله قوله: "إلى حين" الرواية بالخاء المعجمة والياء المثناة من تحت والراء المهملة ضد الشر قوله: "اللهم صيبا" مصوب بفعل محذوف أي اجعله صيبا والصيب المطر وهو بتشديد الياء وفي رواية النسائي اللهم اجعله سيبا نافعا بفتح السين المهملة وسكون الياء قال الخطابي أي نافعا وفي رواية النسائي صيبا هينا فيجمع بين الروايات كلها ويقول مطرنا بفضل الله ورحمته لا بنوء كذا للنهي عنه ويستحب الدعاء عند نزول الغيث لما ورد من استجابة الدعاء عنده وأن يكشف عن غير عورته ليصيبه ويتطهر منه ويحمد الله تعالى لما عن أنس أصابنا مطر ونحن مع رسول الله ﷺ فحسر رسول الله ﷺ عن ثوبه حتى أصابه المطر فقلنا يا رسول الله ﷺ لم صنعت هذا قال لأنه حديث عهد بربه اهـ أي تكوينه وتنزيله وعن ابن عباس كان إذا جاء المطر يأمر عبدا له أن يخرج فراشه إلى المطر فقيل له في ذلك فقال: أما قرأت وأنزلنا من السماء ماء مباركا فأحب أن ينالني من بركته ويستحب لمن سمع الرعد أن يقول سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته فإن من قاله عوفي من الرعد كما ورد عن عمر وقال ابن عباس من سمع صوت الرعد فقال ذلك وزاد وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة فعلى ديته قوله: "وإذا طلب" بالبناء للمجهول والأولى أن يقول طلبوا ليناسب قوله قالوا: قوله: "اللهم حوالينا" بفتح اللام أي اجعله حوالينا وفسره بقوله على الآكام أي اجعله على الأماكن التي لا يضرها المطر على على الأبنية والطرق قوله: "ولا علينا" أي ولا تجعله علينا قوله: "اللهم على الآكام" بكسر الهمزة كإم وبفتحها مع المد جمع أكمة بفتحات وهو التراب المجتمع والظراب بكسر الظاء المشالة آخره باء موحدة جمع ظرب بفتح فسكون وهو الجبل الصغير ووهم من قاله بالضاد قال في الشرح وفيه إرشاد لتعليمنا الأدب في هذا الدعاء حيث لم يدع برفعه مطلقا لأنه يحتاج إليه مستمرا بالنسبة لبعض الأودية والمزارع إلى حصول الكفاية التي يعلمها الله فطلب منع ضرره وبقاء نفعه وفيه إعلام بأنه إذا قارن النعمة عارض لا يتسخط منه فيسأل الله تعالى رفع العارض وبقاء النعمة والدعاء برفع الضار لا ينافي التوكل والتفويض قوله: "وبطون الأودية" لأنه باجتماع الماء فيها يحصل ارتفاق بالسقي منها وشرب البهائم والطيور قوله:
стр. 598
وأبي يوسف وفي رواية عنه وما رواه محمد محمول على التفاؤل "٦"ولا يخطب عند أبي حنيفة لأنها تبع للصلاة بالجماعة ولا جماعة عنده وعندهما يخطب لكن عند أبي يوسف خطبة واحدة وعند محمد خطبتين "ولا يحضره" أي الاستسقاء "ذمي" لنهي عمر ﵁ ولا يمكنون من فعله وحدهم أيضا لاحتمال أن يسقوا فقد يفتن به ضعفاء العوام.
ــ.
"وليس فيه قلب رداء" لعدم فعل الصحابة له كعمر وغيره ولم ينكر الإمام التحويل الوارد في الأحاديث بل أنكر كونه من السنة قوله: "وأبي يوسف في رواية عنه" وفي رواية أخرى أنه مع محمد وهو الأصح كما في ابن أميرحاج عن البدائع والأحسن في صفة التحويل ما قاله في المحيط إن أمكنه أن يجعل أعلاه أسفله جعله وإلا جعل يمينه ليساره لكن قوله يجعل أعلاه أسفله صادق بأن يراد به جعل ما يلي البدن إلى السماء وجعل ما يلي الرجل إلى الرأس وكل منهما جائز كما في الحلبي وهذا في حق الإمام وأما القوم فلا يقلبون أرديتهم عند عامة العلماء قوله: "محمول على التفاؤل" أي بأن الحال يتغير أي وهذا لا يلزمه السنية قوله: "ولا جماعة عنده" أي مطلوبة قوله: "لنهي عمر" ولأن المقصود بالخروج استنزال الرحمة وإنما تنزل عليهم اللعنة وإن جاز أن يقال يستجاب دعاء الكافر كما في الخانية والحاصل أن علة منعهم من الحضور ليس عدم استجابة دعاء الكفار كما فهمه الحموي فجزم بأنهم لا يمنعون من الحضور حيث كانت الفتوى على جواز استجابة دعاء الكافر استدلالا بقوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] بل علة المنع إنما هي خوف أن يضل به ضعفاء العقول إذا سقوا بدعائهم فتحصل أنه لا ينبغي تمكينهم من الخروج للاستسقاء أصلا لا وحدهم لئلا يفتتن به ضعفاء العقول ولا مع المسلمين لأنه يكره أن يجتمع جمعهم إلى جمع المسلمين قوله: "فقد يفتن الخ" الفاء للتعليل والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 599
باب صلاة الخوف
"هي" أي صلاته بالصفة الآتية "جائزة بحضور عدو" لوجود المبيح وإن لم يشتد الخوف
ــ.
باب صلاة الخوف
من إضافة الشيء إلى شرطه باعتبار عدم جوازها بدونه أو إلى سببه باعتبار الترخيص وفي شرح السيد عن حاشية المؤلف أنها من إضافة الشيء إلى شرطه نظرا إلى الكيفية المخصوصة لأن هذه الصفة شرطها العدو ومن قال أن سببها الخوف نظر إلى أن سبب أصل
стр. 600
"وبخوف غرق" من سيل "أو حرق" من نار "وإذا تنازع القوم في الصلاة خلف إمام واحد فيجعلهم طائفتين" ويقيم "واحدة بإزاء" أي مقابل "العدو" للحراسة "ويصلي" الإمام "ب" الطائفة "الأخرى ركعة من" الصلاة "الثنائية" الصبح والمقصورة بالسفر "و" يصلي بالأولى المذكورة "ركعتين من الرباعية أو المغرب" لأن الشفع شرط لشرطها فلو صلى بها
ــ.
الصلاة الخوف اهـ ثم إن الشرط حضور العدو ولو بدون خوف وهو قول العامة لأن المعتبر في تعلق الرخصة هو السبب الظاهر دون الحقيقة فنزلت حضرة العدو منزلة الخوف لأنها سببه كما نزل السفر منزلة المشقة في تغيير الأحكام قال في التحفة سبب جواز صلاة الخوف نفس قرب العدو من غير اشتراط الخوف والإشتداد كما في العناية وغيرها وما في الكنز كالهداية من اشتراط ذلك قول البعض اهـ والمناسبة بينه وبين الإستسقاء أن كلا منهما شرع لعارض وقدم الاستسقاء لأن العارض فيه سماوي وهو انقطاع المطر وهنا من قبل العباد ولأن أثر العارض ثمة في نفس الصلاة وهنا في وصفها فكان ذلك أقوى كما في الفتح قوله: "أي صلاته بالصفة الآتية" أفاد أنها من إضافة الشيء إلى شرطه حيث اعتبر الصفة وإن الجواز إنما هو بالنظر إلى الصفة وإلا فالأصل فرض وأفاد البدر العيني في شرح البخاري أن البعض اشترط أن يخشى خروج الوقت وفي الجوهرة الشرط أن يكون بحيث لو اشتغلوا بالصلاة جميعا يحمل عليهم العدو اهـ قوله: "جائزة" أي من حيث الكيفية سفرا وحضرا كما في العيني على البخاري وفيه أيضا لا فرق بين أن تكون إحدى الطائفتين أكثر عددا من الأخرى أو تساويا لأن الطائفة تطلق على الكثير والقليل حتى على الواحد فلو كانوا ثلاثة جاز لأحدهم أن يصلي بواحد ويحرس واحد ثم يصلي بالآخر وهو أقل ما يتصور في صلاة الخوف قوله: "بحضور عدو" العدو يطلق على الواحد المذكر والمؤنث والمجموع كما في المصباح وسواء في ذلك المسلم الباغي أو الكافر الطاغي كما في مجمع الأنهر وأفاد المصنف أنه إذا حصل الخوف قبل حضور العدو لا يجوز صلاته كما في البرجندي قوله: "وبخوف غرق" أشار به إلى أنه لا فرق بينه أي الآدمي وغيره كسبع وحية عظيمة ولا فرق بين ما إذا كان العدو بإزاء القبلة أولا قوله: "وإذا تنازع الخ" فإن لم يحصل تنازع فالأفضل أن يصلي بكل طائفة إمام على حدة ذكره في الفتح وسيأتي آخر الباب قوله "فيجعلهم طائفتين" عم كلامه المقيم خلف المسافر حتى يقضي ثلاثا بلا قراءة إن كان من الأولى وبقراءة إن كان من الثانية والمسبوق إن أدرك ركعة من الشفع فهو من أهل الأولى وإلا فمن الثانية نهر واعلم أن الطائفة التي صلت مع الإمام إنما تمضي للعدو في الثنائي بعدما رفع رأسه من السجدة الثانية وفي غير الثنائي إذا قام من التشهد الأول إلى الثانية ذكره السيد قوله: "من الصلاة الثنائية" منها الجمعة والعيد در قوله: "لأن الشفع شرط الخ" أي لأن صلاة الأولى الشفع من الثلاثي والرباعي شرط أي شرط صحة لشطرها أي لتجزئتها بين الطائفتين
стр. 601
ركعة وبالثانية اثنتين بطلت صلاتهما لانصراف كل في غير أوانه "وتمضي هذه" الطائفة "إلى" جهة "العدو مشاة" فإن كبرا أو مشوا لغير جهة الاصطفاف بمقابلة العدو بطلت "وجاءت تلك" الطائفة التي كانت في الحراسة فأحرموا مع الإمام "فصلى بهم ما بقي" من الصلاة "وسلم" الإمام "وحده" لتمام صلاته " فذهبوا إلى" جهة "العدو" مشاة ثم "جاءت" الطائفة "الأولى" إن شاؤوا "و" إن أرادوا "أتموا" في مكانهم "بلا قراءة" لأنهم لاحقون فيهم خلف الإمام حكما لا يقرؤون "وسلموا ومضوا" إلى العدو "ثم جاءت" الطائفة الأخرى "إن شاؤوا صلوا ما بقي" في مكانهم لفراغ الإمام ويقضون "بقراءة" لأنهم مسبوقون لأن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف على هذه الصفة وقد ورد في صلاة الخسوف روايات كثيرة وأصحها ست عشر رواية مختلفة وصلاها النبي ﷺ أربعا وعشرين مرة وكل ذلك جائز والأولى والأقرب من ظاهر القرآن هو الوجه الذي ذكرناه "وإن اشتد الخوف" فلم يتمكنوا بالهجوم "صلوا ركبانا" ولو مع السير مطلوبين لضرورة لا طالبين لعدمها في حقهم "فرادى" إذ لا
ــ
لأن تنصيف الركعة الواحدة غير ممكن وكانت الطائفة الأولى أولى بها للسبق قوله: "لانصراف كل في غير أوانه" أما الأولى فظاهر وأما الثانية فلأنهم لما أدركوا الركعة الثانية صاروا من الطائفة الأولى لإدراكهم الشفع الأول وقد انصرفوا في أوان رجوعهم فتبطل كذا في الشرح قوله: "بمقابلة العدو" متعلق بالإصطفاف قوله: "ومضوا إلى العدو" وفيه أنهم في مكانهم لم يبرحوا عنه فالأولى أن يقول وتوجهوا إلى العدو وإذا كان في غير جهة القبلة ولعله متعلق بالمصنف في حد ذاته لا بقوله إن شاؤا قوله: "وقد ورد الخ" قال في زاد المعاد أصولها ست صفات وبلغها بعضهم أكثر وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجها من فعله ﷺ وإنما هو من اختلاف الرواة قال في فتح الباري وهذا هو المعتمد اهـ وفي الدر صح أنه ﷺ صلاها في أربع ذات الرقاع وبطن نخل وعسفان وذي قرد قوله: "والأقرب من ظاهر القرآن" هو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] ووجه الأقربية أن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ يفيد انصراف الأولى بعد السجود وإتيان الطائفة الثانية التي لم تصح وهي في الفعل كالأولى وهذا عين الصفة المذكورة تنبيه قال في المجتبي ويسجد للسهو في صلاة الخوف لعموم الحديث ويتابعه من خلفه ويسجد اللاحق في آخر صلاته وليست مشروعة للعاصي في السفر فلا تصح من البغاة لأن المعاصي في السفر عدو الله وهي مشروعة لغيره عند حضوره أفاده السيد قوله: "صلوا ركبانا" بالإيماء أو رجالا واقفين كذلك أي إلى أي جهة قدروا والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ والصلاة ركبانا إنما تكون في غير المصر لأن التنفل في المصر راكبا لا يصح فالفرض أولى وإن كان لضرورة
стр. 602
يصح الاقتداء لاختلاف المكان إلا أن يكون رديفا لإمامه "ولم تجز" صلاة الخوف "بلا حضور عدو" حتى لو ظنوا سوادا عدوا وتين بخلافه أعادوها دون الإمام "ويحتسب حمل السلاح في الصلاة عند الخوف" وقال الإمام مالك والشافعي رحمهما الله تعالى بوجوبه للأمر قلنا هو للندب لأنه ليس من أعمال الصلاة "وإن لم يتنازعوا" أي للقوم "في الصلاة خلف إمام واحد فالأفضل صلاة كل طائفة" مقتدين "بإمام" فتذهب الأولى بعد إتمامها ثم تجيء الأخرى فتصلى بإمام آخر "مثل حالة الأمن" للتوقي عن المشي ونحوه كذا في فتح للقدير وهو حسبي ونعم الوكيل.
ــ.
كما في التبيين ومجمع الأنهر وفي التنوير والسابح في البحر إن أمكنه أن يرسل أعضاءه ساعة صلى بالإيماء وإلا لا تصح قوله: "لضرورة" أي لضرورة الخوف والأولى أن يقول للضرورة بلامين قوله: "وفرادى" جمع فرد على غير قياس وهو حال كما أن ركبانا كذلك من الأحوال المتداخلة أو المترادفة أفاده السيد قوله: "إذ لا يصح الاقتداء" وقال محمد يجوز قال في الهداية وليس بصحيح لعدم اتحاد المكان اهـ وفيه أن الأكثر تصحيحا اعتبار الاشتباه وعدمه في حصة الاقتداء وعدمه الأولى غير ما ظنوه قبل أن تتجاوز الصفوف فإن لهم البناء استحسانا أما صلاة الإمام فصحيحة بكل حال لعدم المفسد في حقه كذا في الشرح قوله: "للأمر" وقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ قوله: "ولم تجز صلاة الخوف" أي صلاة القوم إلا إذا تبين للطائفة قوله: "لأنه ليس من أعمال الصلاة" أي فلا يجب فيها كما في البرهان وفيه أنه يرد هذا على القول بالندب وأن الوجوب لعارض وهو خوف هجوم العدو ولا يرد هذا إلا إذا جعلناه من واجبات الصلاة قوله: "للتوقي عن المشي" هذه العلة تشعر بالوجوب لا بالأفضلية ويمكن أن يقال إنما لم تجب صلاة كل خلف إمام مستقل لوجود أصل العذر قوله: "ونعم الوكيل" الذي في الشرح ونعم النصير وهو الأنسب بالسجع والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 603
باب أحكام الجنائز
جمع جنازة بالفتح والكسر للميت والسرير وقال الأزهري ولا تسمى جنازة حتى
ــ.
