وأساغ الغصة التي ذخر الله للإساغة في سيفه ماءها، فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر، وأعز بتأييد إبراهيمي، فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الظاهر (١)
ومن الحوادث في أيامه منثورة
في سنة سبع وسبعين: أرسل الملك الناصر يعاتب السلطان صلاح الدين في تسميته بالملك الناصر، مع علمه أن الخليفة اختار هذه التسمية لنفسه (٢)
وفي سنة ثمانين: جعل الخليفة مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذ به، فالتجأ إليه خلق، وحصل بذلك مفاسد (٣)
وفي سنة إحدى وثمانين: ولد بالعلث ولد طول جبهته شبر وأربع أصابع، وله أذن واحدة (٤)
وفيها: وردت الأخبار بأنه خطب للناصر بمعظم بلاد المغرب (٥)
[بيان كذب المنجمين]
وفي سنة اثنتين وثمانين: اجتمع الكواكب الستة في الميزان، فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح، فشرع الناس في حفر مغارات في التخوم وتوثيقها، وسد منافسها على الريح، ونقلوا إليها الماء والزاد، وانتقلوا إليها، وانتظروا الليلة التي وعدوا فيها بريح كريح عاد؛ وهي الليلة التاسعة من جمادى الآخرة، فلم يأت فيها شيء، ولا هب فيها نسيم؛
стр. 667
بحيث أوقدت الشموع فلم يتحرك فيها ريح تطفئها، وعملت الشعراء في ذلك، فمما قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلم (١):
قل لأبي الفضل قول معترف … مضى جمادى وجاءنا رجب
وما جرت زعزعا كما حكموا … ولا بدا كوكب له ذنب
كلا ولا أظلمت ذكاء ولا … أبدت إذن في قرانها الشهب
يقضي عليها من ليس يعلم ما … يقضى عليه هذا هو العجب
قد بان كذب المنجمين وفي … أي مقال قالوا فما كذبوا
[اتفاق عجيب]
وفي سنة ثلاث وثمانين: اتفق أن أول يوم في السنة كان أول أيام الأسبوع، وأول السنة الشمسية وأول سني الفرس، والشمس والقمر في أول البرج، وكان ذلك من الاتفاقات العجيبة (٢)
[فتوحات السلطان صلاح الدين]
وفيها: كانت الفتوحات الكثيرة، أخذ السلطان صلاح الدين كثيرا من البلاد الشامية التي كانت بيد الفرنج، وأعظم ذلك بيت المقدس، وكان بقاؤه في يد الفرنج إحدى وتسعين سنة، وأزال السلطان ما أحدثه الفرنج من الآثار، وهدم ما أحدثوه من الكنائس، وبنى موضع كنيسة منها مدرسة للشافعية، فجزاه الله عن الإسلام خيرا، ولم يهدم القمامة اقتداء بعمر ﵁؛ حيث لم يهدمها لما فتح بيت المقدس، وقال في ذلك محمد بن أسعد النسابة (٣):
أترى مناما ما بعيني أبصر … القدس يفتح والنصارى تكسر
стр. 668
وقمامة قمت من الرجس الذي … بزواله وزوالها يتطهر
ومليكهم في القيد مصفود ولم … ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر
قد جاء نصر الله والفتح الذي … وعد الرسول فسبحوا واستغفروا
يا يوسف الصديق أنت لفتحها … فاروقها عمر الإمام الأطهر
من الغريب: أن ابن برجان ذكر في تفسير: ﴿الم غلبت الروم﴾: أن بيت المقدس يبقى في يد الروم إلى سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، ثم يغلبون ويفتح ويصير دار إسلام إلى آخر الأبد؛ أخذا من حساب الآية، فكان كذلك (١)
قال أبو شامة: وهذا الذي ذكره ابن برجان من عجائب ما اتفق، وقد مات ابن برجان قبل ذلك بدهر فإن وفاته سنة … ... . (٢).
[وفاة القائد صلاح الدين وتركته]
وفي سنة تسع وثمانين: مات السلطان صلاح الدين ﵀، فوصل إلى بغداد الرسول وفي صحبته لأمة الحرب التي لصلاح الدين، وفرسه، ودينار واحد، وستة وثلاثون درهما لم يخلف من المال سواها، واستقرت مصر لابنه عماد الدين عثمان الملك العزيز، ودمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين علي، وحلب لابنه الملك الظاهر غياث الدين غازي (٣)
وفي سنة تسعين: مات السلطان طغريل (٤) شاه بن أرسلان بن طغريل بن محمد بن ملك شاه؛ وهو آخر ملوك السلجوقية (٥)
قال الذهبي: (وكان عددهم نيفا وعشرين ملكا، أولهم: طغرلبك
стр. 669
الذي أعاد القائم إلى بغداد، ومدة دولتهم مئة وستون سنة (١).
وفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة: هبت ريح سوداء بمكة عمت الدنيا، ووقع على الناس رمل أحمر، ووقع من الركن اليماني قطعة (٢).
وفيها: عسكر خوارزم شاه، فعدا جيحون في خمسين ألفا، وبعث إلى الخليفة يطلب السلطنة وإعادة دار السلطنة إلى ما كانت، وأن يجيء إلى بغداد، ويكون الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السلجوقية، فهدم الخليفة دار السلطنة، ورد رسوله بلا جواب، ثم كفى الله شره؛ كما تقدم (٣).
وفي سنة ثلاث وتسعين: انقض كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت هائل، واهتزت الدور والأماكن، فاستغاث الناس وأعلنوا بالدعاء، وظنوا ذلك من أمارات القيامة (٤).
وفي سنة خمس وتسعين: مات الملك العزيز بمصر، وأقيم ابنه المنصور بدله، فوثب الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب وتملكها، ثم أقام بها ابنه الملك الكامل (٥).
[شدة الغلاء وأكل الناس الجيف]
وفي سنة ست وتسعين: توقف النيل بمصر؛ بحيث كسر ولم يكمل ثلاثة عشر ذراعا، فكان الغلاء المفرط؛ بحيث أكلوا الجيف والآدميين، وفشا أكل بني آدم، واشتهر ورئي من ذلك العجب العجاب، وتعدوا إلى حفر القبور وأكل
стр. 670
الموتى، وتمزق أهل مصر كل ممزق، وكثر الموت من الجوع؛ بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلا على ميت، أو من هو في السياق، وهلك أهل القرى قاطبة؛ بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، ويجد البيوت مفتحة وأهلها موتى (١).
وقد حكى الذهبي في ذلك حكايات يقشعر الجلد من سماعها، قال: (وصارت الطرق مزرعة بالموتى، ومأدبة بلحومهم للطير والسباع، وأبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة، واستمر ذلك إلى أثناء سنة ثمان وتسعين) (٢)
وفي سنة سبع وتسعين: جاءت زلزلة كبرى بمصر والشام والجزيرة، فأخربت أماكن كثيرة وقلاعا، وخسفت قرية من أعمال بصرى (٣).
وفي سنة تسع وتسعين في سلخ المحرم: ماجت النجوم، وتطايرت تطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق وضجوا إلى الله تعالى، ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول الله ﷺ (٤).
وفي سنة ست مئة: هجم الفرنج إلى النيل من رشيد، ودخلوا بلد فوة فنهبوها، واستباحوها ورجعوا (٥).
