← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأول من أرتج عليه في الخطبة، وأول من اتخذ صاحب شرطة. أول من استخلف ولي العهد في صحته: معاوية، وهو أول من اتخذ الخصيان الخاص خدمته. أول من حملت إليه الرؤوس: عبد الله بن الزبير. أول من ضرب اسمه على السكة: عبد الملك بن مروان. أول من منع من ندائه باسمه: الوليد بن عبد الملك. أول ما حدثت الألقاب لبني العباس. وقال ابن فضل الله: زعم بعضهم أن لبني أمية ألقابا مثل ألقاب بني العباس. قلت: ذكر بعض المؤرخين أن لقب معاوية: الناصر لدين الله (١)، ولقب يزيد: المستنصر (٢)، ولقب معاوية ابنه: الراجع إلى الحق (٣)، ولقب مروان: المؤتمن بالله (٤)، ولقب عبد الملك: الموفق لأمر الله (٥)، ولقب ابنه الوليد: المنتقم بالله (٦)، ولقب عمر بن عبد العزيز: المعصوم بالله (٧)، ولقب يزيد بن عبد الملك: القادر بصنع الله (٨)، ولقب يزيد الناقص: الشاكر لأنعم الله (٩). أول من تفرقت الكلمة في دولته: السفاح. أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم: المنصور، وهو أول خليفة استعمل مواليه في الأعمال وقدمهم على العرب. أول من أمر بتصنيف الكتب في الرد على المخالفين: المهدي.

стр. 72

أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف والأعمدة: الهادي. أول من لعب بالصوالجة (١) في الميدان: الرشيد. أول ما دعي وكتب للخليفة بلقبه: في أيام الأمين. أول من أدخل الأتراك الديوان: المعتصم. أول من أمر بتغيير أهل الذمة زيهم: المتوكل. أول من تحكمت الأتراك من قتله: المتوكل، وظهر بذلك تصديق الحديث النبوي؛ كما أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «اتركوا الترك ما تركوكم؛ فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما حولهم الله: بنو قنطوراء» (٢) أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة وصغر القلانس: المستعين. أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب: المعتز. أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به: المعتمد. أول من ولي الخلافة من الصبيان: المقتدر. آخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال: الراضي؛ وهو آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة خطب وصلى بالناس دائما، وآخر خليفة جالس الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه، وعطاياه وخدمه، وجراياته وخزائنه، ومطابخه ومشاربه، ومجالسه وحجابه وأموره جارية على ترتيب الخلافة الأولى، وهو آخر خليفة سافر بزي الخلفاء القدماء. أول ما كررت الألقاب: من المستنصر الذي تولى بعد المستعصم. في «الأوائل» للعسكري: (أول خليفة ولي في حياة أمه: عثمان بن عفان ﵁، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم الأمين، ثم المتوكل، ثم

стр. 73

المنتصر، ثم المستعين، ثم المعتز، ثم المعتضد، ثم المطيع، ولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه غير أبي بكر الصديق ﵁ (١)، وزيد عليه الطائع. وقال الصولي: (لا تعرف امرأة ولدت خليفتين إلا ولادة: أم الوليد، وسليمان ابني عبد الملك، وشاه فرند (٢): أم يزيد الناقص، وإبراهيم ابني الوليد، والخيزران: أم الهادي، والرشيد). قلت: ويزاد أم العباس، وحمزة، وأم داوود، وسليمان أولاد المتوكل الأخير (٣). فائدة [في أسماء المتخلفين العبيديين] المتسمون بالخلافة من العبيديين أربعة عشر؛ ثلاثة بالمغرب: المهدي، والقائم، والمنصور، وأحد عشر بمصر: المعز، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد. وكان ابتداء مملكتهم: من سنة بضع وتسعين ومئتين، وانقراضها: في سنة سبع وستين وخمس مئة. قال الذهبي: (وهي الدولة المجوسية أو اليهودية لا العلوية، والباطنية لا الفاطمية، وكانوا أربعة عشر متخلفا لا مستخلفا) انتهى (٤).

стр. 74

فائدة [في خلفاء المغرب من الأمويين] المتسمون بالخلافة من الأمويين بالمغرب كانوا أحسن حالا من العبيديين بكثير؛ إسلاما وسنة، وعدلا وفضلا وعلما، وجهادا وغزوا، وهم كثير؛ حتى إنه اجتمع بالأندلس في عصر واحد ستة كلهم تسمى بالخلافة. فائدة [في المؤلفات بتواريخ الخلفاء] أفرد تواريخ الخلفاء بالتأليف جماعة من المتقدمين، منها: - «تاريخ الخلفاء» لنفطويه النحوي، مجلدان، انتهى إلى أيام القاهر. - و «الأوراق» للصولي، ذكر فيه العباسيين فقط وانتهى إلى … ... (١) وقفت عليه. - و «تاريخ خلفاء بني العباس» لابن الجوزي، رأيته أيضا انتهى فيه إلى أيام الناصر. - و «تاريخ الخلفاء» لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المروزي الكاتب، أحد فحول الشعراء، مات في سنة ثمانين ومئتين. - و «تاريخ خلفاء بني العباس» للأمير أبي موسى هارون بن محمد العباسي. فائدة [فيمن حفظ القرآن من الخلفاء] أخرج الخطيب في «التاريخ» بسنده عن محمد بن عباد قال: (لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان، والمأمون) (٢).

стр. 75

قلت: وهذا الحصر ممنوع، بل حفظه أيضا الصديق ﵁ على الصحيح، وصرح به جماعة منهم النووي في «تهذيبه» (١)، وعلي ﵁ ورد من طريق أنه حفظه كله بعد موت النبي ﷺ (٢). فائدة [في لفظ بيعة الخلفاء] قال ابن الساعي: (حضرت مبايعة الخليفة الظاهر، فكان جالسا في شباك القبة؛ بثياب بيض وعليه الطرحة، وعلى كتفه بردة النبي ﷺ ، والوزير قائما بين يديه على منبر، وأستاذ الدار دونه بمرقاة؛ وهو الذي يأخذ البيعة على الناس. ولفظ المبايعة: أبايع سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام: أبا نصر محمد الظاهر بأمر الله على كتاب الله وسنة نبيه، واجتهاد أمير المؤمنين، وأن لا خليفة سواه) انتهى (٣).

