← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وفي سنة تسع وثمانين: اجتمعت الكواكب السبعة سوى زحل في برج الحوت، فحكم المنجمون بطوفان يقارب طوفان نوح، فاتفق أن الحجاج نزلوا في دار المناقب، فأتاهم سيل غرق أكثرهم (١). وفي سنة تسعين: قتل السلطان أرسلان أرغون بن ألب أرسلان السلجوقي صاحب خراسان، فتملكها السلطان بركياروق، ودانت له البلاد والعباد (٢) وفيها: خطب للعبيدي بحلب وأنطاكية والمعرة وشيزر شهرا، ثم أعيدت الخطبة العباسية (٣) وفيها: جاءت الفرنج فأخذوا نيقية، وهو أول بلد أخذوه، ووصلوا إلى كفر طاب، واستباحوا تلك النواحي، فكان هذا أول مظهر الفرنج بالشام، قدموا في بحر القسطنطينية في جمع عظيم، وانزعجت الملوك والرعية، وعظم الخطب، فقيل: إن صاحب مصر لما رأى قوة السلجوقية واستيلاءهم على الشام .. كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوه، وكثر النفير على الفرنج من كل جهة (٤) وفي سنة اثنتين وتسعين: انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان (٥). [استيلاء الفرنج على بيت المقدس] وفيها: أخذت الفرنج بيت المقدس بعد حصار شهر ونصف، وقتلوا به أكثر من سبعين ألفا، منهم جماعة من العلماء والعباد والزهاد، وهدموا المشاهد،

стр. 632

وجمعوا اليهود في الكنيسة، وأحرقوها عليهم، وورد المستنفرون إلى بغداد، فأوردوا كلاما أبكى العيون، واختلفت السلاطين، فتمكنت الفرنج من الشام، وللأبيوردي في ذلك (١): [من الطويل] مرجنا دماء بالدموع السواجم … فلم يبق منا عرضة للمراجم (٢) وشر سلاح المرء دمع يفيضه … إذا الحرب شبت نارها بالصوارم فإيها بني الإسلام إن وراءكم … وقائع يلحقن الردى بالمناسم أتهويمة في ظل أمن وغبطة … وعيش كنوار الخميلة ناعم (٣) وكيف تنام العين ملء جفونها … على هبوات أيقظت كل نائم وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم تسومهم الروم الهوان وأنتم … تجرون ذيل الخفض فعل المسالم فكم من دماء قد أبيحت ومن دمى … تواري حياء حسنها بالمعاصم بحيث السيوف البيض محمرة الظبا … وسمر العوالي داميات اللهازم (٤) يكاد لهن المستجن بطيبة … ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم (٥) أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى … رماحهم والدين واهي الدعائم ويجتنبون النار (٦) خوفا من الردى … ولا يحسبون العار ضربة لازم أترضى صناديد الأعاريب بالأذى … وتغضي على ذل كماة الأعاجم فليتهم إذ لم يذودوا حمية … عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم وفيها: خرج محمد بن ملكشاه على أخيه السلطان بركياروق، فانتصر

стр. 633

عليه، فقلده الخليفة؛ ولقب: غياث الدنيا والدين، وخطب له ببغداد، ثم جرت بينهما عدة وقعات (١). وفيها: نقل المصحف العثماني من طبرية إلى دمشق؛ خوفا عليه، وخرج الناس لتلقيه، فأووه في خزانة بمقصورة الجامع (٢). وفي سنة أربع وتسعين: كثر أمر الباطنية بالعراق، وقتلهم الناس، واشتد الخطب بهم حتى كانت الأمراء يلبسون الدروع تحت ثيابهم، وقتلوا خلائق منهم: الروياني صاحب «البحر» (٣). وفيها: أخذ الفرنج بلد سروج، وحيفا، وأرسوف، وقيسارية (٤). وفي سنة خمس وتسعين: مات المستعلي صاحب مصر، وأقيم بعده ابنه الأمر بأحكام الله منصور؛ طفل له خمس سنين (٥). وفي سنة ست وتسعين: جرت فتن للسلطان، فترك الخطباء الدعوة للسلطان، واقتصروا على الدعوة للخليفة لا غير (٦). وفي سنة سبع وتسعين: وقع الصلح بين السلطانين: محمد وبركياروق؛ وسببه: أن الحروب لما تطاولت بينهما وعم الفساد، وصارت الأموال منهوبة، والدماء مسفوكة، والبلاد مخربة، والسلطنة مطموعا فيها، وأصبح الملوك

стр. 634

مقهورين بعد أن كانوا قاهرين .. دخل العقلاء بينهما في الصلح، وكتبت بينهم العهود والأيمان والمواثيق، وأرسل الخليفة خلع السلطنة إلى بركياروق، وأقيمت له الخطبة ببغداد (١) وفي سنة ثمان وتسعين: مات السلطان بركياروق، فأقام الأمراء بعده ولده جلال الدولة ملكشاه، وقلده الخليفة، وخطب له ببغداد، وله دون خمس سنين، فخرج عمه محمد، واجتمعت الكلمة عليه، فقلده الخليفة، وعاد إلى أصبهان سلطانا متمكنا مهيبا كثير الجيوش (٢) وفيها: كان ببغداد جدري مفرط، مات فيه خلق من الصبيان لا يحصون، وتبعه وباء عظيم (٣) وفي سنة تسع وتسعين: ظهر رجل بنواحي نهاوند فادعى النبوة وتبعه خلق، فأخذ وقتل (٤) وفي سنة خمس مئة: أخذت قلعة أصبهان التي ملكها الباطنية، وهدمت وقتلوا، وسلخ كبيرهم وحشي جلده تبنا، فعل ذلك السلطان محمد بعد حصار شديد، فلله الحمد (٥) وفي سنة إحدى وخمس مئة: رفع السلطان الضرائب والمكوس ببغداد،

стр. 635

وكثر الدعاء له، وزاد في العدل وحسن السيرة (١). وفي سنة اثنتين: عادت الباطنية، فدخلوا شيزر على حين غفلة من أهلها، فملكوها وملكوا القلعة، وأغلقوا الأبواب، وكان صاحبها خرج يتنزه، فعاد وأبادهم في الحال، وقتل فيها شيخ الشافعية الروياني صاحب «البحر»، قتله الباطنية في بغداد؛ كما تقدم (٢). وفي سنة ثلاث: أخذت الفرنج طرابلس بعد حصار سنين (٣). وفي سنة أربع: عظم بلاء المسلمين بالفرنج، وتيقنوا استيلاءهم على أكثر الشام، وطلب المسلمون الهدنة، فامتنعت الفرنج، وصالحوهم بألوف دنانير كثيرة، فهادنوا ثم غدروا، لعنهم الله (٤). وفيها: هبت بمصر ريح سوداء مظلمة أخذت بالأنفاس، حتى لا يبصر الرجل يده، ونزل على الناس رمل، وأيقنوا بالهلاك، ثم تجلى قليلا، وعاد إلى الصفرة، وكان ذلك من العصر إلى بعد المغرب (٥). وفيها: كانت ملحمة كبيرة بين الفرنج وبين ابن تاشفين صاحب الأندلس، نصر فيها المسلمون، وقتلوا وأسروا وغنموا ما لا يعبر عنه، وبادت شجعان الفرنج (٦).

