بعد التكبيرة الأولى" وهو سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره وجاز قراءة الفاتحة يقصد الثناء كذا نص عليه عندنا وفي البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: "لتعلموا أنه من السنة" وصححه الترمذي وقد قال أئمتنا بأن مراعاة الخلاف مستحبة وهي فرض عند الشافعي رحمه الله تعالى فلا مانع من قصد القرآنية بها خروجا من الخلاف وحق الميت "و" الثالثة "الصلاة على النبي ﷺ بعد" التكبيرة "الثانية"
ــ.
اثنان ثم واحد قال ﷺ : "من اصطف عليه ثلاثة صفوف من المسلمين غفر له" اهـ من السيد فقد جعل الواحد صفا وهل الحكم كذلك فيما إذا كانوا ثلاثة فيجعل كل واحد صفا يحرر وسيأتي ما ذكره السيد للمؤلف قوله: "وهو سبحانك اللهم وبحمدك الخ" قال في سكب الأنهر والأولى ترك وجل ثناؤك إلا في صلاة الجنازة اهـ قوله: "وفي البخاري عن ابن عباس الخ" قال في شرح المشكاة ليس هذا من قبيل قول الصحابي من السنة كذا فيكون في حكم المرفوع كما توهمه ابن حجر اهـ وفي العيني على البخاري وأجاب عنه الطحاوي بأن قراءة الفاتحة من الصحابة لعلها كانت على وجه الدعاء لا على وجه التلاوة وقد قال مالك قراءة الفاتحة ليس معمولا بها في بلدنا في صلاة الجنازة اهـ قوله: "وقد قال أئمتنا بأن مراعاة الخلاف مستحبة الخ" فيه نظر إذ ما ذكره من استحباب مراعاة الخلاف ليس على إطلاقه بل مقيد بما إذ لم يلزم عليه ارتكاب مكروه مذهبه فكان الاعتماد على ما هو مصرح به في كتب المذهب كالمحيط والتجنيس والولوالجية وغيرها من أن قراءتها بنية القراءة لا تجوز معللا بإنها محل الدعاء دون القراءة كذا في السيد مختصرا قوله: "فلا مانع من قصد القرآنية الخ" فيه أنهم صرحوا بعدم الجواز فتكون مكروهة تحريما ولا تتأدى به السنة فكيف يطلب منه تلاوتها بقصد القرآنية.
فائدة: روي أنه ﷺ لما غسل وكفن ووضع على السرير دخل أبو بكر وعمر وهما في الصف حيال رسول الله ﷺ ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار بقدر ما يسع البيت فقالا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وسلم المهاجرون والأنصار كما سلم أبو بكر وعمر ثم قالا اللهم إنا نشهد أنه بلغ ما أنزل إليه ونصح لأمته وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته وأومن به وحده لا شريك له فاجعلنا الهنا ممن يتبع القول الذي معه وأجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به فإنه كان بالمؤمنين رؤفا رحيما لا يبتغي بالإيمان بدلا ولا يشتري به ثمنا أبدا والناس يقولون آمين ويخرجون ويدخل آخرون حتى صلى الرجال والنساء ثم الصبيان وقد قيل إنهم صلوا من بعد الزوال يوم الأثنين إلى مثله من يوم الثلاثاء وقيل إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه وهذا الصنيع وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد أمر مجمع عليه لا خلاف فيه اهـ من السيد عن الخصائص قوله: "وحق الميت" قديقال إن حق الميت في الدعاء لا في القراءة
стр. 632
اللهم صل على محمد وآل محمد إلى آخره "و" الرابعة من السنن "الدعاء للميت" ولنفسه وجماعة المسلمين "بعد" التكبيرة "الثالثة ولا يتعين له" أي الدعاء "شيء" سوى كونه بأمور الآخرة "و" لكن "إن دعا بالمأثور" عن النبي ﷺ "فهو أحسن وأبلغ" لرجاء قبوله "ومنه ما حفظ عوف" بن مالك "من دعاء النبي ﷺ " لما صلى معه على جنازة "اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينق الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله
ــ
قوله: "اللهم صل على محمد الخ" يعني صلاة التشهد وهو أولى مما في الجلابي أنه يصلى بما يحضره والأولى أنه يصلى بعد الدعاء أيضا فقد أخرج أحمد والبراز وأبو يعلى والبيهقي في الشعب عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوني كقدح الراكب فإن الراكب يملأ قدحه ثم يضعه ويرفع متاعه فإن احتاج إلى شرابه شربه أو الوضوء توضأ به إلا أهراقه ولكن اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه وآخره" وما في السيد عن الجوهرة ومثله في السراج من حديث الأعمال موقوفة والدعوات محبوسة حتى يصلى علي أولا وآخرا اهـ قال بعض الفضلاء لم يوجد هذا اللفظ في المرفوع ومعناه صحيح لما ذكر من الحديث السابق قوله: "ولنفسه" ولوالديه المؤمنين كما في النهر ولكنه يقدم نفسه على الميت لأن من سنة الدعاء أن يبدأ فيه بنفسه كما نطق به القرآن في عدة مواضع كذا في السراج ولقوله ﷺ : "إبدأ بنفسك" الحديث وليس الدعاء من أركانها على التحقيق قوله: "ولا يتعين له شيء" لأن التعيين يذهب رقة القلب كذا في التبيين قوله: "سوى كونه بأمور الآخرة" فلو دعا بأمور الدنيا إن كان مما يستحيل طلبه لا تفسد إلا أنه لا يكون آتيا بالسنة وإن لم يستحل أفسدها كما تقتضيه القواعد قوله: "بالمأثور" أي المنقول قوله: "فهو أحسن" أي لما فيه من الاتباع قوله: "وعافه" أي من العذاب ونحوه قوله: "واعف عنه" أي ما ارتكبه من الذنوب قوله: "وأكرم نزوله" النزل ما يهيأ للضيف أي اجعل نزله كريما أي عظيما وهو يرجع إلى تكثير الثواب أو إلى نعيم القبر وفي نسخة منزله قوله: "مدخله" أي قبره قوله: "واغسله بالماء" هذا كناية عن تطهيره من الذنوب بالكلية والإحسان إليه بما يذهب عنه هم الدنيا وما اقترفه فيها وفي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه الميت بثوب يغسل وطوى أركان التشبيه ما عدا المشبه وذكر الغسل تخييل والماء والبرد والثلج ترشيح ويحتمل أنه استعارة تمثيلية شبه فيها هيئة تطهير الميت من الذنوب تطهيرا بليغا بهيئة غسله من الأوساخ الحسية بمطهرات عديدة واستعمل التركيب الموضوع للمشبه به في المشبه قوله: "ونقه من الخطايا" يرجع إلى ما قبله والمقام للدعاء فيطلب فيه بسط القول قوله: "وأهلا خيرا من أهله" إن كان المراد بالأهل الزوج فالعطف للتفسير وإن كان المراد به ملائكة الرحمة أو المجاورين له من أموات المسلمين أو من سكان الجنة فالعطف للمغايرة
стр. 633
وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار" قال عوف ﵁ حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت رواه مسلم والترمذي والنسائي وفي الأصل روايات أخرى "ويسلم" وجوبا "بعد" التكبيرة "الرابعة من غير دعاء" بعدها "في ظاهر الرواية" واستحسن بعض المشايخ أن يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة الخ أو ربنا لا تزغ قلوبنا الخ وينوي بالتسليمتين الميت مع القوم كما ينوي الإمام ولا ينبغي أن يرفع صوته بالتسليم فيها كما يرفع في سائر الصلوات ويخافت بالدعاء ويجهر بالتكبير "ولا يرفع يديه بغير التكبيرة الأولى" في ظاهر الرواية وكثير من مشايخ بلخ اختاروا الرفع بكل تكبيرة كما كان
ــ
قوله: "وفي الأصل روايات أخر" منها ما رواه أبو حنيفة في مسنده من حديث أبي هريرة اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وذكرنا وأنثانا وصغيرنا وكبيرنا وزاد أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان وفي رواية اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيآته اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده اهـ قلت وإن جمع بين ذلك كله فحسن وفي الشرح أدعية أخرى غير ما ذكر وخص الإيمان بالموت لأن الإسلام وهو الانقياد الظاهري غير موجود فيه قوله: "وصغيرنا" أي الصغير من الذنوب والكبير منها أو أن المغفرة لا تقتضي سبق ذنب وقال في السراج ومن لا يحسن الدعاء يقول اللهم اغفر لنا وله وللمؤمنين والمؤمنات أو يقول ما تيسر عليه وفي مجمع الأنهر وإن كان الميت مأنثا أنث الضمائر الراجعة إليه اهـ قوله: "وينوي بالتسليمتين الميت مع القوم" وجزم في الظهيرية بأنه لا ينوي الميت ومثله لقاضيخان وفي الجوهرة قال في البحر وهو الظاهر لأن الميت لا يخاطب بالسلام لأنه ليس أهلا للخطاب قال بعض الفضلاء وفيه نظر لأنه ورد أنه ﷺ كان يسلم على أهل القبور اهـ على أن المقصود منه الدعاء لا الخطاب قوله: "ولا ينبغي أن يرفع صوته بالتسليم فيها" قال الزيلعي ويخافت في الكل إلا في التكبير ومشايخ بلخ قالوا: السنة أن يسمع كل صف الصف الذي بعده وعن أبي يوسف أنه لا يجهر كل الجهر ولا يسر كل الأسرا رحموي عن الظهيرية كذا في السيد وروى الإمام محمد في موطئه عن مالك حدثنا نافع أن ابن عمر كان إذا صلى على جنازة سلم حتى يسمع من يليه قال محمد وبهذا نأخذ فيسلم عن يمينه ويساره ويسمع من يليه وهو قول أبي حنيفة قال شارحه المنلا علي فقول الشمني غير رافع بهما صوته ليس في محله أو محمول على غير الإمام أو على المبالغة اهـ قوله: "في ظاهر الرواية" وهو الصحيح نهر عن المبسوط لما روى الدارقطني عن ابن عباس وأبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا صلى على جنازة رفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود ولأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة وغير الركعة الأولى لا رفع فيها فكذا تكبيرات الجنازة وقالوا: يفسدها ما يفسد الصلاة وتكره في الأوقات المكروهة فلو صلوا فيها
стр. 634
يفعله ابن عمر ﵄ "ولو كبر الإمام خمسا لم يتبع" لأنه منسوخ "ولكن ينتظر سلامه في المختار" ليسلم معه في الأصح وفي رواية يسلم المأموم كما كبر إمامه الزائدة ولو سلم الإمام يعد الثالثة ناسيا كبر الرابعة ويسلم "ولا يستغفر لمجنون أو صبي" إذ لا ذنب لهما "ويقول" في الدعاء "اللهم اجعله لنا فرطا" الفرط بفتحتين الذي يتقدم الإنسان من ولده أي أجرا
ــ.
ارتكبوا النهي ولا إعادة عليهم كما في الفتح والبحر وتكره وقت الخطبة كما في المضمرات ويكره تأخيرها إلى ذلك الوقت ليجتمع عليها الناس كذا في ابن أمير حاج قوله: "كما كان يفعله ابن عمر ﵄" الرواية عنه مضطربة فإنه روي عنه وعن علي أنهما قالا لا يرفع إلا عند تكبيرة الافتتاح ولئن صحت فلا تعارض فعل النبي ﷺ كما في الفتح والتبيين والحلبي والشمني.
قوله: "لأنه منسوخ" ولا متابعة في المنسوخ كقنوت الفجر لأن التكبير أربعا آخر فعله ﷺ واستقر عليه إجماع الصحابة قوله: "ولكن ينتظر سلامه في المختار" لأن البقاء في حرمة الصلاة بعد الفراغ منها ليس بخطأ إنما الخطأ في المتابعة نهر بخلاف العيد إذا زاد على ثلاث تكبيرات فإنه يتبع لأنه مجتهد فيه ولو جاوز حد الاجتهاد لا يتابع والخلاف فيما إذا سمع التكبير من الإمام فلو من المبلغ تابعه إجماعا حموي وينوي الافتتاح بكل تكبيرة تزيد على الأربع كما في العيد نهر لاحتمال شروعه قبل الإمام اهـ من السيد ملخصا قوله: "كما كبر" استعمل الكاف في المفاجأة أي يكبر إذا انتقل إمامه إلى الزائدة وبالأول يفتى قوله: "كبر" أي الإمام الرابعة ويسلم ولم يبينوا هل يجب عليه سجود السهو ويحتمل أن الضمير راجع إلى المأموم وهو بعيد لأن الإمام إذا اقتصر على ثلاثة فسدت فيما يظهر وإذا فسدت على الإمام فسدت على المأموم لترك ركن من أركانها قوله: "ولا يستغفر لمجنون" قال البرهان الحلبي ينبغي أن يقيد بالأصلي لأنه لم يكلف بخلاف العارض فإنه قد كلف وعروض الجنون لا يمحو ما قبله بل هو كسائر الأمراض اهـ ويدل عليه تعليل الشرح بقوله إذ لا ذنب لهما قوله: "ويقول في الدعاء الخ" أي بعد تمام قوله ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان كما في الحلبي والتنوير وغيرهما قوله: "أي أجرا متقدما" تبع فيه مسكينا والعيني وغيرهما ورده في البحر بلزوم التكرار في قوله واجعله لنا أجرا فالأولى كما في السراج أن يقال سابقا مهيئا مصالحنا في الجنة وهو دعاء للصبي أيضا بتقدمه في الخير لا سيما وقد قالوا: حسنات الصبي له لا لأبويه بل لهما ثواب التعليم قلت تهيئة المصالح في الجنة من الأجر المتقدم والتكرار لا يضر لأن المقام يطلب فيه ذلك كما مر نظيره في دعاء عوف بن مالك ثم إن جعل الصبي فرطا لكل المصلين لا يظهر لأنه إنما هو فرط لوالديه ونحوهم فقط وكذلك يقال في جعله أجرا وأجيب بأن هذا مطلوب من الوالد لأن حق التقدم له ورد بأن هذا الدعاء مطلوب من كل مصل وقد يكون الوالد جاهلا لا يتقدم أو ميتا على أن رتبة الوالدين متأخرة
стр. 635
متقدما "واجعله لنا أجرا" أي ثوابا "وذخرا" بضم الذال المعجمة وسكون الخاء المعجمة الذخيرة "واجعله لنا شافعا مشفعا" بفتح الفاء مقبول الشفاعة
ــ
عن غيرهما من الولاة وقد يقال أن المصلي بسعيه وصلاته وتعزيته يكتب له أجر فجعل الصبي أجرا أي سببا في الأجر ظاهر لكل مصل وإذا كان الفرط بمعنى الأجر فالأمر ظاهر إذ يقال في الفرط ما قيل في الأجر وإن كان الفرط هو المتقدم المهيىء للمصالح لا بقيد الوالدين يكون ظاهرا أيضا قوله: "أي ثوابا" أفاد أن الأجر والثواب مترادفان وقيل الثواب هو الحاصل بأصول الشرع والأجر هو الحاصل بالمكملات لأن الثواب لغة بدل العين والأجر بدل المنفعة وهي تابعة للعين ولا ينكر إطلاق أحدهما على الآخر قوله: "الذخيرة" هي ما أعد لوقت الحاجة وهو معنى قولهم في تفسيرها خيرا باقيا قوله: "واجعله لنا شافعا" اسم فاعل من شفع الثلاثي وهو الذي يشفع لغيره قوله: "مشفعا" بتشديد الفاء المفتوحة اسم مفعول من شفع المضعف العين قوله: "مقبول الشفاعة" وفي العيني هو الذي يجعل شفيعا ولا شك أن إذنه تعالى بالشفاعة يستلزم قبولها وفي المفيد يدعو لوالديه أي والدي الصغير وقيل يقول اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما اللهم اجعله في كفالة إبراهيم وألحقه بصالحي المؤمنين قال في البحر ولم أر من صرح بأنه يدعى لسيد العبد الميت وينبغي أن يدعي له فيها كما يدعي للميت وفي ابن أمير حاج عن المبتغى بالمعجمة ويستحب أن يرفع يديه عند الدعاء بحذاء صره ثم يكبر رابعة اهـ وفي تخريج الهداية روى أصحاب السنن عن المغيرة قال قال رسول الله ﷺ السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة وفي رواية بالعافية والرحمة الحديث وصححه الترمذي والحاكم وقالوا: أن الألم بالغم والهم والحسرة والوحشة والضغطة تعم الأطفال وغيرهم والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 636
فصل السلطان أحق بصلاته
لواجب تعظيمه "ثم نائبه" لأنه السنة "ثم القاضي" لولايته ثم
ــ.
