← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله، فنقل، وقد قيل إن يوحنا بن ماسويه ممن نفذ إلى بلد الروم (١)» ويقول ابن نباته فى ترجمته لسهل بن هرون: «جعله المأمون كاتبا على خزائن الحكمة وهى كتب الفلاسفة التى نقلت للمأمون من جزيرة قبرص، وذلك أن المأمون لما هادن صاحب هذه الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم فى بيت لا يظهر عليه أحد، فأرسلها إليه، واغتبط بها المأمون، وجعل سهل بن هرون خازنا لها (٢)». ونحن نقف قليلا عند هؤلاء المترجمين بتلك المؤسسة الكبيرة، وأولهم الحجاج ابن مطر وقد اشتهر بتحريره لكتاب الأصول فى الهندسة لأوقليدس (٣) وكتاب المجسطى لبطليموس (٤). وأما يحيى بن البطريق فكان يجيد اللاتينية واليونانية جميعا وقد ترجم لأفلاطون قصة طيماوس وترجم لأرسططاليس مختصرا فى النفس وكتبه فى الآثار العلوية وفى الحيوان وفى العالم (٥) وكتاب أرسطو إلى الإسكندر المعروف باسم سر الأسرار، وهو مما نحل على أرسطو ويشتمل على مزيج من القصص وبعض القواعد فى السياسة وفى الصحة والتغذية، وترجم أيضا كتاب الترياق لجالينوس (٦). وقد مضى التعريف بيوحنا بن ماسويه، أما سلم وسهل بن هرون فلم يكونا ممن ينقلون عن اليونانية، إنما كانا ممن يراجعان النقل عنها وينقّحان فيه، وهما من أنبه المترجمين عن الفارسية كما أسلفنا. وممن أخذ اسمه يلمع منذ عهد المأمون فى الترجمة حنين بن إسحق، وكان دقيقا فى ترجمته حتى قالوا إن المأمون رسم له أن يأخذ وزن ما يترجمه ذهبا وقد عاش إلى سنة ٢٦٤ ومكانه لذلك كتاب العصر العباسى الثانى. ومن كبار المترجمين سوى من سميناهم عبد المسيح بن عبد الله بن ناعمة الحمصى المتوفى حول سنة ٢٢٠ للهجرة وقد اشتهر بترجمته لكتاب الأغاليط لأرسططاليس وشرح يحيى النحوى (يوحنا فيلوبونوس) على كتاب السماع الطبيعى له أيضا،

стр. 1017

وترجم كتابا نسب إليه خطأ وهو كتاب الربوبية أو أوثولوجيا أرسطو، وهو تلخيص مقتبس من تاسوعات أفلاطون الإسكندرى المتوفى سنة ٢٧٠ للميلاد ومن أجل ذلك يفيض الكتاب بنزعة أفلاطونية محدثة قوية (١). وقد جعل المأمون الإشراف على مرصده الكبير ليحيى بن أبى منصور وألحق به طائفة من نابهى الفلكيين (٢) مثل على بن عيسى الإسطرلابى ومحمد بن موسى الخوارزمى والعباس بن سعيد الجوهرى. ولم يلبث هذا المرصد أن تحول إلى مدرسة رياضية فلكية كبيرة تخرج فيها غير فلكى مثل بنى موسى بن شاكر. وقد أفادت هذه المدرسة من الأبحاث الفلكية الرياضية والجغرافية التى سبقها إليها الهنود والفرس واليونان، وأضافت إلى ذلك إضافات جديدة باهرة، إذ وضعت لحركات الأفلاك زيجات وجداول أكثر دقة مما كان لدى الأقدمين وأدخلت تحسينات على خريطة بطليموس، واستطاعت أن تقيس درجتين من درجات محيط الأرض على أساس كرويتها، إلى مباحث فلكية وجغرافية ورياضية كثيرة (٣). ومحمد بن موسى الخوارزمى هو أكبر العلماء الرياضيين والفلكيين الذين قاموا على أبحاث هذا المرصد، وهو يعدّ بحق منشئ عصر جديد فى التاريخ العالمى للرياضيات إذ اكتشف علم الجبر وقواعده وأعطاه اسمه للذى شاع من بعده فى العالم كله، وقد أضاف إليه أبحاثا مبتكرة فى أرقام الحساب الهندية وفى حساب المثلثات وفى الجغرافية وفى الأزياج أو الجداول الفلكية، يقول ألدومييلى: «وله فى هذا المجال أعظم تأثير، أولا فى الشعوب الإسلامية ثم بعد ذلك فى الشعوب الغربية المسيحية، وحسابه المفقود نصه العربى مع وجود ترجمة لاتينية له من القرن الثانى عشر الميلادى كان له أعظم الفضل فى تعريف العرب واللاتين من بعدهم بنظام العدد الهندى، وكتابه المشهور المختصر فى حساب الجبر والمقابلة لم يؤدّ فقط إلى وضع لفظ علم الجبر وإعطائه مدلوله الحالى، بل إنه افتتح عصرا جديدا فى الرياضيات. . وألف أيضا كتبا فى الهندسة، ووضع جداول خاصة بحساب

стр. 1018

المثلثات والسطوح الفلكية (١)». وقد نشر على مصطفى مشرفه ومحمد موسى أحمد كتابه «الجبر والمقابله» وهو يذكر فى مقدمته تشجيع المأمون له منوّها به. ويظهر أنه نجح فى صنع الجداول الفلكية نجاحا رائعا، ويقول نالينو إنه «اصطنع زيجا سماه السند هند الصغير جمع فيه بين مذاهب الهند والفرس، وجعل أساسه على السند هند، وخالفه فى التعاديل والميل، فجعل تعاديله على مذاهب الفرس وجعل ميل الشمس فيه على مذهب بطليموس (٢)». والخوارزمى-بدون ريب-يفتتح افتتاحا رائعا سلسلة الرياضيين والفلكيين والجغرافيين من علماء العرب العظام. وقد نبغ فى هذا العصر كثيرون فى الطب وعلم العقاقير على نحو ما تشهد بذلك كتب طبقات الأطباء وما تزخر به من سيول الرسائل والكتب فى الأمراض وطرق علاجها والعقاقير وتركيبها. وقد استطاع يوحنا ابن ماسويه-بما كان يعكف عليه من تشريح القردة (٣) -أن يضيف بعض النتائج الجديدة إلى ما خلّفه جالينوس فى علم التشريح، وله فى طب العيون رسالة مهمة سماها «دغل العين» وقد دوّت شهرتها فى عصره وبعد عصره وترجمت إلى اللاتينية (٤). وقد مضى العرب يعنون-منذ خالد بن يزيد بن معاوية-بعلم الصنعة (الكيمياء) وظلوا يزدادون فيه علما حتى ظهر لهذا العصر جابر بن حيان، وهو ابن صيدلى كوفى، فأرسى هذا العلم على دعائم التجربة وخلّف فيه كثيرا من النظريات فى الإكسير وخواصّه، وصوّر ذلك فى أكثر من مائة رسالة، ترجمت منها طائفة كبيرة إلى اللاتينية وأفاد منها الأوربيون فوائد جلّى مما كان له أكبر الأثر فى نهضة الأبحاث الكيميائية بديارهم. وقد تشكك فى شخصية جابر ومصنفاته بعض الباحثين المحدثين (٥)، وهو شك بدأه بعض القدماء حتى لنرى ابن النديم يرد عليهم ردّا طويلا (٦)، وهو-دون نزاع-المؤسس الأول لعلم الكيمياء عند

