أبو محمد، حدثنا أبو علي الحسن بن علي الأهوازي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي، حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر بن داران غندر، حدثنا هارون بن عبد العزيز بن أحمد العباسي، حدثنا أحمد بن الحسن المقرئ البزار، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الكسائي وأحمد بن زهير وإسحاق بن إبراهيم بن إسحاق قالوا: حدثنا علي بن الجهم قال: كنت عند المتوكل، فتذاكروا عنده الجمال، فقال: إن حسن الشعر لمن الجمال، ثم قال: حدثني المعتصم، حدثنا المأمون، حدثنا الرشيد، حدثنا المهدي، حدثنا المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس قال: كانت لرسول الله ﷺ جمة إلى شحمة أذنيه، كأنها نظام اللؤلؤ، وكان من أجمل الناس، وكان أسمر رقيق اللون، لا بالطويل ولا بالقصير، وكان لعبد المطلب جمة إلى شحمة أذنيه، وكان لهاشم جمة إلى شحمة أذنيه).
قال علي بن الجهم: وكان للمتوكل جمة إلى شحمة أذنيه، وقال لنا المتوكل: كان للمعتصم جمة، وكذلك للمأمون والرشيد والمهدي والمنصور، ولأبيه محمد ولجده علي ولأبيه عبد الله بن عباس.
قلت: هذا الحديث مسلسل من ثلاثة أوجه: بذكر الجمة، وبالآباء، وبالخلفاء؛ ففي إسناده ست خلفاء.
[من مات في عهده]
مات في أيام خلافة المتوكل من الأعلام: أبو ثور، والإمام أحمد ابن حنبل، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وإسحاق بن راهويه، وإسحاق النديم، وروح المقرئ، وزهير بن حرب، وسحنون، وسليمان الشاذكوني، وأبو مسعود العسكري، وأبو جعفر النفيلي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه، وديك الجن الشاعر، وعبد الملك بن حبيب إمام المالكية، وعبد العزيز بن يحيى الغول أحد أصحاب الشافعي، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعلي بن المديني، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ويحيى بن معين، ويحيى ابن بكير، ويحيي بن
стр. 527
يحيى، ويوسف الأزرق المقرئ، وبشر بن الوليد الكندي المالكي، وابن أبي دؤاد ذاك الكلب لا ﵀، وأبو الهذيل العلاف شيخ الاعتزال ورأس أهل الضلال، وجعفر بن حرب من كبار المعتزلة، وابن كلاب المتكلم، والقاضي يحيى بن أكثم، والحارث المحاسبي، وحرملة صاحب الشافعي، وابن السكيت، وأحمد بن منيع، وذو النون المصري الزاهد، وأبو تراب النخشبي، وأبو عمر الدوري المقرئ، ودعبل الشاعر، وأبو عثمان المازني النحوي، و خلائق آخرون
стр. 528
خلافة المنتصر بالله محمد [٢٤٧ - ٢٤٨ هـ] (١)
أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، أمه: أم ولد رومية، اسمها: حبشية، وكان مليح الوجه، أسمر، أعين، أقنى، ربعة جسيما بطينا، مليحا مهيبا، وافر العقل، راغبا في الخير، قليل الظلم، محسنا إلى العلويين، وصولا لهم، أزال عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين، ورد على آل الحسين فدك، فقال يزيد المهلبي في ذلك (٢):
ولقد بررت الطالبية بعدما … ذموا زمانا بعدها وزمانا
ورددت ألفة هاشم فرأيتهم … بعد العداوة بينهم (٣) إخوانا
بويع له بعد قتل أبيه في شوال، سنة سبع وأربعين، فخلع أخويه المعتز والمؤيد من ولاية العهد الذي عقده لهما المتوكل بعده، وأظهر العدل والإنصاف في الرعية، فمالت إليه القلوب مع شدة هيبتهم له، وكان كريما حليما.
ومن كلامه: (لذة العفو أعذب من لذة التشفي، وأقبح أفعال المقتدر الانتقام) (٤).
ولما ولي .. صار يسب الأتراك، ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء، فعملوا عليه، وهموا به، فعجزوا عنه؛ لأنه كان مهيبا شجاعا، فطنا متحرزا، فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار في مرضه، فأشار بفصده، ثم فصده بريشة مسمومة فمات
стр. 529
ويقال: إن ابن طيفور نسي ومرض، فأمر غلامه فقصده بتلك الريشة فمات أيضا.
قيل: بل سم في كمثراة، وقيل: مات بالخوانيق (١).
ولما احتضر .. قال: (يا أماه؛ ذهبت مني الدنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت) (٢).
مات في خامس ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين، عن ست وعشرين سنة، أو دونها، فلم يمتع بالخلافة إلا أشهرا معدودة دون الستة أشهر.
وقيل: إنه جلس للهو، فرأى في بعض البسط دائرة فيها فارس وعليه تاج، وحوله كتابة فارسية، فطلب من يقرأ ذلك، فأحضر رجل فنظره فقطب، فقال: (ما هذه؟ قال: لا معنى لها، فألح عليه، فقال: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز، قتلت أبي فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر، فتغير وجه المنتصر) (٣).
وفي «لطائف المعارف» للثعالبي: (أعرق الخلفاء في الخلافة: المنتصر؛ فإنه هو وآباؤه الخمسة خلفاء، وكذلك أخواه المعتز والمعتمد) (٤).
قلت: أعرق منه: المستعصم الذي قتله التتار، فإن آباءه الثمانية خلفاء
[من قتل أباه لم يمتع بملكه]
قال الثعالبي: (ومن العجائب: أن أعرق الأكاسرة في الملك - وهو شيرويه - قتل أباه فلم يعش بعده إلا ستة أشهر، وأعرق الخلفاء في الخلافة وهو المنتصر قتل أباه فلم يمتع بعده سوى ستة أشهر) (٥).
стр. 530
خلافة المستعين بالله [٢٤٨ - ٢٥٢ هـ] (١)
أبو العباس، أحمد بن المعتصم بن الرشيد، وهو أخو المتوكل، ولد سنة إحدى وعشرين ومئتين، وأمه: أم ولد، اسمها: مخارق.
وكان مليحا أبيض، بوجهه أثر الجدري، ألثغ، ولما مات المنتصر ..
اجتمع القواد وتشاوروا، وقالوا: متى وليتم أحدا من ولد المتوكل .. لا يبقى منا باقية.
فقالوا: ما لها إلا أحمد بن المعتصم ولد أستاذنا، فبايعوه وله ثمان وعشرون سنة، واستمر إلى أول سنة إحدى وخمسين، فتنكر له الأتراك لما قتل وصيف وبغا باغرا التركي الذي فتك بالمتوكل، ولم يكن للمستعين مع وصيف وبغا أمر، حتى قيل في ذلك (٢):
خليفة في قفص بين وصيف وبغا … يقول ما قالا له كما تقول الببغا
ولما تنكر له الأتراك .. خاف وانحدر من سامراء إلى بغداد، فأرسلوا إليه يعتذرون ويخضعون له، ويسألونه الرجوع فامتنع، فقصدوا الحبس، وأخرجوا المعتز بالله، وبايعوه وخلعوا المستعين.
ثم جهز المعتز جيشا كثيفا لمحاربة المستعين، واستعد أهل بغداد للقتال مع المستعين، فوقعت بينهما وقعات، ودام القتال أشهرا، وكثر القتل، وغلت
стр. 531
الأسعار، وعظم البلاء، وانحل أمر المستعين، فسعوا في الصلح على خلع المستعين، وقام في ذلك إسماعيل القاضي وغيره بشروط مؤكدة.