فصل
بالتنوين قوله: "السلطان أحق بصلاته" المراد بالسلطان الخليفة قوله: "لواجب تعظيمه" أي لتعظيمه الواجب لأن في تقديم غيره عليه إهانته قوله: "ثم نائبه" أي نائب الخليفة في أحكام السياسة وهو أمير البلدة كما في الدرر ويجب تقديمه ولا ينافيه قوله لأنه السنة لأن المراد بها في كلامه الطريقة المعهودة في الدين قوله: "لأنه السنة" أي لأن تقديم النائب
стр. 637
صاحب الشرط ثم خليفة الوالي ثم خليفة القاضي "ثم إمام الحي" لأنه رضيه في حياته فهو أولى من الولي في الصحيح "ثم الولي" الذكر المكلف فلا حق للمرأة والصغير والمعتوه وهو قليل العقل ويقدم الأقرب فالأقرب كترتيبهم في النكاح ولكن يقدم الأب على الابن في قول الكل على الصحيح لفضله وقال شيخ مشايخي العلامة نور الدين علي المقدسي ﵏
ــ
هو السنة أي علم منها فقد قدم الحسين سعيد بن العاص ليصلي على جنازة أخيه الحسن وكان سعيد حينئذ واليا على المدينة فقال له الحسين: تقدم ولولا السنة ما قدمتك أفاده في الشرح قوله: "لولايته" لأنه نائب الخليفة أيضا في الأحكام الشرعية وولايته عامة كما في مجمع الأنهر قوله: "ثم صاحب الشرط" قال في الدرر من باب الجمعة الشرط بفتح الشين والراء بمعنى العلامة وهو معنى صاحب الشرط الذي يقال له الشحنة سمي بذلك لأن له علامة تميزه اهـ قوله: "ثم خليفة الوالي" قال في النهر وزاد الزيلعي عن نص الإمام كما هو رواية الحسن عنه بعد صاحب الشرط خليفة الوالي ثم خليفة القاضي وجزم به في الفتح والحاصل أن تقديم الولاة واجب وتقديم إمام الحي مندوب فقط اهـ وفي مجمع الأنهر عن الإصلاح تقديم السلطان واجب إذا حضر وتقديم الباقي بطريق الأفضلية اهـ وهذا يخالف ما تقدم إلا أن يحمل السلطان على من له سلطنة وولاية عامة كما ذكرنا ويراد بالباقي إمام المسجد الجامع وإمام الحي أفاده بعض الأذكياء قوله: "ثم خليفة القاضي" لأنه يقوم مقام القاضي كما أن خليفة الوالي وهو صاحب الشرط فيما يظهر قائم مقامه قوله: "ثم إمام الحي" المراد به إمام مسجد محلته لكن بشرط أن يكون أفضل من الولي وإلا فالولي أولى منه كما في النهر وفي الشرح والصلاة في الأصل حق الأولياء لقربهم إلا أن الإمام والسلطان يقدمان لعارض الإمامة العظمى والسلطنة فإن في التقدم عليهما ازدراء وفساد أمر المسلمين فيتحاشى عن ذلك الفساد فيجب تقديم من له حكم عام وأما إمام الحي فيستحب تقديمه على طريق الأفضلية وليس بواجب كما في المستصفى قوله: "لأنه رضيه الخ" قال البرهان الحلبي على هذا لو علم أنه كان غير راض به حال حياته ينبغي أن لا يستحب تقديمه اهـ قوله: "في الصحيح" وقال أبو يوسف ولي الميت أولى لأن هذا حكم يتعلق بالولاية كالإنكاح ذكره السيد قوله: "الولي" على من دونه لأن الولاية له في الحقيقة كغسله وتكفينه إذ هو أقرب الناس إليه والمعتبر في تقديم الأولياء ترتيب عصوبة الإنكاح فتقدم البنوة ثم الأبوة ثم الأخوة ثم العمومة برهان وتقدم بنو الأعيان على بني العلات كما في الشمني وإلى ذلك أشار المؤلف بقوله كترتيبهم في النكاح قوله: "ولكن يقدم الأب على الابن" أي وجوبا كما أخذه السيد من تعليل القدوري بأن في تقديم الابن استخفافا بالأب قوله: "على الصحيح" وقيل هو قول محمد وعندهما الابن أولى وعلى غير الصحيح جرى محمد على الأصل والفرق لهما بين الإنكاح وصلاة الجنازة أن للأب فضيلة على الابن والفضيلة تعتبر ترجيحا في
стр. 638
تعالى: لتقديم الأب وجه حسن وهو أن المقصود الدعاء للميت ودعوته مستجابة روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "ثلاث دعوات مستجابات دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد لولده" رواه الطيالسي والسيد أولى من قريب عبده على الصحيح والقريب مقدم على المعتق فإن لم يكن ولي فالزوج ثم الجيران "ولمن له حتى التقدم أن يأذن لغيره" لأن له إبطال حقه وإن تعدد فللثاني المنع والذي يقدمه الأكبر أولى من الذي يقدمه الأصغر "فإن
ــ.
استحقاق الإمامة كما في سائر الصلوات كذا في التبيين والبحر ولو كان لها زوج وابن بالغ منه فالولاية للابن إلا أنه ينبغي أن يقدم أباه تعظيما ويكره أن يتقدم عليه كما في الجوهرة قوله: "لفضله" فلو كان الأب جاهلا والابن عالما ينبغي تقديم الابن كما في النهر وجزم به في الدرولو مات ابن وله أب وجد فالولاية لأبيه ولكنه يقدم أباه جد الميت تعظيما له اهـ قوله: "رحمهم الله تعالى" أي رحم مشايخه والمراد شيخه وهو المقدسي وفي نسخة رحمه الله تعالى بالأفراد قوله: "هو أن المقصود" أي من الصلاة على الميت قوله: "روى" أتى به دليلا على قوله ودعوته مستجابة قوله: "دعوة المظلوم" ولو كان كافرا فإنها مستجابة ولو بعد حين قوله: "ودعوة المسافر" أي سفر طاعة قوله: "والسيد أولى من قريب عبده" لأنه مالك له قوله: "والغريب مقدم على المعتق" لأنه قد خرج عن ملكه فتعتبر القرابة وهي مقدمة هنا على عصوبة النسب قوله: "فالزوج" لما بينهما من المودة والرحمة قوله: "ثم الجيران" أي من يعد في العرف جارا وفي الحديث الجار إلى أربعين دارا وذلك لما بينهم من مزيد الحقوق المأمور بها شرعا دون غيرهم من الأجانب قوله: "ولمن له حق التقدم" واليا كان أو غيره قوله: "أن يأذن لغيره" وكذا له أن يأذن في الانصراف بعدها قبل الدفن إذ هو بدون الأذن مكروه أفاده السيد أخرج المحاملي في أماليه والبزار وأبو نعيم والديلمي كلهم عن جابر بن عبد الله ﵁ رفعه أميران وليسا بأميرين المرأة تحج مع القوم فتحيض قبل أن تطوف طواف الزيارة فليس لأصحابها أن ينفروا حتى يستأمروها والرجل يتبع الجنازة فيصلي عليها فليس له أن يرجع حتى يستأمر أهلها وفي سكب الأنهر لو انصرف بدون إذن الولي قيل يكره وقيل لا وهو الأوجه وفي الصحيحين من اتبع جنازة مسلم حتى يصلي عليها فله قيراط من الأجر ومن اتبعها حتى تدفن فله قيراطان والقيراط مثل أحد قوله: "وأن تعد فللثاني المنع" أي واتحدت رتبتهما قال في التنوير وشرحه وله الأذن لغيره لأنه حقه فيملك إبطاله إلا أنه إن كان هناك من يساويه فله أي ذلك المساوي ولو أصغر سنا المنع لمشاركته في الحق أما البعيد فليس له المنع قال في الشرح وإذا كان له وليان فأذن أحدهما أجنبيا فللآخر منعه وإن قدم كل منهما رجلا فالذي قدمه الأكبر أولى لأنهما رضيا بسقوط حقهما وأكبرهما سنا أولى بالصلاة عليه فيكون أولى بالتقديم كذا في التتارخانية اهـ والمراد بالأصغر الأصغر سنا وإن كان بالغا لأنه لا ولاية للصبي.
стр. 639
صلى غيره" أي غير من له حق التقدم بلا إذن ولم يقتد به "أعادها" هو "إن شاء" لعدم سقوط حقه وإن تأدى الفرض بها "ولا" يعيد "معه" أي مع من له حق التقدم "من صلى مع غيره" لأن التنفل بها غير مشروع كما لا يصلي أحد عليها بعده وإن صلى وحده "ومن له ولاية التقدم فيها أحق" بالصلاة عليها "ممن أوصى له الميت بالصلاة عليه" لأن الوصية باطلة "على المفتى به" قاله الصدر الشهيد وفي نوادر ابن رستم الوصية جائزة "وإن دفن" وأهيل عليه التراب "بلا صلاة" لأمر اقتضى ذلك "صلى على قبره وإن لم يغسل" لسقوط
ــ
قوله: "فإن صلى غيره الخ" شمل ما إذا صلى عليه ولى القرابة وأراد السلطان أن يصلي عليه فله ذلك لأنه مقدم عليه كما في الجوهرة يعني إذا كان حاضرا وقت الصلاة ولم يصل مع الولي ولم يأذن لاتفاق كلمتهم على أنه لا حق للسلطان عند عدم حضوره نهر قوله: "بلا إذن ولم يقتد به" أما إذا أذن له أو لم يأذن ولكن صلى خلفه فليس له أن يعيد لأنه سقط حقه بالأذن أو بالصلاة مرة وهي لا تتكرر ولو صلى عليه الولي وللميت أولياء آخرون بمنزلته ليس لهم أن يعيدوا لأن ولاية الذي صلى متكاملة قوله: "أعادها" ولو على قبره كذا في الدر قوله: "هو" إنما ذكر الضمير لأنه لو حذفه لتوهم عود الضمير في أعادها على الغير قوله: "إن شاء" أي فالإعادة ليست بواجبة قوله: "وإن تأدى الفرض بها" أي بصلاة غيره أشار به وبالتخيير إلى ضعف ما في التقويم من أنه لو صلى غير ذي الحق كانت الصلاة باقية على ذي الحق والي ردما في الإتقان من أن الأمر موقوف إن أعاد ذو الحق تبين أن الفرض ما صلى وإلا سقط بالأولى قوله: "لأن التنقل بها غير مشروع" ولعدم حقه قوله: "كما لا يصلي أحد عليها بعده وإن صلى وحده" وصلاة النبي ﷺ على من دفن بعد صلاة وليه عليه لحق تقدمه مطلقا وصلاة الصحابة عليه ﷺ أفواجا خصوصية كما أن تأخير دفنه من يوم الأثنين إلى ليلة الأربعاء كان كذلك لأنه مكروه في حق غيره بالإجماع أو لأنها كانت فرض عين على الصحابة لعظيم حقه ﷺ عليهم لا تنفلا بها وألا يصلى على قبره الشريف إلى يوم القيامة لبقائه ﷺ كما دفن طريا بل هو حي يرزق ويتنعم بسائر الملاذ والعبادات وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقد أجمعت الأمة على تركها كما في السراج والحلبي والشرح قوله: "وفي نوادر ابن رستم" قال في القاموس رستم بضم الراء وفتح المثناة فوق وقد تضم اسم جماعة محدثين والرستميون جماعة اهـ قوله: "الوصية جائزة" أي ومع ذلك يقدم من له حق التقدم قوله: "وأهيل عليه التراب" قال في الفتح هذا إذا أهيل عليه التراب لأنه صار مسلما لمالكه تعالى وخرج عن أيدينا فلا يتعرض له بخلاف ما إذا لم يهل عليه فإنه يخرج ويصلي عليه اهـ لكن في الخلاصة عن الجامع الصغير للحاكم عبد الرحمن ولو دفن قبل الغسل أو قبل الصلاة لا ينبش فإن دفنوه ولم يهيلوا عليه حتى علموا أنه لم يغسل لكنهم سووا اللبن لا ينبش أيضا اهـ أي ويصلى على قبره ثانيا إذا صلى
стр. 640
شرط طهارته لحرمة نبشه وتعاد لو صلي عليه قبل الدفن بلا غسل لفساد الأولى بالقدرة على تغسيله قبل الدفن وقي تنقلب صحيحة لتحقق العجز ولو لم يهل التراب يخرج فيغسل ويصلى عليه "ما لم يتفسخ" والمعتبر فيه أكبر الرأي على الصحيح لاختلافه باختلاف الزمان والمكان والإنسان وإذا كان القوم سبعة يقدم واحد إماما وثلاثة بعده واثنان بعدهم وواحد بعدهما لأن في الحديث "من صلى عليه ثلاث صفوف غفر له وخيرها آخرها" لأنه أدعى للإجابة بالتواضع "وإذا اجتمعت الجنائز فالإفراد بالصلاة لكل منها أولى" وهو ظاهر "ويقدم الأفضل فالأفضل" إن لم يكن سبق "وإن اجتمعن" ولو مع السبق "وصلى عليها مرة" واحدة صح وإن شاء جعلهم صفا عريضا ويقوم عند أفضلهم وإن شاء "جعلها" أي الجنائز
ــ.
عليه أو لا كما أفاده السيد في حاشية مسكين قوله: "لأمر اقتضى ذلك" من نسيان وغيره والأولى حذفه لإيهامه أنه إذا كان لجهل يخرج ويصلى عليه وليس كذلك لأن العلة عامة قوله: "صلى على قبره" إقامة للواجب بقدر الإمكان كذا في التبيين قوله: "وإن لم يغسل" على المعتمد وهو الاستحسان وصحح في غاية البيان منع الصلاة في هذه الحالة لأنها لم تشرع بدون غسل ولو وضع الميت لغير القبلة أو على شقه الأيسر أو جعل رأسه في موضع رجليه وأهيل عليه التراب لم ينبش ولو سوى عليه اللبن ولم يهيلوا عليه التراب ينزع اللبن وتراعى السنة كذا في التبيين وهذا يؤيد تقييد الكمال بإهالة التراب ويرد ما في الخلاصة قوله: "لتحقق العجز" أي الشرعي لا العقلي قوله: "ما لم يتفسخ" أي تفرق أعضاؤه فإن تفسخ لا يصلى عليه مطلقا لأنها شرعت على البدن ولا وجود له مع التفسخ وأما صلاته ﷺ على شهداء أحد بعد ثمان سنين على ما رواه البخاري عن عقبة بن عامر فمحمول على الدعاء أو لأنهم لم يتفسخوا فإن معاوية لما أراد تحويلهم ليجري العين التي بأحد عند قبور الشهداء وجدهم كما دفنوا حتى أن المسحاة أصابت إصبع حمزة ﵁ فانفطرت دما فتركهم أو هو خصوصية له ﷺ وتمامه في شرح المشكاة قوله: "والمعتبر فيه" أي في التفسخ قوله: "أكبر الرأي" فلو شك في تفسخه لا يصلى عليه كما في النهر عن محمد وكأنه تقديم للمانع سيد عن الدر قوله: "باختلاف الزمان" بردا وحرا والمكان رخاوة وصلابة قوله: "والإنسان" أي الميت سمنا وهزالا اهـ سيد عن مسكين قوله: "وثلاثة بعده" لعله ليكون على المقدم أكثر ليكون المعهود في الصلاة غيرها ومقتضى كون الأخير أفضل أن تكون الثلاثة آخرا لا سيما ودعاؤهم أدعى للإجابة قوله: "غفر له" أي صغائر ذنوبه وهذا لا يظهر إلا إذا كان الميت مكلفا مع أن غير المكلف مثله قوله: "لأنه أدعى للإجابة" أي أقرب للإجابة وقوله بالتواضع أي بسببه وقد مر ما فيه قوله: "إن لم يكن سبق" يفيد أنه إن وجد سبق يعتبر الأسبق قوله: "وصلى مرة واحدة صح" ويكتفي لهم بدعاء واحد كما بحثه بعضهم ويؤيده أن الضمائر ضمائر جمع في قوله اللهم اغفر لحينا الخ
стр. 641
"صفا طويلا مما يلي القبلة بحيث يكون صدر كل" واحد منهم "قدام الإمام" محاذيا له وقال ابن أبي ليلى يجعل رأس كل واحد أسفل من رأسه صاحبه هكذا درجات وقال أبو حنيفة وهو حسن لأن النبي ﷺ وصاحبيه دفنوا هكذا والوضع للصلاة كذلك قال وإن وضعوا رأس كل واحد بحذاء رأس الآخر فحسن وهذا كل عند التفاوت في الفضل فإن لم يكن ينبغي أن لا يعدل عن المحاذاة فلذا قال: "وراعي الترتيب" في وضعهم "فيجعل الرجال مما يلي الإمام ثم الصبيان بعدهم" أي بعد الرجال "ثم الخناثى ثم النساء" ثم المراهقات ولو كان الكل رجالا روى الحسن عن أبي حنيفة يوضع أفضلهم وأسنهم مما يلي الإمام وهو قول أبي يوسف والحر مقدم على العبد وفي رواية الحسن إذا كان العبد أصلح قدم "ولو دفنوا بقبر واحد" لضرورة "وضعوا" فيه "على عكس هذا" الترتيب ويقدم الأفضل فالأفضل إلى القبلة والأكثر قرآنا وعلما كما فعل في شهداء أحد "ولا يقتدي بالإمام من" سبق ببعض التكبيرات و "وجده بين تكبيرتين" حين حضر "بل ينتظر تكبير الإمام" ويدخل معه إذا كبر عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف يكبر حين يحضر
ــ.
