← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فصل في الأحاديث الواردة في فضله مقرونا بعمر سوى ما تقدم أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينا راع في غنمه .. عدا عليه الذئب، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي، فالتفت إليه الذئب فقال: من لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري؟! وبينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إليه فكلمته فقالت: إني لم أخلق لهذا؛ ولكني خلقت للحرث»، قال الناس: سبحان الله!! قال النبي ﷺ : «فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر» وما ثم أبو بكر وعمر) (١) أي: لم يكونا في المجلس، شهد لهما بالإيمان بذلك؛ لعلمه بكمال إيمانهما. وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء، ووزيران من أهل الأرض؛ فأما وزيراي من أهل السماء .. فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض .. فأبو بكر وعمر» (٢) وأخرج أصحاب السنن وغيرهم عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة … » وذكر تمام العشرة (٣) وأخرج الترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم؛ كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» (٤)

стр. 107

وأخرجه الطبراني من حديث جابر بن سمرة (١) وأبي هريرة (٢). وأخرج الترمذي عن أنس: (أن رسول الله ﷺ كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس، فيهم أبو بكر وعمر، ولا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر؛ فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما، ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما) (٣). وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم فدخل المسجد وأبو بكر وعمر؛ أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما، وقال: «هكذا نبعث يوم القيامة» (٤)، وأخرجه الطبراني في «الأوسط» عن أبي هريرة (٥). وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر» (٦). وأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن حنطب: أن النبي ﷺ رأى أبا بكر وعمر فقال: «هذان السمع والبصر» (٧). وأخرجه الطبراني من حديث ابن عمر (٨)، وابن عمرو (٩). وأخرج البزار والحاكم عن أبي أروى الدوسي قال: كنت عند النبي ﷺ فأقبل أبو بكر وعمر، فقال: «الحمد لله الذي أيدني بكما» (١٠).

стр. 108

وورد هذا أيضا من حديث البراء بن عازب أخرجه الطبراني في «الأوسط» (١). وأخرج أبو يعلى عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل آنفا، فقلت: يا جبريل؛ حدثني بفضائل عمر بن الخطاب، فقال: لو حدثتك بفضائل عمر منذ ما لبث نوح في قومه .. ما نفدت فضائل عمر، وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر» (٢). وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم: أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما في مشورة .. ما خالفتكما» (٣)، وأخرجه الطبراني من حديث البراء بن عازب (٤). وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﷺ ؟ فقال: (أبو بكر وعمر، لا أعلم غيرهما) (٥). وأخرج عن القاسم بن محمد قال: (كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله ﷺ (٦). وأخرج الطبراني عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن لكل نبي خاصة من أمته، وإن خاصتي من أصحابي: أبو بكر وعمر» (٧). وأخرج ابن عساكر عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «رحم الله أبا بكر؛ زوجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق بلالا،

стр. 109

رحم الله عمر؛ يقول الحق وإن كان مرا، تركه الحق وما له من صديق، رحم الله عثمان؛ تستحييه الملائكة، رحم الله عليا، اللهم؛ أدر الحق معه حيث دار» (١). وأخرج الطبراني عن سهل ﵁ قال: لما قدم النبي ﷺ من حجة الوداع .. صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس؛ إن أبا بكر لم يسؤني قط، فاعرفوا له ذلك، أيها الناس؛ إني راض عن أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي، وطلحة والزبير، وسعد وعبد الرحمن بن عوف، والمهاجرين الأولين، فاعرفوا ذلك لهم» (٢). وأخرج عبد الله بن أحمد في (زوائد الزهد) عن ابن أبي حازم قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين، فقال: (ما كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ ؟ قال: كمنزلتهما منه الساعة) (٣). وأخرج ابن سعد عن بسطام بن مسلم قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: «لا يتأمر عليكما أحد بعدي» (٤). وأخرج ابن عساكر عن أنس مرفوعا: «حب أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما كفر» (٥). وأخرج عن ابن مسعود قال: (حب أبي بكر وعمر ومعرفتهما من السنة) (٦). وأخرج عن أنس مرفوعا: «إني لأرجو لأمتي في حبهم لأبي بكر وعمر ما أرجو لهم في قول: لا إله إلا الله» (٧).

стр. 110

فصل في الأحاديث الواردة في فضله وحده سوى ما تقدم أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله .. دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله؛ هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة .. دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد .. دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة .. دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام .. دعي من باب الصيام من باب الريان» فقال أبو بكر: ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: «نعم؛ وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر» (١) وأخرج أبو داوود والحاكم وصححه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي» (٢) وأخرج الشيخان عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله: أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي .. لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام» (٣) وقد ورد هذا الحديث من رواية ابن عباس (٤)، وابن الزبير (٥) وابن مسعود (٦)، وجندب بن عبد الله (٧)، والبراء (٨)، وكعب بن

стр. 111

مالك (١)، وجابر بن عبد الله (٢)، وأنس (٣)، وأبي واقد الليثي (٤)، وأبي المعلى (٥)، وعائشة (٦)، وأبي هريرة (٧)، وابن عمر (٨) ﵃، وقد سردت طرقهم في «الأحاديث المتواترة». وأخرج البخاري عن أبي الدرداء قال: (كنت جالسا عند النبي ﷺ ؛ إذ أقبل أبو بكر فسلم وقال: إني كان بيني وبين عمر بن الخطاب شيء فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: «يغفر الله لك يا أبا بكر» ثلاثا، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر فلم يجده، فأتى النبي ﷺ فسلم، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله؛ أنا كنت أظلم منه، مرتين، فقال النبي ﷺ : «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟!» مرتين، فما أوذي بعدها) (٩). وأخرج ابن عدي من حديث ابن عمر ﵁ نحوه؛ وفيه: فقال رسول الله ﷺ : «لا تؤذوني في صاحبي؛ فإن الله بعثني بالهدى ودين الحق فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، ولولا أن الله سماه صاحبا .. لا تخذته خليلا، ولكن أخوة الإسلام» (١٠). وأخرج ابن عساكر عن المقدام قال: استب عقيل بن أبي طالب وأبو بكر،

стр. 112

قال: وكان أبو بكر سبابا أو نسابا، غير أنه تحرج من قرابته من النبي ﷺ فأعرض عنه، وشكاه إلى النبي ﷺ ، فقام رسول الله ﷺ في الناس فقال: «ألا تدعون لي صاحبي؟! ما شأنكم وشأنه؟! فوالله؛ ما منكم رجل إلا على باب بيته ظلمة إلا باب أبي بكر؛ فإن على بابه النور، فوالله؛ لقد قلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وأمسكتم الأموال وجاد لي بماله، وخذلتموني وواساني واتبعني» (١). وأخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من جر ثوبه خيلاء .. لم ينظر الله إليه يوم القيامة» فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنك لست تصنع ذلك خيلاء» (٢) [خصال توجب الجنة] وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح منكم اليوم صائما؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضا؟» قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ : «ما اجتمعن في امرئ .. إلا دخل الجنة» (٣). وقد ورد هذا الحديث من رواية أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ فحديث أنس أخرجه … ... .. (٤) وفي آخره: «وجبت لك الجنة» (٥).

