← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فأطرق ثم قال: هذا أمر لا يتم، قيل له: وكيف؟ قال: كل واحد ممن سميتم متقدم في معناه، عالي الرتبة، والزمان مدبر، والدنيا مولية، وما أرى هذا إلا إلى اضمحلال، وما أرى لمدته طولا) (١). [حبس ابن المعتز واستقامة الأمر للمقتدر] وبعث ابن المعتز إلى المقتدر يأمره بالانصراف إلى دار محمد بن طاهر؛ لكي ينتقل ابن المعتز إلى دار الخلافة، فأجاب ولم يكن بقي معه إلا طائفة يسيرة، فقالوا: يا قوم؛ نسلم هذا الأمر، ولا نجرب نفوسنا في دفع ما نزل بنا؟! فلبسوا السلاح، وقصدوا المخرم و به ابن المعتز، فلما رآهم من حوله .. ألقى الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا منهزمين بلا قتال، وهرب ابن المعتز ووزيره وقاضيه، ووقع النهب والقتل في بغداد، وقبض المقتدر على الفقهاء والأمراء الذين خلعوه وسلموا إلى مؤنس الخازن، فقتلهم إلا أربعة؛ منهم: القاضي أبو عمر (٢)؛ فإنهم سلموا من القتل. وحبس ابن المعتز، ثم أخرج فيما بعد ميتا، واستقام الأمر للمقتدر، فاستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات، فسار أحسن سيرة، وكشف المظالم، وحض المقتدر على العدل، ففوض إليه الأمور؛ لصغره، واشتغل باللعب واللهو، وأتلف الخزائن (٣). [خروج المهدي بالمغرب وبدء النقص على العباسيين] وفي هذه السنة: أمر المقتدر ألا يستخدم اليهود والنصارى، وأن يركبوا بالأكف (٤).

стр. 562

وفيها: غلب أمر المهدي بالمغرب، وسلم عليه بالإمامة، ودعي له بالخلافة، وبسط في الناس العدل والإحسان، فانحرفوا إليه، وتمهدت له المغرب وعظم ملكه، وبنى المهدية، وهرب أمير إفريقية زيادة الله بن الأغلب إلى مصر، ثم أتى العراق، وخرجت المغرب عن أمر بني العباس من هذا التاريخ (١). فكانت مدة ملكهم جميع الممالك الإسلامية مئة وبضعا وستين سنة، ومن هنا دخل النقص عليهم. قال الذهبي: (اختل النظام كثيرا في أيام المقتدر؛ لصغره) (٢). وفي سنة ثلاث مئة: ساخ جبل بالدينور في الأرض، وخرج من تحته ماء كثير غرق القرى (٣). وفيها: ولدت بغلة فلوا، فسبحان القادر على ما يشاء (٤). وفي سنة إحدى وثلاث مئة: ولي الوزارة علي بن عيسى، فسار بعفة وعدل وتقوى، وأبطل الخمور، وأبطل من المكوس ما ارتفاعه في العام خمس مئة ألف دينار (٥). وفيها: أعيد القاضي أبو عمر إلى القضاء (٦). وركب المقتدر من داره إلى الشماسية، وهي أول ركبة ظهر فيها للعامة (٧).

стр. 563

وفيها: أدخل الحسين الحلاج مشهورا على جمل إلى بغداد، فصلب حيا، ونودي عليه: هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه، ثم حبس إلى أن قتل في سنة تسع، وأشيع عنه أنه ادعى الإلهية، وأنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف، ويكتب إلى أصحابه: (من النور الشعشعاني) ونوظر فلم يوجد عنده شيء من القرآن ولا الحديث ولا الفقه (١). وفيها: سار المهدي الفاطمي يريد مصر في أربعين ألفا من البربر، فحال النيل بينه وبينها، فرجع إلى الإسكندرية وأفسد فيها وقتل، ثم رجع فسار إليه جيش المقتدر إلى برقة، وجرت لهم حروب، ثم ملك الفاطمي الإسكندرية والفيوم من هذا العام (٢). وفي سنة اثنتين: ختن المقتدر خمسة من أولاده، فغرم على ختانهم ست مئة ألف دينار، وختن معهم طائفة من الأيتام، وأحسن إليهم (٣). وفيها: صلي العيد في جامع مصر، ولم يكن يصلى فيه العيد قبل ذلك، فخطب بالناس علي ابن أبي شيخة من الكتاب نظرا، وكان من غلطه أن قال: ﴿اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مشركون﴾ (٤). وفيها: أسلم الديلم على يد الحسن بن علي العلوي الأطروش، وكانوا مجوسا (٥). وفي سنة أربع: وقع الخوف ببغداد من حيوان يقال له: الزرزب، ذكر الناس: أنهم يرونه بالليل على الأسطحة، وأنه يأكل الأطفال، ويقطع ثدي

стр. 564

المرأة، فكانوا يتحارسون ويضربون بالطاسات ليهرب، واتخذ الناس لأطفالهم مكاب، ودام عدة ليال (١). وفي سنة خمس: قدمت رسل ملك الروم بهدايا وطلب عقد هدنة، فعمل المقتدر موكبا عظيما، فأقام العساكر وصفهم بالسلاح؛ وهم مئة وستون ألفا، من باب الشماسية إلى دار الخلافة، وبعدهم الخدام؛ وهم سبعة آلاف خادم، ويليهم الحجاب؛ وهم سبع مئة حاجب، وكانت الستور التي نصبت على حيطان دار الخلافة: ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج، والبسط: اثنان وعشرون ألفا، وفي الحضرة: مئة سبع في السلاسل … إلى غير ذلك (٢). وفي هذه السنة: وردت هدايا صاحب عمان؛ وفيها طير أسود يتكلم بالفارسية وبالهندية أفصح من الببغاء (٣). وفي سنة ست: فتح مارستان أم المقتدر، وكان مبلغ النفقة فيه في العام سبعة آلاف دينار (٤). وفيها: صار الأمر والنهي لحرم الخليفة ولنسائه؛ لركاكته، وآل الأمر إلى أن أمرت أم المقتدر ثمل القهرمانة أن تجلس للمظالم، وتنظر في رقاع الناس كل جمعة، فكانت تجلس وتحضر القضاة والأعيان، وتبرز التواقيع وعليها خطها (٥). وفيها: عاد القائم محمد بن المهدي الفاطمي إلى مصر فأخذ أكثر الصعيد (٦).

стр. 565

وفي سنة ثمان: غلت الأسعار ببغداد، وشغبت العامة؛ لكون حامد بن العباس ضمن السواد، وجدد المظالم، ووقع النهب، وركب الجند فهاوشتهم العامة، ودام القتال أياما، وأحرق العامة الجسر، وفتحوا السجون، ونهبوا الناس، ورجموا الوزير، واختلت أحوال الدولة العباسية جدا (١). وفيها: ملكت جيوش القائم الجزيرة من الفسطاط، واشتد قلق أهل مصر، وتأهبوا للهروب، وجرت أمور وحروب يطول شرحها (٢). وفي سنة تسع: قتل الحلاج بإفتاء القاضي أبي عمر والفقهاء والعلماء: أنه حلال الدم، وله في أحواله السنية أخبار أفردها الناس بالتصنيف (٣). وفي سنة إحدى عشرة: أمر المقتدر برد المواريث إلى ما صيرها المعتضد من توريث ذوي الأرحام. وفي سنة ثنتي عشرة: فتحت فرغانة على يد والي خراسان (٤). وفي سنة أربع عشرة: دخلت الروم ملطية بالسيف (٥). وفيها: جمدت دجلة بالموصل وعبرت عليها الدواب، وهذا لم يعهد (٦).