بقي ما إذا كان فيهم مكلفون وصغار والظاهر أنه يأتي بدعاء الصغار بعد دعاء المكلفين كما مر قوله: "وإن شاء جعلهم صفا عريضا" عن يمين القبل ويسارها قوله: "بحيث يكون صدر كل واحد منهم قدام الإمام" هذا جواب ظاهر الرواية عن الإمام لأن السنة أن يقوم بحذاء الميت وهو يحصل على الثاني دون الأول قوله: "والوضع للصلاة كذلك" أي يحسن على هذه الكيفية قوله: "فحسن الخ" فالإمام استحسن الصفتين قوله: "وهذا" أي التخيير ين الكيفيات قوله: "فلذا" أي لكون الكلام موضوعا في تفاوت المراتب وفيه أن هذا ترتيب غير ترتيب الفضل لأن ترتيب الفضل يجري في الذكور الخالصين والإناث الخالصات وفي حال الاختلاط قوله: "وراعى الترتيب" انظر ما حكم هذا الترتيب وما حكم الصلاة إذا خولف قوله: "وهو قول أبي يوسف" فإنه قال أحسن ذلك عندي أن يكون أهل الفضل مما يلي الإمام قوله: "والأكثر قرآنا وعلما" عطفه على ما قبله عطف مرادف أي يعتبر في الرجال تقديما إلى القبلة أكثرهم قرآنا وعلما وظاهره أنه لا يجري هنا ما ذكر من المراتب في الإمامة وحرره نقلا قوله: "من سبق ببعض التكبيرات" إنما ذكره لدفع إيهام قوله الآتي بين تكبيرتين لأن ظاهره يفيد أنه سبق بتكبيرة واحدة ولذا قال السيد في شرحه الأولى أن يقول مما سبق ببعض التكبيرات اهـ وفيه أنه لو اقتصر على قوله بعض التكبيرات إن لم يفد أنه وجده بين تكبيرتين وقد سبق بأكثر من تكبيرة يصدق عليه أنه وجده بين تكبيرتين قوله: "عند أبي حنيفة ومحمد" لهما أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة والمسبوق لا يبتدىء بما فاته قبل تسليم الإمام فلو لم ينتظر تكبيرة الإمام يصير قاضيا ما فاته قبل أداء ما أدرك مع الإمام وهو منسوخ وتمامه في الشرح وما ذكر هنا عنهما هو ظاهر الرواية كما في النهر وهو الصحيح قال
стр. 642
ويحسب له وعندهما يقضي الجميع ولا يحسب له تكبير إحرامه كالمسبوق بركعات "ويوافقه" أي المسبوق إمامه "في دعائه" لو علمه بسماعه على ما قاله مشايخ بلخ أن السنة أن يسمع كل صف ما يليه "ثم يقضي" المسبوق "ما فاته" من التكبيرات "قبل رفع الجنازة" مع الدعاء إن أمن رفع الجنازة وإلا كبر قبل وضعها على الأكتاف متتابعا اتقاءا عن بطلانها بذهابها "ولا ينتظر تكبير الإمام من حضر تحريمته" فيكبر ويكون مدركا ويسلم مع الإمام
ــ.
الحلبي وظاهر الكافي ترجيح قول أبي يوسف قال في الدر وعليه الفتوى قوله: "وقال أبو يوسف يكبر حين يحضر" لأن الأولى للإفتتاح والمسبوق يأتي به فصار كمن كان حاضرا وقت تحريمة الإمام كذا في الشرح قوله: "ويحسب له" فإذا لم يفته غير تكبيرة يسلم مع الإمام وهكذا لو سبق بتكبيرتين أو ثلاث يحسب له التي أحرم بها عنده ويقضي ما عداها كذا في الشرح قوله: "ولا يحسب له الخ" ولو كبر المسبوق كما حضر ولم ينتظر لا تفسد عندهما لكن ما أداه غير معتبر فإذا سلم إمامه قضى ما فاته مع التكبيرة التي فعلها حال شروعه فتلك التكبيرة معتبرة من حيث صحة الشروع بها لا من حيث الاكتفاء حتى لو اعتد بها ولم يعدها بعد فراغ الإمام فسدت صلاته عندهما لا عنده ونظيره من أدرك الإمام في السجود صح شروعه مع أنه لا يعتبر ما أده من السجود مع الإمام كما ذكره الحموي قوله: "كالمسبوق بركعات" أي فإنه يقضي الجميع بعد فراغ الإمام قوله: "أي المسبوق إمامه" الأول تفسير لضمير الفاعل والثاني لضمير المفعول قوله: "لو علمه بسماعه" هذا بالنسبة لمن لم يكن حاضرا وقت شروع الإمام لأن من كان حاضرا يحصل له العلم بدونه أفاده بعض الأفاضل رحمه الله تعالى ونبه عليه السيد ولم أر حكم ما إذا لم يعلم هل يبني على غلبة الظن أو يسكت ويحرر قوله: "على ما قاله مشايخ بلخ" أي حال كون العلم آتيا على ما قاله مشايخ بلخ قوله: "مع الدعاء" المراد به ما يعم الثناء والصلاة وقال غيرهم الجهر مكروه وروي عن أبي يوسف أنه قال لا يجهر كل الجهر ولا يسر كل السر وينبغي أن يكون بين ذلك أفاده الشرح قلت وهو قريب من الأول قوله: "والأكبر قبل وضعها على الأكتاف" قال في الشرح والحاصل أنه ما دامت الجنازة على الأرض فالمسبوق يأتي بالتكبيرات فإذا رفعت الجنازة على الأكتاف لا يأتي بالتكبيرات وإذا رفعت بالأيدي ولم توضع على الأكتاف ذكر في ظاهر الرواية أنه يأتي بالتكبيرات وعن محمد إذا كانت الأيدي إلى الأرض أقرب فكأنها على الأرض وإن كانت إلى الأكتاف أقرب فكأنها على الأكتاف فلا يكبر كذا في التتارخانية وقيل لا يقطعه حتى تبعد كذا في الفتح والبرهان اهـ قوله: "من حضر تحريمته" ولم يحرم معه لغفله أو تردد في النية أطلقه فشمل ما إذا كبر الإمام الثانية أو لم يكبر كما في البحر على ما يفيده ظاهر الخانية حيث قال وإن لم يكبر مع الإمام حتى كبر الإمام أربعا كبر هو للافتتاح قبل أن يسلم الإمام ثم كبر ثلاثا بعد فراغه وأما اللاحق فيها فكاللاحق في سائر
стр. 643
"ومن حضر بعد التكبيرة الرابعة قبل السلام فاتته الصلاة" عندهما "في الصحيح" لأنه لا وجه إلى أن يكبر وحده كما في البزازية وغيرها وعن محمد أن يكبر كما قال أبو يوسف ثم يكبر ثلاثا بعد سلام الإمام قبل رفع الجنازة وعليه الفتوى كذا في الخلاصة وغيرها فقد اختلف التصحيح كما ترى "وتكره الصلاة عليه في مسجد الجماعة وهو" أي الميت
ــ.
الصلوات قال في الواقعات لو كبر مع الإمام الأولى ولم يكبر الثانية والثالثة كبرهما أولا ثم يكبر مع الإمام ما بقي كذا في البحر قوله: "ومن حضر بعد التكبيرة الرابعة" إنما قيد بحضوره بعد الرابعة لأنه لو كان حاضرا أولها كبر وقضى ثلاثا بعد فراغ الإمام وهو ظاهر كلام الخانية وغاية البيان ونص الذخيرة فإن كبر الإمام أربعا والرجل حاضر يكبر الرابعة ما لم يسلم الإمام ويقضي الثلاث بعد سلام الإمام لأنه كالمدرك للتكبير حكما وعن الحسن عن الإمام أنه لا يدخل معه قوله: "عندهما" أي عند الإمام ومحمد في إحدى الروايتين عنه ومقابل قولهما قول أبي يوسف قوله: "لأنه لا وجه إلى أن يكبر وحده" الأولى الإتيان باللام بدل إلى أي لأنه لو كبر لكان آتيا بما هو بمنزلة ركعة وحده ولا يجوز ذلك قوله: "فقد اختلف التصحيح كما ترى" إلا أن ما عليه الفتوى مقدم على غيره كما ذكروه لما فيه من التسهيل في تحصيل العبادة قوله: "وتكره الصلاة عليه في مسجد الجماعة" قيده الواني بما إذا لم يكن معتادا فإن اعتاد أهل بلدة الصلاة عليه في المسجد لم يكره لأن لباني المسجد علما بذلك وهذا على أن العلة أن المسجد لم يبن له أما على أن العلة خوف التلويث فلا وقيد بمسجد الجماعة لأنها لا تكره في مسجد أعد لها وكذا في مدرسة ومصلى عيد لأنه ليس لها حكم المسجد في الأصح إلا في جواز الاقتداء وإن لم تتصل الصفوف كذا في ابن أمير حاج والحلبي وفي شرح موطأ الإمام محمد للمنلا علي وينبغي أن لا يكون خلاف في المسجد الحرام فإنه موضع للجماعات والجمعة والعيدين والكسوفين والاستسقاء وصلاة الجنازة قال وهذا أحد وجوه إطلاق المساجد عليه بصيغة الجمع في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] وقيل لعظمته ظاهرا وباطنا أو لأنه قبلة المساجد أو لأن جهاته كلها مساجد اهـ وفي البدائع وغيرها قال أبو حنيفة لا ينبغي أن يصلي على ميت بين القبور وكان علي وابن عباس يكرهان ذلك وإن صلوا أجزأهم لما روي أنهم صلوا على عائشة وأم سلمة بين مقابر البقيع والإمام أبو هريرة وفيهم ابن عمر ﵃ ثم محل الكراهة إذا لم يكن عذر فإن كان فلا كراهة اتفاقا فمنه اعتكاف المصلي كما في المبسوط ومنه المطر كما في الخانية وأما ما رواه مسلم وأبو داود أن عائشة لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت ادخلوا به له المسجد حتى أصلي عليه وأنهما لم أنكروا ذلك عليها قالت والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه فيجاب عنه بأنه منسوخ وإلا لما أنكرت عليها الصحابة أو محمول على عذر كمطر أو على الخصوصية أو على بيان
стр. 644
"فيه" كراهة تنزيه في رواية ورجحها المحقق ابن الهمام وتحريمية في أخرى والعلة فيه إن كان خشية التلويث فهي تحريمية وإن كان شغل المسجد بما لم يبن له فتنزيهية والمروي قوله ﷺ : "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له" وفي رواية "فلا أجر له "أو" كان الميت خارجه أي المسجد مع بعض القوم "و" كان "بعض الناس في المسجد" أو عكسه ولو مع الإمام "على المختار" كما في الفتاوى الصغرى خلافا لما أورده النسفي من أن الإمام إذا كان خارج المسجد مع بعض القوم لا يكره بالاتفاق لما علمت من الكراهة على المختار.
"تنبيه" تكره صلاة الجنائز في الشارع وأراضي الناس "ومن استهل" أي وجد منه حال
ــ.
الجواز وعملوا بالأفضل في حق سعد وإلا لو كان هو الأفضل كما قال بعض الشافعية لكان أكثر صلاته ﷺ في المسجد ولما امتنع جل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عنه والواقع خلافه قوله: "ورجحها المحقق ابن الهمام" لظاهر إطلاق المروي والأولى ذكره ليحسن قوله بعد والمروي قوله الخ قوله: "والعلة فيه إن كان خشية التلويث فهي تحريمية" الأولى تأنيث الضمير في كان الأولى والثانية فلو كان الميت في غيره والجماعة فيه لم يكره وكلام شمس الأئمة السرخسي يفيد أن هذا هو المذهب حيث قال وعندنا إن كانت الجنازة خارج المسجد لم يكره أن يصلى عليها في المسجد إنما الكراهة في إدخال الجنازة في المسجد اهـ فلو أمن التلويث لم تكره على سائر الوجوه وإلى ذلك مال في المبسوط وفي المحيط وعليه العمل وهو المختار اهـ ونقل في الدراية عن أبي يوسف أنه لا تكره صلاة الجنازة في المسجد إذا لم يخف خروج شيء يلوث المسجد وهو يؤيد ما قبله وينبغي تقييد الكراهة بظن التلويث فأما توهمه أو شكه فلا تثبت به الكراهة قوله: "وإن كان شغل المسجد بما لم يبن له فتنزيهية" فلو كان الميت موضوعا في المسجد والناس خارجه لا تكره وبالعكس تكره كما في الجوهرة لأن المسجد إنما بني للمكتوبة وتوابعها كالنوافل والذكر والتدريس وفيه أن الميت يشغل المسجد بقدر جنازته قوله: "والمروي" أي الدال على كراهة الصلاة في المسجد تنزيها قوله: "وفي رواية فلا أجر له" ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ فلا صلاة له قالابن عبد البر رواية فلا أجر له خطأ فاحش والصحيح فلا شيء له كما في البرهان قوله: "أو كان الميت خارجه" هذا الإطلاق الذي في كلامه إنما يأتي على أن الكراهة فيه لكون المسجد لم يبن له قوله: "أو عكسه" يغني عنه صدر كلام المصنف قوله: "ولو مع الإمام" مرتبط بقوله أو كان الميت خارجه ومقابله ما أورده النسفي قوله: "على المختار" قد علمت ما ذكره شمس الأئمة وهو أن الكراهة إنما هي في إدخال الجنازة المسجد فهما قولان مصححان قوله: "تكره الجنائز الخ" لشغل حق العامة في الأول وحق المالك في الثاني
стр. 645
ولادته حياة بحركة أو صوت وقد خرج أكثره وصدره ونزل برأسه مستقيما وسرته إن خرج برجليه منكوسا "سمي وغسل" وكفن كما علمته "وصلي عليه" وورث ويورث لما روي عن جابر يرفعه: الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين عند الإمام وقالا يقبل قول النساء فيه إلا الأم في الميراث إجماعا لأنه لا يشهده الرجال وقول القابلة مقبول في حق الصلاة عليه وأمه كالقابلة إذا اتصفت بالعدالة وفي الظهيرية ماتت واضطرب الولد في بطنها يشق ويخرج ولا يسع إلا ذلك كذا في شرح
ــ
قوله: "ومن استهل" من واقعة على جنين في الشرح والأولى أن تفسر بمولود واستهل بالبناء للفاعل وأصل الاستهلال في اللغة رفع الصوت قال في المغرب يقال استهلوا الهلال إذا رفعوا أصواتهم عند رؤيته واستهل أي الهلال بالبناء للمفعول إذا أبصر اهـ ولا يخفي أن المناسب هذا المعنى الأول إلا أن خصوص رفع الصوت ليس بشرط بل المراد معناه الشرعي وهو ما ذكره بقوله إن وجد الخ والأولى أن يقول أي بدل أن تفسيرا للاستهلال قوله: "بحركة أو صوت" كعطاس وتثاؤب مما يدل على حياة مستقرة فلا عبرة لمجرد قبض يد وبسطها لأن هذه كحركة مذبوح ولا عبرة بها حتى لو ذبح رجل فمات أبوه وهو يتحرك لم يرثه المذبوح ولا عبرة بالحركة لأنه في هذه الحالة في حكم الميت جوهرة قوله: "وقد خرج أكثره" الواو للحال وقيد به لأنه لو خرج رأسه وهو يصيح فمات لم يرث ولم يصل عليه كذا في الشرح وهو مقيد بما إذا انفصل بنفسه أما إذا انفصل بفعل بأن ضرب بطنها فألقت جنينا ميتا فإنه يرث ويورث لأن الشارع لما أوجب الغرة على الضارب فقد حكم بحياته نهر قوله: "وصدره الخ" عطف تفسير على قوله أكثره كما يفيده الشرح والأولى وهو صدره قوله: "مستقيما" جعله في هذه الحالة مستقيما كما جعله في مقابله منكوسا تبعا للعادة الغالبة قوله: "كما علمته" راجع إلى الغسل والكفن يعني أنهما يجري فيهما على السنة السابقة قوله: "حتى يستهل" بالبناء للفاعل وهو آخر الحديث والضمير في يرفعه يرجع إلى ما أي يسنده إلى النبي ﷺ وقد أخرجه الترمذي وروي عن علي سمعت رسول الله ﷺ يقول في السقط: "لا يصلى عليه حتى يستهل فإذا استهل صلى عليه وعقل وورث وإن لم يستهل لم يصل عليه ولم يرث ولم يعقل" رواه ابن عدي في الكامل قوله: "يقبل قول النساء" أي جنس النساء الصادق بالواحدة العدل والأم في كل حال كغيرها إلا في الميراث فلا يقبل قولها للتهمة ويقبل قول غيرها فيه قوله: "لأنه لا يشهده الرجال" يوضحه قول غيره لهما أن صوته يقع عند الولادة وعندها لا يحضر الرجال فصار كنفس الولادة وبه قالت الثلاثة وهو أرجح فالحاصل أنهما يقولان إن شهادة النساء حتى في الميراث مقبولة إلا الأم للتهمة وقولهما الراجح قوله: "وأمه كالقابلة" أي في حق الصلاة عليه ونحوها قوله: "يشق" قيده في الدرر بالجانب الأيسر ولو بالعكس وخيف على الأم قطع وأخرج ولو ابتلع مال غيره ومات لا يشق بطنه على قول
стр. 646
المقدسي "وإن لم يستهل غسل" وإن لم يتم خلقه "في المختار" لأنه نفس من وجه "وأدرج في خرقة" وسمي "ودفن ولم يصل عليه" ويحشر إن بان بعض خلقه وذكر في المبسوط قولا
ــ.