стр. 113

وحديث عبد الرحمن أخرجه البزار؛ ولفظه: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال: «من أصبح منكم اليوم صائما؟» قال عمر: يا رسول الله، لم أحدث نفسي بالصوم البارحة فأصبحت مفطرا، فقال أبو بكر: ولكن حدثت نفسي بالصوم البارحة فأصبحت صائما. فقال: «هل منكم أحد اليوم عاد مريضا؟» فقال عمر: يا رسول الله؛ لم نبرح فكيف نعود المريض؟! فقال أبو بكر: بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاك، فجعلت طريقي عليه؛ لأنظر كيف أصبح. فقال: «هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟» فقال عمر: صلينا يا رسول الله ثم لم نبرح، فقال أبو بكر: دخلت المسجد؛ فإذا بسائل، فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن، فأخذتها فدفعتها إليه. فقال: «أنت؛ فأبشر بالجنة» ثم قال كلمة أرضى بها عمر: «عمر زعم أنه لم يرد خيرا قط إلا سبقه إليه أبو بكر» (١) وأخرج أبو يعلى عن ابن مسعود ﵁ قال: كنت في المسجد أصلي، فدخل رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر، فوجدني أدعو، فقال: «سل .. تعطه» ثم قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا .. فليقرأه بقراءة ابن أم عبد» فرجعت إلى منزلي، فأتاني أبو بكر فبشرني، ثم أتاني عمر فوجد أبا بكر خارجا قد سبقه، فقال: إنك لسباق بالخير (٢) [مكانة الصديق عند الصحابة ﵃] وأخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الأسلمي ﵁ قال: جرى بيني وبين أبي بكر كلام، فقال لي كلمة كرهتها وندم، فقال لي: يا ربيعة؛ رد علي

стр. 114

مثلها حتى تكون قصاصا، قلت: لا أفعل، قال: لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله ﷺ ؟ فقلت: ما أنا بفاعل، فانطلق أبو بكر، وجاء أناس من أسلم، فقالوا لي: رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك وهو الذي قال لك ما قال؟! فقلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني اثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله ﷺ فيغضب لغضبه، فيغضب الله لغضبهما، فيهلك ربيعة. وانطلق أبو بكر ﵁، فتبعته وحدي حتى أتى رسول الله ﷺ فحدثه الحديث كما كان، فرفع إلي رأسه فقال: «يا ربيعة؛ ما لك وللصديق؟» فقلت: يا رسول الله؛ كان كذا وكذا، فقال لي كلمة كرهتها، فقال لي: قل كما قلت حتى يكون قصاصا، فأبيت، فقال رسول الله ﷺ : «أجل؛ لا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر» فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر (١). وأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: «أنت صاحبي على الحوض، وصاحبي في الغار» (٢) وأخرج عبد الله بن أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «أبو بكر صاحبي، ومؤنسي في الغار»، إسناده حسن (٣). وأخرج البيهقي عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة طيرا كأمثال البخاتي» قال أبو بكر: إنها لناعمة

стр. 115

يا رسول الله؟ قال: «أنعم منها من يأكلها، وأنت ممن يأكلها» (١)، وقد ورد هذا الحديث من رواية أنس (٢). وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عرج بي إلى السماء، فما مررت بسماء .. إلا وجدت فيها اسمي: محمد رسول الله، وأبو بكر الصديق خلفي» إسناده ضعيف (٣)، لكنه ورد أيضا من حديث ابن عباس (٤)، وابن عمر (٥)، وأنس (٦)، وأبي سعيد (٧)، وأبي الدرداء (٨) ﵃ بأسانيد ضعيفة يشد بعضها بعضا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم عن سعيد بن جبير قال: قرئت عند النبي ﷺ : ﴿يأيتها النفس المطمئنة﴾ فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ إن هذا لحسن!! فقال رسول الله ﷺ : «أما إن الملك سيقولها لك عند الموت» (٩). وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: لما نزلت: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله؛ والله لو أمرتني أن أقتل نفسي .. لفعلت، قال: «صدقت» (١٠). وأخرج أبو القاسم البغوي: حدثنا داوود بن عمرو، حدثنا عبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة قال: دخل رسول الله ﷺ وأصحابه غديرا، فقال: «ليسبح كل رجل إلى صاحبه» قال: فسبح كل رجل منهم إلى

стр. 116

صاحبه، حتى بقي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فسبح رسول الله ﷺ إلى أبي بكر حتى اعتنقه، وقال: «لو كنت متخذا خليلا حتى ألقى الله .. لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكنه صاحبي» (١). تابعه وكيع عن عبد الجبار بن الورد، أخرجه ابن عساكر (٢)، وعبد الجبار ثقة، وشيخه ابن أبي مليكة إمام، إلا أنه مرسل، وهو غريب جدا. قلت: أخرجه الطبراني في «الكبير»، وابن شاهين في «السنة» من وجه آخر موصولا عن ابن عباس (٣) [خصال الخير مجموعة في الصديق ﵁] وأخرج ابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق»، وابن عساكر من طريق صدقة بن ميمون القرشي، عن سليمان بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «خصال الخير ثلاث مئة وستون خصلة، إذا أراد الله بعبد خيرا .. جعل فيه خصلة منها يدخله بها الجنة» قال أبو بكر: يا رسول الله؛ أفي شيء منها؟ قال: «نعم، جمعا من كل» (٤). وأخرج ابن عساكر من طريق آخر عن صدقة القرشي، عن رجال قال: قال رسول الله ﷺ : «خصال الخير ثلاث مئة وستون» فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ لي منها شيء قال: «كلها فيك، فهنيئا لك يا أبا بكر» (٥). وأخرج ابن عساكر من طريق مجمع بن يعقوب الأنصاري عن أبيه قال: (إن كانت حلقة رسول الله ﷺ لتشتبك حتى تصير كالأسوار، وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ، ما يطمع فيه أحد من الناس، فإذا جاء أبو بكر ..