فخلع المستعين نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين، وأشهد عليه القضاة وغيرهم، وأحدر إلى واسط، فأقام بها تسعة أشهر محبوسا، موكلا به أمير، ثم رد إلى سامراء.
وأرسل المعتز إلى أحمد بن طولون: أن يذهب إلى المستعين فيقتله، فقال: (والله؛ لا أقتل أولاد الخلفاء).
فندب له سعيد الحاجب، فذبحه ثالث شوال من السنة، وله إحدى وثلاثون سنة.
وكان أخباريا فاضلا أديبا (١)، وهو أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة، فجعل عرضها نحو ثلاثة أشبار، وصغر القلانس وكانت قبله طوالا (٢).
[من مات في عهده]
مات في أيامه من الأعلام: عبد بن حميد، وأبو الطاهر بن السرح، والحارث بن مسكين، والبري المقرئ، وأبو حاتم السجستاني، والجاحظ، وآخرون.
стр. 532
خلافة المعتز بالله محمد [٢٥٢ - ٢٥٥ هـ] (١)
وقيل: الزبير، أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، ولد سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وأمه: أم ولد رومية، تسمى: قبيحة.
وبويع له عند خلع المستعين في سنة اثنتين وخمسين، وله تسع عشرة سنة، ولم يل الخلافة قبله أحد أصغر منه.
وكان بديع الحسن، قال علي بن حرب أحد شيوخ المعتز (٢) في الحديث: (ما رأيت خليفة أحسن منه) (٣).
وهو أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب، وكان الخلفاء قبله يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة (٤).
وأول سنة تولى مات أشناس؛ الذي كان الواثق استخلفه على السلطنة، وخلف خمس مئة ألف دينار، فأخذها المعتز، وخلع خلعة الملك على محمد بن عبد الله بن طاهر، وقلده سيفين، ثم عزله وخلع خلعة الملك على أخيه - أعني أخا المعتز أبا أحمد (٥) - وتوجه بتاج من ذهب، وقلنسوة مجوهرة، ووشاحين مجوهرين، وقلده سيفين، ثم عزله من عامه ونفاه إلى واسط، وخلع على بغا الشرابي، وألبسه تاج الملك، فخرج على المعتز بعد سنة، فقتل وجيء إليه برأسه.
стр. 533
[قتل المعتز أخاه المؤيد]
وفي رجب من هذه السنة: خلع المعتز أخاه المؤيد من العهد، وضربه وقيده، فمات بعد أيام، فخشي المعتز أن يتحدث عنه: أنه قتله، أو احتال عليه، فأحضر القضاة حتى شاهدوه وليس به أثر (١).
[عزل المعتز وتدبير موته]
وكان المعتز مستضعفا مع الأتراك، فاتفق أن جماعة من كبارهم أتوه وقالوا: يا أمير المؤمنين؛ أعطنا أرزاقنا لنقتل صالح بن وصيف، وكان المعتز يخاف منه، فطلب من أمه مالا لينفقه فيهم، فأبت عليه، وشحت نفسها، ولم يكن بقي في بيوت المال شيء.
فاجتمع الأتراك حينئذ على خلعه، ووافقهم صالح بن وصيف ومحمد بن بغا، فلبسوا السلاح، وجاؤوا إلى دار الخلافة، فبعثوا إلى المعتز: أن اخرج إلينا، فبعث يقول: قد شربت دواء وأنا ضعيف.
فهجم عليه جماعة، وجروا برجله، وضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس في يوم صائف وهم يلطمون وجهه ويقولون: اخلع نفسك.
ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب والشهود وخلعوه، ثم أحضروا من بغداد إلى دار الخلافة - وهي يومئذ سامراء - محمد بن الواثق، وكان المعتز قد أبعده إلى بغداد، فسلم المعتز إليه الخلافة وبايعه.
ثم إن الملأ أخذوا المعتز بعد خمس ليال من خلعه، فأدخلوه الحمام، فلما تغسل .. عطش، فمنعوه الماء، ثم أخرج وهو ميت عطشا، فسقوه ماء بثلج، فشربه وسقط ميتا، وذلك في شهر شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين (٢).
стр. 534
[شح قبيحة أم المعتز]
واختفت أمه قبيحة، ثم ظهرت في رمضان، وأعطت صالح بن وصيف مالا عظيما؛ من ذلك: ألف ألف دينار وثلاث مئة ألف دينار، وسفط فيه: مكوك زمرد، وسفط فيه: مكوك لؤلؤ حب كبار، وكيلجة ياقوت أحمر، وغير ذلك، فقومت الأسفاط: بألفي ألف دينار.
فلما رأى ابن وصيف ذلك .. قال: قبحها الله!! عرضت ابنها للقتل لأجل خمسين ألف دينار؛ وعندها هذا؟! فأخذ الجميع ونفاها إلى مكة، فبقيت بها إلى أن تولى المعتمد، فردها إلى سامراء، وماتت سنة أربع وستين (١).
[من مات في عهده]
مات في أيام المعتز من الأعلام: سري السقطي الزاهد، وهارون بن سعيد الأيلي، والدارمي صاحب «المسند»، والعتبي صاحب «المسائل العتبية» في مذهب مالك، وآخرون.
стр. 535
خلافة المهتدي بالله [٢٥٥ - ٢٥٦ هـ] (١)
الخليفة الصالح، محمد أبو إسحاق، وقيل: أبو عبد الله بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد، أمه: أم ولد؛ تسمى: وردة، ولد في خلافة جده سنة بضع عشرة ومئتين.
وبويع بالخلافة لليلة بقيت من رجب، سنة خمس وخمسين ومئتين، وما قبل بيعته أحد حتى أتي بالمعتز، فقام المهتدي له، وسلم عليه بالخلافة، وجلس بين يديه، فجيء بالشهود، فشهدوا على المعتز: أنه عاجز عن الخلافة، فاعترف بذلك، ومد يده فبايع المهتدي، فارتفع حينئذ المهتدي إلى صدر المجلس (٢).
وكان المهتدي أسمر رقيقا، مليح الوجه، ورعا متعبدا، عادلا قويا في أمر الله، بطلا شجاعا؛ لكنه لم يجد ناصرا ولا معينا (٣).
قال الخطيب: (لم يزل صائما منذ ولي إلى أن قتل) (٤).
[زهد المهتدي وتشبهه بعمر بن عبد العزيز]
وقال هاشم بن القاسم: (كنت بحضرة المهتدي عشية في رمضان، فوثبت لأنصرف، فقال لي: اجلس، فجلست، وتقدم فصلى بنا، ثم دعا بالطعام، فأحضر طبق خلاف، وعليه رغيف من الخبز النقي، وفيه آنية فيها ملح وخل.
стр. 536
وزيت، فدعاني إلى الأكل، فابتدأت آكل ظانا أنه سيؤتى بطعام، فنظر إلي وقال: ألم تك صائما؟ قلت: بلى.
قال: أفلست عازما على الصوم؟ فقلت: كيف لا وهو رمضان، فقال: فكل واستوف؛ فليس ههنا من الطعام غير ما ترى.
فعجبت ثم قلت: ولم يا أمير المؤمنين؛ قد أسبغ الله نعمته عليك؟!
فقال: إن الأمر لعلى ما وصفت؛ ولكني فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز، وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك، فغرت على بني هاشم، فأخذت نفسي بما رأيت) (١).