стр. 1019

العرب، كما أن الخوارزمى المؤسس الأول للعلوم الرياضية والجغرافية، وكما أن يوحنا بن ماسويه المؤسس الأول للأبحاث الطبية العربية. وكان مما عنوا بنقله إلى العربية كتب الموسيقى لأوقليدس وغيره (١)، وكان لها تأثير بعيد فى نهضة الغناء والتلحين وقد استطاع الخليل بن أحمد أن ينفذ مما ترجم منها إلى وضع علم العروض العربى، وأيضا فإنه ألف كتابا بديعا فى علم الإيقاع اتخذه إسحق الموصلى قدوته فى كتبه الموسيقية (٢). وكل هذه السينول من الترجمة كانت تجرى معها سيول أخرى من تراث اليونان والفرس والهند، حتى ليكاد الإنسان يظن أنه لم يبق شئ من هذا التراث لم ينقل إلى العربية، سواء منه ما اتصل بالعلوم أو ما اتصل بالصناعات أو ما اتصل بالعجائب والأسمار والخرافات، أو ما اتصل بالملل والنحل. وكانت كل هذه السيول تتجمع فى دكاكين الوراقين، ويطلب كلّ منها ما يجد فيه متاعه. وكانت الفلسفة اليونانية والمعارف العلمية أعظم ما حملت هذه السيول، وقد مضى العقل العربى يسيغهما ويتمثلهما ويضيف إليهما إضافات باهرة، والمتكلمون -وعلى رأسهم المعتزلة-هم أهم من تعمقوا الفلسفة بجميع شعبها ودقائقها، وقد عرضوها على بساط البحث، واستطاعوا أن ينفذوا إلى كثير من النظريات والأفكار والآراء التى لم يسبقهم إليها سابق. وعلى هذا النحو أصبح العقل العربى فى العصر العباسى الأول عقلا متفلسفا كما أصبح عقلا علميّا، لا من حيث فهمه وفقهه بعلوم الأوائل بل أيضا من حيث إسهامه فيها وإضافاته الجديدة حتى ليضيف علوما لأول مرة فى تاريخ الحضارة الإنسانية على نحو ما أضاف الخوارزمى علم الجبر. وكان هذا العقل قد أظهر نضجه العلمى وإحكامه لوضع العلوم منذ القرن الثانى، مما نراه متجليا فى العلوم اللغوية والدينية ومباحث التاريخ وعلم الكلام.

стр. 1020

٤ - العلوم اللغوية والتاريخ عنى-منذ أواخر عصر بنى أمية-جمهور كبير من العلماء فى البصرة والكوفة بجمع ألفاظ اللغة وأشعار العرب فى الجاهلية والإسلام، وكان من أهم الأسباب فى هذه العناية حاجة الشعوب الأجنبية التى دخلت فى الإسلام إلى تعلم لغة القرآن الكريم، ثم ما كان من شيوع اللحن على ألسنة الموالى المستعربين، وعلى ألسنة بعض العرب أنفسهم بسبب اختلاطهم بالعناصر الأجنبية وما حدث من ضعف سلائقهم بسبب تحضرهم، وكان كثيرون منهم قد نشأوا فى حجور أمهاتهم من الإماء فضعفت عندهم الملكة اللغوية وأخذ اللحن يفشو فى كلامهم. وكانت هناك لهجات كثيرة تتفاوت قربا وبعدا من الفصحى وتدور على ألسنة العرب الذين نزلوا واستوطنوا البلدتين الكبيرتين. ولكل هذه الأسباب انبرى علماء البصرة والكوفة يجمعون ألفاظ اللغة وأشعارها حتى لا تفنى العربية فى لغات الشعوب المستعربة، وحتى تسلم لها مقوماتها الأصلية، وحتى تنفى عنها وتطرح شوائب اللهجات القبلية. وقد اشترطوا على أنفسهم أن لا يأخذوا اللغة من عربى حضرى وأن يرحلوا فى طلبها إلى باطن الجزيرة حيث ينابيعها الصافية. وكانوا يقصدون بذلك إلى غايتين، أولاهما أن يقوّموا ألسنتهم ويكتسبوا السليقة اللغوية السليمة، وثانيتهما أن يلتقطوا من الأفواه مباشرة مادتهم اللغوية الصحيحة التى يعرضونها على الناشئة وفى حلقات المساجد، ويصوّر أبو نصر الفارابى صنيعهم فى هذا الجانب فيقول: «والذين عنهم نقلت العربية وبهم اقتدى وعنهم أخذ اللسان العربى من بين قبائل العرب هم قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتّكل فى الغريب وفى الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضرى قط ولا عن سكّان البرارى ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم

стр. 1021

يؤخذ لا من لخم ولا من جذام لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسّان وإياد لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب والنمر فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر لمجاورتهم للنبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عمان لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بنى حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم (١)». وعلى هذا النحو كان اللغويون يتوغلون فى نجد حيث المادة اللغوية الفصيحة التى يجمعونها من هنا وهناك ويملئون بها حقائبهم، وعن أبى عمرو بن العلاء شيخ البصرة: «لا أقول قالت العرب إلا ما سمعت من عالية السافلة وسافلة العالية» يقصد الجزء الغربى من نجد وما يترامى إليه من السفوح الشرقية لجبال الحجاز. وسرعان ما أقبل من أغوار نجد إلى البصرة والكوفة ثم بغداد بعض الأعراب الفصحاء ليتكسبوا برواية الأشعار وتلقينها للناشئة وبعض العلماء اللغويين مثل ثور بن يزيد الذى أخذ عنه ابن المقفع الفصاحة (٢)، وأبى سوّار الغنوى أستاذ أبى عبيدة (٣)، ويسوق ابن النديم أسماء (٤) طائفة كبيرة من هؤلاء الأعراب. وقد تعاقبت فى هذا العصر ثلاثة أجيال من علماء البصرة والكوفة تجمع اللغة والشعر، ورأس الجيل الأول فى البصرة أبو عمرو بن العلاء المتوفى سنة ١٥٤ وقيل سنة ١٥٩ وهو أحد القرّاء السبعة المقدّمين الذين أخذت عنهم قراءات القرآن الكريم، وكان حجة ثبتا صدوقا، وفيه يقول الجاحظ: «كان أعلم الناس بالغريب والعربية وبالقرآن والشعر وبأيام العرب وأيام الناس (٥)». وأشهر أفراد الجيل التالى له خلف الأحمر المتوفى سنة ١٨٠ والأصمعى المتوفى سنة ٢١٣ وفى تعيين سنة وفاته اختلاف كبير وأبو زيد الأنصارى المتوفى سنة ٢١٤ وأبو عبيدة المتوفى سنة ٢١٠. وكان الأصمعى ثقة ثبتا ومجموعته الشعرية الملقبة بالأصمعيات بعيدة الشهرة،