стр. 566

وفي سنة خمس عشرة: دخلت الروم سميساط (١)، وأخذوا من فيها وما فيها، وضربوا الناقوس في جامعها (٢). وفيها: ظهرت الديلم على الري والجبال، فقتل خلق وذبحت الأطفال (٣) وفي سنة ست عشرة: بنى القرمطي دارا سماها دار الهجرة، وكان في هذه السنين قد كثر فساده، وأخذه البلاد، وفتكه بالمسلمين، واشتد الخطب به، وتمكنت هيبته من القلوب، وكثر أتباعه، وبث السرايا وتزلزل له الخليفة، وهزم جيش المقتدر غير مرة، وانقطع الحج في هذه السنين خوفا من القرامطة، ونزح أهل مكة عنها، وقصدت الروم ناحية خلاط، وأخرجوا المنبر من جامعها، وجعلوا الصليب مكانه (٤). [خروج مؤنس الخادم على الخليفة وما جرى بينهما] وفي سنة سبع عشرة: خرج مؤنس الخادم الملقب بالمظفر على المقتدر؛ لكونه بلغه أنه يريد أن يولي إمرة الأمراء هارون بن غريب مكان مؤنس، وركب معه سائر الجيش والأمراء والجنود، وجاؤوا إلى دار الخلافة، فهربت خواص المقتدر، وأخرج المقتدر بعد العشاء - وذلك ليلة رابع عشر المحرم - من داره وأمه وخالته وحرمه، ونهب لأمه ست مئة ألف دينار. وأشهد على نفسه بالخلع، وأحضر محمد بن المعتضد، وبايعه مؤنس والأمراء، ولقبوه: القاهر بالله، وفوضت الوزارة إلى أبي علي بن مقلة، وذلك يوم السبت.

стр. 567

وجلس القاهر بالله يوم الأحد، وكتب الوزير عنه إلى البلاد، وعمل الموكب يوم الاثنين، فجاء العسكر يطلبون رزق البيعة ورزق سنة، ولم يكن مؤنس حاضرا، فارتفعت الأصوات، فقتلوا الحاجب، ومالوا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر؛ ليردوه إلى الخلافة، فحملوه على أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة، وأخذ القاهر، فجيء به وهو يبكي ويقول: الله الله في نفسي، فاستدناه وقبله، وقال له: (يا أخي؛ أنت والله لا ذنب لك، والله؛ لا جرى عليك مني سوء أبدا، فطب نفسا) وسكن الناس، وعاد الوزير، فكتب إلى الأقاليم بعود الخليفة إلى خلافته، وبذل المقتدر الأموال في الجند (١). [هجوم القرامطة على الحجيج وسرقة الحجر] وفي هذه السنة: سير المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي، فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا، وطرح القتلى في بئر زمزم، وضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره، ثم اقتلعه وأقام بها أحد عشر يوما، ثم رحلوا وبقي الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة، ودفع لهم فيه خمسون ألف دينار فأبوا، حتى أعيد في خلافة المطيع (٢). وقيل: إنهم لما أخذوه .. هلك تحته أربعون جملا من مكة إلى هجر، فلما أعيد .. حمل على قعود هزيل فسمن (٣). قال محمد بن الربيع بن سليمان: (كنت بمكة سنة القرامطة، فصعد رجل لقلع الميزاب وأنا أراه، فعيل صبري وقلت: يا رب؛ ما أحلمك! فسقط الرجل على دماغه، فمات) (٤).

стр. 568

وصعد القرمطي على باب الكعبة وهو يقول: [من الرمل] أنا بالله وبالله أنا … يخلق الخلق وأفنيهم أنا (١) ولم يفلح أبو طاهر القرمطي بعدها، وتقطع جسده بالجدري (٢). وفي هذه السنة: هاجت فتنة كبرى ببغداد بسبب قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ فقالت الحنابلة: معناه: يقعده الله على عرشه، وقال غيرهم: بل هي الشفاعة، ودام الخصام، واقتتلوا حتى قتل جماعة كثيرة (٣). وفي سنة تسع عشرة: نزل القرمطي الكوفة، وخاف أهل بغداد من دخوله إليها، فاستغاثوا ورفعوا المصاحف، وسبوا المقتدر (٤). وفيها: دخلت الديلم الدينور فسبوا وقتلوا (٥). [خروج مؤنس ثانية وقتل المقتدر] وفي سنة عشرين: ركب مؤنس على المقتدر، وكان معظم جند مؤنس البربر، فلما التقى الجمعان .. رمى بربري المقتدر بحربة سقط منها إلى الأرض، ثم ذبحه بالسيف، وشيل رأسه على رمح، وسلب ما عليه، وبقي مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش، ثم حفر له في الموضع ودفن، وذلك يوم الأربعاء، لثلاث بقين من شوال (٦). وقيل: (إن وزيره أخذ له ذلك اليوم طالعا، فقال له المقتدر: أي وقت

стр. 569

هو؟ قال: وقت الزوال، فتطير وهم بالرجوع، فأشرفت خيل مؤنس، ونشبت الحرب. وأما البربري الذي قتله .. فإن الناس صاحوا عليه، فساق نحو دار الخلافة ليخرج القاهر، فصادفه حمل شوك، فزحمه إلى قنار لحام فعلقه كلاب (١)، وخرج الفرس في مشواره من تحته فمات، فحطه الناس وأحرقوه بالحمل الشوك) (٢) وكان المقتدر جيد العقل، صحيح الرأي؛ لكنه كان مؤثرا للشهوات والشرب (٣)، مبذرا، وكان النساء غلبن عليه، فأخرج عليهن جميع جواهر الخلافة ونفائسها، وأعطى بعض حظاياه الدرة اليتيمة، ووزنها ثلاثة مثاقيل، وأعطى زيدان القهرمانة سبحة جوهر لم ير مثلها، وأتلف أموالا كثيرة. وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان، غير الصقالبة والروم والسود، وخلف اثني عشر ولدا ذكرا (٤). [ذكر أكثر الخلفاء تولية لأولاده] وولي الخلافة من أولاده ثلاثة: الراضي والمتقي والمطيع، وكذلك اتفق للمتوكل وللرشيد، وأما عبد الملك .. فولي الأمر من أولاده أربعة، ولا نظير لذلك إلا في الملوك، كذا قال الذهبي (٥). قلت: في زماننا ولي الخلافة من أولاد المتوكل خمسة: المستعين العباس، والمعتضد داوود، والمستكفي سليمان، والقائم حمزة، والمستنجد يوسف، ولا نظير لذلك.

стр. 570

[نادرة] [فيمن اسمه جعفر من الخلفاء] وفي «لطائف المعارف» للثعالبي: (نادرة: لم يل الخلافة من اسمه جعفر إلا المتوكل والمقتدر، فقتلا جميعا؛ المتوكل ليلة الأربعاء، والمقتدر يوم الأربعاء) (١). ومن محاسن المقتدر ما حكاه ابن شاهين: (أن وزيره علي بن عيسى أراد أن يصلح بين ابن صاعد وبين أبي بكر بن أبي داوود السجستاني، فقال الوزير: يا أبا بكر؛ أبو محمد أكبر منك، فلو قمت إليه؟ قال: لا أفعل. فقال الوزير: أنت شيخ زيف، فقال ابن أبي داوود: الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله ﷺ . فقال الوزير: من الكذاب على رسول الله ﷺ ؟ قال: هذا، ثم قام ابن أبي داوود، وقال: تتوهم أني أذل لك لأجل أن رزقي يصل إلي على يديك، والله؛ لا أخذت من يدك شيئا أبدا، فبلغ المقتدر ذلك، فصار يزن رزقه بيده، ويبعث به في طبق على يد الخادم) (٢). [من مات في عهده] مات في أيام المقتدر من الأعلام: محمد بن داوود الظاهري، ويوسف بن يعقوب القاضي، وابن سريج شيخ الشافعية، والجنيد شيخ الصوفية، وأبو عثمان الحيري الزاهد، وأبو بكر البرديجي، وجعفر الفريابي، وابن بسام الشاعر، والنسائي صاحب «السنن»، والحسن بن سفيان صاحب «السنن».

