← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

القاهرة اليوم واختطها، وبنى دار الإمارة للمعز، وهي المعروفة الآن بالقصرين، وقطع خطبة بني العباس، ولبس السواد، وألبس الخطباء البياض، وأمر أن يقال في الخطبة: (اللهم؛ صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، وصل على الأئمة آباء أمير المؤمنين المعز بالله؛ وذلك كله في شعبان، سنة ثمان وخمسين) (١) ثم في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين: أذنوا بمصر بـ (حي على خير العمل) وشرعوا في بناء الجامع الأزهر، ففرغ في رمضان، سنة إحدى وستين (٢) وفي سنة تسع وخمسين: انقض بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا، حتى صار كأنه شعاع الشمس، وسمع بعد انقضاضه صوت كالرعد الشديد (٣) وفي سنة ستين: أعلن المؤذنون بدمشق في الأذان بـ (حي على خير العمل) بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعز بالله، ولم يجسر أحد على مخالفته (٤) وفي سنة اثنين وستين: صادر السلطان بختيار المطيع، فقال المطيع: أنا ليس لي غير الخطبة، فإن أحببتم .. اعتزلت، فشدد عليه حتى باع قماشه، وحمل أربع مئة ألف درهم، وشاع في الألسنة أن الخليفة صودر (٥) وفيها: قتل رجل من أعوان الوالي ببغداد، فبعث الوزير أبو الفضل الشيرازي

стр. 597

من طرح النار من النحاسين إلى السماكين، فاحترق حريق عظيم لم ير مثله، واحترقت أموال وأناس كثيرون في الدور وفي الحمامات، وهلك الوزير من عامه، لا ﵀ (١). وفي رمضان من هذه السنة: دخل المعز إلى مصر ومعه توابيت آبائه (٢) [تولية محمد ابن أم شيبان القضاء وصورة العهد] وفي سنة ثلاث وستين: قلد المطيع القضاء أبا الحسن محمد ابن أم شيبان الهاشمي بعد تمنع، وشرط لنفسه شروطا منها: ألا يرتزق على القضاء، ولا يخلع عليه، ولا يشفع إليه فيما يخالف الشرع، وقرر لكاتبه في كل شهر ثلاث مئة درهم، ولحاجبه مئة وخمسين، وللعارض على بابه مئة (٣)، ولخازن ديوان الحكم وللأعوان ست مئة، وكتب له عهد صورته: (هذا ما عهد عبد الله الفضل المطيع الله أمير المؤمنين إلى محمد بن صالح الهاشمي، حين دعاه إلى ما يتولاه من القضاء بين أهل مدينة السلام مدينة المنصور، والمدينة الشرقية من الجانب الشرقي والجانب الغربي، والكوفة، وشقي الفرات، وواسط، وكوخي (٤)، وطريق الفرات، ودجلة، وطريق خراسان، وحلوان وقرميسين، وديار مضر، وديار ربيعة، وديار بكر، والموصل، والحرمين، واليمن، ودمشق، وحمص، وجند قنسرين، والعواصم، ومصر، والإسكندرية، وجند فلسطين، والأردن، وأعمال ذلك كلها، وما يجري من ذلك من الإشراف على من يختاره لنقابة من العباسيين بالكوفة، وشقي الفرات وأعمال ذلك. وما قلده إياه من قضاء القضاة، وتصفح أحوال الحكام، والاستشراف على ما يجري عليه أمر الأحكام في سائر النواحي والأمصار التي تشتمل عليه

стр. 598

المملكة، وتنتهي إليها الدعوة، وإقرار من يحمد هديه وطريقته، والاستبدال بمن يذم سمته وسجيته؛ احتياطا للخاصة والعامة، وحنوا على الملة والذمة، عن علم بأنه المقدم في بيته وشرفه، المبرز في عفافه، المزكى في دينه وأمانته، الموصوف في ورعه ونزاهته، المشار إليه بالعلم والحجى، المجتمع عليه في الحلم والنهي، البعيد من الأدناس، اللباس من التقى أجمل لباس، النقي الجيب، المخبور بصفاء الغيب، العالم بمصالح الدنيا، العارف بما يفيد سلامة العقبى. آمره بتقوى الله؛ فإنها الجنة الواقية، وليجعل كتاب الله في كل ما يعمل فيه رويته، ويرتب عليه حكمه وقضيته، إمامه الذي يفزع إليه، وعماده الذي يعتمد عليه، وأن يتخذ سنة رسول الله ﷺ منارا يقصده، ومثالا يتبعه، وأن يراعي الإجماع، وأن يقتدي بالأئمة الراشدين، وأن يعمل اجتهاده فيما لا يوجد فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع. وأن يحضر مجلسه من يستظهر بعلمه ورأيه، وأن يسوي بين الخصمين إذا تقدما إليه في لحظه ولفظه، ويوفي كلا منهما من إنصافه وعدله، حتى يأمن الضعيف حيفه، وييئس القوي من ميله. وأمره أن يشرف على أعوانه وأصحابه، ومن يعتمد عليه من أمنائه وأسبابه، إشرافا يمنع من التخطي إلى السيرة المحظورة، ويدفع عن الإشفاق إلى المكاسب المحجورة … ) وذكر من هذا الجنس كلاما طويلا (١). قلت: كان الخلفاء يولون القاضي المقيم ببلدهم القضاء بجميع الأقاليم والبلاد التي تحت ملكهم، ثم يستنيب القاضي من تحت أمره من شاء في كل إقليم وفي كل بلد؛ ولهذا كان يلقب قاضي القضاة، ولا يلقب به إلا من هو بهذه الصفة، ومن عداه بالقاضي فقط، أو قاضي بلد كذا. وأما الآن .. فصار في البلد الواحد أربعة مشتركون؛ كل منهم يلقب قاضي القضاة، ولعل آحاد نواب أولائك كان في حكمه أضعاف ما كان في حكم الواحد.

стр. 599

من قضاة القضاة الآن، ولقد كان قاضي القضاة إذ ذاك أوسع حكما من سلاطين هذا الزمان. [خلع المطيع وتولية الطائع] وفي هذه السنة - أعني: سنة ثلاث وستين -: حصل للمطيع فالج، وثقل لسانه، فدعاه حاجب عز الدولة الحاجب سبكتكين إلى خلع نفسه، وتسليم الأمر إلى ولده الطائع الله، ففعل وعقد له الأمر في يوم الأربعاء، ثالث عشر ذي القعدة، فكانت مدة خلافة المطيع تسعا وعشرين سنة وأشهرا، وأثبت خلعه على القاضي ابن أم شيبان، وصار بعد خلعه يسمى الشيخ الفاضل (١). [وفاة المطيع] قال الذهبي: (وكان المطيع وابنه مستضعفين مع بني بويه، ولم يزل أمر الخلفاء في ضعف إلى أن استخلف المقتفي الله، فانصلح أمر الخلافة قليلا، وكان دشت الخلافة لبني عبيد الرافضة بمصر أمتن (٢)، وكلمتهم أنفذ، ومملكتهم تناطح مملكة العباسيين في وقتهم، وخرج المطيع إلى واسط مع ولده، فمات في محرم، سنة أربع وستين) (٣). قال ابن شاهين: (خلع نفسه غير مكره فيما صح عندي). قال الخطيب: (حدثني محمد بن يوسف القطان، سمعت أبا الفضل التميمي، سمعت المطيع الله، سمعت شيخي ابن منيع، سمعت أحمد ابن حنبل يقول: إذا مات أصدقاء الرجل .. ذل) (٤).