стр. 1022

ورويت عنه دواوين كثيرة أشهرها مجموعة الدواوين الستة: دواوين امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة وعلقمة بن عبدة. وكان أبو زيد مثله صدقا وأمانة وصبّ عنايته على جمع اللغات الشاذة كما يتضح فى كتابه «النوادر» فى اللغة. وأبو عبيدة ينزل عنه وعن الأصمعى درجات فى الثقة به إذ كان شعوبيّا ذميما ومن أشهر مصنفاته شرح نقائض جرير والفرزدق وكتاب المجاز فى القرآن. وأهم أفراد الجيل الثالث من لغويّى البصرة محمد بن سلام الجمحى صاحب «طبقات فحول الشعراء الجاهليين والإسلاميين» وهو كتاب نفيس إذ يصير عمل المدرسة البصرية فى توثيق الشعر القديم ووضع شعرائه فى طبقات وفصائل حسب جودتهم الفنية. ورأس الجيل الأول من لغويى الكوفة حماد الراوية المتوفى سنة ١٥٦ وقيل بل سنة ١٦٤ وكان عالما بالشعر والغريب غير أنه كان ماجنا فاسقا زنديقا، فشاب روايته بالوضع والانتحال على ألسنة العرب، مما جعل علماء البصرة وعلماء الكوفة أنفسهم من مثل المفضل الضبى معاصره يسقطونها ويزيفونها. وكان المفضل ثقة صدوقا وحجة فى الغريب، ومجموعته الشعرية الملقبة بالمفضليات أنفس مجموعات الشعر القديم. وأشهر أفراد الجيل الثانى فى الكوفة أبو عمرو الشيبانى المتوفى سنة ٢١٣ ويقال إنه دخل البادية ومعه دستيجان (١) حبرا فما خرج حتى أفناهما بكتابة سماعه عن العرب الفصحاء، ويقال إنه كتب أشعار نيف وثمانين قبيلة. ولا يقلّ عنه شهرة معاصرة ابن الأعرابى المتوفى سنة ٢٣١ وقد رويت عنه دواوين كثيرة، وهو إلى أن يكون فى جيل الكوفة الثالث أقرب منه إلى أن يكون فى جيلها الثانى. ومن أهم أفراد الجيل الثالث أبو عبيد القاسم بن سلام، ويقال إن الناس لم يكتبوا فى اللغة أصح من كتبه ولا أكثر فائدة، وله مصنفات كثيرة من أشهرها غريب الحديث والغريب المصنف. ومن ينعم النظر فيما سجلت كتب طبقات اللغويين والنحويين لهؤلاء العلماء من مصنفات يجدها تتطور من التأليف فى موضوعات جزئية مفردة مثل كتاب الفرس وكتاب الإبل إلى تأليف المصنفات المطولة حتى لتتحول إلى معاجم لغوية على

стр. 1023

شاكلة كتاب الغريب المصنف لأبى عبيد، وسترى الخليل بن أحمد يضع منهج أول معجم لغوى فى العربية. وينبغى أن نعرف أن الطريقة الأولى التى تعنى بالجزئيات المفردة ظلت غالبة على محاضرات اللغويين طوال القرون: الثانى والثالث والرابع على نحو ما يصور ذلك الكامل للمبرد ومجالس ثعلب وأمالى القالى. وإذا تركنا جمع اللغة ورواية الشعر إلى النحو وجدنا البصرة تسبق الكوفة إلى وضع قواعده ومصطلحاته وصبغها بالصبغة العلمية، وقد حاول بعض المستشرقين أن يربطوا بين النحو العربى والنحو اليونانى أو السريانى، محاولين أن يثبتوا وجوها من الصلة بينهما وبين النحو العربى، وكأنه نشأ على هديهما (١). وأكبر الظن أنه وليد العقل العلمى العربى الذى استوى على سوقه فى القرن الثانى، ودفع دفعة إلى وضع علوم عربية كبيرة، منها اللغوى ومنها الدينى. وجاء فى بعض المصادر القديمة أن أول من وضع العربية أبو الأسود الدؤلى المتوفّى سنة ٦٩ وشبّه على بعض القدماء والمحدثين أنه وضع شيئا من قواعد النحو، والحقيقة أنه لم يضع منها شيئا، إنما الذى وضعه حقّا وكان أول واضعيه نقط المصحف نقطا يعيّن حركات أواخر الكلم فيه أو بعبارة أدق يعين حركات الإعراب (٢)، فكان يضع نقطة فوق الحرف الأخير للكلمة إشارة إلى الفتحة، ونقطة بين يديه إشارة إلى الضمة، ونقطة تحته إشارة إلى الكسرة، وإذا تبع شيئا من هذه الحركات غنة أو تنوين نقط الحرف نقطتين. واختلط التعبير عن هذا الصنيع بكلمة العربية على بعض أصحاب كتب الطبقات فظنوا أنه وضع بعض أبواب النحو أو بعض مسائله. وأول نحاة البصرة الحقيقيين عبد الله بن أبى إسحق الحضرمى المتوفى سنة ١١٧ وعيسى بن عمر الثقفى المتوفى سنة ١٤٩. أما ابن أبى إسحق فيقال إنه أول من نهج النحو ومدّ القياس وشرح العلل، وأما عيسى بن عمر فإنه أول من وضع الكتب فى النحو إذ ألف فيه مصنفين هما الإكمال والجامع، ويقال إن الأخير أصل كتاب سيبويه، زاد فيه وحشاه. ويعد الخليل بن أحمد المتوفّى فى سنة ١٧٥ هو الواضع الحقيقى لعلم النحو فى صورته النهائية التى أدّاها عنه تلميذه سيبويه فى

стр. 1024

مصنفه الملقب باسم «الكتاب» وهو فى كثير من صفحاته يحكى آراءه وقد ذكره فى نحو ثلاثمائة وسبعين موضعا، ويقول السيرافى: «كل ما قال سيبويه: سألته أو قال من غير أن يذكر قائله فهو الخليل (١)» ويقول إنه كان الغاية فى استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس فيه، ويقول الزبيدى: إنه استنبط من علل النحو ما لم يستنبطه أحد وما لم يسبقه إلى مثله سابق (٢)». فالخليل هو المؤسس الحقيقى لصرح النحو العربى، بل هو المقيم لقواعده والمشيد لبنيانه وأركانه، وكانت المادتان الأساسيتان اللتان اعتمد عليهما فى رفع هذا الصرح إلى عنان السماء-كما يوضح ذلك كتاب تلميذه سيبويه-القياس والعلل، أما القياس فيتضح فى ضبطه القواعد واطرادها بحيث تنفى الشواذ، وأما العلل فمقدمات القياس التى تثبت صحته بما تقدمه من أدلة عقلية سديدة. ويظهر أن الخليل كان يتقن المنطق الذى ترجمه صديقه ابن المقفع وما يتصل به من القياس، وأيضا فإنه كان يتقن العلوم الرياضية (٣)، وهو إتقان جعله يقف على ما يصنعه أصحاب الحساب والرياضيات فى مسائلهم الفرضية لترسخ ملكة هذه العلوم فى عقول الناشئة. وعلى ضوء من هذا الصنيع مدّ القياس فى التصريف والنحو، فتولدت له ألفاظ جديدة وفروض فى الصيغ بقصد تمرين لتلاميذ وتدريبهم وهى ما يسميه النحاة بالتمارين غير العملية. وقد تمثل تمثلا دقيقا فكرة المعادلات والتوافيق والتباديل التى هيأت عند الخوارزمى لنشأة علم الجبر، وهى تلاحظ عنده فى الميزان الصرفى وفى الخطة التى وضعها لصنع المعجم المعروف باسم «العين» إذ دفع تلميذه الليث بن نصر بن سيار أن يقلب كل الصيغ الثنائية والثلاثية والرباعية والخماسية على حروف الهجاء وبذلك حصر جميع الكلمات مما نطقت به العرب ومما لم تنطق مع نصه فى المعجم على الطرفين. وجعله يرتبه على مخارج الحروف بالضبط كما ترتّب عند الهنود حروف السنسكريتية (٤)، وفى ذلك ما يشير إلى إطلاعه على بعض الأبحاث الهندية فى الأصوات، ولعل ذلك ما جعله