باب أحكام الجنائز
من إضافة الشيء إلى سببه فإن وجوب جميع ما يتعلق بالميت بسبب الميت ولا بد من حضوره ووجه المناسبة بينها وبين الخوف أن الخوف قد يفضي إلى الموت ومنه يفهم وجه تأخير الجنائز ووجهه أيضا بأن صلاة الخوف حق خالص لله تعالى وهذا فيه مدخل
стр. 604
يشتد الميت عليه مكفنا "يسن توجيه المحتضر" أي من قرب من الموت "على يمينه" لأنه السنة "وجاز الاستلقاء" على ظهره لأنه أيسر لمعالجته "و" لكن "ترفع رأسه قليلا" ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء "و" يسن أن "يلقن" وذلك "بذكر" كلمة "الشهادة عنده" لقوله ﷺ : "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنه مسلم ليس يقولها عند الموت إلا أنجته من النار" ولقوله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" أي مع الفائزين وإلا فكل
ــ.
للعبد وحرمة الحق كحرمة صاحبه وأيضا أن صلاة الجنازة ليست صلاة من كل وجه وهي أيضا متعلقة بعارض هو آخر يعرض للحي في دار التكليف وكل منها يقتضي التأخير عن أنواع الصلاة فكيف وقد اجتمعت قوله: "للميت والسرير" أي هما لهما وقيل بالكسر الميت نفسه وبالفتح السرير وقيل بالعكس وقيل الكسر للسرير مع الميت وكل ما أثقل على قوم واغتموا به فهو جنازة من جنز الشيء بجنزه من باب ضرب إذا ستره وجمعه كما في القاموس والمصباح وغيرهما سميت بذلك لأنها مجموعة مهيأة كما في مسكين والموت صفة وجودية خلقت ضد الحياة وقيل عدم الحياة عمن شأنه الحياة كما في التلويح قوله: "يسن توجيه المحتضر" أي للقبلة والمحتضر اسم مفعول أي من حضرته ملائكة الموت على الحقيقة أو من حضره الموت وحل به وعلاماته استرخاء قدميه واعوجاج منخره وانخساف صدغيه وينبغي لكل مكلف الإكثار من ذكر الموت والإستعداد له بالتوبة ورد المظالم لا سيما المريض وطلب الدعاء منه محبوب ذكره ابن أميرحاج والمرجوم لا يوجه قوله: "على يمينه" وهو السنة في النوم واللحد وهو مقيد بما إذا لم يشق فإن شق عليه ترك على حاله نهر وينظر حكم من يقتل بالسيف قصاصا هل يوجه أم لا حموي والظاهر نعم لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة فالموت عليه أولى قوله: "وجاز الاستلقاء" ويوضع هكذا في الغسل والصلاة قال في شرح الطحاوي وهو العرف بين الناس قال في الزاد والأول أفضل لأنه السنة كذا في المضمرات قوله: "لأنه أيسر لمعالجته" من تغميضه وشد لحييه وأمتع من تقوس أعضائه فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله أو لمعاجلة الميت طلوع الروح فهو من إضافته إلى فاعله وفي التنوير وقيل يوضع كما تيسر على الأصح قوله: "ويسن أن يلقن" قال في النهر وهذا التلقين مستحب بالإجماع ومحله عند النزع قبل الغرغرة وما في القنية الواجب على إخوانه وأصدقائه أن يلقنوه تجوز اهـ والتلقين التفهيم والتذكير أي بذكر وبندب أن يكون الملقن غير متهم بالمسرة بموته وأن يكون ممن يعتقد فيه الخير فيذكرها عنده جهرا عساه أن يأتي بها لتكون آخر كلامه قوله: "لقنوا موتاكم" الجمهور على أن المراد من هذا الحديث مجازه أي من قرب موته لا الميت حقيقة كقوله ﷺ : "من قتل قتيلا فله سلبه" ويدل عليه قوله بعد فإنه ليس مسلم بقولها الخ قوله: "ألا أنجته من النار" أي فلا يدخلها أبدا وإلا فلكل مؤمن لا بد وأن ينجو منها ولو بعد دخولها قوله: "يدخل الجنة" وإن لم يقلها عند
стр. 605
مسلم ولو فاسقا يموت على الإيمان يدخل الجنة ولو بعد طول العذاب وإنما اقتصرنا على ذكر الشهادة تبعا للحديث الصحيح ولذا قال في المستصفى وغيره: ويلقن الشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله معللا بأن الأولى لا تقبل بدون الثانية ليس إلا في حق الكافر وكلامنا في تلقين المؤمن قال شيخ الإسلام ابن حجر: وقول جمع: "يلقن محمد رسول الله أيضا لأن القصد موته على الإسلام ولا يسمى مسلما إلا بهما: مردود بأنه مسلم وإنما المراد ختم كلامه بلا إله إلا الله ليحصل له ذلك الثواب وأما الكافر فيلقنهما قطعا مع أشهد لوجوبه إذ لا يصير مسلما إلا بهما انتهى. فتذكر الشهادة عند المسلم المتحضر "من غير إلحاح" لأن الحال صعب عليه فإذا قالها مرة ولم يتكلم بعدها حصل المراد "ولا يؤمر بها" فلا يقال له قل لأنه يكون في شدة فربما يقول لا جوابا لغير الأمر فيظن به خلاف الخير وقالوا: إنه إذا ظهر منه ما يوجب الكفر لا يحكم بكفره حملا على أنه زال عقله واختار بعضهم زوال عقله عند موته لهذا الخوف ومما ينبغي أن يقال له على جهة الاستتابة أستغفر
ــ.
الموت وحينئذ فلا تظهر للحديث ثمرة إلا بما قلنا قوله: "ولذا قال في المستصفى" الأولى ما في الشرح وإن قال في المستصفى الخ وهو كذلك في نسخ قوله: "لأنه ليس إلا في حق الكافر" علة لما استفيد من أولوية ما فعله المصنف المأخوذة من قوله تبعا للحديث الصحيح قوله: "فكلا منا" الأولى التعبير بالواو وهو في نسخ كذلك قوله: "ذلك الثواب" وهو دخول الجنة مع الفائزين قوله: "فيلقنهما قطعا مع أشهد" هذا على مقتضى مذهبه ولا يشترط ذلك عندنا قوله: "من غير الحاح" أي إكثار قوله: "لأن الحال صعب عليه" فيكره الالحاح خوف أن يتضجر قوله: "حصل المراد" وهو ختم كلامه بها قوله: "فلا يقال له قل" ذكر في جنائز المضمرات عن السراجية لو قال المسلم قل لا إله إلا الله فلم يقل كفر بالله تعالى وإن اعتقد الإيمان اهـ فينبغي التحرز عنه حتى للأحياء وإن كان هذا الكلام ليس على إطلاقه لما في اليتيمة ولو قيل لمسلم قل لا إله إلا الله فقال: لا أقول بلا نية حضرت أو على نية التأبيد كفر ولو نوى الآن لا يكفر فعلى هذا لو قال لا أقول بقولك أو لأني معلوم الإسلام لا يكفر كما أفاده المنلا علي في شرح البدر الرشيد وفي الفتاوي الهندية عن خزانة المفتين لو قيل له صل فقال: لا أصلي يحتمل أربعة أوجه أحدها لا أصلي لأني صليت والثاني لا أصلي بأمرك فقد أمرني من هو خير منك والثالث فسقا ومجانة فهذه الثلاثة ليست بكفر والرابع لا أصلي إذ ليس تجب علي الصلاة أو لم أو مر بها يكفر اهـ قوله: "جوابا لغير الآمر" بالمد وعدمه وذلك لأنه يرى ما لا يرى الحاضرون قوله: "خلاف الخير" وهو الكفر قوله: "لا يحكم بكفره" فيعامل معاملة موتى المسلمين قوله: "واختار بعضهم الخ" يتأمل في هذا الاختيار مع عدم الوقوف على حقيقة حال الميت وإن أريد به أنه يغتفر ما وقع منه ويعامل معاملة موتى المسلمين رجع إلى ما قبله قوله: "لهذا الخوف" أي المخوف وهو
стр. 606
الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه سبحانه لا إله إلا هو الحي القيوم لأنه قد يستضر بذكر ما يشعر أنه محتضر وأما الكافر فيؤمر بهما لما روى البخاري عن أيس؟؟ ﵁ قال كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال: "أسلم" فنظر إلى أبيه فقال له: أطع أبا القاسم فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول "الحمد لله الذي أنقذه من النار" "وتلقينه" بعد ما وضع "في القبر مشروع" لحقيقة قوله ﷺ : "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله" أخرجه الجماعة إلا البخاري ونسب إلى أهل السنة والجماعة "وقيل لا يلقن" في القبر ونسب إلى المعتزلة "وقيل لا يؤمر به ولا ينهى عنه" وكيفيته أن يقال: يا فلان أين فلان أذكر دينك الذي كنت عليه في دار الدنيا بشهادة أن لا إله
ــ.
الحكم بالكفر المعلوم من المقام قوله: "ومما ينبغي أن يقال الخ" أي ويكفي عن التلقين لقوله في الشرح فيشمل التلقين بلطف قوله: "على وجه الاستتابة" بتاءين أي طلب التوبة وهي لا تشعر بالاحتضار لأنها واجبة فور كل ذنب ولو صغيرا والمختار قبول توبة اليائس دون إيمانه لا طلاق قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ بخلاف الكافر لعدم الإيمان بالغيب لأنه قد شاهد ملائكة العذاب فيكون الإيمان منه قهريا بسبب المعاينة والمطلوب الإيمان بالغيب ويكره تمني الموت فإن كان ولا بد فليقل أحيني ما دامت الحياة خير إلي وتوفني إذا كانت الوفاة خير إلي قوله: "قد يستضر" السين والتاء زائدتان أو للصيرورة قوله: "وأما الكافر" أي ولو محتضرا فيؤمر بهما أي بالشهادتين فهو مخالف للمحتضر المؤمن حيث لا يؤمر قوله: "فأتاه النبي ﷺ يعوده" أخذ منه جواز عيادة أهل الذمة لا سيما إذا كان يرجوا سلامه قوله: "الذي أنقذه من النار" أي فلا يدخلها أبدا لأن الإسلام يجب ما قبله هذا ما ظهر قوله: "وتلقينه بعدما وضع في القبر مشروع" قال في المفتاح التلقين على ثلاثة أوجه ففي المحتضر لا خلاف في حسنه وما بعد انقضاء الدفن لا خلاف في عدم حسنه والثالث اختلفوا فيه وهو ما إذا لم يتم دفنه اهـ حموي قوله: "لقنوا موتاكم الخ" فإن الميت حقيقة فيمن حل به الموت لا فيمن قرب منه قوله: "ونسب إلى المعتزلة" كذا في الفتح وفي شرح السيد وهو ظاهر الرواية نهر إذ المراد بموتاكم في الحديث من قرب من الموت زيلعي اهـ وهو في الجواهر سئل القاضي محمد الكرماني عنه فقال: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن كذا في القهستاني وكيف لا يفعل مع أنه لا ضرر فيه بل فيه نفع للميت لأنه يستأنس بالذكر على ما ورد في بعض الآثار ففي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: "إذا دفنتموني أقيموا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع رسل ربي" وعن عثمان قال كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا الله لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسئل" رواه أبو داود والبيهقي بإسناد حسن ذكره الحلبي قوله: "يا فلان بن فلان" أو يا عبد الله بن عبد الله وفي النهر عن الحواشي قيل يا
стр. 607
إلا الله وأن محمدا رسول الله" ولاشك أن اللفظ لا يجوز إخراجه عن حقيقته إلا بدليل تعيبنه يقول "موتاكم" حقيقة ونفى صاحب الكافي فائدته مطلقا ممنوع نعم الفائدة الأصلية منفية ويحتاج إليه لتثبيت الجنان للسؤال في القبر قال المحقق ابن الهمام: وحمل أكثر مشايخنا إياه على المجاز - أي من قرب من الموت - مبناه على أن الميت لا يسمع عندهم وأورد عليهم قوله ﷺ في أهل القليب "ما أنتم بأسمع منهم" وأجابوا تارة بأنه مردود من عائشة ﵂ وتارة بأنه خصوصية له وتارة بأنه من ضرب المثل ويشكل
ــ.
رسول الله فإن لم يعرف اسمه قال ينسب إلى حواء ومن لا يسئل ينبغي أن لا يلقن والأصح أن الأنبياء ﵈ لا يسئلون وكذا أطفال المؤمنين واختلف في أطفال المشركين ودخولهم الجنة وفي الجوهرة والطفل يلقنه الملك فيقول من ربك ثم يقول للطفل قل الله ربي وقيل يلهمه الله تعالى كإلهام عيسى ﵇ في المهد اهـ وفي شرح العلامة العيني على البخاري قالالنووي الصحيح المختار الذي ذهب إليه المحققون أن أطفال المشركين في الجنة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فغير العاقل أولى اهـ والأشهر أن السؤال حين يدفن وقيل في بيته تنطبق عليه الأرض كالقبر وفي البزازية السؤال فيما يستقر فيه الميت حتى لو أكله سبع فالسؤال في بطنه فإن جعل في تابوت أياما لنقله إلى مكان آخر لا يسئل ما لم يدفن كذا في حاشية الدرر للمؤلف قوله: "بشهادة أن لا إله إلا الله" الباء للتصوير قوله: "ولا شك أن اللفظ" أي وهو موتاكم قال البرهان الحلبي ولا مانع من الجمع بين الحقيقة والمجاز في مثل هذا اهـ قوله: "فيجب تعيينه" أي تعيين اللفظ باعتبار المعنى أو تعيين هذا القيل وهو مشروعية التلقين في القبر وقوله حقيقة منصوب على التمييز قوله: "فائدته" بالنصب مفعول نفي وذلك لأن العبرة بحال النزع فإن كان مسلما فهو مثبت وإن كان كافرا لا ينفعه هذا التلقين وقوله مطلقا حال من فائدته يعني أنه لا فائدة فيه أصلا قوله: "ممنوع" بأن فيه فائدة التثبيت للجنان قوله: "نعم الفائدة الأصلية" وهي تحصيل الإيمان في هذا الوقت قوله: "وحمل أكثر مشايخنا" مقول القول وهو مبتدأ خبره قوله مبناه قوله: "مبناه على أن الميت لا يسمع عندهم" على ما صرحوا به في كتاب الإيمان لو حلف لا يكلمه فكلمه ميتا لا يحنث لأنها تنعقد على من يفهم والميت ليس كذلك لعدم السماع قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] وهذا التشبيه لحال الكفار في عدم إذعانهم للحق بحال الموتى وهو يفيد تحقيق عدم سماع الموتى إذ هو فرعه قوله: "في أهل القليب" قليب بدر وهو حفرة رميت فيها جيف كفار قريش فخاطبهم النبي ﷺ بقوله: "إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا" فقال عمر: ما معناه إنك تخاطب أجساما أجيفت فأجابه بما ذكر قوله: "بأنه مردود من عائشة" فإنها قالت كيف يقول ﷺ ذلك ردا
стр. 608
عليهم ما في مسلم أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا وتمامه بفتح القدير قلت يمكن الجمع فيلقن عند الاحتضار لصريح قوله فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلا أنجته من النار وعملا بحقيقة موتاكم لتثبيته للسؤال في القبر لما روى سعيد بن منصور وسمرة ابن حبيب وحكيم بن عمير قالوا: إذا سوى على الميت قبره وانصرف الناس كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره يا فلان قل لا إله إلا الله ثلاث مرات يا فلان قل ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد ﷺ اللهم أني أتوسل إليك بحبيبك المصطفى أن ترحم فاقتي بالموت على الإسلام والإيمان وآن تشفع فينا نبيك عليه أفضل الصلاة والسلام "ويستحب لأقرباء المحتضر" وأصدقائه "وجيرانه الدخول عليه" للقيام بحقه وتذكيره وتجريعه وسقيه الماء لأن
ــ.