стр. 600

[من مات في عهده] وممن مات في أيام المطيع من الأعلام: الخرقي شيخ الحنابلة، وأبو بكر الشبلي الصوفي، وابن القاص إمام الشافعية، وأبو رجاء الأشواني، وأبو بكر الصولي، والهيثم بن كليب الشاشي، وأبو الطيب الصعلوكي، وأبو جعفر ابن النحاس النحوي، وأبو نصر الفارابي، وأبو إسحاق المروزي إمام الشافعية، وأبو القاسم الزجاجي النحوي، والكرخي شيخ الحنفية، والدينوري صاحب «المجالسة»، وأبو بكر الصبغي، والقاضي أبو القاسم التنوخي، وابن الحداد صاحب «الفروع»، وأبو علي ابن أبي هريرة من كبار الشافعية، وأبو عمر الزاهد، والمسعودي صاحب «مروج الذهب»، وابن درستويه، وأبو علي الطبري أول من جرد الخلاف، والفاكهي صاحب «تاريخ مكة»، والمتنبي الشاعر، وابن حبان صاحب «الصحيح»، وابن شعبان من أئمة المالكية، وأبو علي القالي، وأبو الفرج صاحب «الأغاني».

стр. 601

خلافة الطائع الله [٣٦٣ - ٣٨١ هـ] (١) أبو بكر، عبد الكريم بن المطيع، أمه: أم ولد، اسمها: هزار، نزل له أبوه عن الخلافة، وعمره ثلاث وأربعون سنة. فركب وعليه البردة ومعه الجيش، وبين يديه سبكتكين، وخلع من الغد على سبكتكين خلع السلطنة، وعقد له اللواء، ولقبه: نصر الدولة، ثم وقع بين عز الدولة وسبكتكين، فدعا سبكتكين الأتراك لنفسه، فأجابوه، وجرى بينه وبين عز الدولة حروب (٢). وفي ذي الحجة من هذه السنة: أقيمت الخطبة والدعوة بالحرمين للمعز العبيدي (٣). وفي سنة أربع وستين: قدم عضد الدولة بغداد لنصرة عز الدولة على سبكتكين، فأعجبته بغداد وملكها، فعمل عليها واستمال الجند، فشغبوا على عز الدولة، فأغلق بابه، وكتب عضد الدولة عن الطائع إلى الآفاق باستقرار الأمر لعضد الدولة، فوقع بين الطائع وبين عضد الدولة، فقطعت الخطبة للطائع بسبب ذلك ببغداد وغيرها من يوم العشرين من جمادى الأولى إلى أن أعيدت في عاشر رجب (٤).

стр. 602

وفي هذه السنة وبعدها: غلا الرفض وفار بمصر والشام والغرب والشرق، ونودي بقطع صلاة التراويح من جهة العبيدي (١). وفي سنة خمس وستين: نزل ركن الدولة ابن بويه عما بيده من الممالك لأولاده، فجعل لعضد الدولة: فارس وكرمان، ولمؤيد الدولة: الري وأصبهان، ولفخر الدولة: همذان والدينور (٢). وفي رجب منها: عمل مجلس الحكم في دار السلطان عز الدولة، وجلس قاضي القضاة ابن معروف وحكم؛ لأن عز الدولة التمس ذلك ليشاهد مجلس حكمه كيف هو (٣). [أسر غلام عز الدولة وفداؤه] وفيها: كانت وقعة بين عز الدولة وعضد الدولة، وأسر فيها غلام تركي لعز الدولة، فجن عليه واشتد حزنه، وامتنع من الأكل، وأخذ في البكاء، واحتجب عن الناس، وحرم على نفسه الجلوس في الدست، وكتب إلى عضد الدولة يسأله أن يرد الغلام إليه، ويتذلل فصار ضحكة بين الناس، وعوتب فما ارعوى لذلك، وبذل في فداء الغلام جاريتين عوديتين كان قد بذل له في الواحدة مئة ألف دينار، وقال للرسول: (إن توقف عليك في رده .. فزد ما رأيت ولا تفكر، فقد رضيت أن آخذه وأذهب إلى أقصى الأرض) فرده عضد الدولة عليه (٤). وفيها: أسقطت الخطبة من الكوفة لعز الدولة وأقيمت لعضد الدولة. وفيها: مات المعز لدين الله العبيدي صاحب مصر، وأول من ملكها من

стр. 603

العبيديين، وقام بالأمر بعده ابنه نزار، ولقب: العزيز (١). وفي سنة ست وستين: مات المستنصر بالله الحكم بن الناصر لدين الله الأموي صاحب الأندلس، وقام بعده ابنه المؤيد بالله هشام (٢). [انتصار عضد الدولة على عز الدولة وأسره] وفي سنة سبع وستين: التقى عز الدولة وعضد الدولة، فظفر عضد الدولة، وأخذ عز الدولة أسيرا، وقتله بعد ذلك، وخلع الطائع على عضد الدولة خلع السلطنة، وتوجه بتاج مجوهر، و وطوقه وسوره، وقلده سيفا. وعقد له لواءين بيده: أحدهما مفضض على رسم الأمراء، والآخر مذهب على رسم ولاة العهود، ولم يعقد هذا اللواء الثاني لغيره قبله. وكتب له عهد، وقرئ بحضرته، ولم تجر العادة بذلك، إنما كان يدفع العهد إلى الولاة بحضرة أمير المؤمنين، فإذا أخذه .. قال أمير المؤمنين: (هذا عهدي إليك فاعمل به) (٣). وفي سنة ثمان وستين: أمر الطائع بأن تضرب الدبادب على باب عضد الدولة في وقت الصبح والمغرب والعشاء، وأن يخطب له على منابر الحضرة. قال ابن الجوزي: (وهذان أمران لم يكونا من قبله، ولا أطلقا لولاة العهود، وقد كان معز الدولة أحب أن تضرب له الدبادب بمدينة السلام، فسأل المطيع في ذلك، فلم يأذن له) (٤).

стр. 604

وما حظي عضد الدولة بذلك إلا لضعف أمر الخلافة (١) [قدوم عضد الدولة على الطائع] وفي سنة تسع وستين: ورد رسول العزيز صاحب مصر إلى بغداد، وسأل عضد الدولة الطائع أن يزيد في ألقابه: تاج الملة، ويجدد الخلع عليه، ويلبسه التاج فأجابه، وجلس الطائع على السرير وحوله مئة بالسيوف والزينة، وبين يديه مصحف عثمان، وعلى كتفه البردة، وبيده القضيب، وهو متقلد بسيف رسول الله ﷺ ، وضربت ستارة بعثها عضد الدولة، وسأل أن تكون حجابا للطائع حتى لا يقع عليه عين أحد من الجند قبله، ودخل الأتراك والديلم وليس مع أحد منهم حديد، ووقف الأشراف وأصحاب المراتب من الجانبين، ثم أذن لعضد الدولة فدخل، ثم رفعت الستارة، وقبل عضد الدولة الأرض، فارتاع زياد القائد لذلك وقال لعضد الدولة: ما هذا أيها الملك؟! أهذا هو الله؟! فالتفت وقال: هذا خليفة الله في الأرض، ثم استمر يمشي ويقبل الأرض سبع مرات، فالتفت الطائع إلى خالص الخادم وقال: استدنه، فصعد عضد الدولة، فقبل الأرض دفعتين، فقال له: ادن إلي، فدنا وقبل رجله، وثني الطائع يمينه عليه، وأمره فجلس على كرسي بعد أن كرر عليه: اجلس، وهو يستعفي فقال له: أقسمت عليك لتجلسن؛ فقبل الكرسي وجلس. فقال له الطائع: (قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله إلي من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع جهاتها سوى خاصتي وأسبابي، فتول ذلك. فقال: يعينني الله على طاعة مولانا أمير المؤمنين وخدمته، ثم أفاض عليه الخلع وانصرف) (٢)