стр. 571

والجبائي شيخ المعتزلة، ويموت بن المزرع النحوي، وابن الجلاء شيخ الصوفية، وأبو يعلى الموصلي صاحب «المسند»، والأشناني المقرئ، وابن سيف من كبار قراء مصر، وأبو بكر الروياني صاحب «المسند»، وابن المنذر الإمام، وابن جرير الطبري، والزجاج النحوي، وابن خزيمة، وابن زكريا الطبيب، والأخفش الصغير، وبنان الحمال، وأبو بكر بن أبي داوود السجستاني، وابن السراج النحوي، وأبو عوانة صاحب «الصحيح»، وأبو القاسم البغوي المسند، وأبو عبيد بن حربويه، والكعبي شيخ المعتزلة، وأبو عمر القاضي، وقدامة الكاتب، وخلائق آخرون.

стр. 572

خلافة الظاهر بالله [٣٢٠ - ٣٢٢ هـ] (١) أبو منصور، محمد بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل، أمه: أم ولد، اسمها: فتنة. لما قتل المقتدر .. أحضر هو ومحمد بن المكتفي، فسألوا ابن المكتفي أن يتولى فقال: لا حاجة لي في ذلك، وعمي هذا أحق به، فكلم القاهر فأجاب، فبويع ولقب: القاهر بالله، كما لقب به في سنة سبع عشرة (٢). فأول ما فعل أن صادر آل المقتدر وعذبهم، وضرب أم المقتدر حتى ماتت في العذاب (٣). [احتيال القاهر على الخارجين عليه وذبحهم] وفي سنة إحدى وعشرين: شغب عليه الجند، واتفق مؤنس وابن مقلة وآخرون على خلعه بابن المكتفي، فتحيل القاهر عليهم إلى أن أمسكهم وذبحهم، وطين على ابن المكتفي بين حيطين. وأما ابن مقلة .. فاختفى فأحرقت داره، ونهبت دور المخالفين، ثم أطلق أرزاق الجند فسكنوا، واستقام الأمر للقاهر، وعظم في القلوب، وزيد في ألقابه: المنتقم من أعداء دين الله، ونقش ذلك على السكة (٤). وفي هذه السنة: أمر بتحريم القيان والخمر، وقبض على المغنين، ونفى

стр. 573

المخانيث، وكسر آلات اللهو، وأمر ببيع المغنيات من الجواري على أنهن سواذج، وكان مع ذلك لا يصحو من السكر، ولا يفتر عن سماع الغناء (١). [ظهور ابن بويه واستيلاؤه على بلاد فارس] وفي سنة اثنتين وعشرين: ظهرت الديلم؛ وذلك لأن أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان، وكان من قواده علي بن بويه، فاقتطع مالا جليلا، فانفرد عن مخدومه، ثم التقى هو ومحمد بن ياقوت نائب الخليفة، فهزم محمد، واستولى ابن بويه على فارس، وكان بويه فقيرا صعلوكا يصيد السمك، رأى كأنه بال فخرج من ذكره عمود نار، ثم تشعب العمود حتى ملأ الدنيا، فعبرت: بأن أولاده يملكون الدنيا، ويبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت عليه النار. فمضت السنون، وآل أمر علي هذا إلى أن صار قائدا لمرداويج بن زياد الديلمي، فأرسله يستخرج له مالا من الكرخ، فاستخرج خمس مئة ألف درهم، وأتى همذان ليملكها، فغلق أهلها في وجهه الأبواب، فقاتلهم وفتحها عنوة، وقتل خلقا، ثم صار إلى شيراز. ثم إنه قل ما عنده، فنام على ظهره فخرجت حية من سقف المجلس، فأمر بنقضه فخرجت صناديق ملأى ذهبا، فأنفقها في جنده. وطلب خياطا يخيط له شيئا، وكان أطروشا (٢)، فظن أنه قد سعي به، فقال: والله؛ ما عندي سوى اثني عشر صندوقا، لا أعلم ما فيها، فأحضرت فوجد فيها مالا عظيما. وركب يوما فساخت قوائم فرسه، فحفروه فوجدوا فيه كنزا، واستولى على البلاد، وخرجت خراسان وفارس عن حكم الخلافة (٣). وفي هذه السنة: قتل القاهر إسحاق بن إسماعيل النوبختي الذي قد كان أشار

стр. 574

بخلافة القاهر؛ ألقاه على رأسه في بئر وطمت؛ وذنبه: أنه زايد القاهر قبل الخلافة في جارية واشتراها، فحقد عليه (١). [الخروج على القاهر وسمل عينيه] وفيها: تحرك الجند عليه؛ لأن ابن مقلة في اختفائه كان يوحشهم منه، ويقول لهم: (إنه بنى لكم المطامير ليحبسكم) وغير ذلك، فاجتمعوا على الفتك به، فدخلوا عليه بالسيوف فهرب، فأدركوه وقبضوا عليه في سادس جمادى الآخرة. وبايعوا أبا العباس محمد بن المقتدر، ولقبوه: الراضي بالله، ثم أرسلوا إلى القاهر الوزير والقضاة: أبا الحسين بن القاضي أبي عمر، والحسن بن عبد الله بن أبي الشوارب، وأبا طالب بن البهلول، فجاؤوه فقيل له: (ما تقول؟ قال: أنا أبو منصور محمد بن المعتضد، لي في أعناقكم بيعة وفي أعناق الناس، ولست أبرئكم ولا أحلكم منها فقوموا، فقاموا فقال الوزير: يخلع ولا يفكر فيه، أفعاله مشهورة، قال القاضي أبو الحسين: فدخلت على الراضي وأعدت ما جرى، وأعلمته أني أرى إمامته فرضا، فقال: انصرف ودعني وإياه، فأشار سيما مقدم الحجرية على الراضي بسمله، فكحله بمسمار محمى) (٢). قال محمود الأصبهاني: (كان سبب خلع القاهر: سوء سيرته وسفكه الدماء، فامتنع من الخلع، فسملوا عينيه حتى سالتا على خديه) (٣). وقال الصولي: (كان أهوج، سفاكا للدماء، قبيح السيرة، كثير التلون.