على الراوي والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي فلم يقله قوله: "وتارة بأنه" أي إسماع الكفار خصوصية له ﷺ معجزة وزيادة حسرة على الكفار أو أن ذلك كان وقت المسئلة فإنهم أحياء يسمعون وأمور الآخرة لا تدخل تحت حصر فقد ورد أن أرواح السعداء تطلع على قبورهم قالوا: وأكثر ما يكون منها ليلة الجمعة ويومها وليلة السبت إلى طلوع الشمس قيل وإذا كانوا على قبورهم يسمعون من يسلم عليهم ولو أذن لهم لردوا السلام قوله: "وتارة بأنه من ضرب المثل" يعني أنه مثل ﷺ حاله وحال أهل القليب بحال أهل الجنة وقت استقرارهم فيها وأهل النار حيث ينادي أهل الجنة أهل النار فيقولون إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم الآية وفيه أنه لا يلائم آخر الحديث قوله: "ويشكل عليهم" أي على المجيبين بهذه الأجوبة قوله: "وتمامه بفتح القدير" حاصل ما فيه أنه مخصوص بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال جمعا بينه وبين الآيتين وأيضا فإن السماع يستلزم الحياة وهي مفقودة وإنما تجيء عند السؤال وتمامه في الشرح قوله: "يمكن الجمع" أي بين التلقين حال النزع والتلقين بعد الموت قوله: "وعملا بحقيقة موتاكم" المناسب زيادة ويلقن بعد الوضع في القبر الخ قوله: "اللهم إني أتوسل إليك الخ" قال الكمال والعبد الضعيف مؤلف الكلمات فوض أمره إلى الرب الغني الكريم متوكلا عليه طالبا منه جلت عظمته أن يرحم عظيم فاقتي بالموت على الإيمان والإيقان ومن يتوكل على الله فهو حسبه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اهـ لفظه وكذا أقول كما قال وعلى الله الكريم اعتمادي في كل حال كذا في الشرح وكذا أقول كما قال فإنه المرجو لكل عظيم ولا يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم قوله: "بالموت على الإسلام والإيمان" متعلق بترحم والموت على الإسلام بأن يحافظ على أعماله الظاهرة إلى قرب النزع والموت على الإيمان لجزم قلبه بصدق رسول الله ﷺ فيما علم مجيئه به حال خروج روحه قوله: "للقيام بحقه" ومن حق المسلم على المسلم أن يعوده إذا مرض وأن يوجهه إلى القبلة إن أمكن قوله: "وتذكيره" أي بتلقينه وبالوصية ونحو ذلك وعطفه على ماقبله من عطف الخاص على
стр. 609
العطش يغلب لشدة النزع حينئذ ولذلك يأتي الشيطان كما ورد بماء زلال ويقول لا إله غيري حتى أسقيك نعوذ بالله منه ويذكرون فضل الله وسعة كرمه ويحسنون ظنه بالله تعالى لخبر مسلم: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله أنه يرحمه ويعفو عنه" وخبر الصحيحين: "قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي" "ويتلون عنده سورة يس" للأمر به وفي خبر "ما من مريض يقرأ عنده سورة يس إلا مات ريانا وأدخل قبره ريانا" "واستحسن" بعض المتأخرين قراءة "سورة الرعد" لقول جابر ﵁ فإنها تهون عليه خروج روحه "واختلفوا في إخراج الحائض والنفساء" والجنب "من عنده" وجه الإخراج امتناع حضور الملائكة محلا به حائض أو نفساء كما ورد ويحضر عنده طبيب "فإذا مات شد لحياه" بعصابة عريضة تعمهما وتربط فوق رأسه تحسينا وحفظا لفمه "وغمض عيناه" للأمر به في السنة "ويقول مغمضه: بسم الله وعلى ملة رسول الله" ﷺ "اللهم يسر عليه أمره وسهل عليه ما بعده وأسعده بلقائك واجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج عنه" قاله الكمال ثم يسجى
ــ
العام قوله: "وسقيه الماء" عطف تفسير قوله: "حينئذ" أي حين النزع والأولى حذفه قوله: "ولذلك" أي لغلبة العطش في هذا الحال قوله: "بماء زلال" أي بارد قوله: "لا يموتن أحدكم الخ" أخذ منه أنه يقدم حالة الرجاء في المرض وأما في حالة الصحة فيقدم الخوف قوله: "أنا عند ظن عبدي بي" أي إن جزائي لعبدي يكون على حسب ظنه بي من خير وشر قوله: "للأمر به" وهو اقرؤوا على موتاكم يس والحكمة في قراءتها أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها فتجدد له بذكرها والإيمان بها مزيدا اهـ من الشرح قوله: "فإنها تهون" بدل من قول جابر قوله: "وجه الإخراج إلخ" إخراجهم على سبيل الأولوية إذا كان عن حضورهم غنى فلا ينافي ما ذكره الكاكي من أنه لا يمتنع حضور الجنب والحائض وقت الاحتضار ووجه عدم الإخراج أنه قد لا يمكن الإخراج للشفقة أو للاحتياج إليهن ونص بعضهم على إخراج الكافر أيضا وهو حسن قوله: "فإذا مات الخ" ويقال عنده حينئذ سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين لمثل هذا فليعمل العاملون وعد غير مكذوب كما في ابن أميرحاج قوله: "شد لحياه" تثنية لحي بالفتح منبت اللحية بالكسر من الأسنان وغيره أو العظم الذي عليه الأسنان قوله: "وحفظا لقمه" من الهوام ومن دخول الماء عند غسله قوله: "وغمض" بالبناء للمجهول والتغميض والإغماض بمعنى كما في الصحاح وهو إطباق الجفن الأعلى على الأسفل قوله: "للأمر به في السنة" هو قوله ﷺ : "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإن الملائكة تؤمن على ما يقول أهل الميت" وروي أنه ﷺ لما أغمض أبا سلمة قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الفائزين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه" قال في المجتبي ينبغي أن يحفظه كل مسلم فيدعو به عند الحاجة قوله: "ما خرج إليه" أي
стр. 610
بثوب "ويوضع على بطنه حديدة لئلا ينتفخ" وهو مروي عن الشعبي والحديد يدفع النفخ لسر فيه وإن لم يوجد فيوضع على بطنه شيء ثقيل وروى البيهقي أن أنسا أمر بوضع حديد على بطن مولى له مات "وتوضع يداه بجنبيه" إشارة لتسليمه الأمر لربه "ولا يجوز وضعهما على صدره" لأنه صنيع أهل الكتاب وتلين مفاصله وأصابعه بأن يرد ساعده لعضده وساقه لفخذه وفخذه لبطنه ويردها مليئة ليسهل غسله وإدراجه في الكفن "وتكره قراءة القرآن عنده حتى يغسل" تنزيها للقراءة من نجاسة الحدث فإنه يزول عن المسلم
ــ.
من الدار الأخرى وقوله خيرا مما خرج عنه بأن يبدله دارا خيرا من داره وزوجا خيرا من زوجه قوله: "ثم يسجى بثوب" بالتشديد أي يغطى لما روي أن أبا بكر دخل على النبي ﷺ وهو مسجي ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى وفي التمهيد لما توفي عثمان يعني ابن مظعون كشف النبي ﷺ الثوب عن وجهه وبكى بكاء طويلا وقبل بين عينيه فلما رفع على السرير قال: "طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها" قوله: "ويوضع على بطنه حديدة" أو مرآة كما في الحموي وتنكير الحديدة يفيد أنه يكفي فيه القليل منه قوله: "لأنه صنيع أهل الكتاب" أي وقد أمرنا بمخالفتهم وتعبير المصنف بلا يجوز يفيد الحرمة قوله: "وتكره قراءة القرآن" ولو آية كما في شرح السيد وقوله عنده أي بقربه قوله: "عن نجاسة الحدث" هذا ينافي ما في الشرح من أنه على القول بأن نجاسة الميت نجاسة حدث ينبغي أن تجوز القراءة كما لو قرأها المحدث وفي السيد ما يفيد أن في الكراهة على هذا القول خلافا ورجح في النهاية الكراهة والحاصل أنهم اختلفوا في نجاسة الميت فقيل نجاسة خبث وقيل حدث ويشهد للثاني ما رويناه من تقبيله ﷺ عثمان بن مظعون وهو ميت قبل الغسل إذ لو كان نجسا وضع فاه الشريف على جسده ولا ينافي ذلك ما ذكروه من أنه لو حمله إنسان قبل الغسل فصلى به لا تصح صلاته وكذا كراهة القراءة عنده قبل الغسل لجواز أن يكون ذلك لعدم خلوه عن نجاسة غالبا والغالب كالمحقق وروى البخاري تعليقا عن ابن عباس "المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا" ووصله الحاكم في المستدرك عن ابن عباس أيضا قال قال رسول الله ﷺ : "لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا" قال العيني في شرح البخاري والنووي في شرح مسلم هذا أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا أما الحي فبالإجماع حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها فهو ظاهر بإجماع المسلمين وأما الميت ففيه خلاف العلماء قال البدر العيني فإن قلت على هذا ينبغي أن لا يغسل الميت لأنه طاهر قلنا الموجب اتباع الوارد واختلف أصحابنا في سبب غسله فقيل حدث يحل به لا لنجاسته لأن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة له إذ لو تنجس لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات وكان الواجب الاقتصار على أعضاء الوضوء كما في حال الحياة لكن ذلك إنما كان نفيا للحرج فيما يتكرر كل يوم والحدث بسبب الموت لا يتكرر فكان كالجنابة فبقي
стр. 611
فالغسل تكريما له بخلاف الكافر "ولا بأس بإعلام الناس بموته" بل يستحب لتكثير المصلين عليه لما روى الشيخان أن ﷺ نعى لأصحابه النجاشي في اليوم الذي مات فيه وأنه نعى جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة. وقال في النهاية إن كان عالما أو زاهدا أو ممن يتبرك به فقد استحسن بعض المتأخرين النداء في الأسواق لجنازته وهو الأصح اه. وكثير من المشايخ لم يرو بأسا بأن يؤذن بالجنازة ليؤدي أقاربه وأصدقاؤه حقه لكن لا على جهة التفخيم والإفراط في المدح "و" إذا تيقن موته "يعجل بتجهيزه"
ــ.
على الأصل وهو وجوب غسل البدن كله لعدم الحرج وقال العراقيون ينجس بالموت لانحباس الدم فيه كسائر الحيوانات والحجة عليهم ما روينا قال والكافر كالمسلم في هذه الأحكام كما هو مذهب الجماهير سلفا وخلفا وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فالمراد به نجاسة الاعتقاد لا نجاسة الأبدان لأن الله تعالى أباح نكاح الكتابيات ومعلوم أن عرقهن يصيب ضجيعهن غالبا ولم يجب غسله إذ لا فرق بين النساء والرجال اهـ قوله: "فإنه يزول" الأولى ويزول وفي نسخة وإنه يزول بالواو وهي للحال قوله: "بخلاف الكافر" هذا من المؤلف كآخر كلام البدر العيني بناء على القول بنجاسة الخبث أما على القول بنجاسة الحدث فلا فرق بينهما قوله: "لتكثير المصلين عليه" والمستغفرين له وللأخذ في الاستعداد للصلاة عليه وتشييعه قوله: "نعي" أي أخبر بموته قوله: "بأن يؤذن" أي يعلم وقوله بالجنازة أي مطلقا قوله: "لكن لا على جهة التفخيم والإفراط في المدح" فينبغي أن يكون بنحو مات الفقير إلى الله تعالى فلان ابن فلان وقال في التجنيس والمزيد يكره الإفراط في مدح الميت لا سيما عند جنازته لأنه صنيع الجاهلية وقد قال ﷺ : "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه على هن أبيه ولا تسكنوا" ولا بأس١ بإرثاء الميت بشعر أو غيره ما لم يفرط في مدحه ولا يكره البكاء عليه بإرسال الدموع بلا رفع صوت ولا نياحة ولا شق ثوب وضرب خد ونحو ذلك وسواء في ذلك قبل الموت وبعده على الصحيح لأن النبي ﷺ بكى على ابنه ابراهيم فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله تبكي فقال: "يا ابن عوف إنها رحمة وقال إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" أخرجه الشيخان وفي حديث ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم رواه الشيخان أيضا وأما ما ورد أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فأجمعوا على أنه محمول على البكاء بصوت ونياحة ولا بمجرد الدمع وحمله عامة أهل العلم على ما إذا أوصى بذلك
стр. 612
إكراما له لما في الحديث وعجلوا به فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله والصارف عن وجوب التعجيل الاحتياط قال بعض الأطباء إن كثيرين ممن يموت بالسكتة ظاهرا يدفنون أحياء لأنه يعسر إدراك الموت الحقيقي بها إلا على أفضل الأطباء فيتعين التأخير فيها إلى ظهور اليقين بنحو التغيير وقد مات النبي ﷺ في يوم الإثنين ضحوة ودفن في جوف الليل من ليلة الأربعاء "فيوضع كما مات" الكاف للمفاجأة إذا تيقن في موته
ــ.
وأما من بكوا عليه وناحوا من غير وصية فلا لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وهذا هو الصحيح من أوجه الحمل وأوجب داود ومن تبعه الوصية بترك البكاء والنوح عليه وقيل المراد بالعذاب أن يتأذى الميت بذلك إذ لا شك في تأذي الأرواح بما تتأذى به الأشباح قال في شرح المشكاة والحاصل أن الميت إذا كان له تسبب في هذه المعصية فالعذاب على حقيقته ويعذب بفعل نفسه حيث تسبب في ذلك لا بفعل غيره وإلا فمحمول على تألمه سواء عند نزعه أو موته ويستوي فيه الكافر والمؤمن وبهذا يحصل الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وبين الأحاديث المطلقة في هذه البلية الكبرى اهـ قوله: "بين ظهراني أهله" أي ظهر أهله قال في القاموس وهو بين ظهرهم وظهرانيهم ولا تكسر النون وبين أظهرهم أي وسطهم اهـ قوله: "الاحتياط" أي في أمر المريض فإنه يحتمل أن الذي به داء السكتة قوله: "قال بعض الأطباء" أتى به دليلا للاحتياط ولو جعل الدليل أولا تأخر دفن النبي ﷺ لكان أنسب قوله: "ممن يموت بالسكتة" أي يظنون أنهم موتى وإليه أشار بقوله ظاهرا قوله: "بها" أي بسبب السكتة فالموت لا يشتبه إلا فيمن فيه هذا الداء قوله: "فيتعين التأخير الخ" ظاهر هذا وجوب التأخير وهو ينافي التعجيل المطلوب إلا أن يحمل ذلك الوجوب على من به داء السكتة وأصل هذا الداء يحدث من أكل الأوز الأبيض والملوخية وتقليتها بدهن ويمكث هذا الداء ثمان ساعات وظاهر كلامهم أن التأخير مطلوب مطلقا لما رواه من الحديث والمراد التأخير إلى تيقن الموت فإنه ربما عرض عليه هذا الداء وقد يقال كيف يتأتى مع وجود العلامات الدالة عليه ويستحب تعجيل خمسة أشياء جمعت في هذه الأبيات وهي:
وخمسة قد رأوا تعجيلها حسنا. ... وفي سواها تأتي واسع المهل.
تزويج كفء وميت هاك ثالثها. ... دفع الديون وتب لله من زلل.
والخامس الضيف إذ يأتيك في نزل. ... فقم له بحثيث الجد واحتفل.