стр. 76

الخلافة الراشدة

стр. 77

خلافة الصديق ﵁ [١١ - ١٣ هـ] (١) أبو بكر الصديق ﵁، خليفة رسول الله ﷺ ، اسمه: عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله ﷺ في مرة قال النووي في «تهذيبه»: وما ذكرناه من أن اسم أبي بكر عبد الله .. هو الصحيح المشهور، وقيل: اسمه عتيق، والصواب الذي عليه كافة العلماء: أن عتيقا لقب له لا اسم، ولقب عتيقا: لعتقه من النار؛ كما ورد في حديث رواه الترمذي (٢) وقيل: لعتاقة وجهه؛ أي: حسنه وجماله، قاله الليث بن سعد وجماعة. وقيل: لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به، قاله مصعب بن الزبير وغيره. وأجمعت الأمة على تسميته بالصديق؛ لأنه بادر إلى تصديق رسول الله ﷺ ، ولازم الصدق، فلم يقع منه هناة ما، ولا وقفة في حال من الأحوال. وكانت له في الإسلام المواقف الرفيعة؛ منها: - قصته يوم ليلة الإسراء، وثباته وجوابه للكفار في ذلك. - وهجرته مع رسول الله ﷺ ، وترك عياله وأطفاله، وملازمته في الغار وسائر الطريق

стр. 78

ثم كلامه يوم بدر، ويوم الحديبية حين اشتبه على غيره الأمر في تأخر دخول مكة. ثم بكاؤه حين قال رسول الله ﷺ : «إن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة» (١). ثم ثباته في وفاة رسول الله ﷺ ، وخطبته الناس وتسكينهم. ثم قيامه في قضية البيعة بمصلحة المسلمين. ثم اهتمامه وثباته في بعث جيش أسامة بن زيد إلى الشام، وتصميمه في ذلك. ثم قيامه في قتال أهل الردة، ومناظرته للصحابة حتى حجهم بالدلائل، وشرح الله صدورهم لما شرح له صدره من الحق؛ وهو قتال أهل الردة. ثم تجهيزه الجيوش إلى الشام لفتوحه وإمدادهم. ثم ختم ذلك بمهم من أحسن مناقبه، وأجل فضائله؛ وهو استخلافه على المسلمين عمر ﵁، وكم للصديق من موقف وأثر ومناقب وفضائل لا تحصى!! هذا كلام النووي (٢). وأقول: قد أردت أن أبسط ترجمة الصديق بعض البسط ذاكرا جملة كثيرة مما وقفت عليه من حاله، وأرتب ذلك فصولا. فصل في اسمه ولقبه تقدمت الإشارة إلى ذلك (٣)، قال ابن كثير: (اتفقوا على أن اسمه:

стр. 79

عبد الله بن عثمان إلا ما روى ابن سعد عن ابن سيرين: أن اسمه عتيق (١)، والصحيح: أنه لقبه) (٢). ثم اختلف في وقت تلقيبه به، وفي سببه؛ فقيل: لعتاقة وجهه؛ أي: جماله، قاله الليث بن سعد وأحمد ابن حنبل وابن معين وغيرهم. وقال: أبو نعيم الفضل بن دكين: لقدمه في الخير. وقيل: لعتاقة نسبه؛ أي: طهارته؛ إذ لم يكن في نسبه شيء يعاب به. وقيل: سمي به أولا، ثم سمي بعبد الله؛ روى الطبراني عن القاسم بن محمد: أنه سأل عائشة ﵂ عن اسم أبي بكر فقالت: (عبد الله)، فقال: إن الناس يقولون: عتيق؟ قالت: (إن أبا قحافة كان له ثلاثة أولاد سماهم: عتيقا ومعتقا ومعيتقا) (٣). وأخرج ابن منده وابن عساكر عن موسى بن طلحة قال: قلت لأبي طلحة: لم سمي أبو بكر عتيقا؟ قال: (كانت أمه لا يعيش لها ولد، فلما ولدته .. استقبلت به البيت، ثم قالت: اللهم؛ إن هذا عتيق من الموت، فهبه لي) (٤). وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: (إنما سمي عتيقا؛ لحسن وجهه) (٥). وأخرج ابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: (اسم أبي بكر الذي سماه به أهله: عبد الله؛ ولكن غلب عليه اسم عتيق)، وفي لفظ: (ولكن النبي ﷺ سماه عتيقا) (٦). وأخرج أبو يعلى في «مسنده»، وابن سعد، والحاكم وصححه عن عائشة

стр. 80

قالت: (والله؛ إني لفي بيتي ذات يوم ورسول الله ﷺ وأصحابه في الفناء، والستر بيني وبينهم؛ إذ أقبل أبو بكر، فقال النبي ﷺ : «من سره أن ينظر إلى عتيق من النار .. فلينظر إلى أبي بكر» وإن اسمه الذي سماه أهله لعبد الله، فغلب عليه اسم عتيق) (١). وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂: (أن أبا بكر دخل على رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر، أنت عتيق الله من النار» فمن يومئذ سمي عتيقا) (٢). وأخرج البزار والطبراني بسند جيد عن عبد الله بن الزبير قال: (كان اسم أبي بكر عبد الله، فقال له رسول الله ﷺ : «أنت عتيق الله من النار» فسمي عتيقا) (٣). وأما الصديق .. فقيل: كان يلقب به في الجاهلية؛ لما عرف منه من الصدق، ذكره ابن مسدي، وقيل: لمبادرته إلى تصديق رسول الله ﷺ فيما كان يخبر به. قال ابن إسحاق: عن الحسن البصري وقتادة: (وأول ما اشتهر به صبيحة الإسراء). أخرج الحاكم في «المستدرك» عن عائشة ﵂ قالت: (جاء المشركون إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك؛ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟! قال: وقال ذلك؟ قالوا: نعم، فقال: لقد صدق؛ إني لأصدقه بأبعد من ذلك: بخبر السماء غدوة وروحة؛ فلذلك سمي أبو بكر: الصديق)، إسناده جيد (٤).