محمد وروى الجرجاني عن أصحابنا أنه يشق قال الكمال وهو أولى معللا بأن احترامه سقط بتعديه والاختلاف في شقه مقيد بما إذا لم يترك مالا وإلا لا يشق اتفاقا قاله السيد قوله: "لا يسع إلا ذلك" إلا اسم بمعنى غير أي لا يسع غير ذلك أحد ويحتمل أن فاعل يسع ضمير يرجع إلى معلوم من المقام أي لا يسع الحال غير ذلك قوله: "وإن لم يستهل" مثله ما إذا استهل فمات قبل خروج أكثره وأما الاستهلال في البطن فغير معتبر بالأولى قوله: "وإن لم يتم خلقه" فيغسل وإن لم يراع فيه السنة وبهذا يجمع بين من أثبت غسله وبين من نفاه فمن أثبته أراد الغسل في الجملة ومن نفاه أراد الغسل المراعي فيه وجه السنة والمتبادر منه أنه ظهر فيه بعض خلق وأما إذا لم يظهر فيه خلق أصلا فالظاهر أنه لا يغسل ولا يسمى لعدم حشره وحرره قوله: "في المختار" وظاهر الرواية منع الكل وكذا لا يرث ولا يورث اتفاقا لأنه كجزء الحي كما في الزيلعي والحموي وحاصل ما في المصنف أنه بالنظر لكونه نفسا من وجه يغسل ويصلى عليه وبالنظر لكونه جزء آدمي لا ولا فاعملنا الشبهين فقلنا يغسل عملا بالأول ولا يصلى عليه عملا بالثاني ورجحنا خلاف ظاهر لرواية قوله: "لأنه نفس من وجه" الأولى ما في ملتقى البحار حيث قال إكراما لبني آدم وإنما كان نفسا لأنه يبعث وإن لم ينفخ فيه الروح على أحد القولين قوله: "وسمى" أي وإن لم يتم خلقه كما في الشرح عن الطحاوي قوله: "ويحشران بان بعض خلقه" هو الذي يقتضيه مذهب أصحابنا لأنه يثبت له حرمة بني آدم بدليل ثبوت الأحكام الشرعية له كاستيلاد وانقضاء عدة نهر وقد قالوا: إن السقط يحيا في الآخرة وترجى شفاعته واستدلوا بما روى أبو عبيدة مرفوعا أن السقط ليقف محبنطئا على باب الجنة فيقول لا أدخل حتى يدخل أبواي وقوله محبنطئا يروى بغير همز وبهمز فعلى الأول معناه المتغضب المستبطىء للشيء وعلى الثاني معناه العظيم البطن المنتفخ يعني يغضب وينتفخ بطنه من الغضب حتى يدخل أبواه الجنة وروى ابن ماجه من حديث علي ﵁ أن السقط ليراغم ربه إذ دخل أبواه النار فيقال أيها السقط المراغم ربه أدخل أبويك الجنة فيجرهما بسرره حتى يدخلهما الجنة اهـ والسرر بفتحتين ويكسر لغة في السر بالضم وهو ما تقطعه القابلة من سرة الصبي ويحشر على ما مات عليه كغيره من أهل الموقف ثم عند دخول الجنة يصيرون طولا واحدا ففي الحديث الصحيح يبعث كل عبد على ما مات عليه وفيه صفة أهل الجنة أنهم على صورة آدم طول كل واحد منهم ستون ذراعا زاد أحمد وغيره في عرض سبعة أذرع وهم أبناء ثلاث وثلاثين.
فائدة روى الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة أي من الولد إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهما" فقالوا: يا
стр. 647
آخر إن نفخ فيه الروح حشر وإلا فلا كذا في شرح المقدسي "كصبي" أو مجنون بالغ "سبي" أي أسر "مع أحد أبويه" من دار الحرب ثم مات لتبعيته له في أحكام الدنيا وتوقف الإمام في أولاد أهل الشرك وعن محمد أنه قال فيهم إني أعلم أن الله لا يعذب أحدا بغير ذنب "إلا أن يسلم أحدهما" للحكم بإسلامه بالتبعية له "أو" يسلم "هو" أي الصبي إذا كان يعقله
ــ.
رسول الله أو اثنان قال: "أو اثنان" قالوا: أو واحد قال: "أو واحد" ثم قال: "والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته" قوله: "وذكر في المبسوط قولا آخر الخ" بحث بعض الفضلاء أنه المتبادر ولا يلزم من ثبوت بعض الأحكام له في الدنيا ثبوت أحكام الآخرة وروي هذا القول عن الحليمي والقرطبي قوله: "مع أحد أبويه" أي الكافرين تركه استغناء بلفظ السبي كما في النهر أي لا يصلى عليه لأنه تبع لهما تبعية ولادة وهي أقوى التبعيات لأنها سبب لوجوده إلا إذا عقل واعتقد دينا غير دين أبويه فلا يصير تبعا لهما وتمامه في البحر قوله: "لتبعيته له في أحكام الدنيا" فلا يصلى عليه كما لا يصلى عليه وليس تابعا لهما في العقبى فلا يحكم بأن أطفالهم في النار البتة بل فيه خلاف قيل هم خدم أهل الجنة وقيل إن كانوا قالوا: بلى في عالم الذر عن اعتقاد ففي الجنة وإلا ففي النار قوله: "وتوقف الإمام في أولاد أهل الشرك" في المسايرة تردد فيهم أبو حنيفة وغيره ووردت فيهم أخبار متعارضة فالسبيل تفويض أمرهم إلى الله تعالى وإنما قيد بأولاد أهل الشرك لما في الكافي أولاد المسلمين إذا ماتوا في صغرهم كانوا في الجنة والتوقف فيهم المروي عن الإمام مردود على الراوي قال الحموي لأن محمدا روى في آثار الإمام أنه يقال في الصلاة على أطفال المسلمين اللهم اجعله لنا فرطا وهذا قضاء منه بإسلامهم فأين ينسب إليه خلافه قوله: "لا يعذب أحدا بغير ذنب" أي ولا ذنب على هؤلاء فلا يعذبون قوله: "لا أن يسلم أحدهما" أي أحد أبويه أيهما كان ولو كان غير المسبي كما هو مقتضى الإطلاق قوله: "إذا كان يعقله" أي الإسلام وذلك بأن يعقل الصفة المذكورة في حديث جبريل وهي أن يؤمن بالله أي بوجود وربوبيته لكل شيء وملائكته أي بوجود ملائكته وكتبه أي إنزالها ورسله عليهم الصلاة السلام أي إرسالهم واليوم الآخر أي البعث بعد الموت والقدر خيره وشره من الله تعالى بحر ويكفي عنه الإتيان بالشهادتين لانطواء ما ذكر تحته ويدل عليه ما في أنفع الوسائل حيث قال فإن قلت يجب أن لا يحكم بإسلام اليهودي والنصراني وإن أقر برسالة سيدنا محمد ﷺ وتبرأ عن دينه ودخل في دين الإسلام ما لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ويقر بالبعث وبالقدر خيره وشره من الله تعالى قلنا الإقرار بهذه الأشياء إن لم يوجد نصا فقد وجد دلالة لأنه لما أقر بدخوله في دين الإسلام فقد التزم جميع ما كان شرطا لصحة الإسلام وكما يثبت ذلك با لصريح يثبت بالدلالة اهـ فحديث جبريل مصرح بها وحديث أمرت أن أقاتل الناس الخ أفاد أن قول لا إله إلا الله إقرار بها دلالة فيستفاد من مجموع
стр. 648
لأن إقراره صحيح بإقراره بالوحدانية والرسالة أو صدق وصف الإيمان له ولا يشترط ابتداؤه الوصف من نفسه أو لا يعرفه إلا الخواص "أو لم يسب أحدهما" أي أحد أبويه "معه" للحكم بإسلامه لتبعية السابي أو دار الإسلام حتى لو سرق ذمي صغيرا فأخرجه لدار الإسلام ثم مات يصلى عليه وإن بقي حيا يجب تخليصه من يده أي بالقيمة "وإن كان لكافر قريب مسلم" حاضر ولا ولي له كافر "غسله" المسلم "كغسل خرقة نجسة" لا يراعي فيه سنة عامة في بني آدم ليكون حجة عليه لا تطهيرا له حتى لو وقع في ماء نجسة "وكفنه في
ــ
الحديثين أن الشرط الإقرار بها إما نصا وإما دلالة أفاده السيد وقيل المراد بقوله إن كان يعقله أي يعقل المنافع والمضار وإن الإسلام هدى واتباعه خير له وأقل سن يعتبر فيه التمييز سبع سنين قوله: "أو صدق بوصف الإيمان له" الأولى أو تصديقه أو هوعطف على إقراره بتأويله بإذا أقر قالوا: لو تزوج امرأة أو اشترى جارية فاستوصفها الإسلام فلم تعرفه لا تكون مسلمة والمراد من عدم المعرفة قيام الجهل بالباطن لا ما يظهر من التوقف في جواب ما الإسلام كما يكون من بعض العوام فإنا نسمع من يقول لا أعرف وهو من التوحيد والخوف بمكان كما في الفتح قال في النهر وعلى هذا فلا ينبغي أن يسئل العامي عن الإسلام لم يذكر عنده حقيقته وما يجب الإيمان به ثم يقال له أنت مصدق بهذا فإن قال نعم اكتفى به اهـ قوله: "لتبعية السابي أو دار الإسلام" اختلف في أقوى التبعيات بعد تبعية الأبوين ففي الهداية وغيرها تبعية الدار وفي المحيط تبعية اليد قال في الفتح ولعله أولى فإن من وقع في مهمة صبي من الغنيمة في دار الحرب فمات يصلى عليه ويجعل مسلما تبعا لصاحب اليد فلو كانت تبعية الدار أقوى تمنع ذلك اهـ وتعقبه في البحر بأن تبعية اليد في هذه الحالة متفق عليها لعدم صلاحية الدار لها على أنه يرد عليه ما في كشف الأسرار ولو سرق ذمي صبيا وأخرجه إلى دار الإسلام فمات صلى عليه ولا اعتبار بالأخذ حتى وجب تخليصه من يده ولم يحك فيه خلافا اهـ وذكر الحلبي ما يصلح جمعا بين القولين بأنه تبع للسابي إن كان مسلما وللداران كان ذميا اهـ أي فيدور مع الإسلام أينما دار ويتمشى كلامه على هذا فقوله لتبعية السابي أي إن كان مسلما أو دار الإسلام إن لم يكن السابي مسلما قوله: "يجب تخليصه من يده أي بالقيمة" تخليصا للمسلم من ولاية الكفر قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ كما لو أسلم أو اشتراه مسلما يجبر على إخراجه من ملكه ببدله كذا في الشرح مزيدا قوله: "وإن كان لكافر" أي لميت كافر قوله: "قريب مسلم" أطلقه فشمل ما إذا كان له قريب غيره كافرا أو لا غير أنه إن كان فالأولى للمسلم تجنبه كما في السراج وشمل القريب ذوي الأرحام كذا في البحر فقوله ولأولى له كافر إنما هو شرط للأولوية قوله: "غسله المسلم" وليس ذلك واجبا عليه لأن من شرط الوجوب إسلام الميت حموي عن البدائع قوله: "لا يراعى فيه سنة" أي التغسيل من وضوء وبداءة بالميامن والأصل
стр. 649
خرقة" من غير مراعاة كفن السنة "وألقاه في حفرة" من غير وضع كالجيفة مراعاة لحق القرابة "أو دفعه" القريب "إلى أهل ملته" ويتبع جنازته من بعيد وفيه إشارة إلى أن المرتد لا يمكن منه أحد لغسله لأنه لا ملة له فيلقى كجيفة كلب في حفرة وإلى أن الكافر لا يمكن من قريبه المسلم لأنه فرض على المسلمين كفاية ولا يدخل قبره لأن الكافر تنزل عليه اللعنة والمسلم محتاج إلى الرحمة خصوصا في هذه الساعة "ولا يصلى على باغ" اتفاقا وإن كان مسلما "و" لا على "قاطع طريق" إذا "قتل" كل منهم "حالة المحاربة" ولا يغسل لأن عليا
ــ.
فيه ما رواه أبو داود وغيره عن علي ﵁ قال لما مات أبو طالب انطلقت إلى النبي ﷺ فقلت له إن عمك الشيخ الضال قد مات قال اذهب فوار أباك ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني فذهبت فواريته فجئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي وفي حديث الواقدي عن علي أن رسول الله ﷺ جعل يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل بهذه الآيات ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية كذا في البرهان قوله: "ليكون حجة عليه" لعل وجهه أن يقال أمر غيرك بتطهيرك ففعل وأمرت بتطهير نفسك فلم تفعل قوله: "حتى لو وقع في ماء نجسه" هذا مبني على القول بأن نجاسة الميت نجاسة خبث والمسلم يطهر بالغسل تكريما وأما على القول بأن نجاسته نجاسة حدث فلا ينجسه حيث كان بدنه نظيفا قوله: "من غير مراعاة كفن السنة" أي فلا يعتبر فيه عدد ولا يجعل فيه حنوط ولا يبخر قوله: "وألقاه في حفرة" أي بدون لحد ولا توسعة ويلقيه طرحا كالجيفة لا وضعا قوله: "وفيه إشارة" أي في قوله أهل ملته أي فإنه يفيد أنه كافر أصلي قوله: "لا يمكن منه أحد" فلا يدفع إلى من ارتد إلى ملتهم كذا في الشرح قوله: "وإلى أن الكافر الخ" هذا يستفاد من قوله وإن كان لكافر الخ فإن هذه عكسها قوله: "لا يمكن من قريبه المسلم" لما روي أن النبي ﷺ كان مع أبي بكر وعمر فأتوا على يهودي وقد نشر التوراة يقرأ ليعزي نفسه عن ابن له محتضر من أحسن الفتيان وأجملهم فقال رسول الله ﷺ : "أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك ذا صفتي ومخرجي" فأشار برأسه لا فقال: ابنه المحتضر أي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال: "أقيموا اليهودي عن أخيكم" ثم ولي الصلاة عليه فلم يمكن اليهودي منه وتولى أمره المسلمون أفاده في الشرح قوله: "لأنه فرض على المسلمين كفاية" فلو تركوه للكافر أثموا لعدم قيام أحد من المسلمين بفرض الكفاية.
قوله: "ولا يصلى على باغ" البغاة المسلمون الخارجون عن طاعة الإمام كذا في الشرح قوله: "كل منهم" أي الباغي وقاطع الطريق وجمع باعتبار تعدد أفراد كل قوله: "ولا يغسل" وقيل يغسل الباغي وقاطع الطريق ولا يصلى عليهما للفرق بينهما وبين الشهداء كذا في الشرح وسيشير إليه بعد في قوله وإن غسلوا كالبغاة على إحدى الروايتين اهـ وفيه أن الفرق
стр. 650
رضي الله عنه لم يغسل البغاة. وأما إذا قتلوا بعد ثبوت يد الإمام فإنهم يغسلون ويصلى عليهم "و" لا يصلى على "قاتل بالخنق غيلة" بالكسر الاغتيال يقال قتله غيلة وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فيقتله والمراد أعم كما لو خنقه في منزل لسعيه في الأرض بالفساد "و" لا على "مكابر في المصر ليلا بالسلاح" إذا قتل في تلك الحالة "و" لا يصلى على "مقتول عصبية" إهانة لهم وزجرا لغيرهم "وإن غسلوا" كالبغاة على إحدى الروايتين لا يصلى عليهم وإن غسلوا "وقاتل نفسه" عمدا لا لشدة وجع "يغسل ويصلى عليه" عند أبي حنيفة ومحمد وهو الأصح عندي لأنه مؤمن مذنب وقال أبو يوسف لا يصلى عليه وكان القاضي الإمام علي السعدي يقول الأصح عندي أنه لا يصلى عليه وإن كان خطأ أو لوجع يصلى عليه اتفاقا وقاتل نفسه أعظم وزرا وإثما من قاتل غيره "ولا" يصلى "على قاتل أحد أبويه عمدا" ظلما إهانة له
ــ.