قوله: "فيوضع كمامات" لئلا تغيره نداوة الأرض وقيده القدوري بما إذا أرادوا غسله وهو الذي عليه العمل اليوم اهـ ولا بأس بالتأخير لعارض كما في ابن أميرحاج قوله: "على سرير" هو التخت الذي يغسل عليه فإن لم يوجد فعلى لوح أو حجر مرتفع ليمكن غسله
стр. 613
"على سرير مجمر" أي مبخر إخفاء لكريه الرائحة وتعظيما للميت ويكون "وترا" ثلاثا أو خمسا ولا يزاد عليه قاله الزيلعي وفي الكافي والنهاية أو سبعا ولا يزاد عليه وكيفيته أن يدار بالمجمرة حول السرير "ويوضع" الميت "كيف اتفق على الأصح" قاله شمس الأئمة السرخسي وقيل عرضا وقيل إلى القبلة "ويستر عورته" ما بين سرته إلى ركبته قاله الزيلعي والنهاية هو الصحيح وفي الهداية يكتفي بستر العورة الغليظة هو الصحيح تيسيرا وهو ظاهر الرواية ولبطلان الشهوة "ثم" بعد ستر العورة بإدخال الساتر من تحت الثياب "جرد من ثيابه" إن لم يكن خنثى وتغسل عورته بخرقة ملفوفة تحت الساتر أو من فوقه إن لم توجد خرقة "و" بعده "وضئ" يبدأ بوجهه ويمسح رأسه "في الصحيح" إلا أن يكون صغيرا لا يعقل الصلاة فلا يوضأ "بلا مضمضة واستنشاق" للتعسر ويمسح فمه وأنفه بخرقة
ــ
وتقليبه كما في العيني قوله: "مجمر أي مبخر" بنحو عود ثم المتبادر أن فعل ذلك قبل وضعه عليه وقيل عند إرادة غسله إخفاء للرائحة الكريهة عيني وظاهر كلام المؤلف الثاني قوله: "وقيل عرضا" أي كما يوضع في القبر قوله: "وقيل إلى القبلة" فتكون رجلاه إليها كالمريض إذا أراد الصلاة بإيماء وفي القهستاني عن المحيط وغيره أنه السنة قوله: "ويستر عورته" وجوبا لحرمة النظر إليها كعورة الحي قوله: "والنهاية" الأولى وفي النهاية قوله: "هو الصحيح" صححه في التبيين وغاية البيان لقوله ﷺ لعلي: "لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" أخرجه أبو داود قوله: "هو الصحيح" كذا صححه في المجتبى وجزم به مسكين والعيني صاحب التنوير قوله: "ولبطلان الشهوة" عطف على تيسرا وفيه نظر فإنه يقتضي عدم الستر أصلا قوله: "جرد عن ثيابه" ليمكنهم التنظيف وتغسيله ﷺ في قميصه خصوصية له ويستحب أن يستر الموضع الذي يغسل فيه الميت فلا يراه إلا الغاسل ومن يعينه سراج وغسله فرض كفاية بالإجماع كالصلاة عليه وتجهيزه ودفنه حتى لو اجتمع أهل بلدة على ترك ذلك قوتلوا بحر ونهر قوله: "إن لم يكن خنثى" وإلا بأن كان خنثى يمم وقيل يغسل في ثيابه قوله: "وتغسل عورته بخرقة ملفوفة الخ" تحرزا عن مسها لأنه حرام كالنظر كذا في البحر قوله: "وبعده وضيء" لم يذكر الاستنجاء وذكره رضي الدين في المحيط فقال: أنه يستنجي عندهما لأن موضع الاستنجاء لا يخلو عن نجاسة فلا بد من إزالتها اعتبارا بحال الحياة وصورته أن يلف على يده خرقة فيغسل حتى يطهر الموضع لأن مس العورة حرام وعند أبي يوسف لا يستنجي ومشى عليه صاحب الخلاصة لأن المسكة قد زالت وبالاستنجاء ربما يزيد الاسترخاء فتخرج نجاسة أخرى فيكتفي بوصول الماء إليه اهـ من التبيين ملخصا قوله: "يبدأ بوجهه" لأنه لم يباشر ذلك بنفسه فلا يحتاج لغسل يديه أولا بخلاف الحي ولا يؤخر غسل رجليه لأنه ليس في مستنقع الماء قوله: "فلا يوضأ" لأنه لم يكن من أهل الصلاة قاله الحلواني وهذا يقتضي أن من بلغ مجنونا لا يوضأ أيضا ولم أره لهم وإنه لا
стр. 614
عليه عمل الناس "إلا أن يكون جنبا" أو حائضا أو نفساء فيكلف غسل فمه وأنفه تتميما لطهارته "و" بعد الوضوء "صب عليه ماء مغلي" قد مزج "بسدر أو حرض" أشنان غير مطحون مبالغة في التنظيف وقد أمر النبي ﷺ أن تغسل بنته والمحرم الذي وقصته دابته بماء وسدر "وإلا" أي وإن لم يوجد "ف" الغسل ب "القراح: وهو الماء الخالص" كاف ويسخن
ــ.
يوضأ إلا من بلغ سبعا لأنه الذي يؤمر بالصلاة كذا في النهر لكن قال الحلبي وهذا التوجيه ليس بقوي إذا يقال هذا الوضوء سنة الغسل المفروض للميت لا يتعلق بكون الميت بحيث يصلي أولا كما في المجنون اهـ قوله: "ويمسح فمه وأنفه" قال في الفتح وغيره استحب بعض العلماء أن يلف الغاسل على إصبعه خرقة ويمسح بها أسنانه ولهاثه وشفتيه ومنخريه وسرته كما عليه عمل الناس اليوم قوله: "إلا أن يكون جنبا" هذا ما ذكره الخلخالي وهو غريب مخالف لعامة الكتب كما في الشلبي على الكنز والذي في التبيين أن الجنب كغيره وما في شرح السيد من أن ما ذكره الخلخالي مخالفا لغيره مخرج على خلاف آخر في الشهيد إذا كان جنبا فإنه يغسل عند الإمام وما ذكره غيره مخرج على قول الصاحبين وهو الذي في عامة الكتب فيه نظر لأن الكلام هنا في المضمضمة والاستنشاق لا في الغسل والفرق أنه لا حرج فيه بخلافهما وقد عرفنا غسل الشهيد الجنب بالنص وهو تغسيل الملائكة حنظلة بن الراهب حين استشهد وهو جنب فقال النبي ﷺ : "رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحائف الفضة" ولم يذكر فيه المضمضة والاستنشاق فانصرف إلى المعهود في غسل الميت وهو الغسل بدونهما فتأمل أفاده بعض الأفاضل قوله: "أو حائضا أو نفساء" هذا بحث للمصنف كما تفيده عبارته في الشرح قياسا لهما على الجنب للاشتراك في افتراض المضمضة والاستنشاق فيما بينهم وقد علمت رده في الجنب والكلام فيهما كالكلام فيه قوله: "صب عليه ماء" والأولى أن يكون حلوا لأنه أبلغ في أزالة الوسخ لا سيما إذا كان يغسل بالصابون أفاده بعضهم قوله: "مغلي" من أغليت الماء أغلاه لا من الغلي والغليان لأنهما مصدران للازم واللازم لا يبنى منه اسم المفعول على المشهور ودل كلامه على أن الحار أفضل مطلقا سواء كان عليه وسخ أم لا نهر وأصل مغلي مغلي تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ثم حذفت لالتقاء الساكنين قوله: "بسدر" هو ورق النبق ويطلق على نفس الشجر وعلى الغسل كما في النهر قوله: "أو حرض" بضم الحاء المهملة ويجوز في الراء السكون والضم قوله: "أشنان غير مطحون" تبع فيه صاحب الجوهرة وكتب اللغة خالية عن هذا التقييد وأو هنا للتخيير فيكفي حصول أحدهما وفيه يقال إنما ذكره لكونه الأنسب للمقام لا أنه تفسير للمعنى اللغوي قوله: "الذي وقصته دابته" أي ألقته فدقت عنقه قوله: "وإن لم يوجدا" أي السدر أو الحرض والأولى إفراد الضمير لأن العطف بأو أو يكون الضمير للماء المغلي بأحد هذين الشيئين قوله: "فالغسل بالقراح" القراح
стр. 615
إن تيسر لأنه أبلغ في التنظيف "ويغسل رأسه" أي شعر رأسه "و" شعر "لحيته بالخطمى" نبت بالعراق طيب الرائحة يعمل عمل الصابون في التنظيف وإن لم يكن فالصابون وإن لم يكن به شعر لا يتكلف لهذا "ثم" بعد تنظيف الشعر والبشرة "يضجع" الميت "على يساره فيغسل" شقه الأيمن ابتداء لأن البداءة بالميامن سنة "حتى يصل الماء إلى ما" أي الجنب الذي "يلي التخت" بالخاء المعجمة "منه" أي الميت "ثم" يضجع "على يمينه" فيغسل "كذلك" حتى يصل الماء إلى سائر جسده "ثم أجلس" الميت "مسندا إليه" لئلا يسقط "ومسح بطنه" مسحا رقيقا ليخرج فضلاته "وما خرج منه غسله" فقط تنظيفا "ولم يعد غسله" ولا وضوءه لأنه ليس بناقض في حقه "ثم ينشف بثوب" كيلا تبتل أكفانه والنية في تغسيله لإسقاط الفرض عنا حتى أنه إذا وجد غريقا يحرك في الماء بنية غسله لهذا لا لصحة الصلاة عليه وإذا يمم لفقد الماء ثم وجد بعد الصلاة عليه بالتيمم غسل وصلي عليه ثانيا والمنتفخ
ــ.
كسحاب قوله: "وهو الماء الخالص" الذي لم يخالطه شيء كما في القاموس قوله: "كاف" خبر للمبتدأ المحذوف قوله: "بالخطمي" مشدد الياء وكسر الخاء أكثر من الفتح مصباح قوله: "وإن لم يكن به شعر" أي بالميت سواء انتفى من المحلين أو أحدهما فلا يتكلف للخطمي فيما لا شعر فيه قوله: "ثم بعد تنظيف الشعر والبشرة" أشار بثم إلى ان ما سبق من قوله وصب عليه ماء مغلي الخ وقوله وغسل رأسه يفعل قبل الترتيب الآتي ليبتل ما عليه من الدرن قوله: "مسندا" بصيغة اسم الفاعل والمفعول حال من الغاسل أو المغسول قوله: "رفيقا" بالفاء أي لطيفا والمصنف لم يذكر إلا غسلتين الأولى بقوله وأضجع على يساره والثانية بقوله ثم على يمينه كذلك وأما الثالثة فبعد اقعاده يضجعه على شقه الأيسر ويغسله لأن تثليث الغسلات مسنون ويسن أن يصب الماء عليه عند كل إقعاد ثلاثا والزيادة جائزة للحاجة وإلا ينبغي أن يكون إسرافا كحال الحياة أفاده السيد قوله: "ولم يعد غسله" بالبناء للمجهول والغسل بالضم لا غير قيل وبالفتح أيضا وقيل ان أضيف إلى المغسول كما هنا فتح وإلى غيره كغسل الجمعة ضم وفي المضمرات عن الخزانة إذا كفن في كفن نجس لا تجوز الصلاة عليه بخلاف ما لو نجس بنجاسة الميت لأن فيه ضرورة وبلوى ولا كذلك الكفن النجس ابتداء اه قوله: "ثم ينشف بثوب" أي يؤخذ ماؤه بثوب حتى يجف من نشف الماء أخذه بخرقة من باب ضرب ومنه كان للنبي ﷺ خرقة ينشف بها إذا توضأ وفي الصحاح نشف الثوب الرق بالكسر ونشف الحوض الماء ينشفه نشفا شربه اهـ ولا تخالف بينهما فإن كان بمعنى أخذ فبفتحها من حد ضرب وإن كان بمعنى شرب فبكسر الشين من حد علم كما في الصحاح قاله السيد قوله: "يحرك في الماء" ثلاثا في قول أبي يوسف كما في الفتح وعن محمد إن نوى الغسل عند الإخراج من الماء يغسل مرتين يعني على وجه السنة والفرض قد سقط بالنية عند الإخراج قوله: "ثم وجد" أي الماء قوله: "وصلى عليه ثانيا" في قول أبي
стр. 616
الذي تعذر مسه يصب عليه الماء ويغسله أقرب الناس إليه وإلا فأهل الأمانة والورع ويستر ما لا ينبغي إظهاره ويكره أن يكون جنبا أو بها حيض ويندب الغسل من تغسيله وتقدم "و" بعد تنشيفه يلبس القميص ثم تبسط الأكفان و "يجعل الحنوط" هو عطر مركب من أشياء طيبة ولا بأس بسائر أنواعه غير الزعفران والورس" للرجال "على رأسه ولحيته"
ــ.
يوسف وعنه يغسل ولا تعاد الصلاة عليه كجنب تيمم وصلى ثم وجد الماء كما في البرهان قوله: "وإلا فأهل الأمانة والورع" والأفضل أن يغسله مجانا وإن ابتغى الغاسل أجرا جاز إن كان ثمة غيره وإلا لا لتعينه عليه واختلفوا في أجرة خياطة كفن وحمال وحفار وتكون من رأس المال كما في البحر والشرنبلالية وينبغي أن يكون مثل الأول لأن ذلك من فروض الكفاية كما في السراج والضياء.
تنبيه: الأصل في مشروعية الغسل تغسيل الملائكة آدم ﵇ أخرج الحاكم وصححه عنه ﷺ أنه قال: "كان آدم رجلا أشقر طوالا كأنه نخلة سحوق فلما حضره الموت نزلت الملائكة بحنوطه وكفنه من الجنة" فلما مات ﵊ غسلوه بالماء والسدر ثلاثا وجعلوا في الثالثة كافورا وكفنوه في وتر من الثياب وحفروا له لحدا وصلوا عليه وقالوا: يا بني آدم هذه سنتكم من بعده فكذا كم فافعلوا قوله: "ويستر ما لا ينبغي إظهاره" في الأزهار قال العلماء فإذا رأى الغاسل من الميت ما يعجبه كاستنارة وجهه وطيب ريحه وسرعة انقلابه على المغتسل استحب أن يتحدث به وإن رأى ما يكره كنتنه وسواد وجهه وبدنه أو انقلاب صورته حرم أن يتحدث به كذا في شرح المشكاة قيل إلا أن يكون مبتدعا يظهر البدعة أو مجاهرا بالفسق والظلم فيذكر ذلك زجرا لأمثاله كذا في ابن أمير حاج وعن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "واذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم" أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان قال حجة الإسلام غيبة الميت أشد من الحي لأن عفو الحي واستحلاله ممكن ومتوقع في الدنيا بخلاف الميت وروى البيهقي في المعرفة والحاكم في المستدرك وقال على شرط مسلم من غسل ميتا فكتم عليه غفر له أربعون كبيرة ومن كفنه كساه الله من السندس والإستبرق ومن حفر له قبرا حتى يجنه فكأنما أسكنه مسكنا حتى يبعث وفي الجنائز لابن شاهين يا علي غسل الموتى فإنه من غسل ميتا غفر له سبعون مغفرة لو قسمت مغفرة منها على جميع الخلائق لوسعتهم قلت ما يقول من يغسل قال يقول غفرانك يا رحمن حتى يفرغ من الغسل قوله: "ويكره أن يكون جنبا" وتغسيل الكافر أشد كراهة إلا إذا لم يوجد غيره ذاكرا في حق المسلم أو أنثى في حق المسلمة كما في ابن أمير حاج قوله: "ويجعل الحنوط" بفتح الحاء المهملة ويقال له الحناط بكسر الحاء قوله "مركب من أشياء طيبة" ويدخل فيه المسك في قول الأكثر خلافا لعطاء قوله: "للرجال" فيكرهان لهم دون النساء اعتبارا بحال الحياة فجعلهما في كفن الرجال جهل كما في
стр. 617
روي ذلك عن علي وأنس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم "و" يجعل "الكافور على مساجده" سواء فيه المحرم وغيره فيطيب ويغطى رأسه ليطرد الدود عنها وهي الجبهة وأنفه ويداه وركبتاه وقدماه روي ذلك عن ابن مسعود ﵁ فتخص بزيادة إكراه "وليس في الغسل استعمال القطن في الروايات الظاهرة" وقال الزيلعي: لا بأس بأن يجعل القطن على وجهه وأن يحشى به مخارقه كالدبر والقبل والأذنين والأنف والفم انتهى. وفي الظهيرية واستقبح عامة المشايخ جعله في دبره أو قبله "ولا يقص ظفره" أي الميت "و" لا "شعره ولا يسرح شعره" أي شعر رأسه "ولحيته" لأنه للزينة وقد استغنى عنها "والمرأة تغسل زوجها" ولو معتدة من رجعي أو إظهار منها في الأظهر أو إيلاء لحل مسه والنظر إليه ببقاء العدة فلو ولدت عقب موته أو انقضت عدتها من رجعي أو كانت مبانة أو
ــ.