стр. 605

قلت: انظر إلى هذا الأمر وهو الخليفة المستضعف الذي لم تضعف الخلافة في زمن أحد ما ضعفت في زمنه، ولا قوي أمر سلطان ما قوي أمر عضد الدولة!! وقد صار الأمر في زماننا إلى أن الخليفة يأتي إلى السلطان يهنئه برأس الشهر، فأكثر ما يقع من السلطان في حقه أن ينزل عن مرتبته ويجلسان معا خارج المرتبة، ثم يقوم الخليفة يذهب كآحاد الناس، ويجلس السلطان في دشت مملكته. ولقد حدثت: أن السلطان الأشرف برسباي لما سافر إلى آمد لقتال العدو، وصحب الخليفة معه .. كان الخليفة راكبا أمامه يحجبه، والهيبة والعظمة للسلطان، والخليفة كآحاد الأمراء الذين في خدمة السلطان. وفي سنة سبعين: خرج من همذان عضد الدولة وقدم بغداد، فتلقاه الطائع ولم تجر عادة بخروج الخلفاء لتلقي أحد. فلما توفيت بنت معز الدولة .. ركب المطيع إليه فعزاه، فقبل الأرض، وجاء رسول عضد الدولة يطلب من الطائع أن يتلقاه، فما وسعه التأخر (١). وفي سنة اثنتين وسبعين: مات عضد الدولة، فولى الطائع مكانه في السلطنة ابنه صمصام الدولة، ولقبه: شمس الملة، وخلع عليه سبع خلع، وتوجه وعقد له لواءين (٢). ثم في سنة ثلاث وسبعين: مات مؤيد الدولة أخو عضد الدولة (٣).

стр. 606

وفي سنة خمس وسبعين: هم صمصام الدولة أن يجعل المكس على الثياب الحرير والقطن مما ينسج ببغداد ونواحيها، ودفع له في ضمان ذلك ألف ألف درهم في السنة، فاجتمع الناس في جامع المنصور، وعزموا على المنع من صلاة الجمعة، وكاد البلد يفتتن، فأعفاهم من ضمان ذلك (١). وفي سنة ست وسبعين: قصد شرف الدولة أخاه صمصام الدولة، فانتصر عليه وكحله، ومال العسكر إلى شرف الدولة، وقدم بغداد، وركب الطائع إليه يهنئه بالبلاد، وعهد إليه بالسلطنة وتوجه، وقرئ عهده والطائع يسمع (٢). وفي سنة ثمان وسبعين: أمر شرف الدولة برصد الكواكب السبعة في مسيرها كما فعل المأمون (٣). وفيها: اشتد الغلاء ببغداد جدا، وظهر الموت بها، ولحق الناس بالبصرة حر وسموم تساقط الناس منه، وجاءت ريح عظيمة بفم الصلح خرقت دجلة حتى ذكر أنه بانت أرضها، وغرقت كثيرا من السفن، واحتملت زورقا منحدرا وفيه دواب، وطرحت ذلك في أرض جوخى، فشوهد بعد أيام (٤). وفي سنة تسع وسبعين: مات شرف الدولة، وعهد إلى أخيه أبي نصر، فجاءه الطائع إلى دار المملكة يعزيه، فقبل أبو نصر الأرض غير مرة، ثم ركب أبو نصر إلى الطائع، وحضر الأعيان، فخلع الطائع على أبي نصر سبع خلع (٥) أعلاها سوداء، وعمامة سوداء، وفي عنقه طوق كبير، وفي يديه سواران،

стр. 607

ومشى الحجاب بين يديه بالسيوف، ثم قبل الأرض بين يدي الطائع وجلس على كرسي، وقرئ عهده، ولقبه الطائع: بهاء الدولة وضياء الملة (١) [خلع الطائع وتولية القادر وموت الطائع] وفي سنة إحدى وثمانين: قبض على الطائع، وسببه: أنه حبس رجلا من خواص بهاء الدولة، فجاء بهاء الدولة وقد جلس الطائع في الرواق متقلدا سيفا، فلما قرب بهاء الدولة قبل الأرض، وجلس على الكرسي، وتقدم أصحاب بهاء الدولة، فجذبوا الطائع من سريره، وتكاثر عليه الديلم، فلفوه في كساء وأصعد إلى دار السلطان، وارتج البلد، ورجع بهاء الدولة إلى داره، وكتب على الطائع كتابا بخلع نفسه، وأنه سلم الأمر إلى القادر بالله، وشهد عليه الأكابر والأشراف، وذلك في تاسع عشر شعبان، ونفذ إلى القادر بالله؛ ليحضر وهو بالبطيحة (٢). واستمر الطائع في دار القادر بالله مكرما محترما في أحسن حال، حتى إنه حمل إليه ليلة شمعة قد أوقد نصفها، فأنكر ذلك، فحملوا إليه غيرها، إلى أن مات ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين، وصلى عليه القادر، وشيعه الأكابر والخدم، ورثاه الشريف الرضي بقصيدة (٣). وكان شديد الانحراف على آل أبي طالب، وسقطت الهيبة في أيامه جدا حتى هجاه الشعراء. [من مات في عهده]. ومات في أيام الطائع من الأعلام: ابن السني الحافظ، وابن عدي، والقفال الكبير، والسيرافي النحوي، وأبو سهل الصعلوكي، وأبو بكر الرازي الحنفي،

стр. 608

وابن خالويه، والأزهري إمام اللغة، وأبو إبراهيم الفارابي صاحب «ديوان الأدب»، والرفاء الشاعر، وأبو زيد المروزي الشافعي، والداركي، وأبو بكر الأبهري شيخ المالكية، وأبو الليث السمرقندي إمام الحنفية، وأبو علي الفارسي النحوي، وابن الجلاب المالكي.

стр. 609

خلافة القادر بالله [٣٨١ - ٤٢٢ هـ] (١) أبو العباس، أحمد بن إسحاق بن المقتدر، ولد سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، وأمه: أمة، واسمها: تمنى، وقيل: دمنة. بويع له بالخلافة بعد خلع الطائع، وكان غائبا، فقدم في عاشر رمضان، وجلس من الغد جلوسا عاما وهنئ. وأنشد بين يديه الشعراء، من ذلك قول الشريف الرضي (٢): شرف الخلافة يا بني العباس … اليوم جدده أبو العباس ذا الطود بقاه الزمان ذخيرة … من ذلك الجبل العظيم الراسي قال الخطيب: (وكان القادر من الديانة والسيادة، وإدامة التهجد، وكثرة الصدقات، وحسن الطريقة على صفة اشتهرت عنه، تفقه على العلامة: أبي بشر الهروي الشافعي، وقد صنف كتابا في الأصول: ذكر فيه فضائل الصحابة، وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن، وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي وبحضرة الناس) (٣). ترجمه ابن الصلاح في «طبقات الشافعية» (٤). وقال الذهبي: (في شوال من سنة ولايته عقد مجلس عظيم، وحلف القادر وبهاء الدولة كل منهما لصاحبه بالوفاء، وقلده القادر ما وراء بابه مما تقام فيه الدعوة) (٥).

