وكانت خلافته نيفا وأربعين سنة، وأنزله الملك الظاهر بالبرج الكبير بالقلعة، وخطب بجامع القلعة مرات (١).
قال الشيخ قطب الدين: (في يوم الخميس، ثامن المحرم، سنة إحدى وستين: جلس السلطان مجلسا عاما، وحضر الحاكم بأمر الله راكبا إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل، وجلس مع السلطان وذلك بعد ثبوت نسبه، فأقبل عليه السلطان، وبايعه بإمرة المؤمنين، ثم أقبل هو على السلطان وقلده الأمور، ثم بايعه الناس على طبقاتهم.
فلما كان من الغد يوم الجمعة .. خطب خطبة ذكر فيها الجهاد والإمامة، وتعرض إلى ما جرى من هتك حرمة الخلافة، ثم قال: وهذا السلطان الملك الظاهر قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار، وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، وأول الخطبة: الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركنا وظهيرا، ثم كتب بدعوته إلى الآفاق) (٢).
وفي هذه السنة وبعدها: تواتر مجيء جماعة من التتار مسلمين مستأمنين، فأعطوا أخبازا وأرزاقا، فكان ذلك مبدأ كفاية شرهم (٣).
وفي سنة اثنتين وستين: فرغت المدرسة الظاهرية بين القصرين، وولي بها تدريس الشافعية التقي ابن رزين، وتدريس الحديث الشرف الدمياطي (٤).
وفيها: زلزلت مصر زلزلة عظيمة (٥).
стр. 702
وفي سنة ثلاث وستين: انتصر سلطان المسلمين بالأندلس أبو عبد الله ابن الأحمر على الفرنج، واسترجع من أيديهم اثنتين وثلاثين بلدا، من جملتها: إشبيلية ومرسية (١).
وفيها: كثر الحريق بالقاهرة في عدة مواضع، ووجد لفائف فيها النار والكبريت على الأسطحة (٢).
وفيها: حفر السلطان بحر أشمون، وعمل فيه بنفسه والأمراء (٣).
وفيها: مات طاغية التتار هلاكو، وملك بعده ابنه أبغا (٤).
وفيها: سلطن السلطان ولده الملك السعيد، وعمره أربع سنين، وركبه بأبهة الملك في قلعة الجبل، وحمل الغاشية (٥) بنفسه بين يدي ولده؛ من باب السر إلى باب السلسلة ثم عاد، وركب السعيد إلى القاهرة والأمراء مشاة بين يديه (٦).
وفيها: جدد بالديار المصرية القضاة الأربعة، من كل مذهب قاض، وسبب ذلك: توقف القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز عن تنفيذ كثير من الأحكام، وتعطلت الأمور، وأبقى للشافعي النظر في أموال الأيتام وأمور بيت المال، ثم فعل ذلك بدمشق (٧).
وفي رمضان منها: حجب السلطان الخليفة ومنعه الناس؛ لكون أصحابه كانوا يخرجون إلى البلد ويتكلمون في أمر الدولة (٨).
стр. 703
وفي سنة خمس وستين وست مئة: أمر السلطان بعمل الجامع بالحسنية، وتم ذلك في سنة سبع وستين، وقرر له خطيب حنفي (١).
[فتح النوبة]
وفي سنة أربع وسبعين: وجه السلطان جيشا إلى النوبة ودنقلة، فانتصروا وأسر ملك النوبة، وأرسل به إلى الملك الظاهر، ووضعت الجزية على أهل دنقلة ولله الحمد (٢).
قال الذهبي: وأول ما غزيت النوبة في سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، غزاها عبد الله بن أبي سرح في خمسة آلاف فارس، ولم يفتحها، فهادنهم ورجع، ثم غزيت في زمن هشام ولم تفتح، ثم في زمن المنصور، ثم غزاها تكين التركي، ثم كافور الإخشيدي، ثم ناصر الدولة ابن حمدان، ثم توران شاه أخو السلطان صلاح الدين في سنة ثمان وستين وخمس مئة، ولم تفتح إلى هذا العام، وقال في ذلك ابن عبد الظاهر: [من البسيط]
هذا هو الفتح لا شيء سمعت به … في شاهد العين لا ما في الأسانيد (٣)
[موت الظاهر وتولية ابنه الملك السعيد]
وفي سنة ست وسبعين: مات الملك الظاهر بدمشق في المحرم، واستقل ابنه الملك السعيد محمد بالسلطنة وله ثمان عشرة سنة (٤)
وفيها: جمع للتقي بن رزين بين قضاء مصر والقاهرة، وكان قضاء مصر قبل ذلك مفردا عن قضاء القاهرة، ثم لم يفرد بعد ذلك قضاء مصر عن قضاء القاهرة (٥)
стр. 704
[خلع الملك السعيد وموته وتولية قلاوون]
وفي سنة ثمان وسبعين: خلع الملك السعيد من السلطنة وسير إلى الكرك سلطانا بها، فمات من عامه، وولوا مكانه بمصر أخاه بدر الدين سلامش وله سبع سنين، ولقبوه: بالملك العادل، وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون، وضربت السكة باسمه على وجه، وباسم أتابكه على وجه، ودعي لهما معا في الخطبة، ثم في رجب نزع سلامش من السلطنة بغير نزاع، وتسلطن قلاوون، ولقب: بالملك المنصور (١).
وفي سنة تسع وسبعين: يوم عرفة وقع بديار مصر برد كبار وصواعق (٢).
وفي سنة ثمانين: وصل عسكر التتار إلى الشام، وحصل الرجيف، فخرج السلطان لقتالهم ووقع المصاف، وحصل مقتلة عظيمة، ثم حصل النصر للمسلمين ولله الحمد (٣).
[فتح طرابلس واستردادها]
وفي سنة ثمان وثمانين: أخذ السلطان طرابلس بالسيف، وكانت في أيدي الفرنج من سنة ثلاث وخمس مئة إلى الآن، وكان أول فتحها في زمن معاوية.
وأنشأ التاج ابن الأثير كتابا بالبشارة بذلك إلى صاحب اليمن يقول فيه: (وكانت الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما فيهم إلا من هو مشغول بنفسه، مكب على مجلس أنسه، يرى السلامة غنيمة، وإذا عن له وصف الحرب .. لم يسأل إلا عن طرق الهزيمة، قد بلغ أمله من الرتبة، وقنع بالسكة والخطبة،
стр. 705
أموال تنهب، وممالك تذهب، لا يبالون بما سلبوا، وهم كما قيل: [من البسيط]
إن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا … أو حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا
إلى أن أوجد الله من نصر دينه، وأذل الكفر وشياطينه) (١).
وذكر بعضهم: (أن معنى «طرابلس» باللسان الرومي: ثلاثة حصون مجتمعة) (٢).
[موت السلطان قلاوون وتولية ابنه الأشرف]
وفي سنة تسع وثمانين: مات السلطان قلاوون في ذي القعدة، وتسلطن ابنه الملك الأشرف صلاح الدين خليل، فأظهر أمر الخليفة، وكان خاملا في أيام أبيه، حتى إن أباه لم يطلب منه تقليدا بالملك، فخطب الخليفة بالناس يوم الجمعة، وذكر في خطبته توليته للملك الأشرف أمر الإسلام.
ولما فرغ من الخطبة. صلى بالناس قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ثم خطب الخليفة مرة أخرى خطبة جهادية، وذكر بغداد وحرض على أخذها (٣).
وفي سنة إحدى وتسعين: سافر السلطان فحاصر قلعة الروم (٤).
وفي سنة ثلاث وتسعين وست مئة: قتل السلطان بتروجة في المحرم، وسلطنوا أخاه محمد بن المنصور، ولقب: الملك الناصر، وله يومئذ تسع سنين، ثم خلع في المحرم سنة أربع وتسعين وتسلطن كتبغا المنصوري، وتسمى: بالملك العادل (٥).
стр. 706
وفي هذه السنة (١): دخل في الإسلام قازان بن أرغون بن أبغا بن هلاكو ملك التتار، وفرح الناس بذلك، وفشا الإسلام في جيشه (٢).