الشمني والسراج وغيرهما والورس الكركم قوله: "على رأسه ولحيته" وسائر جسده كما في الجوهرة بعد أن يوضع على الإزار كما في القهستاني قوله: "ويجعل الكافور" هو شجر عظيم بالهند والصين قهستاني قوله: "سواءفيه المحرم وغيره" لأن الإحرام ينقطع بالموت عندنا خلافا للشافعي قوله: "ليطرد الدود عنها" هذ حكمة تخصيص الكافور وهو علة لقوله ويجعل الكافور على مساجده قوله: "فتخص بزيادة إكرام" أي لما كانت هذه الأعضاء يسجد بها خصت بزيادة إكرام صيانة لها عن سرعة الفساد قوله: "كالدبر الخ" الكاف للاستقصاء أو للتمثيل وتدخل حينئذ نحو الجراح المفتوحة قوله: "واستقبح عامة المشايخ جعله في دبره أو قبله" ظاهر تقييده بهما أنهم لم يستقبحوه في غيرهما فيكون لا بأس به في غيرهما قوله: "ولا يقص ظفره" إلا أن يكون مكسورا فلا بأس بأخذه ورميه روي ذلك عن الإمام والثاني كما في البحر وغيره وفي القهستاني عن العتابية فلو قطع شعره أو ظفره أدرج معه في الكفن وقال الإمام الشافعي ﵁ يقص شاربه وظفره ويزال من شعره ما حفه لإزالة كذا في مسكين قوله: "ولا يسرح شعره" ظاهر القنية أنها تحريمية حيث قال إما لتزيين بعد موتها والامتشاط وقطع الشعر فلا يجوز نهر قوله: "ولحيته" إنما ذكرها بعد الشعر لعدم تبادر الذهن عند إطلاق الشعر إليها لكونها مخصوصة باسم أو من عطف الخاص على العام قوله: "ولو معتمدة من رجعي" أي ولو كانت المرأة معتدة من رجعي فإن معتدته زوجة يحل قربانها ومحترزة صرح به الشرح بعد قوله: "أو ظهار منها في الأظهر" الأولى أن يقول ولو مظاهرا منها في الأظهر وهذا ينافي ما قاله في الشرح وفي المظاهر منها روايتان الأظهر أن لا يحل لها تغسيله فجعل الأظهر عدم الحل قوله: "أو إلى ما لا يحل مسه والنظر إليه ببقاء العدة" لعل في العبارة تحريفا من الناسخ وصوابها وإيلاء لحل مسه والنظر إليه ببقاء العدة قال في الشرح والإيلاء لا يحرم وطئها فتغسله اهـ فهذا يقتضي عطف الإيلاء على ما قبله لمشاركته له في الحكم وقال أيضا والمرأة تغسل زوجها لحل مسه والنظر إليه ببقاء العدة اهـ وهذا
стр. 618
حرمت بردة أو رضاع أو صهرية لا تغسله "بخلافه" أي الرجل لا يغسل زوجته لانقطاع النكاح وإذا لم توجد امرأة لتغسيلها ييممها وليس عليه غض بصره عن ذراعيها بخلاف الأجنبي وهو "كأم الولد" والمدبرة والقنة "لا تغسل سيدها" وتيممه بخرقة جمع جنازة بالفتح والكسر للميت والسرير وقال الأزهري ولا تسمى جنازة "ولو ماتت امرأة مع الرجال" المحارم وغيرهم "يمموها كعكسه" وهو موت بين النساء وكن محارمه يممنه "بخرقة" تلف على يد الميمم الأجنبي حتى لا يمس الجسد ويغص
ــ
يقتضي التعليل لقوله تغسله فتأمل قوله: "فلو ولدت" أي امرأته التي توفي عنها هو محترز قوله معتدة قوله: "أو كانت مبانة" محترز قوله ولو معتدة من رجعي قوله: "أو رضاع" بأن أرضعت ضرتها الصغيرة قوله: "أو صهرية" كان مست ابنه أو أباه بشهوة والأصل في تغسيل الزوجة زوجها ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت واستقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه ومعنى ذلك أنها لم تكن عالمة وقت وفاة رسول الله ﷺ بإباحة غسل المرأة زوجها ثم عملت بعد ذلك وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أوصى إلى امرأته أسماء بنت عميس أنها تغسله بعد وفاته وهكذا فعل أبو موسى الأشعري ﵁ ولأن إباحة الغسل مستفادة بالنكاح فتبقى ما بقي النكاح والنكاح باق بعد الموت إلى انقضاء العدة قوله: "فإنه لا يغسل زوجته" وكذا لا يمسها ولا يمنع من النظر إليها في الأصح تنوير قوله: "لانقطاع النكاح" بانعدام محله فصار الزوج أجنبيا واعتبر بملك اليمين حيث لا ينتفي عن المحل بموت المالك ويبطل بموت المحل فكذا هذا وقالت الأئمة الثلاثة يجوز لأن عليا غسل فاطمة ﵂ قلنا وروى أنها غسلتها أم أيمن ولو ثبت أن عليا غسلها فهو محمول على بقاء الزوجية لقوله ﷺ : "كل سبب ونسب ينقطع بالموت إلا سببي ونسبي" مع أن ابن مسعود ﵁ أنكر عليه فقال له: أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: "إن فاطمة زوجتك في الدنيا والآخرة" فدعواه الخصوصية دليل على أنه كان معروفا بينهم أن الرجل لا يغسل زوجته قوله: "ييممها" أي زوجها قوله: "بخلاف الأجنبي" أي فإنه يلف يده بخرقة وييممها مع كف بصره عن ذراعيها إلا أن تكون أمة فلا تحتاج إلى حائل قوله: "وهو كأم الولد" لا تغسله ولا يغسلها وكذا المكاتبة لزوال ملكه عن الأمة والمكاتبة إلى الورثة وبطلانه في أم الولد والمدبرة لعتقهما بالموت فإن قيل أم الولد تعتد منه فينبغي أن تلحق بالزوجة قلنا عدتها لم تجب قضاء لحقه بل للتعرف عن براءة الرحم فإن قيل هلا اكتفى بحيضة كما في استبراء الأمة قلنا عدة أم الولد وجبت بزوال الفراش فأشبهت عدة النكاح قوله: "المحارم" الأولى حذفه للتصريح به في قوله بعد وأن وجد ذو رحم محرم قوله: "يمموها" فعل ماض وفي نسخة بالمضارع والمناسب عليها إثبات النون قوله: "وكن محارمه" الأولى غير محارمه قوله: "بخرقة" راجع إلى الصورتين إلا أن تكون المرأة أمة فلا تحتاج إلى حائل
стр. 619
بصره عن ذراعي المرأة ولو عجوزا وإن وجد ذو رحم محرم يمم" الميت ذكرا كان أو أنثى "بلا خرقة" لجواز مس أعضاء التيمم للمحرم بلا شهوة كالنظر إليها منها له "وكذا الخنثى المشكل ييمم في ظاهر الرواية" وقيل يجعل في قميص لا يمنع وصول الماء إليه "ويجوز للرجل والمرأة تغسيل صبي وصبية لم يشتهيا" لأنهما ليس لأعضائهما حكم العورة وعن أبي يوسف أنه قال أكره أن يغسلهما الأجنبي والمجبوب كالفحل "ولا بأس بتقبيل الميت" للمحبة والتبرك توديعا خالصة عن محظور "وعلى الرجل تجهيز امرأته" أي تكفينها ودفنها عند أبي يوسف لو كانت معسرة وهذا التخصيص مختار صاحب المغني والمحيط والظهيرية اه. ويلزمه أبي يوسف بالتجهيز مطلقا أي "ولو" كان الزوج "معسرا" وهي
ــ.
قوله: "كالنظر" أي كمجواز النظر إليها أي إلى أعضاء التيمم منها أي الكائنة منها وقوله له متعلق بالجواز المقدر قوله: "وكذا الخنثى المشكل" أي ولو مراهقا وإلا فهو كغيره فيغسله الرجال والنساء در قوله: "لم يشتهيا" قال في الدر من شروط الصلاة عن السراج لا عورة للصغير جدا ثم ما دام لم يشته فقبل ودبر ثم تغلظ إلى عشر سنين ثم كبالغ وفي الأشباه يدخل على النساء إلى خمس عشر سنة قوله: "والمجبوب كالفحل" فليس له تغسيل امرأة أجنبية إلا أن تكون من محارمه فييممها بخرقة قاله السيد أي ولا يعطي حكم النساء بسبب الجب وكذا إذا مات بين النساء يمم أما بخرقة أو دونها على التفصيل وكذا له أن يغسل الصبي والصبية اللذين لم يشتهيا فالحاصل أنه في حكم الرجال من كل وجه قوله: "ولا بأس بتقبيل الميت" لما روي البخاري عن عائشة ﵂ قالت أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم النبي ﷺ وهو مسجى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى ولم يفعل ذلك إلا قدوة به ﷺ لما روى أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم مصححا عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت فأكب عليه وقبله ثم بكى حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه وفي التمهيد لما توفي عثمان كشف النبي ﷺ الثوب عن وجهه وبكى بكاء طويلا وقبل بين عينيه فلما رفع على السرير قال طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها اهـ قوله: "والتبرك" الواو بمعنى أو فإن تقبيله ﷺ عثمان للمحبة وتقبيل أبي بكر الرسول الأكرم ﷺ لهما معا قوله: "خالصة عن محظور" هذا قيد في الجواز أما إذا كانت لشهوة فحرام ولو زوجة فيما يظهر لقولهم أن النكاح انقطع بموتها لذهاب محله قوله: "ودفنها" أي مؤنته أن لم يتبرع به قوله: "لو كانت معسرة" هذا أحد وجهين لأبي يوسف والأولى تأخيره عن قوله ولو معسرا ويجعله مقابلا له قوله: "وهذا التخصيص" أي تخصيص وجوب التجهيز على الزوج بما إذا كانت معسرة قوله: "ويلزمه أبو يوسف" في نسخة بأو وهي لحكاية الخلاف عن أبي يوسف وهي الصواب قال
стр. 620
موسرة "في الأصح" وعليه الفتوى وقال محمد ليس عليه تكفينها لانقطاع الزوجية من كل وجه "ومن" مات "ولا مال له فكفنه على من تلزمه نفقته" من أقاربه وإذا تعدد من وجبت عليه النفقة فالكفن على قدر ميراثهم كالنفقة ولو كان له مولى وخالة فعلى معتقه وقال محمد على خالته "وإن لم يوجد من تجب عليه نفقته ففي بيت المال" تكفينه وتجهيزه من أموال التركات التي لا وارث لأصحابها "فإن لم يعط" بيت المال "عجزا" لخلوه من الأموال "أو ظلما" بمنعه صرف الحق لمستحقه وجهته "فعلى الناس" القادرين "و" يجب أن "يسأل له" أي للميت "التجهيز من" علم به وهو "لا يقدر عليه" أي التجهيز "غيره" من القادرين بخلاف الحي إذا عري لا يجب السؤال له بل يسأل لنفسه ثوبا لقدرته عليه وإذا فضل عنه
ــ.
في البحر فقد اختلف النقل عن أبي يوسف لكن الظاهر ترجيح ما في الخانية لأنه كالكسوة فيلزمه على كل حال اهـ فالقولان المذكوران عن أبي يوسف وليس للإمام في عبارة الشرح ذكر ووجه قوله أنه لو لم يجب عليه لوجب على الأجانب وهو قد كان أولى بإيجاب الكسوة عليه حال حياتها فرجح على سائر الأجانب ولأن العزم بالغنم اهـ قوله: "وقال محمد الخ" ينبغي أن يكون محل الخلاف ما إذا لم يقم بها مانع يمنع الوجوب حالة الموت من نشوز أو صغر مع كبره ونحو ذلك وأنها إذا ماتت في العدة منه وهي ممن تلزمه نفقتها وكسوتها أن يجب عليه تجهيزها كذا بحثه ابن أمير حاج قال ولم أره مصرحا به قوله: "لانقطاع الزوجية" فصار الزوج كالأجنبي قوله: "ولا مال له" قيد به لأنه لو كان له مال فإنه يجب فيه ويقدم على الدين والوصية والإرث إلى قدر السنة ما لم يتعلق بعين ماله حق الغير كالرهن والمبيع قبل القبض والعبد الجاني قاله السيد قوله: "على من تلزمه نفقته من أقاربه" أي الذين هم ذوو رحم محرم منه نسبا قوله: "وإذا تعدد من وجبت عليه النفقة" كأخ وأخت قوله: "فالكفن على قدر ميراثهم" فثلثاه على الأخ وثلثه على الأخت قوله: "فعلى معتقه" وجه هذا القول أنه وارثه قوله: "وقال محمد على خالته" لأنها رحم محرم منه قوله: "وإن لم يوجد من تجب عليه نفقته قوله: "أو وجد إلا أنه معسر قوله: "من أموال التركات" أي لا من غيرها كبيت الخراج والخمس والركاز ولأحدهما الاستقراض من الآخر كما وضح في محله قوله: "وجهله" من عطف السبب أو من عطف المغاير بأن كان يدفع إلى غير من يستحق جهلا وفي نسخة وجهته وهو من عطف المرادف قوله: "فعلى الناس القادرين" أي فيفترض على سائر الناس العالمين به أن يجهزوه ويكفنوه قوله: "غيره" بالنصب مفعول يسأل وظاهر ما في المجتبى حيث قال فإن عجزوا سألوا له ثوبا أنه لا يجب عليهم إلا سؤال كفن الضرورة لا الكفاية در فإن لم يوجد من يكفن غسل وجعل عليه الأذخر ودفن وصلى على قبره وسأل متعد إلى مفعولين هنا أو التجهيز مفعول له وفيه أنه لم يتحد فاعله مع فاعل الفعل قوله: "لا يجب السؤال" نفي الوجوب وأما الجواز فالظاهر جوازه لأنه من
стр. 621
شيء صرف لمالكه وإن لم يعرف كفن به آخر وإلا تصدق به ولا يجب على من له ثوب فقط تكفين ميت ليس عنده غيره وإذا أكل الميت سبع فالكفن لمن تبرع به لا لوارث الميت وإذا وجد أكثر البدن أو نصفه مع الرأس غسل وصلي عليه وإلا لا. والتكفين فرض وأما عدد أثوابه فهي على ثلاثة أقسام سنة وكفاية وضرورة الأول "و" هو "كفن الرجل سنة" ثلاثة أثواب "قميص من أصل العنق إلى القدمين بلا دخريص وكمين "وإزار" من القرن إلى القدم "و" الثالث "لفافة" تزيد على ما فوق القرن والقدم ليلف بها الميت وتربط
ــ.