حاصل بعدم الصلاة عليه قوله: "لم يغسل البغاة" ولم ينكر عليه فكان إجماعا وقطاع الطريق بمنزلتهم كما في البحر أفاده في الشرح قوله: "وأما إذا قتلوا" مفهوم قوله في المتن حالة المحاربة قوله: "بعد ثبوت الإمام" أي يد الإمام وبها صرح في الشرح قال في الشرح وهذا تفصيل حسن أخذ به الكبار من المشايخ كذا قال الزيلعي قوله: "فإنهم يغسلون" لأن القتل حينئذ حد أو قصاص در قوله: "بالخنق" بالنون قوله: "بالكسر" أي في الغين قوله: "الاغتيال" في القاموس الغيلة المرأة السمينة وبالكسر موضع والشقشقة والخديعة والاغتيال وقتله غيلة خدعة فذهب به إلى موضع فقتله وغاله أهلكه كاغتاله وأخذه من حيث لا يدري والغول أي بالفتح الصداع والسكر وبعد المسافة اهـ فلا وجه لقوله يقال والأولى حدفها كما فعله السيد في الشرح وقد حذفها في الشرح أيضا قوله: "في منزل" أي منزل الخانق أوالمخنوق أو غيرهما وقيده بأن يكون خنق غير مرة ق وله: "لسعيه في الأرض بالفساد" علة لقوله ولا يصلى قوله: "في المصر ليلا بالسلاح" لم يأت بالمحترزات وحرره قوله: "ولا يصلى على مقتول عصبية" أي للتعصب والحمية كسعد وحرام بإقليم مصر وقيس ويمن في غيره قال أبو يوسف لا يصلى على كل من قتل على متاع يأخذه وهذا صريح في أن الشخص إذا قتل بسبب أخذه النهب لا يصلى عليه قوله: "وإن غسلوا" عبارة مسكين تفيد أن أهل العصيبة لا يغسلون وكذا عبارة التنوير مع شرحه تفيد عدم غسله كالمكاس قوله: "لا يصلى عليهم" الأولى زيادة أي قوله: "لأنه مؤمن مذنب" فصار كغيره من أصحاب الكبائر كذا في الشرح وفيه أن هذه العلة تظهر فيما سبق قوله: "وقال أبو يوسف لا يصلى عليه" قال في الغاية وهو الأصح ويؤيد بما ورد أنه ﷺ أتى له برجل قتل نفسه بمشقص فلم يصل عليه قوله: "أو لوجع" ذكره في الغاية من غير ذكر خلاف ولعله لأنه في الظاهر ربما يعد معذورا قوله: "أعظم وزرا وإثما من قاتل غيره" لأنه أساء إلى أقرب الأشياء إليه ولأنه لم يرض بقضاء
стр. 651
...................................................................................................................
ــ
الله له ظاهرا حيث استعجل الموت وعطف الإثم على الوزر من عطف المرادف قوله: "عمدا" أخرج بمفهومه الخطأ فإنه يغسل ويصلى عليه وقوله ظلما أخرج به من قتل أباه الحربي أو الباغي والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 652
فصل في حملها ودفنها
"يسن لحملها" حمل "أربعة رجال" تكريما له وتخفيفا وتحاشيا عن تشبيهه بحمل الأمتعة ويكره حمله على ظهر دابة بلا عذر والصغير يحمله واحد على يديه ويتداوله الناس كذلك بأيديهم "وينبغي" لكل واحد "حملها أربعين خطوة يبدأ" الحامل "بمقدمها الأيمن" فيضعه "على يمينه" أي على عاتقه الأيمن ويمينها أي الجنازة ما كان
ــ
فصل في حملها ودفنها
لا يخفى حسن مناسبة تأخير هذا عما قبله واعلم أن أصل الحمل والدفن فرض كفاية ولذا لا يجوز أخذ الأجرة على ذلك إذا تعينوا قهستاني وحمل الجنازة عبادة فينبغي لكل أحد أن يبادر إليها فقد حمل الجنازة سيد المرسلين فإنه حمل جنازة سعد بن عبادة نقله السيد عن الجوهرة قوله: "لحملها" اللام بمعنى في وحمل نائب فاعل يسن والمعنى أن السنة في حملها أن يحملها رجال أربعة قوله: "أربعة رجال" أخرج به النساء وذلك لما أخرجه أبو يعلى عن أنس ﵁ قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأى نسوة فقال: أتحملنه قلن لا قال أتدفنه قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات ولأن الرجال أقوى على ذلك والنساء ضعيفات ومظنه الفتنة والانكشاف إلا إذا لم يوجد رجال كذا في شرح البدر العيني على البخاري قوله: "تكريما له" لأن فيه اعتناء به قوله: "وتخفيفا" أي على الحاملين قوله: "وتحاشيا" أي تباعدا عن تشبيهه بحمل الأمتعة هذا إنما يثبت كرهة حمل الواحد له لا ما فوقه مما عدا الأربعة قوله: "ويكره الخ" الأولى عبارة الشرح حيث قال ولذا يكره على الظهر والدابة أي للتشبيه بحمل الأمتعة يكره الخ وعبارة بعض الأفاضل بعد ذكر حمل الأربعة فيكره أن يكون الحامل أقل من ذلك أو أن يحمل على الدابة أو الظهر لعدم الإكرام إلا إذا كان رضيعا أو فطيما أو فوق ذلك قليلا فلا بأس أن يحمله واحد على يديه أو في طبق راكبا وإلا فهو كالبالغ اهـ قوله: "بلا عذر" أما إذا كان عذر بأن كان المحل بعيدا يشق حمل الرجال له أو لم يكن الحامل إلا واحدا فحمله على ظهره فلا كراهة إذن قوله: "كذلك" الأولى حذفه أو حذف قوله بأيديهم فإن مؤداهما واحد قوله: "بمقدمها" أي مقدم الجنازة أي الميت الأيمن وهو يسار السرير كذا في القهستاني فيجعل عنقه وكتفه الأيسر خارج مقدم الجنازة قوله: "فيضعه على يمينه" إيثارا للتيامن
стр. 653
جهة يسار الحامل لأن الميت يلقى على ظهره ثم يوضع مؤخرها الأيمن عليه أي على عاتقه الأيمن "ثم" يضع "مقدمها الأيسر على يساره" أي على عاتقه الأيسر "ثم يختم ب" الجانب "الأيسر" بحملها "عليه" أي على عاتقه الأيسر فيكون من كل جانب عشر خطوات لقوله ﷺ : "من حمل الجنازة أربعين خطوة كفرت عنه أربعين كبيرة" ولقول أبي هريرة ﵁ "من حمل الجنازة بجوانبها الأربع فقد قضى الذي عليه "ويستحب الإسراع بها" لقوله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة" أي ما دون الخبب كما في رواية ابن مسعود ﵁ "فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" وكذا يستحب الإسراع بتجهيزه كله "بلا خبب" بخاء معجمة وموحدتين مفتوحتين ضرب من العدو دون العنق
ــ
قوله: "ما كان جهة يسار الحامل" إذا وقف مستدبرا لها أي فيجعل يساره خارج عود الجنازة ويجعله على عاتقه الأيمن قوله: "أي على عاتقه الأيسر" وعنقه وكتفه الأيمن خارج الجنازة والمقدم والمؤخر بالفتح والكسر فيهما والكسر أفصح قوله: "ثم يختم بالجانب الأيسر" الأولى زيادة المؤخر وبالختم بالمؤخر يقع الفراغ خلف الجنازة فيمشي خلفها كما في البحر والنهر والدر قوله: "فيكون الخ" تفريع على قول المصنف يبدأ الخ قوله: "كفرت عنه أربعين كبيرة" كفرت بالبناء للمعلوم لنصب أربعين أي كفرت الجنازة أي حملها قاله السيد والذي نقله بعض الأفاضل عن عبارة الحلبي أربعون بالواو فيكون بالبناء للمجهول وأربعون نائب فاعل وهو كذلك في الشرح وفي الحديث التصريح بأن الكبائر تكفر بهذا الفعل ولا ينبئك مثل خبير قوله: "فقد قضى الذي عليه" أي فقد أدى الذي عليه من حق أخيه المسلم ولعل المراد أنه أدى معظمه فإن المطلوب منه أن يذهب معه إلى القبر ولا ينصرف حتى يقبر إلا أن يأذن له الولي "فخير تقدمونها إليه" ولا يقدم على خير إلا من كان من الأخيار وقوله فخير أي ثواب تقدمون الجنازة إليه أي الخير الذي أسلفه أي فيناسب الأسراع به ليناله ويستبشر به ولم يقل في الثاني فثر تقدمونها إليه لأنه لا ينبغي لأحد أن يذهب بشخص إلى الشر فضلا عن أن يسرع به وإنما المقصود مفارقته وهذا لا ينافي حصول الثواب في حمله وأيضا فإن الفضل عميم فيمكن أن يقابل وإن كان من أهل العصيان بالعفو قوله: "وإن تك غير ذلك" أي عاصية وإن لم يذكره استهجانا لذكره وتك مجزوم بسكون النون المحذوفة تخفيفا قوله: "عن رقابكم" أي عنكم فأراد بالرقاب الذوات لأن الحمل ليس على الرقاب قوله: "وكذا يستحب الإسراع بتجهيزه كله" أي من حين موته فلو جهز الميت صبيحة يوم الجمعة يكره تأخير الصلاة عليه ليصلي عليه الجمع العظيم بعد صلاة الجمعة ولو خافوا فوت الجمعة بسبب دفنه يؤخر الدفن اهـ من السيد قوله: "مفتوحات" الأولى أن يقول مفتوحتين أي الخاء والباء الأولى وقد يجاب بأنه أراد بالجمع ما فوق الواحد وفي نسخة مفتوحتان والأولى مفتوحتين قوله: "من العدو" بسكون الدال وتخفيف
стр. 654
والعنق خطو فسيح فيمشون به دون ما دون العنق "وهو ما يؤدي إلى اضطراب الميت" فيكره للازدراء به وإتعاب المتبعين "والمشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الفرض على النفل" لقول علي: "والذي بعث محمدا بالحق إن فضل المشي خلفها على الماشي أمامها كفضل المكتوبة على التطوع". فقال أبو سعيد الخدري: "أبرأيك تقول أم بشيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ " فغضب وقال: " لا والله بل سمعته غير مرة لا اثنتين ولا ثلاث حتى عد سبعا" فقال أبو سعيد: "إني رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمامها" فقال علي ﵁" يغفر الله لهما لقد سمعا ذلك من رسول الله ﷺ كما سمعته وإنهما والله لخير هذه الأمة ولكنهما كرها أن يجتمع الناس ويتضايقوا فأحبا أن يسهلا على الناس" ولقول أبي أسامة "إن
ــ.
الواو المشي قوله: "والعنق خطو فسيح" العنق بفتحتين قوله: "فيمشون به دون ما دون العنق" وما دون العنق هو الخبب فيمشون دون الخبب قوله: "وهو ما يؤدي إلى اضطراب الميت" والأولى ما في البحر حيث قال وحد الإسراع المسنون بحيث لا يضطرب الميت على الجنازة ويحتمل أنه راجع إلى الخيب المتقدم في كلامه قوله: "للازدراء به" أي للاحتقار بالميت قوله: "وأتعاب المتبعين" جمع متبع قوله: "أم شيء سمعته" عبارة البرهان أم بشيء بالباء وعلى حذفها فهو خبر محذوف يعني أم هذا شيء سمعته ويحتمل جره عطفا على برأيك قوله: "حتى عد سبعا" يعني سمعه أكثر من سبع قوله: "وأنهما والله لخير هذه الأمة" هذا من قبيل الاحتراس عن توهم المخالفة للحديث قوله: "لخير هذه الأمة" الخير بمعنى الأخير وإنما لم يثن لأنه أفعل تفضيل أضيف إلى معرفة ويجوز فيه المطابقة وعدمها قوله: "ولكنهما كرها أن يجتمع الناس ويتضايقوا فأحبا أن يفسحا للناس" ١ الذين خلفه وقال الزيلعي وفي المشي أمامها فضيلة أيضا وقال محمد بن الحسن في موطئه المشي أمامها حسن وقيده في الفتح بما إذا لم يتباعد عنها أو يتقدم الكل فيكره لأنه ربما يحتاج للمعاونة اهـ قال في الاختيار وهذا كله إذا لم يكن خلفها نساء فإن كان كما في زماننا كان المشي أمامها أحسن كذا في النهر وهذا أولى مما في السيد عن المؤلف من قوله وإن كان معها نائحة جرت فإن لم تنزجر فلا بأس بالمشي معها ولا تترك السنة بما اقترن بها من البدعة انتهى وسيذكره المؤلف قريبا فإنه يقتضي أن الأحسن المشيء خلفها إقامة للسنة وفي الشرح قال الحاكم في المنتقى وجدت في بعض الروايات أن أبا حنيفة قال لا بأس بالمشي أمام الجنازة وخلفها ويمنة ويسرة اهـ قوله: "حافيا" تواضعا والسنة المشي حافيا في بعض الأحيان قوله: "أو ينفرد متقدما" أي منقطعا عن القوم وهو مروي عن أبي يوسف قوله: "ولا بأس بالركوب خلفها" ويكره أن يتقدمها الراكب قال الحلبي لأنه بسير الراكب أمامها
стр. 655
رسول الله ﷺ مشى خلف جنازة ابنه إبراهيم حافيا. ويكره أن يتقدم الكل عليها أو ينفرد واحد متقدما ولا بأس بالركوب خلفها من غير إضرار لغيره في السنن قال رسول الله ﷺ : "الراكب يسير خلف الجنازة والماشي أمامها قريبا منها عن يمينها أو عن يسارها" "ويكره رفع الصوت بالذكر" والقرآن وعليهم الصمت وقولهم كل حي سيموت ونحو ذلك خلف الجنازة
ــ
يتضرر الناس بإثارة الغبار اهـ وأشار بلا بأس إلى أن المشي أفضل لأنه أقرب إلى التواضع وأليق بحال الشفيع وعن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ تبع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع راكبا على فرسه رواه الترمذي وقال حديث حسن قوله: "وفي السنن" أي الأربعة لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه قوله: "ويكره رفع الصوت" قيل يكره تحريما كما في القهستاني عن القنية وفي الشرح عن الظهيرية فإن أراد أن يذكر الله تعالى ففي نفسه أي سرا بحيث يسمع نفسه وفي السراج ويستحب لمن تبع الجنازة أن يكون مشغولا بذكر الله تعالى والتفكر فيما يلقاه الميت وأن هذا عاقبة أهل الدنيا وليحذر عما لا فائدة فيه من الكلام فإن هذا وقت ذكر وموعظة فتقبح فيه الغفلة فإن لم يذكر الله تعالى فليلزم الصمت ولا يرفع صوته بالقراءة ولا بالذكر ولا يغتر بكثرة من يفعل ذلك وأما ما يفعله الجهال في القراءة على الجنازة من رفع الصوت والتمطيط فيه فلا يجوز بالإجماع ولا يسع أحدا يقدر على إنكاره أن يسكت عنه ولا ينكر عليه اهـ.
قوله: "عليهم الصمت" مبتدأ وخبر١ قوله: "ونحو ذلك" كالأذكار المتعارفة قوله: "بدعة" أي قبيحة كالمسمى بالكفارة ذكر ابن الحاج في المدخل في الجزء الثاني إن من البدع القبيحة ما يحمل أمام الجنازة من الخبز والخرفان ويسمون ذلك عشاء القبر فإذا وصلوا إليه ذبحوا ذلك بعد الدفن وفرقوه مع الخبز وذكر مثله المناوي في شرح الأربعين في حديث من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد قال ويسمون ذلك بالكفارة فإنه بدعة مذمومة اهـ قال ابن أمير حاج ولو تصدق بذلك في البيت سرا لكان عملا صالحا لو سلم من البدعة أعني أن يتخذ ذلك سنة أو عادة لأنه لم يكن من فعل من مضى يعني السلف والخير كله في اتباعهم وفي السراج ويستحب لمن مرت عليه جنازة أو رآها أن يقول سبحان الذي لا يموت لا إله إلا هو الحي القيوم ويدعو للميت بالخير والتثبيت اهـ وفي شرعة الإسلام إذا رآها يقول هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله اللهم زدنا إيمانا وتسليما ويكثر من التسبيح والتهليل خلف الجنازة ولا يتكلم بشيء من كلام الدنيا ولا ينظر يمينا ولا شمالا فإن ذلك يقسي القلب اهـ ولا ينبغي أن يرجع من يتبع الجنازة حتى يصلى بحر.