стр. 575

والاستحالة، مدمن الخمر، ولولا جودة حاجبه سلامة .. لأهلك الحرث والنسل) (١) وكان قد صنع حربة يحملها، فلا يطرحها حتى يقتل بها إنسانا (٢) [القاهر يسأل عن أخلاق خلفاء العباسيين] قال محمد بن علي الخراساني: (أحضرني القاهر يوما والحربة بين يديه فقال: أسألك عن خلفاء بني العباس في أخلاقهم وشيمهم، قلت: أما السفاح .. فكان مسارعا إلى سفك الدماء، واتبعه عماله على مثل ذلك، وكان مع ذلك سمحا وصولا بالمال. قال: فالمنصور؟ قلت: كان أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد أبي طالب، وكانوا قبله متفقين، وهو أول خليفة قرب المنجمين، وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية؛ ككتاب «كليلة ودمنة»، وكتاب «إقليدس»، وكتب اليونان، فنظر الناس فيها وتعلقوا بها، فلما رأى ذلك محمد بن إسحاق .. جمع المغازي والسير، والمنصور أول من استعمل مواليه، وقدمهم على العرب. قال: فالمهدي؟ قلت: كان جوادا عادلا منصفا؛ رد ما أخذ أبوه من الناس غصبا، وبالغ في إتلاف الزنادقة، وبنى المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى. قال: فالهادي؟ قلت: كان جبارا متكبرا، فسلك عماله طريقه على قصر أيامه. قال: فالرشيد؟ قلت: كان مواظبا على الغزو والحج، وعمر القصوروالبرك بطريق مكة، وبنى الثغور؛ كأذنة وطرسوس والمصيصة ومرعش، وعم الناس إحسانه، وكان في أيامه البرامكة وما اشتهر من كرمهم، وهو أول خليفة

стр. 576

لعب بالصوالحة، ورمى النشاب في البرجاس (١) ولعب بالشطرنج من بني العباس. قال: فالأمين؟ قلت: كان جوادا، إلا أنه انهمك في لذاته ففسدت الأمور. قال: فالمأمون؟ قلت: غلب عليه النجوم والفلسفة، وكان حليما جوادا. قال: فالمعتصم؟ قلت: سلك طريقه، وغلب عليه حب الفروسية والتشبه بملوك الأعاجم، واشتغل بالغزو والفتوح. قال: فالواثق؟ قلت: سلك طريقة أبيه. قال: فالمتوكل؟ قلت: خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقادات، ونهى عن الجدال والمناظرات والأهواء وعاقب عليها، وأمر بقراءة الحديث وسماعه، ونهى عن القول بخلق القرآن، فأحبه الناس. ثم سأل عن باقي الخلفاء وأنا أجيبه بما فيهم، فقال لي: قد سمعت كلامك وكأني مشاهد القوم، ثم قام (٢). [إخفاء القاهر أمواله ومد يده للناس وموته] وقال المسعودي: (أخذ القاهر من مؤنس وأصحابه مالا عظيما، فلما خلع وشمل .. طولب بها، فأنكر فعذب بأنواع العذاب، فلم يقر بشيء، فأخذه الراضي بالله فقربه وأدناه، وقال له: قد ترى مطالبة الجند بالمال، وليس عندي شيء، والذي عندك فليس بنافع لك، فاعترف به، فقال: أما إذ فعلت هذا … فالمال مدفون في البستان. وكان قد أنشأ بستانا فيه أصناف الشجر، حملت إليه من البلاد، وزخرفه وعمل فيه قصرا، وكان الراضي مغرما بالبستان والقصر، فقال: وفي أي مكان.

стр. 577

المال منه؟ فقال: أنا مكفوف لا أهتدي إلى مكان، فاحفر البستان تجده. فحفر الراضي البستان وأساسات القصر، وقلع الشجر، فلم يجد شيئا، فقال له: وأين المال؟ فقال: وهل عندي مال؟! وإنما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعمك، فأردت أن أفجعك فيه، فندم الراضي وحبسه، فأقام إلى سنة ثلاث وثلاثين. ثم أطلقوه وأهملوه، فوقف يوما بجامع المنصور بين الصفوف وعليه مبطنة بيضاء، وقال: تصدقوا علي فأنا من قد عرفتم، وذلك في أيام المستكفي ليشنع عليه، فمنع من الخروج إلى أن مات سنة تسع وثلاثين، في جمادى الأولى، عن ثلاث وخمسين سنة) (١). وكان له من الولد: عبد الصمد، وأبو القاسم، وأبو الفضل، وعبد العزيز. [من مات في عهده] ومات في أيامه من الأعلام: الطحاوي شيخ الحنفية، وابن دريد، وأبو هاشم بن الجبائي، وآخرون.

стр. 578

خلاف الراضي بالله [٣٢٢ - ٣٢٩ هـ] (١) أبو العباس، محمد بن المقتدر بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل، ولد سنة سبع وتسعين ومئتين، وأمه: أمة رومية، اسمها: ظلوم، بويع له يوم خلع القاهر، فأمر ابن مقلة أن يكتب كتابا فيه مثالب القاهر ويقرأ على الناس. وفي هذا العام من خلافته: مات مرداوج مقدم الديلم بأصبهان، وكان قد عظم أمره، وتحدثوا: أنه يريد قصد بغداد، وأنه مسالم لصاحب المجوس، وكان يقول: (أنا أرد دولة العجم، وأمحق دولة العرب) (٢). وفيها: بعث علي بن بويه إلى الراضي يقاطعه على البلاد التي استولى عليها بثمان مئة ألف ألف درهم كل سنة، فبعث له لواء وخلعا، ثم أخذ ابن بويه يماطل بحمل المال (٣). وفيها: مات المهدي صاحب المغرب، وكانت أيامه خمسا وعشرين سنة؛ وهو جد خلفاء المصريين الذين يسمونهم الجهلة: بالفاطميين؛ فإن المهدي هذا ادعى أنه علوي، وإنما جده مجوسي، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: (جد عبيد الله الملقب بالمهدي: مجوسي، دخل عبيد الله المغرب، وادعى أنه علوي، ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وكان باطنيا خبيثا، حريصا على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء؛ ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده

стр. 579

على أسلوبه: أباحوا الخمور والفروج، وأشاعوا الرفض، وقام بالأمر بعد موت هذا ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد) (١). وفي هذه السنة: ظهر محمد بن علي الشلمغاني، المعروف بابن أبي العزاقر، وقد شاع عنه أنه يدعي الإلهية، وأنه يحيي الموتى، فقتل وصلب، وقتل معه جماعة من أصحابه (٢) وفيها: توفي أبو جعفر السجزي أحد الحجاب، قيل: بلغ من العمر مئة وأربعين سنة، وحواسه جيدة (٣) وفيها: انقطع الحج من بغداد إلى سنة سبع وعشرين (٤) وفي سنة ثلاث وعشرين: تمكن الراضي بالله، وقلد ابنيه: أبا الفضل وأبا جعفر المشرق والمغرب (٥) وفيها: كانت واقعة ابن شنبوذ المشهورة، واستتابته عن القراءة بالشاذ والمحضر الذي كتب عليه، وذلك بحضرة الوزير أبي علي بن مقلة (٦) وفيها: في جمادى الأولى: هبت ريح عظيمة ببغداد، واسودت الدنيا، وأظلمت من العصر إلى المغرب (٧)

стр. 580

وفيها: في ذي القعدة: انقضت النجوم سائر الليل انقضاضا عظيما ما رئي مثله (١) وفي سنة أربع وعشرين: تغلب محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها، وحكم على البلاد، وبطل أمر الوزارة والدواوين، وتولى هو الجميع وكتابه، وصارت الأموال تحمل إليه، وبطلت بيوت المال، وبقي الراضي معه صورة وليس له من الخلافة إلا الاسم (٢) وفي سنة خمس وعشرين: اختل الأمر جدا، وصارت البلاد بين خارجي قد تغلب عليها، أو عامل لا يحمل مالا، وصاروا مثل ملوك الطوائف، ولم يبق بيد الراضي غير بغداد والسواد مع كون يد ابن رائق عليه (٣) ولما ضعف أمر الأمة في هذه الأزمان، ووهت أركان الدولة العباسية، وتغلبت القرامطة والمبتدعة على الأقاليم .. قويت همة صاحب الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني، وقال: أنا أولى الناس بالخلافة، وتسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين الله، واستولى على أكثر الأندلس، وكانت له الهيبة الزائدة، والجهاد والغزو، والسيرة المحمودة، استأصل المتغلبين، وفتح سبعين حصنا، فصار المسمون بأمير المؤمنين في الدنيا ثلاثة: العباسي ببغداد، وهذا بالأندلس، والمهدي بالقيروان وفي سنة ست وعشرين: خرج بحكم على ابن رائق فظهر عليه، واختفى ابن رائق، فدخل بجكم بغداد، فأكرمه الراضي ورفع منزلته، ولقبه: أمير الأمراء، وقلده إمارة بغداد وخراسان (٤)