[تعظيم المهتدي للإمام أحمد]
وقال جعفر بن عبد الواحد: (ذاكرت المهتدي بشيء، فقلت له: كان أحمد ابن حنبل يقول به، ولكنه كان يخالف - أشير إلى من مضى من آبائه - فقال: رحم الله أحمد ابن حنبل، والله؛ لو جاز لي أن أتبرأ من أبي .. لتبرأت منه، ثم قال لي: تكلم بالحق وقل به؛ فإن الرجل ليتكلم بالحق فينبل في عيني) (٢).
[من سيرة المهتدي الصالحة]
وقال نفطويه: (حدثني بعض الهاشميين: أنه وجد للمهتدي سفط فيه جبة صوف وكساء كان يلبسه بالليل ويصلي فيه، وكان قد اطرح الملاهي، وحرم الغناء، وحسم أصحاب السلطان عن الظلم، وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين، يجلس بنفسه ويجلس الكتاب بين يديه فيعملون الحساب، وكان لا يخل بالجلوس الاثنين والخميس) (٣).
стр. 537
وضرب جماعة من الرؤساء، ونفى جعفر بن محمود إلى بغداد، وكره مكانه؛ لأنه نسب عنده إلى الرفض (١)
[فتنة موسى بن بغا وقتل صالح بن وصيف]
وقدم موسى بن بغا من الري يريد سامراء لقتل صالح بن وصيف بدم المعتز وأخذ أموال أمه ومعه جيشه، فصاحت العامة على ابن وصيف: يا فرعون؛ قد جاءك موسى، فطلب موسى بن بغا الإذن على المهتدي، فلم يأذن له، فهجم بمن معه عليه وهو جالس في دار العدل، فأقاموه وحملوه على فرس ضعيفة، وانتهبوا القصر، وأدخلوا المهتدي إلى دار ناجور (٢)، وهو يقول: يا موسى، اتق الله، ويحك ما تريد؟
قال: والله؛ ما نريد إلا خيرا، فاحلف لنا ألا تمالئ صالح بن وصيف، فحلف لهم، فبايعوه حينئذ.
ثم طلبوا صالحا ليناظروه على أفعاله، فاختفى، وندبهم المهتدي إلى الصلح، فاتهموه أنه يدري مكانه، فجرى في ذلك كلام، ثم تكلموا في خلعه.
فخرج إليهم المهتدي من الغد متقلدا بسيفه، فقال: قد بلغني شأنكم، ولست كمن تقدمني؛ مثل: المستعين والمعتز، والله؛ ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط، وقد أوصيت، وهذا سيفي، والله؛ لأضربن به ما استمسكت قائمته بيدي، أما دين؟! أما حياء؟! أما رعة؟! كم يكون الخلاف على الخلفاء والجرأة على الله؟! ثم قال: ما أعلم علم صالح، فرضوا وانفضوا (٣).
ونادى موسى بن بغا: من جاء بصالح .. فله عشرة آلاف دينار، فلم يظفر به أحد، واتفق أن بعض الغلمان دخل زقاقا وقت الحر، فرأى بابا مفتوحا فدخل،
стр. 538
فمشى في دهليز مظلم، فرأى صالحا نائما، فعرفه وليس عنده أحد، فجاء إلى موسى فأخبره، فبعث جماعة فأخذوه وقطعت رأسه وطيف بها، وتألم المهتدي لذلك في الباطن.
[قتل المهتدي وقصة ذلك]
ثم رحل موسى ومعه باكباك (١) إلى السن في طلب مساور، فكتب المهتدي إلى باكباك: أن يقتل موسى ومفلحا أحد أمراء الأتراك أيضا، أو يمسكهما؛ ويكون هو الأمير على الأتراك كلهم، فأوقف باكباك موسى على كتابه وقال: إني لست أفرح بهذا، وإنما هذا يعمل علينا كلنا.
فأجمعوا على قتل المهتدي، وساروا إليه، فقاتل عن المهتدي المغاربة والفراغنة والأشروسنية، وقتل من الأتراك في يوم أربعة آلاف، ودام القتال إلى أن هزم جيش الخليفة وأمسك هو، فعصر على خصيتيه فمات؛ وذلك في رجب سنة ست وخمسين.
فكانت خلافته سنة إلا خمسة عشر يوما، وكان لما قامت الأتراك عليه .. ثار العوام وكتبوا رقاعا وألقوها في المساجد: (يا معشر المسلمين؛ ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضي، المضاهي لعمر بن عبد العزيز أن ينصره الله على عدوه) (٢).
стр. 539
خلافة المعتمد على الله (٢٥٦ - ٢٧٩) (١)
أبو العباس، وقيل: أبو جعفر، أحمد بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، ولد سنة تسع وعشرين ومئتين، وأمه: رومية، اسمها: فتيان.
ولما قتل المهتدي .. كان المعتمد محبوسا بالجوسق، فأخرجوه وبايعوه، ثم إنه استعمل أخاه: الموفق طلحة على المشرق، وصير ابنه جعفرا ولي عهده، وولاه مصر والمغرب، ولقبه: المفوض إلى الله.
وانهمك المعتمد في اللهو واللذات، واشتغل عن الرعية، فكرهه الناس وأحبوا أخاه طلحة (٢).
وفي أيامه: دخلت الزنج البصرة وأعمالها وأخربوها، وبذلوا السيف وأحرقوا وخربوا وسبوا، وجرى بينهم وبين عسكره عدة وقعات، وأمير عسكره في أكثرها: الموفق أخوه.
وأعقب ذلك الوباء الذي لا يكاد يتخلف عن الملاحم بالعراق، فمات خلق لا يحصون، ثم أعقبه هدات وزلازل، فمات تحت الردم ألوف من الناس.
واستمر القتال مع الزنج من حين تولى المعتمد: سنة ست وخمسين إلى سنة سبعين، فقتل فيها رأس الزنج لعنه الله؛ واسمه: بهبود، وكان ادعى: أنه أرسل إلى الخلق فرد الرسالة، وأنه يطلع على المغيبات (٣).
وذكر الصولي: (أنه قتل من المسلمين: ألف ألف وخمس مئة ألف آدمي،
стр. 540
وقتل في يوم واحد بالبصرة: ثلاث مئة ألف، وكان له منبر في مدينته، يصعد عليه، ويسب عثمان وعليا ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة ﵃.
وكان ينادى على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين وثلاثة، وكان عند الواحد من الزنج: العشرة من العلويات يطؤهن ويستخدمهن) (١).
ولما قتل هذا الخبيث .. دخل برأسه بغداد على رمح، وعملت قباب الزينة، وضج الناس بالدعاء للموفق، ومدحه الشعراء، وكان يوما مشهودا، وأمن الناس وتراجعوا إلى المدن التي أخذها، وهي كثيرة؛ كواسط ورامهرمز.
وفي سنة ستين من أيامه: وقع غلاء مفرط بالحجاز والعراق، وبلغ كر الحنطة ببغداد مئة وخمسين دينارا (٢).
وفيها: أخذت الروم بلد لؤلؤة (٣).
وفي سنة إحدى وستين: بايع المعتمد بولاية العهد بعده لابنه المفوض إلى الله جعفر، ثم من بعده لأخيه الموفق طلحة، وولى ولده المغرب والشام والجزيرة وأرمينية، وولى أخاه المشرق والعراق وبغداد والحجاز واليمن وفارس وأصبهان والري وخراسان وطبرستان وسجستان والسند، وعقد لكل منهما لواءين: أبيض وأسود، وشرط إن حدث به حدث .. أن الأمر لأخيه إن لم يكن ابنه جعفر قد بلغ، وكتب العهد ونفذه مع قاضي القضاة ابن أبي الشوارب ليعلقه في الكعبة (٤).
стр. 541
وفي سنة ست وستين: وصلت عساكر الروم إلى ديار بكر، ففتكوا، وهرب أهل الجزيرة والموصل (١).