стр. 671
وفي سنة إحدى وست مئة: تغلبت الفرنج على القسطنطينية، وأخرجوا الروم منها، وكانت بأيدي الروم من قبل الإسلام، واستمرت بيد الفرنج إلى سنة ستين وست مئة، فاستعادها منهم الروم (١)
وفيها - أي: سنة إحدى -: ولدت امرأة بقطفتا ولدا برأسين ويدين وأربعة أرجل، ولم يعش (٢)
وفي سنة ست وست مئة: كان ابتداء أمر التتار، وسيأتي شرح حالهم (٣)
وفي سنة خمس عشرة: أخذت الفرنج من دمياط برج السلسلة (٤)
قال أبو شامة: (وهذا البرج كان قفل الديار المصرية، وهو برج عال في وسط النيل، ودمياط بحذائه من شرقيه، والجيزة بحذائه من غربيه، وفي ناحيته سلسلتان؛ تمتد إحداهما على النيل إلى دمياط، والأخرى على النيل إلى الجيزة، يمنعان عبور المراكب من البحر المالح) (٥)
وفي سنة ست عشرة: أخذت الفرنج دمياط بعد حروب ومحاصرات، وضعف الملك الكامل عن مقاومتهم، فبدعوا فيها، وجعلوا الجامع كنيسة، فابتنى الملك الكامل مدينة عند مفرق البحرين وسماها المنصورة، وبنى عليها سورا ونزلها بجيشه (٦)
وفي هذه السنة: كاتبه قاضي القضاة زكي الدين الطاهر، وكان الملك
стр. 672
المعظم صاحب دمشق في نفسه منه، فأرسل له بقجة فيها قباء وكلوتة (١)، وأمره بلبسها بين الناس في مجلس حكمه، فلم يمكنه الامتناع، ثم قام ودخل داره، ولزم بيته، ومات بعد أشهر قهرا، ورمى قطعا من كبده، وتأسف الناس لذلك، واتفق أن الملك المعظم أرسل في عقب ذلك إلى الشرف بن عنين حين تزهد خمرا ونردا، وقال: سبح بهذا، فكتب إليه (٢):
يا أيها الملك المعظم سنة … أحدثتها تبقى إلى الآباد
تجري الملوك على طريقك بعدها … خلع القضاة وتحفة الزهاد
وفي سنة ثمان عشرة: استردت دمياط من الفرنج، فلله الحمد (٣)
وفي سنة إحدى وعشرين: بنيت دار الحديث الكاملية بالقاهرة بين القصرين، وجعل شيخها أبو الخطاب ابن دحية (٤)
وكانت الكعبة تكسى الديباج الأبيض من أيام المأمون إلى الآن، فكساها الناصر ديباجا أخضر، ثم كساها ديباجا أسود، فاستمر إلى الآن
[من مات في عهده]
وممن مات في أيام الناصر من الأعلام: الحافظ أبو طاهر السلفي، وأبو الحسن بن العصار اللغوي، والكمال أبو البركات ابن الأنباري، وسيدي أحمد الرفاعي الزاهد، وابن بشكوال، ويونس والد بني يونس من الشافعية، وأبو بكر ابن طاهر الخدب النحوي، وأبو الفضل والد الرافعي، وابن ملكون النحوي، وعبد الحق الإشبيلي صاحب «الأحكام»، وأبو زيد الشهيلي صاحب
стр. 673
«الروض الأنف»، والحافظ أبو موسى المديني، وابن بري اللغوي، والحافظ أبو بكر الحازمي، والشرف ابن أبي عصرون، وأبو القاسم البخاري العتابي صاحب «الجامع الكبير» من كبار الحنفية، والنجم الخبوشاني المشهور بالصلاح، وأبو القاسم بن فيرة الشاطبي صاحب القصيدة، وفخر الدين أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب بن الدهان الفرضي؛ أول من وضع الفرائض على شكل المنبر، والبرهان المرغيناني صاحب «الهداية» من الحنفية، وقاضي خان صاحب «الفتاوى» منهم، وعبد الرحيم بن حجون الزاهد بالصعيد، وأبو الوليد ابن رشد صاحب العلوم الفلسفية، وأبو بكر ابن زهر الطبيب، والجمال بن فضلان من الشافعية، والقاضي الفاضل صاحب الإنشاء والترسل، والشهاب الطوسي، وأبو الفرج بن الجوزي، والعماد الكاتب، وابن عظيمة المقرئ، والحافظ عبد الغني المقدسي صاحب «العمدة»، والركن الطاووسي صاحب الخلاف، وشميم الحلي، وأبو ذر الخشني النحوي، والإمام فخر الدين الرازي، وأبو السعادات المجد ابن الأثير صاحب «جامع الأصول» و «نهاية الغريب»، والعماد بن يونس صاحب «شرح الوجيز»، والشرف شارح «التنبيه»، والحافظ أبو الحسن بن المفضل، وأبو محمد بن حوط الله، وأخوه أبو سليمان، والحافظ عبد القادر الرهاوي، والزاهد أبو الحسن بن الصباغ بقنا، والوجيه ابن الدهان النحوي، وتقي الدين المقترح، وأبو اليمن الكندي النحوي، والمعين الجاجرمي صاحب (الكفاية) من الشافعية، والركن العميدي صاحب «الطريقة في الخلاف»، وأبو البقاء العكبري صاحب «الإعراب»، وابن أبي أصيبعة الطبيب، وعبد الرحيم بن السمعاني، ونجم الدين الكبري (١)، وابن أبي الصيف اليمني، وموفق الدين بن قدامة الحنبلي، وفخر الدين بن عساكر، وخلائق آخرون
стр. 674
خلافة الظاهر بأمر الله [٦٢٢ - ٦٢٣ هـ] (١)
أبو نصر، محمد بن الناصر لدين الله، ولد سنة إحدى وسبعين وخمس مئة، وبايع له أبوه بولاية العهد، واستخلف عند موت والده وهو ابن اثنتين وخمسين سنة، فقيل له: ألا تتفسح؟ قال: لقد لقس الزرع، فقيل: يبارك الله في عمرك، قال: من فتح دكانا بعد العصر .. أيش يكسب؟!
ثم إنه أحسن إلى الرعية، وأبطل المكوس، وأزال المظالم، وفرق الأموال، ذكر ذلك أبو شامة (٢).
[إظهار الخليفة للعدل]
وقال ابن الأثير في «الكامل»: (لما ولي الظاهر .. أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين، فلو قيل: ما ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله .. لكان القائل صادقا؛ فإنه أعاد من الأموال المغصوبة والأملاك المأخوذة في أيام أبيه وقبلها شيئا كثيرا، وأطلق المكوس في البلاد جميعها، وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق، وبإسقاط جميع ما جدده أبوه، وكان ذلك كثيرا لا يحصى.
فمن ذلك: يعقوبا كان يحصل منها قديما عشرة آلاف دينار، فلما استخلف الناصر .. كان يؤخذ منها في السنة ثمانون ألف دينار، فاستغاث أهلها، فأعادها الظاهر إلى الخراج الأول.
ولما أعاد الخراج الأصلي على البلاد .. حضر خلق، وذكروا: أن أملاكهم
стр. 675
قد يبست أكثر أشجارها وخربت، فأمر: ألا يؤخذ إلا من كل شجرة سالمة.
ومن عدله: أن صنجة المخزن كانت راجحة نصف قيراط في المثقال، يقبضون بها ويعطون بصنجة البلد، فخرج خطه إلى الوزير؛ وأوله: ﴿ويل للمطففين … الآيات﴾؛ وفيه: قد بلغنا كذا وكذا، فتعاد صنجة الخزانة إلى ما يتعامل به الناس.
فكتبوا إليه: إن هذا فيه تفاوت كثير، وقد حسبناه في العام الماضي فكان خمسة وثلاثين ألف دينار، فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول: يبطل ولو أنه ثلاث مئة ألف وخمسون ألف دينار.
ومن عدله: أن صاحب الديوان قدم من واسط ومعه أزيد من مئة ألف دينار من ظلم، فردها على أربابها.
وأخرج أهل الحبوس، وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفيها عمن أعسر، وفرق ليلة عيد النحر على العلماء والصلحاء مئة ألف دينار، وقيل له: هذا الذي تخرجه من الأموال لا تسمح نفس ببعضه، فقال: أنا فتحت الدكان بعد العصر؛ فاتركوني أفعل الخير، فكم بقيت أعيش؟!
ووجد في بيت من داره ألوف رقاع كلها مختومة، فقيل له: لم لم تفتحها؟ قال: لا حاجة لنا فيها، كلها سعاياتهذا كله كلام ابن الأثير (١).
وقال سبط ابن الجوزي: (لما دخل إلى الخزائن .. قال له خادم: في أيامك تمتلئ؟! فقال: ما فعلت الخزائن لتمتلئ، بل لتفرغ وتنفق في سبيل الله؛ فإن الجمع شغل التجار) (٢).
وقال ابن واصل: (أظهر العدل، وأزال المكس، وظهر للناس، وكان أبوه لا يظهر إلا نادرا) (٣).
стр. 676
توفي ﵀ في ثالث عشر رجب، سنة ثلاث وعشرين، فكانت خلافته تسعة أشهر وأياما.
وقد روى الحديث عن والده بالإجازة، روى عنه: أبو صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي.