стр. 81

وقد ورد ذلك من حديث أنس وأبي هريرة أسندهما ابن عساكر (١)، وأم هانئ أخرجه الطبراني (٢). وقال سعيد بن منصور في «سننه»: حدثنا أبو معشر، عن أبي وهب مولى أبي هريرة قال: لما رجع رسول الله ﷺ ليلة أسري به فكان بذي طوى .. قال: «يا جبريل؛ إن قومي لا يصدقوني» قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق (٣)، وأخرجه الطبراني في «الأوسط» موصولا عن أبي وهب عن أبي هريرة (٤). وأخرج الحاكم عن النزال بن سبرة قال: قلنا لعلي: يا أمير المؤمنين؛ أخبرنا عن أبي بكر، فقال: (ذاك امرؤ سماه الله الصديق؛ على لسان جبريل، وعلى لسان محمد ﷺ ، كان خليفة رسول الله ﷺ على الصلاة، رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا)، إسناده جيد (٥). وأخرج الدارقطني والحاكم عن أبي يحيى قال: لا أحصي كم سمعت عليا يقول على المنبر: (إن الله سمى أبا بكر على لسان نبيه صديقا) (٦). وأخرجه الطبراني بسند صحيح عن حكيم بن سعد قال: (سمعت عليا يحلف؛ لأنزل الله اسم أبي بكر من السماء الصديق) (٧). وفي حديث أحد: «اسكن؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» (٨).

стр. 82

وأم أبي بكر: بنت عم أبيه، اسمها: سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب، وتكنى أم الخير، قاله الزهري، أخرجه ابن عساكر (١) فصل في مولده ومنشئه ولد بعد مولد النبي ﷺ بسنتين وأشهر؛ فإنه مات وله ثلاث وستون سنة. قال ابن كثير: (وأما ما أخرجه خليفة بن خياط عن يزيد بن الأصم: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: «أنا أكبر أو أنت؟» قال: «أنت أكبر وأنا أسن منك» (٢) .. فهو مرسل غريب جدا، والمشهور خلافه، وإنما صح ذلك عن العباس) (٣) وكان منشؤه بمكة، لا يخرج منها إلا لتجارة، وكان ذا مال جزيل في قومه، ومروءة تامة، وإحسان وتفضل فيهم؛ كما قال له ابن الدغنة: (إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر، وتقري الضيف) (٤). قال النووي: (وكان من رؤساء قريش في الجاهلية وأهل مشاورتهم، ومحببا فيهم، ومألفا لهم، فلما جاء الإسلام .. آثره على ما سواه، ودخل فيه أكمل دخول) (٥). وأخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن خربوذ قال: (إن أبا بكر الصديق ﵁ أحد عشرة من قريش اتصل لهم شرف الجاهلية بشرف

стр. 83

الإسلام؛ فكان إليه أمر الديات والغرم) (١) وذلك أن قريشا لم يكن لها ملك ترجع الأمور كلها إليه، بل كان في كل قبيلة ولاية عامة تكون لرئيسها. فكانت في بني هاشم السقاية والرفادة، ومعنى ذلك: أنه لا يأكل ولا يشرب أحد إلا من طعامهم وشرابهم. وكانت في بني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة؛ أي: لا يدخل البيت أحد إلا بإذنهم، وإذا عقدت قريش راية حرب .. عقدها لهم بنو عبد الدار، وإذا اجتمعوا لأمر إبراما أو نقضا .. لا يكون اجتماعهم لذلك إلا في دار الندوة، ولا ينفذ إلا بها، وكانت لبني عبد الدار. فصل [خلقه في الجاهلية ﵁] كان أبو بكر من أعف الناس في الجاهلية؛ أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: (والله؛ ما قال أبو بكر شعرا قط في جاهلية ولا إسلام، لقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية) (٢) وأخرج أبو نعيم بسند جيد عنها قالت: (لقد حرم أبو بكر الخمر على نفسه في الجاهلية) (٣). وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن الزبير قال: (ما قال أبو بكر شعرا قط) (٤) وأخرج ابن عساكر عن أبي العالية الرياحي قال: قيل لأبي بكر الصديق في مجمع من أصحاب رسول الله ﷺ : هل شربت الخمر في الجاهلية؟ فقال: أعوذ بالله، فقيل: ولم؟ قال: كنت أصون عرضي وأحفظ

стр. 84

مروءتي؛ فإن من شرب الخمر .. كان مضيعا في عرضه ومروءته، قال: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «صدق أبو بكر، صدق أبو بكر» مرتين، مرسل غريب سندا ومتنا (١) فصل في صفته أخرج ابن سعد عن عائشة ﵂: أن رجلا قال لها: صفي لنا أبا بكر، فقالت: (رجل أبيض، نحيف خفيف العارضين، أجنأ (٢)، لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه (٣)، معروق الوجه (٤)، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع (٥)، هذه صفته) (٦). وأخرج عن عائشة ﵂: (أن أبا بكر كان يخضب بالحناء والكتم) (٧). وأخرج عن أنس قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس في أصحابه أشمط غير أبي بكر، فغلفها بالحناء والكتم) (٨). فصل في إسلامه أخرج الترمذي وابن حبان في «صحيحه» عن أبي سعيد الخدري قال: قال