стр. 117

جلس ذلك المجلس، وأقبل عليه النبي ﷺ بوجهه، وألقى إليه حديثه، وسمع الناس) (١) وأخرج ابن عساكر عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حب أبي بكر وشكره واجب على كل أمتي» (٢)، وأخرج مثله من حديث سهل بن سعد (٣) وأخرج عن عائشة ﵂ مرفوعا: «الناس كلهم يحاسبون إلا أبا بكر» (٤). فصل فيما ورد من كلام الصحابة والسلف الصالح في فضله أخرج البخاري عن جابر ﵁ قال: قال عمر بن الخطاب: (أبو بكر سيدنا) (٥) وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن عمر ﵁ قال: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض .. لرجح بهم) (٦) وأخرج ابن أبي خيثمة وعبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن عمر ﵁ قال: (إن أبا بكر كان سابقا مبرزا) (٧) وقال عمر: (لوددت أني شعرة في صدر أبي بكر) أخرجه مسدد في مسنده (٨)

стр. 118

وقال: (وددت أني من الجنة حيث أرى أبا بكر) أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر (١). وقال: (لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك) أخرجه أبو نعيم (٢). وأخرج ابن عساكر عن علي: أنه دخل على أبي بكر وهو مسجى، فقال: (ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إلي من هذا المسجى) (٣). وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ : «حدثني عمر بن الخطاب: أنه ما سابق أبا بكر إلى خير قط .. إلا سبقه به» (٤). وأخرج الطبراني في «الأوسط» عن علي قال: (والذي نفسي بيده؛ ما استبقنا إلى خير قط .. إلا سبقنا إليه أبو بكر) (٥). وأخرج في «الأوسط» أيضا عن أبي جحيفة قال: قال علي: (خير الناس بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر وعمر، لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن) (٦). وأخرج في «الكبير» عن ابن عمرو قال: (ثلاثة من قريش أصبح قريش وجوها، وأحسنها أخلاقا، وأثبتها جنانا: إن حدثوك .. لم يكذبوك، وإن حدثتهم .. لم يكذبوك؛ أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة ابن الجراح، وعثمان بن عفان) (٧). وأخرج ابن سعد عن إبراهيم النخعي قال: (كان أبو بكر يسمى الأواه؛ لرأفته ورحمته) (٨).

стр. 119

وأخرج ابن عساكر عن الربيع بن أنس قال: (مكتوب في الكتاب الأول: مثل أبي بكر الصديق مثل القطر؛ أينما وقع .. نفع) (١) وأخرج ابن عساكر عن الربيع بن أنس قال: (نظرنا في صحابة الأنبياء، فما وجدنا نبيا كان له صاحب مثل أبي بكر الصديق) (٢) وأخرج عن الزهري قال: (من فضل أبي بكر: أنه لم يشك في الله ساعة قط) (٣) وأخرج عن الزبير بن بكار قال: (سمعت بعض أهل العلم يقول: خطباء أصحاب رسول الله ﷺ : أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب) (٤). وأخرج عن أبي حصين قال: (ما ولد لآدم في ذريته بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر، ولقد قام أبو بكر يوم الردة مقام نبي من الأنبياء) (٥) فصل [في خصائص أبي بكر الصديق ﵁] أخرج الدينوري في «المجالسة»، وابن عساكر عن الشعبي قال: (خص الله ﵎ أبا بكر الصديق بأربع خصال لم يخص بها أحدا من الناس: سماه الصديق ولم يسم أحدا الصديق غيره، وهو صاحب الغار مع رسول الله ﷺ ، ورفيقه في الهجرة، وأمره رسول الله ﷺ بالصلاة والمسلمون شهود) (٦) وأخرج ابن أبي داوود في كتاب «المصاحف» عن أبي جعفر قال: (كان

стр. 120

أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنبي ﷺ ولا يراه) (١) وأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال: (كان أبو بكر من النبي ﷺ مكان الوزير، فكان يشاوره في جميع أموره، وكان ثانيه في الإسلام، وثانيه في الغار، وثانيه في العريش يوم بدر، وثانيه في القبر، ولم يكن رسول الله ﷺ يقدم عليه أحدا) (٢) فصل في الأحاديث والآيات المشيرة إلى خلافته وكلام الأئمة في ذلك أخرج الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر» (٣)، وأخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء (٤)، والحاكم من حديث ابن مسعود (٥). وأخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون خلفي اثنا عشر خليفة: أبو بكر لا يلبث إلا قليلا» (٦) صدر هذا الحديث مجمع على صحته، وارد من طرق عدة، وقد تقدم شرحه في أول هذا الكتاب (٧) وفي «الصحيحين» في الحديث السابق: أنه ﷺ لما خطب قرب وفاته وقال: «إن عبدا خيره الله … » الحديث، وفي آخره: «لا يبقين

стр. 121

باب إلا سد إلا باب أبي بكر (١)، وفي لفظ لهما: «لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر» (٢) قال العلماء: هذا إشارة إلى الخلافة؛ لأنه يخرج منها إلى الصلاة بالمسلمين، وقد ورد هذا اللفظ من حديث أنس ﵁؛ ولفظه: «سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر» أخرجه ابن عدي (٣) ومن حديث عائشة ﵂ أخرجه الترمذي وغيره (٤)، ومن حديث ابن عباس في «زوائد المسند (٥)»، ومن حديث معاوية بن أبي سفيان أخرجه الطبراني (٦)، ومن حديث أنس أخرجه البزار (٧) وأخرج الشيخان عن جبير بن مطعم ﵁ قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تقول الموت، قال: «إن لم تجديني .. فأتي أبا بكر» (٨) وأخرج الحاكم وصححه عن أنس ﵁ قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله ﷺ أن سله: إلى من ندفع صدقاتنا بعدك؟ فأتيته فسألته، فقال: «إلى أبي بكر» (٩) وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تسأله شيئا، فقال لها: «تعودين» فقالت: يا رسول الله؛ إن عدت فلم أجدك؟ تعرض بالموت، فقال: «إن جئت فلم تجديني .. فأتي