стр. 581

وفي سنة سبع وعشرين: كتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي إلى القرمطي وكان يحبه: أن يطلق طريق الحاج ويعطيه عن كل جمل خمسة دنانير، فأذن وحج الناس، وهي أول سنة أخذ فيها المكس من الحجاج (١). وفي سنة ثمان وعشرين: غرقت بغداد غرقا عظيما، حتى بلغت زيادة الماء تسعة عشر ذراعا، وغرق الناس والبهائم، وانهدمت الدور (٢). وفي سنة تسع وعشرين: اعتل الراضي ومات في ربيع الآخر، وله إحدى وثلاثون سنة ونصف، وكان سمحا كريما، أديبا شاعرا فصيحا، محبا للعلماء، وله شعر مدون، سمع الحديث من البغوي وغيره (٣). [من فضائل الراضي] قال الخطيب: (للراضي فضائل؛ منها: أنه آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال، وآخر خليفة خطب يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء، وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين، وآخر خليفة سافر بزي القدماء) (٤) ومن شعره (٥): [من مجزوء الخفيف] كل صفو إلى كدر … كل أمر إلى حذر ومصير الشباب للـ … موت فيه أو الكدر در در المشيب من … واعظ ينذر البشر

стр. 582

أيها الآمل الذي تاه في لجة الغرر … أين من كان قبلنا ذهب الشخص والأثر رب فاغفر لي الخطيئة يا خير من غفر ذكر أبو الحسن بن رزقويه عن إسماعيل الخطبي قال: (وجه إلي الراضي ليلة الفطر، فجئت إليه فقال: يا إسماعيل؛ قد عزمت في غد على الصلاة بالناس، فما الذي أقول إذا انتهيت إلى الدعاء لنفسي؟ فأطرقت ساعة، ثم قلت: يا أمير المؤمنين: ﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على … ﴾ الآية، فقال لي: حسبك، ثم تبعني خادم فأعطاني أربع مئة دينار) (١). [من مات في عهده] مات في أيامه من الأعلام: نفطويه، وابن مجاهد المقرئ، وابن كاس الحنفي، وابن أبي حاتم، ومبرمان، وابن عبد ربه صاحب «العقد»، والإصطخري شيخ الشافعية، وابن شنبوذ، وأبو بكر الأنباري، وآخرون.

стр. 583

خلافة المتقي لله [٣٢٩ - ٣٣٣ هـ] (١) أبو إسحاق، إبراهيم بن المقتدر بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الراضي، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، وأمه: أمة، اسمها: خلوب، وقيل: زهرة، ولم يغير شيئا قط، ولا تسرى على جاريته التي كانت له. وكان كثير الصوم والتعبد، لم يشرب نبيذا قط، وكان يقول: لا أريد نديما غير المصحف، ولم يكن له سوى الاسم، والتدبير لأبي عبد الله أحمد بن علي الكوفي كاتب بحكم (٢). وفي هذه السنة من ولايته: سقطت القبة الخضراء بمدينة المنصور، وكانت تاج بغداد، ومأثرة بني العباس، وهي من بناء المنصور، ارتفاعها: ثمانون ذراعا، وتحتها إيوان، طوله: عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وعليها تمثال فارس بيده رمح، فإذا استقبل بوجهه .. علم أن خارجيا يظهر من تلك الجهة، فسقط رأس هذه القبة في ليلة ذات مطر ورعد (٣). وفي هذه السنة: قتل بحكم التركي، فولي إمرة الأمراء مكانه كورتكين الديلمي (٤)، وأخذ المتقي حواصل بحكم التي كانت ببغداد، وهي زيادة على ألف ألف دينار (٥).

стр. 584

ثم في العام: ظهر ابن رائق، فقاتل تورتكين ببغداد، فهزم تورتكين واختفى، وولي ابن رائق إمرة الأمراء مكانه (١). وفي سنة ثلاثين: كان الغلاء ببغداد، فبلغ الكر الحنطة ثلاث مئة وستة عشر دينارا، واشتد القحط، وأكلوا الميتات، وكان قحطا لم ير ببغداد مثله أبدا (٢). [خروج البريدي وقتال سيف الدولة له] وفيها: خرج أبو الحسين علي بن محمد البريدي، فخرج لقتاله الخليفة وابن رائق، فهزما وهربا إلى الموصل، ونهبت بغداد ودار الخلافة، فلما وصل الخليفة إلى تكريت .. وجد هناك سيف الدولة أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان وأخاه الحسن، وقتل ابن رائق غيلة، فولى الخليفة مكانه الحسن بن حمدان، ولقبه: ناصر الدولة، وخلع على أخيه، ولقبه: سيف الدولة، وعاد إلى بغداد وهما معه، فهرب البريدي إلى واسط. ثم ورد الخبر في ذي القعدة: أن البريدي يريد بغداد، فاضطرب الناس، وهرب وجوه أهل بغداد، وخرج الخليفة ليكون مع ناصر الدولة، وسار سيف الدولة لقتال البريدي، فكانت بينهما وقعة هائلة بقرب المدائن، وهزم البريدي، فعاد بالويل إلى واسط، فساق سيف الدولة إلى واسط، فانهزم البريدي إلى البصرة (٣). وفي سنة إحدى وثلاثين: وصلت الروم إلى أرزن وميافارقين ونصيبين، فقتلوا وسبوا، ثم طلبوا منديلا في كنيسة الرها يزعمون أن المسيح مسح به.

стр. 585

وجهه، فارتسمت صورته فيه، على أنهم يطلقون جميع من سبوا، فأرسل إليهم وأطلقوا الأسرى (١). وفيها: هاج الأمراء بواسط على سيف الدولة، فهرب في البرية يريد بغداد، ثم سار إلى الموصل أخوه ناصر الدولة خائفا لهروب أخيه. [خروج توزون وسمل المتقي وما جرى] وسار من واسط توزون، فقصد بغداد وقد هرب منه سيف الدولة إلى الموصل، فدخل توزون بغداد في رمضان، فخلع عليه المتقي، وولاه أمير الأمراء. ثم وقعت الوحشة بين المتقي وتوزون، فأرسل توزون أبا جعفر بن شيرزاد من واسط إلى بغداد، فحكم عليها وأمر ونهى. فكاتب المتقي ابن حمدان بالقدوم عليه، فقدم في جيش عظيم، واستتر ابن شيرزاد، فسار المتقي بأهله إلى تكريت، وخرج ناصر الدولة بجيش كثير من الأعراب والأكراد إلى قتال توزون، فالتقيا بعكبرا، فانهزم ابن حمدان والمتقي إلى الموصل. ثم تلاقوا مرة أخرى، فانهزم ابن حمدان والخليفة إلى نصيبين، فكتب الخليفة إلى الإخشيد صاحب مصر: أن يحضر إليه، ثم بان له من بني حمدان الملل والضجر، فراسل الخليفة توزون في الصلح، فأجاب وحلف وبالغ في الأيمان. ثم حضر الإخشيد إلى المتقي وهو بالرقة وقد بلغته مصالحة توزون، فقال: (يا أمير المؤمنين؛ أنا عبدك وابن عبدك، وقد عرفت الأتراك وفجورهم وغدرهم، فالله الله في نفسك، سر معي إلى مصر؛ فهي لك وتأمن على نفسك) فلم يقبل، فرجع الإخشيد إلى بلاده.