وفي سنة ست وتسعين وست مئة: كان السلطان بدمشق، فوثب لاجين على السلطنة، وحلف له الأمراء، ولم يختلف عليه اثنان، ولقب: الملك المنصور، وذلك في صفر، وخلع عليه الخليفة الخلعة السوداء، وكتب له تقليدا، وسير العادل إلى صرخد نائبا بها، ثم قتل لاجين، في جمادى الآخرة، سنة ثمان وتسعين، وأعيد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون، وكان منفيا بالكرك، فقلده الخليفة، فسير العادل إلى حماة نائبا بها، فاستمر إلى أن مات سنة اثنتين وسبع مئة (٣).
[وفاة الخليفة الحاكم]
وفي سنة إحدى وسبع مئة: توفي الخليفة الحاكم ليلة الجمعة، ثامن عشر جمادى الأولى، وصلي عليه العصر بسوق الخيل تحت القلعة، وحضر جنازته الدولة والأعيان كلهم مشاة، ودفن بقرب السيدة نفيسة، وهو أول من دفن منهم هناك، واستمر مدفنهم إلى الآن، وكان عهد بالخلافة لولده أبي الربيع سليمان (٤).
[من مات في عهده]
وممن مات في أيام الحاكم من الأعلام: الشيخ عز الدين بن عبد السلام، والعلم اللورقي، وأبو القاسم القباري الزاهد، والزين خالد النابلسي، والحافظ
стр. 707
أبو بكر ابن مسدي، والإمام أبو شامة، والتاج ابن بنت الأعز، وأبو الحسن ابن عدلان، ومجد الدين بن دقيق العيد، وأبو الحسن بن عصفور النحوي، والكمال سلار الإربلي، وعبد الرحيم بن يونس مصنف «التعجيز»، والقرطبي صاحب «التفسير» و «التذكرة»، والشيخ جمال الدين بن مالك، وولده بدر الدين، والنصير الطوسي رأس الفلسفة وخاصة التتار، والتاج ابن الساعي خازن المستنصرية، والبرهان ابن جماعة، والنجم الكاتبي المنطقي، والشيخ محيي الدين النووي، والصدر سليمان إمام الحنفية، والتاج ابن ميسر المؤرخ، والكواشي المفسر، والتقي بن رزين، وابن خلكان صاحب «وفيات الأعيان»، وابن إياز النحوي، وعبد الحليم ابن تيمية، وابن جعوان، وناصر الدين بن المنير، والنجم ابن البارزي، والبرهان النسفي صاحب التصانيف في الخلاف والكلام، والرضي الشاطبي اللغوي، والجمال الشريشي، وابن النفيس شيخ الأطباء، وأبو الحسين ابن أبي الربيع النحوي، والأصبهاني شارح «المحصول»، والعفيف التلمساني الشاعر المنسوب إلى الاتحاد، والتاج ابن الفركاح، والزين ابن المرحل، والشمس الخويي، والعز الفاروثي، والمحب الطبري، والتقي ابن بنت الأعز، والرضي القسطنطيني، والبهاء ابن النحاس النحوي، وياقوت المستعصمي صاحب الخط المنسوب، وخلائق آخرون
стр. 708
خلافة الاستكفي بالله [٧٠١ - ٧٤٠ هـ] (١)
أبو الربيع، سليمان بن الحاكم بأمر الله، ولد في نصف المحرم، سنة أربع وثمانين وست مئة، واشتغل قليلا، وبويع بالخلافة بعهد من أبيه في جمادى الأولى، سنة إحدى وسبع مئة.
وخطب له على المنابر في البلاد المصرية والشامية، وسارت البشارة بذلك إلى جميع الأقطار والممالك الإسلامية، وكانوا يسكنون بالكبش، فنقلهم السلطان إلى القلعة، وأفرد لهم دارا (٢).
ثم في سنة اثنتين: هجم التتار الشام، فخرج السلطان ومعه الخليفة لقتالهم، فكان النصر، وقتل من التتار مقتلة عظيمة، وهرب الباقون (٣).
وفيها: زلزلت مصر والشام زلزلة عظيمة هلك منها خلق تحت الهدم (٤).
وفي سنة أربع: أنشأ الأمير بيبرس الجاشنكير المنصوري الوظائف والدروس بجامع الحاكم، وجدده بعد خرابه من الزلزلة، وجعل القضاة الأربعة مدرسي الفقه، وشيخ الحديث سعد الدين الحارثي، وشيخ النحو أبا حيان (٥).
стр. 709
[السلطان ابن قلاوون يعزل نفسه ثم يعود وما جرى من ذلك]
وفي سنة ثمان: خرج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قاصدا للحج، فخرج من مصر في رمضان، وخرج معه جماعة من الأمراء لتوديعه فردهم، فلما اجتاز بالكرك … عدل إليها، فنصب له الجسر، فلما توسطه … انكسر به، فسلم من قدامه، وقفز به الفرس فسلم، وسقط من وراءه فكانوا خمسين، فمات أربعة وتهشم أكثرهم في الوادي الذي تحته، وأقام السلطان بالكرك.
ثم كتب كتابا إلى الديار المصرية يتضمن عزل نفسه عن المملكة، فأثبت ذلك على القضاة بمصر، ثم نفذ على قضاة الشام.
وبويع الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بالسلطنة في الثالث والعشرين من شوال، ولقب: الملك المظفر، وقلده الخليفة، وألبسه الخلعة السوداء والعمامة المدورة، ونفذ التقليد إلى الشام في كيس أطلس أسود، فقرئ هناك؛ وأوله: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
ثم عاد الملك الناصر في رجب سنة تسع يطلب عوده إلى الملك، ومالأه على ذلك جماعة من الأمراء، فدخل دمشق في شعبان، ثم دخل مصر يوم عيد الفطر وصعد القلعة، وكان المظفر بيبرس فر في جماعة من أصحابه قبل قدومه بأيام، ثم أمسك وقتل من عامه، وقال العلاء الوداعي في عود الناصر إلى الملك: [من السريع]
الملك الناصر قد أقبلت دولته مشرقة الشمس
عاد إلى كرسيه مثل ما … عاد سليمان إلى الكرسي (١)
وفي هذه السنة (٢): تكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض، وأنهم قد التزموا للديوان بسبع مئة ألف كل سنة زيادة على الجالية، فقام
стр. 710
الشيخ تقي الدين ابن تيمية في إبطال ذلك قياما عظيما، وبطل والله الحمد (١)
[موت خير ملوك التتار ووالده من قبله]
وفيها: أظهر ملك التتار خدابندة (٢) الرفض في بلاده، وأمر الخطباء ألا يذكروا في الخطبة إلا علي بن أبي طالب وولديه وأهل البيت، واستمر ذلك إلى أن مات سنة ست عشرة وولي ابنه أبو سعيد، فأمر بالعدل، وأقام السنة والترضي عن الشيخين ثم عثمان ثم علي في الخطبة، وسكن كثير من الفتن والله الحمد، وكان هذا من خير ملوك التتار وأحسنهم طريقة، واستمر إلى أن مات سنة ست وثلاثين، ولم يقم لهم من بعده قائمة، بل تفرقوا شذر مذر (٣).
وفي سنة سبع عشرة: زاد النيل زيادة كثيرة لم يسمع بمثلها، وغرق منها بلاد كثيرة وناس كثيرون (٤).
وفي سنة أربع وعشرين: زاد النيل أيضا كذلك، ومكث على الأرض ثلاثة أشهر ونصفا، وكان ضرره أكثر من نفعه (٥).
وفي سنة ثمان وعشرين: عمرت سقوف المسجد الحرام بمكة، والأبواب، وظاهره مما يلي باب بني شيبة (٦).