стр. 122

أبا بكر؛ فإنه الخليفة من بعدي» (١) وأخرج مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: «ادعي لي أبا بكر وأخاك؛ حتى أكتب كتابا؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر (٢)» وأخرجه أحمد وغيره من طرق عنها (٣)، وفي بعضها: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: «ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر .. أكتب لأبي بكر كتابا؛ لا يختلف عليه أحد بعدي» ثم قال: «دعيه؛ معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر» (٤). وأخرج مسلم عن عائشة ﵂ أنها سئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفا لو استخلف؟ قالت: (أبو بكر)، فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: (عمر)، قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: (أبو عبيدة ابن الجراح) (٥) [رضيه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا] وأخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: مرض النبي ﷺ فاشتد مرضه، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» قالت عائشة: يا رسول الله؛ إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك … لم يستطع أن يصلي بالناس، قال: «مري أبا بكر فليصل بالناس» فعادت فقال: «مري أبا بكر فليصل بالناس؛ فإنكن صواحب يوسف» فأتاه الرسول، فصلى بالناس في حياة رسول الله ﷺ ، هذا الحديث متواتر (٦)

стр. 123

ورد أيضا من حديث عائشة (١)، وابن مسعود (٢)، وابن عباس (٣)، وابن عمر (٤)، وعبد الله بن زمعة (٥)، وأبي سعيد (٦)، وعلي بن أبي طالب (٧)، وحفصة ﵃ (٨)، وقد سقت طرقهم في «الأحاديث المتواترة». وفي بعضها عن عائشة ﵂: (لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته .. إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، وإلا أني كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه .. إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر) (٩). وفي حديث ابن زمعة ﵁: أن رسول الله ﷺ أمرهم بالصلاة وكان أبو بكر غائبا، فتقدم عمر فصلى، فقال رسول الله ﷺ : «لا، لا، لا، يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، يصلي بالناس أبو بكر» (١٠) وفي حديث ابن عمر: كبر عمر، فسمع رسول الله ﷺ تكبيره، فأطلع رأسه مغضبا فقال: «أين ابن أبي قحافة؟!» (١١) قال العلماء: في هذا الحديث أوضح دلالة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق، وأحقهم بالخلافة، وأولاهم بالإمامة.

стр. 124

قال الأشعري: (قد علم بالضرورة: أن رسول الله ﷺ أمر الصديق أن يصلي بالناس مع حضور المهاجرين والأنصار؛ مع قوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (١)، فدل على أنه كان أقرأهم؛ أي: أعلمهم بالقرآن) انتهى (٢). وقد استدل الصحابة أنفسهم بهذا على أنه أحق بالخلافة؛ منهم: عمر، وسيأتي قوله في (فصل المبايعة) (٣). ومنهم: علي، وأخرج ابن عساكر عنه قال: (لقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس وإني لشاهد وما أنا بغائب وما بي مرض، فرضينا لدنيانا ما رضي به النبي ﷺ لديننا) (٤). قال العلماء: وقد كان معروفا بأهلية الإمامة في زمان النبي ﷺ . وأخرج أحمد وأبو داوود وغيرهما عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ النبي ﷺ ، فأتاهم بعد الظهر؛ ليصلح بينهم وقال: «يا بلال؛ إن حضرت الصلاة ولم آت .. فمر أبا بكر فليصل بالناس» فلما حضرت صلاة العصر .. أقام بلال الصلاة، ثم أمر أبا بكر فصل (٥). وأخرج أبو بكر الشافعي في «الغيلانيات»، وابن عساكر عن حفصة ﵂: أنها قالت لرسول الله ﷺ : إذا أنت مرضت .. قدمت أبا بكر؟ قال: «لست أنا أقدمه؛ ولكن الله يقدمه» (٦).

стр. 125

وأخرج الدارقطني في «الأفراد»، والخطيب، وابن عساكر عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «سألت الله أن يقدمك ثلاثا، فأبى علي إلا تقديم أبي بكر» (١) وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال أبو بكر: يا رسول الله؛ ما أزال أراني أطأ في عذرات الناس؟ قال: «لتكونن من الناس بسبيل» قال: ورأيت في صدري كالرقمتين؟ قال: «سنتين» (٢) وأخرج ابن عساكر عن أبي بكرة قال: (أتيت عمر وبين يديه قوم يأكلون، فرمى ببصره في مؤخر القوم إلى رجل، فقال: ما تجد فيما تقرأ قبلك من الكتب؟ قال: خليفة النبي ﷺ صديقه) (٣) وأخرج ابن عساكر عن محمد بن الزبير قال: (أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري أسأله عن أشياء، فجئته، فقلت له: اشفني فيما اختلف فيه الناس، هل كان رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر؟ فاستوى الحسن قاعدا فقال: أوفي شك هو لا أبا لك؟! إي والله الذي لا إله إلا هو؛ لقد استخلفه، ولهو كان أعلم بالله وأتقى له وأشد له مخافة من أن يموت عليها لو لم يؤمره) (٤) وأخرج ابن عدي عن أبي بكر بن عياش قال: (قال لي الرشيد: يا أبا بكر؛ كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق؟ قلت: يا أمير المؤمنين؛ سكت الله، وسكت رسوله، وسكت المؤمنون، قال: والله؛ ما زدتني إلا غما!! قلت: يا أمير المؤمنين؛ مرض النبي ﷺ ثمانية أيام، فدخل عليه بلال فقال: يا رسول الله؛ من يصلي بالناس؟ قال: «مر أبا بكر يصلي بالناس» فصلى أبو بكر بالناس ثمانية أيام، والوحي ينزل، فسكت

стр. 126

رسول الله ﷺ لسكوت الله، وسكت المؤمنون لسكوت رسول الله ﷺ ، فأعجبه فقال: بارك الله فيك) (١) [آيات استنبط العلماء منها خلافة الصديق ﵁] وقد استنبط جماعة من العلماء خلافة الصديق من آيات من القرآن؛ فأخرج البيهقي عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ قال: (هو - والله - أبو بكر وأصحابه؛ لما ارتدت العرب .. جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردهم إلى الإسلام) (٢). وأخرج يونس بن بكير عن قتادة قال: (لما توفي النبي ﷺ .. ارتدت العرب … فذكر قتال أبي بكر لهم … إلى أن قال: فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾) (٣). وأخرج ابن أبي حاتم عن جويبر في قوله تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد﴾ قال: هم بنو حنيفة، قال ابن أبي حاتم وابن قتيبة: (هذه الآية حجة على خلافة الصديق؛ لأنه الذي دعا إلى قتالهم) (٤). وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: (سمعت أبا العباس بن سريج يقول: خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية، قال: لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه إلا دعاء أبي بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة ومن منع الزكاة، قال: فدل ذلك على وجوب خلافة أبي بكر، وافتراض طاعته؛ إذ أخبر الله أن المتولي عن ذلك يعذب عذابا أليما) قال ابن كثير: (ومن فسر القوم: بأنهم فارس والروم .. فالصديق هو الذي