стр. 85

أبو بكر ﵁: (ألست أحق الناس بها؟! ألست أول من أسلم؟! ألست صاحب كذا؟! ألست صاحب كذا؟!) (١) وأخرج ابن عساكر من طريق الحارث، عن علي ﵁ قال: (أول من أسلم من الرجال: أبو بكر) (٢) وأخرج خيثمة بسند صحيح عن زيد بن أرقم قال: (أول من صلى مع النبي ﷺ : أبو بكر الصديق) (٣) وأخرج ابن سعد عن أبي أروى الدوسي الصحابي ﵁ قال: (أول من أسلم: أبو بكر الصديق) (٤) وأخرج الطبراني في (الكبير) وعبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن الشعبي قال: سألت ابن عباس: أي الناس كان أول إسلاما؟ قال: أبو بكر الصديق؛ ألم تسمع قول حسان: [من البسيط] إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة … فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها … إلا النبي وأوفاها بما حملا والثاني التالي المحمود مشهده … وأول الناس منهم صدق الرسلا (٥) وأخرج أبو نعيم عن فرات بن السائب قال: سألت ميمون بن مهران قلت: علي أفضل عندك أم أبو بكر وعمر؟ قال: فارتعد حتى سقطت عصاه من يده، ثم قال: (ما كنت أظن أن أبقى إلى زمان يعدل بهما، الله درهما!! كانا رأسي الإسلام). قال: فقلت: فأبو بكر كان أول إسلاما أو علي؟ قال: (والله؛ لقد آمن

стр. 86

أبو بكر بالنبي ﷺ زمن بحيرا الراهب حين مر به، واختلف فيما بينه وبين خديجة حتى أنكحها إياه، وذلك كله قبل أن يولد علي) (١). وقد قال: إنه أول من أسلم خلائق من الصحابة والتابعين وغيرهم، بل ادعى بعضهم الإجماع عليه، وقيل: أول من أسلم: علي، وقيل: خديجة. ويجمع بين الأقوال: بأن أبا بكر: أول من أسلم من الرجال، وعليا: أول من أسلم من الصبيان، وخديجة: أول من أسلم من النساء، وأول من ذكر هذا الجمع: الإمام أبو حنيفة ﵀، أخرجه عنه … ... … ... (٢). وأخرج ابن أبي شيبة وابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لمحمد ابن الحنفية: هل كان أبو بكر أول القوم إسلاما؟ قال: (لا)، قلت: فبم علا أبو بكر وسبق حتى لا يذكر أحد غير أبي بكر؟ قال: (لأنه كان أفضلهم إسلاما حين أسلم حتى لحق بربه) (٣). وأخرج ابن عساكر بسند جيد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال لأبيه سعد: أكان أبو بكر الصديق أولكم إسلاما؟ قال: (لا؛ ولكنه أسلم قبله أكثر من خمسة، ولكن كان خيرنا إسلاما) (٤). قال ابن كثير: (الظاهر: أن أهل بيته ﷺ آمنوا قبل كل أحد؛ زوجته خديجة، ومولاه زيد، وزوجة زيد أم أيمن، وعلي، وورقة) انتهى. وأخرج ابن عساكر عن عيسى بن يزيد قال: قال أبو بكر الصديق: (كنت جالسا بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعدا، فمر به أمية ابن أبي الصلت، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: هل

стр. 87

وجدت؟ قال: لا، فقال: [من الخفيف] كل دين يوم القيامة إلا … ما قضى الله في الحنيفة بور أما إن هذا النبي الذي ينتظر .. منا أو منكم؟ قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي ينتظر ولا يبعث، قال: فخرجت أريد ورقة بن نوفل، وكان كثير النظر إلى السماء، كثير همهمة الصدر، فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا بن أخي؛ إنا أهل الكتب والعلماء، ألا إن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا - ولي علم بالنسب - وقومك أوسط العرب نسبا، قلت: يا عم؛ وما يقول النبي؟ قال: يقول ما قيل له، إلا أنه لا يظلم ولا يظالم، قال: فلما بعث رسول الله ﷺ .. آمنت به وصدقته) (١) وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي: أن رسول الله ﷺ قال: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام .. إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عتم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه» (٢) عتم: أي: تلبث. قال البيهقي: (وهذا لأنه كان يرى دلائل نبوة رسول الله ﷺ ، ويسمع آثاره قبل دعوته، فحين دعاه .. كان قد سبق له فيه تفكر ونظر، فأسلم في الحال). ثم أخرج عن أبي ميسرة: (أن رسول الله ﷺ كان إذا برز .. سمع من يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت .. انطلق هاربا، فأسر ذلك إلى أبي بكر؛ وكان صديقا له في الجاهلية) (٣). وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما كلمت في الإسلام أحدا .. إلا أبى علي وراجعني الكلام، إلا

стр. 88

ابن أبي قحافة؛ فإني لم أكلمه في شيء .. إلا قبله واستقام عليه» (١). وأخرج البخاري عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت: ﴿يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾ فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت» (٢). فصل في صحبته ومشاهده قال العلماء: صحب أبو بكر النبي ﷺ من حين أسلم إلى أن توفي؛ لم يفارقه سفرا ولا حضرا إلا فيما أذن له ﷺ في الخروج فيه من حج أو غزو، وشهد معه المشاهد كلها، وهاجر معه وترك عياله وأولاده؛ رغبة في الله ورسوله ﷺ ، وهو رفيقه في الغار، قال تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه، لا تحزن إن الله معنا﴾. وقام بنصر رسول الله ﷺ في غير موضع، وله الآثار الجميلة في المشاهد، وثبت يوم أحد ويوم حنين وقد فر الناس؛ كما سيأتي في (فصل شجاعته ﵁. أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: (تباشرت الملائكة يوم بدر فقالوا: أما ترون أبا بكر الصديق مع رسول الله ﷺ في العريش؟!) (٣). وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم عن علي قال: قال لي رسول الله ﷺ يوم بدر ولأبي بكر: «مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل» (٤).

стр. 89

وأخرج ابن عساكر عن ابن سيرين: أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق كان يوم بدر مع المشركين، فلما أسلم .. قال لأبيه: لقد أهدفت لي يوم بدر فصرفت عنك ولم أقتلك، فقال له أبو بكر: (لكنك لو هدفت لي .. لم أنصرف عنك) (١). قال ابن قتيبة: (معنى «أهدفت»: أشرفت؛ ومنه قيل للبناء المرتفع: هدف) (٢) فصل في شجاعته وأنه أشجع الصحابة أخرج البزار في «مسنده» عن علي أنه قال: (أخبروني من أشجع الناس؟) قالوا: أنت، قال: (أما إني ما بارزت أحدا .. إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس). قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: (أبو بكر؛ إنه لما كان يوم بدر .. جعلنا لرسول الله ﷺ عريشا، فقلنا: من يكون مع رسول الله ﷺ ؛ لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فوالله؛ ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله ﷺ ، لا يهوي إليه أحد .. إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس). قال علي: (ولقد رأيت رسول الله ﷺ وأخذته قريش فهذا يجؤه (٣)، وهذا يتلتله (٤)، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا؟! قال: فوالله؛ ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا، ويجأ هذا، ويتلتل هذا وهو يقول: ويلكم: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾).