стр. 636

وفي سنة سبع: جاء مودود صاحب الموصل بعسكر ليقاتل ملك الفرنج الذي بالقدس، فوقع بينهم معركة هائلة، ثم رجع مودود إلى دمشق، فصلى الجمعة يوما في الجامع؛ وإذا بباطني وثب عليه فجرحه فمات من يومه، فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتابا فيه: (وإن أمة قتلت عميدها، في يوم عيدها، في بيت معبودها .. لحقيق على الله أن يبيدها) (١). وفي سنة إحدى عشرة: جاء سيل عرم غرق سنجار وسورها، وهلك خلق كثير، حتى إن السيل أخذ باب المدينة فذهب به عدة فراسخ، واختفى تحت التراب الذي جره السيل، وظهر بعد سنين، وسلم طفل في سرير له حمله السيل، فتعلق السرير بزيتونة وعاش وكبر (٢). وفيها: مات السلطان محمد، وأقيم ابنه محمود، وله أربع عشرة سنة (٣) [موت الخليفة المستظهر بالله] وفي سنة ثنتي عشرة: مات الخليفة المستظهر بالله في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ربيع الأول، فكانت مدته خمسا وعشرين سنة، وغسله ابن عقيل شيخ الحنابلة، وصلى عليه ابنه المسترشد، وماتت بعده بقليل جدته أرجوان والدة المقتدي (٤) قال الذهبي: (ولا يعرف خليفة عاشت جدته بعده إلا هو) (٥) رأت ابنها خليفة، ثم ابن ابنها، ثم ابن ابن ابنها (٦)

стр. 637

ومن شعر المستظهر (١): [من البسيط] أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا … يوما مددت إلى رسم الوداع يدا وكيف أسلك نهج الاصطبار وقد … أرى طرائق في مهوى الهوى قددا إن كنت أنقض عهد الحب يا سكني … من بعد حبي فلا عاينتكم أبدا وللصارم مرجا البطائحي: [من الكامل] أصبحت بالمستظهر بن المقتدي … بالله إبن القائم بن القادر مستعصما أرجو نوال أكفه … وبأن يكون على العشيرة ناصري فيقر مع كبري قراري عنده … ويفوز من مدحي بشعر سائر فوقع المستظهر: (يخير بين الصلة والانحدار، والمقام والإدرار) (٢) وقال السلفي: (قال لي أبو الخطاب بن الجراح: صليت بالمستظهر في رمضان، فقرأت: ﴿إن ابنك سرق﴾ رواية رويناها عن الكسائي، فلما سلمت .. قال: هذه قراءة حسنة؛ فيها تنزيه أولاد الأنبياء عن الكذب) (٣). [من مات في عهده] مات في أيامه من الأعلام: أبو المظفر السمعاني، ونصر المقدسي، وأبو الفرج الزاز، وشيذلة، والروياني، والخطيب التبريزي، وإلكيا الهراسي، والغزالي، والشاشي الذي صنف له كتاب «الحلية» وسماه «المستظهري»، والأبيوردي اللغوي.

стр. 638

خلافة المسترشد بالله [٥١٢ - ٥٢٩ هـ] (١) أبو منصور، الفضل بن المستظهر بالله، ولد في ربيع الأول، سنة خمس وثمانين وأربع مئة، وبويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر، سنة اثنتي عشرة وخمس مئة. وكان ذا همة عالية، وشهامة زائدة، وإقدام ورأي وهيبة شديدة، ضبط أمور الخلافة ورتبها أحسن ترتيب، وأحيا رسم الخلافة ونشر عظامها، وشيد أركان الشريعة وطرز أكمامها، وباشر الحروب بنفسه، وخرج عدة نوب إلى الحلة والموصل وطريق خراسان، إلى أن خرج النوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان، وأخذ أسيرا إلى أذربيجان. وقد سمع الحديث من أبي القاسم بن بيان، وعبد الوهاب بن هبة الله السيبي (٢). وروى عنه: محمد بن عمر بن مكي الأهوازي، ووزيره علي بن طراد، وإسماعيل بن طاهر الموصلي، ذكر ذلك ابن السمعاني. وذكره ابن الصلاح في (طبقات الشافعية) - وناهيك بذلك - فقال: (هو الذي صنف له أبو بكر الشاشي كتابه «العمدة» في الفقه، وبلقبه اشتهر الكتاب؛ فإنه كان حينئذ يلقب: عمدة الدنيا والدين (٣)). وذكره ابن السبكي في (طبقات الشافعية) فقال: (كان في أول أمره تنسك

стр. 639

ولبس الصوف، وانفرد في بيت للعبادة، وكان مولده يوم الأربعاء، ثامن عشر شعبان، سنة ست وثمانين وأربع مئة. وخطب له أبوه بولاية العهد، ونقش اسمه على السكة في شهر ربيع الأول، سنة ثمان وثمانين، وكان مليح الخط، ما كتب أحد من الخلفاء قبله مثله، يستدرك على كتابه، ويصلح أغاليط في كتبهم. وأما شهامته وهيبته وشجاعته وإقدامه .. فأمر أشهر من الشمس، ولم تزل أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك، إلى أن خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق، فكسر وأخذ، ورزق الشهادة) (١) [مواجهة بين مسعود والخليفة وأسر الخليفة] وقال الذهبي: (مات السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه سنة خمس وعشرين، فأقيم ابنه داوود مكانه، فخرج عليه عمه مسعود بن محمد فاقتتلا، ثم اصطلحا على الاشتراك بينهما، ولكل مملكة، وخطب لمسعود بالسلطنة ببغداد، ومن بعده لداوود، وخلع عليهما، ثم وقعت بين الخليفة ومسعود وحشة، فخرج لقتاله، فالتقى الجمعان وغدر بالخليفة أكثر عسكره، فظفر به مسعود، وأسر الخليفة وخواصه، فحبسهم بقلعة بقرب همدان، فبلغ أهل بغداد ذلك، فحثوا في الأسواق على رؤوسهم التراب، وبكوا وضجوا، وخرج النساء حاسرات يندبن الخليفة، ومنعوا الصلوات والخطبة) (٢) [رسالة سنجر إلى مسعود بإعادة الخليفة] قال ابن الجوزي: (وزلزلت بغداد مرارا كثيرة، ودامت كل يوم خمس أو ست مرات والناس يستغيثون، فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث الدنيا والدين على هذا المكتوب .. يدخل على

стр. 640

أمير المؤمنين، ويقبل الأرض بين يديه، ويسأله العفو والصفح، ويتنصل غاية التنصل؛ فقد ظهرت عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها، فضلا عن المشاهدة من العواصف والبروق والزلازل، ودوام ذلك عشرين يوما، وتشويش العساكر وانقلاب البلدان، ولقد خفت على نفسي من جانب الله وظهور آياته، وامتناع الناس من الصلوات في الجوامع، ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله، فالله الله بتلافي أمرك، وتعيد أمير المؤمنين إلى مقر عزه، وتحمل الغاشية بين يديه؛ كما جرت عادتنا وعادة آبائنا، ففعل مسعود جميع ما أمر به، وقبل الأرض بين يدي الخليفة، ووقف يسأل العفو. ثم أرسل سنجر رسولا آخر، ومعه عسكر يستحث مسعودا على إعادة الخليفة إلى مقر عزه، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية، فذكر: أن مسعودا ما علم بهم، وقيل: بل هو الذي دسهم، فهجموا على الخليفة في مخيمه، ففتكوا به وقتلوا معه جماعة من أصحابه، فما شعر بهم العسكر إلا وقد فرغوا من شغلهم، فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة الله، وجلس السلطان للعزاء، وأظهر المساءة بذلك، ووقع النحيب والبكاء، وجاء الخبر إلى بغداد، فاشتد ذلك على الناس، وخرجوا حفاة مخرقين الثياب، والنساء ناشرات الشعور يلطمن ويقلن المراثي؛ لأن المسترشد كان محببا فيهم بمرة؛ لما فيه من الشجاعة والعدل والرفق بهم (١). وكان قتل المسترشد ﵀ بمراغة، يوم الخميس، سادس عشر ذي القعدة، سنة تسع وعشرين. [ذكر شيء من شعر المسترشد] ومن شعره (٢): [من الطويل] أنا الأشقر المدعو بي في الملاحم … ومن يملك الدنيا بغير مزاحم