стр. 127

جهز الجيوش إليهم، وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان؛ وهما فرعا الصديق). وقال تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم … ﴾ الآية، قال ابن كثير: (هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق) (١). وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن عبد الرحمن بن عبد الحميد المهري قال: (إن ولاية أبي بكر وعمر في كتاب الله؛ يقول الله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض … ﴾ الآية) (٢). وأخرج الخطيب عن أبي بكر بن عياش قال: (أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ في القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿للفقراء المهاجرين … ﴾ إلى قوله: ﴿أولئك هم الصادقون﴾ فمن سماه الله صادقا .. فليس يكذب؛ هم قالوا: يا خليفة رسول الله)، قال ابن كثير: (استنباط حسن) (٣). وأخرج البيهقي عن الزعفراني قال: (سمعت الشافعي يقول: أجمع الناس على خلافة أبي بكر؛ وذلك أنه اضطر الناس بعد رسول الله ﷺ فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر، فولوه رقابهم) (٤). وأخرج أسد السنة في «فضائله» عن معاوية بن قرة قال: (ما كان أصحاب رسول الله ﷺ يشكون أن أبا بكر خليفة رسول الله ﷺ ، وما كانوا يسمونه إلا خليفة رسول الله ﷺ ، وما كانوا يجتمعون على خطأ أو ضلالة) (٥). وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود ﵁ قال: (ما رآه المسلمون حسنا .. فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا .. فهو عند الله

стр. 128

سيئ، وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر) (١). وأخرج الحاكم وصححه الذهبي عن مرة الطيب قال: جاء أبو سفيان ابن حرب إلى علي فقال: (ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة، وأذلها ذلا - يعني: أبا بكر - والله؛ لئن شئت .. لأملأنها عليه خيلا ورجالا؟!) فقال علي: (لطال ما عاديت الإسلام وأهله يا أبا سفيان .. فلم يضره ذلك شيئا؛ إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا) (٢). فصل في مبايعته روى الشيخان: أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس مرجعه من الحج، فقال في خطبته: (قد بلغني أن فلانا منكم يقول: لو مات عمر .. بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة [وتمت]، ألا وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها، وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان من خيرنا حين توفي رسول الله ﷺ ، وإن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا في بيت فاطمة، وتخلف الأنصار عنا بأجمعها في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت له: يا أبا بكر؛ انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان، فذكرا لنا الذي صنع القوم، قالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريد إخواننا من الأنصار، فقالا: لا عليكم ألا تقربوهم، واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين، فقلت: والله؛ لنأتينهم. فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة؛ فإذا هم مجتمعون، وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت:

стр. 129

ما له؟ قالوا: وجع، فلما جلسنا .. قام خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله وقال: أما بعد: فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة منكم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويحضنونا من الأمر. فلما سكت .. أردت أن أتكلم، وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الحد، وهو كان أحلم مني وأوقر، فقال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، وكان أعلم مني، والله؛ ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري .. إلا قالها في بديهته مثلها وأفضل منها حتى سكت، فقال: أما بعد: فما ذكرتم فيكم من خير .. فأنتم أهله، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة ابن الجراح [وهو جالس بيننا] فلم أكره مما قال غيرها، وكان والله؛ أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم .. أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، أما والله؛ ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة .. أن يحدثوا بعدنا بيعة؛ فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فيه فساد) (١). وأخرج النسائي، وأبو يعلى، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: (لما قبض رسول الله ﷺ .. قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا معشر الأنصار؛ ألستم تعلمون أن

стр. 130

رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟! فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر) (١). [بدء المبايعة وأول من بايع] وأخرج ابن سعد، والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: (لما قبض رسول الله ﷺ ، واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر .. فقام خطباء الأنصار، فجعل الرجل منهم يقول: يا معشر المهاجرين؛ إن رسول الله ﷺ كان إذا استعمل رجلا منكم .. قرن معه رجلا منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان منا ومنكم، فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك. فقام زيد بن ثابت فقال: أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن كنا أنصار رسول الله ﷺ ، فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره، ثم أخذ بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم، فبايعه عمر، ثم بايعه المهاجرون والأنصار، فصعد أبو بكر المنبر، فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت: ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فدعا به فجاء، فقال: قلت: ابن عم رسول الله ﷺ وختنه على بنته، أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فبايعه) (٢). [خطبة الصديق ﵁ بعد البيعة] وقال ابن إسحاق في «السيرة»: حدثني الزهري قال: حدثني أنس بن مالك

стр. 131

قال: (لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد .. جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة. ثم تكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: أيها الناس؛ فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت .. فأعينوني، وإن أسأت .. فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله .. إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط .. إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله .. فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله) (١). وأخرج موسى بن عقبة في «مغازيه»، والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف قال: (خطب أبو بكر فقال: والله؛ ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط، ولا كنت راغبا فيها، ولا سألتها الله في سر ولا علانية؛ ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، ولقد قلدت أمرا عظيما ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله. فقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها؛ إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي) (٢) وأخرج ابن سعد عن إبراهيم التيمي قال: (لما قبض رسول الله ﷺ .. أتى عمر أبا عبيدة ابن الجراح فقال: ابسط يدك فلأبايعك؛ فإنك