ولما توفي .. اتفق خسوف القمر مرتين في السنة، فجاء ابن الأثير نصر الله رسولا من صاحب الموصل برسالة في التعزية؛ أولها: (ما لليل والنهار لا يعتذران وقد عظم حادثهما، وما للشمس والقمر لا ينكسفان وقد فقد ثالثهما: [من الطويل]
فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة … ووحدة من فيها لمصرع واحد
وهو سيدنا ومولانا الإمام الظاهر أمير المؤمنين، الذي جعلت ولايته رحمة للعالمين … ) إلى آخر الرسالة (١).
стр. 677
خلافة المستنصر بالله [٦٢٣ - ٦٤٠ هـ] (١)
أبو جعفر، منصور بن الظاهر بأمر الله، ولد في صفر، سنة ثمان وثمانين وخمس مئة، وأمه: جارية تركية.
قال ابن النجار: (وبويع بعد موت أبيه في رجب، سنة ثلاث وعشرين وست مئة، فنشر العدل في الرعايا، وبذل الإنصاف في القضايا، وقرب أهل العلم والدين، وبنى المساجد والربط والمدارس والمارستانات، وأقام منار الدين، وقمع المتمردة، ونشر السنن، وكف الفتن، وحمل الناس على أقوم سنن، وقام بأمر الجهاد أحسن قيام، وجمع الجيوش لنصرة الإسلام، وحفظ الثغور، وافتتح الحصون) (٢).
وقال الموفق عبد اللطيف: (بويع أبو جعفر، فسار السيرة الجميلة، وعمر طرق المعروف الدائرة، وأقام شعار الدين ومنار الإسلام، واجتمعت القلوب على محبته والألسنة على مدحه، ولم يجد أحد من المتعنتة فيه معابا.
وكان جده الناصر يقربه، ويسميه القاضي؛ لهديه وعقله وإنكار ما يجده من المنكر) (٣).
[بناء المدرسة المستنصرية]
وقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري: (كان المستنصر راغبا في فعل الخير، مجتهدا في تكثير البر، وله في ذلك آثار جميلة، وأنشأ المدرسة.
стр. 678
المستنصرية، ورتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم) (١)
وقال ابن واصل: (بنى المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة ما بني على وجه الأرض أحسن منها، ولا أكثر وقوفا، وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة، وعمل فيها بيمارستانا، ورتب فيها مطبخا للفقهاء، ومزملة للماء البارد، ورتب لبيوت الفقهاء الحصر والبسط والزيت والورق والحبر وغير ذلك، وللفقيه بعد ذلك في الشهر دينار (٢)، ورتب لهم حماما، وهو أمر لم يسبق إلى مثله، واستخدم عساكر عظيمة لم يستخدم مثلها أبوه ولا جده وكان ذا همة عالية وشجاعة وإقدام عظيم، قصدت التتار البلاد فلقيهم عسكره، فهزموا التتار هزيمة عظيمة، وكان له أخ يقال له: الخفاجي، فيه شهامة زائدة، وكان يقول: لئن وليت .. لأعبرن بالعساكر نهر جيحون، وآخذ البلاد من أيدي التتار، وأستأصلهم، فلما مات المستنصر .. لم ير الدويدار ولا الشرابي تقليد الخفاجي؛ خوفا منه، وأقاما ابنه أحمد؛ للينه وضعف رأيه؛ ليكون لهما الأمر؛ ليقضي الله أمرا كان مفعولا من هلاك المسلمين في مدته، وتغلب التتار، فإنا لله وإنا إليه راجعون) (٣)
[افتتاح المدرسة المستنصرية وما وقف عليها]
قال الذهبي: (وقد بلغ ارتفاع وقوف المستنصرية في العام نيفا وسبعين ألف مثقال، وكان ابتداء عمارتها في سنة خمس وعشرين، وتمت في سنة إحدى وثلاثين، ونقل إليها الكتب وهي مئة وستون حملا من الكتب النفيسة، وعدة فقهائها مئتان وثمانية وأربعون فقيها من المذاهب الأربعة، وأربعة مدرسون وشيخ حديث، وشيخ نحو، وشيخ طب، وشيخ فرائض، ورتب فيها الخبز والطبيخ والحلاوة والفاكهة، وجعل فيها ثلاثون يتيما، ووقف عليها ما لا يعبر عنه
стр. 679
كثرة … ثم سرد الذهبي القرى والرباع الموقوفة عليها، قال: وفتحت يوم الخميس في رجب، وحضر القضاة والمدرسون والأعيان وسائر الدولة، وكان يوما مشهودا) (١).
ومن الحوادث في أيام المستنصر
في سنة ثمان وعشرين: أمر الملك الأشرف صاحب دمشق ببناء دار الحديث الأشرفية، وفرغت في سنة ثلاثين (٢).
[ضرب دراهم الفضة بأمر المستنصر]
وفي سنة اثنتين وثلاثين: أمر المستنصر بضرب الدراهم الفضة؛ ليتعامل الناس بها بدلا عن قراضة الذهب، فجلس الوزير وأحضر الولاة والتجار والصيارفة، وفرشت الأنطاع، وأفرغ عليها الدراهم، وقال الوزير: قد رسم مولانا أمير المؤمنين لمعاملتكم بهذه الدراهم عوضا عن قراضة الذهب؛ رفقا بكم وإنقاذا لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوي، فأعلنوا بالدعاء، ثم أديرت بالعراق، وسعرت كل عشرة بدينار، فقال الموفق أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد (٣): [من الخفيف]
لا عدمنا جميل رأيك فينا … أنت باعدتنا عن التطفيف
ورسمت اللجين حتى ألفنا … هـ وما كان قبل بالمألوف
ليس للجمع كان منعك للصرف … ولكن للعدل والتعريف
وفي سنة خمس وثلاثين وست مئة: ولي قضاء دمشق شمس الدين أحمد
стр. 680
الجوني؛ وهو أول قاض رتب مراكز الشهود بالبلد، وكان قبل ذلك يذهب الناس إلى بيوت العدول يشهدونهم (١).
وفيها: مات السلطانان الأخوان: الأشرف صاحب دمشق، والكامل صاحب مصر بعده بشهرين، وتسلطن بمصر ولد الكامل قلامة، ولقب: العادل، ثم خلع وتملك أخوه الصالح أيوب نجم الدين (٢).
وفي سنة سبع وثلاثين وست مئة: ولي خطابة دمشق الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فخطب خطبة عرية من البدع، وأزال الأعلام المذهبة، وأقام عوضها سودا بأبيض، ولم يؤذن قدامه سوى مؤذن واحد (٣).
وفيها: قدم رسول الأمير الذي تملك اليمن نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني إلى الخليفة، يطلب تقليدا بسلطنة اليمن بعد موت الملك المسعود ابن الملك الكامل، وبقي الملك في بنيه إلى سنة نيف (٤) وثمان مئة (٥).
وفي سنة تسع وثلاثين وست مئة: بنى الصالح صاحب مصر المدرسة التي بين القصرين، والقلعة التي بالروضة، ثم أخرب غلمانه القلعة المذكورة سنة إحدى وخمسين وست مئة (٦).