стр. 1025

يعنى بالهمز والتشديد والروم والإشمام (١). ويبلغ تطبيقه لفكرة التباديل والتوافيق الرياضية الغاية فى وضعه لعلم العروض، لا من حيث ما اقترحه فيه من تفاعيل فقط، بل أيضا من حيث ما وضعه فيه من دوائر، إذا قدّمت فيها أجزاء التفعيلات بعضها على بعض خرجت الأوزان التى استعملها العرب وأوزان أخرى أهملوها ولم يستعملوها، وبذلك فتح الأبواب واسعة أمام العباسيين كى يجدّدوا فى الأوزان حسب إرادتهم الفنية. وخلفه على تراثه النحوى سيبويه المتوفى سنة ١٨٠ غير متجاوز للأربعين من عمره فى أرجح الأقوال، وقد أودع هذا التراث مصنفه الموسوم باسم «الكتاب» مضيفا إليه من أنظاره ما يدل دلالة بينة على فطنته ونفاذ بصيرته. والكتاب يعدّ آية خارقة من آيات العقل العربى حتى سماه بعضهم قرآن النحو، ويقول صاعد ابن أحمد الأندلسى: «لا أعرف كتابا ألّف فى علم من العلوم قديمها وحديثها اشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب، أحدها المجسطى لبطليموس فى علم هيئة الأفلاك، والثانى كتاب أرسططاليس فى علم المنطق والثالث كتاب سيبويه البصرى النحوى، فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من أصول فنه شئ إلا ما لا خطر له (٢)». وأهم من تلقى هذا الكتاب عن سيبويه من البصريين الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة المتوفى سنة ٢١١ فكان الطلاب يقرءونه عليه ويشزحه لهم ويفسره، وله فى النحو مصنفات كان ينشر فيها ضربا من الغموض والتعقيد رغبة فى التكسب بها (٣)، واشتهر بأنه أول من أملى غريب كل بيت من الشعر تحته كما اشتهر بإتقانه لعلم العروض وتأليفه فيه. ولم يكن النشاط النحوى منذ أوائل هذا العصر خامدا فى الكوفة، فقد كان بها طائفة من النحاة غير أنهم لم يبرعوا فى النحو براعة البصريين، ومن أجل ذلك كانوا يكثرون من الرحلة إليهم والتلمذة عليهم، حتى إذا تقدم العصر أخذوا يستقلون عن نظرائهم فى البصرة بمذهب نحوى خاص بهم بحيث أصبح فى النحو مذهبان متقابلان: مذهب البصرة الذى يعنى بالقياس مستسدّا له من استعمال العرب الشائع، ومذهب الكوفة الذى يعنى بالسماع ويقدمه على القياس مهما كان شاذّا نادرا.

стр. 1026

وأقدم نحاة الكوفة أبو جعفر الرّواسى تلميذ عيسى بن عمر أستاذ البصريين، وخلفه معاذ بن مسلم الهرّاء المتوفّى سنة ١٨٧ ويقال إنه هو الذى وضع علم الصرف غير أننا نشك فى ذلك لأن الصرف مندمج فى كتاب سيبويه المتوفى قبله. وأرسخ منه قدما فى الدراسات النحوية الكسائى المتوفى سنة ١٨٩ وقد تتلمذ للخليل وتلقى عن الأخفش كتاب سيبويه، ونراه يشيد بالقياس قائلا: إنما النحو قياس يتّبع ... وبه فى كل أمر ينتفع ويقول بعض البصريين: «لولا أنه دنا من الخلفاء فرفعوا من ذكره لم يكن شيئا، وعلمه مختلط بلا حجج ولا علل (١)» وأهم نحاة الكوفة فى العصر الفرّاء المتوفى سنة ٢٠٧ وكان مثل أستاذه الكسائى يقدّم السماع على القياس، وأكثر من قراءة كتاب سيبويه، ليحاول تعقبه ومخالفته فى بعض ألقاب النحو، وقد صاغ منها كثيرا أشاعه فى كتابه «معانى القرآن» مثل الجحد بدلا من النفى والتكرير بدلا من البدل والتفسير بدلا من التمييز (٢). وهو الذى جسّم الخلاف بين المدرستين الكوفية والبصرية لقدرته على الحجاج والجدل، ويقال إنه كان مثقفا ثقافة فلسفية واسعة، وأنه كان يستخدم فى كتبه ألفاظ الفلاسفة، ويدل على ذلك كتابه «الحدود» فى النحو فإن اسمه يحمل صلة قوية بينه وبين مباحث الحدود فى المنطق، ومن أهم كتبه «معانى القرآن» وهو يكتظ بآرائه النحوية. وواضح مما قدمناه أن الكوفة لم تسهم مساهمة حقيقية فى وضع أصول النحو فقد سبقتها البصرة إلى ذلك محتكمة احتكاما شديدا إلى القياس (٣)، وإلى نظرية العامل التى ينفرد بها نحونا العربى والتى تعدّ قوامه، وهى تدل على أن هذا النحو لم يوضع على أساس نحو أجنبى، فمحوره الذى تدور حوله بحوثه محور عربى خالص، إنما كل ما يمكن أن يقال إنه أفاد من العقلية العلمية الخصبة التى اكتسبها العرب فى العصر العباسى الأول من خلال تمثلهم للثقافات الأجنبية الفلسفية والعلمية.

стр. 1027

ومما كان يعنى به النحاة واللغويون أنساب العرب وأخبارهم التى تؤديها أشعارهم، وهى عناية اقترنت بنمو الكتابة التاريخية حينئذ، وهو نمو ارتبط بالسيرة النبوية، وانضمت إليها مادة من تاريخ الرسل ومن تاريخ العرب ثم تاريخ الأمم المجاورة للجزيرة العربية وخاصة الفرس. وكانت السيرة النبوية مثبوتة فيما يروى من الأحاديث، فأخذ كثيرون يستخلصونها منها، وعنوا بالقصص عن الأنبياء والرسل لتوضيح جوانب من القصص القرآنى والوعظ والتذكير بالله واليوم الآخر، وعنوا أيضا بكتابة أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها وملوكها. وما نكاد نتقدم فى العصر العباسى حتى تكثر الكتابة عن سيرة الرسول ﷺ ومغازيه وبعوثه الحربية، ويلمع فى هذا الجانب اسم محمد بن إسحق المتوفى سنة ١٥٠ وقد وزّع السيرة النبوية على ثلاثة أقسام كبيرة، هى المبتدأ والمبعث والمغازى. ويتضمن المبتدأ تاريخ العرب القديم وقصص الأنبياء، ويتضمن المبعث حياة الرسول فى مكة، وتتضمن المغازى حياته فى المدينة. ولم يصلنا هذا الكتاب (١)، إنما وصلتنا رواية مهذبة له رواها عبد الملك بن هشام المتوفى بالفسطاط سنة ٢١٨. ومن المؤرخين الكبار الذين عنوا بكتابة السيرة والمغازى النبوية فى هذا العصر محمد بن عمر الواقدى قاضى المأمون المتوفى سنة ٢٠٧ وله مصنفات كثيرة فى الفتوح وتاريخ الخلفاء وأيام الناس، ونشرت له قطعة خاصة بالمغازى، وقد ضمّن كاتبه وتلميذه محمد بن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ كتابه «الطبقات الكبرى» سيرة مطولة للرسول ﵇. وكان من أثر الاهتمام بالمدينة فى السيرة الزكية أن أخذت تفرد لها المصنفات على نحو ما هو معروف عن محمد بن الحسين بن زبالة المتوفى بعد المائتين، وكتابه الذى خصه بها هو الأصل الذى ألهم العلماء بعده التأليف فى تاريخ المدن. وعنى كثير من المؤرخين بالكتابة فى أحداث الدولة العربية على نحو ما هو معروف عن أبى مخنف لوط بن يحيى الأزدى المتوفى سنة ١٥٨ وله كتب مختلفة فى الفتوح وفى حروب صفين، وسيف بن عمر التميمى المتوفى سنة ١٨٠ ويشتهر بمؤلفات