وفيها: وثبت الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها (٢).
وفي سنة سبع وستين: استولى أحمد بن عبد الله الخجستاني على خراسان وكرمان وسجستان، وعزم على قصد العراق، وضرب السكة باسمه، وعلى الوجه الآخر اسم المعتمد - وهذا محل الغرابة - ثم إنه في آخر السنة قتله غلمانه، فكفى الله شره (٣).
[الخلاف بين المعتمد وأخيه الموفق والحجر على المعتمد]
وفي سنة تسع وستين: اشتد تخيل المعتمد من أخيه الموفق؛ فإنه كان خرج عليه في سنة أربع وستين، ثم اصطلحا، فلما اشتد تخيله منه هذا العام .. كاتب المعتمد أحمد بن طولون نائبه بمصر، واتفقا على أمر، فخرج ابن طولون حتى قدم دمشق، وخرج المعتمد من سامراء على وجه التنزه وقصده دمشق.
فلما بلغ ذلك الموفق .. كتب إلى إسحاق بن كنداج ليرده، فركب ابن كنداج من نصيبين إلى المعتمد، فلقيه بين الموصل والحديثة، فقال: (يا أمير المؤمنين؛ أخوك في وجه العدو وأنت تخرج عن مستقرك ودار ملكك؟! ومتى صح هذا عنده .. رجع عن مقاومة الخارجي؛ فيغلب عدوك على دار آبائك … ) في كلمات أخر.
ثم وكل بالمعتمد جماعة، ورسم على طائفة من خواصه، ثم بعث إلى المعتمد يقول: (ما هذا بمقام فارجع)، فقال المعتمد: (فاحلف لي أنك تنحدر معي ولا تسلمني)، فحلف له.
стр. 542
وانحدر إلى سامراء، فتلقاه صاعد بن مخلد كاتب الموفق، فسلمه إسحاق إليه، فأنزله في دار أحمد بن الخصيب، ومنعه من نزول دار الخلافة، ووكل به خمس مئة رجل يمنعون من الدخول إليه.
ولما بلغ الموفق ذلك .. بعث إلى إسحاق بخلع وأموال، وأقطعه ضياع القواد الذين كانوا مع المعتمد، ولقبه: ذا السندين، ولقب صاعدا: ذا الوزارتين، وأقام صاعد في خدمة المعتمد؛ ولكن ليس للمعتمد حل ولا ربط، وقال المعتمد في ذلك: [من الوافر]
أليس من العجائب أن مثلي … يرى ما قل ممتنعا عليه
وتؤكل باسمه الدنيا جميعا … وما من ذاك شيء في يديه
إليه تحمل الأموال طرا … ويمنع بعض ما يجبى إليه (١)
وهو أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به (٢).
[خلع ابن طولون للموفق من ولاية العهد]
ثم أدخل المعتمد واسط، ولما بلغ ابن طولون ذلك .. جمع القضاة والأعيان وقال: (قد نكث الموفق بأمير المؤمنين، فاخلعوه من العهد)، فخلعوه إلا القاضي بكار بن قتيبة؛ فإنه قال: (أنت أوردت علي كتابا من المعتمد بولايته العهد، فأورد علي كتابا آخر منه بخلعه.
فقال: إنه محجور عليه ومقهور، فقال: لا أدري.
فقال ابن طولون: غرك الناس بقولهم: ما في الدنيا مثل بكار؟! أنت شيخ قد خرفت)، وحبسه وقيده، وأخذ منه جميع عطائه من سنين، فكان عشرة آلاف دينار، فقيل: (إنها وجدت في بيت بكار بختمها، وبلغ الموفق ذلك، فأمر بلعنة ابن طولون على المنابر) (٣)
стр. 543
ثم في شعبان من سنة سبعين: أعيد المعتمد إلى سامراء، ودخل بغداد ومحمد بن طاهر بين يديه بالحربة والجيش في خدمته، كأنه لم يحجر عليه (١).
ومات ابن طولون في هذه السنة، فولى الموفق ابنه أبا العباس أعماله، وجهزه إلى مصر في جنود العراق، وكان خمارويه بن أحمد بن طولون أقام على ولايات أبيه بعده، فوقع بينه وبين أبي العباس ابن الموفق وقعة عظيمة، بحيث جرت الأرض من الدماء، وكان النصر للمصريين (٢).
وفي هذه السنة: انبثق ببغداد في نهر عيسى بثق، فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار (٣).
وفيها: نازلت الروم طرسوس في مئة ألف، فكانت النصرة للمسلمين، وغنموا ما لا يحصى، وكان فتحا عظيما عديم المثل (٤).
وفيها: ظهرت دعوة المهدي عبد الله بن عبيد جد بني عبيد خلفاء المصريين الروافض باليمن، وأقام على ذلك إلى سنة ثمان وسبعين، فحج تلك السنة واجتمع بقبيلة من كتامة، فأعجبهم حاله، فصحبهم إلى مصر، ورأى منهم طاعة وقوة، فصحبهم إلى المغرب، فكان ذلك أول شأن المهدي (٥).
وفي سنة إحدى وسبعين: قال الصولي: (ولي هارون بن إبراهيم الهاشمي الحسبة، فأمر أهل بغداد أن يتعاملوا بالفلوس، فتعاملوا بها على كره، ثم تركوها).
стр. 544
وفي سنة ثمان وسبعين: غار نيل مصر فلم يبق منه شيء، وغلت الأسعار (١).
وفيها: مات الموفق واستراح منه المعتمد (٢).
وفيها: ظهرت القرامطة بالكوفة؛ وهم نوع من الملاحدة، يدعون: أنه لا غسل من الجنابة، وأن الخمر حلال، وأن الصوم في السنة يومان: يوم النيروز ويوم المهرجان، ويزيدون في أذانهم: وأن محمد ابن الحنفية رسول الله، وأن الحج والقبلة إلى بيت المقدس، وأشياء أخر، ونفق قولهم على الجهال وأهل البر، وتعب الناس بهم (٣).
وفي سنة تسع وسبعين: ضعف أمر المعتمد جدا؛ لتمكن أبي العباس بن الموفق من الأمور وطاعة الجيش له، فجلس المعتمد مجلسا عاما أشهد فيه على نفسه أنه خلع ولده المفوض من ولاية العهد، وبايع لأبي العباس، ولقبه: المعتضد (٤).
وأمر المعتضد في هذه السنة: ألا يقعد في الطريق منجم، ولا قصاص، واستحلف الوراقين لا يبيعوا كتب الفلاسفة والجدل (٥).
ومات المعتمد بعد أشهر من السنة فجأة؛ فقيل: إنه سم، وقيل: بل نام فعم في بساط؛ وذلك ليلة الاثنين، لإحدى عشرة بقيت من رجب، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة، إلا أنه كان مقهورا مع أخيه الموفق؛ لاستيلائه على الأمور، ومات وهو كالمحجور عليه من بعض الوجوه من جهة المعتضد أيضا (٦).
стр. 545
[من مات في عهده]
وممن مات في أيامه من الأعلام: البخاري، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، وابن ماجه، والربيع الجيزي، والربيع المرادي، والمزني، ويونس بن عبد الأعلى، والزبير بن بكار، وأبو الفضل الرياشي، ومحمد بن يحيى الدهلي، وحجاج بن الشاعر، والعجلي الحافظ، وقاضي القضاة ابن أبي الشوارب، والسوسي المقرئ، وعمر بن شبة، وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والقاضي بكار، وداوود الظاهري، وابن وارة، وبقي بن مخلد، وابن قتيبة، وأبو حاتم الرازي، وآخرون.