الإعانة على السبر قوله: "ولا يجب على من له ثوب فقط الخ" أي إذا لم يكن عند الميت إلا رجل واحد وليس له إلا ثوب واحد ولا شيء للميت فصاحبه أحق به ولا يكفن به الميت قلت الظاهر أنه إذا كان عند الميت رجال كثيرون وكل واحد له ثوب فقط فالحكم كذلك وأفاد أنه إذا كان له ثوبان يكفنه في أحدهما قوله: "أو نصفه مع الرأس" قيد به لأنه لو وجد النصف بدون رأس لا يغسل ولا يصلي عليه بل يدفن وهذا مستفاد من قوله وإلا لا والبدن اسم لما عدا الأطراف قوله: "والتكفين فرض" أي كفاية بالنظر لعامة المسلمين لا لمن خص بلزومه كما في حاشية المؤلف على الدرر قوله: "وأما عدد أثوابه" الأولى أنواعه قوله: "وهو كفن الرجل" أي البالغ ومثله المراهق ومن لم يراهق فالأحسن فيه كذلك وإن كفن في ثوب واحد جاز والسقط والمولود ميتا يلفان في خرقة من غير مراعاة وجه الكفن كالعضو من الميت لأنه ليس لهما حرمة كاملة لأن الشرع إنماورد بتكفين الميت واسم الميت لا ينطلق عليهما كما لا ينطلق على بعض الميت كذا في النحانية وغيرها قوله: "ثلاثة أثواب" لما روي أنه ﷺ كفن في ثلاثة أثواب ولأنها غاية ما يتجمل به الرجل في حياته فكذا بعد موته برهان وتكره الزيادة كما في المجتبى إلا أن يوصى بالأكثر فلا يكره بخلاف ما إذا أوصى أن يكفن في ثوبين فإنه يكفن في ثلاثة أثواب ولا يراعى شرطه لأنه خلاف السنة وفي غاية البيان لا بأس بالزيادة على الثلاث في كفن الرجل وذكر ابن أمير حاج عن الذخيرة أن الزيادة في كفن الرجل إلى خمسة غير مكروهة ولا بأس بها وحينئذ فالاقتصار على الثلاث لنفي كون الأقل مسنونا كما في الحموي يعني لا لأن الزيادة عليها مكروهة قوله قميص "هو والدرع سواء كما في الحاوي لكن التعبير بالقميص أظهر لأن الدرع مشترك بينه وبين درع الحديد آلة الحرب قوله: "بلاد خريص وكمين" مكرر مع ما يأتي في المصنف قوله: "وإزار" هو والرداء واللفافة بمعنى واحد وهو ثوب طويل عريض يستر البدن من القرن إلى القدم كما في ابن أمير حاج عن الحاوي القدسي وفي هذا التفسير بحث لمولانا الكمال رحمه الله تعالى فراجعه إن شئت قوله: "من القرن إلى القدم" هذا هو المشهور كما في القهستاني وفي بعض نسخ المختار من المنكب إلى القدم قوله: "والثالث لفافة" بالكسر ما يلف به عيني وتسمى رداء قهستاني وهي ما تبسط على الأرض أو لا حموي ولا إشكال في
стр. 622
من أعلاه وأسفله ويؤخذ الكفن "مما كان يلبسه" الرجل "في حياته" يوم الجمعة والعيدين ويحسن للحديث "حسنوا أكفان الموتى فإنهم يتزاورون فيما بينهم ويتفاخرون بحسن أكفانهم" ولا يغالى فيه لقوله ﷺ : "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعا" وكفن ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية بفتح السين وبالضم قرية باليمن "و" الثاني كفن "كفاية"
ــ.
أنها من القرن إلى القدم فتح قوله: "تزيد الخ" ظاهره أن الزيادة إنما تكون في اللفافة فقط وهو غير ما يعطيه كلامه الآتي قوله: "وتربط" عطف على يلف فهو منصوب قوله: "مما كان يلبسه الرجل في حياته" أفاد بطريق المنطوق جواز تكفينه في كل ما جاز لبسه له وهو حي من كل جنس كما في البحر فيكفن بالبرد والقصب والكتان والقطن كما في الفتح والقهستاني والقصب بالتحريك ثياب ناعمة من كتان الواحد قصبي قاموس ومنع بالمفهوم ما لا يجوز لبسه في حال حياته كحرير ونحوه اعتبارا بحال الحياة إلا إذا لم يوجد غيره لكن لايزاد على ثوب واحد لأن الضرورة تندفع به ويجوز ذلك للنساء كمزعفر ومعصفر كما في مجمع الأنهر قوله: "يوم الجمعة والعيدين" ولها ما كانت تلبسه في زيارة الأبوين وقيل كفن المثل ما يلبس غالبا لهما قوله: "ويحسن" بالبناء للمجهول أي الكفن قوله: "للحديث حسنوا الخ" أخرج ابن عدي أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتزاورون في قبورهم وأخرج مسلم إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه يعني فليختر من الثياب أنظفها وأتمها وأبيضها على ما روته الستة ولم يرد به ما يفعله المبذرون إسرافا ورياء وسمعة من الثياب الرقيقة النفيسة فإنه منهي عنه بأصل الشرع لإضاعة المال كذا في شرح المشكاة وغيره وفي شرح الصدور بشرح حال الموتى في القبور للحافظ السيوطي أخرج ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا مات لأحدكم الميت فأحسنوا كفنه وعجلوا إنجاز وصيته وأعمقوا له في قبره وجنبوه جار السوء" قيل يا رسول الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة قال: "هل ينفع في الدنيا" قالوا: نعم قال: "كذلك ينفع في الآخرة" والحاصل أن الحد الوسط في الكفن هو المستحب المستحسن قوله: "فأنهم يتزاورون فيما بينهم" أي تزور الأرواح بعضها بعضا فتطلع على كسوة الجسم قوله: "ويتفاخرون الخ" أي أنهم يسرون بذلك لا كتفاخر الدنيا قوله: "ولا يغالي فيه" حتى لو أوصى أن يكفن بألف درهم كفن كفنا وسطا كذا في البحر عن الروضة ويكون الباقي مما أوصى به ميراثا كما في الحموي عن الخصاف وفي شرعة الإسلام ومن السنة أن يحسن كفن الميت فيتخذه من أطيب الثياب وأشدها بياضا ولا يتخذه من الثياب الفاخرة فإنه سيسلب سلبا اهـ قوله: "لا تغالوا" بحذف إحدى التاءين قوله: "فإنه يسلب سريعا" قال الطيبي استعير السلب لبلى الثوب مبالغة في السرعة أي يبلي سريعا اهـ قوله: "في ثلاثة أثواب بيض" من كرسف كما رواه الجماعة عن عائشة والكرسف القطن قوله: "بفتح السين" هو المشهور قوله: "والثاني كفن كفاية" أي ما يكتفي به حال
стр. 623
للرجل "إزار ولفافة" في الأصح مع قلة المال وكثرة الورثة هو أولى وعلى القلب كفن السنة أولى "وفضل البياض من القطن" لما روينا والخلق الغسيل والجديد فيه سواء "وكل من الإزار واللفافة" للميت يكون "من القرن" يعني شعر الرأس "إلى القدم" مع الزيادة للربط "ولا يجعل لقميصه كم" لأنه لحاجة الحي "ولا دخريص" لأنه لا يفعل إلا للحي ليتسع الأسفل للمشي فيه "ولا جيب" وهو الشق النازل عن الصدر لأنه لحاجة الحي ولو كفن في قميص حي قطع جيبه ولبنته وكميه "ولا تكف أطرافه" لعدم الحاجة إليه "وتكره العمامة في
ــ.
الاختيار بدون كراهة وهو القدر الواجب وفي الفتح ويكره الاقتصار على ثوب واحد حالة الاختيار كما تكره الصلاة فيه حال الاختيار اهـ قوله: "في الأصح" وقيل قميص ولفافة وفي جوامع الفقه ليس لصاحب الدين أن يمنع من كفن السنة اهـ قال الحلبي وهو يشمل السنة من حيث العدد ومن حيث القيمة اهـ قوله: "مع قلة المال" حال من قوله هو أولى أي كفن الكفاية أولى حال كون المال قليلا والورثة كثيرا وقد ذكر ذلك في الخانية والخلاصة ونقل مثله فخر الإسلام في شرح الجامع الصغير عن الجصاص قال وهذا أحسن عند مشايخنا وإن لم يرو ذلك عن السلف كما في الفتح والبحر والحلبي وابن أمير حاج وغيرها قوله: "من القطن" تخصيص القطن على وجه الأفضلية وإلا فالظاهر العموم لإطلاق قوله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ومن خير أكحالكم الإثمد فإنه ينبت الشعر ويجلوا البصر" رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح قوله: "لما روينا" من أنه ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض أي من القطن قوله: "والخلق الغسيل والجديد فيه سواء" لما عن عائشة ﵂ قالت قال أبو بكر لثوبيه اللذين كان يمرض فيهما اغسلوهما وكفنوني فيهما فقالت عائشة ألا نشتري لك جديدا قال الحي أحوج إلى الجديد من الميت كذا في الشرح قوله: "من القرن" وفي نسخة من الفرق قوله: "لا يفعل" في مقام التعليل لما قبله قوله: "وهو الشق النازل على الصدر" فيكتفي بقدر ما يدخل منه الرأس وهو حسن لا سيما في حق المرأة لما فيه من زيادة الستر وبعضهم فسر الجيب بالخزانة التي تكون في الشق كفخر الإسلام في شرح الجامع الصغير ورضي الدين في محيطه وحافظ الدين في الكافي قوله: "قطع جيبه" هذا إنما يظهر على تفسير الجيب بما قاله فخر الإسلام ومن ذكر معه قوله: "ولبنته" بكسر اللام وسكون الموحدة وفتح النون ما يجعل في قبة الثوب من ديباج ونحوه وفي نسخة وكميه فقطع حينئذ بالبناء للفاعل قوله: "ولا تكف أطرافه" ولو كفت جاز بلا كراهة على الصحيح أفاده القهستاني قوله: "لعدم الحاجة إليه" لأن ذلك لصيانته ولا حاجة إليها قوله: "وتكره العمامة في الأصح" كذا في المجتبى لأنها لم تكن في كفن رسول الله ﷺ وعللها في البدائع لأنها لو فعلت لصار الكفن شفعا والسنة أن يكون وترا.
стр. 624
الأصح" لأنها لم تكن في كفن النبي ﷺ واستحسنها بعضهم لما روي أن ابن عمر ﵄ كان يعممه ويجعل العذبة على وجهه "و" تبسط اللفافة ثم الإزار فوقها ثم يوضع الميت مقمصا ثم يعطف عليه الإزار و "لف" الإزار "من" جهة "يساره ثم" من جهة "يمينه" ليكون اليمين أعلى ثم فعل باللفافة كذلك اعتبارا بحالة الحياة "وعقد" الكفن إن خيف انتشاره" صيانة للميت عن الكشف "وتزاد المرأة" على ما ذكرناه للرجل "في" كفنها على جهة "السنة خمارا لوجهها" ورأسها "وخرقة" عرضها ما بين الثدي إلى السرة وقيل إلى الركبة كيلا ينتشر الكفن بالفخذ وقت المشي بها "لربط ثدييها" فسنة كفنها درع وإزار وخمار وخرقة ولفافة "و" تزاد المرأة "في" كفن "الكفاية" على كفن الرجل "خمارا" فيكون ثلاثة خمار ولفافة وإزار "ويعل شعرها ضفيرتين" وتوضعان "على صدرها فوق القميص ثم" يوضع "الخمار" على رأسها ووجهها "فوقه" أي القميص فيكون "تحت اللفافة ثم" تربط "الخرقة فوقها" لئلا تنتشر الأكفان وتعطف من اليسار ثم من اليمين "وتجمر الأكفان" للرجل والمرأة جميعا تجميرا "وترا قبل أن يدرج" الميت "فيها" لقوله ﷺ : "إذا أجمرتم
ــ
قوله: "واستحسنها بعضهم" وهم المتأخرون وخصه في الظهيرية بالعلماء والإشراف دون الأوساط كما في النهر وغيره قوله: "ولف الخ" عطف تفسير على قوله ثم يعطف عليه الإزار قوله: "إن خيف انتشاره" والإبان كان المدفن قريبا لا يخشى انتشاره فلا يعقد قوله: "وتزاد المرأة" ولو أمة كما في الحلبي قوله: "وقيل إلى الركبة" وقيل إلى الفخذ وخير الأمور أوساطها نهر أي فأحسن الأقوال القول بالستر إلى الفخذ قوله: "كي لا ينتشر" علة للقول الثاني وقوله بالفخذ وقع في نسخة من الشرح في الفخذ والمعنى إنما أمر بكون الخرقة إلى الركبة خوف انتشار الكفن عن الفخذ وقت المشي بالجنازة قوله: "لتربط ثدييها" أي وبطنها كما في الجامع الصغير وتربط بالبناء للفاعل وضميره يرجع إلى الخرقة وفي نسخة لربط قوله: "فيكون ثلاثة وما دونها كفن ضرورة في حقها كما في التبيين قوله: "تحت اللفافة" هذا بيان الترتيب في كفن الكفاية أما في كفن السنة فيكون الخمار تحت الإزار ثم تربط الخرقة فوقه ثم تعطف اللفافة قوله: "ثم تربط الخرقة فوقها" أي فوق اللفافة والظاهر أن هذا الترتيب مسنون لا واجب قوله: "وتجمر الأكفان" جمع نظيرا إلى تعداد الأثواب أو تعداد الموتى يقال جمر ثوبه وأجمره تجميرا وإجمارا بخره والمراد أنها تطيب بالجمر وهو ما يبخر به الثوب من عود ونحوه ويقال للشيء الذي يوقد فيه ذلك مجمرة وما قيل أن المراد بالتجمير جمع الأكفان قبل الغسل لأنه يقال تجمر القوم إذا تجمعوا وجمر شعره جمعه لا يخفي بعده كما في النهر قوله: "تجميرا وترا" أشار بتقدير تجميرا إلى أن وترا صفة لمصدر محذوف
стр. 625
الميت فأجمروا وترا" ولا يزاد على خمس ولا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ويكره تجمير القبر "وكفن الضرورة" للمرأة والرجل ويكتفي فيه بكل "ما يوجد" روي عن النبي ﷺ : "من غسل ميتا فكتم عليه غفر الله له أربعين كبيرة ومن كفنه كساه الله من السندس والإستبرق ومن حفر له قبرا حتى يجنه فكأنما أسكنه مسكنا حتى يبعث" ورد يا علي غسل الموتى
ــ
قوله: "فأجمرا وأوترا" وفي رواية للحاكم إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا ولفظ البيهقي جمروا كفن الميت ثلاثا وجميع ما يجمر فيه الميت ثلاثة مواضع عند خروج روحه وعند غسله وعند تكفينه قوله: "ولا يزاد على خمس" ليس من الحديث وتبع فيه الزيلعي وزاد منلا مسكين قوله أو سبعا أفاده السيد قوله: "ولا تتبع الجنازة بصوت ولا نار" كذا في حديث أبي داود وزاد في رواية ولا يمشي بين يديها قال محمد وبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة قال في البدائع لأنه فعل أهل الكتاب فيكره التشبه بهم أي ولأن فيه تفاؤلا رديئا قالوا: والخنثى المشكل في التكفين كالمرأة إلا أنه يجنب الحرير والمعصفر والمزعفر احتياطا والأمة كالحرة والمراهق كالبالغ والمراهقة كالبالغة وكذا هو الأحسن لصغير وصغيرة وأدنى ما يكفي للصغير ثوب وللصغيرة ثوبان والسقط يلف ولا يكفن كالعضو من الميت والمحرم كالحلال وفي السيد عن البحر ولو كفنه الوارث ليرجع على الغائب ليس له رجوع إذا فعل بغير إذن القاضي كالعبد أو الزرع أو النخل بين شريكين أنفق أحدهما ليرجع على الغائب إذا فعل بغير إذن القاضي اهـ قوله: "يكتفي فيه بكل ما يوجد" لما روى أن حمزة ﵁ كفن في ثوب واحد ومصعب بن عمير لم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة أي كساء فيه خطوط بيض وسود كما في المغرب فكانت إذا وضعت على رأسه بدت رجلاه وإذا وضعت على رجليه خرج رأسه فأمر النبي ﷺ أن يغطي رأسه ويجعل على رجليه شيء من الأذخر وهذا دليل على أن ستر العورة وحدها لا يكفي خلافا للشافعي كذا في الشرح عن الزيلعي إلا زيادة تفسير النمرة فمن السيد قوله: "حتى يجنه" أي يستره من أجن بمعنى ستر وأفاد في القاموس أنه يأتي ثلاثيا ورباعيا والجنن محركة القبر وهذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك وقال أنه على شرط مسلم وفيه التصريح بأن هذا الفعل يكفر الكبائر والظاهر أن محله أن كان بغير أجر وقوله فكتم عليه أي ستر عليه في الإزهار قال العلماء إذا رأى الغاسل من الميت ما يعجبه كاستنارة وجهه وطيب ريحه وسرعة انقلابه على المغتسل استحب أن يتحدث به وإن رأى ما يكره كنتنه وسواد وجهه وبدنه أو انقلاب صورته حرم أن يتحدث به كذا في شرح المشكاة قيل إلا أن يكون مبتدعا يظهر البدعة أو مجاهر بالغسق والظلم فيذكر ذلك زجرا لأمثاله كما في ابن أمير حاج وقال رسول الله ﷺ "من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ" رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي والأمر فيه للندب وصرفه عن الوجوب حديث ابن عباس المصرح فيه بعدم الوجوب قال محمد ونأخذ بأنه
стр. 626
فإنه من غسل ميتا غفر له سبعون مغفرة لو قسمت مغفرة منها على جميع الخلائق لوسعتهم" قلت "ما يقول من غسل ميتا". قال: "يقول: غفرانك يا رحمن حتى يفرغ من الغسل.