стр. 90

ثم رفع علي بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: (أنشدكم بالله؛ أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟) فسكت القوم، فقال: (ألا تجيبوني؟ فوالله؛ لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن آل فرعون (١)، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه) (٢) وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاصي عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ ، قال: (رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾) (٣) وأخرج الهيثم بن كليب في «مسنده» عن أبي بكر قال: (لما كان يوم أحد .. انصرف الناس كلهم عن رسول الله ﷺ ، فكنت أول من فاء) (٤) وسيأتي تتمة الحديث في مسند ما رواه (٥) وأخرج ابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: (لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ ، فكانوا ثمانية وثلاثين رجلا .. ألح أبو بكر على رسول الله ﷺ في الظهور، فقال: «يا أبا بكر؛ إنا قليل» فلم يزل أبو بكر يلح على رسول الله ﷺ حتى ظهر رسول الله ﷺ ، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوا في نواحي

стр. 91

المسجد ضربا شديدا) (١) وسيأتي تتمة الحديث في ترجمة عمر ﵁ (٢). وأخرج ابن عساكر عن علي ﵁ قال: (لما أسلم أبو بكر .. أظهر إسلامه، ودعا إلى الله وإلى رسوله) (٣). فصل في إنفاقه ماله على رسول الله ﷺ وأنه أجود الصحابة قال تعالى: ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى﴾ … إلى آخر السورة، قال ابن الجوزي: (أجمعوا على أنها نزلت في أبي بكر) (٤). وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر» فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟! (٥) وأخرج أبو يعلى من حديث عائشة ﵂ مرفوعا مثله (٦). قال ابن كثير: وروي أيضا من حديث علي (٧)، وابن عباس (٨)، وأنس (٩)، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري ﵃ (١٠). وأخرجه الخطيب عن سعيد بن المسيب مرسلا، وزاد: (وكان رسول الله

стр. 92

ﷺ يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه) (١) وأخرج ابن عساكر من طرق عن عائشة وعروة بن الزبير: (أن أبا بكر ﵁ أسلم يوم أسلم وله أربعون ألف دينار - وفي لفظ: أربعون ألف درهم - فأنفقها على رسول الله ﷺ (٢) وأخرج أبو سعيد بن الأعرابي عن ابن عمر ﵄ قال: (أسلم أبو بكر يوم أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم، فخرج إلى المدينة في الهجرة وما له غير خمسة آلاف، كل ذلك ينفق في الرقاب والعون على الإسلام) (٣) وأخرج ابن عساكر عن عائشة ﵂: (أن أبا بكر أعتق سبعة كلهم يعذب في الله) (٤) وأخرج ابن شاهين في (السنة)، والبغوي في «تفسيره»، وابن عساكر عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ ، وعنده أبو بكر الصديق، وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال، فنزل عليه جبريل ﵇ فقال: يا محمد؛ ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟! فقال: «يا جبريل؛ أنفق ماله علي قبل الفتح»، قال: فإن الله يقرأ عليه¬ السلام ويقول: «قل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟» فقال أبو بكر: أسخط على ربي؟! أنا عن ربي راض، أنا عن ربي راض، أنا عن ربي راض، غريب وسنده ضعيف جدا (٥) وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة وابن مسعود مثله، وسندهما ضعيف أيضا، وأخرج ابن عساكر نحوه من حديث ابن عباس (٦)

стр. 93

وأخرج الخطيب بسند واه أيضا عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «هبط علي جبريل وعليه طنفسة وهو متخلل بها، فقلت: يا جبريل؛ ما هذا؟ قال: إن الله أمر الملائكة أن تتخلل في السماء كتخلل أبي بكر في الأرض» (١). قال ابن كثير: (منكر جدا، قال: ولولا أن هذا والذي قبله يتداوله كثير من الناس .. لكان الإعراض عنهما أولى) (٢). وأخرج أبو داوود والترمذي عن عمر بن الخطاب قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، قلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: «يا أبا بكر؛ ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدا) قال الترمذي: حسن صحيح (٣). وأخرج أبو نعيم في «الحلية» عن الحسن البصري: أن أبا بكر أتى النبي ﷺ بصدقته فأخفاها، فقال: يا رسول الله؛ هذه صدقتي، والله عندي معاد، وجاء عمر بصدقته فأظهرها، فقال: يا رسول الله؛ هذه صدقتي ولي عند الله معاد، فقال رسول الله ﷺ : «ما بين صدقتيكما كما بين كلمتيكما»، إسناده جيد لكنه مرسل (٤). وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما لأحد عندنا يد .. إلا وقد كافأناه، إلا أبا بكر؛ فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر» (٥). وأخرج البزار عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: جئت بأبي قحافة إلى

стр. 94

النبي ﷺ فقال: «هلا تركت الشيخ حتى آتيه؟» قال: بل هو أحق أن يأتيك، قال: «إنا نحفظه لأيادي ابنه عندنا» (١). وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أحد عندي أعظم يدا من أبي بكر، وآساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته» (٢). فصل في علمه وأنه أعلم الصحابة وأذكاهم قال النووي في «تهذيبه» ومن خطه نقلت: (استدل أصحابنا على عظم علمه بقوله ﵁ في الحديث الثابت في «الصحيحين»: «والله؛ لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله؛ لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ .. لقاتلتهم على منعه» (٣). واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في «طبقاته»: على أن أبا بكر أعلم الصحابة؛ لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكمة في المسألة إلا هو، ثم ظهر لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب، فرجعوا إليه. وروينا عن ابن عمر أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﷺ ؟ فقال: «أبو بكر وعمر ﵄، ما أعلم غيرهما». وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: «إن الله ﵎ خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله» فبكى أبو بكر وقال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خير، فكان