стр. 711
وفي سنة ثلاثين: أقيمت الجمعة بإيوان الشافعية من المدرسة الصالحية بين القصرين، وذلك أول ما أقيمت بها (١)
وفيها: فرغ من الجامع الذي أنشأه قوصون خارج باب زويلة، وخطب به وحضره السلطان والأعيان، وباشر الخطابة يومئذ قاضي القضاة جلال الدين القزويني، ثم استقر في خطابته فخر الدين بن شكر (٢)
وفي سنة ثلاث وثلاثين: أمر السلطان بالمنع من رمي البندق، وألا تباع قسيه، ومنع المنجمين (٣)
وفيها: عمل السلطان للكعبة بابا من الآبنوس عليه صفائح فضة، زنتها: خمسة وثلاثون ألفا وثلاث مئة وكسر، وقلع الباب العتيق، فأخذه بنو شيبة بصفائحه، وكان عليه اسم صاحب اليمن (٤)
[اعتقال الخليفة ونفيه حتى مات]
وفي سنة ست وثلاثين: وقع بين الخليفة والسلطان، فقبض على الخليفة، واعتقله بالبرج، ومنعه من الاجتماع بالناس، ثم نفاه في ذي الحجة سنة سبع إلى قوص هو وأولاده وأهله، ورتب لهم ما يكفيهم، وهم قريب من مئة نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، واستمر المستكفي بقوص إلى أن مات بها، في شعبان، سنة أربعين وسبع مئة، ودفن بها وله بضع وخمسون سنة (٥)
قال ابن حجر في (الدرر): (كان فاضلا جوادا، حسن الخط جدا، شجاعا يعرف لعب الكرة ورمي البندق، وكان يجالس العلماء والأدباء، وله عليهم
стр. 712
إفضال، ومعهم مشاركة، وكان بطول مدته يخطب له على المنابر، حتى في زمن حبسه ومدة إقامته بقوص، وكان بينه وبين السلطان أولا محبة زائدة، فكان يخرج معه إلى السرحات، ويلعب معه الكرة، وكانا كالأخوين.
والسبب في الوقيعة بينهما: أنه رفع إليه قصة عليها خط الخليفة بأن يحضر السلطان بمجلس الشرع الشريف، فغضب من ذلك، وآل الأمر إلى أن نفاه إلى قوص، ورتب له على واصل الكارم (١) أكثر مما كان له بمصر) (٢).
قال ابن فضل الله في ترجمته في «المسالك»: (كان حسن الجملة، لين الحملة) (٣).
[من مات في عهده]
وممن مات في أيام المستكفي من الأعلام: قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، والشيخ زين الدين الفارقي شيخ الشافعية، وشيخ دار الحديث؛ وليها من بعد وفاة النووي إلى الآن (٤)، ووليها بعده: صدر الدين بن الوكيل.
والشرف الفزاري، والصدر بن الزريزير الحاسب، والحافظ شرف الدين الدمياطي، والضياء الطوسي شارح «الحاوي»، والشمس السروجي شارح «الهداية» من الحنفية، والإمام نجم الدين ابن الرفعة إمام الشافعية في زمانه، والحافظ سعد الدين الحارثي، والفخر التوزي محدث مكة، والرشيد بن المعلم من كبار الحنفية، والأرموي، والصدر بن الوكيل شيخ الشافعية، والكمال ابن الشريشي، والتاج التبريزي، والفخر ابن بنت أبي سعد، والشمس بن أبي العز شيخ الحنفية، والرضي الطبري إمام مكة، والصفي أبو الثناء محمود الأزموي، والشيخ نور الدين البكري، والعلاء ابن العطار تلميذ النووي، والشمس الأصبهاني صاحب التفسير وشرح «مختصر ابن الحاجب» وشرح «التجريد»
стр. 713
وغير ذلك، والتقي الصائغ المقرئ خاتمة مشايخ القراء، والشهاب محمود شيخ صناعة الإنشاء، والجمال بن مطهر شيخ الشيعة، والكمال بن قاضي شهبة، والنجم القمولي صاحب «الجواهر» و «البحر»، والكمال بن الزملكاني، والشيخ تقي الدين ابن تيمية، وابن جبارة شارح «الشاطبية»، والنجم البالسي شارح «التنبيه»، والبرهان الفزاري شيخ الشافعية، والعلاء القونوي شارح «الحاوي»، والفخر التركماني من الحنفية شارح «الجامع الكبير»، والملك المؤيد صاحب حماة الذي له تصانيف كثيرة منها «نظم الحاوي»، والشيخ ياقوت العرشي تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي، والبرهان الجعبري، والبدر ابن جماعة، والتاج ابن الفاكهاني، والفتح ابن سيد الناس، والقطب الحلبي، والزين الكناني، والقاضي محيي الدين بن فضل الله، والركن بن القوبع، والزين بن المرحل، والشرف ابن البارزي، والجلال القزويني وآخرون
стр. 714
خلافة الواثق بالله إبراهيم [٧٤٠ - ٧٤١ هـ] (١)
ابن ولي العهد المستمسك بالله أبي عبد الله محمد ابن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد.
كان جده الحاكم عهد إلى ابنه محمد، ولقبه: المستمسك، فمات في حياته، فعهد إلى ابنه إبراهيم هذا ظنا أنه يصلح للخلافة، فرآه غير صالح لها؛ لما هو فيه من الانهماك في اللعب ومعاشرة الأراذل، فعدل عنه وعهد إلى المستكفي ابنه - أعني ابن الحاكم - وهو عم إبراهيم، فكان إبراهيم هو السبب في الوقيعة بين الخليفة المستكفي والسلطان بعد أن كانا كالأخوين؛ لما كان يحمله إليه من النميمة به حتى جرى ما جرى.
فلما مات المستكفي بقوص .. عهد إلى ابنه أحمد، فلم يلتفت السلطان إلى ذلك، وبايع إبراهيم هذا، ولقب: بالواثق، إلى أن حضرت السلطان الوفاة، فندم على ما صدر منه، وعزل إبراهيم هذا، وبايع ولي العهد أحمد، ولقب: الحاكم، وذلك في أول المحرم، سنة اثنتين وأربعين (٢).
قال ابن حجر: (راجع الناس السلطان في أمر إبراهيم هذا، ووسموه بسوء السيرة، فلم يلتفت إلى ذلك، ولم يزل بالناس حتى بايعوه، وكان العامة يلقبونه: المستعطي بالله) (٣).
وقال ابن فضل الله في «المسالك» في ترجمة الواثق: (عهد إليه جده ظنا أن يكون صالحا، أو يجيب لداعي الخلافة صائحا، فما نشأ إلا في تهتك، ولا دان إلا بعدم تنسك، أغوي بالقاذورات، وفعل ما لم تدع إليه الضرورات، وعاشر
стр. 715
السفلة والأراذل، وهان عليه من عرضه ما هو باذل، وزين له سوء عمله فرآه حسنا، وعمي عليه فلم ير مسيئا إلا محسنا، وغوي اللعب بالحمام، ومشتر الكباش للنطاح، والديوك للنقار، والمنافسة في المعز الزرائبية الطوال الآذان، وأشياء من هذا، ومثله ما يسقط المروءة، ويثلم الوقار، هذا إلى سوء معاملة، ومشتر سلع لا يوفي أثمانها، واستئجار آدر (١) لا يقوم بأجرها، وتحيل على درهم يملأ به كفه، وسخت يجمع به فمه، وحرام يطعم منه ويطعم حرمه، حتى كان عرضه عرضة للهوان، وأكلة لأهل الأوان.
فلما توفي المستكفي والسلطان عليه في حدة غضبه، وتياره المتحامل عليه في شدة غلبه .. طلب هذا الواثق المغتر والمائق إلا أنه غير المضطر، وكان ممن يمشي إلى السلطان في عمه بالنميمة، ويعقد مكايده على رأسه عقد التميمة، فحضر إليه وأحضر معه عهد جده، فتمسك السلطان في مبايعته بشبهته، وصرف وجه الخلافة إلى جهته، وكان قد تقدم نقض ذلك العهد، ونسخ ذلك العقد، وقام قاضي القضاة أبو عمر بن جماعة في صرف رأي السلطان عن إقامة الخطبة باسم الواثق، فلم يفعل، فاتفق الرأيان على ترك الخطبة للاثنين، واكتفي فيها بمجرد اسم السلطان، فترجل بموت المستكفي اسم الخلافة عن المنابر؛ كأنه ما علا ذروتها، وخلا الدعاء للخلفاء من المحاريب؛ كأنه ما قرع بابها ومروتها، فكأنما كان آخر خلفاء بني العباس، وشعارها عليه لباس الحداد، وغمروا تلك السيوف الحداد.