стр. 610

وفيها: دعا صاحب مكة أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي إلى نفسه، وتلقب بالراشد بالله، وسلم عليه بالخلافة، فانزعج صاحب مصر، ثم ضعف أمر أبي الفتوح، وعاد إلى طاعة العزيز العبيدي (١). وفي سنة اثنتين وثمانين: ابتاع الوزير أبو نصر سابور بن أزدشير دارا بالكرخ وعمرها، وسماها دار العلم، ووقفها على العلماء، ووقف بها كتبا كثيرة (٢). وفي سنة أربع وثمانين: عاد الحاج العراقي من الطريق، اعترضهم الأصيفر الأعرابي ومنعهم الجواز إلا برسمه، فعادوا ولم يحجوا، ولا حج أيضا أهل الشام ولا اليمن، إنما حج أهل مصر (٣). [هلاك تسعة ملوك على نسق] وفي سنة سبع وثمانين: مات السلطان فخر الدولة، وأقيم ابنه رستم مقامه في السلطنة بالري وأعمالها وهو ابن أربع سنين، ولقبه القادر: مجد الدولة (٤). قال الذهبي: ومن الأعجوبات: هلاك تسعة ملوك على نسق في سنتي سبع وثمانين وثمان وثمانين: منصور بن نوح ملك ما وراء النهر، وفخر الدولة ملك الري والجبال، والعزيز العبيدي صاحب مصر، وفيهم يقول أبو منصور عبد الملك الثعالبي (٥): [من الطويل] ألم تر مذ عامين أملاك عصرنا … يصيح بهم للموت والقتل صائح فنوح بن منصور طوته يد الردى … على حسرات ضمنتها الجوانح

стр. 611

ويا بؤس منصور وفي يوم سرخس … تمزق عنه ملكه وهو طائح وفرق عنه الشمل بالسمل واغتدى … أميرا ضريرا تعتريه الجوائح وصاحب مصر قد مضى لسبيله … ووالي الجبال غيبته الضرائح وصاحب جرجانية في ندامة … ترصده طرف من الحين طامح خوارزم شاه شاه وجه نعيمه … وعن له يوم من النحس طالح وكان علا في الأرض يخبطها أبو علي إلى أن طرحته الطوائح وصاحب بست ذلك الضيعم الذي … براثنه للمشرقين مفاتح أناخ به من صدمة الدهر كلكل … فلم تغن عنه والمقدر سانح جيوش إذا أربت على عدد الحصى … تغص بها قيعانها والضحاضح ودارت على صمصام دولة بويه … دوائر سوء سلبهن فوادح وقد جاز والي الجوزجان فناظر الـ … حياة فوافته المنايا الطوامح وذكر الذهبي: (أن العزيز صاحب مصر مات سنة ست وثمانين، وفتحت له زيادة على آبائه: حمص وحماة وحلب، وخطب له بالموصل وباليمن، وضرب اسمه فيها على السكة والأعلام) (١). وقام بالأمر بعده ابنه منصور، ولقب: الحاكم بأمر الله. وفي سنة تسعين: ظهر بسجستان معدن ذهب، فكانوا يصفون من التراب الذهب الأحمر (٢). وفي سنة ثلاث وتسعين: أمر نائب دمشق الأسود الحاكمي بمغربي، فطيف به على حمار، ونودي عليه: هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر، ثم ضربت عنقه ﵀، ولا رحم قاتله، ولا أستاذه الحاكم (٣)

стр. 612

وفي سنة أربع وتسعين: قلد بهاء الدولة الشريف أبا أحمد الحسين بن موسى الموسوي قضاء القضاة والحج والمظالم ونقابة الطالبيين، وكتب له من شيراز العهد، فلم ينظر في القضاء؛ لامتناع القادر من الإذن له (١). وفي سنة خمس وتسعين: قتل الحاكم بمصر جماعة من الأعيان صبرا (٢)، وأمر بكتب سب الصحابة على أبواب المساجد والشوارع، وأمر العمال بالسب (٣). وفيها: أمر بقتل الكلاب، وبطل الفقاع والملوخيا، ونهى عن السمك الذي لا قشر له، وقتل جماعة ممن باع ذلك بعد نهيه (٤). وفي سنة ست وتسعين: أمر الناس بمصر والحرمين إذا ذكر الحاكم .. أن يقوموا ويسجدوا في السوق وفي مواضع الاجتماع (٥). وفي سنة ثمان وتسعين: وقعت فتنة بين الشيعة وأهل السنة في بغداد، وكاد الشيخ أبو حامد الإسفرايني يقتل فيها، وصاح الرافضة ببغداد: يا حاكم يا منصور، فأحفظ القادر من ذلك، وأنفذ الفرسان الذين على بابه لمعاونة أهل السنة، فانكسر الروافض (٦). وفيها: هدم الحاكم بيعة قمامة التي بالقدس، وهدم جميع الكنائس التي بمصر، وأمر النصارى بأن تعمل في أعناقهم الصلبان، طول الصليب ذراع،

стр. 613

ووزنه خمسة أرطال بالمصري، واليهود أن يحملوا في أعناقهم قرامي الخشب في زنة الصلبان، وأن يلبسوا العمائم السود، فأسلم طائفة منهم، ثم بعد ذلك أذن في إعادة البيع والكنائس، وأذن لمن أسلم أن يعود إلى دينه؛ لكونه مكرها (١). وفي سنة تسع وتسعين: عزل أبو عمرو قاضي البصرة، وولي القضاء أبو الحسن ابن أبي الشوارب، فقال العصفري الشاعر (٢): [من المجتث] عندي حديث ظريف … بمثله يتغنى من قاضيين يعزى هذا … وهذا يهنى فذا يقول جبرنا وذا … يقول استرحنا ويكذبان جميعا ومن … يصدق منا وفيها: وهى سلطان بني أمية بالأندلس وانخرم نظامهم (٣). وفي سنة أربع مئة: نقصت دجلة نقصانا لم يعهد وأكريت لأجل جزائر ظهرت، ولم تكن قبل ذلك قط (٤). وفي سنة اثنتين: نهى الحاكم عن بيع الرطب وحرقه، وعن بيع العنب، وأباد كثيرا من الكروم (٥).