стр. 641

ستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضى بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي ومن شعره لما أسر (١): [من الطويل] ولا عجبا للأسد إن ظفرت بها … كلاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشي سقت حمزة الردى … وموت علي من حسام ابن ملجم وله لما كسر، وأشير عليه بالهزيمة فلم يفعل، وثبت حتى أسر (٢): [من مجزوء الكامل] قالوا تقيم وقد أحا … طـ بك العدو ولا تفر فأجبتهم المرء ما … لم يتعظ بالوعظ غر لا نلت خيرا ما حييت … ولا عداني الدهر شر إن كنت أعلم أن غيـ … ـر الله ينفع أو يضر [خطبة المسترشد في عيد أضحى ومدح أبي المظفر له] قال الذهبي: وقد خطب بالناس يوم عيد أضحى فقال: الله أكبر ما سحت الأنواء، وأشرق الضياء، وطلعت ذكاء، وعلت على الأرض السماء. الله أكبر ما همع سحاب، ولمع سراب، وأنجح طلاب، وسر قادما إياب … وذكر خطبة بليغة. ثم جلس، ثم قام فخطب وقال: اللهم؛ أصلحني في ذريتي، وأعني على ما وليتني، وأوزعني شكر نعمتك، ووفقني وانصرني، فلما أنهاها وتهيأ للنزول .. بدره أبو المظفر الهاشمي، فأنشده (٣): [من الطويل] عليك سلام الله يا خير من علا … على منبر قد حف أعلامه النصر وأفضل من أم الأنام وعمهم … بسيرته الحسنى وكان له الأمر وأفضل أهل الأرض شرقا ومغربا … ومن جده من أجله نزل القطر

стр. 642

لقد شنفت أسماعنا منك خطبة … وموعظة فصل يلين لها الصحر ملأت بها كل القلوب مهابة … فقد رجفت من خوف تخويفها مصر وزدت بها عدنان مجدا مؤثلا … فأضحى لها بين الأنام بك الفخر وسدت بني العباس حتى لقد غدا … يباهي بك السجاد والعلم البحر فلله عصر أنت فيه إمامه … والله دين أنت فيه لنا الصدر بقيت على الأيام والملك كلما … تقادم عصر أنت فيه أتى عصر وأصبحت بالعيد السعيد مهنئا … تشرفنا فيه صلاتك والنحر وقال وزيره جلال الدين الحسن بن علي بن صدقة يمدحه (١): وجدت الورى كالماء طعما ورقة … وأن أمير المؤمنين زلاله وصورت معنى العقل شخصا مصورا … وأن أمير المؤمنين مثاله ولولا مكان الدين والشرع والتقى … لقلت من الإعظام ﷻ وفي سنة أربع وعشرين من أيامه: ارتفع سحاب أمطر بلد الموصل نارا أحرقت من البلد مواضع ودورا كثيرة (٢). وفيها: قتل صاحب مصر الأمر بأحكام الله منصور عن غير عقب، وقام بعده ابن عمه الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المستنصر (٣). وفيها: ظهر ببغداد عقارب طيارة لها شوكتان، وخاف الناس منها، وقد قتلت جماعة أطفال (٤).

стр. 643

[من مات في عهده] وممن مات في أيام المسترشد من الأعلام: شمس الأئمة أبو الفضل إمام الحنفية، وأبو الوفاء بن عقيل الحنبلي، وقاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني، وابن بليمة المقرئ، والطغرائي صاحب «لامية العجم»، وأبو علي الصدفي الحافظ، وأبو نصر القشيري، وابن القطاع اللغوي، ومحيي السنة البغوي، وابن الفحام المقرئ، والحريري صاحب «المقامات»، والميداني صاحب «الأمثال»، وأبو الوليد بن رشد المالكي، والإمام أبو بكر الطرطوشي، وأبو الحجاج السرقسطي، وابن السيد البطليوسي، وأبو علي الفارقي من الشافعية، وابن الطراوة النحوي، وابن الباذش، وظافر الحداد الشاعر، وعبد الغافر الفارسي، وخلائق آخرون

стр. 644

خلافة الراشد بالله [٥٢٩ - ٥٣٠ هـ] (١) أبو جعفر، منصور بن المسترشد، ولد سنة اثنتين وخمس مئة، وأمه: أم ولد، ويقال: إنه ولد مسدودا، فأحضروا الأطباء، فأشاروا بأن يفتح له مخرج بآلة من ذهب، ففعل به ذلك فنفع (٢). وخطب له أبوه بولاية العهد سنة ثلاث عشرة، وبويع له بالخلافة عند قتل أبيه في ذي القعدة، سنة تسع وعشرين. وكان فصيحا أديبا شاعرا، شجاعا سمحا، جوادا حسن السيرة، يؤثر العدل ويكره الشر. [خلع الراشد ثم قتله] ولما عاد السلطان مسعود إلى بغداد .. خرج هو إلى الموصل، فأحضروا القضاة والأعيان والعلماء، وكتبوا محضرا فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم وأخذ الأموال وسفك الدماء وشرب الخمر، واستفتوا الفقهاء: فيمن فعل ذلك هل تصح إمامته؟ وهل إذا ثبت فسقه. يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه ويستبدل خيرا منه؟ فأفتوا بجواز خلعه، وحكم بخلعه ابن الكرخي قاضي البلد، وبايعوا عمه محمد بن المستظهر، ولقب: المقتفي لأمر الله؛ وذلك في سادس عشر ذي القعدة، سنة ثلاثين (٣).

стр. 645

وبلغ الراشد الخلع، فخرج من الموصل إلى بلاد أذربيجان، وكان معه جماعة، فقسطوا على مراغة مالا، وعاثوا هناك، ومضوا إلى همذان وأفسدوا بها، وقتلوا جماعة وصلبوا آخرين، وحلقوا لحى جماعة من العلماء، ثم مضوا إلى أصبهان فحاصروها ونهبوا القرى. ومرض الراشد بظاهر أصبهان مرضا شديدا، فدخل عليه جماعة من العجم كانوا فراشين معه، فقتلوه بالسكاكين، ثم قتلوا كلهم، وذلك في سادس عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وجاء الخبر إلى بغداد، فقعدوا للعزاء يوما واحدا (١). قال العماد الكاتب: (كان للراشد الحسن اليوسفي، والكرم الحاتمي) (٢). قال ابن الجوزي: (وقد ذكر الصولي أن الناس يقولون: إن كل سادس يقوم للناس يخلع، فتأملت هذا فرأيته عجبا) (٣). قلت: وقد سقت بقية كلامه في الخطبة (٤). ولم تؤخذ البردة والقضيب من الراشد حتى قتل، فأحضرا بعد قتله إلى المقتفي.

стр. 646

خلافة المقتفي لأمر الله [٥٣٠ - ٥٥٥ هـ] (١) أبو عبد الله، محمد بن المستظهر بالله، ولد في الثاني والعشرين من ربيع الأول، سنة تسع وثمانين وأربع مئة، وأمه: حبشية، وبويع له بالخلافة عند خلع ابن أخيه، وعمره أربعون سنة. وسبب تلقيبه بالمقتفي: أنه رأى في منامه قبل أن يستخلف بستة أيام رسول الله ﷺ وهو يقول له: «سيصل هذا الأمر إليك، فاقتف بي»، فلقب: المقتفي لأمر الله (٢). وبعث السلطان مسعود بعد أن أظهر العدل ومهد بغداد، فأخذ جميع ما في دار الخلافة: من دواب وأثاث، وذهب وستور وسرادق، ولم يترك في إصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس وثمانية أبغال برسم الماء، فيقال: إنهم بايعوا المقتفي على ألا يكون عنده خيل ولا آلة سفر (٣). ثم في سنة إحدى وثلاثين: أخذ السلطان مسعود جميع تعلق الخليفة، ولم يترك له إلا العقار الخاص، وأرسل وزيره يطلب من الخليفة مئة ألف دينار، فقال المقتفي: (ما رأينا أعجب من أمرك!!! أنت تعلم أن المسترشد سار إليك بأمواله فجرى ما جرى، وأن الراشد ولي ففعل ما فعل ورحل وأخذ ما تبقى، ولم يبق إلا الأثاث فأخذته كله، وتصرفت في دار الضرب، وأخذت التركات والجوالي، فمن أي وجه نقيم لك هذا المال؟! وما بقي إلا أن نخرج من الدار ونسلمها؛ فإني عاهدت الله ألا أخذ من المسلمين حبة ظلما).