ثم لم يزل الأمر على هذا حتى حضرت السلطان الوفاة، وقرع الموت صفاه، فكان مما أوصى به: رد الأمر إلى أهله، وأمضى عهد المستكفي لابنه، وقال: الآن حصحص الحق، وحنا على مخالفيه ورق، وعزل إبراهيم وهزل، وكان قد رعى رعي الهمم (٢)، وستر اللؤم بثياب أهل الكرم، وتسمن وشحمه ورم، وتسمى بالواثق، وأين هو من صاحب هذا الاسم الذي طالما سرى رعبه.
стр. 716
في القلوب، وأمنت هيبته العيوب؟! وهيهات لا تعد من النسر التماثيل، ولا الناموسة وإن طال خرطومها كالفيل!! وإنما سوء الزمان قد ينفق ما كسد، والهر يحكي انتفاخا صولة الأسد، وقد عاد الآن يعض يديه، ومن يهن .. يسهل الهوان عليه) هذا آخر كلام ابن فضل الله (١)
стр. 717
خلافة الحاكم بأمر الله [٧٤١ - ٧٥٣ هـ] (١)
أبو العباس أحمد بن المستكفي، كان أبوه - لما مات بقوص - عهد إليه بالخلافة، فقدم الملك الناصر عليه إبراهيم ابن عمه لما كان في نفسه من المستكفي، وكانت سيرة إبراهيم قبيحة، وكان القاضي عز الدين بن جماعة قد جهد كل الجهد في صرف السلطان عنه فلم يفعل. فلما حضرته الوفاة .. أوصى الأمراء برد الأمر إلى ولي عهد المستكفي ولده أحمد.
فلما تسلطن المنصور أبو بكر بن الناصر .. عقد مجلسا يوم الخميس، حادي عشر ذي الحجة، سنة إحدى وأربعين، وطلب الخليفة إبراهيم وولي العهد أحمد والقضاة، وقال: (من يستحق الخلافة شرعا؟).
فقال ابن جماعة: (إن الخليفة المستكفي المتوفى بمدينة قوص أوصى بالخلافة من بعده لولده أحمد، وأشهد عليه أربعين عدلا بمدينة قوص، وثبت ذلك عندي بعد ثبوته على نائبي بمدينة قوص).
فخلع السلطان حينئذ إبراهيم وبايع أحمد، وبايعه القضاة، ولقب: الحاكم بأمر الله لقب جده.
وقال ابن فضل الله في «المسالك» في ترجمته: (هو إمام عصرنا، وغمام مصرنا، قام على غيظ العدى، وعرف بفيض الندى، صارت له الأمور إلى مصائرها، وسيقت إلى مصائرها، فأحيا رسوم الخلافة، ورسم بما لم يستطع أحد خلافه، وسلك مناهج آبائه وقد طمست، وأحياها بمباهج أبنائه وقد درست، وجمع شمل بني أبيه وقد طال بهم الشتات، وأطال غررهم وقد اختلفت
стр. 718
الشيات (١)، ورفع اسمه على ذرى المنابر، وقد غبر مدة لا يطلع إلا في آفاقه تلك النجوم، ولا يسخ من سحبه تلك الغيوم والسجوم، طلب بعد موت السلطان، وأنفذ حكم وصيته في تمام مبايعته، والتزام متابعته، وكان أبوه قد أحكم له بالعقد المتقدم عقدها، وحفظ له عند ذوي الأمانة عهدها، ثم سلطن الملك المنصور أبا بكر بن السلطان، وعمر له من تحت الملك الأوطان)
[صورة المبايعة]
قال ابن فضل الله: (وقد كتبت له صورة المبايعة وهي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله … ﴾ إلى قوله: ﴿عظيما﴾
هذه بيعة رضوان وبيعة إحسان، وجمعة رضا يشهدها الجماعة ويشهد عليها الرحمن، بيعة يلزم طائرها العنق، وتحوم بشائرها وتحمل أنباءها البراري والبحار مشحونة الطرق.
بيعة يصلح الله بها الأمة، ويمنح بسببها النعمة، ويتجارى الرفاق، ويسري الهناء في الآفاق، وتتزاحم زهر (٢) الكواكب على حوض المجرة الدقاق.
بيعة سعيدة ميمونة، شريفة بها السلامة في الدين والدنيا مضمونة، بيعة صحيحة شرعية، بيعة ملحوظة مرعية.
بيعة تسابق إليها كل نية، وتطاوع كل طوية، ويجمع عليها شتات البرية، بيعة يستهل بها الغمام، ويتهلل البدر التمام.
بيعة متفق على الإجماع عليها، والاجتماع لبسط الأيدي إليها، انعقد عليها الإجماع، فاعتقد صحتها من سمع الله وأطاع، وبذل في تمامها كل امرئ ما استطاع، حصل عليها اتفاق الأبصار والأسماع، ووصل بها الحق إلى مستحقه وأقر الخصم وانقطع النزاع.
стр. 719
تضمنها كتاب مرقوم يشهده المقربون، وتلقاه الأئمة الأقربون: ﴿الحمد لله الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدينا الله﴾ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، وإلينا ولله الحمد وإلى بني العباس.
أجمع على هذه البيعة: أرباب العقد والحل، وأصحاب الكلام فيما قل وجل، وولاة الأمور والحكام، وأرباب المناصب والأحكام، وحملة العلم والأعلام، وحماة السيوف والأقلام، وأكابر بني عبد مناف، ومن انخفض قدره وأناف، وسروات قريش ووجوه بني هاشم والبقية الطاهرة من بني العباس، وخاصة الأئمة وعامة الناس.
بيعة ترى بالحرمين خيامها، وتخفق بالمأزمين أعلامها (١)، وتتعرف عرفات بركاتها، وتعرف بمنى، ويؤمن عليها يوم الحج الأكبر، ويؤم ما بين الركن والمقام والحجر (٢)، ولا يبتغى بها إلا وجه الله الكريم.
بيعة لا يحل عقدها، ولا ينبذ عهدها، لازمة جازمة، دائبة دائمة، تامة عامة، شاملة كاملة، صحيحة صريحة، متعبة مريحة، ولا من يوصف بعلم ولا قضاء، ولا من يرجع إليه في اتفاق ولا إمضاء، ولا إمام مسجد ولا خطيب، ولا ذو الفتوى يسأل فيجيب، ولا من حشي المساجد (٣) ولا من تضمهم أجنحة المحاريب، ولا من يجتهد في رأي فيخطئ أو يصيب.
ولا محدث بحديث، ولا متكلم في قديم وحديث، ولا معروف بدين وصلاح، ولا فرسان حرب وكفاح، ولا راشق بسهام ولا طاعن برماح، ولا ضارب بصفاح، ولا ساع بقدم ولا طائر بجناح، ولا مخالط للناس ولا قاعد في عزلة، ولا جمع كثرة ولا قلة، ولا من يستقل بالجوزاء لواؤه، ولا من يقل فوق الفرقد ثواؤه.
ولا باد ولا حاضر، ولا مقيم ولا سائر، ولا أول ولا آخر، ولا مسر في
стр. 720
باطن ولا معلن في ظاهر، ولا عرب ولا عجم، ولا راعي إبل ولا غنم، ولا صاحب أناة ولا بدار (١)، ولا ساكن في حضر وبادية بدار، ولا صاحب عمد ولا جدار، ولا ملجج في البحار الزاخرة والبراري والقفار.
ولا من يتوقل (٢) صهوات الخيل، ولا من يسبل على العجاجة الذيل (٣)، ولا من تطلع عليه شمس النهار ونجوم الليل.