стр. 586

وخرج المتقي من الرقة إلى بغداد في رابع محرم، سنة ثلاث وثلاثين، وخرج للقائه توزون، فالتقيا بين الأنبار وهيت، فترجل توزون، وقبل الأرض، فأمره المتقي بالركوب، فلم يفعل، ومشى بين يديه إلى المخيم الذي ضربه له، فلما نزل .. قبض عليه وعلى ابن مقلة ومن معه، ثم كحل الخليفة، وأدخل بغداد مسمول العينين، وقد أخذ منه الخاتم والبردة والقضيب، وأحضر توزون عبد الله بن المكتفي، وبايعه بالخلافة، ولقب: المستكفي بالله، ثم بايعه المتقي المسمول، وأشهد على نفسه بالخلع؛ وذلك لعشر بقين من المحرم، وقيل: من صفر (١). ولما كحل .. قال القاهر (٢): صرت وإبراهيم شيخي عمى … لا بد للشيخين من مصدر ما دام توزون له إمرة … مطاعة فالميل في المجمر ولم يحل الحول على توزون حتى مات (٣). وأما المتقي .. فإنه أخرج إلى جزيرة مقابل السندية، فحبس بها، فأقام في السجن خمسا وعشرين سنة إلى أن مات في شعبان، سنة سبع وخمسين (٤). وفي أيام المتقي: كان حمدي اللص، ضمنه ابن شيرزاد لما تغلب على بغداد اللصوصية بها بخمسة وعشرين ألف دينار في الشهر، فكان يكبس بيوت الناس بالمشعل والشمع ويأخذ الأموال، وكان أسكورج الديلمي قد ولي شرطة بغداد، فأخذه ووسطه؛ وذلك سنة اثنتين وثلاثين (٥)

стр. 587

[من مات في عهده] ومات في أيام المتقي من الأعلام: أبو يعقوب النهرجوري أحد أصحاب الجنيد، والقاضي أبو عبد الله المحاملي، وأبو بكر الفرغاني الصوفي، والحافظ أبو العباس بن عقدة، وابن ولاد النحوي، وآخرون. ولما بلغ القاهر أنه سمل .. قال: (صرنا اثنين، ونحتاج إلى ثالث) فكان كذلك؛ شمل المستكفي (١).

стр. 588

خلافة المستكفي بالله [٣٣٣ _ ٣٣٤ هـ] (١) أبو القاسم، عبد الله بن المكتفي بن المعتضد، أمه: أم ولد، اسمها: أملح الناس، بويع له بالخلافة عند خلع المتقي في صفر، سنة ثلاث وثلاثين، وعمره: إحدى وأربعون سنة، ومات توزون في أيامه، ومعه كاتبه أبو جعفر بن شيرزاد، فطمع في المملكة، وحلف العساكر لنفسه، فخلع عليه الخليفة. ثم دخل أحمد بن بويه بغداد، فاختفى ابن شيرزاد، ودخل ابن بويه دار الخلافة، فوقف بين يدي الخليفة، فخلع عليه، ولقبه: معز الدولة، ولقب أخاه عليا: عماد الدولة، وأخاهما الحسن: ركن الدولة، وضربت ألقابهم على السكة، ولقب المستكفي نفسه: إمام الحق، وضرب ذلك على السكة. [استيلاء المعز وسمل المستكفي] ثم إن معز الدولة قوي أمره، وحجر على الخليفة، وقرر له كل يوم برسم النفقة خمسة آلاف درهم فقط، وهو أول من ملك العراق من الديلم، وأول من أظهر السعاة ببغداد، وأغوى المصارعين والسباحين، فانهمك شباب بغداد في تعلم المصارعة والسباحة حتى صار السباح يسبح وعلى يده كانون فوقه قدرة، فيسبح حتى ينضج اللحم (٢). ثم إن معز الدولة تخيل من المستكفي، فدخل عليه في جمادى الآخرة، سنة أربع وثلاثين، فوقف والناس وقوف على مراتبهم، فتقدم اثنان من الديلم إلى

стр. 589

الخليفة، فمد يده إليهما ظنا أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه من السرير وطرحاه إلى الأرض، وجراه بعمامته، وهجم الديلم دار الخلافة إلى الحرم ونهبوها، فلم يبق فيها شيء، ومضى معز الدولة إلى منزله، وساقوا المستكفي ماشيا إليه، وخلع وسملت عيناه يومئذ، وكانت خلافته سنة وأربعة أشهر (١). وأحضروا الفضل بن المقتدر وبايعوه، ثم قدموا ابن عمه المستكفي فسلم عليه بالخلافة، وأشهد على نفسه بالخلع، ثم سجن إلى أن مات سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة، وله ست وأربعون سنة، وكان يتظاهر بالتشيع (٢)

стр. 590

خلافة المطيع لله [٣٣٤ - ٣٦٣ هـ] (١) أبو القاسم، الفضل بن المقتدر بن المعتضد، أمه: أم ولد، اسمها: مشغلة، ولد سنة إحدى وثلاث مئة، وبويع له بالخلافة عند خلع المستكفي، وقرر له معز الدولة كل يوم نفقة مئة دينار فقط. وفي هذه السنة من خلافته: اشتد الغلاء ببغداد حتى أكلوا الجيف والروث، وماتوا على الطرق، وأكلت الكلاب لحومهم، وبيع العقار بالرغفان، ووجدت الصغار مشوية مع المساكين، واشتري لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم والكر: سبعة عشر قنطارا بالدمشقي (٢). وفيها: وقع بين معز الدولة وبين ناصر الدولة بن حمدان، فخرج لقتاله ومعه المطيع، ثم رجع والمطيع معه كالأسير (٣). [موت الإخشيد وبيان معاني بعض الألقاب] وفيها: مات الإخشيد صاحب مصر، وهو محمد بن طغج الفرغاني، والإخشيد معناه: ملك الملوك، وهو لقب لكل من ملك فرغانة، كما أن الأصبهبد (٤): لقب ملك طبرستان، وصول: ملك جرجان، وخاقان: ملك

стр. 591

الترك، والأفشين: ملك أشر وسنة، وسامان: ملك سمرقند. وكان الإخشيد شجاعا مهيبا، ولي مصر من قبل القاهر، وكان له ثمانية آلاف مملوك، وهو أستاذ كافور (١) وفيها: مات القائم العبيدي صاحب المغرب، وقام بعده ولي عهده ابنه المنصور بالله إسماعيل، وكان القائم شرا من أبيه، زنديقا ملعونا، أظهر سب الأنبياء، وكان مناديه ينادي: العنوا الغار وما حوى، وقتل خلقا من العلماء (٢). وفي سنة خمس وثلاثين: جدد معز الدولة الأيمان بينه وبين المطيع، وأزال عنه التوكيل، وأعاده إلى دار الخلافة (٣) وفي سنة ثمان وثلاثين: سأل معز الدولة أن يشرك معه في الأمر أخوه علي ابن بويه عماد الدولة، ويكون من بعده، فأجابه المطيع، ثم لم ينشب أن مات عماد الدولة من عامه، فأقام المطيع أخاه ركن الدولة والد عضد الدولة. وفي سنة تسع وثلاثين: أعيد الحجر الأسود إلى موضعه، وجعل له طوق فضة يشد به، وزنه ثلاثة آلاف وسبع مئة وتسعون درهما ونصف (٤) قال محمد بن نافع الخزاعي: (تأملت الحجر الأسود وهو مقلوع؛ فإذا السواد في رأسه فقط وسائره أبيض، وطوله قدر عظم الذراع) (٥)