стр. 614

وفي سنة أربع: منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا، واستمر ذلك إلى أن مات (١) وفي سنة إحدى عشرة: قتل الحاكم لعنه الله بحلوان قرية بمصر، وقام بعده ابنه علي، ولقب: بالظاهر الإعزاز دين الله، وتضعضعت دولتهم في أيامه، فخرجت عنهم حلب وأكثر الشام (٢) وفي سنة اثنتين وعشرين: توفي القادر بالله ليلة الاثنين، الحادي عشر من ذي الحجة، عن سبع وثمانين سنة، ومدة خلافته: إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر. [من مات في عهده] وممن مات في أيامه من الأعلام: أبو أحمد العسكري الأديب، والرماني النحوي، وأبو الحسن الماسرجسي شيخ الشافعية، وأبو عبيد الله المرزباني، والصاحب بن عباد؛ وهو وزير مؤيد الدولة، وهو أول من سمي بالصاحب من الوزراء، والدارقطني الحافظ المشهور، وابن شاهين، وأبو بكر الأودني إمام الشافعية، ويوسف بن السيرافي، وابن زولاق المصري، وابن أبي زيد المالكي شيخ المالكية، وأبو طالب المكي صاحب «قوت القلوب»، وابن بطة الحنبلي، وابن سمعون الواعظ، والخطابي، والحاتمي اللغوي، والأدفوي أبو بكر، وزاهر السرخسي شيخ الشافعية، وابن غلبون المقرئ، والكشميهني راوي «الصحيح»، والمعافى بن زكريا النهرواني، وابن خويز منداد، وابن جني، والجوهري صاحب «الصحاح»، وابن فارس صاحب «المجمل»،

стр. 615

وابن منده الحافظ، والإسماعيلي شيخ الشافعية، وأصبغ بن الفرج شيخ المالكية، وبديع الزمان؛ أول من عمل المقامات، وابن لال، وابن أبي زمنين، وأبو حيان التوحيدي، والوأواء الشاعر، والهروي صاحب «الغريبين»، وأبو الفتح البستي الشاعر، والحليمي شيخ الشافعية، وابن الفرضي، وأبو الحسن القابسي، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو الطيب الصعلوكي، وابن الأكفاني، وابن نباتة صاحب الخطب، والصيمري شيخ الشافعية، والحاكم صاحب «المستدرك»، وابن كب، والشيخ أبو حامد الإسفرايني، وابن فورك، والشريف الرضي، وأبو بكر الشيرازي صاحب «الألقاب»، والحافظ عبد الغني بن سعيد، وابن مردويه، وهبة الله بن سلامة الضرير المفسر، وأبو عبد الرحمن السلمي شيخ الصوفية، وابن البواب صاحب الخط، وعبد الجبار المعتزلي، والمحاملي إمام الشافعية، وأبو بكر القفال شيخ الشافعية، والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، واللالكائي، وابن الفخار عالم الأندلس، وعلي بن عيسى الربعي النحوي، وخلائق آخرون كبار. [فائدة] [فيمن كان من رؤوس العلماء في هذا العصر] قال الذهبي: (كان في هذا العصر رأس الأشعرية: أبو إسحاق الإسفرايني، ورأس المعتزلة: القاضي عبد الجبار، ورأس الرافضة: الشيخ المفيد، ورأس الكرامية: محمد بن الهيصم، ورأس القراء: أبو الحسن الحمامي، ورأس المحدثين: الحافظ عبد الغني بن سعيد، ورأس الصوفية: أبو عبد الرحمن السلمي، ورأس الشعراء: أبو عمر ابن دراج، ورأس المجودين: ابن البواب، ورأس الملوك السلطان: محمود بن سبكتكين) (١). قلت: ويضم إلى هذا رأس الزنادقة: الحاكم بأمر الله، ورأس اللغويين:

стр. 616

الجوهري، ورأس النحاة: ابن جني، ورأس البلغاء: البديع، ورأس الخطباء: ابن نباتة، ورأس المفسرين: أبو القاسم بن حبيب النيسابوري، ورأس الخلفاء: القادر بالله؛ فإنه من أعلامهم، تفقه وصنف، وناهيك بأن الشيخ تقي الدين ابن الصلاح عده من الفقهاء الشافعية، وأورده في طبقاتهم، ومدته في الخلافة من أطول المدد.

стр. 617

خلافة القائم بأمر الله [٤٢٢ - ٤٦٧ هـ] (١) أبو جعفر، عبد الله بن القادر، ولد في نصف ذي القعدة، سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة، وأمه: أم ولد أرمنية، اسمها: بدر الدجى، وقيل: قطر الندى. ولي الخلافة عند موت أبيه في سنة اثنتين وعشرين، وكان ولي عهده في الحياة، وهو الذي لقبه: بالقائم بأمر الله. قال ابن الأثير: (كان جميلا مليح الوجه، ورعا دينا زاهدا، عالما قوي اليقين بالله، كثير الصدقة والصبر، له عناية بالأدب، ومعرفة حسنة بالكتابة، مؤثرا للعدل والإحسان وقضاء الحوائج، لا يرى المنع من شيء طلب منه) (٢). [حبس الخليفة ثم إطلاقه وقتل البساسيري] قال الخطيب: (ولم يزل أمره مستقيما إلى أن قبض عليه في سنة خمسين وأربع مئة، وكان السبب في ذلك: أن أرسلان التركي البساسيري كان قد عظم أمره، واستفحل شأنه؛ لعدم نظرائه، وانتشر ذكره، وتهيبته أمراء العرب والعجم، ودعي له على المنابر، وجبى الأموال، وخرب القرى، ولم يكن القائم يقطع أمرا دونه، ثم صح عنده سوء عقيدته، وبلغه: أنه عزم على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة، فكاتب الخليفة أبا طالب محمد ابن مكال سلطان الغز؛ المعروف: بطغرلبك وهو بالري يستنهضه في القدوم، ثم أحرقت دار البساسيري.

стр. 618

وقدم طغرلبك في سنة سبع وأربعين، فذهب البساسيري إلى الرحبة، وتلاحق به خلق من الأتراك، وكاتب صاحب مصر فأمده بالأموال، وكاتب ينال أخا طغرلبك، وأطمعه بمنصب أخيه، فخرج ينال، واشتغل به طغرلبك. ثم قدم البساسيري بغداد في سنة خمسين ومعه الرايات المصرية، ووقع القتال بينه وبين الخليفة، ودعي لصاحب مصر المستنصر بجامع المنصور، وزيد في الأذان: «حي على خير العمل»، ثم خطب له في كل الجوامع إلا جامع الخليفة، ودام القتال شهرا. ثم قبض البساسيري على الخليفة في ذي الحجة، وسيره إلى عانة، فحبسه بها، وأما طغرلبك .. فظفر بأخيه وقتله، ثم كاتب متولي عانة في رد الخليفة إلى داره مكرما، فحصل الخليفة في مقر عزه في الخامس والعشرين من ذي القعدة، سنة إحدى وخمسين، ودخل بأبهة عظيمة والأمراء والحجاب بين يديه. وجهز طغرلبك جيشا، فحاربوا البساسيري، فظفروا به، فقتل وحمل رأسه إلى بغداد (١). ولما رجع الخليفة إلى داره .. لم ينم بعدها إلا على فراش مصلاه، ولزم الصيام والقيام، وعفا عن كل من آذاه، ولم يسترد شيئا مما نهب من قصره إلا بالثمن، وقال: هذه أشياء احتسبناها عند الله، ولم يضع رأسه بعدها على مخدة. ولما نهب قصره .. لم يوجد فيه شيء من آلات الملاهي (٢). [نص رسالة الخليفة المسجون للكعبة] وروي: أنه لما سجنه البساسيري .. كتب قصة ونفذها إلى مكة، فعلقت في الكعبة فيها: (إلى الله العظيم من المسكين عبده، اللهم؛ إنك العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر، اللهم؛ إنك غني بعلمك واطلاعك على خلقك عن