ــ
لا وضوء على من حمل جنازة ولا على من حنط ميتا أو كفنه أو غسله وهو قول أبي حنيفة كذا في الآثار له قال شارحه المنلا على وما ورد من الأمر بذلك محمول على الاحتياط أو على من لا تكون له طهارة ليكون مستعدا للصلاة فلا يفوته شيء منها اهـ وقيل الحكمة في ذلك أن مباشر الميت يحصل له فتور والوضوء والغسل ينشطه قوله: "غفر له سبعون مغفرة" المراد التكثير كما قيل به في نظائره والمراد أن لا يبقى عليه من الذنوب شيء وذلك دليل رضا الله تعالى على فاعله قوله: "قال يقول الخ" فيه دليل على أن ذكر الله حال الغسل لا يكره والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 627
فصل الصلاة عليه
ككفنه ودفنه وتجهيزه "فرض كفاية" مع عدم الانفراد بالخطاب بها ولو امرأة "وأركانها
ــ.
فصل.
هو بالتنوين لما فرغ من الغسل والكفن شرع في الصلاة عليه إذ الشرط يتقدم على المشروط قوله: "فرض كفاية" بالإجماع فيكفر منكرها لإنكاره الإجماع كذا في البدائع والقنية والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله ﷺ : "صلوا على كل بر وفاجر" وإنما كانت فرض كفاية لقوله ﷺ صلوا على صاحبكم ولو كانت فرض عين ما تركها ولأن في الإيجاب أي العيني على الجميع استحالة وحرجا فاكتفى بالبعض حموي والجماعة فيها ليست بشرط والصلاة عى الكبير أفضل منها على الصغير قهستاني ويصح النذر بها لأنها قربة مقصودة بخلاف التكفين وتشييع الجنازة بحر قيل هي من خصائص هذه الأمة كالوصية بالثلث ورد بما أخرجه الحاكم وصححه عنه ﷺ أنه قال: "كان آدم رجلا أشقر طوالا كأنه نخلة سحوق فلما حضره الموت نزلت الملائكة بحنوطه وكفنه من الجنة فلما مات ﵊ غسلوه بالماء والسدر ثلاثا وجعلوا في الثالثة كافورا وكفنوه في وتر من الثياب وحفروا له لحدا وصلوا عليه وقالوا لولده: هذه سنة لمن بعده" فإن صح ما يدل على الخصوصية تعين حمله على أنه بالنسبة لمجرد التكبير والكيفية قال الواقدي لم تكن شرعت يوم موت خديجة وموتها ﵂ بعد النبوة بعشر سنين على الأصح وقوله وحفروا له لحدا أي بمكة عند حواء ﵉ كما ذكره ابن العماد وهو أحد أقوال وكان جبريل هو الإمام بالملائكة كذا في النهاية وجزم ابن العماد بأنه شيث ويمكن الجمع كما ذكره
стр. 628
التكبيرات والقيام" لكن التكبيرة الأولى شرط باعتبار الشروع بها وركن باعتبار قيامها مقام ركعة كباقي التكبيرات كما في المحيط "وشرائطها" ستة أو لها "إسلام الميت" لأنها شفاعة وليست لكافر "و" الثاني "طهارته" وطهارة مكانه لأنه كالإمام "و" الثالث "تقدمه" أمام القوم
ــ
بعض الأفاضل بأن شيئا كان إمام البشر جبريل إمام الملائكة أو أن جبريل كان مبلغا والملائكة مقتدون به وقد يؤيد كلام ابن العماد بأن شيئا كان لا يعلم الكيفية فالظاهر أن الإمام جبريل ليعلم الكيفية شيث منه كا وقع للنبي ﷺ في أول صلاة فرض بعد افتراض الخمس قوله: "مع عدم الانفراد بالخطاب" فلو انفرد واحد بأن لم يحضره إلا هو تعين عليه تكفينه ودفنه كما في الضياء والشمني والبرهان قوله: "والقيام" فلا تصح قاعدا أو راكبا من غير عذر كذا في الدر لأنها صلاة من وجه لوجود التحريمة وكذا يشترط للصلاة ولو تعذر النزول عن الدابة لطين ونحوه ماجاز أن يصلي عليها راكبا استحسانا قوله: "لكن التكبيرة الأولى الخ" اعلم أن الكمال قال إن التكبيرة الأولى شرط لأنها تكبيرة إحرام ولذا اختصت برفع اليدين وتعقبه في البحر والنهر بما في المحيط من أنه لا يجوز بناء صلاة جنازة على تحريمة أخرى ولو كانت شرطا لجاز وذكر في الغاية أن الأربع تكبيرات قائمة مقام الأربع ركعات وهذا يقتضي أنها ركن فجمع المصنف بينهما بهذا الجمع ويؤيد هذا الجمع ما في الكافي حيث قال إلا أن أبا يوسف يقول في التكبيرة الأولى معنيان معنى الافتتاح والقيام مقام ركعة ومعنى الافتتاح يترجح فيها ولهذا اختصت برفع اليدين اهـ ثم في تعقب الشيخين للكمال تأمل لأنه لا يجوز بناء الفرض على تحريمه النفل أو فرض آخر مع أنها شرط لا ركن وفي السيد نقلا عن حاشية المؤلف أفضل صفوفها آخرها وفي غيرها أولها إظهارا للتواضع لتكون شفاعته أدعى إلى القبول اهـ ومثله في القنية ونقله ابن ملك في شرح الوقاية عن الكرماني اهـ قلت وينظر فيه بإطلاق ما صح في مسلم وغيره عنه ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها" وإظهار التواضع لا يتوقف على التأخر لأن كونها أقرب إلى الإجابة إنما هو بالتحقق بالتواضع والخضوع وذلك بالمنحة الربانية لا بالتأخر قطعا فيعمل بالإطلاق ما لم يوجد له مخصص صحيح كذا بحثه بعض الأذكياء وقد علمت ما نصه أهل المذهب على أنه قد يقال إن الظاهر عنوان الباطن قوله: "أولها إسلام الميت" إما بنفسه أو بإسلام أحد أبويه أو بتبعية الدار وإذا استوصف البالغ الإسلام ولم يصفه ومات لا يصلى عليه حموي كذا في شرح السيد قوله: "لأنها شفاعة الخ" ولقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ [التوبة: ٨٤] كذا في الشرح قوله: "والثاني طهارته" عن نجاسة حكمية وحقيقية في البدن فلا تصح على من لم يغسل ولا على من عليه نجاسة وهذا الشرط عند الإمكان فلو دفن بلا غسل ولم يمكن إخراجه إلا بالنبش سقط الغسل وصلي على قبره بلا غسل للضرورة بخلاف ما إذا لم يهل عليه التراب بعد فإنه يخرج ويغسل ولو صلي
стр. 629
"و" الرابع " حضوره أو حضور أكثر بدنه أو نصفه مع رأسه" والصلاة على النجاشي كانت بمشهده كرامة له ومعجزة للنبي ﷺ "و" الخامس "كون المصلي عليها غير راكب" وغير قاعد "بلا عذر" لأن القيام فيها ركن فلا يترك بلا عذر "و" السادس "كون الميت" موضوعا
ــ.
عليه بلا غسل جهلا أو نسيانا ثم دفن ولا يخرج إلا بالنبش أعيدت على قبره استحسانا لفساد الأولى ويشترط طهارة الكفن إلا إذا شق ذلك لما في الخزانة أنه أن تنجس الكفن بنجاسة الميت لا يضر دفعا للحرج بخلاف الكفن المتنجس ابتداء اهـ قوله: "وطهارة مكانه" قال في القنية الطهارة من النجاسة في الثوب والبدن والمكان وستر العورة شرط في حق الإمام يعني المصلي والميت جميعا اهـ وفي السيد وأما مكانه أي إذا كان نجسا فإن كان الميت على الجنازة تجوز الصلاة وإن كان على الأرض ففي الفوائد يجوزو جزم في القنية بعدمه اهـ نهر وجه الجواز أن الكفن حائل بين الميت والنجاسة ووجه عدمه أن الكفن تابع فلا يعد حائلا ثم المراد بالمكان الذي يشترط طهارته أما الجنازة أو الأرض إن لم يكن جنازة والحاصل أن طهارة الأرض إنما تشترط على ما في القنية إذا وضع الميت بدون جنازة أما بها فعدم اشتراط طهارة الأرض متفق عليه ولو صلى الإمام بلا طهارة والقوم بها أعيدت لعدم انعقاد صلاة الجميع وبعكسه لا لسقوط الفرض بصلاة الإمام ولو أم فيها صبي ينبغي أن لا يجوز كما في جامع أحكام الصغار بخلاف ما لو رد السلام فإنه يسقط عن الباقين عند البعض ولو أحدث الإمام فاستخلف غيره فيها جاز هو الصحيح ولو افترش نعليه وقام عليهما جاز فلا يضر نجاسة ما تحتهما لكن لا بد من طهارة نعليه مما يلي الرجل لا مما يلي الأرض ووقتها وقت حضورها ولذا قدمت على سنة المغرب ولو صلوا لغير قبله إن بتحر صحت ولو وضعوا الرأس موضع الرجلين صحت لاستجماع شرائط الجواز وأساؤا إن تعمدوا لتغيير هم السنة المتواترة كما في البدائع قوله: "والثالث تقدمه أمام القوم" الأولى تقديمه لأن المخاطب به الإحياء وهم فاعلوا لتقديم فلو خلفهم لا تصح لأنه كالإمام من وجه لا من كل وجه بدليل صحتها على الصبي اهـ من السيد موضحا قوله: "والصلاة على النجاشي" بفتح النون وكسرها واقتصر السيد في شرحه على الفتح لقب لملك الحبشة واسمه أصحمة ومعناه بالعربية عطية الله قوله: "كانت بمشهده" أي بمشهد النبي ﷺ أي بمكان رآه وشاهده فيه ﷺ فرفع له سريره حتى رآه بحضرته فتكون صلاة من خلفه على ميت يراه الإمام دون المأمومين وهذا غير مانع من الاقتداء أو أنها خصوصية للنجاشي أو أن المراد بالصلاة الدعاء لا الصلاة المخصوصة ومثل ما ذكر ويقال في صلاته ﷺ على زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب حين استشهد بموتة قال في البحر وقد أثبت كلا من الأولين بالدليل الكمال في الفتح وأخرج الطبراني وابن سعد في الطبقات أن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ بتبوك فقال: يا رسول الله إن معاوية بن معاوية مات بالمدينة أتحب أن
стр. 630
"على الأرض" لكونه كالإمام من وجه "فإن كان على دابة أو على أيدي الناس لم تجز الصلاة على المختار إلا" إن كان "من عذر" كما في التبيين "وسننها أربع" الأولى "قيام الإمام بحذاء" صدر "الميت ذكرا كان" الميت "أو أنثى" لأنه موضع القلب ونور الإيمان "و" الثانية "الثناء
ــ.
أطوي لك الأرض فتصلي عليه قال نعم فضرب بجناحه على الأرض فرفع له سريره فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك ثم رجع فقال ﷺ لجبريل: "بم أدرك هذا" قال: بحبه سورة قل هو الله أحد وقراءته إياها جاثيا وذاهبا وقائما وقاعدا وعلى كل حال اهـ وفي القهستاني والبعد عن الإمام غير مفسد كالبعد بالنهر وفيه خلاف كما في المنية قوله: "بلا عذر" أما بالعذر فتصبح كما إذا كان مريضا ولو إماما فصلى قاعدا والناس خلفه قياما أجزأه عندهما لا عند محمد بناء على الخلاف في صحة اقتداء القائم بالقاعد وعدمها ولا فرق في المصلي قاعدا بعذر بين كونه وليا أو لا لأن كون الولي له حق التقدم لا يمنع سقوط الفرض بغيره ولو بدون إذنه وإنما الولي له حق الإعادة وحينئذ فلا فرق في سقوط الفرض بصلاة غير الولي بين أن يكون قائما أو قاعدا لعذر أفاده بعض الحذاق رادا على السيد فيما ذكره قوله: "والسادس كون الميت موضوعا على الأرض" الظاهر أن اشتراط وضعه بالنسبة للمدرك الذي لم يفته شيء من التكبير خلف الإمام أما المسبوق ففي كون الوضع شرطا له أيضا خلاف ولهذا قالوا: إذا رفعت قبل أن يقضي ما عليه من التكبير فإنه يأتي به ما لم يتباعد على قول ذكره السيد وعلى المشهور أنه يأتي به تترا بلا دعاء إن خشي رفع الميت على الأعناق كما يأتي للمصنف قوله: "إلا من عذر" كأن كان بالأرض وحل لا يتأتى وضع الميت عليها.
تنبيه: قال في الدوربقي من الشروط بلوغ الإمام اهـ وبقي منها أن يحاذي الإمام جزأ من الميت كما في القهستاني والسراج قلت الظاهر أن هذا فيما إذا لم تكثر الموتى إذ عند كثرتها يجوز أن يجعلها صفا واحدا ويقوم عند أفضلهم وبقي من الشروط ستر عورته فقط وإن كان الفرض في الكفن ستر جميع البدن لأن هذا من حيث الصلاة عليه وذاك من حيث تكريمه وأداء حقه كذا قاله بعض الأفاضل قوله: "وسننها أربع الخ" الأولى أن يذكر الواجب قبل السنن وهو التسليم مرتين بعد الرابعة كما ذكره بعد قوله: "بحذاء صدر الميت" هو المختار وقيل يقوم للرجل بحذاء رأسه لأنه معدن العقل وقيل يقوم بحذاء الوسط منهما قوله: "ذكرا كان الميت أو أنثى" فيه إشارة إلى أنه لا فرق فيما ذكر بين الصغير والكبير كما في السيد قوله: "ونور الأيمان" بالجر أي وموضع نور الإيمان وعبارة الشرح أولى حيث قال لأن الصدر موضع القلب وفيه نور الإيمان فيكون القيام عنده إشارة إلى الشفاعة لإيمانه وهذا ظاهر الرواية وهو بيان الاستحباب كما سبق فلو وقف في غيره أجزأه كذا في البحر عن كافي الحاكم اهـ والأفضل أن تكون الصفوف ثلاثة حتى لو كانوا ستة اصطف ثلاثة ثم
стр. 631
بعد التكبيرة الأولى" وهو سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره وجاز قراءة الفاتحة يقصد الثناء كذا نص عليه عندنا وفي البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: "لتعلموا أنه من السنة" وصححه الترمذي وقد قال أئمتنا بأن مراعاة الخلاف مستحبة وهي فرض عند الشافعي رحمه الله تعالى فلا مانع من قصد القرآنية بها خروجا من الخلاف وحق الميت "و" الثالثة "الصلاة على النبي ﷺ بعد" التكبيرة "الثانية"
ــ.