стр. 647

فترك السلطان الأخذ من الخليفة، وعاد إلى جباية الأملاك من الناس، وصادر التجار، فلقي الناس من ذلك شدة، ثم في جمادى الأولى أعيدت بلاد الخليفة ومعاملاته والتركات إليه (١). وفي هذه السنة: رقب الهلال ليلة الثلاثين من شهر رمضان فلم ير، فأصبح أهل بغداد صائمين لتمام العدة، فلما أمسوا رقبوا الهلال فما رأوه أيضا، وكانت السماء جلية صاحية، ومثل هذا لم يسمع بمثله في التواريخ (٢). وفي سنة ثلاث وثلاثين: كان بجنزة زلزلة عظيمة عشرة فراسخ في مثلها، فأهلكت خلائق، ثم خسف بجنزة وصار مكان البلد ماء أسود (٣). وفيها: استولى الأمراء على مغلات البلاد، وعجز السلطان مسعود، ولم يبق له إلا الاسم، وتضعضع أيضا أمر السلطان سنجر، فسبحان مذل الجبابرة!! وتمكن الخليفة المقتفي، وزادت حرمته، وعلت كلمته، وكان ذلك مبدأ صلاح الدولة العباسية، فلله الحمد (٤). وفي سنة إحدى وأربعين: قدم السلطان مسعود بغداد وعمل دار ضرب، فقبض الخليفة على الضراب الذي تسبب في إقامة دار الضرب، فقبض مسعود على حاجب الخليفة، فغضب الخليفة، وغلق الجامع والمساجد ثلاثة أيام، ثم أطلق الحاجب، فأطلق الضراب، وسكن الأمر (٥). [موعظة العبادي للسلطان مسعود] وفيها: جلس ابن العبادي الواعظ، فحضر السلطان مسعود؛ فعرض بذكر

стр. 648

مكس البيع وما جرى على الناس، ثم قال: (يا سلطان العالم، أنت تهب في ليلة المطرب بقدر هذا الذي يؤخذ من المسلمين، فاحسبني ذلك المطرب، وهبه لي، واجعله شكرا لله بما أنعم عليك). فأجاب ونودي في البلد بإسقاطه، وطيف بالألواح التي نقش عليها ترك المكوس، وبين يديه الدبادب والبوقات، وسمرت، ولم تزل إلى أن أمر الناصر لدين الله بقلع الألواح، وقال: (مالنا حاجة بآثار الأعاجم) (١). وفي سنة ثلاث وأربعين: حاصرت الفرنج دمشق، فوصل إليها نور الدين محمود بن زنكي، وهو صاحب حلب يومئذ، وأخوه غازي صاحب الموصل، فنصر المسلمون ولله الحمد، وهزم الفرنج، واستمر نور الدين في قتال الفرنج وأخذ ما استولوا عليه من بلاد المسلمين (٢). وفي سنة أربع وأربعين: مات صاحب مصر الحافظ لدين الله، وأقيم ابنه الظافر إسماعيل (٣). وفيها: جاءت زلزلة عظيمة، وماجت بغداد نحو عشر مرات، وتقطع منها جبل بحلوان (٤). وفي سنة خمس وأربعين: جاء باليمن مطر كله دم، وصارت الأرض مرشوشة بالدم، وبقي أثره في ثياب الناس (٥).

стр. 649

[دعاء الخليفة شهرا على مسعود فمات] وفي سنة سبع وأربعين: مات السلطان مسعود. قال ابن هبيرة - وهو وزير المقتفي -: (لما تطاول على المقتفي أصحاب مسعود، وأساؤوا الأدب، ولم يمكن المجاهرة بالمحاربة .. اتفق الرأي على الدعاء عليه شهرا؛ كما دعا النبي ﷺ على رغل وذكوان شهرا (١)، فابتدأ هو والخليفة سرا كل واحد في موضعه يدعو سحرا من ليلة تسع وعشرين من جمادى الأولى، واستمر الأمر كل ليلة، فلما تكامل الشهر .. مات مسعود على سريره، لم يزد على الشهر يوما ولا نقص يوما) (٢). واتفق العسكر على سلطنة ملكشاه، وقام بأمره خاصبك، ثم إن خاصبك قبض على ملكشاه، وطلب أخاه محمدا من خوزستان، فجاءه فسلم إليه السلطنة، وأمر الخليفة حينئذ ونهى، ونفذت كلمته، وعزل من كان السلطان ولاه مدرسا بالنظامية، وبلغه أن في نواحي واسط تخبيطا، فسار بعسكره ومهد البلاد، ودخل الحلة والكوفة، ثم عاد إلى بغداد مؤيدا منصورا، وزينت بغداد (٣). وفي سنة ثمان وأربعين: خرجت الغز على السلطان سنجر، وأسروه وأذاقوه الذل، وملكوا بلاده، وبقوا الخطبة باسمه، وبقي معهم صورة بلا معنى، وصار يبكي على نفسه، وله اسم السلطنة، وراتبه في قدر راتب سائس من سياسه (٤). وفي سنة تسع وأربعين: قتل بمصر صاحبها الظافر بالله العبيدي، وأقاموا ابنه الفائز عيسى صبيا صغيرا، ووهى أمر المصريين، فكتب المقتفي عهدا لنور الدين محمود بن زنكي وولاه مصر، وأمره بالمسير إليها، وكان مشغولا بحرب الفرنج،

стр. 650

وهو لا يفتر من الجهاد، وكان تملك دمشق في صفر من هذا العام، وملك عدة قلاع وحصون بالسيف وبالأمان من بلاد الروم، وعظمت ممالكه، وبعد صيته، فبعث إليه المقتفي تقليدا، وأمره بالمسير إلى مصر، ولقب: بالملك العادل. وعظم سلطان المقتفي، واشتدت شوكته، واستظهر على المخالفين، وأجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره، ولم يزل أمره في تزايد وعلو إلى أن مات ليلة الأحد، ثاني ربيع الأول، سنة خمس وخمسين (١). [من مناقب المقتفي لأمر الله] قال الذهبي: (كان المقتفي من سروات الخلفاء، عالما دينا شجاعا حليما، دمث الأخلاق كامل السؤدد، خليقا للإمامة، قليل المثل في الأئمة، لا يجري في دولته أمر وإن صغر إلا بتوقيعه، وكتب في خلافته ثلاث ربعات، وسمع الحديث من مؤدبه أبي البركات بن أبي الفرج ابن السيبي) (٢). قال ابن السمعاني: (وسمع «جزء ابن عرفة» مع أخيه المسترشد من أبي القاسم بن بيان) (٣). روى عنه: أبو منصور الجواليقي اللغوي إمامه، والوزير ابن هبيرة وزيره، وغيرهما/ وقد جدد المقتفي بابا للكعبة، واتخذ من العتيق تابوتا لدفنه (٤). وكان محمود السيرة، مشكور الدولة، يرجع إلى دين وعقل وفضل، ورأي وسياسة، جدد معالم الإمامة، ومهد رسوم الخلافة، وباشر الأمور بنفسه، وغزا غير مرة، وامتدت أيامه (٥). وقال أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي في كتاب