[وفاة المستنصر]
وفي سنة أربعين وست مئة: توفي المستنصر يوم الجمعة عاشر جمادى
стр. 681
الآخرة، ورثاه الشعراء، فمن ذلك قول صفي الدين عبد الله بن جميل (١): [من الكامل]
[عز العزاء وأعوز الإلمام … واسترجعت ما أعطت الأيام
فدع العيون تسح بعد فراقهم … عوض الدموع دما فليس تلام
بانوا فلا قلبي يقر قراره … أسفا ولا جفني القريح ينام
فعلى الذين فقدتهم وعدمتهم … مني تحية موجع وسلام]
ومن مناقب المستنصر: (أن الوجيه القيرواني مدحه بقصيدة يقول فيها: [من الكامل]
لو كنت في يوم السقيفة حاضرا … كنت المقدم والإمام الأورعا
فقال له قائل بحضرته: أخطأت؛ قد كان حاضرا العباس جد أمير المؤمنين، ولم يكن المقدم إلا أبو بكر، فأقر ذلك المستنصر، وخلع على القائل ذلك خلعة، وأمر بنفي الوجيه، فخرج إلى مصر) حكاها الذهبي (٢)
[من مات في عهده]
وممن مات في أيام المستنصر من الأعلام: الإمام أبو القاسم الرافعي، والجمال المصري، وابن معزوز النحوي، وياقوت الحموي، والسكاكي صاحب «المفتاح»، والحافظ أبو الحسن بن القطان، ويحيى بن معطي صاحب «الألفية» في النحو، والموفق عبد اللطيف البغدادي، والحافظ أبو بكر بن نقطة، والحافظ عز الدين علي بن الأثير صاحب «التاريخ» و «الأنساب» و «أسد الغابة»، وابن عنين الشاعر، والسيف الآمدي، وابن فضلان، وعمر بن الفارض صاحب (التائية)، والشهاب السهروردي صاحب «عوارف المعارف»، والبهاء بن شداد، وأبو العباس العزفي صاحب المولد النبوي،
стр. 682
والعلامة أبو الخطاب بن دحية، وأخوه أبو عمرو، والحافظ أبو الربيع بن سالم صاحب «الاكتفاء في المغازي»، وابن الشواء الشاعر، والحافظ زكي الدين البرزالي، والجمال الحصيري شيخ الحنفية، والشمس الخوتي، والحرالي، والحافظ أبو عبد الله الدبيثي، وأبو البركات بن المستوفي، والضياء بن الأثير صاحب «المثل السائر»، وابن عربي صاحب «الفصوص» و «الفتوحات المكية»، والكمال ابن يونس شارح «التنبيه»، وخلائق آخرون
стр. 683
خلافة المستعصم بالله [٦٤٠ - ٦٥٦ هـ] (١)
أبو أحمد، عبد الله بن المستنصر بالله، آخر الخلفاء العراقيين، ولد سنة تسع وست مئة
وأمه: أم ولد، اسمها: هاجر، وبويع له بالخلافة عند موت أبيه
وأجاز له على يد ابن النجار المؤيد الطوسي، وأبو روح الهروي وجماعة، وروى عنه بالإجازة جماعة؛ منهم: النجم البادرائي، والشرف الدمياطي، وخرج له الدمياطي أربعين حديثا رأيتها بخطه
وكان كريما حليما، سليم الباطن حسن الديانة (٢)
قال الشيخ قطب الدين: (كان متدينا متمسكا بالسنة كأبيه وجده، ولكنه لم يكن مثلهما في التيقظ والحزم وعلو الهمة، وكان للمستنصر أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشجاعة والشهامة، وكان يقول: إن ملكني الله الأمر .. لأعبرن بالجيوش نهر جيحون، وأنتزع البلاد من التتار وأستأصلهم، فلما توفي المستنصر لم ير الدويدار والشرابي والكبار تقليد الخفاجي الأمر، وخافوا منه، وآثروا المستعصم للينه وانقياده؛ ليكون لهم الأمر، فأقاموه
ثم ركن المستعصم إلى وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي الرافضي، فأهلك الحرث والنسل، ولعب بالخليفة كيف أراد، وباطن التتار وناصحهم، وأطمعهم في المجيء إلى العراق، وأخذ بغداد، وقطع الدولة العباسية؛ ليقيم خليفة من آل علي، وصار إذا جاءه خبر منهم .. كتمه عن الخليفة، ويطالع
стр. 684
بأخبار الخليفة التتار إلى أن حصل ما حصل) (١)
[موت الملك الصالح وولده توران شاه]
وفي سنة سبع وأربعين من أيامه: أخذت الفرنج دمياط، والسلطان الملك الصالح مريض، فمات ليلة نصف شعبان، فأخفت جاريته أم خليل المسماة: شجر الدر موته، وأرسلت إلى ولده توران شاه الملك المعظم ليتملك، فحضر، ثم لم يلبث أن قتل في محرم، سنة ثمان وأربعين وست مئة؛ وثب عليه غلمان أبيه فقتلوه، وأمروا عليهم جارية أبيهم شجر الدر، وحلف لها الأتراك ولنائبها عز الدين أيبك التركماني، فشرعت شجر الدر في الخلع للأمراء والأعطيات.
ثم استقل عز الدين بالسلطنة في ربيع الآخر، ولقب: الملك المعز، ثم تنصل منها، وحلف العسكر للملك الأشرف بن صلاح الدين يوسف بن المسعود بن الكامل وله ثمان سنين، وبقي عز الدين أتابكه، وخطب لهما وضربت السكة باسمهما (٢).
وفي هذه السنة - أعني سنة ثمان -: استردت دمياط من الفرنج.
وفي سنة اثنتين وخمسين وست مئة: ظهرت نار في أرض عدن، وكان يطير شررها في الليل إلى البحر، ويصعد منها دخان عظيم في النهار (٣).
وفيها: أبطل المعز اسم الملك الأشرف واستقل بالسلطنة (٤).
[ظهور نار عظيمة بالمدينة المنورة]
وفي سنة أربع وخمسين: ظهرت النار بالمدينة النبوية.
стр. 685
قال أبو شامة: (جاءنا كتب من المدينة فيها: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة .. ظهر بالمدينة دوي عظيم، ثم زلزلة عظيمة، فكانت ساعة بعد ساعة إلى خامس الشهر، فظهرت نار عظيمة في الحرة قريبا من قريظة، نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وسالت أودية منها إلى وادي شظا مسيل الماء، وطلعنا نبصرها؛ فإذا الجبال تسيل نارا، وسارت هكذا وهكذا نيران كأنها الجبال، وطار منها شرر كالقصر إلى أن أبصر ضوءها من مكة ومن الفلاة جميعهما، واجتمع الناس كلهم إلى القبر الشريف مستغفرين تائبين، واستمرت هكذا أكثر من شهر) (١).
قال الذهبي: (أمر هذه النار متواتر؛ وهي مما أخبر به المصطفى ﷺ حيث قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» (٢)، وقد حكى غير واحد ممن كان ببصرى في الليل، ورأى أعناق الإبل في ضوئها) (٣).
[فتنة التتار وخيانة العلقمي]
وفي سنة خمس وخمسين وست مئة: مات المعز أيبك سلطان مصر؛ قتلته زوجته شجر الدر، وسلطنوا بعده ولده الملك المنصور عليا (٤).
هذا؛ والتتار جائلون في البلاد، وشرهم متزايد ونارهم تستعر، والخليفة والناس في غفلة عما يراد بهم، والوزير العلقمي حريص على إزالة الدولة العباسية، ونقلها إلى العلوية، والرسل في السر بينه وبين التتار، والمستعصم تائه في لذاته لا يطلع على الأمور، ولا له غرض في المصلحة.
وكان أبوه المستنصر قد استكثر من الجند جدا، وكان مع ذلك يصانع التتار.
стр. 686
ويهاديهم ويرضيهم، فلما استخلف المستعصم .. كان خليا من الرأي والتدبير، فأشار عليه الوزير بقطع أكثر الجند، وأن مصانعة التتار وإكرامهم يحصل بها المقصود، ففعل ذلك.
ثم إن الوزير كاتب التتار وأطمعهم في البلاد، وسهل عليهم ذلك، وطلب أن يكون نائبهم، فوعدوه بذلك، وتأهبوا لقصد بغداد (١).
شرح حال التتار ملخصا
قال الموفق عبد اللطيف في خبر التتار: (هو حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسي التواريخ، ونازلة تصغر كل نازلة، وفادحة تطبق الأرض، وتملؤها ما بين الطول والعرض.
وهذه الأمة لغتهم مشوبة بلغة الهند؛ لأنهم في جوارهم، وبينهم وبين تنكت أربعة أشهر، وهم بالنسبة إلى الترك عراض الوجوه، واسعو الصدور، خفاف الأعجاز، صغار الأطراف، سمر الألوان، سريعو الحركة في الجسم والرأي.
تصل إليهم أخبار الأمم، ولا تصل أخبارهم إلى الأمم، وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم؛ لأن الغريب لا يتشبه بهم، وإذا أرادوا جهة .. كتموا أمرهم، ونهضوا دفعة واحدة، فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه، ولا عسكر حتى يخالطوه؛ فلهذا تفسد على الناس وجوه الحيل، وتضيق طرق الهرب، ونساؤهم يقاتلن كرجالهم.
والغالب على سلاحهم النشاب، وأكلهم أي لحم وجد، وليس في قتلهم استثناء ولا إبقاء، يقتلون الرجال والنساء والأطفال، وكان قصدهم إفناء النوع وإبادة العالم، لا قصد الملك والمال) (٢).
وقال غيره: (أرض التتار بأطراف بلاد الصين، وهم سكان براري، ومشهورون بالشر والغدر).