стр. 1028

له فى الردة والفتوح ووقعة الجمل، ونصر بن مزاحم المتوفى سنة ٢١٢ وقد نشرت له بالقاهرة وقعة صفّين. وصبّ هشام بن محمد الكلبى عنايته على تاريخ العرب القديم وما يتصل به من أنساب وأيام وأشعار، وكان متهما بالوضع عند معاصريه، ونشر له بالقاهرة كتاب الأصنام. ومن أعلام المؤرخين لهذا العصر المدائنى المتوفى سنة ٢٢٥ وكان له كتاب ضخم فى أخبار الخلفاء وآخر فى الدولة العباسية ومصنفات مختلفة فى السيرة النبوية وفى الفتوح وأيام الناس، وهى تعدّ بالمئات، وقد استقصاها ياقوت وابن النديم. وأخذت تؤلف فى هذا العصر كتب الرجال الذين حملوا الحديث النبوى من صحابة وتابعين على نحو ما يصور ذلك كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد الذى أشرنا إليه آنفا، ومثله كتاب معرفة الرجال ليحيى بن معين المتوفى فى سنة ٢٢٣. وعلى هذا النحو نشطت كتابة التاريخ فى العصر العباسى الأول، فلم تقف عند السيرة النبوية، بل اتسعت لتشمل تاريخ العرب فى الجاهلية وفتوحهم ودولهم فى الإسلام وتاريخ الرسل والأنبياء، وهبطت إليهم روافد من تاريخ الأمم القديمة وخاصة الفرس، إذ عنى ابن المقفع وغيره بترجمة الكتب المؤلفة فى سير ملوك العجم. ٥ - العلوم الدينية وعلم الكلام والاعتزال نشأت العلوم الدينية فى ظلال الحديث النبوى، وقد أخذ رواته يضيفون إليه ما أثر عن الصحابة لا فى تعاليم الدين الحنيف فحسب، بل أيضا ما أثر عنهم وعن الرسول الكريم فى تفسير الذكر الحكيم. وبذلك حمل الحديث كل المادة المتصلة بالتشريع والفقه والتفسير. وقد أخذ يدوّن تدوينا عامّا منذ أوائل القرن الثانى للهجرة، على نحو ما هو معروف عن ابن شهاب الزهرى المتوفى سنة ١٢٤ وما انكاد نتقدم فى العصر العباسى حتى يتكاثر التصنيف فيه، وكانوا يوزعونه فى

стр. 1029

مصنفاته غالبا على أبواب الفقه، وأول جيل يلقانا لمصنفيه (١) فى هذا العصر جيل عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة المتوّفى سنة ١٥٠ ومعمر بن راشد باليمن المتوفى سنة ١٥٣ وسعيد بن أبى عروبة بالبصرة المتوفى سنة ١٥٦ ومواطنه الربيع ابن صبيح المتوفى سنة ١٦٠ ومواطنهما حماد بن سلمة المتوفى سنة ١٦٥ وسفيان الثورى بالكوفة المتوفّى سنة ١٦١ وعبد الرحمن الأوزاعى بالشام المتوفى سنة ١٥٧ والليث بن سعد بالفسطاط المتوفى سنة ١٧٥. ويتبع هذا الجيل جيل ثان على رأسه مالك بن أنس بالمدينة المتوفّى سنة ١٧٩ وسفيان بن عيينة بمكة المتوفى سنة ١٩٨ وعبد الرازق الصنعانى باليمن المتوفى سنة ٢١١ وعبد الله بن المبارك بخراسان المتوفى سنة ١٨١ وهشيم بن بشير بواسط المتوفى سنة ١٨٣ ويحيى بن زكريا بن أبى زائدة بالمدائن المتوفى سنة ١٨٣ ومحمد بن فضيل بن غزوان بالبصرة المتوفى سنة ١٩٨ ووكيع بن الجراح بالكوفة المتوفى سنة ١٩٦ وعبد الله بن وهب بالفسطاط المتوفّى سنة ١٩٧. وأهم كتاب وصلنا عن هذين الجيلين كتاب «الموطّأ» لمالك بن أنس إمام أهل المدينة، وهو مرتب على أبواب الفقه، وفى كل باب أحاديث الرسول- ﷺ -المتعلقة به وأقوال الصحابة وفتاوى التابعين وفتاوى مالك نفسه. وقد ظل يمليه على طلاّبه نحو أربعين عاما، وهو يزيد وينقص فيه وفى أحاديثه، ولذلك اختلفت رواياته، وأشهرها رواية يحيى بن يحيى الليثى الأندلسى المتوفّى سنة ٢٣٤ وقد شرحها الزرقانى وشرحه مطبوع. وأخذت تقترن فى أواخر القرن الثانى بالطريقة السالفة فى تصنيف الحديث طريقة جديدة تقوم على تخليص الحديث من الفقه، مما جعل أصحابها يوزعون الحديث فى مصنفاتهم على أساس رواته من الصحابة، وهى الطريقة المعروفة باسم «المساند» إذ يسند المؤلف لكل صحابى ما روى عنه من الأحاديث، وممن سبقوا إلى التأليف على هذه الطريقة الربيع بن حبيب الإباضى البصرى المتوفّى سنة ١٧٠ ومسنده مطبوع وأبو داود الطيالسى المتوفى بالبصرة سنة ٢٠٣ ومسنده هو الآخر مطبوع.

стр. 1030

وأشهر المصنفات فى هذا الاتجاه مسند ابن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ وهو مطبوع فى ستة أجزاء ضخام. وبجانب الطريقتين السالفتين فى تصنيف الحديث أخذت تشيع طريقة ثالثة توزّع فيها الأحاديث على المعانى والموضوعات التى تتصل بها فقهية وغير فقهية، ومن أقدم من ألفوا فيها أبو بكر عبد الله بن أبى شيبة المتوفّى سنة ٢٣٥ وفيه يقول المقريزى: «تفرد بتكثير الأبواب وجودة التصنيف وحسن التأليف» (١) واتبع طريقتة فى العصر العباسى الثانى البخارى وغيره من أصحاب الصّحاح الستة. وأخذ المحدّثون منذ هذا العصر يعرضون رواة الحديث على نقد شديد حتى يحيطوه بسياج متين من الصحة والثقة، مما أدّى إلى نشوء علم هو علم الرجال أو علم التعديل والتجريح، وهو علم محّص مادة الحديث ونفى عنها الزيف والتدليس، وأهم من بدأ التصنيف فيه-كما أسلفنا فى غير هذا الموضع-محمد بن سعد ويحيى بن معين. ومن العلوم التى نشأت حول الحديث لهذا العصر علم غريبه، وهو علم يعنى بتفسير ما فيه من ألفاظ غريبة، وقد ألف فيه كثيرون من لغويى (٢) هذا العصر وعلى رأسهم أبو عبيد القاسم بن سلام. وإذا تركنا التصنيف فى الحديث إلى التصنيف فى تفسير القرآن الكريم وجدنا مصنفات كثيرة فيه تستمد مما أثر عن الرسول ﷺ وعن الصحابة وخاصة أبىّ بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وما أذاعه تلاميذه الكثيرون عنه، وقد سجل ابن النديم أسماء طائفة كبيرة من هذه المصنفات (٣)، وتولاّها العلماء بالجرح والتعديل، فمنها ما اتهموه ومنها ما وثقوه، وقد أجمعوا على صحة ما دوّنه على بن أبى طلحة المصرى عن ابن عباس، وفى ذلك يقول ابن حنبل: «بمصر صحيفة فى التفسير (عن ابن عباس) رواها ابن أبى طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا» (٤). ومن أهم المفسرين فى هذا العصر بتلك الطريقة التى تعتمد على التفسير بالمأثور سفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن زيد ابن أسلم بالمدينة ووكيع بن الجراح وأبو بكر بن أبى شيبة. وقد ضاعت كتبهم هم