стр. 651

«المناقب العباسية»: (كانت أيام المقتفي نضرة بالعدل، زهرة بفعل الخيرات، وكان على قدم من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه، وكان في أول أمره متشاغلا بالدين، ونسخ العلوم، وقراءة القرآن، ولم ير مع سماحته ولين جانبه ورأفته بعد المعتصم خليفة في شهامته وصرامته وشجاعته، مع ما خص به من زهده وورعه وعبادته، ولم تزل جيوشه منصورة حيث يممت) (١) وقال ابن الجوزي: من أيام المقتفي عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء، ولم يبق لها منازع، وقبل ذلك من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك، وليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة. ومن سلاطين دولته: السلطان سنجر صاحب خراسان، والسلطان نور الدين محمود صاحب الشام. وكان جوادا كريما محبا للحديث وسماعه، معتنيا بالعلم مكرما لأهله (٢) [حديث من رواية المقتفي] قال ابن السمعاني: (حدثنا أبو منصور الجواليقي، حدثنا المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، أخبرنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب، أخبرنا أبو محمد الصريفيني، أخبرنا المخلص، أخبرنا إسماعيل الوراق، حدثنا حفص بن عمرو الربالي، حدثنا أبو سحيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس») (٣) [الجواليقي والمقتفي وإفحام ابن التلميذ النصراني] ولما دعا المقتفي الإمام أبا منصور الجواليقي النحوي ليجعله إماما يصلي

стр. 652

به .. دخل عليه، فما زاد على أن قال: (السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله .. وكان ابن التلميذ النصراني الطبيب قائما، فقال: ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ؟! فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي، وقال: يا أمير المؤمنين؛ سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية … وروى الحديث، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ لو حلف حالف: أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه .. لما لزمته كفارة؛ لأن الله ختم على قلوبهم، ولن يفك ختم الله إلا الإيمان، فقال المقتفي: صدقت وأحسنت، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع غزارة أدبه) (١). [من مات في عهده] وممن مات في أيام المقتفي من الأعلام: ابن الأبرش النحوي، ويونس بن مغيث، وجمال الإسلام بن المسلم الشافعي، وأبو القاسم الأصبهاني صاحب «الترغيب»، وابن برجان، والمازري المالكي صاحب «المعلم بفوائد مسلم»، والزمخشري، والرشاطي صاحب «الأنساب»، والجواليقي وهو إمامه، وابن عطية صاحب التفسير، وأبو السعادات ابن الشجري، والإمام أبو بكر ابن العربي، وناصح الدين الأرجاني الشاعر، والقاضي عياض، والحافظ أبو الوليد بن الدباغ، وأبو الأسعد هبة الرحمن القشيري، وابن غلام الفرس المقرئ، والرفاء الشاعر، والشهرستاني صاحب «الملل والنحل»، والقيسراني الشاعر، ومحمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وأبو الفضل بن ناصر الحافظ، وأبو الكرم الشهرزوري المقرئ، والوأواء الشاعر (٢)، وابن الخل إمام الشافعية، وخلائق آخرون.

стр. 653

خلافة المستنجد بالله [٥٥٥ - ٥٦٦ هـ] (١) أبو المظفر، يوسف بن المقتفي، ولد سنة ثمان عشرة وخمس مئة، وأمه: أم ولد كرجية، اسمها: طاووس. خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع وأربعين، وبويع له يوم موت أبيه. وكان موصوفا بالعدل والرفق، أطلق من المكوس شيئا كثيرا؛ بحيث لم يترك بالعراق مكسا، وكان شديدا على المفسدين؛ سجن رجلا كان يسعى بالناس مدة، فحضر رجل وبذل فيه عشرة آلاف دينار، فقال: (أنا أعطيك عشرة آلاف دينار، ودلني على آخر مثله؛ لأحبسه وأكف شره) (٢). قال ابن النجار: (وكان المستنجد موصوفا بالفهم الثاقب، والرأي الصائب، والذكاء الغالب، والفضل الباهر، له نظم بديع، ونثر بليغ، ومعرفة بعمل آلات الفلك والإسطرلاب وغير ذلك) (٣) [من شعر المستنجد بالله] ومن شعره (٤): [من الخفيف] عيرتني بالشيب وهو وقار … ليتها عيرت بما هو عار إن تكن شابت الذوائب مني … فالليالي تزينها الأقمار

стр. 654

وله في بخيل (١): [من السريع] وباخل أشعل في بيته … تكرمة منه لنا شمعة فما جرت من عينها دمعة … حتى جرت من عينه دمعة وله في وزيره ابن هبيرة وقد رأى منه ما يعجبه من تدبير مصالح المسلمين (٢): [من الطويل] صفت نعمتان خصتاك وعمتا … فذكرهما حتى القيامة يذكر وجودك والدنيا إليك فقيرة … وجودك والمعروف في الناس ينكر فلو رام يا يحيى مكانك جعفر … ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا الـ … مظفر إلا كنت أنت المظفر مات في ثمان ربيع الآخر، سنة ست وستين. وكان في أول سنة من خلافته: مات الفائز صاحب مصر، وقام بعده العاضد لدين الله، آخر خلفاء بني عبيد (٣). وفي سنة اثنتين وستين: جهز السلطان نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه في ألفي فارس إلى مصر، فنزل بالجيزة، وحاصر مصر نحو شهرين، فاستنجد صاحبها بالفرنج، فدخلوا من دمياط لنجدته، فرحل أسد الدين إلى الصعيد، ثم وقعت بينه وبين المصريين حرب انتصر فيها على قلة عسكره وكثرة عدوه، وقتل من الفرنج ألوفا. ثم جبى أسد الدين خراج الصعيد، وقصد الفرنج الإسكندرية، وقد أخذها.

стр. 655

صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ وهو ابن أخ أسد الدين، فحاصروها أربعة أشهر، فتوجه أسد الدين إليهم فرحلوا عنها فرجع إلى الشام (١). وفي سنة أربع وستين: قصدت الفرنج الديار المصرية في جيش عظيم، فملكوا بلبيس، وحاصروا القاهرة، فأحرقها صاحبها خوفا منهم، ثم كاتب السلطان نور الدين يستنجد به، فجاء أسد الدين بجيوشه، فرحل الفرنج عن القاهرة لما سمعوا بوصوله، ودخل أسد الدين، فولاه العاضد صاحب مصر الوزارة، وخلع عليه، فلم يلبث أسد الدين أن مات بعد خمسة وستين يوما، فولى العاضد مكانه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، وقلده الأمور، ولقبه: الملك الناصر، فقام بالسلطنة أتم قيام (٢). ومن أخبار المستنجد: قال الذهبي: (ما زالت الحمرة الكثيرة تعرض في السماء منذ مرض، وكانت ترمي ضوءها على الحيطان) (٣). [من مات في عهده] وممن مات في أيامه من الأعلام: الديلمي صاحب «مسند الفردوس»، والعمراني صاحب «البيان» من الشافعية، وابن البزري شافعي أهل الجزيرة، والوزير ابن هبيرة، والشيخ عبد القادر الجيلي، والإمام أبو سعد السمعاني، وأبو النجيب السهروردي، وأبو الحسن بن هذيل المقرئ، وآخرون.

стр. 656

خلافة الاستضيء بأمر الله [٥٦٦ - ٥٧٥ هـ] (١) الحسن، أبو محمد بن المستنجد بالله، ولد سنة ست وثلاثين وخمس مئة، وأمه: أم ولد أرمنية، اسمها: غضة، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه. قال ابن الجوزي: (فنادى برفع المكوس ورد المظالم، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا، وفرق مالا عظيما على الهاشميين والعلويين والعلماء والمدارس والربط، وكان دائم البذل للمال ليس له عنده وقع، ذا حلم وأناة ورأفة، ولما استخلف .. خلع على أرباب الدولة وغيرهم، فحكى خياط المخزن: أنه فصل ألفا وثلاث مئة قباء إبريسم. وخطب له على منابر بغداد، ونثرت الدنانير كما جرت العادة، وولى روح بن الحديثي القضاء، وأمر سبعة عشر مملوكا، وللحيص بيص فيه: [من الخفيف] يا إمام الهدى علوت عن الجو … د بمال وفضة ونضار فوهبت الأعمار والأمن والبلـ … ـدان في ساعة مضت من نهار فبماذا تثني عليك وقد جا … وزت فضل البحور والأمطار إنما أنت معجز مستقل … خارق للعقول والأفكار جمعت نفسك الشريفة بالبا … س وبالجود بين ماء ونار قال ابن الجوزي: واحتجب المستضيء عن أكثر الناس، فلم يركب إلا مع الخدم، ولم يدخل عليه غير قيماز. وفي خلافته: انقضت دولة بني عبيد، وخطب له بمصر، وضربت السكة.