стр. 687
[سبب ظهور التتار]
وسبب ظهورهم: أن إقليم الصين متسع دوره ستة أشهر، وهو ست ممالك، ولهم ملك حاكم على الممالك الست، وهو القان الأكبر المقيم بطمغاج، وهو كالخليفة للمسلمين.
وكان سلطان أحد الممالك الست وهو دوش خان قد تزوج بعمة جنكزخان، فحضر زائرا لعمته وقد مات زوجها وكان قد حضر مع جنكزخان كشلوخان، فأعلمتهما أن الملك لم يخلف ولدا، وأشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه، فقام وانضم إليه خلق من المغول، ثم سير التقادم إلى القان الكبير، فاستشاط غضبا، وأمر بقطع أذناب الخيل التي أهديت وطردها، وقتل الرسل؛ لكون التتار لم يتقدم لهم سابقة بتملك، إنما هم بادية الصين.
فلما سمع جنكزخان وصاحبه كشلوخان .. تحالفا على التعاضد، وأظهرا الخلاف للقان، وأتتهما أمم كثيرة من التتار، وعلم القان قوتهم وشرهم، فأرسل يؤانسهم ويظهر مع ذلك أنه ينذرهم ويهددهم، فلم يغن ذلك شيئا، ثم قصدهم وقصدوه، فوقع بينهم ملحمة عظيمة، فكسروا القان الأعظم، وملكوا بلاده واستفحل شرهم، واستمر الملك بين جنكزخان وكشلوخان على المشاركة.
ثم سارا إلى بلاد ساقون من نواحي الصين فملكاها، فمات كشلوخان، فقام مقامه ولده، فاستضعفه جنكزخان، فوثب عليه وظفر به، واستقل جنكزخان، ودانت له التتار وانقادت له، واعتقدوا فيه الإلهية، وبالغوا في طاعته (١).
[أول خروج التتار]
ثم كان أول خروجهم في سنة ست وست مئة من بلادهم إلى نواحي الترك وفرغانة، فأرسل خوارزم شاه محمد بن تكش صاحب خراسان الذي أباد الملوك.
стр. 688
وأخذ الممالك، وعزم على قصد الخليفة، فلم يتهيأ له كما تقدم (١)، فأمر أهل فرغانة والشاش وكاسان وتلك البلاد النزهة العامرة بالجلاء والجفل إلى سمرقند وغيرها، ثم خربها جميعا؛ خوفا من التتار أن يملكوها؛ لعلمه أنه لا طاقة له بهم (٢).
ثم صار التتار يتخطفون ويتنقلون إلى سنة خمس عشرة، فأرسل فيها جنكزخان إلى السلطان خوارزم شاه رسلا وهدايا، وقال الرسول: إن القان الأعظم يسلم عليك ويقول لك: ليس يخفى علي عظم شأنك، وما بلغت من سلطانك ونفوذ حكمك على الأقاليم، وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات، وأنت عندي مثل أعز أولادي، وغير خاف عنك أنني ملكت الصين، وأنت أخبر الناس ببلادي، وأنها مثارات العساكر والخيول ومعادن الذهب والفضة، وفيها كفاية عن غيرها، فإن رأيت أن تعقد بيننا المودة، وتأمر التجار بالسفر لتعم المصلحتين .. فعلت.
فأجابه خوارزم شاه إلى ملتمسه، وسر جنكزخان بذلك، واستمر الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجار.
[غدر خوارزم شاه بالتجار ثم موته]
وكان خال خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر، ومعه عشرون ألف فارس، فشرهت نفسه إلى أموال التجار، وكاتب السلطان يقول: إن هؤلاء القوم قد جاؤوا بزي التجار، وما قصدهم إلا التجسس، فإن أذنت لي فيهم؟
فأذن له بالاحتياط عليهم، فقبض عليهم، وأخذ أموالهم، فوردت رسل جنكزخان إلى خوارزم شاه تقول: إنك أعطيت أمانك للتجار فغدرت، والغدر قبيح، وهو من سلطان الإسلام أقبح؛ فإن زعمت أن الذي فعله خالك بغير أمرك .. فسلمه إلينا، وإلا .. سوف تشاهد مني ما تعرفني به، فحصل عند
стр. 689
خوارزم شاه من الرعب ما خامر عقله، فتجلد وأمر بقتل الرسل فقتلوا.
فيا لها من حركة؛ لما هدرت من دماء الإسلام أجرت بكل نقطة سيلا من الدم!
ثم سار جنكزخان إليه، فانجفل خوارزم شاه عن جيحون إلى نيسابور، ثم ساق إلى مرج همذان رعبا من التتار، فأحدق به العدو، فقتلوا كل من معه ونجا هو بنفسه، فخاض الماء إلى جزيرة، ولحقته علة ذات الجنب، فمات بها وحيدا فريدا، وكفن في شاش فراش كان معه، وذلك في سنة سبع عشرة، وملكوا جميع مملكة خوارزم شاه (١).
قال سبط الجوزي: (كان أول ظهور التتار بما وراء النهر سنة خمس عشرة، فأخذوا بخارى وسمرقند وقتلوا أهلها، وحاصروا خوارزم شاه، ثم بعد ذلك عبروا النهر، وكان خوارزم شاه قد أباد الملوك من مدن خراسان، فلم تجد التتار أحدا في وجوههم، فطووا في البلاد قتلا وسبيا، وساقوا إلى أن وصلوا إلى همذان وقزوين في هذه السنة) (٢).
وقال ابن الأثير في «كامله»: (حادثة التتار من الحوادث العظمى، والمصائب الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها .. لكان صادقا؛ فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها.
ومن أعظم ما يذكرون: فعل بختنصر ببني إسرائيل بالبيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من مدن الإسلام؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟!
فهذه الحادثة التي استطار شررها، وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح؛ فإن قوما خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان، مثل كاشغر وبلاد شاغرق، ثم منها إلى بخارى وسمرقند، فيملكونها.
стр. 690
ويبيدون أهلها، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان، فيفرغون منها ملكا وتخريبا وقتلا وإبادة، وإلى الري وهمذان إلى حد العراق، ثم يقصدون أذربيجان ونواحيها، ويخربونها ويستبيحونها في أقل من سنة .. أمر لم يسمع بمثله!!
ثم ساروا من أذربيجان إلى دربند شروان فملكوا مدنه، وعبروا من عندها إلى بلد اللآن واللكز، فقتلوا وأسروا، ثم قصدوا بلاد قفجاق وهم من أكثر الترك عددا، فقتلوا من وقف، وهرب الباقون، واستولى التتار عليها.
ومضت طائفة أخرى غير هؤلاء إلى غزنة وأعمالها، وسجستان وكرمان، ففعلوا مثل هؤلاء، بل أشد (١).
هذا ما لم يطرق الأسماع مثله؛ فإن الإسكندر الذي ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، وإنما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحدا، إنما رضي بالطاعة، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأعمره في نحو سنة، ولم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يترقب وصولهم إليه.
ثم إنهم لم يحتاجوا إلى ميرة ومددهم يأتيهم؛ فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل يأكلون لحومها لا غير.
وأما خيلهم .. فإنها تحفر الأرض بحوافرها، وتأكل عروق النبات ولا تعرف الشعير.
وأما ديانتهم .. فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها، ولا يحرمون شيئا، ويأكلون جميع الدواب وبني آدم، ولا يعرفون نكاحا، بل المرأة يأتيها غير واحد) (٢).
[اجتياح التتار لبغداد]
ولما دخلت سنة ست وخمسين: وصل التتار إلى بغداد وهم مئتا ألف،
стр. 691
ومقدمهم هولاكو، فخرج إليهم عسكر الخليفة فهزم العسكر.
ودخلوا بغداد يوم عاشوراء، فأشار الوزير لعنه الله على المستعصم بمصانعتهم وقال: أخرج إليهم أنا في تقرير الصلح، فخرج وتوثق بنفسه منهم ورد إلى الخليفة وقال: إن الملك قد رغب في أن يزوج ابنته بابنك الأمير أبي بكر، ويبقيك في منصب الخلافة؛ كما أبقى صاحب الروم في سلطنته، ولا يؤثر إلا أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع السلاطين السلجوقية، وينصرف عنك بجيوشه، فيجيب مولانا إلى هذا؛ فإن فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد، والرأي أن تخرج إليه، فخرج إليه في جمع من الأعيان، فأنزل في خيمة.
ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد، فخرجوا من بغداد، فضربت أعناقهم، وصار كذلك تخرج طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم، حتى قتل جميع من هناك من العلماء والأمراء والحجاب والكبار.
ثم مد الجسر وبذل السيف في بغداد، واستمر القتل فيها نحو أربعين يوما، فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف نسمة، ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة، وقتل الخليفة رفسا (١).
قال الذهبي: (وما أظنه دفن) (٢).
وقتل معه جماعة من أولاده وأعمامه، وأسر بعضهم، وكانت بلية لم يصب الإسلام بمثلها.
ولم يتم للوزير ما أراد، وذاق من التتار الذل والهوان، ولم تطل أيامه بعد ذلك.
[بعض المراثي في بغداد وأهلها]
وعملت الشعراء قصائد في مراثي بغداد وأهلها، وتمثل بقول سبط.
стр. 692
التعاويذي:
بادت وأهلوها معا فبيوتهم … ببقاء مولانا الوزير خراب (١)
وقال بعضهم (٢): [من الكامل]
يا عصبة الإسلام نوحي واندبي … حزنا على ما تم للمستعصم
دست الوزارة كان قبل زمانه … لابن الفرات فصار لابن العلقمي
وكان آخر خطبة خطبت ببغداد قال الخطيب في أولها: (الحمد لله الذي هدم بالموت مشيد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدار، هذا والسيف قائم بها) (٣)
ولتقي الدين بن أبي اليسر قصيدة مشهورة في بغداد وهي (٤): [من البسيط]
لسائل الدمع عن بغداد أخبار … فما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا … فما بذاك الحمى والدار ديار
تاج الخلافة والربع الذي شرفت … به المعالم قد عاه إقفار
أضحى لعصف البلى في ربعه أثر … وللدموع على الآثار آثار
يا نار قلبي من نار لحرب وغى … شبت عليه ووافي الربع إعصار
علا الصليب على أعلى منابرها … وقام بالأمر من يحويه زنار
وكم حريم سبته الترك غاصبة … وكان من دون ذاك الستر أستار
وكم بدور على البدرية انخسفت … ولم يعد لبدور منه إبدار
وكم ذخائر أضحت وهي شائعة … من النهاب وقد حازته كفار
وكم حدود أقيمت من سيوفهم … على الرقاب وحطت فيه أوزار
ناديت والسبي مهتوك يجرهم … إلى السفاح من الأعداء ذعار
стр. 693
ولما فرغ هولاكو من قتل الخليفة وأهل بغداد .. أقام على العراق نوابه، وكان ابن العلقمي حسن لهم أن يقيموا خليفة علويا، فلم يوافقوه، واطرحوه، وصار معهم في صورة بعض الغلمان، ومات كمدا، لا ﵀ ولا عفا عنه (١).
[كتب هولاكو للسلطان الناصر صاحب دمشق]
ثم أرسل هولاكو إلى الناصر صاحب دمشق كتابا صورته: (يعلم السلطان الملك ناصر طال بقاؤه: أنه لما توجهنا إلى العراق، وخرج إلينا جنودهم فقتلناهم بسيف الله، ثم خرج إلينا رؤساء البلد ومقدموها، فكان قصارى كلامهم سببا لهلاك نفوس تستحق الإذلال، وأما ما كان من صاحب البلدة .. فإنه خرج إلى خدمتنا، ودخل تحت عبوديتنا، فسألناه عن أشياء كذبنا فيها، فاستحق الإعدام، وكان كذبه ظاهرا، ووجدوا ما عملوا حاضرا، أجب ملك البسيطة، ولا تقولن: قلاعي المانعات ورجالي المقاتلات، ولقد بلغنا أن شذرة من العسكر التجأت إليك هاربة، وإلى جنابك لائذة: [من الكامل]
أين المفر ولا مفر لهارب … ولنا البسيطان الثرى والماء
فساعة وقوفك على كتابنا .. تجعل قلاع الشام سماءها أرضا، وطولها عرضا، والسلام).
ثم أرسل له كتابا ثانيا يقول فيه: (خدمة ملك ناصر طال عمره:
أما بعد: فإنا فتحنا بغداد، واستأصلنا ملكها وملكها، وكان ظن وقد ضن بالأموال، ولم ينافس في الرجال: أن ملكه يبقى على ذلك الحال، وقد علا ذكره ونما قدره، فخسف في الكمال بدره: [من المتقارب]
إذا تم أمر بدا نقصه … توقع زوالا إذا قيل تم
ونحن في طلب الازدياد على ممر الآباد، فلا تكن كالذين نسوا الله فأنساهم
стр. 694
أنفسهم، وأبد ما في نفسك: إما إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، أجب دعوة ملك البسيطة .. تأمن شره وتنال بره، واسع إليه برجالك وأموالك، ولا تعوق رسولنا، والسلام) (١).
ثم أرسل إليه كتابا ثالثا يقول فيه:
(أما بعد: فنحن جنود الله، بنا ينتقم ممن عتا وتجبر، وطغى وتكبر، وبأمر الله ما ائتمر، إن عوتب .. تنمر، وإن روجع .. استمر، ونحن قد أهلكنا البلاد وأبدنا العباد، وقتلنا النسوان والأولاد، فيا أيها الباقون؛ أنتم بمن مضى لاحقون، ويا أيها الغافلون؛ أنتم إليهم تساقون، ونحن جيوش الهلكة لا جيوش الملكة، مقصودنا الانتقام، وملكنا لا يرام، ونزيلنا لا يضام، وعدلنا في ملكنا قد اشتهر، ومن سيوفنا أين المفر؟ [من الكامل]
أين المفر ولا مفر لهارب … ولنا البسيطان الثرى والماء
ذلت لهيبتنا الأسود وأصبحت … في قبضتي الأمراء والخلفاء
ونحن إليكم صائرون، ولكم الهرب، وعلينا الطلب:
ستعلم ليلى أي دين تداينت … وأي غريم بالتقاضي غريمها
دمرنا البلاد، وأيتمنا الأولاد، وأهلكنا العباد، وأذقناهم العذاب، وجعلنا عظيمهم صغيرا، وأميرهم أسيرا، تحسبون أنكم منا ناجون أو متخلصون، وعن قليل سوف تعلمون على ما تقدمون، وقد أعذر من أنذر) (٢).
[كلمة سلطان العلماء العز بن عبد السلام]
ثم دخلت سنة سبع وخمسين والدنيا بلا خليفة.
وفيها: نزل التتار على آمد، وكان صاحب مصر المنصور علي بن المعز صبيا، وأتابكه الأمير سيف الدين قطز المعزي مملوك أبيه، وقدم الصاحب كمال
стр. 695
الدين ابن العديم إليهم رسولا يطلب النجدة على التتار.
فجمع قطر الأمراء والأعيان، فحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام وكان المشار إليه في الكلام، فقال الشيخ عز الدين: (إذا طرق العدو البلاد .. وجب على العالم كلهم قتالهم، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وأن تبيعوا ما لكم من الحوائص والآلات، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، ويتساووا في ذلك هم والعامة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة .. فلا).
ثم بعد أيام يسيرة قبض قطر على ابن أستاذه المنصور، وقال: (هذا صبي، والوقت صعب، ولا بد من أن يقوم رجل شجاع ينتصب للجهاد)، وتسلطن قطز، ولقب: بالملك المظفر (١).
[وقعة عين جالوت وهزيمة التتار]
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين والوقت أيضا بلا خليفة.
وفيها: قطع التتار الفرات، ووصلوا إلى حلب، وبذلوا السيف فيها، ثم وصلوا إلى دمشق، وخرج المصريون في شعبان متوجهين إلى الشام لقتال التتار، فأقبل المظفر بالجيوش، وشاليشه ركن الدين بيبرس البندقداري، فالتقوا هم والتتار عند عين جالوت، ووقع المصاف، وذلك يوم الجمعة خامس عشري رمضان، فهزم التتار شر هزيمة، وانتصر المسلمون والله الحمد.
وقتل من التتار مقتلة عظيمة، وولوا الأدبار، وطمع الناس فيهم يتخطفونهم وينهبونهم، وجاء كتاب المظفر إلى دمشق بالنصر، فطار الناس فرحا، ثم دخل المظفر إلى دمشق مؤيدا منصورا، وأحبه الخلق غاية المحبة، وساق بيبرس وراء التتار إلى بلاد حلب، وطردهم عن البلاد، ووعده السلطان بحلب، ثم رجع عن ذلك، فتأثر بيبرس من ذلك، وكان ذلك مبدأ الوحشة.