стр. 132

أمين هذه الأمة على لسان رسول الله ﷺ ، فقال أبو عبيدة لعمر: ما رأيت لك فهة قبلها منذ أسلمت؛ أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين؟!) (١). الفهة: ضعف الرأي. وأخرج ابن سعد أيضا عن محمد: أن أبا بكر قال لعمر: (ابسط يدك نبايع لك، فقال له عمر: أنت أفضل مني، فقال له أبو بكر: أنت أقوى مني، فقال عمر: فإن قوتي لك مع فضلك، فبايعه) (٢). وأخرج أحمد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: (توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر في طائفة من المدينة، فجاء فكشف عن وجهه فقبله وقال: فدى لك أبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا!!! مات محمد ورب الكعبة … ) فذكر الحديث. قال: وانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتوهم (٣)، فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله ﷺ في شأنهم .. إلا ذكره، وقال: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا .. لسلكت وادي الأنصار» ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم»، فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء (٤). وأخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: (لما بويع أبو بكر .. رأى من الناس بعض الانقباض، فقال: أيها الناس؛ ما يمنعكم؟ ألست أحقكم بهذا الأمر؟ ألست أول من أسلم؟ ألست ألست … فذكر خصالا) (٥)

стр. 133

وأخرج أحمد عن رافع الطائي قال: حدثني أبو بكر عن بيعته وما قالته الأنصار وما قاله عمر، قال: (فبايعوني وقبلتها منهم، وتخوفت أن تكون فتنة تكون بعدها ردة) (١). وأخرج ابن إسحاق، وابن عائذ في «مغازيه» عنه أنه قال لأبي بكر: ما حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين؟! قال: (لم أجد من ذلك بدا، خشيت على أمة محمد ﷺ الفرقة) وأخرج أحمد عن قيس بن أبي حازم قال: إني لجالس عند أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ بشهر، فذكر قصة، فنودي في الناس: الصلاة جامعة؛ وهي أول صلاة في المسلمين نودي لها: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر، ثم قال: (أيها الناس؛ لوددت أن هذا كفانيه غيري، ولئن أخذتموني بسنة نبيكم .. ما أطيقها؛ إن كان لمعصوما من الشيطان، وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء) (٢) وأخرج ابن سعد عن الحسن البصري قال: لما بويع أبو بكر .. قام خطيبا فقال: (أما بعد: فإني وليت هذا الأمر وأنا له كاره، ووالله؛ لوددت أن بعضكم كفانيه، ألا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله ﷺ .. لم أقم به؛ كان رسول الله ﷺ عبدا أكرمه الله بالوحي وعصمه به، ألا وإنما أنا بشر، ولست بخير من أحدكم فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت .. فاتبعوني، وإذا رأيتموني زغت .. فقوموني، واعلموا أن لي شيطانا يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت .. فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم) (٣) وأخرج ابن سعد، والخطيب في «رواة مالك» عن عروة قال: لما ولي أبو بكر .. خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: فإني قد

стр. 134

وليت أمركم ولست بخيركم، ولكنه نزل القرآن، وسن النبي ﷺ السنن، وعلمنا فعلمنا، فاعلموا أيها الناس: أن أكيس الكيس التقى، وأعجز العجز الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، أيها الناس؛ إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإذا أحسنت .. فأعينوني، وإن أنا زغت .. فقوموني، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم) (١) قال مالك: (لا يكون أحد إماما أبدا إلا على هذا الشرط) (٢) وأخرج الحاكم في «مستدركه» عن أبي هريرة ﵁ قال: (لما قبض رسول الله ﷺ .. ارتجت مكة، فسمع أبو قحافة ذلك فقال: ما هذا؟ قالوا: قبض رسول الله ﷺ ، قال: أمر جليل، فمن قام بالأمر بعده؟ قالوا: ابنك، قال: فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم، قال: لا واضع لما رفعت، ولا رافع لما وضعت) (٣) وأخرج الواقدي من طرق عن عائشة وابن عمر وسعيد بن المسيب وغيرهم: (أن أبا بكر بويع يوم قبض رسول الله ﷺ : يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة إحدى عشرة من الهجرة) (٤) وأخرج الطبراني في «الأوسط» عن ابن عمر قال: (لم يجلس أبو بكر الصديق في مجلس رسول الله ﷺ على المنبر حتى لقي الله، ولم يجلس عمر في مجلس أبي بكر حتى لقي الله، ولم يجلس عثمان في مجلس عمر حتى لقي الله) (٥)

стр. 135

فصل فيما وقع في خلافته والذي وقع في أيامه من الأمور الكبار: تنفيذ جيش أسامة، وقتال أهل الردة، ومانعي الزكاة، ومسيلمة، وجمع القرآن. أخرج الإسماعيلي عن عمر ﵁ قال: (لما قبض رسول الله ﷺ .. ارتد من ارتد من العرب، وقالوا: نصلي ولا نزكي، فأتيت أبا بكر فقلت: يا خليفة رسول الله؛ تألف الناس وارفق بهم؛ فإنهم بمنزلة الوحش، فقال: رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك؟! جبارا في الجاهلية خوارا في الإسلام؟! بماذا عسيت أن أتألفهم؟! بشعر مفتعل، أو بسحر مفتر؟! هيهات هيهات!! مضى النبي ﷺ وانقطع الوحي، والله؛ لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالا. قال عمر: فوجدته في ذلك أمضى مني وأصرم، وأدب الناس على أمور هانت على كثير من مؤنتهم حين وليتهم) (١). [أول اختلاف وقع بين الصحابة] وأخرج أبو القاسم البغوي، وأبو بكر الشافعي في «فوائده»، وابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: لما توفي رسول الله ﷺ .. اشرأب النفاق، وارتدت العرب، وانحازت الأنصار، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي .. لهاضها، فما اختلفوا في نقطة .. إلا طار أبي بفنائها وفصلها، قالوا: أين يدفن النبي ﷺ ؟ فما وجدنا عند أحد من ذلك علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي يقبض .. إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه». قالت: واختلفوا في ميراثه، فما وجدوا عند أحد من ذلك علما، فقال