стр. 657

باسمه، وجاء البشير بذلك، فغلقت الأسواق ببغداد، وعملت القباب، وصنفت كتابا سميته: «النصر على مصر» (١) هذا كلام ابن الجوزي. [ضعف الرفض وعودة الخطبة للعباسيين بمصر] وقال الذهبي: (في أيامه ضعف الرفض ببغداد ووهى، وأمن الناس، ورزق سعادة عظيمة في خلافته، وخطب له باليمن، وبرقة، وتوزر، ومصر إلى أسوان، ودانت الملوك بطاعته) (٢)، وذلك سنة سبع وستين. وقال العماد الكاتب: (استفتح السلطان صلاح الدين بن أيوب سنة سبع، بجامع مصر كل طاعة وسمع، وهو إقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس، وعفت البدعة، وصفت الشرعة، وأقيمت الخطبة العباسية في الجمعة الثانية بالقاهرة، وأعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء، وتسلم صلاح الدين القصر بما فيه من الذخائر والنفائس؛ بحيث استمر البيع فيه عشر سنين غير ما اصطفاه صلاح الدين لنفسه، وسير السلطان نور الدين بهذه البشارة شهاب الدين المطهر ابن العلامة شرف الدين ابن أبي عصرون إلى بغداد، وأمرني بإنشاء بشارة عامة تقرأ في سائر بلاد الإسلام، فأنشأت بشارة أولها: الحمد لله معلي الحق ومعلنه، وموهي الباطل وموهنه … ومنها: ولم يبق بتلك البلاد منبر إلا وقد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وتمهدت جوامع الجمع، وتهدمت صوامع البدع … إلى أن قال: وطالما مرت عليها الحقب الخوالي، وبقيت مئتين وثمان سنين؛ ممنوة بدعوة المبطلين، مملوءة بحزب الشياطين، فملكنا الله تلك البلاد، ومكن لنا في الأرض، وأقدرنا على ما كنا نؤمله من إزالة الإلحاد والرفض، وتقدمنا إلى من استنبناه أن يقيم الدعوة العباسية هنالك، ويورد الأدعياء ودعاة الإلحاد بها المهالك).

стр. 658

وللعماد قصيدة في ذلك منها: [من الخفيف] قد خطبنا للمستضيء بمصر … نائب المصطفى إمام العصر وخذلنا لنصره العضد العا ضد … والقاصر الذي بالقصر وتركنا الدعي يدعو ثبورا … وهو بالذل تحت حجر وحصر وأرسل الخليفة في جواب البشارة الخلع والتشريفات لنور الدين وصلاح الدين، وأعلاما وبنودا للخطباء بمصر، وسير للعماد الكاتب خلعة ومئة دينار، فعمل قصيدة أخرى منها: [من المتقارب] أدالت بمصر لداعي الهدا ة … وانتقمت من دعي اليهود (١) وقال ابن الأثير: (السبب في إقامة الخطبة العباسية بمصر: أن صلاح الدين لما ثبت قدمه وضعف أمر العاضد .. كتب إليه نور الدين يأمره بذلك، فاعتذر بالخوف من وثوب المصريين، فلم يصغ إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك، واتفق أن العاضد مرض، فاستشار صلاح الدين أمراءه: فمنهم من وافق، ومنهم من خاف، وكان قد دخل مصر أعجمي يعرف بالأمير العالم، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام .. قال: أنا أبتدئ بها. فلما كان أول جمعة من المحرم .. صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضيء، فلم ينكر ذلك أحد، فلما كان الجمعة الثانية .. أمر صلاح الدين الخطباء بقطع خطبة العاضد، ففعل ذلك ولم ينتطح فيها عنزان، والعاضد شديد المرض، فتوفي في يوم عاشوراء) (٢). وفي سنة تسع وستين: أرسل نور الدين إلى الخليفة بتقادم وتحف؛ منها: حمار مخطط [مثل] ثوب عتابي، وخرج الخلق للفرجة عليه، وكان فيهم رجل

стр. 659

عتابي كثير الدعاوي، وهو بليد ناقص الفضيلة، فقال رجل: (إن كان قد بعث إلينا حمار عتابي .. فنحن عندنا عتابي حمار) (١). وفيها: وقع برد بالسواد كالنارنج، هدم الدور، وقتل جماعة وكثيرا من المواشي، وزادت دجلة زيادة عظيمة، بحيث غرقت بغداد، وصليت الجمعة خارج السور، وزادت الفرات أيضا، وأهلكت قرى ومزارع، وابتهلت الخلق إلى الله تعالى، ومن العجائب: أن هذا الماء على هذه الصفة ودجيل قد هلكت مزارعه بالعطش (٢). وفيها: مات السلطان نور الدين، وكان صاحب دمشق وابنه الملك الصالح إسماعيل وهو صبي، فتحركت الفرنج بالسواحل، فصولحوا بمال وهودنوا (٣). وفيها: أراد جماعة من شيعة العبيديين ومحبيهم إقامة الدعوة وردها إلى آل العاضد، ووافقهم جماعة من أمراء صلاح الدين، فاطلع صلاح الدين على ذلك، فصلبهم بين القصرين (٤). وفي سنة اثنتين وسبعين: أمر صلاح الدين ببناء السور الأعظم المحيط بمصر والقاهرة، وجعل على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش (٥). قال ابن الأثير: (دوره: تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاث مئة ذراع بالهاشمي) (٦). وفيها: أمر بإنشاء قلعة بجبل المقطم، وهي التي صارت دار السلطنة، ولم تتم إلا في في أيام السلطان الملك الكامل ابن أخي صلاح الدين، وهو أول من سكنها (٧).

стр. 660

وفيها: بنى صلاح الدين تربة الإمام الشافعي (١). وفي سنة أربع وسبعين: هبت ببغداد ريح شديدة نصف الليل، وظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء، واستغاث الناس استغاثة شديدة، وبقي الأمر على ذلك إلى السحر (٢). وفي سنة خمس وسبعين: مات الخليفة المستضيء في سلخ شوال، وعهد إلى ابنه أحمد (٣). [من مات في عهده] وممن مات في أيام المستضيء من الأعلام: ابن الخشاب النحوي، وملك النحاة أبو نزار الحسن بن صافي، والحافظ أبو العلاء الهمذاني، وناصح الدين بن الدهان النحوي، والحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر من حفدة الشافعي، والحيص بيص الشاعر، والحافظ أبو بكر بن خير، وآخرون.