стр. 1031

ومن سبقهم غير أن الطبرى احتفظ فى تفسيره الكبير بكل هذه الثروة المأثورة الغنية. وقد أخذ الشيعة يستقلون-منذ هذا العصر-بتفاسير للقرآن خاصة بهم، لعل أهمها تفسير (١) جعفر الصادق المتوفى سنة ١٤٨، إن صحت نسبته إليه. ونشط المعتزلة فى كتابة تصانيف عن المتشابه فى القرآن على نحو ما يروى عن بشر (٢) بن المعتمر وأبى الهذيل (٣) العلاف، وما زالوا يعنون بتأويل الآيات التى قد تفيد التشبيه على الله أو تفيد الجبر وبمباحث مختلفة حول القرآن وإعجازه حتى استطاع أخيرا أبو بكر الأصم المتوفى سنة ٢٣٢ أن يصنف أول (٤) تفسير اعتزالى. ونشأت بجانب التفسير-لهذا العصر-علوم قرآنية كثيرة، أحصاها ابن النديم إحصاء دقيقا، ذاكرا أهم من صنفوا فيها ومصنفاتهم (٥)، وهى علم نقطه وشكله وأهم من ألفوا فيه الخليل بن أحمد ومعروف أنه أول من ابتكر الشكل فى العربية، وقد أخذه من صور حروف العلل الممدودة فالضمة واو صغيرة الصورة والكسرة ياء تحت الحرف والفتحة ألف مبطوحة فوقه (٦). ومن تلك العلوم علم الوقف والابتداء فى آياته، وممن ألفوا فيه الفراء، وعلم غريبه وممن ألفوا فيه محمد بن سلام الجمحى وأبو عبيد القاسم بن سلام، وعلم لغاته وممن صنفوا فيه الأصمعى وأبو زيد الأنصارى، وعلم معانيه وممن صنفوا فيه انفراء وأبو عبيدة، وعلم قراءاته وممن صنفوا فيه أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيد القاسم بن سلام، وعلم ناسخه ومنسوخه وممن صنفوا فيه أحمد بن حنبل، وعلم أحكامه وممن صنفوا فيه الشافعى ويحيى بن أكثم صفى المأمون وقاضيه. وازدهرت دراسات الفقه فى هذا العصر ازدهارا عظيما، فإذا الفقهاء يصوغونه صياغة علمية دقيقة على نحو ما صاغ اللغويون النحو وغيره من العلوم اللغوية. ومعروف أن الإسلام فتح أمام الفقهاء أبواب الاجتهاد على مصاريعها، وكان منهم من يبحث عن نص من القرآن أو السنة يهتدى به فى فتواه، وقلما اعتمد عقله أو استنباطه العقلى، ومنهم من كان يتسع فى الاستنباط والقياس

стр. 1032

السديد على ضوء الإسلام وتعاليمه. ويمثل الأولين أهل الحجاز بينما يمثل الثانين أهل العراق ولذلك سمّوا أهل الرأى، وسرعان ما تحول الاتجاهان فى هذا العصر إلى مذهبين واضحين فى الفقه والتشريع: مذهب أبى حنيفة فى الكوفة والعراق ومذهب مالك فى المدينة والحجاز، وينفذ الشافعى من خلال المذهبين إلى مذهب مستقل به، وبأخرة من العصر ينفذ ابن حنبل إلى مذهب رابع كانت تتبعه فيه عامّة بغداد. وأبو حنيفة النعمان بن ثابت يرجع إلى أصل فارسى، وقد ولد سنة ٨٠ للهجرة وتوفى ببغداد سنة ١٥٠ وكان بزازا وهو مع ذلك يتثقف بالحديث والقرآن والفقه والتفسير حتى صار أبرع أهل زمانه فى الفقه والرأى، بل لقد نفذ إلى مذهب مستقل به، وهو مذهب كان يعتمد على الكتاب والسنة، كما كان يعتمد على القياس العقلى اعتمادا واسعا متخذا منه حلولا للأحكام الكثيرة التى تطلبتها المشاكل التى نشأت فى حياة الناس من الجهتين الدينية والدنيوية، ويقال إنه أفتى فى ثلاث وثمانين ألف مسألة منها ثمان وثلاثون ألفا فى العبادات والبقية فى المعاملات. وإلى دقته فى استخدام القياس يشير مساور الوراق إذ يقول (١): إذا ما النّاس يوما قايسونا ... بآبدة من الفتيا ظريفه أتيناهم بمقياس طريف ... مصيب من قياس أبى حنيفه ونهض من بعده بمذهبه أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب المولود بالكوفة سنة ١١٣ والمتوفى سنة ١٨٢ وهو الذى انتشر به مذهب أبى حنيفة فى العراق وسائر الأقطار التابعة للخلافة العباسية، إذ كان قاضى القضاة فى عهد الهادى والرشيد وكان لا يولى على أى بلد قاضيا إلا من فقهاء المنتمين إلى مذهبه (٢)، وله فى الخراج كتاب مشهور مطبوع، وهو أول من ألف فى علم الحيل (٣) وهو علم يفتح بفتاويه المنثورة فيه المنافذ لكى يخرج منها من يقع فى حرج. وانتهت رياسة المذهب بعده إلى تلميذه محمد بن الحسن الشيبانى الكوفى المتوفى سنة ١٨٩ وكان

стр. 1033

قد سمع أبا حنيفة وتتلمذ له، كما سمع مالك بن أنس والأوزاعى فقيه الشام، وممن أخذ عنه الشافعى وأحمد بن حنبل، وهو الذى حرّر المذهب الحنفى بكتبه الكثيرة من مثل المبسوط والسير الكبير والجامع الكبير والجامع الصغير، وقد نوه ابن جنى بدقة استخدامه للعلل فى كتبه (١). وإلى هؤلاء الأئمة الثلاثة يرجع الفضل فى صياغة الفقه الحنفى ومصطلحاته صياغة علمية دقيقة. وكان يقابل هذا المذهب العراقى مذهب مالك بن أنس فى الحجاز، على نحو ما يمثله كتابه «الموطأ» الذى تحدثنا عنه بين كتب الحديث والذى تعرض فيه أبواب الفقه ومسائله على أساس رواية الحديث النبوى والآثار عن الصحابة والتابعين. ومن أهم من تلقوا هذا المذهب عن مالك تلميذه عبد الرحمن بن القاسم المتوفى بالفسطاط سنة ١٩١ وقد أدّاه بدوره إلى سحنون عالم القيروان المتوفى سنة ٢٤٠ فألف فيه كتابه الملقب باسم «المدونة الكبرى» ونشره ببلاد المغرب. وتلقى المذهب عن مالك أيضا يحيى بن يحيى الليثى الأندلسى، ونشره بموطنه على نحو ما نشر أبو يوسف مذهب أبى حنيفة إذ كان مقدّما عند حكام الأندلس وجعلوا له تولية القضاة فكان لا يولى قاضيا إلا من أصحابه المالكية. ونفذ من خلال هذين المذهبين إلى تكوين مذهب جديد الشافعى محمد بن إدريس المولود بغزة سنة ١٥٠ والمتوفّى بالفسطاط سنة ٢٠٤ وقد نشأ بمكة وحمل ما بها من حديث، وفى سنة ١٧٠ رحل إلى المدينة ولزم مالكا إلى أن توفى، فرحل إلى اليمن واتّهم باشتراكه فى ثورة لبعض العلويين، فأرسل به إلى الرشيد وعفا عنه. وانتهز فرصة مقامه ببغداد فقرأ كتب محمد بن الحسن الشيبانى وناظره طويلا، وخرج إلى مصر ونشر بها مذهبه الذى يجمع بين طريقة الحجازيين فى الاعتماد على الكتاب والسنة وطريقة العراقيين فى الاعتماد على القياس. وقد انتهت عنده الروح العلمية الأصيلة التى سادت فى مباحث الفقهاء إلى الغاية المنتظرة إذ استطاع أن يضع فى كتابه الملقب باسم الرسالة علم أصول الفقه لأول مرة، وفيه حرّر المناهج فى استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وهو بذلك يقف علما فى تاريخ الفقه الإسلامى، يقول الرازى: «واعلم أن نسبة الشافعى