стр. 592

وفي سنة إحدى وأربعين: ظهر قوم من التناسخية؛ فيهم شاب يزعم أن روح علي انتقلت إليه، وامرأة تزعم أن روح فاطمة انتقلت إليها، وآخر يدعي أنه جبريل، فضربوا، فتعززوا بالانتماء إلى أهل البيت، فأمر معز الدولة بإطلاقهم؛ لميله إلى أهل البيت، فكان هذا من أفعاله الملعونة (١). وفيها: مات المنصور العبيدي صاحب المغرب بالمنصورية التي مصرها، وقام بالأمر ولي عهده ابنه معد، ولقب: بالمعز لدين الله؛ وهو الذي بنى القاهرة، وكان المنصور أحسن السيرة بعد أبيه، وأبطل المظالم، فأحبه الناس، وأحسن أيضا ابنه السيرة وصفت له المغرب (٢). وفي سنة ثلاث وأربعين: خطب صاحب خراسان للمطيع، ولم يكن خطب له قبل ذلك، فبعث إليه المطيع اللواء والخلع (٣). وفي سنة أربع وأربعين: زلزلت مصر زلزلة صعبة هدمت البيوت، ودامت ثلاث ساعات، وفزع الناس إلى الله بالدعاء (٤). وفي سنة ست وأربعين: نقص البحر ثمانين ذراعا وظهر فيه جبال وجزائر وأشياء لم تعهد. وكان بالري ونواحيها زلازل عظيمة، وخسف ببلد الطالقان، ولم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين رجلا، وخسف بمئة وخمسين قرية من قرى الري، واتصل الأمر إلى حلوان فخسف بأكثرها، وقذفت الأرض عظام الموتى، وتفجرت منها

стр. 593

المياه، وتقطع بالري جبل، وعلقت قرية بين السماء والأرض بمن فيها نصف النهار ثم خسف بها، وانخرقت الأرض خروقا عظيمة، وخرج منها مياه منتنة ودخان عظيم، هكذا نقل ابن الجوزي (١). وفي سنة سبع وأربعين: عادت الزلازل بقم وحلوان والجبال، فأتلفت خلقا عظيما، وجاء جراد طبق الدنيا، فأتى على جميع الغلات والأشجار (٢). وفي سنة خمسين: بنى معز الدولة ببغداد دارا هائلة عظيمة، أساسها في الأرض ستة وثلاثون ذراعا (٣). وفيها: قلد القضاء أبا العباس عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب، وركب بالخلع من دار معز الدولة وبين يديه الدبادب والبوقات، وفي خدمته الجيش، وشرط على نفسه أن يحمل في كل سنة إلى خزانة معز الدولة مئتي ألف درهم، وكتب عليه بذلك سجلا، وامتنع المطيع من تقليده، ومن دخوله عليه، وأمر ألا يمكن من الدخول إليه أبدا (٤). وفيها: ضمن معز الدولة الحسبة ببغداد والشرطة، وكل ذلك عقب ضعفة ضعفها وعوفي منها، فلا كان الله عافاه (٥). وفيها: أخذت الروم جزيرة أفريطش من المسلمين، وكانت فتحت في حدود الثلاثين ومئتين (٦). وفيها: توفي صاحب الأندلس الناصر لدين الله، وقام بعده ابنه الحكم (٧).

стр. 594

وفي سنة إحدى وخمسين: كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد: لعنة معاوية، ولعنة من غصب فاطمة حقها من فدك، ومن منع الحسن أن يدفن مع جده، ولعنة من نفى أبا ذر، ثم إن ذلك محي في الليل، فأراد معز الدولة أن يعيده، فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله ﷺ ، وصرحوا بلعنة معاوية فقط (١). وفي سنة اثنتين وخمسين يوم عاشوراء: ألزم معز الدولة الناس بغلق الأسواق، ومنع الطباخين من الطبخ، ونصبوا القباب في الأسواق، وعلقوا عليها المسوح، وأخرجوا نساء منشرات الشعور يلطمن في الشوارع، ويقمن المأتم على الحسين، وهذا أول يوم نيح عليه ببغداد، واستمرت هذه البدعة سنين (٢). وفي ثامن عشر ذي الحجة منها: عمل عيد غدير خم، وضربت الدبادب (٣). [قصة التصاق أخوين] وفي هذه السنة: بعث بعض بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين ملتصقين، عمرهما خمس وعشرون سنة، والالتصاق في الجنب، ولهما بطنان وسرتان ومعدتان، ويختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبولهما، ولكل واحد كتفان وذراعان ويدان وفخذان وساقان وإحليل، وكان أحدهما يميل إلى النساء، والآخر يميل إلى المرد، ومات أحدهما وبقي أياما وأخوه حي، فأنتن، وجمع ناصر الدولة الأطباء على أن يقدروا على فصل الميت من الحي فلم يقدروا، ثم مرض الحي من رائحة الميت ومات (٤).

стр. 595

وفي سنة ثلاث وخمسين: عمل لسيف الدولة خيمة عظيمة ارتفاع عمودها خمسون ذراعا (١). وفي سنة أربع وخمسين: ماتت أخت معز الدولة، فنزل المطيع في طيارة إلى دار معز الدولة يعزيه، فخرج إليه معز الدولة، ولم يكلفه الصعود من الطيارة، وقبل الأرض مرات، ورجع الخليفة إلى داره (٢). وفيها: بنى نقفور ملك الروم قيسارية قريبا من بلاد المسلمين وسكنها؛ ليغير كل وقت (٣). وفي سنة ست وخمسين: مات معز الدولة، فأقيم ابنه بختيار مكانه في السلطنة، ولقبه المطيع: عز الدولة (٤). [استيلاء القرامطة على دمشق] وفي سنة سبع: ملك القرامطة دمشق، ولم يحج أحد فيها لا من الشام ولا من مصر، وعزموا على قصد مصر ليملكوها، فجاء العبيديون فأخذوها، وقامت دولة الرفض في الأقاليم: المغرب ومصر والعراق (٥). وذلك أن كافورا الإخشيدي صاحب مصر لما مات .. اختل النظام، وقلت الأموال على الجند، فكتب جماعة إلى المعز يطلبون منه عسكرا؛ ليسلموا إليه مصر، فأرسل مولاه جوهرا القائد في مئة ألف فارس، فملكها ونزل موضع

стр. 596

القاهرة اليوم واختطها، وبنى دار الإمارة للمعز، وهي المعروفة الآن بالقصرين، وقطع خطبة بني العباس، ولبس السواد، وألبس الخطباء البياض، وأمر أن يقال في الخطبة: (اللهم؛ صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، وصل على الأئمة آباء أمير المؤمنين المعز بالله؛ وذلك كله في شعبان، سنة ثمان وخمسين) (١) ثم في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين: أذنوا بمصر بـ (حي على خير العمل) وشرعوا في بناء الجامع الأزهر، ففرغ في رمضان، سنة إحدى وستين (٢) وفي سنة تسع وخمسين: انقض بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا، حتى صار كأنه شعاع الشمس، وسمع بعد انقضاضه صوت كالرعد الشديد (٣) وفي سنة ستين: أعلن المؤذنون بدمشق في الأذان بـ (حي على خير العمل) بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعز بالله، ولم يجسر أحد على مخالفته (٤) وفي سنة اثنين وستين: صادر السلطان بختيار المطيع، فقال المطيع: أنا ليس لي غير الخطبة، فإن أحببتم .. اعتزلت، فشدد عليه حتى باع قماشه، وحمل أربع مئة ألف درهم، وشاع في الألسنة أن الخليفة صودر (٥) وفيها: قتل رجل من أعوان الوالي ببغداد، فبعث الوزير أبو الفضل الشيرازي