стр. 661

خلافة الناصر لدين الله [٥٧٥ - ٦٢٢ هـ] (١) أحمد، أبو العباس بن المستضيء بأمر الله، ولد يوم الاثنين عاشر رجب، سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة، وأمه: تركية، اسمها: زمرد، وبويع له عند موت أبيه في مستهل ذي القعدة، سنة خمس وسبعين. وأجاز له جماعة؛ منهم: أبو الحسين عبد الحق اليوسفي، وأبو الحسن علي بن عساكر البطائحي، وشهدة. وأجاز هو لجماعة، فكانوا يحدثون عنه في حياته، ويتنافسون في ذلك؛ رغبة في الفخر لا في الإسناد (٢). قال الذهبي: (ولم يل الخلافة أحد أطول مدة منه) (٣)؛ فإنه أقام فيها سبعة وأربعين سنة. ولم تزل مدة حياته في عز وجلالة وقمع للأعداء، واستظهار على الملوك، ولم يجد ضيما، ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه، ولا مخالف إلا دمغه، وكل من أضمر له سوءا .. رماه الله بالخذلان. وكان مع سعادة جده شديد الاهتمام بمصالح الملك، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيته كبارهم وصغارهم، وأصحاب أخباره في أقطار البلاد يوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة. وكانت له حيل لطيفة، ومكائد غامضة، وخدع لا يفطن لها أحد، يوقع الصداقة بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون، ويوقع العداوة بين ملوك متفقين وهم لا يفطنون.

стр. 662

[قصة مازندار مع الخليفة الناصر] ولما دخل رسول صاحب مازندران بغداد .. كانت تأتيه ورقة كل صباح بما عمل في الليل، فصار يبالغ في التكتم والورقة تأتيه، فاختلى ليلة بامرأة دخلت من باب السر، فصبحته الورقة بذلك؛ وفيها: كان عليكم دواج فيه صورة الأفيلة، فتحير، وخرج من بغداد وهو لا يشك أن الخليفة يعلم الغيب؛ لأن الإمامية يعتقدون أن الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل، وما وراء الجدار. وأتى رسول خوارزم شاه برسالة مخفية وكتاب مختوم، فقيل له: ارجع، فقد عرفنا ما جئت به، فرجع وهو يظن أنهم يعلمون الغيب (١). قال الذهبي: (قيل: إن الناصر كان مخدوما من الجن) (٢). ولما ظهر خوارزم شاه بخراسان وما وراء النهر، وتجبر وطغى، واستعبد الملوك الكبار، وأباد أمما كثيرة، وقطع خطبة بني العباس من بلاده، وقصد بغداد، فوصل إلى همذان، فوقع عليهم ثلج عظيم عشرين يوما، فغطاهم في غير أوانه، فقال له بعض خواصه: إن ذلك غضب من الله حيث قصدت بيت النبوة. وبلغه: أن أمم الترك قد تألبوا عليه، وطمعوا في البلاد؛ لبعده عنها، فكان ذلك سبب رجوعه، وكفي الناصر شره بلا قتال (٣). [كرم الخليفة الناصر] وكان الناصر إذا أطعم .. أشبع، وإذا ضرب .. أوجع، وله مواطن يعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر. ووصل رجل معه ببغاء تقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ تحفة للخليفة من الهند، فأصبحت ميتة، وأصبح حيران، فجاءه فراش يطلب منه الببغاء، فبكى وقال: الليلة ماتت، فقال: قد عرفنا هاتها ميتة، وقال: كم كان ظنك أن يعطيك الخليفة؟ قال: خمس مئة دينار.

стр. 663

فقال: هذه خمس مئة دينار، خذها فقد أرسلها إليك الخليفة؛ فإنه علم بحالك منذ خرجت من الهند. [قصة فرس الفقيه وما جرى معه] وكان صدرجهان قد صار إلى بغداد ومعه جمع من الفقهاء، وواحد منهم لما خرج من داره من سمرقند على فرس جميلة، فقال له أهله: لو تركتها عندنا لئلا تؤخذ منك في بغداد؟! فقال: الخليفة لا يقدر أن يأخذها مني، فأمر بعض الوقادين: أنه حين يدخل بغداد يضربه، ويأخذها منه، ويهرب في الزحمة، ففعل. فجاء الفقيه يستغيث فلا يغاث، فلما رجعوا من الحج .. خلع على صدرجهان وأصحابه، وخلع على ذلك الفقيه، وقدمت له فرسه وعليها سرج من ذهب وطوق، وقيل له: لم يأخذ فرسك الخليفة، إنما أخذها أتوني، فخر مغشيا عليه، وأسجل بكرامتهم (١). [هيبة الناصر في قلوب الرعية] وقال الموفق عبد اللطيف: (كان الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد، فأحيا هيبة الخلافة، وكانت قد ماتت بموت المعتصم، ثم ماتت بموته. وكان الملوك والأكابر بمصر والشام إذا جرى ذكره في خلواتهم .. خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالا، وورد بغداد تاجر ومعه متاع دمياط المذهب، فسألوه عنه فأنكر، فأعطي علامات فيه؛ من عدده وألوانه وأصنافه، فازداد إنكاره، فقيل له: من العلامات: أنك نقمت على مملوكك التركي فلان، فأخذته إلى سيف بحر دمياط خلوة، وقتلته ودفنته هناك ولم يشعر بذلك أحد!!) (٢).

стр. 664

وقال ابن النجار: (دانت السلاطين للناصر، ودخل تحت طاعته من كان من المخالفين، وذلت له العتاة والطغاة، وانقهرت بسيفه الجبابرة، واندحض أعداؤه، وكثر أنصاره، وفتح البلاد العديدة، وملك من الممالك ما لم يملكه أحد ممن تقدمه من الخلفاء والملوك، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين، وكان أسد بني العباس، تتصدع لهيبته الجبال، وكان حسن الخلق، لطيف الخلق، كامل الظرف، فصيح اللسان، بليغ البيان، له التوقيعات المسددة، والكلمات المؤيدة، كانت أيامه غرة في وجه الدهر، ودرة في تاج الفخر) (١). وقال ابن واصل: (كان الناصر شهما شجاعا، ذا فكرة صائبة وعقل رصين، ومكر ودهاء، وله أصحاب أخبار في العراق وسائر الأطراف، يطالعونه بجزئيات الأمور، حتى ذكر أن رجلا ببغداد عمل دعوة وغسل يده قبل أضيافه، فطالع صاحب الخبر الناصر بذلك، فكتب في جواب ذلك: سوء أدب من صاحب الدار، وفضول من كاتب المطالعة). قال: (وكان مع ذلك رديء السيرة في الرعية، مائلا إلى الظلم والعسف، ففارق أهل البلاد بلادهم، وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل أفعالا متضادة، وكان يتشيع ويميل إلى مذهب الإمامية، بخلاف آبائه، حتى إن ابن الجوزي سئل بحضرته: من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أفضلهم بعده: من كانت ابنته تحته، ولم يقدر أن يصرح بتفضيل أبي بكر) (٢). وقال ابن الأثير: (كان الناصر سيئ السيرة، خربت في أيامه العراق مما أحدثه من الرسوم، وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل الشيء وضده، وكان يرمي بالبندق ويغوي الحمام) (٣). وقال الموفق عبد اللطيف: (وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث، واستناب نوابا في الإجازة عنه والتسميع، وأجرى عليهم جرايات، وكتب

стр. 665

للملوك والعلماء إجازات، وجمع كتابا سبعين حديثا، ووصل إلى حلب وسمعه الناس (١). قال الذهبي: (أجاز الناصر لجماعة من الأعيان فحدثوا عنه؛ منهم: ابن سكينة، وابن الأخضر، وابن النجار، وابن الدامغاني وآخرون) (٢). قال أبو المظفر سبط الجوزي وغيره: (قل بصر الناصر في آخر عمره، وقيل: ذهب جله، ولم يشعر بذلك أحد من الرعية حتى الوزير وأهل الدار، وكان له جارية قد علمها الخط بنفسه، فكانت تكتب مثل خطه فتكتب على التواقيع) (٣). وقال شمس الدين الجزري: (كان الماء الذي يشربه الناصر تأتي به الدواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ، ويغلى سبع غلوات كل يوم غلوة، ثم يحبس في الأوعية سبعة أيام، ثم يشرب منه، وبعد هذا ما مات .. حتى سقي المرقد مرات (٤)، وشق ذكره وأ وأخرج منه الحصى (٥)، ومات منه يوم الأحد، سلخ رمضان، سنة اثنتين وعشرين وست مئة). ومن لطائفه: أن خادما له اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب، فوقع فيها: [من مجزوء الرجز] بمن يمن يمن … ثمن يمن ثمن (٦) ولما تولى الخلافة .. بعث إلى السلطان صلاح الدين بالخلع والتقليد، وكتب إليه السلطان كتابا يقول فيه: (والخادم - والله الحمد - يعدد سوابق في الإسلام والدولة العباسية لا يعدها أولية أبي مسلم؛ لأنه والى ثم وارى، ولا آخرية طغرلبك؛ لأنه نصر ثم حجر، والخادم خلع من كان ينازع الخلافة رداءها،