стр. 1034

إلى علم الأصول كنسبة أرسططاليس إلى علم المنطق وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض. . فإن الناس كانوا قبله يتكلمون فى مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعارضون، ولكن ما كان لهم قانون كلى مرجوع إليه فى معرفة دلائل الشريعة وفى كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعى-﵀-علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونا كليّا يرجع إليه فى معرفة مراتب أدلة الشرع، فثبت أن نسبة الشافعى إلى علم الشرع كنسبة أرسططاليس إلى علم العقل (١)». وعاد الشافعى إلى العراق فى سنة ١٩٥ ثم رجع إلى مصر سنة ١٩٨ وتركها إلى مكة ولم يلبث أن عاد إليها وظل بها إلى وفاته. وحمل عنه مذهبه فى مصر تلاميذ كثيرون من أهمهم البويطى المتوفى سنة ٢٣١ وقد انتشر مذهبه فى كثير من بلدان العالم الإسلامى. وأكبر تلامذة الشافعى فى العراق أحمد بن حنبل المتوفّى سنة ٢٤١ وقد استقل بمذهب فقهى جديد يعلى من شأن الحديث إلى أبعد غاية، وبذلك عدّ ممثلا لأهل السنة، غير أن مذهبه لم يكتب له الانتشار كما كتب للمذاهب الثلاثة السالفة، وإن كان قد ازدهر حديثا بين الوهابيين. وكان للشيعة فى هذا العصر نشاط مستقل فى الفقه، إذ ينسب للإمام العلوى جعفر الصادق كتب مختلفة فيه مثل كتاب «مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة» المطبوع فى طهران ومثل كتاب «فقه الرضا» لعلى الرضا حفيده وهو كسابقه مطبوع بطهران. ولعل علما لم يزدهر فى هذا العصر كعلم الكلام، ويراد بالكلام الجدل الدينى فى الأصول العقيدية لا عند المسلمين وحدهم، بل عند جميع الملل والنحل، ومن أجل ذلك نرى الوصف بالمتكلم يضاف إلى بعض الرافضة مثل هشام بن الحكم وشيطان الطاق (٢)، بل نراهم يضيفونه إلى أهل الحجاج من المسيحيين (٣)، بل لقد أضافوه إلى أهل الجدل من المنانية الثنويه القائلين بإلهى النور والظلمة الذين يحامون ويناضلون عن عقيدتهم الفاسدة (٤). وقد مضى كل متكلم مدافع عن

стр. 1035

عقيدة فى هذا العصر يتسلّح فى دفاعه بالفلسفة اليونانية وما يتصل بها من منطق وغير منطق حتى ليقول الجاحظ: «ولا يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام متمكنا فى الصناعة حتى يكون الذى يحسن من كلام الدين فى وزن الذى يحسن من كلام الفلسفة (١)». وأهم فرق المتكلمين فى هذا العصر فرقة المعتزلة الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن عقيدة الإيمان الإسلامية وما يتصل بها من توحيد الله وتنزيهه عن التشبيه وحقائق النبوة والثواب والعقاب فى الآخرة أمام المرجئة والمجبرة وروافض الشيعة والنصارى واليهود والدهريين الماديين والمانويين الثّنويين. وقد ملئوا بجدالهم وحجاجهم لهم مساجد البصرة وجذبوا بحسن بيانهم وقوتهم فى الإقناع وإفحام الخصوم الشباب شعراء وغير شعراء. ورحل كثير منهم منذ أواخر القرن الثانى إلى بغداد، فخلبوا الألباب هناك ببيانهم الساحر وبما أوردوا على الناس من دقائق الأفكار، وإذا الناس لا حديث لهم غير الاعتزال والمعتزلة ومناظراتهم لأصحاب الملل والنحل فى المساجد الجامعة، وإذا المأمون يعتنق عقيدتهم، حتى شعبة خلق القرآن التى دلع شررها بشر المريسى كما مرّ بنا، وحاول أن يعلنها عقيدة رسمية للدولة. ولعلنا لا نغلو إذا سمينا هذا العصر عصر الاعتزال، فقد بلغ من ازدهاره أن استولى على صولجان الحكم وأن وجّهه حسب مشيئته، وربما كان ذلك هو الخطأ الوحيد الذى ارتكبه أصحابه، فإنهم وضعوه ووضعوا معه محنة خلق القرآن على رقاب الناس، فكان ذلك سبب سقوطه من حالق. ولكنه إذا كان قد أخفق حين استخدم السيف وغياهب السجون فإنه نجح نجاحا كبيرا فى أن صبغ العقول بصبغة فلسفية وأن مرّنها تمرينا واسعا على دقة التعليل والمهارة فى الاستنباط لخفيات المعانى ودقائقها والبراعة فى تفريعها وتشعيبها وتوليدها، مع القياس الناصع والبرهان الساطع. وسرت من ذلك أسراب فى جميع جوانب الفكر العباسى، إذ أكب الناس على مناظراتهم وأكبّ معهم الشعراء، بل قلما نجد شاعرا نابها فى هذا العصر إلا وتلمذ لهم على نحو ما هو معروف عن بشار وأبى نواس وأبان اللاحقى والعتابى ومنصور النمرى وأبى تمام. واختلف الباحثون فى سبب تسميتهم معتزلة، فقيل إن ذلك يرجع إلى اعتزال

стр. 1036

أستاذهم الأول واصل بن عطاء للحسن البصرى ومجالسه، وقيل بل يرجع إلى سريان نزعة زهد فيهم واعتزالهم الناس، ورجح نالينو أنهم نعتوا بذلك لا بتعادهم عن المنازعات الناشئة بين الخوارج وخصومهم من أهل السنة والشيعة، فقد وقفوا على الحياد لا ينصرون فريقا على فريق (١)، وبالمثل لم ينصروا العلويين على أبناء عمهم العباسيين، بل ظلوا متمسكين بحيادهم ومضوا يناضلون غلاة الشيعة نضالا عنيفا على نحو ما ناضلوا المانويين والدهريين، ولذلك احتضنهم العباسيون. واستطاع أستاذهم واصل أن يؤثر فى زيد بن على بن الحسين تأثيرا واسعا وأن يحمله على التخلص من الآراء الشيعية الغالية. وتميز الاعتزال بأصول خمسة، هى التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والقول بأن منزلة مرتكب الكبيرة بين منزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. فأما التوحيد فأراد به المعتزلة تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين فهو ليس بجسم ولا عرض ولا عنصر ولا جزء ولا جوهر ولا يحصره المكان ولا الزمان، وقد أولوا الآيات التى يفهم منها مشابهته للمخلوقات من مثل: ﴿(يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)﴾ فمعنى اليد فى الآية عندهم القدرة، ومضوا ينفون عن الله الصفات لأنها من عوارض الأجسام، فقالوا إنها عين الذات حتى لا يتعدّد القديم ﷻ ، ومن أجل ذلك نفوا عنه صفة الكلام، ومن هنا اندفعوا إلى القول بأن القرآن مخلوق حتى لا يظنّ أنه قديم، ولا قديم سوى الله. أما العدل فقد مضوا يؤصّلون عليه فكرة خلق العباد لأفعالهم وأنهم أحرار فى إرادتهم، وهى حرية ضرورية لكى يثابوا ويعاقبوا على أعمالهم دون أن يظلمهم الله مثقال ذرة، وقد أوّلوا الآيات التى تدلّ على الجبر من مثل: ﴿(وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ)﴾ ودفعهم هذا الأصل إلى القول بالصلاح والأصلح وأن الله لا يأمر بالشر ولا يعمل إلا ما فيه صلاح العباد وما هو أصلح لهم. وأما الوعد والوعيد فهو أن الله صادق فيما وعد من ثواب وأوعد من عقاب ولا مبدل لكلماته، وهم بهذا الأصل يردون على المرجئة الذين يرجئون الحكم على مرتكب الكبيرة، فالله لن يغفر لمرتكب كبيرة إثمه إلا إذا تاب وأناب، وهو لا بد مدخل