стр. 656
بدعة ويكره اتباع النساء الجنائز وإن لم تنزجر نائحة فلا بأس بالمشي معها وينكره بقلبه ولا بأس بالبكاء بدمع في منزل الميت ويكره النوح والصياح وشق الجيوب ولا يقوم من مرت به جنازة ولم يرد المشي معها والأمر به منسوخ "و" يكره "الجلوس قبل وضعها" لقوله ﵇ "من تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع" "ويحفر القبر نصف قامة أو إلى الصدر وإن زيد كان حسنا" لأنه أبلغ في الحفظ "ويلحد" في الأرض صلبة من جانب القبلة "ولا يشق" بحفيرة في وسط القبر يوضع فيها الميت "إلا في أرض رخوة" فلا بأس به فيها
ــ
قوله: "ويكره اتباع النساء الجنائز" أي تحريما كما في الدر قوله: "وإن لم تنزجر نائحة الخ" قال في السراج وقد أجمعت الأمة على تحريم النوح والدعوى بدعوى الجاهلية وفي البحر عن المجتبى إذا استمع باكية ليرق قلبه ويبكي فلا بأس به إذا أمن الوقوع في الفتنة لاستماعه ﷺ لبواكي حمزة اهـ قوله: "فلا بأس بالمشي معها" أفاد أنه خلاف الأولى قوله: "ولا بأس بالبكا" بالقصر لأن المراد خروج الدمع قوله: "بدمع" أي لا بصوت فإنه مكروه قوله: "في منزل الميت" ليس بقيد فيما يظهر قوله: "ويكره النوح" أي يحرم لما تقدم عن السراج قوله: "ولا يقوم الخ" فهو مكروه كما في القهستاني قوله: "ولم يرد" بضم الياء وكسر الراء والواو للحال قوله: "قبل وضعها" أي عن أعناق الرجال لقوله ﷺ : "من تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع" وفي الجلوس قبل وضعها ازدراء بها اهـ من الشرح ويكره القيام بعده كما في الدر لما روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ كان لا يجلس حتى يوضع الميت في اللحد فكان قائما مع أصحابه على رأس قبر فقال يهودي هكذا نصنع في موتانا فجلس ﷺ وقال لأصحابه: "خالفوهم" يعني في القيام بعد وضعه عن الأعناق فلذاكره كذا في البحر قوله: "ويحفر القبر نصف قامة" في الحجة روى الحسن بن زياد عن الإمام رحمه الله تعالى قال طول القبر على قدر طول الإنسان وعرضه قدر نصف قامة كذا في الشرح عن التتارخانية قوله: "لأنه أبلغ في الحفظ" أي حفظ الميت من السباع وحفظ الرائحة من الظهور قوله: "ويلحد" يقال لحد القبر أي جعل فيه لحد أو ألحد الميت وضعه في اللحد بفتح اللام كفلس وبضمها كقفل وجمع الأول الحود والثاني ألحاد وهو حفيرة تجعل في جانب القبلة من القبر يوضع فيها الميت وينصب عليها اللبن قهستاني والسنة أن يدخل الميت فيه بالسواء ولا يدخل فيه منكوسا على رأسه لمخالفة السنة ولأنه قد تنزل المواد إلى فمه وأنفه ولأن فيه تشاؤما بإنزاله أول منزل من منازل الآخرة منكوسا على رأسه ذكره ابن الحاج في المدخل قوله: "يوضع فيها الميت" بعد أن يبنى حافتاه باللبن أو غيره ثم يوضع الميت بينهما ويسقف عليه باللبن أو الخشب ولا يمس السقف الميت وأوصى كثير من الصحابة أن يرموا في التراب من غير لحد ولا شق وقال ليس أحد جنبي أولى بالتراب من الآخر ويوقي وجهه التراب بلبنتين أو ثلاث
стр. 657
ولا باتخاذ التابوت ولو من حديد ويفرش فيه التراب لقوله ﷺ : "اللحد لنا والشق لغيرنا" ويدخل الميت في القبر "من قبل القبلة" كما دخل النبي ﷺ إن أمكن فتوضع الجنازة على القبر من جهة القبلة ويحمله الآخذ مستقبلا حال الأخذ ويضعه في اللحد لشرف القبلة وهو أول من السل لأنه يكون ابتداء بالرأس أو يكون بالرجلين "ويقول واضعه" في قبره كما أمر به النبي ﷺ وكان يقوله إذا أدخل الميت القبر "بسم الله وعلى ملة رسول الله" قال شمس الأئمة السرخسي: أي بسم الله وضعناك وعلى ملة رسول الله سلمناك وفي الظهيرية: إذا وضعوه قالوا: بسم الله وبالله وفي الله وعلى ملة رسول الله " ﷺ " ولا يضر دخول وتر أو شفع في القبر بقدر الكفاية والسنة الوتر وأن يكونوا أقرباء أمناء صلحاء
ــ
قوله: "ولا باتخاذ التابوت ولو من حديد" ويكون من رأس المال إذا كانت الأرض رخوة أو ندية ويكره التابوت في غيرها بإجماع العلماء قوله "ويفرش فيه التراب" ويكره أن يوضع تحت الميت في القبر مضربة أو مخدة أو حصيرة أو نحو ذلك وفي كتب الشافعية والحنابلة ويجعل تحت رأس الميت لبنة أو حجر قال السروجي ولم أقف عليه لأصحابنا وذكر ابن الحاج في المدخل أنه ينبغي أن يجتنب ما أحدثه بعضهم من أنهم يأتون بماء الورد فيجعلونه على الميت في قبره فإن ذلك لم يرو عن السلف ﵃ فهو بدعة قال ويكفيه من الطيب ما عمل له وهو في البيت فنحن متبعون لا مبتدعون فحيث وقف سلفنا وقفنا اهـ قوله: "والشق لغيرنا" أي لغير المسلمين قوله: "ويدخل الميت في القبر من قبل القبلة" أي ندبا قوله: "إن أمكن" وإلا فبحسب الإمكان قوله: "لشرف القبلة" علة لقوله ويدخل وقوله مستقبلا قوله: "وهو أولى من السل" ورد أنه ﷺ سل سلا وحمل على حالة الضرورة لضيق المكان أو لخوف أن ينهار اللحد لرخاوة الأرض على أنه لا تعارض لأنه فعل بعض الصحابة وما تقدم فعل النبي ﷺ والسل أن توضع الجنازة على يمين القبلة من مؤخر القبر بحيث يكون رأس الميت بإزاء موضع قدميه من القبر فيسله الواقف إلى القبر من جهة رأسه قوله: "ويقول واضعه الخ" أي ندبا كما في الدر قوله: "وكان يقوله" أي النبي ﷺ كذا في التبيين قوله: "وعلى ملة رسول الله الخ" قال الإمام الماتريدي هذا ليس بدعاء لأنه لا تبديل عن الذي مات عليه غير أن المؤمنين شهداء الله في الأرض يشهدون بوفاته على الإيمان وبه جرت السنة كذا في البحر قوله: "قالوا باسم الله وبالله الخ" أي وضعناك متبركين باسم الله وبه آمنا وفي رضاه رغبنا ونحن في ذلك كله على ملته ودينه قهستاني قوله: "ولا يضر دخول وتر" في الحلبي عن الذخيرة ولا يتعين عدد الواضعين لأن المعتبر حصول الكفاية ودخل قبره ﷺ أربعة علي والعباس وابنه الفضل واختلف في الرابع هل هو صهيب أو المغيرة أو أبو رافع أو صالح قوله: "وأن يكونوا أقوياء" أي على الحمل قوله: "أمناء" أي بحيث لو اطلعوا على شيء أخفوه وقوله صلحاء أي فلا تخالطهم شهوة
стр. 658
وذو الرحم المحرم أولى بإدخال المرأة ثم ذو الرحم غير المحرم ثم الصالح من مشايخ جيرانها ثم الشبان الصلحاء ولا يدخل أحد من النساء القبر ولا يخرجهن إلا الرجال ولو كانوا أجانب لأن مس الأجنبي لها بحائل عند الضرورة جائز في حياتها فكذا بعد موتها "ويوجه إلى القبلة على جنبه الأيمن" بذلك أمر النبي ﷺ وفي حديث أبي داود "البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا " "وتحل العقدة" لأمر النبي ﷺ لسمرة وقد مات له ابن "أطلق عقد رأسه وعقد رجليه" لأنه أمن من الانتشار "ويسوى اللبن" بكسر الباء الموحدة واحدة لبنة بوزن كلمة الطوب النيء "عليه" أي على اللحد اتقاء لوجهه عن التراب لما روي أنه ﵊ جعل على قبره اللبن وروي طن من قصب بضم الطاء المهملة الحزمة ولا منافاة لإمكان الجمع بوضع اللبن منصوبا ثم أكمل بالقصب وقال محمد في الجامع الصغير "و" يستحب "القصب" واللبن وقال في الأصل اللبن والقصب فدل
ــ
قوله: "ثم ذو الرحم غير المحرم" المحرم غير ذي الرحم بمصاهرة أو رضاع مقدم عليه قوله: "من مشايخ جيرانها" قيل الشيخ من بلغ الثلاثين إلى الخمسين قوله: "ثم الشبان" هم من لم يبلغ السن المذكور قوله: "ولا يدخل أحد من النساء القبر" ولاكافر ولو كانا قريبين للميت ذكره ابن أمير حاج وفي نسخة بنصب أحد ولا وجه له إلا أن يجعل الفاعل ضميرا يعود على الولي مثلا قوله: "ولا يخرجهن إلا الرجال" كذا في نسخة أي لا يخرجهن من الجنازة إلى القبر وكذا من المغتسل إلى السرير وفي نسخة ولا يخرجن والمعنى لا يخرجن إلى التشييع وتقدم ما فيه قوله: "عند الضرورة" كالمداواة قوله: "ويوجه إلى القبلة" وجوبا كما في الدر أوا ستنانا كما في ابن أمير حاج عن الإمام فلو وضع لغير القبلة أو على يساره ثم تذكروا قال الإمام إن كان بعد تسريج اللبن قبل أن ينهال التراب عليه أزالوا ذلك ووجه إليها على يمينه وإن أهالوا التراب لا ينبش القبر لأن ذلك سنة والنبش حرام اهـ قوله: "بذلك أمر النبي ﷺ " عليا لما مات رجل من بني عبد المطلب فقال يا علي استقبل به القبلة استقبالا وقولوا جميعا باسم الله وعلى ملة رسول الله وضعوه لجنبه ولا تكبوه على وجهه ولا تلقوه على ظهره كذا في الجوهرة وفي الحلبي ويسند الميت من ورائه بنحو تراب لئلا ينقلب اهـ قوله: "وتحل العقدة" ويقول الحال اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده قوله: "أطلق عقد رأسه" بهمزة قطع مفتوحة وعقد الظاهر أنه بفتح العين وسكون القاف على صيغة المصدر لا صيغة الجمع قوله: "ويسوى اللبن" بفتح اللام فيه وفي مفرده وبكسر الباء فيهما ومن العرب من يكسر اللام فيهما مع سكون الباء مثل لبدة ولبد وهو كما في الصحاح ما يعمل من الطين مربعا ويبنى به قوله: "جعل على قبره اللبن" وكان عدد لبنات لحده ﷺ تسعا قوله: "ثم أكمل بالقصب" خوف نزول التراب من الشقوق قال الوبري يستحب اللبن والقصب والحشيش في اللحد فيقيم اللبن عليه من جهة القبر ويسد شقوقه لئلا ينزل التراب منها على الميت اهـ قوله: "وقال في
стр. 659
المذكور في الجامع على أنه لا بأس بالجمع بينهما واختلف في القصب المنسوج ويكره إلقاء الحصير في القبر وهذا عند الوجدان وفي محل لا يوجد إلا الصخر فلا كراهة فيه فقولهم "وكره" وضع "الآجر" بالمد المحرق من اللبن "والخشب" محمول على وجود اللبن بلا كلفة وإلا فقد يكون الخشب والآجر موجودين ويقدم اللبن لأن الكراهة لكونهما للإحكام والزينة ولذا قال بعض مشايخنا إنما يكره الآجر إذا أريد به الزينة أما إذا أريد به دفع أذى السباع أو شيء آخر لا يكره وما قيل إنه لمس النار فليس بصحيح "و" يستحب "أن يسجى" أي يستر "قبرها" أي المرأة سترا لها إلى أن يسوى عليها اللحد "لا" يسجى قبره لأن عليا ﵁ مر بقوم قد دفنوا ميتا وبسطوا على قبره ثوبا فجذبه وقال إنما يصنع هذا بالنساء إلا إذا كان لضرورة دفع حر أو مطر أو ثلج عن الداخلين في القبر فلا بأس به "ويهال التراب" سترا له ويستحب أن يحثى ثلاثا لما روي أنه ﷺ : صلى على جنازة
ــ
الأصل" أي المبسوط وتأليفه قبل تأليف الجامع الصغير وكلاهما للإمام محمد ﵁ قوله: "على أنه لا بأس بالجمع" الأولى أن يقول على إباحة الجمع قوله: "في القصب المنسوج" أي المجموع بعضه إلى بعض بنحو حبل كالذي يفعله الخصاصون في بولاق وكالحصر قوله: "وهذا" أي استحباب اللبن والقصب قوله: "لا الصخر" أي أو الآجر قوله: "وإلا فقد يكون الخ" أي وإن لم تحمل كراهة الآجر والخشب على حال وجود اللبن بل قلنا بالكراهة مطلقا يكون حرجا لأنه قد يكون اللبن معدوما ويوجدان والتكليف به حينئذ فيه حرج عظيم قوله: "لأن الكراهة الخ" علة لمحذوف أي فلا يكرهان حينئذ لأن الكراهة لكونهما للأحكام والزينة وهذا إنما يكون غالبا عند وجود غيرهما أما عند العدم فاستعمالهما للضرورة قوله: "ولذا قال بعض مشايخنا" قال في الخانية يكره الآجر إذا كان مما يلي الميت أما فيما وراء ذلك فلا بأس وفي الحسامي وقد نص إسمعيل الزاهد بالآجر خلف اللبن على اللحد وأوصى به كذا في الشرح قوله: "أو شيء آخر" كقطع الرائحة أو كانت البلاد كثيرة المطر فيذهب اللبن وهو مرفوع عطف على دفع قوله: "فليس بصحيح" لأن الكفن مسته النار ويغسل الميت بالماء الحار وأجيب بأن النار لم تمس الماء بخلاف الآجر كما هو ظاهر حموي وبأن الآجر به أثر النار فيكره في القبر للتشاؤم بخلاف الغسل بالماء الحار فإنه يقع في البيت فلا يكره كما لا يكره الإجمار فيه بخلاف القبر وبمثل ما ذكر يجاب عن الكفن قوله: "أن يسجى" بتشديد الجيم مصباح قوله: "إلى أن يستوى عليها اللحد" وفي المحيط إذا وضعت في اللحد استغنى عن التسجية قهستاني قوله: "لا يسجى قبره" في الجلابي عبارة أصحابنا في تسجية قبره مختلفة منها ما يدل على الجواز ومنها ما يدل على الكراهة قهستاني قوله: "إنما يصنع هذا بالنساء" هو آخر الأثر قوله: "ويهال التراب" في القبر بالأيدي وبالمساحي وبكل ما أمكن قوله: "ويستحب" أي لمن شهد دفن الميت أن يحثى في قبره
стр. 660
ثم أتى القبر فحثا عليه التراب من قبل رأسه ثلاثا "ويسنم القبر" ويكره أن يزيد فيه على التراب الذي خرج منه ويجعله مرتفعا عن الأرض قدر شبر أو أكثر بقليل ولا بأس برش الماء حفظا له "ولا يربع" ولا يجصص لنهي النبي ﷺ عن تربيع القبور وترصيصها "ويحرم البناء عليه للزينة" لما رويناه "ويكره" البناء عليه "للإحكام بعد الدفن" لأنه للبقاء والقبر للفناء وأما قبل الدفن فليس بقبر وفي النوازل لا بأس بتطيينه وفي الغياثية: وعليه الفتوى. "ولا بأس" أيضا "بالكتابة" في حجر صين به القبر ووضع "عليه لئلا يذهب الأثر"
ــ.