ومن قول عبد الله بن المعتز في المعتمد يمدحه (١): [من السريع]
يا خير من ترجى المطي به … ويمر حبل العهد موثقه
أضحى عنان الملك مقتسرا … بيديك تحبسه وتطلقه
فاحكم لك الدنيا وساكنها … ما صاب سهم أنت موفقه
ومن شعر المعتمد لما حجر عليه: [من السريع]
أصبحت لا أملك دفعا لما … أسام من خسف ومن ذلة
تمضي أمور الناس دوني ولا … يشعرني في ذكرها قلة
إذا اشتهيت الشيء ولوا به … عني وقالوا ههنا علة
قال الصولي: (كان له وراق يكتب شعره بماء الذهب).
ورثاه أبو سعيد الحسن بن سعيد النيسابوري بقوله: [من المتقارب]
لقد قر طرف الزمان النكد … وكان سخينا كليلا رمد
وبلغت الحادثات المنى … بموت إمام الهدى المعتمد
ولم يبق لي حذر بعده … فدون المصائب فلتجتهد
стр. 546
خلافة المعتضد بالله أحمد [٢٧٩ - ٢٨٩ هـ] (١)
أبو العباس، ابن ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، ولد في ذي القعدة، سنة اثنتين وأربعين ومئتين، وقال الصولي: (في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومئتين).
وأمه: أم ولد، اسمها: صواب، وقيل: حرز، وقيل: ضرار.
وبويع له في رجب، سنة تسع وسبعين بعد عمه المعتمد.
وكان ملكا شجاعا مهيبا، ظاهر الجبروت، وافر العقل، شديد الوطأة، من أفراد خلفاء بني العباس، وكان يقدم على الأسد وحده لشجاعته، وكان قليل الرحمة، إذا غضب على قائد .. أمر بأن يلقى في حفيرة ويطم عليه، وكان ذا سياسة عظيمة (٢).
[ما سفكت دما حراما]
قال عبد الله بن حمدون: (خرج المعتضد يتصيد، فنزل إلى جانب مقثأة وأنا معه، فصاح الناطور، فقال: علي به، فأحضر فسأله، فقال: ثلاثة غلمان نزلوا المقثأة فأخربوها، فجيء بهم، فضربت أعناقهم من الغد في المقثأة.
ثم كلمني بعد مدة فقال: اصدقني فيما ينكر علي الناس؟ قلت: الدماء، قال: والله؛ ما سفكت دما حراما منذ وليت.
قلت: فلم قتلت أحمد بن الطيب؟ قال: دعاني إلى الإلحاد، قلت:
стр. 547
فالثلاثة الذين نزلوا المقثأة؟ قال: والله؛ ما قتلتهم، وإنما قتلت لصوصا قد قتلوا، وأوهمت أنهم هم) (١).
[إنكار القاضي كتابا جمع الرخص فأحرق]
وقال إسماعيل القاضي: (دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث صباح الوجوه روم، فنظرت إليهم، فلما أردت القيام .. قال لي: أيها القاضي؛ والله ما حللت سراويلي على حرام قط) (٢)
ودخلت مرة فدفع إلي كتابا، فنظرت فيه؛ فإذا قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء، فقلت: (مصنف هذا زنديق، فقال: أمختلق؟ قلت: لا؛ ولكن من أباح المسكر .. لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة .. لم يبح الغناء، وما من عالم إلا وله زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء .. ذهب دينه، فأمر بالكتاب فأحرق) (٣)
وكان المعتضد شهما جلدا موصوفا بالرجلة، قد لقي الحروب وعرف فضله، فقام بالأمر أحسن قيام، وهابه الناس، ورهبوه أعظم رهبة، وسكنت الفتن في أيامه؛ لفرط هيبته (٤).
وكانت أيامه طيبة كثيرة الأمن والرخاء.
وكان قد أسقط المكوس، ونشر العدل، ورفع الظلم عن الرعية.
وكان يسمى السفاح الثاني؛ لأنه جدد ملك بني العباس، وكان قد خلق وضعف وكاد يزول، وكان في اضطراب من وقت قتل المتوكل (٥).
стр. 548
وفي ذلك يقول ابن الرومي يمدحه (١): [من الطويل]
هنيئا بني العباس إن إمامكم … إمام الهدى والبأس والجود أحمد
كما بأبي العباس أنشئ ملككم … كذا بأبي العباس أيضا يجدد
إمام يظل الأمس يعمل نحوه … تلهف ملهوف ويشتاقه الغد
وقال في ذلك ابن المعتز أيضا (٢): [من السريع]
أما ترى ملك بني هاشم … عاد عزيزا بعد ما ذللا
يا طالبا للملك كن مثله … تستوجب الملك وإلا فلا
وفي أول سنة استخلف فيها: منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها، ومنع القصاص والمنجمين من القعود في الطريق، وصلى بالناس صلاة الأضحى، فكبر في الأولى ستا وفي الثانية واحدة، ولم تسمع منه الخطبة.
وفي سنة ثمانين: دخل داعي المهدي إلى القيروان، وفشا أمره، ووقع القتال بينه وبين صاحب إفريقية، وصار أمره في زيادة (٣).
وفيها: ورد كتاب من الدبيل أن القمر كسف في شوال، وأن الدنيا أصبحت مظلمة إلى العصر، فهبت ريح سوداء فدامت إلى ثلث الليل، وأعقبها زلزلة عظيمة أذهبت عامة المدينة، فكان عدة من أخرج من تحت الردم: مئة ألف وخمسين ألفا (٤).
стр. 549
وفي سنة إحدى وثمانين: فتحت ملورية من بلاد الروم (١).
وفيها: غارت مياه الري وطبرستان حتى أبيع الماء ثلاثة أرطال بدرهم، وقحط الناس وأكلوا الجيف (٢).
وفيها: هدم المعتضد دار الندوة بمكة، وصيرها مسجدا إلى جانب المسجد الحرام (٣).
وفي سنة اثنتين وثمانين: أبطل ما يفعل في النيروز؛ من وقيد النيران، وصب الماء على الناس، وأزال سنة المجوس (٤).
وفيها: زفت إليه قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، فدخل عليها في ربيع الأول، وكان في جهازها أربعة آلاف تكة مجوهرة، وعشرة صناديق جوهر (٥).
وفي سنة ثلاث وثمانين: كتب إلى الآفاق بأن يورث ذوو الأرحام، وأن يبطل ديوان المواريث، وكثر الدعاء للمعتضد (٦).
وفي سنة أربع: ظهرت بمصر حمرة عظيمة، حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الرجل فيراه أحمر، وكذا الحيطان، فتضرع الناس بالدعاء إلى الله تعالى، وكانت من العصر إلى الليل (٧).
قال ابن جرير: (وفيها: عزم المعتضد على لعنة معاوية على المنابر،
стр. 550
فخوفه عبيد الله الوزير اضطراب العامة، فلم يلتفت، وكتب كتابا في ذلك: ذكر فيه كثيرا من مناقب علي وثلب معاوية، فقال له القاضي يوسف: يا أمير المؤمنين؛ أخاف الفتنة عند سماعه، فقال: إن تحركت العامة .. وضعت السيف فيها، قال: فما تصنع بالعلويين الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك؟ وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت .. كانوا إليهم أميل، فأمسك المعتضد عن ذلك) (١).
وفي سنة خمس: هبت ريح صفراء بالبصرة، ثم صارت خضراء، ثم صارت سوداء، وامتدت في الأمصار، ووقع عقبها برد وزن البردة مئة وخمسون درهما، وقلعت الريح نحو ست مئة نخلة، ومطرت قرية حجارة سودا وبيضا (٢).