стр. 619

إعلامي، هذا عبد قد كفر نعمك وما شكرها، وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغيا، وأساء إلينا عتوا وعدوا، اللهم؛ قل الناصر واعتز الظالم، وأنت المطلع العالم، المنصف الحاكم، بك نعتز عليه، وإليك نهرب من يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك، وقد حاكمنا إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك، ووثقنا في كشفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين) (١) وفي سنة ثمان وعشرين: مات الظاهر العبيدي صاحب مصر، وأقيم ابنه المستنصر معد وهو ابن سبع سنين، فأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر. قال الذهبي: (ولا أعلم أحدا في الإسلام: لا خليفة ولا سلطانا أقام هذه المدة، وفي أيامه كان الغلاء بمصر الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف، فأقام سبع سنين حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وحتى قيل: إنه بيع رغيف بخمسين دينارا) (٢). وفي سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة: قطع المعز بن باديس الخطبة للعبيدي بالمغرب، وخطب لبني العباس (٣) وفي سنة إحدى وخمسين: كان عقد الصلح بين السلطان إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وبين السلطان جغري بك بن سلجوق أخي طغرلبك صاحب خراسان بعد حروب كثيرة، ثم مات جغري بك في السنة، وأقيم مكانه ابنه ألب أرسلان (٤)

стр. 620

وفي سنة أربع وخمسين: زوج الخليفة بنته لطغرلبك بعد أن دافع بكل ممكن، وانزعج واستعفى، ثم لان لذلك برغم منه، وهذا أمر لم ينله أحد من ملوك بني بويه مع قهرهم للخلفاء وتحكمهم فيهم (١). قلت: والآن زوج خليفة عصرنا ابنته من واحد من مماليك السلطان فضلا عن السلطان؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم قدم طغرلبك في سنة خمس، فدخل بابنة الخليفة، وأعاد المواريث والمكوس، وضمن بغداد بمئة وخمسين ألف دينار، ثم رجع إلى الري فمات بها في رمضان، فلا عفا الله عنه، وأقيم في السلطنة بعده ابن أخيه عضد الدولة ألب أرسلان صاحب خراسان، وبعث إليه القائم بالخلع والتقليد (٢). قال الذهبي: (وهو أول من ذكر بالسلطان على منابر بغداد، وبلغ ما لم يبلغه أحد من الملوك، وافتتح بلادا كثيرة من بلاد النصارى، واستوزر نظام الملك، فأبطل ما كان عليه الوزير قبله عميد الملك من سب الأشعرية، وانتصر للشافعية، وأكرم إمام الحرمين وأبا القاسم القشيري، وبنى النظامية، قيل: وهي أول مدرسة بنيت للفقهاء) (٣). وفي سنة ثمان وخمسين: ولدت بباب الأزج صغيرة لها رأسان ووجهان ورقبتان على بدن واحد (٤). وفيها: ظهر كوكب كأنه دارة القمر ليلة تمه بشعاع عظيم، وهال الناس ذلك، وأقام عشر ليال ثم تناقص ضوءه وغاب (٥).

стр. 621

وفي سنة تسع وخمسين: فرغت المدرسة النظامية ببغداد، وقرر لتدريسها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فاجتمع الناس فلم يحضر واختفى، فدرس ابن الصباغ صاحب «الشامل»، ثم تلطفوا بالشيخ أبي إسحاق حتى أجاب و درس (١). وفي سنة ستين: كانت بالرملة الزلزلة الهائلة التي خربتها، حتى طلع الماء من رؤوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفا، وأبعد البحر عن ساحله مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون السمك فرجع الماء عليهم فأهلكهم (٢). وفي سنة إحدى وستين: احترق جامع دمشق، وزالت محاسنه وتشوه منظره، وذهبت سقوفه المذهبة (٣). وفي سنة اثنتين وستين: ورد رسول أمير مكة على السلطان ألب أرسلان بأنه أقام الخطبة العباسية، وقطع خطبة المستنصر المصري، وترك الأذان بـ حي على خير العمل)، فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعا (٤). وسبب ذلك: ذلة المصريين بالقحط المفرط سنين متوالية، حتى أكل الناس الناس (٥)، وبلغ الإردب مئة دينار، وأبيع الكلب بخمسة دنانير والهر بثلاثة دنانير (٦).

стр. 622

وحكى صاحب (المرآة): (أن امرأة خرجت من القاهرة ومعها مد جوهر، فقالت: من يأخذه بمد بر؟ فلم يلتفت إليها أحد) (١) وقال بعضهم يهنئ القائم (٢): [من الطويل] وقد علم المصري أن جنوده … سنو يوسف فيها وطاعون عمواس أقامت به حتى استراب بنفسه … وأوجس منها خيفة أي إيجاس وفي سنة ثلاث وستين: خطب بحلب للقائم وللسلطان ألب أرسلان لما رأوا قوة دولتهما وإدبار دولة المستنصر (٣) وفيها: كانت وقعة عظيمة بين الإسلام والروم، ونصر المسلمون والله الحمد، ومقدمهم السلطان: ألب أرسلان، وأسر ملك الروم، ثم أطلقه بمال جزيل، وهادنه خمسين سنة، ولما أطلق .. قال للسلطان: أين جهة الخليفة؟ فأشار له، فكشف رأسه وأومأ إلى الجهة بالخدمة (٤). وفي سنة أربع وستين: كان الوباء في الغنم (٥). وفي سنة خمس وستين: قتل السلطان ألب أرسلان، وقام في الملك ولده: ملكشاه، ولقب: جلال الدولة، ورد تدبير المملكة إلى نظام الملك ولقبه: الأتابك؛ وهو أول من لقب به؛ ومعناه: الأمير الوالد (٦).

стр. 623

وفيها: اشتد الغلاء بمصر حتى أكلت امرأة رغيفا بألف دينار، وكثر الوباء إلى الغاية (١). وفي سنة ست وستين: كان الغرق العظيم ببغداد، وزادت دجلة ثلاثين ذراعا، ولم يقع مثل ذلك قط، وهلكت الأموال والأنفس والدواب، وركبت الناس في السفن، وأقيمت الجمعة في الطيار على ظهر الماء مرتين، وقام الخليفة يتضرع إلى الله، وصارت بغداد ملقة واحدة، وانهدم مئة ألف دار أو أكثر (٢). [موت الخليفة القائم بأمر الله] وفي سنة سبع وستين: مات الخليفة القائم بأمر الله، ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان؛ وذلك: أنه اقتصد ونام، فانحل موضع الفصد وخرج منه دم كثير، فاستيقظ وقد انحلت قوته، فطلب حفيده ولي العهد عبد الله بن محمد، ووصاه ثم توفي، ومدة خلافته: خمس وأربعون سنة (٣). [من مات في عهده] مات في أيامه من الأعلام: أبو بكر البرقاني، وأبو الفضل الفلكي، والثعلبي المفسر، والقدوري شيخ الحنفية، وابن سينا شيخ الفلاسفة، ومهيار الشاعر، وأبو نعيم صاحب «الحلية»، وأبو زيد الدبوسي، والبراذعي (٤) المالكي صاحب «التهذيب»، وأبو الحسين البصري المعتزلي، ومكي صاحب

стр. 624

«الإعراب»، والشيخ أبو محمد الجويني، والمهدوي صاحب «التفسير»، والإفليلي، والثمانيني، وأبو عمرو الداني، والخليلي صاحب «الإرشاد»، وسليم الرازي، وأبو العلاء المعري، وأبو عثمان الصابوني، وابن بطال شارح «البخاري»، والقاضي أبو الطيب الطبري، وابن شيطا المقرئ، والماوردي الشافعي، وابن بابشاذ، والقضاعي صاحب «الشهاب»، وابن برهان النحوي، وابن حزم الظاهري، والبيهقي، وابن سيده صاحب «المحكم»، وأبو يعلى بن الفراء شيخ الحنابلة، والخضري من الشافعية، والهذلي صاحب «الكامل في القراءات»، والفوراني، والخطيب البغدادي، وابن رشيق صاحب «العمدة»، وابن عبد البر.