стр. 666

وأساغ الغصة التي ذخر الله للإساغة في سيفه ماءها، فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر، وأعز بتأييد إبراهيمي، فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الظاهر (١) ومن الحوادث في أيامه منثورة في سنة سبع وسبعين: أرسل الملك الناصر يعاتب السلطان صلاح الدين في تسميته بالملك الناصر، مع علمه أن الخليفة اختار هذه التسمية لنفسه (٢) وفي سنة ثمانين: جعل الخليفة مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذ به، فالتجأ إليه خلق، وحصل بذلك مفاسد (٣) وفي سنة إحدى وثمانين: ولد بالعلث ولد طول جبهته شبر وأربع أصابع، وله أذن واحدة (٤) وفيها: وردت الأخبار بأنه خطب للناصر بمعظم بلاد المغرب (٥) [بيان كذب المنجمين] وفي سنة اثنتين وثمانين: اجتمع الكواكب الستة في الميزان، فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح، فشرع الناس في حفر مغارات في التخوم وتوثيقها، وسد منافسها على الريح، ونقلوا إليها الماء والزاد، وانتقلوا إليها، وانتظروا الليلة التي وعدوا فيها بريح كريح عاد؛ وهي الليلة التاسعة من جمادى الآخرة، فلم يأت فيها شيء، ولا هب فيها نسيم؛

стр. 667

بحيث أوقدت الشموع فلم يتحرك فيها ريح تطفئها، وعملت الشعراء في ذلك، فمما قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلم (١): قل لأبي الفضل قول معترف … مضى جمادى وجاءنا رجب وما جرت زعزعا كما حكموا … ولا بدا كوكب له ذنب كلا ولا أظلمت ذكاء ولا … أبدت إذن في قرانها الشهب يقضي عليها من ليس يعلم ما … يقضى عليه هذا هو العجب قد بان كذب المنجمين وفي … أي مقال قالوا فما كذبوا [اتفاق عجيب] وفي سنة ثلاث وثمانين: اتفق أن أول يوم في السنة كان أول أيام الأسبوع، وأول السنة الشمسية وأول سني الفرس، والشمس والقمر في أول البرج، وكان ذلك من الاتفاقات العجيبة (٢) [فتوحات السلطان صلاح الدين] وفيها: كانت الفتوحات الكثيرة، أخذ السلطان صلاح الدين كثيرا من البلاد الشامية التي كانت بيد الفرنج، وأعظم ذلك بيت المقدس، وكان بقاؤه في يد الفرنج إحدى وتسعين سنة، وأزال السلطان ما أحدثه الفرنج من الآثار، وهدم ما أحدثوه من الكنائس، وبنى موضع كنيسة منها مدرسة للشافعية، فجزاه الله عن الإسلام خيرا، ولم يهدم القمامة اقتداء بعمر ﵁؛ حيث لم يهدمها لما فتح بيت المقدس، وقال في ذلك محمد بن أسعد النسابة (٣): أترى مناما ما بعيني أبصر … القدس يفتح والنصارى تكسر

стр. 668

وقمامة قمت من الرجس الذي … بزواله وزوالها يتطهر ومليكهم في القيد مصفود ولم … ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر قد جاء نصر الله والفتح الذي … وعد الرسول فسبحوا واستغفروا يا يوسف الصديق أنت لفتحها … فاروقها عمر الإمام الأطهر من الغريب: أن ابن برجان ذكر في تفسير: ﴿الم غلبت الروم﴾: أن بيت المقدس يبقى في يد الروم إلى سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، ثم يغلبون ويفتح ويصير دار إسلام إلى آخر الأبد؛ أخذا من حساب الآية، فكان كذلك (١) قال أبو شامة: وهذا الذي ذكره ابن برجان من عجائب ما اتفق، وقد مات ابن برجان قبل ذلك بدهر فإن وفاته سنة … ... . (٢). [وفاة القائد صلاح الدين وتركته] وفي سنة تسع وثمانين: مات السلطان صلاح الدين ﵀، فوصل إلى بغداد الرسول وفي صحبته لأمة الحرب التي لصلاح الدين، وفرسه، ودينار واحد، وستة وثلاثون درهما لم يخلف من المال سواها، واستقرت مصر لابنه عماد الدين عثمان الملك العزيز، ودمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين علي، وحلب لابنه الملك الظاهر غياث الدين غازي (٣) وفي سنة تسعين: مات السلطان طغريل (٤) شاه بن أرسلان بن طغريل بن محمد بن ملك شاه؛ وهو آخر ملوك السلجوقية (٥) قال الذهبي: (وكان عددهم نيفا وعشرين ملكا، أولهم: طغرلبك

стр. 669

الذي أعاد القائم إلى بغداد، ومدة دولتهم مئة وستون سنة (١). وفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة: هبت ريح سوداء بمكة عمت الدنيا، ووقع على الناس رمل أحمر، ووقع من الركن اليماني قطعة (٢). وفيها: عسكر خوارزم شاه، فعدا جيحون في خمسين ألفا، وبعث إلى الخليفة يطلب السلطنة وإعادة دار السلطنة إلى ما كانت، وأن يجيء إلى بغداد، ويكون الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السلجوقية، فهدم الخليفة دار السلطنة، ورد رسوله بلا جواب، ثم كفى الله شره؛ كما تقدم (٣). وفي سنة ثلاث وتسعين: انقض كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت هائل، واهتزت الدور والأماكن، فاستغاث الناس وأعلنوا بالدعاء، وظنوا ذلك من أمارات القيامة (٤). وفي سنة خمس وتسعين: مات الملك العزيز بمصر، وأقيم ابنه المنصور بدله، فوثب الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب وتملكها، ثم أقام بها ابنه الملك الكامل (٥). [شدة الغلاء وأكل الناس الجيف] وفي سنة ست وتسعين: توقف النيل بمصر؛ بحيث كسر ولم يكمل ثلاثة عشر ذراعا، فكان الغلاء المفرط؛ بحيث أكلوا الجيف والآدميين، وفشا أكل بني آدم، واشتهر ورئي من ذلك العجب العجاب، وتعدوا إلى حفر القبور وأكل

стр. 670

الموتى، وتمزق أهل مصر كل ممزق، وكثر الموت من الجوع؛ بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلا على ميت، أو من هو في السياق، وهلك أهل القرى قاطبة؛ بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، ويجد البيوت مفتحة وأهلها موتى (١). وقد حكى الذهبي في ذلك حكايات يقشعر الجلد من سماعها، قال: (وصارت الطرق مزرعة بالموتى، ومأدبة بلحومهم للطير والسباع، وأبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة، واستمر ذلك إلى أثناء سنة ثمان وتسعين) (٢) وفي سنة سبع وتسعين: جاءت زلزلة كبرى بمصر والشام والجزيرة، فأخربت أماكن كثيرة وقلاعا، وخسفت قرية من أعمال بصرى (٣). وفي سنة تسع وتسعين في سلخ المحرم: ماجت النجوم، وتطايرت تطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق وضجوا إلى الله تعالى، ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول الله ﷺ (٤). وفي سنة ست مئة: هجم الفرنج إلى النيل من رشيد، ودخلوا بلد فوة فنهبوها، واستباحوها ورجعوا (٥).
следующие страницы →