ولا من تظله السماء وتقله الأرض، ولا من تدل عليه الأسماء على اختلافها وترفع درجات بعضهم على بعض؛ حتى آمن بهذه البيعة وأمن عليها وأمن بها، ومن الله عليه وهداه إليها، وأقر بها وصدق، وغض لها بصره خاشعا وأطرق، ومد إليها يده بالمبايعة، ومعتقده بالمتابعة، ورضي بها وارتضاها، وأجاز حكمها على نفسه وأمضاها، ودخل تحت طاعتها وعمل بمقتضاها: ﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾
وإنه لما استأثر الله بعبده سليمان أبي الربيع الإمام المستكفي بالله أمير المؤمنين كرم الله مثواه، وعوضه عن دار السلام بدار السلام، ونقله مزكي يديه عن شهادة الإسلام بشهادة الإسلام، حيث آثره بقربه ومهد لجنبه، وأقدمه على ما قدمه من مرجو عمله وكسبه، وخار له في جواره فريقا، وأنزله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
الله أكبر ليومه، لولا مخلفه .. كانت تضيق الأرض بما رحبت، وتجزى كل نفس بما كسبت، وتنبأ كل سريرة ما ادخرت وما خبأت (٤)، لقد اضطرم سعير إلا أنه في الجوانح.
لقد اضطرب (٥) منبر وسرير لولا خلفه الصالح، لقد اضطرب مأمور وأمير لولا الفكر بعده في عاقبة المصالح.
стр. 721
ولم يكن في النسب العباسي، ولا في البيت المسترشدي، ولا في غيره من بيوت الخلفاء من بقايا آباء لهم وجدود، ولا من تلده أخرى الليالي وهي عاقر غير ولود، من تسلم إليه أمة محمد ﷺ عقد نياتها، وسر طوياتها؛ إلا واحد.
وأين ذاك الواحد؟ هو - والله - من انحصر فيه استحقاق ميراث آبائه الأطهار، وتراث أجداده ولا شيء هو إلا ما اشتملت عليه رداء الليل والنهار.
وهو ولد المنتقل إلى ربه، وولد الإمام الذاهب لصلبه، المجمع على أنه في الأيام فرد هذا الأنام (١)، وواحد، وهكذا في الوجود الإمام، وأنه الحائز لما زررت عليه جيوب المشارق والمغارب، والفائز بملك ما بين المشارق والمغارب.
الراقي في صفح السماء هذه الذروة المنيفة، الباقي بعد الأئمة الماضين ونعم الخليفة، المجتمع فيه شروط الإمامة، المتضع الله، وهو ابن بيت لا يزال الملك فيهم إلى يوم القيامة.
الذي يفضح السحاب نائله، والذي لا يغره عاذره، ولا يغيره (٢) عاذله، والذي ما ارتقى صهوة المنبر بحضرة سلطان زمانه إلا قال ناصره (٣): وقام قائمه، ولا قعد على سرير الخلافة إلا وعرف أنه ما خاب مستكفيه ولا غاب حاكمه.
نائب الله في أرضه، والقائم مقام رسوله ﷺ وخليفته وابن عمه، وتابع عمله الصالح ووارث علمه، سيدنا ومولانا عبد الله ووليه: أبو العباس الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين.
أيد الله ببقائه الدين، وطوق بسيفه الملحدين، وكبت تحت لوائه المعتدين، وكتب له النصر إلى يوم الدين، وكب بجهاده على الأذقان طوائف المفسدين، وأعاذ به الأرض ممن لا يدين بدين.
стр. 722
وأعاد بعدله أيام آبائه الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وعليه كانوا يعملون، ونصر أنصاره، وقدر اقتداره، وأسكن في القلوب سكينته ووقاره، ومكن له في الوجود وجمع له أقطاره.
ولما انتقل إلى الله ذلك السيد ولقي أسلافه، ونقل إلى سرير الجنة عن سرير الخلافة، وخلا العصر من إمام يمسك ما بقي من نهاره، وخليفة يغالب مزيد (١) الليل بأنواره، ووارث نبي بمثله ومثل آبائه، استغنى الوجود بعد ابن عمه خاتم الأنبياء عن نبي يقفى على آثاره، ومضى ولم يعهد، فلم يبق إذ لم يوجد النص إلا الإجماع، وعليه كانت الخلافة بعد رسول الله ﷺ بلا نزاع .. اقتضت المصلحة الجامعة عقد مجلس كل طرف به معقود، وعقد بيعة عليها الله والملائكة شهود، وجمع الناس له وذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، فحضر من لم يعبأ بعده بمن تخلف، ولم يربا معه (٢) وقد مد يده طامعا لمزيدها وقد تكلف
وأجمعوا على رأي واحد استخاروا الله فيه فخار، وأخذ يمين يمد لها الأيمان، ويشد بها الإيمان، ويعطى عليها المواثيق، وتعرض أمانتها على كل فريق، حتى تقلد كل من حضر في عنقه هذه الأمانة، وحط على المصحف الكريم يده وحلف بالله وأتم أيمانه، ولم يقطع ولا استثنى ولا تردد، ومن قطع عن غير قصد .. أعاد وجدد
وقد نوى كل من حلف: أن النية في يمينه نية من عقدت له هذه البيعة، ونية من حلف له وتذمم بالوفاء له في ذمته وتكفله على عادة أيمان البيعة، وشروطها وأحكامها المرددة، وأقسامها المؤكدة؛ بأن يبذل لهذا الإمام المفترض الطاعة الطاعة، ولا يفارق الجمهور ولا يظهر عن الجماعة انجماعه (٣)، وغير ذلك مما
стр. 723
تضمنته نسخ الأيمان المكتتب فيها أسماء من حلف عليها؛ مما هو مكتوب بخطوط من يكتب منهم، وخطوط العدول الثقات عمن لم يكتبوا وأذنوا أن يكتب عنهم، حسبما يشهد به بعضهم على بعض، ويتصادق عليه أهل السماء والأرض.
بيعة تم بمشيئة الله تمامها، وعم بالصوب المغدق غمامها، وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، ووهب لنا الحسن، ثم الحمد لله الكافي عبده، الوافي لمن يضاعف على كل موهبة حمده، ثم الحمد لله على نعمة يرغب أمير المؤمنين في ازديادها، ويرهب إلا أن يقاتل أعداء الله بإمدادها، ويرأب بها من أثر في منابر ممالكه بما بان من مباينة أضدادها.
نحمده والحمد لله ثم الحمد الله كلمة لا يمل من تردادها، ولا يحل بما تفوق السهام من سدادها، ولا يبطل إلا على ما يوجب تكثير أعدادها، وتكبير أقدار أهل ودادها، وتصغير التحقير لا التحبيب لأندادها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تتقايس دماء الشهداء وأمداد مدادها، وتتنافس طرر الشباب وغرر السحاب على استمدادها، وتتجانس رقومها المدبجة وما تلبسه الدولة العباسية من شعارها، والليالي من دثارها، والأعداء من حدادها.
ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى جماعة أهله ومن خلف من أبنائها، وسلف من أجدادها، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن أمير المؤمنين لما أكسبه الله من ميراث النبوة ما كان لجده، ووهبه من الملك السليماني ما لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمه منطق الطير بما يتحمله حمائم البطائق من بدائع البيان، وسخر له من البريد على متون الخيل ما سخره من الريح السليمان، وآتاه من خاتم الأنبياء ما امتد به أبوه سليمان وتصرف، وأعطاه من الفخار به ما أطاعه كل مخلوق ولم يتخلف.
وجعل له من لباس بني العباس ما يقضي له سواده بسؤدد الأجداد، وينفض.