وفي سنة ست: ظهر بالبحرين أبو سعيد القرمطي وقويت شوكته، وهو أبو أبي طاهر سليمان الذي يأتي أنه قلع الحجر الأسود (٣)، ووقع القتال بينه وبين عسكر الخليفة، وأغار على البصرة ونواحيها، وهزم جيش الخليفة مرات (٤).
[وفي سنة سبع: خرجت طيء على الركب العراقي ليأخذوه أيضا، فقاتلهم أمير الركب أبو الأغر يوما وليلة فنصره الله، وقتل صالح أمير العرب، وأسر من قومه خلق كثير، ودخل الحجاج (٥) بالأسرى وبالرؤوس على الرماح (٦).
стр. 551
وفي سنة ثمان: ظهر أبو عبد الله الشيعي بالمغرب، فدعا قبيلة كنانة إلى الإمام المهدي، فاستجابوا، فهذا أول ظهور العبيدية الذين صاروا ملوك ديار مصر.
وفي سنة تسع: خرج بالشام ابن زكرويه القرمطي، وقصد أخذ دمشق، فحاربه متوليها الأمير طغج غير مرة، ثم قتل القرمطي (١).
وفيها: وثبت طيء وأميرهم صالح بن مدرك، فانتهبوا الركب العراقي، فذهب للحجاج فيه ما قيمته ألف ألف مثقال] (٢).
ومن أخبار المعتضد
ما أخرجه الخطيب وابن عساكر عن أبي الحسين الخصيبي قال: (وجه المعتضد إلى القاضي أبي خازم يقول: إن لي على فلان مالا، وقد بلغني أن غرماءه أثبتوا عندك، وقد قسطت لهم من ماله، فاجعلنا كأحدهم.
فقال أبو خازم: قل له: أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - ذاكر لما قال لي وقت قلدني: إنه قد أخرج الأمر من عنقه وجعله في عنقي، ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلا ببينة، فرجع إليه فأخبره.
فقال: قل له: فلان وفلان يشهدان؛ يعني لرجلين جليلين، فقال: يشهدان عندي وأسأل عنهما، فإن زكيا .. قبلت شهادتهما، وإلا .. أمضيت ما قد ثبت عندي، فامتنع أولئك من الشهادة فزعا، ولم يدفع إلى المعتضد شيئا) (٣).
стр. 552
[المعتضد وجاريته دريرة]
قال ابن حمدون النديم: (غرم المعتضد على عمارة البحيرة ستين ألف دينار، وكان يخلو فيها مع جواريه وفيهن محبوبته دريرة، فقال ابن بسام: [من مجزوء الرمل]
ترك الناس بحيرة … وتخلى في البحيرة
قاعدا يضرب بالطب ـل على حر دريرة
فبلغ ذلك المعتضد، فلم يظهر أنه بلغه، ثم أمر بتخريب تلك العمارة) (١). ثم ماتت دريرة في أيام المعتضد، فجزع عليها جزعا شديدا، وقال يرثيها: [من مجزوء الرمل]
يا حبيبا لم يكن يع ــدله عندي حبيب … أنت عن عيني بعيد ومن القلب قريب
ليس لي بعدك في شي ء … من اللهو نصيب
لك من قلبي على قل بي … وإن بنت رقيب
وخيال منك مدغب … ت خيال لا يغيب
لو تراني كيف لي بعـ ــدك عل … ونحيب
وفؤادي حشوه من … حرق الحزن لهيب
لتيقنت بأني … فيك محزون كثيب
ما أرى نفسي وإن سل يتها … عنك تطيب
لي دمع ليس يعصي ني … وصبر ما يجيب
وقال بعضهم يمدح المعتضد، وهي على جزء جزء: [من مشطور منهوك الرجز]
طيف ألم … بذي سلم
بين الخيم … يطوي الأكم
جاد بفم … يشفي السم
ممن لثم … وملتزم
стр. 553
فيه هضم … إذا ينضرم
داوى الألم … ثم انصرم
فلم أنم … شوقا وهم
اللوم ذم … كم ثم كم
يوم الأصم … أحمد لم
كل الثلم … مما انهدم
هو العلم … والمعتصم
خير النسم … خالا وعم
حوى الهمم … وم
طود أشم … سمح الشيم
جلا الظلم … كالبدر تم
رعى الذمم … حمى الحرم
فلم يوم … خص وعم
بما قسم … له النعم
مع النقم … والخير جم
إذا انتقم … إذا انتقم
[وفاة المعتضد ورثاؤه]
اعتل المعتضد في ربيع الآخر، سنة تسع وثمانين علة صعبة، وكان مزاجه قد تغير من كثرة إفراطه في الجماع، ثم تماثل، فقال ابن المعتز: [من المديد]
طار قلبي بجناح الوجيب … جزعا من حادثات الخطوب
وحذارا أن يشاك بسوء … أسد الملك وسيف الحروب
ثم انتكس ومات يوم الاثنين، لثمان بقين منه (١).
стр. 554
وحكى المسعودي قال: (شكوا في موت المعتضد، فتقدم الطبيب وجس نبضه، ففتح عينيه، ورفس الطبيب برجله، فدحاه أذرعا، فمات الطبيب، ثم مات المعتضد من ساعته) (١).
ولما احتضر .. أنشد (٢): [من الطويل]
تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى … وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا (٣)
ولا تأمنن الدهر إني أمنته … فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا
قتلت صناديد الرجال فلم أدع … عدوا ولم أمهل على ظنة خلقا
وأخليت دور الملك من كل بازل … وشتتهم غربا ومزقتهم شرقا
فلما بلغت النجم عزا ورفعة … ودانت رقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سهما فأحمد جمرتي … فهأنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى
فأفسدت دنياي وديني سفاهة … فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى
فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى … إلى نعمة الله أم ناره ألقى
ومن شعر المعتضد (٤): [من المنسرح]
يا لاحظي بالفتور والدعج … وقاتلي بالدلال والغنج
أشكو إليك الذي لقيت من الـ … وجد فهل لي إليك من فرج
حللت بالطرف والجمال من النـ … اس محل العيون والمهج
وله أنشد الصولي (٥): [من مجزوء الكامل]
لم يلق من حر الفراق … أحد كما أنا منه لاق
يا سائلي عن طعمه … ألفيته مر المذاق
جسمي يذوب ومقلتي … عبرى وقلبي ذو احتراق
стр. 555
ما لي أليف بعدكم … إلا اكتئابي واشتياقي
فالله يحفظكم جميـ … ـعا في مقامي وانطلاقي
ولابن المعتز يرثيه (١): [من البسيط]
يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا … وأنت والد سوء تأكل الولدا
أستغفر الله بل ذا كله قدر … رضيت بالله ربا واحدا صمدا
يا ساكن القبر في غبراء مظلمة … بالظاهرية مقصى الدار منفردا
أين الجيوش التي قد كنت تسحبها … أين الكنوز التي أحصيتها عددا
أين الشرير الذي قد كنت تملؤه … مهابة من رأته عينه ارتعدا
أين الأعادي الألى ذللت مصعبهم … أين الليوث التي صيرتها بددا
أين الجياد التي حجلتها بدم … وكن يحملن منك الضيغم الأسدا
أين الرماح التي غذيتها مهجا … مذ من ما وردت قلبا ولا كبدا
أين الجنان التي تجري جداولها … وتستجيب إليها الطائر الغردا
أين الوصائف كالغزلان رائحة … يسحبن من حلل موشية جددا
أين الملاهي وأين الراح تحسبها … ياقوتة كسيت من فضة زردا
أين الوثوب إلى الأعداء مبتغيا … صلاح ملك بني العباس إذ فسدا
ما زلت تقسر منهم كل قسورة … وتحبط العالي الجبار معتمدا
ثم انقضيت فلا عين ولا أثر … حتى كأنك يوما لم تكن أحدا
[من مات في عهده]
مات في أيام المعتضد من الأعلام: ابن المواز المالكي، وابن أبي الدنيا، وإسماعيل القاضي، والحارث بن أبي أسامة، وأبو العيناء، والمبرد، وأبو سعيد الخراز شيخ الصوفية، والبحتري الشاعر، وخلائق آخرون.