стр. 95

فقال رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﷺ : «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي .. لا تخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر») هذا كلام النووي (١). وقال ابن كثير: (كان الصديق ﵁ أقرأ الصحابة - أي: أعلمهم بالقرآن - لأنه ﷺ قدمه إماما للصلاة بالصحابة مع قوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله») (٢). وأخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره» (٣). وكان مع ذلك أعلمهم بالسنة؛ كما رجع إليه الصحابة في غير موضع يبرز عليهم بنقل سنن عن النبي ﷺ يحفظها هو، ويستحضرها عند الحاجة إليها ليست عندهم، وكيف لا يكون كذلك وقد واظب صحبة الرسول ﷺ من أول البعثة إلى الوفاة؟! وهو مع ذلك من أذكى عباد الله وأعقلهم. وإنما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلا القليل؛ لقصر مدته، وسرعة وفاته بعد النبي ﷺ ، وإلا: فلو طالت مدته .. لكثر ذلك عنه جدا، ولم يترك الناقلون عنه حديثا إلا نقلوه عنه، ولكن كان الذين في زمانه من الصحابة لا يحتاج أحدهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته، فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم. وأخرج أبو القاسم البغوي عن ميمون بن مهران قال: (كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم .. نظر في كتاب الله؛ فإن وجد فيه ما يقضي بينهم .. قضى به، وإن

стр. 96

لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة .. قضى به، فإن أعياه .. خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﷺ .. جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع أمرهم على رأي .. قضى به) (١). وكان عمر ﵁ يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة .. نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء؟ فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء .. قضى به، وإلا .. دعا رؤوس المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر .. قضى به. وكان الصديق ﵁ مع ذلك أعلم الناس بأنساب العرب، لا سيما قريش. أخرج ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة، عن شيخ من الأنصار قال: (كان جبير بن مطعم من أنسب قريش لقريش وللعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر الصديق من أنسب العرب) (٢). وكان الصديق مع ذلك غاية في علم تعبير الرؤيا، وقد كان يعبر الرؤيا في زمن النبي ﷺ . وقد قال محمد بن سيرين - وهو المقدم في هذا العلم بالاتفاق -: (كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي ﷺ أخرجه ابن سعد (٣). وأخرج الديلمي في «مسند الفردوس» وابن عساكر عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أؤول الرؤيا أبا بكر» قال ابن كثير: غرب (٤).

стр. 97

وكان من أفصح الناس وأخطبهم؛ قال الزبير بن بكار: سمعت بعض أهل العلم يقول: (خطباء أصحاب رسول الله ﷺ : أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄ (١). وسيأتي في حديث السقيفة قول عمر ﵁: (وكان من أعلم الناس بالله وأخوفهم له) (٢). وسيأتي من كلامه في ذلك، وفي تعبير الرؤيا، ومن خطبه جملة في فصل مستقل (٣). ومن الدال على أنه أعلم الصحابة: حديث صلح الحديبية، حيث سأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك الصلح وقال: (علام نعطي الدنية في ديننا؟!) فأجابه النبي ﷺ ، ثم ذهب إلى أبي بكر فسأله عما سأل عنه رسول الله ﷺ ، فأجابه الصديق بمثل ما أجابه النبي ﷺ سواء بسواء. أخرجه البخاري وغيره (٤). وكان مع ذلك أسد الصحابة رأيا وأكملهم عقلا؛ أخرج تمام الرازي في «فوائده» وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تستشير أبا بكر) (٥). وأخرج الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ لما أراد أن يسرح معاذا إلى اليمن .. استشار ناسا من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأسيد بن حضير، فتكلم القوم كل

стр. 98

إنسان برأيه، فقال: «ما ترى يا معاذ؟» فقلت: أرى ما قال أبو بكر، فقال النبي ﷺ : «إن الله يكره فوق سمائه أن يخطأ أبو بكر» (١). ورواه ابن أبي أسامة في «مسنده» بلفظ: «إن الله يكره في السماء أن يخطأ أبو بكر الصديق في الأرض» (٢). وأخرج الطبراني في «الأوسط» عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يكره أن يخطأ أبو بكر» رجاله ثقات (٣). فصل [في أن الصديق ﵁ حافظ لكتاب الله] قال النووي في «تهذيبه»: (الصديق ﵁ أحد الصحابة الذين حفظوا القرآن كله) (٤)، وذكر هذا أيضا جماعة منهم ابن كثير في «تفسيره» (٥). وأما حديث أنس: (جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة) (٦) .. فمراده من الأنصار؛ كما أوضحته في كتاب «الإتقان» (٧). وأما ما أخرجه ابن أبي داوود عن الشعبي قال: (مات أبو بكر الصديق ولم يجمع القرآن كله) (٨) .. فهو مدفوع، أو مؤول على أن المراد: جمعه في المصحف على الترتيب الذي صنعه عثمان ﵁.

стр. 99

فصل في أنه أفضل الصحابة وخيرهم أجمع أهل السنة على أن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم سائر العشرة، ثم باقي أهل بدر، ثم باقي أهل أحد، ثم باقي أهل البيعة، ثم باقي الصحابة، هكذا حكى الإجماع عليه أبو منصور البغدادي. روى البخاري عن ابن عمر قال: (كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ ؛ فنخير أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان ﵃ (١). زاد الطبراني في (الكبير): (فيعلم بذلك النبي ﷺ ولا ينكره) (٢). وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: (كنا وفينا رسول الله ﷺ نفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعليا) (٣). وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: (كنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ ونحن متوافرون نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت) (٤). وأخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر لأبي بكر: يا خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: أما إنك إن قلت ذاك .. فلقد سمعته يقول: «ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر» (٥). وأخرج البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: (أبو بكر)، قلت: ثم