стр. 724
على ظل الهدب ما فضل عن سويداء القلب وسواد البصر من السواد، ويمد ظله على الأرض وكل مكان دار ملك وكل مدينة بغداد، وهو في ليله السجاد وفي نهاره العسكري وفي كرمه جعفر وهو الجواد، يديم الابتهال إلى الله تعالى في توفيقه، والابتهاج بما يغص كل عدو بريقه
ونبدأ يوم هذه المبايعة بما هو الأهم من مصالح الإسلام، وصالح الأعمال فيما يتحلى به الإمام (١)، ويقدم التقوى أمامه، ويقرر عليها أحكامه، ويتبع الشرع الشريف ويقف عنده ويوقف الناس، ومن لا يحمل أمره طائعا على العين يحمله غصبا على الراس، ويعجل أمير المؤمنين بما استقر به النفوس، ويرد به كد الشيطان إنه يؤوس، ويأخذ بقلوب الرعايا وهو غني عن هذا ولكنه يسوس
وأمير المؤمنين يشهد الله وخلقه عليه: بأنه أقر ولي كل أمر من ولاة أمور الإسلام على حاله، واستمر به في مقيله تحت كنف ظلاله، على اختلاف طبقات ولاة الأمور وطرقات الممالك والثغور: برا وبحرا، سهلا ووعرا، شرقا وغربا، بعدا وقربا، وكل جليل وحقير، وقليل وكثير، وصغير وكبير، وملك ومملك، وأمير وجندي يبرق له سيف شهير ورمح ظهير
ومن مع هؤلاء من وزراء وقضاة وكتاب، ومن له تدقيق في إنشاء وتحقيق في حساب، ومن يتحدث في بريد وخراج، ومن يحتاج إليه ومن لا يحتاج، ومن في التدريس والمدارس والربط والزوايا والخوانق، ومن له أعظم التعلقات وأدنى العلائق، وسائر أرباب المراتب وأصحاب الرواتب، ومن له من مال الله رزق مقسوم، وحق مجهول أو معلوم، استمرارا بكل امرئ على ما هو عليه، حتى يستخير الله ويتبين له ما بين يديه
فمن ازداد تأهيله .. زاد تفضيله، وإلا .. فأمير المؤمنين لا يريد إلا وجه الله، ولا يحابي أحدا في دين الله، ولا يحابي حقا في حق؛ فإن المحاباة في الحق مداجاة على المسلمين (٢)
стр. 725
وكل ما هو مستمر إلى الآن مستقر على حكم الله، مما فهمه الله له وفهمه سليمان، لا يغير أمير المؤمنين في ذلك ولا في بعضه مغيرا؛ شكرا لله على نعمه، وهكذا يجازى من شكر، ولا يكدر على أحد موردا نزه الله نعمه الصافية عن الكدر، ولا يتأول في ذلك متؤول إلا من جحد النعمة أو كفر، ولا يتعلل متعلل؛ فإن أمير المؤمنين يعوذ بالله ويعيذ أيامه من الغير.
وأمر أمير المؤمنين - أعلى الله أمره - أن يعلن الخطباء بذكره وذكر سلطان زمانه على المنابر في الآفاق، وأن تضرب باسمهما النقود وتسير بالإطلاق، ويوشح بالدعاء لهما عطف الليل والنهار، ويصرح منه بما يشرق وجه الدرهم والدينار.
وقد أسمع أمير المؤمنين في هذا المجمع المشهود ما يتناقله كل خطيب، ويتداوله كل بعيد وقريب؛ ومختصره: أن الله أمر بأوامر ونهى عن نواه وهو رقيب، وسيفرغ الألباء لها السجايا، ويفرغ الخطباء لها شعوب الوصايا، وتتكمل بها المزايا، ويخرج من المشايخ الخبايا من الزوايا، ويسمر بها السمار ويترنم الحادي والملاح، ويرق سحرها في الليل المقمر ويرقم على جبين الصباح، وتعظ (١) بها مكة بطحاها، ويحيا بحداها فناه، ويلقنها كل أب فهمه ابنه ويسأل كل ابن نجيب أباه.
وهو لكم أيها الناس من أمير المؤمنين من سدد عليكم بينة، وإليكم ما دعاكم به إلى سبيل ربه من الحكمة والموعظة الحسنة، ولأمير المؤمنين عليكم الطاعة.
ولولا قيام الرعايا .. ما قبل الله أعمالها، ولا أمسك بها البحر ودحا الأرض وأرسى جبالها، ولا اتفقت الآراء على من يستحق وجاءت إليه الخلافة تجر أذيالها، وأخذها دون بني أبيه:
ولم تك تصلح إلا له … ولم يك يصلح إلا لها
وقد كفاكم أمير المؤمنين السؤال بما فتح الله لكم من أبواب الأرزاق وأسباب
стр. 726
الارتزاق، وأجركم على وفاقكم وعملكم (١) مكارم الأخلاق، وأجراكم على عوائدكم ولم يمسك خشية الإنفاق.
ولم يبق لكم على أمير المؤمنين إلا أن يسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويعمل بما يتعب به من يجيء - أطال الله بقاء أمير المؤمنين - من بعده، ويزيد على من تقدم ويقيم فروض الحج والجهاد، وينيم الرعايا بعدله الشامل في مهاد.
وأمير المؤمنين يقيم على عادة آبائه موسم الحج في كل عام، ويشمل بره سكان الحرمين الشريفين وسدنة بيت الله الحرام، ويجهز السبيل على حاله ويرجو أن يعود على حاله الأول في سالف الأيام، ويتدفق في هذين المسجدين بحره الزاخر ويرسل إلى ثالثهما في البيت المقدس ساكب الغمام، ويقيم معونة (٢) قبور الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أينما كانوا وأكثرهم في الشام، والجمع والجماعات هي فيكم على قديم سننها وقويم سننها، وستزيد في أيام أمير المؤمنين لمن يضم إليه، وفيما يتسلم من بلاد الكفار ويسلم منهم على يديه.
وأما الجهاد .. فكفى باجتهاد القائم عن أمير المؤمنين بمأموره، المقلد عنه جميع ما وراء سريره، وأمير المؤمنين قد وكل منه - خلد الله ملكه وسلطانه - عينا لا تنام، وقلد سيفا لو أغفت بوارقه ليلة واحدة عن الأعداء .. سلت خياله عليهم الأحلام (٣).
وسيؤكد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدى، وقد قدم الوصية بأن يوالي غزو العدو المخذول برا وبحرا، ولا يكف عمن ظفر به منهم قتلا ولا أسرا، ولا يفك أغلالا ولا إصرا، ولا ينفك يرسل عليهم في البر من الخيل عقبانا، وفي البحر غربانا، تحمل كل منهما من كل فارس صقرا.
ويحمي الممالك ممن يتخوف أطرافها بإقدام، ويتخول أكنافها بأقدام،
стр. 727
وينظر في مصالح القلاع والحصون والثغور وما يحتاج إليه من آلات القتال وأمهات الممالك، التي هي مرابط البنود، ومرابض الأسود، والأمراء والعساكر والجنود، وترتيبهم في الميمنة والميسرة والجناح الممدود.
ويتفقد أحوالهم بالعرض، بما لهم من خيل تعقد ما بين السماء والأرض، وما لهم من زرد موضون، وبيض مسها ذائب ذهب فكانت كأنها بيض مكنون، وسيوف قواضب، ورماح شيب ذوائبها من الدماء خواضب، وسهام تواصل القسي وتفارقها فتحن حنين مفارق وتزمجر القوس زمجرة مغاضب.
وهذه جملة أراد أمير المؤمنين بها إطابة قلوبكم، وإطالة ذيل التطويل على مطلوبكم، ودماؤكم وأموالكم وأعراضكم في حماية إلا ما أباح الشرع المطهر، ومزيد الإحسان إليكم على مقدار ما يخفى منكم ويظهر.
وأما جزئيات الأمور .. فقد علمتم بأن من بعد عن أمير المؤمنين غني عن مثل هذه الذكرى، وأنتم على تفاوت مقاديركم وديعة أمير المؤمنين، وكلكم سواء في الحق عند أمير المؤمنين، وله عليكم أداء النصيحة؛ وإبداء الطاعة بسريرة صحيحة؛ فقد دخل كل منكم في كنف أمير المؤمنين وتحت رقه، ولزمه حكم بيعته وألزم طائره في عنقه، ويستعمل (١) كل منكم في الوفاء بما أصبح به عليما، ﴿ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾.
هذا قول أمير المؤمنين، وقال: وهو يعمل في ذلك كله بما تحمد عاقبته من الأعمال، وعلى هذا عهد إليه وبه يعهد، وما سوى هذا فجور لا يشهد به عليه ولا يشهد.
وأمير المؤمنين يستغفر الله على كل حال، ويستعيذ به من الإهمال، ويسأل أن يمده لما يحب من الإمهال (٢)، ولا يمد له حبل الإمهال.