وخلف المعتضد من الأولاد: أربعة ذكور، ومن البنات إحدى عشرة.
стр. 556
خلافة المكتفي بالله [٢٨٩ - ٢٩٥ هـ] (١)
أبو محمد علي بن المعتضد، ولد في غرة ربيع الآخر، سنة أربع وستين ومئتين، وأمه: تركية، اسمها: جيجك، وكان يضرب بحسنه المثل، حتى قال بعضهم (٢):
قايست بين جمالها وفعالها … فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
والله لا كلمتها ولو أنها … كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
وعهد له أبوه، فبويع في مرضه يوم الجمعة بعد العصر، لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر، سنة تسع وثمانين.
قال الصولي: (وليس في الخلفاء من اسمه علي إلا هو وعلي بن أبي طالب ﵁، ولا من يكنى أبا محمد سوى الحسن بن علي، والهادي، والمكتفي).
ولما بويع له عند موت أبيه .. كان غائبا بالرقة، فنهض بأعباء البيعة الوزير أبو الحسين القاسم بن عبيد الله، وكتب له، فوافى بغداد في سابع جمادى الأولى، ومر بدجلة في سمارية (٣)، وكان يوما عظيما، وسقط أبو عمر القاضي من الزحمة في الجسر، وأخرج سالما.
ونزل المكتفي بدار الخلافة، وقالت الشعراء، وخلع على القاسم الوزير سبع
стр. 557
خلع، وهدم المطامير التي اتخذها أبوه، وصيرها مساجد، وأمر برد البساتين والحوانيت التي أخذها أبوه من الناس؛ ليعملها قصرا إلى أهلها، وسار سيرة جميلة، فأحبه الناس ودعوا له (١).
وفي هذه السنة: زلزلت بغداد زلزلة عظيمة دامت أياما (٢).
وفيها: هبت ريح عظيمة بالبصرة قلعت عامة نخلها، ولم يسمع بمثل ذلك (٣).
[خروج ابن زكرويه القرمطي وأخيه وابن عمه وقتلهم]
وفيها: خرج يحيى بن زكرويه القرمطي، فاستمر القتال بينه وبين عسكر الخليفة إلى أن قتل في سنة تسعين، فقام عوضه أخوه الحسين، وأظهر شامة في وجهه زعم أنها آيته، وجاءه ابن عمه عيسى بن مهرويه، وزعم أن لقبه المدثر، وأنه المعني في السورة، ولقب غلاما له المطوق بالنور، وظهر على الشام وعاث وأفسد، وتسمى أمير المؤمنين المهدي، ودعي له على المنابر، ثم قتل الثلاثة في سنة إحدى وتسعين (٤).
وفي هذه السنة: فتحت أنطالية - باللام - من بلاد الروم عنوة، وغنم منها ما لا يحصى من الأموال (٥).
وفي سنة اثنتين: زادت دجلة زيادة لم ير مثلها حتى خربت بغداد، وبلغت الزيادة إحدى وعشرين ذراعا (٦).
стр. 558
ومن شعر الصولي يمدح المكتفي ويذكر القرمطي: [من مجزوء الخفيف]
كفي المكتفي الخليـ … ــفة ما كان قد حذر
إلى أن قال:
آل عباس أنتم … سادة الناس والغرر
حكم الله أنكم … حكماء على البشر
وأولو الأمر منكم … صفوة الله والخير
من رأى أن مؤمنا … من عصاكم فقد كفر
أنزل الله ذاكم … قبل في محكم السور
[وفاة المكتفي]
قال الصولي: (سمعت المكتفي يقول في علته: والله؛ ما أسى إلا على سبع مئة ألف دينار صرفتها من مال المسلمين في أبنية ما احتجت إليها، وكنت مستغنيا عنها، أخاف أن أسأل عنها، وإني أستغفر الله منها).
مات المكتفي شابا في ليلة الأحد، لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة، سنة خمس وتسعين، وخلف ثمانية أولاد ذكور، وثمانية إناث.
[من مات في عهده]
وممن مات في أيامه من الأعلام: عبد الله بن أحمد ابن حنبل، وثعلب إمام العربية، وقنبل المقرئ، وأبو عبد الله البوشنجي الفقيه، والبزار صاحب «المسند»، وأبو مسلم الكجي، والقاضي أبو خازم، وصالح جزرة، ومحمد بن نصر المروزي الإمام، وأبو الحسين النوري شيخ الصوفية، وأبو جعفر الترمذي شيخ الشافعية بالعراق.
стр. 559
[تأخر وفاة ابن أبي الدنيا إلى أيام المكتفي]
ورأيت في «تاريخ نيسابور» لعبد الغافر: عن ابن أبي الدنيا قال: (لما أفضت الخلافة إلى المكتفي .. كتبت إليه بيتين: [من الخفيف]
إن حق التأديب حق الأبوة … عند أهل الحجا وأهل المروة
وأحق الرجال أن يحفظوا ذا … ك ويرعوه أهل بيت النبوة
قال: فحمل إلي عشرة آلاف درهم) (١).
وهذا يدل على تأخر ابن أبي الدنيا إلى أيام المكتفي.
стр. 560
خلافة المقتدر بالله [٢٩٥ - ٣٢٠ هـ] (١)
أبو الفضل، جعفر بن المعتضد، ولد في رمضان سنة اثنتين وثمانين ومئتين، وأمه: رومية، وقيل: تركية، اسمها: غريب، وقيل: شغب، ولما اشتدت علة المكتفي أخيه .. سأل عنه فصح عنده أنه احتلم، فعهد إليه، ولم يل الخلافة قبله أصغر منه؛ فإنه وليها وله ثلاث عشرة سنة.
فاستصباه الوزير العباس بن الحسن، فعمل على خلعه، ووافقه جماعة على أن يولوا عبد الله بن المعتز، فأجاب ابن المعتز بشرط ألا يكون فيها دم، فبلغ المقتدر ذلك، فأصلح حال العباس، ودفع إليه أموالا أرضته، فرجع عن ذلك.
[خلع المقتدر وبيعة ابن المعتز]
وأما الباقون .. فإنهم ركبوا في العشرين من ربيع الأول، سنة ست والمقتدر يلعب الأكرة، فهرب ودخل، وأغلقت الأبواب، وقتل الوزير وجماعة، وأرسل إلى ابن المعتز، فجاء وحضر القواد والقضاة والأعيان، وبايعوه بالخلافة ولقبوه: الغالب بالله، واستوزر محمد بن داوود بن الجراح، واستقضى أبا المثنى أحمد بن يعقوب، ونفذت الكتب بخلافة ابن المعتز (٢).
قال المعافى بن زكريا الجريري: (لما خلع المقتدر وبويع ابن المعتز .. دخلوا على شيخنا محمد بن جرير الطبري، فقال: ما الخبر؟ قيل: بويع ابن المعتز، قال: فمن رشح للوزارة؟ قيل: محمد بن داوود، قال: فمن ذكر للقضاء؟ قيل: أبو المثنى.