стр. 696
[قتل المظفر وتولي بيبرس مكانه]
وكان المظفر عزم على التوجه إلى حلب؛ لينظف آثار البلاد من التتار، فبلغه أن بيبرس تنكر له وعمل عليه، فصرف وجهه عن ذلك، ورجع إلى مصر، وقد أضمر الشر لبيبرس، وأسر ذلك إلى بعض خواصه، فأطلع على ذلك بيبرس، فساروا إلى مصر، وكل منهما محترس من صاحبه.
فاتفق بيبرس وجماعة من الأمراء على قتل المظفر، فقتلوه في الطريق في سادس عشر ذي القعدة، وتسلطن بيبرس، ولقب: بالملك القاهر.
ودخل مصر وأزال عن أهلها ما كان المظفر قد أحدثه عليهم من المظالم، وأشار عليه الوزير زين الدين ابن الزبير بأن يغير هذا اللقب، وقال: ما لقب به أحد فأفلح؛ لقب به القاهر بن المعتضد فخلع بعد قليل وسمل، ولقب به القاهر ابن صاحب الموصل فسم، فأبطل السلطان هذا اللقب، وتلقب: بالملك الظاهر (١).
ثم دخلت سنة تسع وخمسين: والوقت أيضا بلا خليفة إلى رجب، فأقيمت بمصر الخلافة، وبويع المستنصر كما سنذكره (٢)، فكان مدة انقطاع الخلافة ثلاث سنين ونصف (٣).
[من مات في أيام المستعصم]
وممن مات في أيام المستعصم من الأعلام: الحافظ تقي الدين الصريفييني، والحافظ أبو القاسم بن الطيلسان، وشمس الأئمة الكردري من كبار الحنفية، والشيخ تقي الدين ابن الصلاح، والعلم السخاوي، والحافظ محب الدين بن النجار مؤرخ بغداد، ومنتجب الدين شارح (المفصل)، وابن يعيش النحوي،
стр. 697
وأبو الحجاج الأقصري الزاهد، وأبو علي الشلوبين النحوي، وابن البيطار صاحب «المفردات»، والعلامة جمال الدين ابن الحاجب إمام المالكية، وأبو الحسن بن الدباج النحوي، والقفطي صاحب «تاريخ النحاة»، وأفضل الدين الخونجي صاحب المنطق، واللاردي، والحافظ يوسف بن خليل، والبهاء ابن بنت الجميزي، والجمال ابن عمرون النحوي، والرضي الصغاني اللغوي صاحب «العباب» وغيره، والكمال عبد الواحد الزملكاني صاحب «المعاني» و «البيان» و «إعجاز القرآن»، والشمس الخسروشاهي، والمجد ابن تيمية، ويوسف سبط ابن الجوزي صاحب «مرآة الزمان»، وابن باطيش من كبار الشافعية، والنجم البادرائي، وابن أبي الفضل المرسي صاحب التفسير، وخلائق آخرون
فصل [في وفيات مدة انقطاع الخلافة]
ومات في مدة انقطاع الخلافة من الأعلام: الزكي عبد العظيم المنذري، والشيخ أبو الحسن الشاذلي شيخ الطائفة الشاذلية، وشعلة المقرئ، والفاسي شارح «الشاطبية»، وسعد الدين بن العربي الشاعر، والصرصري الشاعر، وابن الأبار مؤرخ الأندلس، وآخرون
стр. 698
خلافة المستنصر بالله [٦٥٩ - ٦٦٠ هـ] (١)
أحمد أبو القاسم ابن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أحمد.
قال الشيخ قطب الدين: (كان محبوسا ببغداد، فلما أخذت التتار بغداد .. أطلق، فهرب وصار إلى عرب العراق، فلما تسلطن الملك الظاهر بيبرس .. وفد عليه في رجب ومعه عشرة من بني مهارش، فركب السلطان للقائه ومعه القضاة والدولة، فشق القاهرة، ثم أثبت نسبه على قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز.
ثم بويع له بالخلافة؛ فأول من بايعه السلطان، ثم قاضي القضاة تاج الدين، ثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثم الكبار على مراتبهم، وذلك في ثالث عشر رجب.
ونقش اسمه على السكة، وخطب له، ولقب بلقب أخيه، وفرح الناس، وركب يوم الجمعة وعليه السواد إلى جامع القلعة، فصعد المنبر، وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس، ودعا فيها للسلطان وللمسلمين، ثم صلى بالناس، ثم رسم بعمل خلعة خليفتية (٢) للسلطان، وبكتابة تقليد له.
ثم نصبت خيمة بظاهر القاهرة، وركب المستنصر بالله والسلطان يوم الاثنين رابع شعبان إلى الخيمة، وحضر القضاة والأمراء والوزير، فألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده وطوقه، ونصب منبر، فصعد عليه فخر الدين ابن لقمان، فقرأ التقليد، ثم ركب السلطان بالخلعة ودخل من باب النصر، وزينت القاهرة،
стр. 699
وحمل الصاحب التقليد على رأسه راكبا والأمراء مشاة.
ورتب السلطان للخليفة: أتابكا، واستادارا، وشرابيا، وخازندارا، وحاجبا، وكاتبا، وعين له خزانة وجملة مماليك، ومئة فرس، وثلاثين بغلا، وعشرة قطارات جمال … إلى أمثال ذلك) (١).
قال الذهبي: (ولم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا هذا والمقتفي) (٢).
وأما صاحب حلب الأمير شمس الدين أقوش .. فإنه أقام بحلب خليفة، ولقبه: الحاكم بأمر الله، وخطب له، ونقش اسمه على الدراهم (٣).
[توجه المستنصر إلى العراق وانتهاء خلافته]
ثم إن المستنصر هذا عزم على التوجه إلى العراق، فخرج معه السلطان يشيعه إلى أن دخلوا دمشق، ثم جهز السلطان الخليفة وأولاد صاحب الموصل، وغرم عليه وعليهم من الذهب ألف ألف دينار وستين ألف درهم (٤).
فسار الخليفة ومعه ملوك الشرق صاحب الموصل، وصاحب سنجار والجزيرة، فاجتمع به الخليفة الحلبي الحاكم، ودان له ودخل تحت طاعته.
ثم سار ففتح الحديثة، ثم هيت، فجاءه عسكر من التتار فتصافوا، فقتل من المسلمين جماعة، وعدم الخليفة المستنصر، فقيل: قتل وهو الظاهر، وقيل: سلم وهرب فأضمرته البلاد (٥)، وذلك في الثالث من المحرم سنة ستين، فكانت خلافته دون ستة أشهر، وتولى بعده بسنة الحاكم الذي كان بويع بحلب في حياته.
стр. 700
خلافه الحاكم بأمر الله [٦٦١ - ٧٠١ هـ] (١)
أبو العباس، أحمد بن أبي علي الحسن القبي - بضم القاف وتشديد الموحدة - ابن علي بن أبي بكر ابن الخليفة المسترشد بالله بن المستظهر بالله.
كان اختفى وقت أخذ بغداد ونجا، ثم خرج منها وفي صحبته جماعة، فقصد حسين ابن فلاح أمير بني خفاجة، فأقام عنده مدة، ثم توصل مع العرب إلى دمشق، وأقام عند الأمير عيسى بن مهنأ مدة، فطالع به الناصر صاحب دمشق، فأرسل يطلبه فبغته مجيء التتار.
فلما جاء الملك المظفر دمشق .. سير في طلبه الأمير قليج البغدادي، فاجتمع به وبايعه بالخلافة، وتوجه في خدمته جماعة من أمراء العرب، فافتتح الحاكم عانة بهم والحديثة وهيت والأنبار، وصاف التتار وانتصر عليهم.
ثم كاتبه علاء الدين طيبرس نائب دمشق يومئذ، للملك الظاهر يستدعيه، فقدم دمشق في صفر، فبعثه إلى السلطان، وكان المستنصر بالله قد سبقه بثلاثة أيام إلى القاهرة، فما رأى أن يدخل إليها؛ خوفا من أن يمسك، فرجع إلى حلب، فبايعه صاحبها ورؤساؤها؛ منهم: عبد الحليم بن تيمية، وجمع خلقا كثيرا، وقصد عانة، فلما خرج المستنصر .. وافاه بعانة، فانقاد الحاكم له ودخل تحت طاعته.