стр. 625

خلافة المقتدي بأمر الله [٤٦٧ - ٤٨٧ هـ] (١) أبو القاسم، عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله، مات أبوه في حياة القائم وهو حمل، فولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر، وأمه: أم ولد، اسمها: أرجوان. وبويع له بالخلافة عند موت جده، وله تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكانت البيعة بحضرة الشيخ: أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، والدامغاني (٢). وظهر في أيامه خيرات كثيرة، وآثار حسنة في البلدان، وكانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة وافرة الحرمة، بخلاف من تقدمه. ومن محاسنه: أنه نفى المغنيات والخواطئ ببغداد، وأمر ألا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، وخرب أبراج الحمام؛ صيانة لحرم الناس (٣). وكان دينا خيرا، قوي النفس عالي الهمة، من نجباء بني العباس (٤). وفي هذه السنة من خلافته: أعيدت الخطبة للعبيدي بمكة (٥). وفيها: جمع نظام الملك المنجمين، وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل، وكان قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت، وصار ما فعله النظام مبدأ التقاويم (٦).

стр. 626

وفي سنة ثمان: خطب للمقتدي بدمشق، وأبطل الأذان بـ (حي على خير العمل)، وفرح الناس بذلك (١). وفي سنة تسع وستين: قدم بغداد أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم القشيري، فوعظ بالنظامية، وجرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة؛ لأنه تكلم على مذهب الأشعري وحط عليهم، وكثر أتباعه والمتعصبون له، فهاجت فتن وقتلت جماعة (٢). وعزل فخر الدولة بن جهير من وزارة المقتدي؛ لكونه شذ من الحنابلة (٣). وفي سنة خمس وسبعين: بعث الخليفة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان يتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح (٤). وفي سنة ست وسبعين: رخصت الأسعار بسائر البلاد، وارتفع الغلاء (٥). وفيها: ولى الخليفة أبا شجاع محمد بن الحسين الوزارة، ولقبه: ظهير الدين (٦)، وأظن ذلك أول حدوث التلقيب بالإضافة إلى الدين. وفي سنة سبع وسبعين: سار سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب قونية وأقصرا بجيوشه إلى الشام، فأخذ أنطاكية وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، وأرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره (٧).

стр. 627

قال الذهبي: (وآل سلجوق هم ملوك بلاد الروم، وقد امتدت أيامهم وبقي منهم بقية إلى زمن الملك الظاهر بيبرس) (١). وفي سنة ثمان وسبعين: جاءت ريح سوداء ببغداد، واشتد الرعد والبرق، وسقط رمل وتراب كالمطر، ووقعت عدة صواعق، وظن الناس أنها القيامة، وبقيت ثلاث ساعات بعد العصر، وقد شاهد هذه الكائنة الإمام أبو بكر الطرطوشي، وأوردها في «أماليه» (٢). وفي سنة تسع وسبعين: أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه وأن يقلده ما بيده من البلاد، فبعث إليه الخلع والأعلام والتقليد، ولقبه: بأمير المسلمين، ففرح بذلك وسر به فقهاء المغرب، وهو الذي أنشأ مدينة مراكش (٣). وفيها: دخل السلطان ملكشاه بغداد، وهو أول دخوله إليها، فنزل بدار المملكة، ولعب بالكرة، وقدم تقادم للخليفة، ثم رجع إلى أصبهان (٤). وفيها: قطعت خطبة العبيدي بالحرمين وخطب للمقتدي (٥). وفي سنة إحدى وثمانين: مات ملك غزنة المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، وقام مقامه ابنه جلال الدن مسعود (٦).

стр. 628

وفي سنة ثلاث وثمانين: عملت ببغداد مدرسة لتاج الملك مستوفي الدولة بباب أبرز، ودرس بها أبو بكر الشاشي (١). وفي سنة أربع وثمانين: استولت الفرنج على جميع جزيرة صقلية، وأول ما فتحها المسلمون بعد المئتين، وحكم عليها آل الأغلب دهرا، إلى أن استولى العبيدي المهدي على المغرب (٢). [عزم ملكشاه على أخذ بغداد فمات] وفيها: قدم السلطان ملكشاه بغداد، وأمر بعمل جامع كبير بها، وعمل الأمراء حوله دورا ينزلونها، ثم رجع إلى أصبهان، وعاد إلى بغداد في سنة خمس وثمانين عازما على الشر، وأرسل إلى الخليفة يقول: لا بد أن تترك لي بغداد وتذهب إلى أي بلد شئت، فانزعج الخليفة وقال: أمهلني ولو شهرا، قال: ولا ساعة واحدة، فأرسل الخليفة إلى وزير السلطان يطلب المهلة عشرة أيام، فاتفق مرض السلطان وموته، وعد ذلك كرامة للخليفة (٣). وقيل: إن الخليفة جعل يصوم، فإذا أفطر .. جلس على الرماد ودعا على ملكشاه، فاستجاب الله دعاءه، وذهب إلى حيث ألقت (٤). ولما مات .. كتمت زوجته تركان موته، وأرسلت إلى الأمراء سرا، فاستحلفتهم لولده محمود؛ وهو ابن خمس سنين، فحلفوا له، وأرسلت إلى المقتدي في أن يسلطنه، فأجاب ولقبه: ناصر الدنيا والدين، ثم خرج عليه أخوه بر كياروق بن ملكشاه، فقلده الخليفة، ولقبه: ركن الدين، وذلك في محرم سنة سبع وثمانين، وعلم الخليفة على تقليده (٥).

стр. 629

ثم مات الخليفة من الغد فجأة، فقيل: إن جاريته شمس النهار سمته، وبويع لولده المستظهر. [من مات في عهده] وممن مات في أيام المقتدي من الأعلام: عبد القاهر الجرجاني، وأبو الوليد الباجي، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والأعلم النحوي، وابن الصباغ صاحب «الشامل»، والمتولي، وإمام الحرمين، والدامغاني الحنفي، وابن فضال المجاشعي، والبزدوي شيخ الحنفية.

стр. 630

خلافته استظهر بالله [٤٨٧ - ٥١٢ هـ] (١) أبو العباس، أحمد بن المقتدي بالله، ولد في شوال، سنة سبعين وأربع مئة، وبويع له عند موت أبيه، وله ست عشرة سنة. قال ابن الأثير: (كان لين الجانب، كريم الأخلاق يسارع في أعمال البر، حسن الخط جيد التوقيعات، لا يقاربه فيها أحد، يدل على فضل غزير، وعلم واسع، سمحا جوادا، محبا للعلماء والصلحاء، ولم تصف له الخلافة، بل كانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب) (٢). وفي هذه السنة من أيامه: مات المستنصر العبيدي صاحب مصر، وقام بعده ابنه المستعلي أحمد (٣). وفيها: أخذت الروم بلنسية (٤). وفي سنة ثمان وثمانين: قتل أحمد خان صاحب سمرقند؛ لأنه ظهر منه الزندقة، فقبض عليه الأمراء، وأحضروا الفقهاء فأفتوا بقتله، فقتل لا ﵀، وملكوا ابن عمه (٥).