ثلاث حثيات بيديه جميعا من قبل رأسه ويقول في الأولى منها خلقنا كم وفي الثانية وفيها نعيدكم وفي الثالثة ومنها نخرجكم تارة أخرى قوله: "ويسنم القبر" ندبا وقيل وجوبا والأول أولى وهو أن يرفع غير مسطح كذا في المغرب وقوله بعد ويجعله مرتفعا الأولى تقديمه على قوله ويكره أن يزيد الخ وقوله قدر شبر هو ظاهر الرواية وقيل قدر أربع أصابع وتباح الزيادة على قدر شبر في رواية كما في القهستاني قوله: "ويكره أن يزيد فيه على التراب الذي خرج منه" لأنها بمنزلة البناء بحر وهو رواية الحسن عن الإمام وعن محمد لا بأس بها قوله: "ولا بأس برش الماء" بل ينبغي أن يكون مندوبا لأن النبي ﷺ فعله بقبر عيد وقبر ولده إبراهيم وأمر به في قبر عثمان بن مظعون وفي كتاب النورين من أخذ من تراب القبر بيده وقرأ عليه سورة القدر سبعا وتركه في القبر لم يعذب صاحب القبر ذكره السيد قوله: "ولا يربع" به قال الثوري والليث ومالك وأحمد والجمهور وقال الشافعي والتربيع أفضل روى أن من شاهد قبره الشريف قال إنه مسلم قوله: "ولا يجصص" به قالت الثلاثة لقول جابر نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور وإن يكتب عليها وأن يبنى عليهارواه مسلم وأبو د اود والترمذي وصححه وزاد وأن توطأ قوله: "لنهي النبي ﷺ " يفيد أن ما ذكره مكروه تحريما قوله: "لما روينا" من النهي عن التجصيص والتربيع فإنه من البناء قوله: "ويكره البناء عليه" ظاهر إطلاقه الكراهة أنها تحريمية قال في غريب الخطابي نهى عن تقصيص القبور وتكليلها انتهى التقصيص التجصيص والتكليل بناء الكاسل وهي القباب والصوامع التي تبنى على القبر قوله: "وأما قبل الدفن الخ" أي فلا يكره الدفن في مكان بنى فيه كذا في البرهان قال في الشرح وقد اعتاد أهل مصر وضع الأحجار حفظا للقبور عن الإندارس والنبش ولا بأس به وفي الدر ولا يجصص ولا يطين ولا يرفع عليه بناء وقيل لا بأس به هو المختار اهـ قوله: "وفي النوازل لا بأس بتطيينه" وفي التجنيس والمزيد لا بأس بتطيين القبور خلافا لما في مختصر الكرخي لأن رسول الله ﷺ مر بقبر ابنه إبراهيم فرأى فيه حجر أسقط فيه فسده وقال: "من عمل عملا فليتقنه" وروى البخاري أنه ﷺ رفع قبر ابنه إبراهيم شبرا وطينه بطين أحمر اهـ قوله: "ولا بأس أيضا بالكتابة" قال في البحر الحديث المتقدم يمنع الكتابة فليكن هو المعول عليه لكن فصل في المحيط فقال إن احتيج
стр. 661
فيحترم للعلم بصاحبه "ولا يمتهن" وعن أبي يوسف أنه كره أن يكتب عليه. وإذا خربت القبور فلا بأس بتطيينها لأن الرسول ﷺ مر بقبر ابنه إبراهيم فرأى فيه جحرا فسده وقال: "من عمل عملا فليتقنه" وعن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "خفق الرياح وقطر الأمطار على قبر المؤمن كفارة لذنوبه" "ويكره الدفن في البيوت لاختصاصه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام" قال الكمال لا يدفن صغير ولا كبير في البيت الذي مات فيه فإن ذلك خاص بالأنبياء ﵈ بل يدفن في مقابر المسلمين "ويكره الدفن في" الأماكن التي تسمى "الفساقي" وهي كبيت معقود في البناء يسع جماعة قياما ونحوه لمخالفتها السنة "ولا بأس بدفن أكثر من واحد" في قبر واحد "للضرورة" قال قاضيخان "ويحجز بين كل اثنين بالتراب" هكذا أمر رسول الله ﷺ في بعض الغزوات ولو بلي الميت وصار ترابا جاز دفن
ــ
إلى الكتابة حتى لا يذهب الأثر ولا يمتهن به جازت فأما الكتابة من غير عذر فلا اهـ قوله: "رأى حجرا" أي سقط قوله: "أنه قال خفق الرياح" كذا فيما رأيته من نسخ الصغير بالخاء وفي الكبير صفق بالصاد وهو الذي رأيته في تحرير بعض الأفاضل عازيا إلى كفاية الشعبي قال في القاموس إصفقت الريح الأشجار حركتها وفيه خفقت الراية تخفق وتخفق خفقا خفقانا محركة اضطربت وتحركت وخوافق السماء التي تخرج منها الرياح الأربع اهـ فكل يأتي بمعنى التحريك والمعنى أن تحريك الرياح على قبره كغارة لذنوبه قوله: "ويكره الدفن في البيوت" إلا لضرورة مضمرات قوله: "ويكره الدفن في الفساقي" من وجوه الأول عدم اللحد الثاني دفن الجماعة لغير ضرورة الثالث اختلاط الرجال بالنساء من غير حاجز كما هو الواقع في كثير منها الرابع تجصيصها والبناء عليها قاله السيد إلا أن في نحو قرافة مصر لا يتأتى اللحد ودفن الجماعة لتحقق الضرورة وأما البناء فقد تقدم الاختلاف فيه وأما الاختلاط فللضرورة فإذا فعل الحاجز بين الأموات فلا كراهة وصرح المصنف بعد بجواز دفن المتعددين في قبر واحد للضرورة قوله: "للضرورة" فإن وجدت جازت الزيادة عليه فيقدم الأفضل فالأفضل إلى جهة القبلة فيما إذا اتحد الجنس وإلا فالرجل ثم الغلام ثم الخنثى ثم الأنثى كما في البدائع ومن الضرورة المبيحة لجمع ميتين فصاعدا في قبر واحد ابتداء على ما ذكره ابن أمير حاج قلة الدافنين أو ضعفهم أو اشتغالهم بما هو أهم وليس منها دفن الرجل مع الرجل قريبه ولا ضيق محل الدفن في تلك المقبرة مع وجود غيرها وإن كانت تلك المقبرة مما يتبرك بالدفن فيها لمجاورة الصالحين فضلا عن هذه الأمور لما فيه من هتك حرمة الميت الأول وتفريق أجزائه فيمنع من ذلك اهـ قوله: "ويحجز بين كل اثنين بالتراب" ندبا إن أمكن كما في ابن أمير حاج ليكون في حكم قبرين كما في العيني على البخاري قوله: "هكذا أمر رسول الله ﷺ في بعض الغزوات" قال بعض الأفاضل لم أجده فيما علمت وإنما هو قول العلماء حتى إن أشهب صاحب مالك أنكره وقال لا معنى له إلا التضييق على ما نقله عنه
стр. 662
غيره في قبره ولا يجوز كسر عظامه ولا تحويلها ولو كان ذميا ولا ينبش وإن طال الزمان وأما أهل الحرب فلا بأس بنبشهم إن احتيج إليه "ومن مات في سفينة وكان البر بعيدا وخيف الضرر" به "غسل وكفن" وصلى عليه "وألقي في البحر" وعن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يثقل ليرسب وعن الشافعية كذلك إن كان قريبا من دار الحرب والأشد بين لوحين ليقذفه البحر فيدفن "ويستحب الدفن في" المقبرة "محل مات به أو قتل" لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت حين زارت قبر أخيها عبد الرحمن وكان مات بالشام وحمل منها: لو كان الأمر فيك إلي ما نقلتك ولدفنتك حيث مت "فإن نقل قبل الدفن قدر ميل
ــ
البدر العيني في شرح البخاري قوله: "جاز دفن غيره في قبره" وزرعه والبناء عليه كذا في التبيين قوله: "ولو كان ذميا" في التتارخانية مقابر أهل الذمة لا تنبش وإن طال الزمن لأنهم أتباع المسلمين أحياء وأمواتا بخلاف أهل الحرب إذا احتيج إلى نبشهم فلا بأس به اهـ وسئل أبو بكر الأسكافي عن المرأة تقبر في قبر الرجل فقال إن كان الرجل قد بلى ولم يبق له لحم ولا عظم جاز وكذا العكس وإلا فإن كانوا لا يجدون يدا يجعلون عظام الأول في موضع وليجعلوا بينهما حاجزا بالصعيد اهـ قال في الشرح ولا يخفى أن ضم عظام المسلم يحصل به خلال ولا تخلو به عن كسر بسبب التحويل خصوصا الآن كما اعتاده الحفارون من إتلاف القبور التي لا تزار إلا قليلا ولا يتعاهدها أهلها ونقل عظام الموتى أو طمسها أو جمعها في حفرة وإيهام أن المحل لم يكن به ميت فلا يقال تضم أو تجعل عظام الأول في موضع دفعا للضرر عن موتى المسلمين اهـ وفي البرهان ويكره الدفن ليلا بلا عذر لقوله ﷺ : "لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا" رواه ابن ماجه وفي الجوهرة لا بأس بذلك لأن النبي ﷺ دفن ليلة أربعاء وعثمان وفاطمة وعائشة رضي الله تعالى عنهم دفنوا ليلا ولكنه بالنهار أفضل لأنه أمكن اهـ قوله: "وخيف الضرر به" أي التغير أما إذا لم يخف عليه التغير ولو بعد البر أو كان البر قريبا وأمكن خروجه فلا يرمي كما يفيده مفهومه والظاهر عليه حرمة رميه وحرره نقلا قوله: "وألقى في البحر" مستقبل القبلة على شقه الأيمن ويشد عليه كفنه وقوله ليرسب أي ليثبت في قعر البحر وفي القاموس رسب في الماء كنصر وكرم رسوبا ذهب سفلا قوله: "وعن الشافعية الخ" نقله بعض الأفاضل عن أهل مذهبنا أيضا قوله: "فيدفن" أي يدفنه المسلمون الذين يجدونه بساحل البحر قوله: "في مقبرة محل مات به" انظر حكم ما إذا تعددت المقابر في محل وأبيح الدفن في كلها أوله في كل قبر هل يكون الدفن في القربى أولى أو يعتبر الجيران الصالحون يحرر قوله: "لما روي عن عائشة الخ" ولأنه اشتغال بما لا يفيد إذ الأرض كلها كفات مع ما فيه من تأخير دفنه وكفي بذلك كراهة قوله: "حين زارت قبر أخيها عبد الرحمن" أي بمكة قوله: "فإن نقل قبل الدفن الخ" في البرهان لا بأس بنقله قبل تسوية اللبن نحو ميل أو ميلين اهـ أي وأما بعد التسوية قبل إهالة
стр. 663
أو ميلين" ونحو ذلك "لا بأس به" لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار "وكره نقله لأكثر منه" أي أكثر من الميلين كذا في الظهيرية وقال شمس الأئمة السرخسي وقول محمد في الكتاب لا بأس أن ينقل الميت قدر ميل أو ميلين بيان أن النقل من بلد إلى بلد مكروه وقال قاضيخان وقد قال قبله لو مات في غير بلده يستحب تركه فإن نقل إلى مصر آخر لا بأس به لما روي أن يعقوب صلوات الله عليه مات بمصر ونقل إلى الشام وسعد ابن أبي وقاص مات في ضيعة على أربعة فراسخ من المدينة ونقل على أعناق الرجال إلى المدينة. قلت يمكن الجمع بأن الزيادة مكروهة في تغيير الرائحة أو خشيتها وتنتفي بانتفائها لمن هو مثل يعقوب ﵇ وسعد ﵁ لأنهما من أحياء الدارين "ولا يجوز نقله" أي الميت "بعد دفنه" بأن أهيل عليه التراب وأما قبله فيخرج "بالإجماع" بين أئمتنا طالت مدة دفنه أو قصرت للنهي عن نبشه والنبش حرام حقا لله تعالى "إلا أن تكون لأرض
ــ.
التراب فلا كما في البرازية والخلاصة عن الجامع الصغير للحاكم عبد الرحمن وظاهر ذلك ولو لغير ضرورة وسيأتي عن الزيلعي والمنبع جواز نقله قبل الإهالة ولو بعد التسوية وعليه مشى الشرح فيما يأتي والظاهر اعتماده إذ ما في الشرح مقدم على ما في الفتاوى قوله: "ونحو ذلك" أي قريبا من الميلين قوله: "لأن المسافة الخ" أي وإذا جاز النقل في هذه الصورة مع إمكان دفنه في أولها مثلا جاز نقله وهذا التعليل لا يظهر إلا فيما قبل الدفن لا فيما بعد التسوية قبل الإهالة قوله: "أي أكثر من الميلين" كثرة فاحشة أما الزيادة عليهما بقدر يسير فلا تضر فلا ينافي قوله قبل ونحو ذلك قوله: "بيان أن النقل من بلد إلى بلد مكروه" أي تحريما لأن قدر الميلين فيه ضرورة ولا ضرورة في النقل إلى بلد آخر وقيل أيجوز ذلك إلى ما دون مدة السفر وقيل في مدة السفر أيضا كذا في الحلبي وفيه أن كلام محمد مطلق عن قيد لضرورة وأيضا لا تظهر الكراهة في نقله من بلد إلى بلد إلا إذا كانت المسافة أكثر من ميلين قوله: "وقد قال قبله" أي قاضيخان قبل نقله عبارة شمس الأئمة السرخسي قوله: "فإن نقل إلى مصر آخر لا بأس به" وظاهره عدم كراهة النقل من بلد إلى بلد مطلقا قوله: "لما روي أن يعقوب الخ" وموسى ﵇ نقل تابوت يوسف ﵇ من مصر إلى الشام بعد زمان قوله: "قلت الخ" أضله للكمال فإنه قال في رده كلام صاحب الهداية في التجنيس أنه لا إثم في النقل من بلد إلى بلد لما نقل أن يعقوب الخ ما نصه أن ذلك شرع من قبلنا ولم تتوفر فيه شروط كونه من شرعنا ولأن أجساد الأنبياء ﵈ أطيب ما يكون حال الموت كالحياة والشهداء كسعد ﵁ ليسوا كغيرهم ممن جيفتهم أشد نتنا من جيفة البهائم فلا يلحق بهم اهـ قوله: "وأما قبله" أي قبل ما ذكر من إهالة التراب عليه وظاهره أنه يخرج ولو بعد تسوية اللبن قبل الإهالة وهو الذي في الزيلعي والمنح وقد تقدم عن البزازية والخلاصة ما يخالفه قوله: "للنهي عن نبشه" فلو دفن ولدها بغير بلدها وهي
стр. 664
مغصوبة" فيخرج لحق صاحبها إن طلبه وإن شاء سواه بالأرض وانتفع بها زراعة أو غيرها "أو أخذت" الأرض "بالشفعة" بأن دفن بها بعد الشراء ثم أخذت بالشفعة لحق الشفيع فيتخير كما قلنا "وإن دفن في قبر حفر لغيره" من الأحياء بأرض ليست مملوكة لأحد "ضمن قيمة الحفر" وأخذ من تركته وإلا فمن بيت المال أو المسلمين كما قدمناه فإن كانت المقبرة واسعة يكره لأن صاحب القبر يستوحش بذلك وإن كانت الأرض ضيقة جاز أي بلا كراهة قال الفقيه أبو الليث ﵀ لأن أحدا من الناس لا يدري بأي أرض يموت وهذا كمن بسط بساطا أو مصلى أي سجادة في المسجد أو المجلس فإن كان واسعا لا يصلي ولا يجلس عليه غيره وإن كان المكان ضيقا جاز لغيره أن يرفع البساط ويصلي في ذلك المكان أو يجلس ومن حفر قبرا قبل موته فلا بأس به ويؤجر عليه هكذا عمل عمر بن عبد العزيز والربيع بن خثعم وغيرهم "ولا يخرج منه"
ــ
لا تصبر وأرادت نبشه ونقله إلى بلدها لا يباح لها ذلك فتجويز بعض المتأخرين لا يلتفت إليه ولا يباح نبشه بعد الدفن أصلا كذا في الفتح وغيره قوله: "إلا أن تكون الأرض مغصوبة" في المضمرات النقل بعد الدفن على ثلاثة أوجه في وجه يجوز باتفاق وفي وجه لا يجوز باتفاق وفي وجه اختلاف أما الأول فهو إذا دفن في أرض مغصوبة أو كفن في ثوب مغصوب ولم يرض صاحبه إلا بنقله عن ملكه أو نزع ثوبه جاز أن يخرج منه باتفاق وأما الثاني فكالأم إذا أرادت أن تنظر إلى وجه ولدها أو نقله إلى مقبرة أخرى لا يجوز باتفاق وأما الثالث إذا غلب الماء على القبر فقيل يجوز تحويله لما روي أن صالح بن عبيد الله رؤي في المنام وهو يقول حولوني عن قبري فقد آذاني الماء ثلاثا فنظروا فإذا شقه الذي يلي الماء قد أصابه الماء فأفتى ابن عباس ﵄ بتحويله وقال الفقيه أبو جعفر يجوز ذلك أيضا ثم رجع ومنع قوله: "فيخرج لحق صاحبها" لأنه يملك ظاهرها وباطنها قوله: "كما قلنا" في الأرض المغصوبة من إخراجه أو انتفاع المالك بها زراعة وغيرها وصورة الشفعة أن يشتري المتوفى قبل موته أرضا من بائع له شريك فيها أو جار ثم دفن فيها بعد موته فعلم من له الشفعة فطلبها فأخذها بالشفعة وكذا لو اشتراها الوارث أو نحوه قوله: "ليست مملوكة لأحد" أما إذا كانت مملوكة لأحد فهي مغصوبة وحكمها سبق قوله: "ضمن قيمة الحفر" بالبناء للمجهول والضامن أما الوارث أو بيت المال أو أغنياء المسلمين قوله: "أو المسلمين" أي إن لم يكن في بيت المال شيء أو كان وظلم قوله: "يستوحش" أي يغتم ويحزن قوله: "لأن أحدا من الناس الخ" أي فيمكن أنه لا يدفن حافره فيه فلم يتحتم له حق فيه قوله: "أو المجلس" أي كمجلس أهل العلم قوله: "أن يرفع البساط" أي ينحيه ولا يرفعه بيده لئلا يدخل في ضمانه إذا ضاع كما تقدم في السترة قوله: "هكذا عمل عمر بن عبد العزيز" وعن أبي بكر ﵁ أنه رأى رجلا عنده مسحاة يريد
стр. 665
لأن الحق صار له وحرمته مقدمة "وينبش" القبر "لمتاع" كثوب ودرهم "سقط فيه" وقيل لا ينبش بل يحفر من جهة المتاع ويخرج "و" ينبش "لكفن مغصوب" لم يرض صاحبه إلا بأخذه "ومال مع الميت" لأن النبي ﷺ أباح نبش قبر أبي رغال لذلك "ولا ينبش" الميت "بوضعه لغير القبلة أو" وضعه "على يساره" أو جعل رأسه موضع رجليه ولو سوي اللبن عليه ولم يهل التراب نزع اللبن وراعى السنة.