стр. 136

أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة» (١). قال الأصمعي: (الهيض: الكسر للعظم، واشرأب: رفع رأسه) قال بعض العلماء: وهذا أول اختلاف وقع بين الصحابة ﵃، فقال بعضهم: ندفنه بمكة بلده الذي ولد بها، وقال آخرون: بل بمسجده، وقال آخرون: بل بالبقيع، وقال آخرون: بل ببيت المقدس مدفن الأنبياء، حتى أخبرهم أبو بكر بما عنده من العلم. قال ابن زنجويه: (وهذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين والأنصار، ورجعوا إليه فيها). [إنفاذ جيش أسامة ﵁] وأخرج البيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ قال: (والذي لا إله إلا هو؛ لولا أن أبا بكر استخلف .. ما عبد الله، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أبا هريرة!! فقال: إن رسول الله ﷺ وجه أسامة بن زيد في سبع مئة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب .. قبض النبي ﷺ ، وارتدت العرب حول المدينة، واجتمع إليه أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: رد هؤلاء؛ توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟! فقال: والذي لا إله إلا هو؛ لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ .. ما رددت جيشا وجهه رسول الله ﷺ ، ولا حللت لواء عقده، فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل (٢) يريدون الارتداد .. إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة .. ما خرج مثل هؤلاء من عندهم؛ ولكن ندعهم

стр. 137

حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم، ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام) (١). وأخرج عن عروة قال: جعل رسول الله ﷺ يقول في مرضه: «أنفذوا جيش أسامة» فسار حتى بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول: لا تعجل؛ فإن رسول الله ﷺ ثقيل، فلم يبرح حتى قبض رسول الله ﷺ ، فلما قبض .. رجع إلى أبي بكر، فقال: إن رسول الله ﷺ بعثني وأنا على غير حالكم هذه، وأنا أتخوف أن تكفر العرب؛ فإن كفرت .. كانوا أول من يقاتل، وإن لم تكفر .. مضيت؛ فإن معي سروات الناس وخيارهم. فخطب أبو بكر الناس، ثم قال: والله؛ لأن تخطفني الطير .. أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله ﷺ ، فبعثه (٢). [قتال أهل الردة] قال الذهبي: (لما اشتهرت وفاة النبي ﷺ بالنواحي .. ارتد طوائف كثيرة من العرب عن الإسلام، ومنعوا الزكاة، فنهض أبو بكر الصديق لقتالهم، فأشار عليه عمر وغيره أن يفتر عن قتالهم، فقال: والله؛ لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ .. لقاتلتهم على منعها. فقال عمر: كيف تقاتل الناس؛ وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن قالها .. عصم مني ماله ودمه إلا بحقها، وحسابه على الله»؟! فقال أبو بكر: والله؛ لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، وقد قال: «إلا بحقها».

стр. 138

قال عمر: فوالله؛ ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق) (١)، أخرجه ........ (٢). وعن عروة قال: (خرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار حتى بلغ نقعا حذاء نجد، وهربت الأعراب بذراريهم، فكلم الناس أبا بكر وقالوا: ارجع إلى المدينة وإلى الذرية والنساء، وأمر رجلا على الجيش، ولم يزالوا به حتى رجع، وأمر خالد بن الوليد، وقال له: إذا أسلموا وأعطوا الصدقة: فمن شاء منكم .. فليرجع، ورجع أبو بكر إلى المدينة) (٣) وأخرج الدارقطني عن ابن عمر قال: (لما برز أبو بكر واستوى على راحلته .. أخذ علي بن أبي طالب بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال لك رسول الله ﷺ يوم أحد: «شم سيفك (٤)، ولا تفجعنا بنفسك» وارجع إلى المدينة، فوالله؛ لئن فجعنا بك .. لا يكون للإسلام نظام أبدا) (٥) وعن حنظلة بن علي الليثي: (أن أبا بكر بعث خالدا، وأمره أن يقاتل الناس على خمس، من ترك واحدة منهن .. قاتله كما يقاتل من ترك الخمس جميعا: على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان) (٦) وسار خالد ومن معه في جمادى الآخرة، فقاتل بني أسد وغطفان، وقتل من

стр. 139

قتل، وأسر من أسر، ورجع الباقون إلى الإسلام، واستشهد بهذه الوقعة من الصحابة: عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم (١). وفي رمضان من هذه السنة: ماتت فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء العالمين، وعمرها أربع وعشرون سنة (٢). قال الذهبي: (وليس لرسول الله ﷺ نسب إلا منها؛ فإن عقب ابنته زينب انقرضوا، قاله الزبير بن بكار) (٣). وماتت قبلها بشهر أم أيمن (٤). وفي شوال: مات عبد الله بن أبي بكر الصديق ﵁ (٥). [قتال مسيلمة وموته وذكر بعض من مات في اليمامة] ثم سار خالد بجموعه إلى اليمامة لقتال مسيلمة الكذاب في أواخر العام، فالتقى الجمعان، ودام الحصار أياما، ثم قتل الكذاب إلى لعنة الله، قتله وحشي قاتل حمزة. واستشهد فيها خلق من الصحابة: أبو حذيفة بن عتبة (٦)، وسالم مولى أبي حذيفة (٧)، وشجاع بن وهب، وزيد بن الخطاب، وعبد الله بن سهيل، ومالك بن عمرو، والطفيل بن عمرو الدوسي، ويزيد بن قيس، وعامر بن

стр. 140

البكير، وعبد الله بن مخرمة، والسائب بن عثمان بن مظعون، وعباد بن بشر، ومعن بن عدي، وثابت بن قيس بن شماس، وأبو دجانة سماك بن خرشة، وجماعة آخرون تتمة سبعين. وكان لمسيلمة يوم قتل مئة وخمسون سنة، ومولده قبل مولد عبد الله والد النبي ﷺ . وفي سنة اثنتي عشرة: بعث الصديق العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وكانوا قد ارتدوا، فالتقوا بجوائى (١)، فنصر المسلمون، وبعث عكرمة بن أبي جهل إلى عمان وكانوا قد ارتدوا، وبعث المهاجر بن أبي أمية إلى أهل النجير (٢) وكانوا ارتدوا، وبعث زياد بن لبيد الأنصاري إلى طائفة من المرتدة. وفيها: مات أبو العاصي بن الربيع (٣)؛ زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ، والصعب بن جثامة الليثي، وأبو مرثد الغنوي (٤). وفيها: بعد فراغ قتال أهل الردة بعث الصديق ﵁ خالد بن الوليد إلى أرض البصرة، فغزا الأبلة فافتتحها، وافتتح مدائن كسرى التي بالعراق صلحا وحربا. وفيها: أقام الحج أبو بكر الصديق، ثم رجع فبعث عمرو بن العاصي والجنود إلى الشام، فكانت وقعة أجنادين، في جمادى الأولى، سنة ثلاث عشرة، ونصر الله المسلمين، وبشر بها أبو بكر وهو بآخر رمق. واستشهد بها عكرمة بن أبي جهل، وهشام بن العاصي في طائفة. وفيها: كانت وقعة مرج الصفر وهزم المشركون، واستشهد بها الفضل بن العباس في طائفة.