ويختم أمير المؤمنين قوله بما أمر الله به من العدل والإحسان، والحمد لله وهو من الخلق أحمد وقد آتاه الله ملك سليمان، والله يمتع أمير المؤمنين بما
стр. 728
وهبه، ويملكه أقطار الأرض ويورثه بعد العمر الطويل عقبه، ولا يزال على سدة العلياء قعوده، ولدست الخلافة به أبهة الجلالة كأنه ما مات منصوره ولا أودى مهديه ولا رشيده) (١)
وقال ابن حجر في «الدرر»: (كان أولا لقب: المستنصر، ثم لقب: الحاكم، وذكر الشيخ زين الدين العراقي: أنه سمع الحديث على بعض المتأخرين، وأنه حدث، مات في الطاعون في نصف سنة ثلاث وخمسين) (٢)
ومن الحوادث في أيامه في عام ولايته
خلع السلطان المنصور؛ لفساده وشربه الخمور، حتى قيل: إنه جامع زوجات أبيه، ونفي إلى قوص وقتل بها، فكان ذلك من الله مجازاة لما فعله والده مع الخليفة، وهذه عادة الله مع من تعرض لأحد من آل العباس بأذى، وتسلطن أخوه الملك الأشرف كجك، ثم خلع من عامه، وولي أخوه أحمد، ولقب: بالناصر، وعقد المبايعة بينه وبين الخليفة الشيخ تقي الدين السبكي قاضي الشام، وكان قد حضر مصر.
وفي سنة ثلاث وأربعين: خلع الناصر أحمد، وولي أخوه إسماعيل، ولقب: بالصالح.
وفي سنة ست وأربعين: مات الصالح، فقلد الخليفة أخاه شعبان، ولقب: بالكامل (٣)
стр. 729
وفي سنة سبع وأربعين: قتل الكامل، وولي أخوه أمير حاج، ولقب: بالمظفر (١).
وفي سنة ثمان وأربعين: خلع المظفر، وولي أخوه حسن، ولقب: بالناصر (٢).
وفي سنة تسع وأربعين: كان الطاعون العام الذي لم يسمع بمثله (٣).
وفي سنة اثنتين وخمسين: خلع الناصر حسن، وولي أخوه صالح، ولقب: الملك الصالح؛ وهو الثامن ممن تسلطن من أولاد الناصر محمد بن قلاوون، وجعل شيخو أتابكه (٤).
قال في «ذيل المسالك»: (وهو أول من سمي بمصر الأمير الكبير).
[من مات في عهده]
وممن مات في أيام الحاكم من الأعلام: الحافظ أبو الحجاج المزي، والتاج عبد الباقي اليمني، والشمس ابن عبد الهادي، وأبو حيان، وابن الوردي، وابن اللبان، وابن عدلان، والذهبي، وابن فضل الله، وابن قيم الجوزية، والفخر المصري شيخ الشافعية بالشام، والتاج المراكشي، وآخرون.
стр. 730
خلافة المعتضد بالله [٧٥٣ - ٧٦٣ هـ] (١)
أبو الفتح أبو بكر بن المستكفي، بويع بالخلافة بعد موت أخيه في سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة بعهد منه.
وكان خيرا متواضعا، محبا لأهل العلم، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
ومن الحوادث في أيامه:
في سنة أربع وخمسين: قال ابن كثير وغيره: (كان بطرابلس بنت تسمى نفيسة، زوجت بثلاثة أزواج ولا يقدرون عليها، يظنون أن بها رتقا، فلما بلغت خمس عشرة سنة .. غارت ثدياها، ثم جعل يخرج من محل الفرج شيء قليلا قليلا إلى أن برز منه ذكر قدر إصبع وأنثيان، وكتب بذلك في محاضر) (٢).
وفي سنة خمس وخمسين: خلع الملك الصالح، وأعيد الناصر حسن (٣).
وفي سنة ست وخمسين: رسم بضرب فلوس جدد على قدر الدينار ووزنه، وجعل كل أربعة وعشرين فلسا بدرهم، وكان قبل ذلك الفلوس العتق كل رطل ونصف بدرهم، ومن هنا يعرف مقدار الدراهم النقرة التي جعلها شيخو.
стр. 731
وصرغتمش لأرباب الوظائف في مدرستيهما، فمرادهما بالدرهم: ثلثا رطل من الفلوس (١).
وفي سنة اثنتين وستين: قتل الناصر حسن، وولي محمد ابن أخيه المظفر، ولقب: بالمنصور (٢).
[من مات في عهده]
وممن مات في أيام المعتضد من الأعلام: الشيخ تقي الدين السبكي، والسمين صاحب «الإعراب»، والقوام الأتقاني، والبهاء ابن عقيل، والصلاح العلائي، والجمال ابن هشام، والحافظ مغلطاي، وأبو أمامة ابن النقاش، وآخرون.
стр. 732
خلافة المتوكل على الله [٧٦٣ - ٨٠٨ هـ] (١)
أبو عبد الله، محمد بن المعتضد والد خلفاء العصر، ولي الخلافة بعهد من أبيه بعد موته، في جمادى، سنة ثلاث وستين وسبع مئة، وامتدت أيامه خمسا وأربعين سنة بما تخللها من خلع وحبس كما سنذكره.
وأعقب أولادا كثيرة، يقال: إنه جاء له مئة ولد ما بين مولود وسقط، ومات عن عدة ذكور وإناث، ولي الخلافة منهم خمسة، ولا نظير لذلك: المستعين العباس، والمعتضد داوود، والمستكفي سليمان، والقائم حمزة، والمستنجد يوسف.
وبقي من أولاده الآن واحد يسمى موسى ما أشبهه بإبراهيم بن المستكفي، والموجود الآن من العباسيين كلهم من ذرية المتوكل هذا، أكثر الله عددهم، وزاد مددهم ومددهم.
ومن الحوادث في أيامه:
في سنة أربع وستين: خلع المنصور محمد، وولي شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاوون، ولقب: الأشرف (٢).
[إحداث العلامة الخضراء على عمائم الشرفاء]
وفي سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة: أحدثت العلامة الخضراء على عمائم
стр. 733
الشرفاء؛ ليتميزوا بها بأمر السلطان، وهذا أول ما أحدث (١)، وقال في ذلك أبو عبد الله بن جابر الأعمى النحوي صاحب «شرح الألفية» المشهور بالأعمى والبصير (٢): [من الكامل]
جعلوا لأبناء الرسول علامة … إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة في كريم وجوههم … يغني الشريف عن الطراز الأخضر
ولبعضهم (٣): [من الكامل]
أطراف تيجان أتت من سندس … بعصائب خضر على الأشراف
والأشرف السلطان خصهم بها … شرفا ليفرقهم من الأطراف
[خروج الطاغية تمرلنك]
وفي هذه السنة: كان ابتداء خروج الطاغية تمرلنك الذي أخرب البلاد وأباد العباد، واستمر يعثو في الأرض بالفساد إلى أن هلك إلى لعنة الله تعالى في ليلة الأربعاء، سابع عشر شعبان، سنة سبع وثمان مئة (٤)، وفيه قيل (٥): [من الطويل]
فعل التتار ولو رأوا … فعال تمرلنك إذا كان أعظما
................ … وطائره في جلق كان أشأما
وكان أصله من أبناء الفلاحين، ونشأ يسرق ويقطع الطريق، ثم انضم إلى خدمة صاحب خيل السلطان، ثم قرر مكانه بعد موته، وما زال يترقى إلى أن وصل إلى ما وصل (٦)
стр. 734
قيل لبعضهم: في أي سنة كان ابتداء خروج تمرلنك؟ قال: في سنة (عذاب)، يعني بحساب الجمل: ثلاثا وسبعين وسبع مئة.
وفي سنة خمس وسبعين: ابتدئت قراءة «البخاري» في رمضان بالقلعة بحضرة السلطان، ورتب الحافظ زين الدين العراقي قارئا، ثم أشرك معه الشهاب العرياني يوما بيوم (١).
في سنة سبع وسبعين: غلا البيض بدمشق؛ فبيعت الحبة الواحدة بثلاثة دراهم من حساب ستين بدينار (٢).