стр. 597

من طرح النار من النحاسين إلى السماكين، فاحترق حريق عظيم لم ير مثله، واحترقت أموال وأناس كثيرون في الدور وفي الحمامات، وهلك الوزير من عامه، لا ﵀ (١). وفي رمضان من هذه السنة: دخل المعز إلى مصر ومعه توابيت آبائه (٢) [تولية محمد ابن أم شيبان القضاء وصورة العهد] وفي سنة ثلاث وستين: قلد المطيع القضاء أبا الحسن محمد ابن أم شيبان الهاشمي بعد تمنع، وشرط لنفسه شروطا منها: ألا يرتزق على القضاء، ولا يخلع عليه، ولا يشفع إليه فيما يخالف الشرع، وقرر لكاتبه في كل شهر ثلاث مئة درهم، ولحاجبه مئة وخمسين، وللعارض على بابه مئة (٣)، ولخازن ديوان الحكم وللأعوان ست مئة، وكتب له عهد صورته: (هذا ما عهد عبد الله الفضل المطيع الله أمير المؤمنين إلى محمد بن صالح الهاشمي، حين دعاه إلى ما يتولاه من القضاء بين أهل مدينة السلام مدينة المنصور، والمدينة الشرقية من الجانب الشرقي والجانب الغربي، والكوفة، وشقي الفرات، وواسط، وكوخي (٤)، وطريق الفرات، ودجلة، وطريق خراسان، وحلوان وقرميسين، وديار مضر، وديار ربيعة، وديار بكر، والموصل، والحرمين، واليمن، ودمشق، وحمص، وجند قنسرين، والعواصم، ومصر، والإسكندرية، وجند فلسطين، والأردن، وأعمال ذلك كلها، وما يجري من ذلك من الإشراف على من يختاره لنقابة من العباسيين بالكوفة، وشقي الفرات وأعمال ذلك. وما قلده إياه من قضاء القضاة، وتصفح أحوال الحكام، والاستشراف على ما يجري عليه أمر الأحكام في سائر النواحي والأمصار التي تشتمل عليه

стр. 598

المملكة، وتنتهي إليها الدعوة، وإقرار من يحمد هديه وطريقته، والاستبدال بمن يذم سمته وسجيته؛ احتياطا للخاصة والعامة، وحنوا على الملة والذمة، عن علم بأنه المقدم في بيته وشرفه، المبرز في عفافه، المزكى في دينه وأمانته، الموصوف في ورعه ونزاهته، المشار إليه بالعلم والحجى، المجتمع عليه في الحلم والنهي، البعيد من الأدناس، اللباس من التقى أجمل لباس، النقي الجيب، المخبور بصفاء الغيب، العالم بمصالح الدنيا، العارف بما يفيد سلامة العقبى. آمره بتقوى الله؛ فإنها الجنة الواقية، وليجعل كتاب الله في كل ما يعمل فيه رويته، ويرتب عليه حكمه وقضيته، إمامه الذي يفزع إليه، وعماده الذي يعتمد عليه، وأن يتخذ سنة رسول الله ﷺ منارا يقصده، ومثالا يتبعه، وأن يراعي الإجماع، وأن يقتدي بالأئمة الراشدين، وأن يعمل اجتهاده فيما لا يوجد فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع. وأن يحضر مجلسه من يستظهر بعلمه ورأيه، وأن يسوي بين الخصمين إذا تقدما إليه في لحظه ولفظه، ويوفي كلا منهما من إنصافه وعدله، حتى يأمن الضعيف حيفه، وييئس القوي من ميله. وأمره أن يشرف على أعوانه وأصحابه، ومن يعتمد عليه من أمنائه وأسبابه، إشرافا يمنع من التخطي إلى السيرة المحظورة، ويدفع عن الإشفاق إلى المكاسب المحجورة … ) وذكر من هذا الجنس كلاما طويلا (١). قلت: كان الخلفاء يولون القاضي المقيم ببلدهم القضاء بجميع الأقاليم والبلاد التي تحت ملكهم، ثم يستنيب القاضي من تحت أمره من شاء في كل إقليم وفي كل بلد؛ ولهذا كان يلقب قاضي القضاة، ولا يلقب به إلا من هو بهذه الصفة، ومن عداه بالقاضي فقط، أو قاضي بلد كذا. وأما الآن .. فصار في البلد الواحد أربعة مشتركون؛ كل منهم يلقب قاضي القضاة، ولعل آحاد نواب أولائك كان في حكمه أضعاف ما كان في حكم الواحد.

стр. 599

من قضاة القضاة الآن، ولقد كان قاضي القضاة إذ ذاك أوسع حكما من سلاطين هذا الزمان. [خلع المطيع وتولية الطائع] وفي هذه السنة - أعني: سنة ثلاث وستين -: حصل للمطيع فالج، وثقل لسانه، فدعاه حاجب عز الدولة الحاجب سبكتكين إلى خلع نفسه، وتسليم الأمر إلى ولده الطائع الله، ففعل وعقد له الأمر في يوم الأربعاء، ثالث عشر ذي القعدة، فكانت مدة خلافة المطيع تسعا وعشرين سنة وأشهرا، وأثبت خلعه على القاضي ابن أم شيبان، وصار بعد خلعه يسمى الشيخ الفاضل (١). [وفاة المطيع] قال الذهبي: (وكان المطيع وابنه مستضعفين مع بني بويه، ولم يزل أمر الخلفاء في ضعف إلى أن استخلف المقتفي الله، فانصلح أمر الخلافة قليلا، وكان دشت الخلافة لبني عبيد الرافضة بمصر أمتن (٢)، وكلمتهم أنفذ، ومملكتهم تناطح مملكة العباسيين في وقتهم، وخرج المطيع إلى واسط مع ولده، فمات في محرم، سنة أربع وستين) (٣). قال ابن شاهين: (خلع نفسه غير مكره فيما صح عندي). قال الخطيب: (حدثني محمد بن يوسف القطان، سمعت أبا الفضل التميمي، سمعت المطيع الله، سمعت شيخي ابن منيع، سمعت أحمد ابن حنبل يقول: إذا مات أصدقاء الرجل .. ذل) (٤).

стр. 600

[من مات في عهده] وممن مات في أيام المطيع من الأعلام: الخرقي شيخ الحنابلة، وأبو بكر الشبلي الصوفي، وابن القاص إمام الشافعية، وأبو رجاء الأشواني، وأبو بكر الصولي، والهيثم بن كليب الشاشي، وأبو الطيب الصعلوكي، وأبو جعفر ابن النحاس النحوي، وأبو نصر الفارابي، وأبو إسحاق المروزي إمام الشافعية، وأبو القاسم الزجاجي النحوي، والكرخي شيخ الحنفية، والدينوري صاحب «المجالسة»، وأبو بكر الصبغي، والقاضي أبو القاسم التنوخي، وابن الحداد صاحب «الفروع»، وأبو علي ابن أبي هريرة من كبار الشافعية، وأبو عمر الزاهد، والمسعودي صاحب «مروج الذهب»، وابن درستويه، وأبو علي الطبري أول من جرد الخلاف، والفاكهي صاحب «تاريخ مكة»، والمتنبي الشاعر، وابن حبان صاحب «الصحيح»، وابن شعبان من أئمة المالكية، وأبو علي القالي، وأبو الفرج صاحب «الأغاني».
следующие страницы →