اثنان ثم واحد قال ﷺ : "من اصطف عليه ثلاثة صفوف من المسلمين غفر له" اهـ من السيد فقد جعل الواحد صفا وهل الحكم كذلك فيما إذا كانوا ثلاثة فيجعل كل واحد صفا يحرر وسيأتي ما ذكره السيد للمؤلف قوله: "وهو سبحانك اللهم وبحمدك الخ" قال في سكب الأنهر والأولى ترك وجل ثناؤك إلا في صلاة الجنازة اهـ قوله: "وفي البخاري عن ابن عباس الخ" قال في شرح المشكاة ليس هذا من قبيل قول الصحابي من السنة كذا فيكون في حكم المرفوع كما توهمه ابن حجر اهـ وفي العيني على البخاري وأجاب عنه الطحاوي بأن قراءة الفاتحة من الصحابة لعلها كانت على وجه الدعاء لا على وجه التلاوة وقد قال مالك قراءة الفاتحة ليس معمولا بها في بلدنا في صلاة الجنازة اهـ قوله: "وقد قال أئمتنا بأن مراعاة الخلاف مستحبة الخ" فيه نظر إذ ما ذكره من استحباب مراعاة الخلاف ليس على إطلاقه بل مقيد بما إذ لم يلزم عليه ارتكاب مكروه مذهبه فكان الاعتماد على ما هو مصرح به في كتب المذهب كالمحيط والتجنيس والولوالجية وغيرها من أن قراءتها بنية القراءة لا تجوز معللا بإنها محل الدعاء دون القراءة كذا في السيد مختصرا قوله: "فلا مانع من قصد القرآنية الخ" فيه أنهم صرحوا بعدم الجواز فتكون مكروهة تحريما ولا تتأدى به السنة فكيف يطلب منه تلاوتها بقصد القرآنية.
فائدة: روي أنه ﷺ لما غسل وكفن ووضع على السرير دخل أبو بكر وعمر وهما في الصف حيال رسول الله ﷺ ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار بقدر ما يسع البيت فقالا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وسلم المهاجرون والأنصار كما سلم أبو بكر وعمر ثم قالا اللهم إنا نشهد أنه بلغ ما أنزل إليه ونصح لأمته وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته وأومن به وحده لا شريك له فاجعلنا الهنا ممن يتبع القول الذي معه وأجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به فإنه كان بالمؤمنين رؤفا رحيما لا يبتغي بالإيمان بدلا ولا يشتري به ثمنا أبدا والناس يقولون آمين ويخرجون ويدخل آخرون حتى صلى الرجال والنساء ثم الصبيان وقد قيل إنهم صلوا من بعد الزوال يوم الأثنين إلى مثله من يوم الثلاثاء وقيل إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه وهذا الصنيع وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد أمر مجمع عليه لا خلاف فيه اهـ من السيد عن الخصائص قوله: "وحق الميت" قديقال إن حق الميت في الدعاء لا في القراءة
стр. 632
اللهم صل على محمد وآل محمد إلى آخره "و" الرابعة من السنن "الدعاء للميت" ولنفسه وجماعة المسلمين "بعد" التكبيرة "الثالثة ولا يتعين له" أي الدعاء "شيء" سوى كونه بأمور الآخرة "و" لكن "إن دعا بالمأثور" عن النبي ﷺ "فهو أحسن وأبلغ" لرجاء قبوله "ومنه ما حفظ عوف" بن مالك "من دعاء النبي ﷺ " لما صلى معه على جنازة "اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينق الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله
ــ
قوله: "اللهم صل على محمد الخ" يعني صلاة التشهد وهو أولى مما في الجلابي أنه يصلى بما يحضره والأولى أنه يصلى بعد الدعاء أيضا فقد أخرج أحمد والبراز وأبو يعلى والبيهقي في الشعب عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوني كقدح الراكب فإن الراكب يملأ قدحه ثم يضعه ويرفع متاعه فإن احتاج إلى شرابه شربه أو الوضوء توضأ به إلا أهراقه ولكن اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه وآخره" وما في السيد عن الجوهرة ومثله في السراج من حديث الأعمال موقوفة والدعوات محبوسة حتى يصلى علي أولا وآخرا اهـ قال بعض الفضلاء لم يوجد هذا اللفظ في المرفوع ومعناه صحيح لما ذكر من الحديث السابق قوله: "ولنفسه" ولوالديه المؤمنين كما في النهر ولكنه يقدم نفسه على الميت لأن من سنة الدعاء أن يبدأ فيه بنفسه كما نطق به القرآن في عدة مواضع كذا في السراج ولقوله ﷺ : "إبدأ بنفسك" الحديث وليس الدعاء من أركانها على التحقيق قوله: "ولا يتعين له شيء" لأن التعيين يذهب رقة القلب كذا في التبيين قوله: "سوى كونه بأمور الآخرة" فلو دعا بأمور الدنيا إن كان مما يستحيل طلبه لا تفسد إلا أنه لا يكون آتيا بالسنة وإن لم يستحل أفسدها كما تقتضيه القواعد قوله: "بالمأثور" أي المنقول قوله: "فهو أحسن" أي لما فيه من الاتباع قوله: "وعافه" أي من العذاب ونحوه قوله: "واعف عنه" أي ما ارتكبه من الذنوب قوله: "وأكرم نزوله" النزل ما يهيأ للضيف أي اجعل نزله كريما أي عظيما وهو يرجع إلى تكثير الثواب أو إلى نعيم القبر وفي نسخة منزله قوله: "مدخله" أي قبره قوله: "واغسله بالماء" هذا كناية عن تطهيره من الذنوب بالكلية والإحسان إليه بما يذهب عنه هم الدنيا وما اقترفه فيها وفي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه الميت بثوب يغسل وطوى أركان التشبيه ما عدا المشبه وذكر الغسل تخييل والماء والبرد والثلج ترشيح ويحتمل أنه استعارة تمثيلية شبه فيها هيئة تطهير الميت من الذنوب تطهيرا بليغا بهيئة غسله من الأوساخ الحسية بمطهرات عديدة واستعمل التركيب الموضوع للمشبه به في المشبه قوله: "ونقه من الخطايا" يرجع إلى ما قبله والمقام للدعاء فيطلب فيه بسط القول قوله: "وأهلا خيرا من أهله" إن كان المراد بالأهل الزوج فالعطف للتفسير وإن كان المراد به ملائكة الرحمة أو المجاورين له من أموات المسلمين أو من سكان الجنة فالعطف للمغايرة
стр. 633
وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار" قال عوف ﵁ حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت رواه مسلم والترمذي والنسائي وفي الأصل روايات أخرى "ويسلم" وجوبا "بعد" التكبيرة "الرابعة من غير دعاء" بعدها "في ظاهر الرواية" واستحسن بعض المشايخ أن يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة الخ أو ربنا لا تزغ قلوبنا الخ وينوي بالتسليمتين الميت مع القوم كما ينوي الإمام ولا ينبغي أن يرفع صوته بالتسليم فيها كما يرفع في سائر الصلوات ويخافت بالدعاء ويجهر بالتكبير "ولا يرفع يديه بغير التكبيرة الأولى" في ظاهر الرواية وكثير من مشايخ بلخ اختاروا الرفع بكل تكبيرة كما كان
ــ
قوله: "وفي الأصل روايات أخر" منها ما رواه أبو حنيفة في مسنده من حديث أبي هريرة اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وذكرنا وأنثانا وصغيرنا وكبيرنا وزاد أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان وفي رواية اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيآته اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده اهـ قلت وإن جمع بين ذلك كله فحسن وفي الشرح أدعية أخرى غير ما ذكر وخص الإيمان بالموت لأن الإسلام وهو الانقياد الظاهري غير موجود فيه قوله: "وصغيرنا" أي الصغير من الذنوب والكبير منها أو أن المغفرة لا تقتضي سبق ذنب وقال في السراج ومن لا يحسن الدعاء يقول اللهم اغفر لنا وله وللمؤمنين والمؤمنات أو يقول ما تيسر عليه وفي مجمع الأنهر وإن كان الميت مأنثا أنث الضمائر الراجعة إليه اهـ قوله: "وينوي بالتسليمتين الميت مع القوم" وجزم في الظهيرية بأنه لا ينوي الميت ومثله لقاضيخان وفي الجوهرة قال في البحر وهو الظاهر لأن الميت لا يخاطب بالسلام لأنه ليس أهلا للخطاب قال بعض الفضلاء وفيه نظر لأنه ورد أنه ﷺ كان يسلم على أهل القبور اهـ على أن المقصود منه الدعاء لا الخطاب قوله: "ولا ينبغي أن يرفع صوته بالتسليم فيها" قال الزيلعي ويخافت في الكل إلا في التكبير ومشايخ بلخ قالوا: السنة أن يسمع كل صف الصف الذي بعده وعن أبي يوسف أنه لا يجهر كل الجهر ولا يسر كل الأسرا رحموي عن الظهيرية كذا في السيد وروى الإمام محمد في موطئه عن مالك حدثنا نافع أن ابن عمر كان إذا صلى على جنازة سلم حتى يسمع من يليه قال محمد وبهذا نأخذ فيسلم عن يمينه ويساره ويسمع من يليه وهو قول أبي حنيفة قال شارحه المنلا علي فقول الشمني غير رافع بهما صوته ليس في محله أو محمول على غير الإمام أو على المبالغة اهـ قوله: "في ظاهر الرواية" وهو الصحيح نهر عن المبسوط لما روى الدارقطني عن ابن عباس وأبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا صلى على جنازة رفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود ولأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة وغير الركعة الأولى لا رفع فيها فكذا تكبيرات الجنازة وقالوا: يفسدها ما يفسد الصلاة وتكره في الأوقات المكروهة فلو صلوا فيها
стр. 634
يفعله ابن عمر ﵄ "ولو كبر الإمام خمسا لم يتبع" لأنه منسوخ "ولكن ينتظر سلامه في المختار" ليسلم معه في الأصح وفي رواية يسلم المأموم كما كبر إمامه الزائدة ولو سلم الإمام يعد الثالثة ناسيا كبر الرابعة ويسلم "ولا يستغفر لمجنون أو صبي" إذ لا ذنب لهما "ويقول" في الدعاء "اللهم اجعله لنا فرطا" الفرط بفتحتين الذي يتقدم الإنسان من ولده أي أجرا
ــ.
ارتكبوا النهي ولا إعادة عليهم كما في الفتح والبحر وتكره وقت الخطبة كما في المضمرات ويكره تأخيرها إلى ذلك الوقت ليجتمع عليها الناس كذا في ابن أمير حاج قوله: "كما كان يفعله ابن عمر ﵄" الرواية عنه مضطربة فإنه روي عنه وعن علي أنهما قالا لا يرفع إلا عند تكبيرة الافتتاح ولئن صحت فلا تعارض فعل النبي ﷺ كما في الفتح والتبيين والحلبي والشمني.
قوله: "لأنه منسوخ" ولا متابعة في المنسوخ كقنوت الفجر لأن التكبير أربعا آخر فعله ﷺ واستقر عليه إجماع الصحابة قوله: "ولكن ينتظر سلامه في المختار" لأن البقاء في حرمة الصلاة بعد الفراغ منها ليس بخطأ إنما الخطأ في المتابعة نهر بخلاف العيد إذا زاد على ثلاث تكبيرات فإنه يتبع لأنه مجتهد فيه ولو جاوز حد الاجتهاد لا يتابع والخلاف فيما إذا سمع التكبير من الإمام فلو من المبلغ تابعه إجماعا حموي وينوي الافتتاح بكل تكبيرة تزيد على الأربع كما في العيد نهر لاحتمال شروعه قبل الإمام اهـ من السيد ملخصا قوله: "كما كبر" استعمل الكاف في المفاجأة أي يكبر إذا انتقل إمامه إلى الزائدة وبالأول يفتى قوله: "كبر" أي الإمام الرابعة ويسلم ولم يبينوا هل يجب عليه سجود السهو ويحتمل أن الضمير راجع إلى المأموم وهو بعيد لأن الإمام إذا اقتصر على ثلاثة فسدت فيما يظهر وإذا فسدت على الإمام فسدت على المأموم لترك ركن من أركانها قوله: "ولا يستغفر لمجنون" قال البرهان الحلبي ينبغي أن يقيد بالأصلي لأنه لم يكلف بخلاف العارض فإنه قد كلف وعروض الجنون لا يمحو ما قبله بل هو كسائر الأمراض اهـ ويدل عليه تعليل الشرح بقوله إذ لا ذنب لهما قوله: "ويقول في الدعاء الخ" أي بعد تمام قوله ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان كما في الحلبي والتنوير وغيرهما قوله: "أي أجرا متقدما" تبع فيه مسكينا والعيني وغيرهما ورده في البحر بلزوم التكرار في قوله واجعله لنا أجرا فالأولى كما في السراج أن يقال سابقا مهيئا مصالحنا في الجنة وهو دعاء للصبي أيضا بتقدمه في الخير لا سيما وقد قالوا: حسنات الصبي له لا لأبويه بل لهما ثواب التعليم قلت تهيئة المصالح في الجنة من الأجر المتقدم والتكرار لا يضر لأن المقام يطلب فيه ذلك كما مر نظيره في دعاء عوف بن مالك ثم إن جعل الصبي فرطا لكل المصلين لا يظهر لأنه إنما هو فرط لوالديه ونحوهم فقط وكذلك يقال في جعله أجرا وأجيب بأن هذا مطلوب من الوالد لأن حق التقدم له ورد بأن هذا الدعاء مطلوب من كل مصل وقد يكون الوالد جاهلا لا يتقدم أو ميتا على أن رتبة الوالدين متأخرة
стр. 635
متقدما "واجعله لنا أجرا" أي ثوابا "وذخرا" بضم الذال المعجمة وسكون الخاء المعجمة الذخيرة "واجعله لنا شافعا مشفعا" بفتح الفاء مقبول الشفاعة
ــ
عن غيرهما من الولاة وقد يقال أن المصلي بسعيه وصلاته وتعزيته يكتب له أجر فجعل الصبي أجرا أي سببا في الأجر ظاهر لكل مصل وإذا كان الفرط بمعنى الأجر فالأمر ظاهر إذ يقال في الفرط ما قيل في الأجر وإن كان الفرط هو المتقدم المهيىء للمصالح لا بقيد الوالدين يكون ظاهرا أيضا قوله: "أي ثوابا" أفاد أن الأجر والثواب مترادفان وقيل الثواب هو الحاصل بأصول الشرع والأجر هو الحاصل بالمكملات لأن الثواب لغة بدل العين والأجر بدل المنفعة وهي تابعة للعين ولا ينكر إطلاق أحدهما على الآخر قوله: "الذخيرة" هي ما أعد لوقت الحاجة وهو معنى قولهم في تفسيرها خيرا باقيا قوله: "واجعله لنا شافعا" اسم فاعل من شفع الثلاثي وهو الذي يشفع لغيره قوله: "مشفعا" بتشديد الفاء المفتوحة اسم مفعول من شفع المضعف العين قوله: "مقبول الشفاعة" وفي العيني هو الذي يجعل شفيعا ولا شك أن إذنه تعالى بالشفاعة يستلزم قبولها وفي المفيد يدعو لوالديه أي والدي الصغير وقيل يقول اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما اللهم اجعله في كفالة إبراهيم وألحقه بصالحي المؤمنين قال في البحر ولم أر من صرح بأنه يدعى لسيد العبد الميت وينبغي أن يدعي له فيها كما يدعي للميت وفي ابن أمير حاج عن المبتغى بالمعجمة ويستحب أن يرفع يديه عند الدعاء بحذاء صره ثم يكبر رابعة اهـ وفي تخريج الهداية روى أصحاب السنن عن المغيرة قال قال رسول الله ﷺ السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة وفي رواية بالعافية والرحمة الحديث وصححه الترمذي والحاكم وقالوا: أن الألم بالغم والهم والحسرة والوحشة والضغطة تعم الأطفال وغيرهم والله أعلم وأستغفر الله العظيم.