стр. 100

من؟ قال: (عمر) - وخشيت أن يقول: عثمان - قلت: ثم أنت؟ قال: (ما أنا إلا رجل من المسلمين) (١). وأخرج أحمد وغيره عن علي قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر وعمر) (٢)، قال الذهبي: (هذا متواتر عن علي، فلعن الله الرافضة ما أجهلهم) (٣). وأخرج الترمذي والحاكم عن عمر بن الخطاب قال: (أبو بكر سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ (٤). وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن عمر صعد المنبر ثم قال: (ألا إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، فمن قال غير هذا .. فهو مفتر، عليه ما على المفتري) (٥). وأخرج أيضا عن ابن أبي ليلى قال: قال علي: (لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر .. إلا جلدته حد المفتري) (٦). وأخرج عبد بن حميد في «مسنده»، وأبو نعيم وغيرهما من طرق عن أبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ قال: «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد أفضل من أبي بكر إلا أن يكون نبي» (٧). وفي لفظ: «على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر» (٨). وقد ورد أيضا من حديث جابر؛ ولفظه: «ما طلعت الشمس على أحد منكم أفضل منه» أخرجه الطبراني وغيره (٩)، وله شواهد من وجوه أخر تقضي له

стр. 101

بالصحة أو الحسن، وقد أشار ابن كثير إلى الحكم بصحته. وأخرج الطبراني عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله ﷺ : «أبو بكر الصديق خير الناس إلا أن يكون نبي (١)». وفي «الأوسط» عن سعد بن زرارة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن روح القدس جبريل أخبرني: أن خير أمتك بعدك أبو بكر (٢)». وأخرج الشيخان عن عمرو بن العاصي قال: قلت: يا رسول الله؛ أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» قلت: من الرجال؟ قال: «أبوها» قلت: ثم من؟ قال: «ثم عمر بن الخطاب (٣)»، وقد ورد هذا الحديث بدون: «ثم عمر» من رواية أنس (٤)، وابن عمر (٥)، وابن عباس (٦). وأخرج الترمذي، والنسائي، والحاكم وصححه عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أي أصحاب رسول الله ﷺ كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: (أبو بكر)، قلت: ثم من؟ قالت: (ثم عمر)، قلت: ثم من؟ قالت: (أبو عبيدة ابن الجراح) (٧). وأخرج الترمذي وغيره عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين (٨)»، وأخرج مثله عن علي (٩)، وفي الباب عن ابن عباس (١٠).

стр. 102

و ابن عمر (١)، وأبي سعيد الخدري (٢)، وجابر بن عبد الله (٣) وأخرج الطبراني في «الأوسط» عن عمار بن ياسر قال: (من فضل على أبي بكر وعمر أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ .. فقد أزرى على المهاجرين والأنصار) (٤). وأخرج ابن سعد عن الزهري قال: قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: «هل قلت في أبي بكر شيئا؟» قال: نعم، فقال: «قل وأنا أسمع» فقال: وثاني اثنين في الغار المنيف وقد … طاف العدو به إذ صعد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا … من البرية لم يعدل به رجلا فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: «صدقت يا حسان؛ هو كما قلت» (٥) فصل [في أن أبا بكر ﵁ أرحم الناس بالأمة بعد نبيها ﷺ ] روى أحمد والترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «أرحم أمتي بأمتي: أبو بكر، وأشدهم في أمر الله: عمر، وأصدقهم حياء: عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام: معاذ بن جبل، وأفرضهم: زيد بن ثابت، وأقرؤهم: أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة: أبو عبيدة ابن الجراح» (٦)

стр. 103

وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن عمر، وزاد فيه: (وأقضاهم: علي) (١). وأخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث شداد بن أوس، وزاد: «وأبو ذر: أزهد أمتي وأصدقها، وأبو الدرداء: أعبد أمتي وأتقاها، ومعاوية بن أبي سفيان: أحلم أمتي وأجودها» (٢). وقد سئل شيخنا العلامة الكافيجي عن هذه التفضيلات: هل تنافي التفضيل السابق؟ فأجاب: بأنه لا منافاة. فصل فيما أنزل من الآيات في مدحه أو تصديقه أو أمر من شأنه اعلم: أني رأيت لبعضهم كتابا في أسماء من نزل فيهم القرآن غير محرر ولا مستوعب، وقد ألفت في ذلك كتابا حافلا مستوعبا محررا، وأنا ألخص هنا ما يتعلق منه بالصديق ﵁. قال تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه، لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه﴾، أجمع المسلمون على أن الصاحب المذكور: أبو بكر، وسيأتي فيه أثر عنه (٣). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ قال: (على أبي بكر؛ إن النبي ﷺ لم تزل السكينة عليه) (٤). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود: (أن أبا بكر اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق، فأعتقه الله، فأنزل الله: ﴿واليل إذا

стр. 104

يغشى … ﴾ إلى قوله: ﴿إن سعيكم لشتى﴾: سعي أبي بكر وأمية وأبي) (١). وأخرج ابن جرير عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني؛ أراك تعتق أناسا ضعافا، فلو أنك تعتق رجالا جلدا يقومون معك، ويمنعونك ويدفعون عنك؟! قال: (أي أبت؛ إنما أريد ما عند الله)، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فأما من أعطى واتقى … ﴾ إلى آخرها (٢). وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن عروة: (أن أبا بكر الصديق ﵁ أعتق سبعة كلهم يعذب في الله، وفيه نزلت: ﴿وسيجنبها الأنقى … ﴾) إلى آخر السورة (٣). وأخرج البزار عن عبد الله بن الزبير قال: (نزلت هذه الآية: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى … ﴾ إلى آخر السورة في أبي بكر الصديق ﵁ (٤). وأخرج البخاري عن عائشة ﵂: (أن أبا بكر لم يكن يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين) (٥). وأخرج البزار وابن عساكر عن أسيد بن صفوان - وكانت له صحبة - قال: قال علي بن أبي طالب: (والذي جاء بالحق): محمد، (وصدق به): أبو بكر الصديق، قال ابن عساكر: هكذا الرواية (بالحق) ولعلها قراءة لعلي (٦). وأخرج الحاكم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ قال: (نزلت في أبي بكر وعمر) (٧).