стр. 141

ذكر جمع القرآن أخرج البخاري عن زيد بن ثابت قال: (أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟! فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، فرأيت الذي رأى عمر، قال زيد: وعمر عنده جالس لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنك شاب عاقل ولا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله؛ لو كلفني نقل جبل من الجبال .. ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، فقلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي ﷺ ؟! فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف، والعشب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم … إلى آخرها﴾ (١)، فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر ﵃ (٢). وأخرج أبو يعلى عن علي قال: (أعظم الناس أجرا في المصاحف: أبو بكر؛ إن أبا بكر كان أول من جمع بين اللوحين) (٣).

стр. 142

فصل في أولياته منها: أنه أول من أسلم، وأول من جمع القرآن، وأول من سماه مصحفا، وتقدم دليل ذلك (١)، وأول من سمي خليفة. أخرج أحمد، عن ابن أبي مليكة قال: قيل لأبي بكر: يا خليفة الله، قال: (أنا خليفة رسول الله ﷺ وأنا راض به) (٢). ومنها: أنه أول من ولي الخلافة وأبوه حي، وأول خليفة فرض له رعيته العطاء. أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لما استخلف أبو بكر .. قال: (لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه) (٣). وأخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال: (لما بويع أبو بكر .. أصبح وعلى ساعده أبراد، وهو ذاهب إلى السوق، فقال عمر: أين تريد؟ قال: السوق، قال: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقال عمر: انطلق .. يفرض لك أبو عبيدة، فانطلقا إلى أبي عبيدة، فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا أوكسهم، وكسوة الشتاء والصيف، إذا أخلقت شيئا .. رددته وأخذت غيره، ففرضا له كل يوم نصف شاة وما كساه في الرأس والبطن) (٤). وأخرج ابن سعد عن ميمون قال: لما استخلف أبو بكر .. جعلوا له ألفين، فقال: (زيدوني؛ فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة) فزادوه خمس مئة (٥).

стр. 143

وأخرج الطبراني عن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: (لما احتضر أبو بكر .. قال: يا عائشة؛ انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها (١)، والجفنة التي كنا نصطبح فيها، والقطيفة التي كنا نلبسها؛ فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا نلي أمر المسلمين، فإذا مت .. فاردديه إلى عمر، فلما مات أبو بكر .. أرسلت به إلى عمر، فقال عمر: رحمك الله يا أبا بكر؛ لقد أتعبت من جاء بعدك) (٢) وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي بكر بن حفص قال: قال أبو بكر لما احتضر لعائشة: (يا بنية؛ إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لنا دينارا ولا درهما؛ ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير، إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت .. فابعثي بهن إلى عمر) (٣). ومنها: أنه أول من اتخذ بيت المال أخرج ابن سعد عن سهل بن أبي حثمة وغيره: (أن أبا بكر ﵁ كان له بيت مال بالسنح ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل، وكان يعطي ما فيه حتى يفرغ، فلما انتقل إلى المدينة .. حوله فجعله في داره، فقدم عليه مال، فكان يقسمه على فقراء الناس، فيسوي بين الناس في القسم، وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله، واشترى قطائف أتي بها من البادية ففرقها في أرامل أهل المدينة، فلما توفي أبو بكر ﵁ ودفن .. دعا عمر الأمناء، ودخل بهم بيت مال أبي بكر - منهم عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان - ففتحوا بيت المال، فلم يجدوا فيه لا دينارا ولا درهما) (٤). قلت: وبهذا الأثر يرد قول العسكري في «الأوائل»: (إن أول من اتخذ

стр. 144

بيت المال عمر، وإنه لم يكن للنبي ﷺ بيت مال ولا لأبي بكر ﵁ (١). وقد رددت عليه في كتابي الذي صنفته في الأوائل (٢)، ثم رأيت العسكري تنبه له في موضع آخر من كتابه فقال: (إن أول من ولي بيت المال: أبو عبيدة ابن الجراح لأبي بكر) (٣). ومنها: قال الحاكم: (أول لقب في الإسلام: لقب أبي بكر؛ عتيق) (٤) فصل [في تنفيذه ﵁ عدة النبي ﷺ ] أخرج الشيخان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو جاء مال البحرين .. أعطيتك هكذا، وهكذا، وهكذا» فلما جاء مال البحرين بعد وفاة رسول الله ﷺ .. قال أبو بكر: من كان له عند رسول الله ﷺ دين أو عدة .. فليأتنا، فجئت فأخبرته، فقال: خذ، فأخذت، فوجدتها خمس مئة، فأعطاني ألفا وخمس مئة (٥) فصل [في نبذ من حلمه وتواضعه] أخرج ابن عساكر عن أنيسة قالت: (نزل فينا أبو بكر ثلاث سنين قبل أن يستخلف، وسنة بعد ما استخلف، فكان جواري الحي يأتينه بغنمهن فيحلبهن لهن) (٦)

стр. 145

وأخرج أحمد في «الزهد» عن ميمون بن مهران قال: (جاء رجل إلى أبي بكر الصديق فقال: السلام عليك يا خليفة رسول الله، قال: من بين هؤلاء أجمعين؟!) (١) وأخرج ابن عساكر عن أبي صالح الغفاري: (أن عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزا؛ كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيستقي لها ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها .. وجد غيره قد سبقه إليها، فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها، فرصده عمر؛ فإذا هو بأبي بكر الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة، فقال عمر: أنت هو لعمري) (٢) وأخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن الأصبهاني قال: (جاء الحسن بن علي إلى أبي بكر وهو على منبر رسول الله ﷺ فقال: انزل عن مجلس أبي، فقال: صدقت؛ إنه مجلس أبيك، وأجلسه في حجره وبكى، فقال علي: والله؛ ما هذا عن أمري، فقال: صدقت، والله؛ ما اتهمتك) (٣) فصل [في حجه ﵁] أخرج ابن سعد عن ابن عمر قال: (استعمل النبي ﷺ أبا بكر على الحج في أول حجة كانت في الإسلام، ثم حج رسول الله ﷺ في السنة المقبلة، فلما قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر .. استعمل عمر بن الخطاب على الحج، ثم حج أبو بكر من قابل، فلما قبض أبو بكر واستخلف عمر .. استعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج، ثم
следующие страницы →