стр. 631

وفي سنة تسع وثمانين: اجتمعت الكواكب السبعة سوى زحل في برج الحوت، فحكم المنجمون بطوفان يقارب طوفان نوح، فاتفق أن الحجاج نزلوا في دار المناقب، فأتاهم سيل غرق أكثرهم (١). وفي سنة تسعين: قتل السلطان أرسلان أرغون بن ألب أرسلان السلجوقي صاحب خراسان، فتملكها السلطان بركياروق، ودانت له البلاد والعباد (٢) وفيها: خطب للعبيدي بحلب وأنطاكية والمعرة وشيزر شهرا، ثم أعيدت الخطبة العباسية (٣) وفيها: جاءت الفرنج فأخذوا نيقية، وهو أول بلد أخذوه، ووصلوا إلى كفر طاب، واستباحوا تلك النواحي، فكان هذا أول مظهر الفرنج بالشام، قدموا في بحر القسطنطينية في جمع عظيم، وانزعجت الملوك والرعية، وعظم الخطب، فقيل: إن صاحب مصر لما رأى قوة السلجوقية واستيلاءهم على الشام .. كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوه، وكثر النفير على الفرنج من كل جهة (٤) وفي سنة اثنتين وتسعين: انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان (٥). [استيلاء الفرنج على بيت المقدس] وفيها: أخذت الفرنج بيت المقدس بعد حصار شهر ونصف، وقتلوا به أكثر من سبعين ألفا، منهم جماعة من العلماء والعباد والزهاد، وهدموا المشاهد،

стр. 632

وجمعوا اليهود في الكنيسة، وأحرقوها عليهم، وورد المستنفرون إلى بغداد، فأوردوا كلاما أبكى العيون، واختلفت السلاطين، فتمكنت الفرنج من الشام، وللأبيوردي في ذلك (١): [من الطويل] مرجنا دماء بالدموع السواجم … فلم يبق منا عرضة للمراجم (٢) وشر سلاح المرء دمع يفيضه … إذا الحرب شبت نارها بالصوارم فإيها بني الإسلام إن وراءكم … وقائع يلحقن الردى بالمناسم أتهويمة في ظل أمن وغبطة … وعيش كنوار الخميلة ناعم (٣) وكيف تنام العين ملء جفونها … على هبوات أيقظت كل نائم وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم تسومهم الروم الهوان وأنتم … تجرون ذيل الخفض فعل المسالم فكم من دماء قد أبيحت ومن دمى … تواري حياء حسنها بالمعاصم بحيث السيوف البيض محمرة الظبا … وسمر العوالي داميات اللهازم (٤) يكاد لهن المستجن بطيبة … ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم (٥) أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى … رماحهم والدين واهي الدعائم ويجتنبون النار (٦) خوفا من الردى … ولا يحسبون العار ضربة لازم أترضى صناديد الأعاريب بالأذى … وتغضي على ذل كماة الأعاجم فليتهم إذ لم يذودوا حمية … عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم وفيها: خرج محمد بن ملكشاه على أخيه السلطان بركياروق، فانتصر

стр. 633

عليه، فقلده الخليفة؛ ولقب: غياث الدنيا والدين، وخطب له ببغداد، ثم جرت بينهما عدة وقعات (١). وفيها: نقل المصحف العثماني من طبرية إلى دمشق؛ خوفا عليه، وخرج الناس لتلقيه، فأووه في خزانة بمقصورة الجامع (٢). وفي سنة أربع وتسعين: كثر أمر الباطنية بالعراق، وقتلهم الناس، واشتد الخطب بهم حتى كانت الأمراء يلبسون الدروع تحت ثيابهم، وقتلوا خلائق منهم: الروياني صاحب «البحر» (٣). وفيها: أخذ الفرنج بلد سروج، وحيفا، وأرسوف، وقيسارية (٤). وفي سنة خمس وتسعين: مات المستعلي صاحب مصر، وأقيم بعده ابنه الأمر بأحكام الله منصور؛ طفل له خمس سنين (٥). وفي سنة ست وتسعين: جرت فتن للسلطان، فترك الخطباء الدعوة للسلطان، واقتصروا على الدعوة للخليفة لا غير (٦). وفي سنة سبع وتسعين: وقع الصلح بين السلطانين: محمد وبركياروق؛ وسببه: أن الحروب لما تطاولت بينهما وعم الفساد، وصارت الأموال منهوبة، والدماء مسفوكة، والبلاد مخربة، والسلطنة مطموعا فيها، وأصبح الملوك

стр. 634

مقهورين بعد أن كانوا قاهرين .. دخل العقلاء بينهما في الصلح، وكتبت بينهم العهود والأيمان والمواثيق، وأرسل الخليفة خلع السلطنة إلى بركياروق، وأقيمت له الخطبة ببغداد (١) وفي سنة ثمان وتسعين: مات السلطان بركياروق، فأقام الأمراء بعده ولده جلال الدولة ملكشاه، وقلده الخليفة، وخطب له ببغداد، وله دون خمس سنين، فخرج عمه محمد، واجتمعت الكلمة عليه، فقلده الخليفة، وعاد إلى أصبهان سلطانا متمكنا مهيبا كثير الجيوش (٢) وفيها: كان ببغداد جدري مفرط، مات فيه خلق من الصبيان لا يحصون، وتبعه وباء عظيم (٣) وفي سنة تسع وتسعين: ظهر رجل بنواحي نهاوند فادعى النبوة وتبعه خلق، فأخذ وقتل (٤) وفي سنة خمس مئة: أخذت قلعة أصبهان التي ملكها الباطنية، وهدمت وقتلوا، وسلخ كبيرهم وحشي جلده تبنا، فعل ذلك السلطان محمد بعد حصار شديد، فلله الحمد (٥) وفي سنة إحدى وخمس مئة: رفع السلطان الضرائب والمكوس ببغداد،

стр. 635

وكثر الدعاء له، وزاد في العدل وحسن السيرة (١). وفي سنة اثنتين: عادت الباطنية، فدخلوا شيزر على حين غفلة من أهلها، فملكوها وملكوا القلعة، وأغلقوا الأبواب، وكان صاحبها خرج يتنزه، فعاد وأبادهم في الحال، وقتل فيها شيخ الشافعية الروياني صاحب «البحر»، قتله الباطنية في بغداد؛ كما تقدم (٢). وفي سنة ثلاث: أخذت الفرنج طرابلس بعد حصار سنين (٣). وفي سنة أربع: عظم بلاء المسلمين بالفرنج، وتيقنوا استيلاءهم على أكثر الشام، وطلب المسلمون الهدنة، فامتنعت الفرنج، وصالحوهم بألوف دنانير كثيرة، فهادنوا ثم غدروا، لعنهم الله (٤). وفيها: هبت بمصر ريح سوداء مظلمة أخذت بالأنفاس، حتى لا يبصر الرجل يده، ونزل على الناس رمل، وأيقنوا بالهلاك، ثم تجلى قليلا، وعاد إلى الصفرة، وكان ذلك من العصر إلى بعد المغرب (٥). وفيها: كانت ملحمة كبيرة بين الفرنج وبين ابن تاشفين صاحب الأندلس، نصر فيها المسلمون، وقتلوا وأسروا وغنموا ما لا يعبر عنه، وبادت شجعان الفرنج (٦).
следующие страницы →