стр. 105

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال: (نزلت: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ في أبي بكر ﵁ (١)، وله طرق أخرى ذكرتها في «أسباب النزول» (٢). وأخرج الطبراني في «الأوسط» عن ابن عمر وابن عباس في قوله: ﴿وصلح المؤمنين﴾ قال: (نزلت في أبي بكر وعمر) (٣). وأخرج عبد بن حميد في «تفسيره» عن مجاهد قال: لما نزلت: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ .. قال أبو بكر: (يا رسول الله؛ ما أنزل الله عليك خيرا .. إلا أشركنا فيه!!)، فنزلت: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾ (٤). وأخرج ابن عساكر عن علي بن الحسين: (أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾) (٥). وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: (نزلت في أبي بكر الصديق: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسنا … ﴾ إلى قوله: ﴿وعد الصدق الذي كانوا يوعدون﴾) (٦). وأخرج ابن عساكر عن ابن عيينة قال: (عاتب الله المسلمين كلهم في رسول الله ﷺ إلا أبا بكر وحده؛ فإنه خرج من المعاتبة، ثم قرأ: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾) (٧).

стр. 106

فصل في الأحاديث الواردة في فضله مقرونا بعمر سوى ما تقدم أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينا راع في غنمه .. عدا عليه الذئب، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي، فالتفت إليه الذئب فقال: من لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري؟! وبينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إليه فكلمته فقالت: إني لم أخلق لهذا؛ ولكني خلقت للحرث»، قال الناس: سبحان الله!! قال النبي ﷺ : «فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر» وما ثم أبو بكر وعمر) (١) أي: لم يكونا في المجلس، شهد لهما بالإيمان بذلك؛ لعلمه بكمال إيمانهما. وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء، ووزيران من أهل الأرض؛ فأما وزيراي من أهل السماء .. فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض .. فأبو بكر وعمر» (٢) وأخرج أصحاب السنن وغيرهم عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة … » وذكر تمام العشرة (٣) وأخرج الترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم؛ كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» (٤)

стр. 107

وأخرجه الطبراني من حديث جابر بن سمرة (١) وأبي هريرة (٢). وأخرج الترمذي عن أنس: (أن رسول الله ﷺ كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس، فيهم أبو بكر وعمر، ولا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر؛ فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما، ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما) (٣). وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم فدخل المسجد وأبو بكر وعمر؛ أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما، وقال: «هكذا نبعث يوم القيامة» (٤)، وأخرجه الطبراني في «الأوسط» عن أبي هريرة (٥). وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر» (٦). وأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن حنطب: أن النبي ﷺ رأى أبا بكر وعمر فقال: «هذان السمع والبصر» (٧). وأخرجه الطبراني من حديث ابن عمر (٨)، وابن عمرو (٩). وأخرج البزار والحاكم عن أبي أروى الدوسي قال: كنت عند النبي ﷺ فأقبل أبو بكر وعمر، فقال: «الحمد لله الذي أيدني بكما» (١٠).

стр. 108

وورد هذا أيضا من حديث البراء بن عازب أخرجه الطبراني في «الأوسط» (١). وأخرج أبو يعلى عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل آنفا، فقلت: يا جبريل؛ حدثني بفضائل عمر بن الخطاب، فقال: لو حدثتك بفضائل عمر منذ ما لبث نوح في قومه .. ما نفدت فضائل عمر، وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر» (٢). وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم: أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما في مشورة .. ما خالفتكما» (٣)، وأخرجه الطبراني من حديث البراء بن عازب (٤). وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﷺ ؟ فقال: (أبو بكر وعمر، لا أعلم غيرهما) (٥). وأخرج عن القاسم بن محمد قال: (كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله ﷺ (٦). وأخرج الطبراني عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن لكل نبي خاصة من أمته، وإن خاصتي من أصحابي: أبو بكر وعمر» (٧). وأخرج ابن عساكر عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «رحم الله أبا بكر؛ زوجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق بلالا،

стр. 109

رحم الله عمر؛ يقول الحق وإن كان مرا، تركه الحق وما له من صديق، رحم الله عثمان؛ تستحييه الملائكة، رحم الله عليا، اللهم؛ أدر الحق معه حيث دار» (١). وأخرج الطبراني عن سهل ﵁ قال: لما قدم النبي ﷺ من حجة الوداع .. صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس؛ إن أبا بكر لم يسؤني قط، فاعرفوا له ذلك، أيها الناس؛ إني راض عن أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي، وطلحة والزبير، وسعد وعبد الرحمن بن عوف، والمهاجرين الأولين، فاعرفوا ذلك لهم» (٢). وأخرج عبد الله بن أحمد في (زوائد الزهد) عن ابن أبي حازم قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين، فقال: (ما كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ ؟ قال: كمنزلتهما منه الساعة) (٣). وأخرج ابن سعد عن بسطام بن مسلم قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: «لا يتأمر عليكما أحد بعدي» (٤). وأخرج ابن عساكر عن أنس مرفوعا: «حب أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما كفر» (٥). وأخرج عن ابن مسعود قال: (حب أبي بكر وعمر ومعرفتهما من السنة) (٦). وأخرج عن أنس مرفوعا: «إني لأرجو لأمتي في حبهم لأبي بكر وعمر ما أرجو لهم في قول: لا إله إلا الله» (٧).

стр. 110

فصل في الأحاديث الواردة في فضله وحده سوى ما تقدم أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله .. دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله؛ هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة .. دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد .. دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة .. دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام .. دعي من باب الصيام من باب الريان» فقال أبو بكر: ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: «نعم؛ وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر» (١) وأخرج أبو داوود والحاكم وصححه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي» (٢) وأخرج الشيخان عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله: أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي .. لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام» (٣) وقد ورد هذا الحديث من رواية ابن عباس (٤)، وابن الزبير (٥) وابن مسعود (٦)، وجندب بن عبد الله (٧)، والبراء (٨)، وكعب بن
следующие страницы →