стр. 561
فأطرق ثم قال: هذا أمر لا يتم، قيل له: وكيف؟ قال: كل واحد ممن سميتم متقدم في معناه، عالي الرتبة، والزمان مدبر، والدنيا مولية، وما أرى هذا إلا إلى اضمحلال، وما أرى لمدته طولا) (١).
[حبس ابن المعتز واستقامة الأمر للمقتدر]
وبعث ابن المعتز إلى المقتدر يأمره بالانصراف إلى دار محمد بن طاهر؛ لكي ينتقل ابن المعتز إلى دار الخلافة، فأجاب ولم يكن بقي معه إلا طائفة يسيرة، فقالوا: يا قوم؛ نسلم هذا الأمر، ولا نجرب نفوسنا في دفع ما نزل بنا؟!
فلبسوا السلاح، وقصدوا المخرم و به ابن المعتز، فلما رآهم من حوله .. ألقى الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا منهزمين بلا قتال، وهرب ابن المعتز ووزيره وقاضيه، ووقع النهب والقتل في بغداد، وقبض المقتدر على الفقهاء والأمراء الذين خلعوه وسلموا إلى مؤنس الخازن، فقتلهم إلا أربعة؛ منهم: القاضي أبو عمر (٢)؛ فإنهم سلموا من القتل.
وحبس ابن المعتز، ثم أخرج فيما بعد ميتا، واستقام الأمر للمقتدر، فاستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات، فسار أحسن سيرة، وكشف المظالم، وحض المقتدر على العدل، ففوض إليه الأمور؛ لصغره، واشتغل باللعب واللهو، وأتلف الخزائن (٣).
[خروج المهدي بالمغرب وبدء النقص على العباسيين]
وفي هذه السنة: أمر المقتدر ألا يستخدم اليهود والنصارى، وأن يركبوا بالأكف (٤).
стр. 562
وفيها: غلب أمر المهدي بالمغرب، وسلم عليه بالإمامة، ودعي له بالخلافة، وبسط في الناس العدل والإحسان، فانحرفوا إليه، وتمهدت له المغرب وعظم ملكه، وبنى المهدية، وهرب أمير إفريقية زيادة الله بن الأغلب إلى مصر، ثم أتى العراق، وخرجت المغرب عن أمر بني العباس من هذا التاريخ (١).
فكانت مدة ملكهم جميع الممالك الإسلامية مئة وبضعا وستين سنة، ومن هنا دخل النقص عليهم.
قال الذهبي: (اختل النظام كثيرا في أيام المقتدر؛ لصغره) (٢).
وفي سنة ثلاث مئة: ساخ جبل بالدينور في الأرض، وخرج من تحته ماء كثير غرق القرى (٣).
وفيها: ولدت بغلة فلوا، فسبحان القادر على ما يشاء (٤).
وفي سنة إحدى وثلاث مئة: ولي الوزارة علي بن عيسى، فسار بعفة وعدل وتقوى، وأبطل الخمور، وأبطل من المكوس ما ارتفاعه في العام خمس مئة ألف دينار (٥).
وفيها: أعيد القاضي أبو عمر إلى القضاء (٦).
وركب المقتدر من داره إلى الشماسية، وهي أول ركبة ظهر فيها للعامة (٧).
стр. 563
وفيها: أدخل الحسين الحلاج مشهورا على جمل إلى بغداد، فصلب حيا، ونودي عليه: هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه، ثم حبس إلى أن قتل في سنة تسع، وأشيع عنه أنه ادعى الإلهية، وأنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف، ويكتب إلى أصحابه: (من النور الشعشعاني) ونوظر فلم يوجد عنده شيء من القرآن ولا الحديث ولا الفقه (١).
وفيها: سار المهدي الفاطمي يريد مصر في أربعين ألفا من البربر، فحال النيل بينه وبينها، فرجع إلى الإسكندرية وأفسد فيها وقتل، ثم رجع فسار إليه جيش المقتدر إلى برقة، وجرت لهم حروب، ثم ملك الفاطمي الإسكندرية والفيوم من هذا العام (٢).
وفي سنة اثنتين: ختن المقتدر خمسة من أولاده، فغرم على ختانهم ست مئة ألف دينار، وختن معهم طائفة من الأيتام، وأحسن إليهم (٣).
وفيها: صلي العيد في جامع مصر، ولم يكن يصلى فيه العيد قبل ذلك، فخطب بالناس علي ابن أبي شيخة من الكتاب نظرا، وكان من غلطه أن قال: ﴿اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مشركون﴾ (٤).
وفيها: أسلم الديلم على يد الحسن بن علي العلوي الأطروش، وكانوا مجوسا (٥).
وفي سنة أربع: وقع الخوف ببغداد من حيوان يقال له: الزرزب، ذكر الناس: أنهم يرونه بالليل على الأسطحة، وأنه يأكل الأطفال، ويقطع ثدي
стр. 564
المرأة، فكانوا يتحارسون ويضربون بالطاسات ليهرب، واتخذ الناس لأطفالهم مكاب، ودام عدة ليال (١).
وفي سنة خمس: قدمت رسل ملك الروم بهدايا وطلب عقد هدنة، فعمل المقتدر موكبا عظيما، فأقام العساكر وصفهم بالسلاح؛ وهم مئة وستون ألفا، من باب الشماسية إلى دار الخلافة، وبعدهم الخدام؛ وهم سبعة آلاف خادم، ويليهم الحجاب؛ وهم سبع مئة حاجب، وكانت الستور التي نصبت على حيطان دار الخلافة: ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج، والبسط: اثنان وعشرون ألفا، وفي الحضرة: مئة سبع في السلاسل … إلى غير ذلك (٢).
وفي هذه السنة: وردت هدايا صاحب عمان؛ وفيها طير أسود يتكلم بالفارسية وبالهندية أفصح من الببغاء (٣).
وفي سنة ست: فتح مارستان أم المقتدر، وكان مبلغ النفقة فيه في العام سبعة آلاف دينار (٤).
وفيها: صار الأمر والنهي لحرم الخليفة ولنسائه؛ لركاكته، وآل الأمر إلى أن أمرت أم المقتدر ثمل القهرمانة أن تجلس للمظالم، وتنظر في رقاع الناس كل جمعة، فكانت تجلس وتحضر القضاة والأعيان، وتبرز التواقيع وعليها خطها (٥).
وفيها: عاد القائم محمد بن المهدي الفاطمي إلى مصر فأخذ أكثر الصعيد (٦).
стр. 565
وفي سنة ثمان: غلت الأسعار ببغداد، وشغبت العامة؛ لكون حامد بن العباس ضمن السواد، وجدد المظالم، ووقع النهب، وركب الجند فهاوشتهم العامة، ودام القتال أياما، وأحرق العامة الجسر، وفتحوا السجون، ونهبوا الناس، ورجموا الوزير، واختلت أحوال الدولة العباسية جدا (١).
وفيها: ملكت جيوش القائم الجزيرة من الفسطاط، واشتد قلق أهل مصر، وتأهبوا للهروب، وجرت أمور وحروب يطول شرحها (٢).
وفي سنة تسع: قتل الحلاج بإفتاء القاضي أبي عمر والفقهاء والعلماء: أنه حلال الدم، وله في أحواله السنية أخبار أفردها الناس بالتصنيف (٣).
وفي سنة إحدى عشرة: أمر المقتدر برد المواريث إلى ما صيرها المعتضد من توريث ذوي الأرحام.
وفي سنة ثنتي عشرة: فتحت فرغانة على يد والي خراسان (٤).
وفي سنة أربع عشرة: دخلت الروم ملطية بالسيف (٥).
وفيها: جمدت دجلة بالموصل وعبرت عليها الدواب، وهذا لم يعهد (٦).