[قتل الأشرف شعبان]
وفي سنة ثمان وسبعين: قتل الأشرف شعبان، وتسلطن ابنه علي، ولقب: المنصور؛ وذلك: أن الأشرف سافر إلى الحج ومعه الخليفة والقضاة والأمراء، فخامر عليه الأمراء، وفر راجعا إلى القاهرة، ورجع الخليفة ومن رجع، وأرادوا أن يسلطنوا الخليفة فامتنع، فسلطنوا ابن الأشرف، واختفى الأشرف إلى أن ظفروا به، فخنقوه في ذي القعدة (٣).
وفيها: خسف الشمس والقمر جميعا، وطلع القمر خاسفا في شعبان ليلة أربع عشرة، وكسفت الشمس يوم الثامن والعشرين منه (٤).
[قصة خلع المتوكل وإعادته]
وفي سنة تسع وسبعين في رابع ربيع الأول: طلب أينبك البدري أتابك
стр. 735
العساكر زكرياء بن إبراهيم بن المستمسك ابن الخليفة الحاكم فخلع عليه، واستقر خليفة بغير مبايعة ولا إجماع، ولقب: المستعصم بالله (١)، ورسم بخروج المتوكل إلى قوص لأمور حقدها عليه وقعت منه عند قتل الأشرف، فخرج وعاد من الغد إلى بيته، ثم عاد إلى الخلافة في العشرين من الشهر، وعزل المستعصم، فكانت مدة خلافته خمسة عشر يوما (٢).
والمتوكل هو سادس الخلفاء الذين سكنوا مصر، وأقيموا بعد انقطاع الخلافة مدة، فحصل له هذا الخلع توفية بالقاعدة (٣).
[قصة عجيبة]
[في انقلاب وجه عابث إلى خنزير]
وفي سنة اثنتين وثمانين: ورد كتاب من حلب يتضمن: أن إماما قام يصلي وأن شخصا عبث به في صلاته، فلم يقطع الإمام الصلاة حتى فرغ، وحين سلم … انقلب وجه العابث وجه خنزير، وهرب إلى غابة هناك، فعجب الناس من هذا الأمر، وكتب بذلك محضر (٤).
وفي صفر سنة ثلاث وثمانين: مات المنصور، وتسلطن أخوه حاجي بن الأشرف، ولقب: الصالح (٥).
وفي رمضان سنة أربع وثمانين: خلع الصالح، وتسلطن برقوق، ولقب: الظاهر، وهو أول من تسلطن من الجراكسة (٦).
стр. 736
[خلع برقوق للخليفة ثم إعادته]
وفي رجب سنة خمس وثمانين: قبض برقوق على الخليفة المتوكل، وخلعه وحبسه بقلعة الجبل، وبويع بالخلافة عمر بن إبراهيم بن المستمسك بن الحاكم، ولقب: الواثق بالله، فاستمر في الخلافة إلى أن مات يوم الأربعاء، تاسع عشري شوال، سنة ثمان وثمانين.
فكلم الناس برقوقا في إعادة المتوكل إلى الخلافة فلم يقبل، وأحضر أخا عمر زكريا الذي كان ولي تلك الأيام اليسيرة، فبايعه، ولقب: المستعصم بالله، واستمر إلى سنة إحدى وتسعين.
فندم برقوق على ما فعل بالمتوكل، وأخرج المتوكل من الحبس، وأعاده إلى الخلافة، وخلع زكريا، واستمر زكريا بداره إلى أن مات مخلوعا، واستمر المتوكل في الخلافة إلى أن مات.
وفي جمادى الآخرة من السنة: أعيد الصالح حاجي إلى السلطنة، وغير لقبه: بالمنصور، وحبس برقوق بالكرك (١).
وفي هذه السنة في شعبان: أحدث المؤذنون عقب الأذان الصلاة والتسليم على النبي ﷺ ، وهذا أول ما أحدث، وكان الآمر به المحتسب نجم الدين الطنبذي (٢).
[موت برقوق ثم موت الخليفة المتوكل]
وفي صفر سنة اثنتين وتسعين: أخرج برقوق من الحبس، وعاد إلى ملكه، فاستمر إلى أن مات في شوال، سنة إحدى وثمان مئة، فأقيم مكانه في السلطنة ابنه فرج، ولقب: الناصر، فاستمر إلى سادس ربيع الأول، سنة ثمان وثمان مئة، فخلع من الملك، وأقيم أخوه عبد العزيز، ولقب: المنصور، ثم خلع في رابع جمادى الآخرة من السنة، وأعيد الناصر فرج.
стр. 737
وفي هذه السنة: مات الخليفة المتوكل ليلة الثلاثاء، ثامن عشري رجب، سنة ثمان وثمان مئة (١).
[من مات في عهده]
وممن مات في أيام المتوكل من الأعلام: الشمس ابن مفلح عالم الحنابلة، والصلاح الصفدي، والشهاب ابن النقيب، والمحب ناظر الجيش، والشريف الحسيني الحافظ، والقطب التحتاني، وقاضي القضاة عز الدين ابن جماعة، والتاج ابن الشبكي، وأخوه الشيخ بهاء الدين، والجمال الإسنوي، وابن الصائغ الحنفي، والجمال ابن نباتة، والعفيف اليافعي، والجمال الشريشي، والشرف ابن قاضي الجبل، والسراج الهندي، وابن أبي حجلة، والحافظ تقي الدين بن رافع، والحافظ عماد الدين بن كثير، والعتابي النحوي، والبهاء أبو البقاء الشبكي، والشمس بن خطيب يبرود، والعماد الحسباني، والبدر بن حبيب، والضياء القرمي، والشهاب الأذرعي، والشيخ أكمل الدين، والشيخ سعد الدين التفتازاني، والبدر الزركشي، والسراج ابن الملقن، والسراج البلقيني، والحافظ زين الدين العراقي.
стр. 738
خلافة الواثق بالله عمر بن ابراهيم بن ولي العهد المستمسك بن الحاكم [٧٨٥ - ٧٨٨ هـ] (١)
بويع بالخلافة بعد خلع المتوكل في رجب، سنة خمس وثمانين، فاستمر إلى أن مات يوم الأربعاء، تاسع عشري شوال، سنة ثمان وثمانين
стр. 739
خلافة المستعصم بالله زكريا بن ابراهيم بن المستمسك [٧٨٨ - ٧٩١ هـ] (١)
بويع بالخلافة بعد موت أخيه الواثق، ثم خلع منها في سنة إحدى وتسعين، واستمر بداره مخلوعا إلى أن مات، وأعيد المتوكل كما تقدم (٢)
стр. 740
خلافة المستعين بالله [٨٠٨ - ٨١٥ هـ] (١)
أبو الفضل، العباس بن المتوكل، أمه: أم ولد تركية، اسمها: باي خاتون.
بويع بالخلافة بعهد من أبيه، في رجب، سنة ثمان وثمان مئة، والسلطان يومئذ الملك الناصر فرج، فلما خرج الناصر لقتال شيخ وهزم وقتل. بويع الخليفة بالسلطنة مضافة للخلافة؛ وذلك في المحرم، سنة خمس عشرة، ولم يفعل ذلك إلا بعد شدة وتصميم وتوثق من الأمراء بالأيمان، وعاد إلى مصر والأمراء في خدمته، وتصرف بالولاية والعزل، وضربت السكة باسمه، ولم يغير لقبه.
[قصيدة الحافظ ابن حجر يمدح المستعين]
وعمل شيخ الإسلام ابن حجر فيه قصيدته المشهورة وهي (٢): [من الكامل]
الملك أصبح ثابت الأساس … بالمستعين العادل العباسي
رجعت مكانة آل عم المصطفى … لمحلها من بعد طول تناس
ثاني ربيع الآخر الميمون في … يوم الثلاثاح بالأعراس
بقدوم مهدي الأنام أمينهم … مأمون غيب (٣) طاهر الأنفاس
ذو البيت طاف به الرجاء فهل يرى … من قاصد متردد في الياس
فرع نما من هاشم في روضة … زاكي المنابت طيب الأغراس
بالمرتضى والمجتبى والمشتري … للحمد والحالي به والكاسي
من أسرة أسروا الخطوب وطهروا … مما بغيرهم (٤) من الأدناس