"تتمة" قال كثير من متأخرة أئمتنا ﵏ يكره الاجتماع عند صاحب حتى يأتي إليه من يعزي بل إذا رجع الناس من الدفن فليفرقوا ويشتغلوا بأمورهم وصاحب
ــ
أن يحفر لنفسه قبرا فقال لا تعدد لنفسك قبرا وأعدد نفسك للقبر قال البرهان الحلبي والذي ينبغي أنه لا يكره تهيئة نحو الكفن لأن الحاجة إليه تتحقق غالبا بخلاف القبر لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] الظاهر أن الإنبغاء وعدمه هنا بمعنى الأولى وعدمه لا الوجوب وعدمه قوله: "لذلك" أي لمال وهو قضيب ذهب وضع معه قوله: "تتمة الخ" مما يلحق بذلك أنهم إذا فرغوا من دفنه يستحب الجلوس عند قبره بقدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه يتلون القرآن ويدعون للميت فقد ورد أنه يستأنس بهم وينتفع به وعن عثمان ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" رواه أبو داود وتلقينه بعد الدفن حسن واستحبه الشافعية لما عن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس القبر ثم ليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب ثم ليقل يا فلان يا ابن فلانة فإنه يستوي قاعدا ثم ليقل يا فلان يا ابن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله تعالى ولكنكم لا تسمعون فيقول اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما ويقول انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته ويكون الله حجيجهما عنه" فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه قال: "ينسبه إلى أمه حواء" رواه الطبراني في الكبير وهو وإن كان ضعيف الإسناد كما ذكره الحافظ لكن قال ابن الصلاح وغيره اعتضد بعمل أهل الشام قديما كما في السراج وابن أمير حاج وقد تقدم ما فيه والسؤال بعد الدفن في محل لا يخرج منه أبدا إلا لضرورة وعليه فلو وضع في قبر للدوام ثم تحول إليه الماء فنقل للضرورة يكون السؤال في الأول فلو جعل في تابوت أو موضع آخر لينقل لم يسأل فيه كذا في الخلاصة والبزازية والأشهر أنه حين يدفن وقيل في بيته تنطبق عليه الأرض كالقبر ولا بد منه ولو في بطن سبع أو قعر بحر والحق أنه يسأل كل أحد بلسانه كما قاله اللقاني واختلف في سؤال الأنبياء ﵈ والأطفال ورجح عدمه في الأول دون الثاني لكن يلقنه الملك فيقول له من ربك ثم يقول له قل الله ربي
стр. 666
الميت بأمره ويكره الجلوس على باب الدار للمصيبة فإن ذلك عمل أهل الجاهلية ونهى النبي ﷺ عن ذلك ويكره في المسجد ويكره الضيافة من أهل الميت لأنها شرعت في.
ــ.
وهكذا الخ وقيل يلهمه الله تعالى فيجيب كما ألهم عيسى ﵇ في المهد وحكمة السؤال إظهار شرف المؤمن وخذلان الكافر واستثنى بعض أكابر أهل السنة جماعة فلا يسألون منهم المقتول في معركة الكفار والمرابط والمطعون ومن مات في زمن الطاعون والمبطون والمجنون وأهل الفترة والميت ليلة الجمعة ويومها والقارىء كل ليلة سورة الملك وطالب العلم لقوله ﷺ : "من جاء أجله وهو يطلب العلم لقي الله ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة" كذا في جواهر الكلام والحديث رواه الطبراني والدارمي وابن السني بلفظ من جاءه ملك الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين النبوة درجة واحدة في الجنة كما في تخريج الأحياء والمقاصد الحسنة وفي المبتغى بالغين اتباع جنازة الغريب أو الجار الصالح أفضل من النوافل وإلا فهي أفضل اهـ وفي شرعة الإسلام والسنة أن يتصدق ولي الميت له قبل مضي الليلة الأولى بشيء مما تيسر له فإن لم يجد شيئا فليصل ركعتين ثم يهد ثوابهما له قال ويستحب أن يتصدق على الميت بعد الدفن إلى سبعة أيام كل يوم بشيء مما تيسر اهـ قوله: "ويكره الجلوس على باب الدار" قال في شرح السيد ولا بأس بالجلوس لها إلى ثلاثة أيام من غير ارتكاب محظور من فرش البسط والأطعمة من أهل الميت اهـ فإن حمل قول المصنف ويكره الجلوس الخ على ما إذا كان بمحظور ارتفعت المخالفة ويدل عليه ما في النهر عن التجنيس لا بأس بالجلوس لها ثلاثة أيام وكونه على باب الدار مع فرش بسط على قوارع الطريق من أقبح القبائح قوله: "وتكره في المسجد" قال في الدرر لا بأس بالجلوس لها في غير مسجد ثلاثة أيام قوله: "وتكره الضيافة من أهل الميت" قال في البزازية يكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول والثالث وبعد الأسبوع ونقل الطعام إلى المقبرة في المواسم واتخاذ الدعوة بقراءة القرآن وجمع الصلحاء والقراء للختم أو لقراءة سورة الأنعام أو الإخلاص اهـ قال البرهان الحلبي ولا يخلو عن نظر لأنه لا دليل على الكراهة إلا حديث جرير المتقدم وهو ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة اهـ يعني وهو فعل الجاهلية إنما يدل على كراهة ذلك عند الموت فقط على أنه قد عارضه ما رواه الإمام أحمد أيضا بسند صحيح وأبو داود عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فلما رجع استقبله داعي امرأته فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ووضع القوم فأكلوا ورسول الله ﷺ يلوك اللقمة في فيه الحديث فهذا يدل على إباحة صنع أهل الميت الطعام والدعوة إليه بل ذكر في البزازية أيضا من كتاب الاستحسان وإن اتخذ طعاما للفقراء كان حسنا اهـ وفي استحسان الخانية وإن اتخذو لي الميت طعاما للفقراء كان
стр. 667
السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة وقال ﵇: "لا عقر في الإسلام" وهو الذي كان يعقر عند القبر بقرة أو شاة ويستحب لجيران الميت والأباعد من أقاربه تهيئة طعام لأهل الميت يشبعهم يومهم وليلتهم لقوله ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم" ويلح عليهم في الأكل لأن الحزن يمنعهم فيضعفهم والله ملهم الصبر ومعوض الأجر وتستحب التعزية للرجال والنساء اللاتي لا يفتن لقوله ﷺ : "من عزى أخاه بمصيبة كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة" وقوله ﷺ : "من عزى مصابا فله مثل أجره"
ــ
حسنا إلا أن يكون في الورثة صغير فلا يتخذ ذلك من التركة اهـ وقد علمت ما ذكره صاحب الشرعة قوله: "لا عقر في الإسلام" بفتح العين قال ابن الأثير هذا نفي لعادة الجاهلية وتحذير منها فإنهم كانوا ينحرون الإبل على قبور الموتى ويقولون إنه كان يعقرها للأضياف في حياته فيكافأ بذلك بعد موته قوله: "بقرة" بالرفع بدل من الذي قوله: "يشبعهم يومهم وليلتهم" أي لاشتغالهم بالحزن هذه المدة قوله: "لأن الحزن" بضم الحاء وسكون الزاي وبفتحهما قوله: "والله ملهم الصبر الخ" هذا تعليم من المؤلف لمن هيأ الطعام أن يقول ألفاظا لأهل الميت تسلية لهم قوله: "تستحب التعزية الخ" ويستحب أن يعم بها جميع أقارب الميت إلا أن تكون امرأة شابة وهو المشار إليه بقوله اللاتي لا يفتن وهو بالبناء للفاعل ولا حجر في لفظ التعزية ومن أحسن ما ورد في ذلك ما روي من تعزيته ﷺ لإحدى بناته وقد مات لها ولد فقال: "إن لله ما أخذو له ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى أو يقول عظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك أو نحو ذلك" وقد سمع من قائل يوم موته ﷺ ولم ير شخصه قيل إنه الخضر ﵇ يقول معزيا لأهل بيت النبي ﷺ : "إن في الله سبحانه عزاء من كل مصيبه وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله تعالى فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب" رواه الشافعي في الأم وذكره غيره أيضا وفيه دليل على أن الخضر حي وهو قول الأكثر ذكره الكمال عن السروجي والعزاء بالمد الصبر أو حسنه وعزى يعزي من باب تعب صبر على ما نابه وعزيته تعزية قلت له أحسن الله تعالى عزاءك أي رزقك الصبر الحسن كما في القاموس والمصباح ووقتها من حين يموت إلى ثلاثة أيام وأولها أفضل وتكره بعدها لأنها تجدد الحزن وهو خلاف المقصود منها لأن المقصود منها ذكر ما يسلي صاحب الميت ويخفف حزنه ويحضه على الصبر كما نبهنا الشارع على هذا المقصود في غير ما حديث قوله: "من حلل الكرامة" أي الدالة على تكريم الله تعالى إياه وقد حث الشارع المصاب على الصبر والاحتساب وطلب الخلف عما تلف فروى مالك في الموطأ عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "من أصابته مصيبة فقال كما أمره الله تعالى إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها إلا فعل الله تعالى ذلك به" وأجرني بسكون الهمزة والجيم فيها الضم والكسر وقد تمد الهمزة مع كسر الجيم ولمسلم "إلا أخلفه الله
стр. 668
وقوله ﷺ : "من عزى ثكلى كسي بردين في الجنة" ولا ينبغي لمن عزى مرة أن يعزي أخرى.
ــ
تعالى خيرا منها" فينبغي لكل مصاب أن يفزع إلى ذلك وظاهر الأحاديث أن المأمور به قول ذلك مرة واحدة فورا لقوله ﷺ : "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" رواه البخاري وخبر ولو ذكرها ولو بعد أربعين عاما فاسترجع كان له أجرها يوم وقوعها زيادة فضل لا تنافي استحباب فور وقوع المصيبة كما ذكره الزرقاني في شرح الموطأ وروى الطبراني وغيره إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته في فإنها من أعظم المصائب وفي لفظ ابن ماجه فليتعز بمصيبته بي فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعد أشد عليه من مصيبتي ولله در القائل:
اصبر لكل مصيبة وتجلد. ... واعلم بأن المرء غير مخلد.
وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها. ... فاذكر مصابك بالنبي محمد.
وأنشدت فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها بعد موت أبيها ﷺ :
ماذا على من شم تربة أحمد. ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا.
صبت علي مصائب لو أنها. ... صبت على الأيام عدن لياليا.
قوله: "من عزى ثكلى" في القاموس الثكل بالضم الموت والهلاك وفقدان الحبيب أو الولد ويقال ثاكل وثكول وثكلانة قليل اهـ المراد منه فالثكلى فاقدة الولد أو الحبيب والبرد بالضم ثوب مخطط والجمع أبراد وأبرد وبرود وأكسية يلتحف بها والمراد يكسى من ثياب الجنة الفاضلة قوله: "ولا ينبغي لمن عزى مرة أن يعزي أخرى" وتكره عند القبر وهي بعد الدفن أفضل لأنهم قبله مشغولون بالتجهيز ووحشتهم بعد الدفن أكثر إلا إذا رأى منهم جزعا شديدا فيقدمها لتسكينهم والله أعلم وأستغفر الله العظيم.
стр. 669
فصل في زيارة القبور
ندب زيارتها" من غير أن يطأ القبور "للرجال والنساء" وقيل تحرم على النساء
ــ
فصل في زيارة القبور
قوله: "ندب زيارتها" لقوله ﷺ : "زوروا القبور تذكركم الموت" وروي "تذكر الآخرة" وروي "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها واجعلوا زيارتكم لها صلاة عليهم واستغفارا لهم" وعن محمد بن النعمان يرفعه من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برا رواه البيهقي وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن محمد بن واسع قال:
стр. 670
الأصح أن الرخصة ثابتة للرجال والنساء فتندب لهن أيضا "على الأصح" والسنة زيارتها قائما كما كان يفعل رسول الله ﷺ في الخروج إلى البقيع ويقول:
ــ
بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبله ويوما بعده وقالابن القيم الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء علم به المزور وسمع سلامه وأنس به ورد عليه وهذ عام في حق الشهداء وغيرهم وأنه لا توقيت في ذلك قال وهو أصح من أثر الضحاك الدال على التوقيت قوله: "من غير أن يطأ القبور" في شرعة الإسلام ومن السنة أن لا يطأ القبور في نعليه ويستحب أن يمشي على القبور حافيا ويدعو الله تعالى لهم قال شارحها الظاهر من هذا أنه يجوز الوطء على المقابر إذا كان حافيا غير منتعل وهو يدعو لأهلها ويوافقه ما في الخزانة حيث نقل عن بعضهم أنه لا بأس أن يمر على المقبرة أو يطأها وهو قارىء القرآن أو مسبح أو داع لهم اهـ وفي شرح المشكاة والوطء لحاجة كدفن الميت لا يكره وفي السراج فإن لم يكن له طريق إلا على القبر جاز له المشي عليه للضرورة ولا يكره المشيء في المقابر بالنعلين عندنا وكرهه أحمد ولنا قوله ﷺ : "وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا انصرفوا ويكره المبيت في المقابر لما فيه من الوحشة والأهوال" وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى قوله: "للرجال" ويقصدون بزيارتها وجه الله تعالى وإصلاح القلب ونفع الميت بما يتلى عنده من القرآن ولا يمس القبر ولا يقبله فإنه من عادة أهل الكتاب ولم يعهد الاستلام إلا للحجر الأسود والركن اليماني خاصة وتمامه في الحلبي قوله: "وقيل تحرم على النساء" وسئل القاضي عن جواز خروج النساء إلى المقابر فقال لا تسأل عن الجواز والفساد في مثل هذا وإنما تسأل عن مقدار ما يلحقها من اللعن فيه واعلم بأنها كلما قصدت الخروج كانت في لعنة الله وملائكته وإذا خرجت تحفها الشياطين من كل جانب وإذا أتت القبور تلعنها روح الميت وإذا رجعت كانت في لعنة الله كذا في الشرح عن التتارخانية قال البدر العيني في شرح البخاري وحاصل الكلام أنها تكره للنساء بل تحرم في هذا الزمان لا سيما نساء مصر لأن خروجهن على وجه فيه فساد وفتنة اهـ وفي السراج وأما النساء إذا أردن زيارة القبور إن كان ذلك لتجديد الحزن والبكاء والندب كما جرت به عادتهن فلا تجوز لهن الزيارة وعليه يحمل الحديث الصحيح لعن الله زائرات القبور وإن كان للاعتبار والترحم والتبرك بزيارة قبور الصالحين من غير ما يخالف الشرع فلا بأس به إذا كن عجائز وكره ذلك للشابات كحضورهن في المساجد للجماعات اهـ وحاصله أن محل الرخص لهن إذا كانت الزيارة على وجه ليس فيه فتنة والأصح أن الرخصة ثابتة للرجال والنساء لأن السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت تزور قبر حمزة كل جمعة وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تزور قبر أخيها عبد الرحمن بمكة كذا ذكره البدر العيني في شرح البخاري قوله: "والسنة زيارتها قائما" قال في شرح المشكاة ينبغي أن يدنو من القبر قائما