فلما عدم المستنصر في الوقعة المذكورة في ترجمته .. قصد الحاكم الرحبة، وجاء إلى عيسى بن مهنأ، فكاتب الملك الظاهر فيه، فطلبه فقدم إلى القاهرة ومعه ولده وجماعة، فأكرمه الملك الظاهر، وبايعوه بالخلافة، وامتدت أيامه،
стр. 701
وكانت خلافته نيفا وأربعين سنة، وأنزله الملك الظاهر بالبرج الكبير بالقلعة، وخطب بجامع القلعة مرات (١).
قال الشيخ قطب الدين: (في يوم الخميس، ثامن المحرم، سنة إحدى وستين: جلس السلطان مجلسا عاما، وحضر الحاكم بأمر الله راكبا إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل، وجلس مع السلطان وذلك بعد ثبوت نسبه، فأقبل عليه السلطان، وبايعه بإمرة المؤمنين، ثم أقبل هو على السلطان وقلده الأمور، ثم بايعه الناس على طبقاتهم.
فلما كان من الغد يوم الجمعة .. خطب خطبة ذكر فيها الجهاد والإمامة، وتعرض إلى ما جرى من هتك حرمة الخلافة، ثم قال: وهذا السلطان الملك الظاهر قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار، وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، وأول الخطبة: الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركنا وظهيرا، ثم كتب بدعوته إلى الآفاق) (٢).
وفي هذه السنة وبعدها: تواتر مجيء جماعة من التتار مسلمين مستأمنين، فأعطوا أخبازا وأرزاقا، فكان ذلك مبدأ كفاية شرهم (٣).
وفي سنة اثنتين وستين: فرغت المدرسة الظاهرية بين القصرين، وولي بها تدريس الشافعية التقي ابن رزين، وتدريس الحديث الشرف الدمياطي (٤).
وفيها: زلزلت مصر زلزلة عظيمة (٥).
стр. 702
وفي سنة ثلاث وستين: انتصر سلطان المسلمين بالأندلس أبو عبد الله ابن الأحمر على الفرنج، واسترجع من أيديهم اثنتين وثلاثين بلدا، من جملتها: إشبيلية ومرسية (١).
وفيها: كثر الحريق بالقاهرة في عدة مواضع، ووجد لفائف فيها النار والكبريت على الأسطحة (٢).
وفيها: حفر السلطان بحر أشمون، وعمل فيه بنفسه والأمراء (٣).
وفيها: مات طاغية التتار هلاكو، وملك بعده ابنه أبغا (٤).
وفيها: سلطن السلطان ولده الملك السعيد، وعمره أربع سنين، وركبه بأبهة الملك في قلعة الجبل، وحمل الغاشية (٥) بنفسه بين يدي ولده؛ من باب السر إلى باب السلسلة ثم عاد، وركب السعيد إلى القاهرة والأمراء مشاة بين يديه (٦).
وفيها: جدد بالديار المصرية القضاة الأربعة، من كل مذهب قاض، وسبب ذلك: توقف القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز عن تنفيذ كثير من الأحكام، وتعطلت الأمور، وأبقى للشافعي النظر في أموال الأيتام وأمور بيت المال، ثم فعل ذلك بدمشق (٧).
وفي رمضان منها: حجب السلطان الخليفة ومنعه الناس؛ لكون أصحابه كانوا يخرجون إلى البلد ويتكلمون في أمر الدولة (٨).
стр. 703
وفي سنة خمس وستين وست مئة: أمر السلطان بعمل الجامع بالحسنية، وتم ذلك في سنة سبع وستين، وقرر له خطيب حنفي (١).
[فتح النوبة]
وفي سنة أربع وسبعين: وجه السلطان جيشا إلى النوبة ودنقلة، فانتصروا وأسر ملك النوبة، وأرسل به إلى الملك الظاهر، ووضعت الجزية على أهل دنقلة ولله الحمد (٢).
قال الذهبي: وأول ما غزيت النوبة في سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، غزاها عبد الله بن أبي سرح في خمسة آلاف فارس، ولم يفتحها، فهادنهم ورجع، ثم غزيت في زمن هشام ولم تفتح، ثم في زمن المنصور، ثم غزاها تكين التركي، ثم كافور الإخشيدي، ثم ناصر الدولة ابن حمدان، ثم توران شاه أخو السلطان صلاح الدين في سنة ثمان وستين وخمس مئة، ولم تفتح إلى هذا العام، وقال في ذلك ابن عبد الظاهر: [من البسيط]
هذا هو الفتح لا شيء سمعت به … في شاهد العين لا ما في الأسانيد (٣)
[موت الظاهر وتولية ابنه الملك السعيد]
وفي سنة ست وسبعين: مات الملك الظاهر بدمشق في المحرم، واستقل ابنه الملك السعيد محمد بالسلطنة وله ثمان عشرة سنة (٤)
وفيها: جمع للتقي بن رزين بين قضاء مصر والقاهرة، وكان قضاء مصر قبل ذلك مفردا عن قضاء القاهرة، ثم لم يفرد بعد ذلك قضاء مصر عن قضاء القاهرة (٥)
стр. 704
[خلع الملك السعيد وموته وتولية قلاوون]
وفي سنة ثمان وسبعين: خلع الملك السعيد من السلطنة وسير إلى الكرك سلطانا بها، فمات من عامه، وولوا مكانه بمصر أخاه بدر الدين سلامش وله سبع سنين، ولقبوه: بالملك العادل، وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون، وضربت السكة باسمه على وجه، وباسم أتابكه على وجه، ودعي لهما معا في الخطبة، ثم في رجب نزع سلامش من السلطنة بغير نزاع، وتسلطن قلاوون، ولقب: بالملك المنصور (١).
وفي سنة تسع وسبعين: يوم عرفة وقع بديار مصر برد كبار وصواعق (٢).
وفي سنة ثمانين: وصل عسكر التتار إلى الشام، وحصل الرجيف، فخرج السلطان لقتالهم ووقع المصاف، وحصل مقتلة عظيمة، ثم حصل النصر للمسلمين ولله الحمد (٣).
[فتح طرابلس واستردادها]
وفي سنة ثمان وثمانين: أخذ السلطان طرابلس بالسيف، وكانت في أيدي الفرنج من سنة ثلاث وخمس مئة إلى الآن، وكان أول فتحها في زمن معاوية.
وأنشأ التاج ابن الأثير كتابا بالبشارة بذلك إلى صاحب اليمن يقول فيه: (وكانت الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما فيهم إلا من هو مشغول بنفسه، مكب على مجلس أنسه، يرى السلامة غنيمة، وإذا عن له وصف الحرب .. لم يسأل إلا عن طرق الهزيمة، قد بلغ أمله من الرتبة، وقنع بالسكة والخطبة،
стр. 705
أموال تنهب، وممالك تذهب، لا يبالون بما سلبوا، وهم كما قيل: [من البسيط]
إن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا … أو حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا
إلى أن أوجد الله من نصر دينه، وأذل الكفر وشياطينه) (١).
وذكر بعضهم: (أن معنى «طرابلس» باللسان الرومي: ثلاثة حصون مجتمعة) (٢).
[موت السلطان قلاوون وتولية ابنه الأشرف]
وفي سنة تسع وثمانين: مات السلطان قلاوون في ذي القعدة، وتسلطن ابنه الملك الأشرف صلاح الدين خليل، فأظهر أمر الخليفة، وكان خاملا في أيام أبيه، حتى إن أباه لم يطلب منه تقليدا بالملك، فخطب الخليفة بالناس يوم الجمعة، وذكر في خطبته توليته للملك الأشرف أمر الإسلام.
ولما فرغ من الخطبة. صلى بالناس قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ثم خطب الخليفة مرة أخرى خطبة جهادية، وذكر بغداد وحرض على أخذها (٣).
وفي سنة إحدى وتسعين: سافر السلطان فحاصر قلعة الروم (٤).
وفي سنة ثلاث وتسعين وست مئة: قتل السلطان بتروجة في المحرم، وسلطنوا أخاه محمد بن المنصور، ولقب: الملك الناصر، وله يومئذ تسع سنين، ثم خلع في المحرم سنة أربع وتسعين وتسلطن كتبغا المنصوري، وتسمى: بالملك العادل (٥).