стр. 1037

الأتقياء الجنة حسب وعده الذى وعده، ومدخل العصاة النار حسب إيعاده الذى أوعده. وأما القول بأن منزلة مرتكب الكبيرة بين منزلتين فهو قول نفذوا به من خلال رأى الخوارج القائلين بأن مرتكب الكبيرة كافر ويجب حربه وقتله ورأى الحسن البصرى القائل بأن مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق، فقد اعتزلوا الرأيين جميعا وقالوا إنه فى منزلة وسطى بين منزلتى المؤمن والكافر. وبذلك لم ينتصروا-كما يقول نالينو-لطرف من طرفى هذه الخصومة. وأما الأصل الخامس فيريدون به أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجبان على سائر المسلمين كلّ حسب استطاعته، وكان ينبغى وهم يعتنقون هذا الأصل أن يدفعوا الدولة للضرب على أيدى المجان والفساق وأرباب الدعارة، وأيضا كان ينبغى أن يصرخوا فى وجوه الخلفاء ضد طغيانهم وظلمهم للعامة، وأن يصارحوهم بنظرية الإسلام فى الخلافة وأنها ليست حقّا من حقوق أهل البيت إنما هى حق الأكفاء من أبناء الأمة. وقد أدّاهم النظر فى الأصول السالفة إلى مباحث كبيرة فى العلاقة بين الله والإنسان وبين الله والطبيعة وما فيها من قوى فعالة، مما جعلهم يتوسعون إلى أقصى حد فى الأبحاث الطبيعية والرياضية والفلسفية. وتجرّدوا للرد على الملاحدة وأصحاب النحل والملل ودفعهم ذلك إلى الوقوف على كل التراث العقيدى والفكرى عند المستعربين من أهل الكتب السماوية وغيرهم كالمجوس والصائبة. وواصل بن عطاء المتوفى بالبصرة سنة ١٣١ هو مؤسس فرقتهم كما قدمنا، وهو أول من قال منهم بأن مرتكب الكبيرة فى منزلة وسطى بين منزلتى الإيمان والكفر (١)، وكان يكثر من جدال أصحاب الملل والنحل. وخلفه على آرائه ختنه عمرو بن عبيد المتوفى سنة ١٤٥ وكان يكثر من الجدال فى عقيدة العدل وما يتصل بها من حرية (٢) الإرادة. وقد مضى تلاميذه فى البصرة يفرّعون فى مسائل الاعتزال وبعض المسائل الفلسفية تفريعات انبثقت منها شعب اعتزالية كثيرة أهمها البشرية والثمامية والهذيلية والنظامية.

стр. 1038

والبشرية نسبة إلى بشر بن المعتمر المتوفى سنة ٢١٠ وقد تحول من البصرة إلى بغداد فنشر بها الاعتزال، وكان يقول بتفضيل على بن أبى طالب على بقية الصحابة ومنه سرى هذا القول إلى أصحابه من معتزلة بغداد، وله أشعار كثيرة نظمها فى التاريخ الطبيعى وفى أصناف الفرق والاحتجاج على أصحابها. وهو أول (١) من ذهب إلى تولد الأفعال بعضها من بعض كالحجر يرمى فيحطّم زجاجا، فتتطاير منه شظية فتصيب إنسانا، وقد اشتق من هذه الفكرة بحثا واسعا فى تحديد المسئولية إزاء مثل هذا الفعل المتولد عن غيره. وكان يخالف بعض رفاقه من المعتزلة فى فكرة وجوب الأصلح على الله لعباده، لأنه لا غاية لما يقدر عليه من الصلاح، فما من أصلح إلا وفوقه أصلح منه، وإنما الذى عليه حقّا أن يمكن العبد بالقدرة والاستطاعة. والثمامية نسبة إلى ثمامة بن أشرس النّميرى البصرى المتوفّى سنة ٢١٣ وقد تحول مثل بشر بن المعتمر إلى بغداد، وكان يقول هو الآخر بتفضيل علىّ على الصحابة، كما كان يقول بخلق القرآن، وأكبر الظن أن بشرا المريسى هو الذى أقنعه بذلك. وكان المأمون يقدمه ويجعل له الرياسة على المتكلمين فى مجالسه. وكان يذهب إلى أن الأفعال المتولدة لا فاعل لها (٢) وأن المعارف كلها ضرورية وأن الحسن والقبح ذاتيان فى الأفعال، وعلى أساسهما يدور التحليل والتحريم فى الأوامر والنواهى الإلهية. والهذيلية نسبة إلى أبى الهذيل العلاّف المتوفى بسامرّاء لسنة ٢٢٧ وقيل: بل سنة ٢٣٥ وهو تلميذ عمرو بن عبيد وقد عمر طويلا، ويعدّ المؤسس الحقيقى للاعتزال. وكان يرى أن الصفات الإلهية عين الذات العلية (٣). وفرّق بين أفعال الإنسان الاختيارية وأفعاله الطبيعية أو بعبارة أخرى بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح. وتحدث فى مسائل فلسفية كثيرة كمسألة الجوهر الفرد أو الجزء الذى لا يتجزّأ ومسألة الكمون ككمون النار فى الحجر وغير ذلك مما يتصل بالأبحاث الفلسفية والطبيعية.

стр. 1039

والنظّامية نسبة إلى النظّام المتوفى سنة ٢٣١ ويقول الشهرستانى إنه خلط كلام الفلاسفة بكلام المعتزلة وإنه كان يميل إلى تقرير مذاهب الطبيعيين من الفلاسفة دون الإلهيين، وكان يرى أن الله لا يفعل إلا الأصلح لعباده، وأن إرادته التى يتحدث عنها القرآن الكريم إنما يراد بها الخلق والإنشاء. وكان ينفى الجوهر الفرد أو الجزء الذى لا يتجزّأ (١). وأعلى فى مباحثه سلطان العقل إعلاء بعيدا.

стр. 1040

الفصل الرابع ازدهار الشعر ١ - ملكات الشعراء اللغوية كانت البادية فى هذا العصر لا تزال تمد الحاضرة بكثير من الشعراء ذوى السليقة العربية السليمة من مثل أبى البيداء وابن الدّمينة وابن ميّادة وأبى حيّة النّميرىّ وأبى ضمضم الكلابى وابن عمه أبى زياد والعمانى وشبيل بن عزرة الضّبعىّ وأبى العميشل وعمارة بن عقيل حفيد جرير. وقد تحول كثير من هؤلاء الشعراء إلى معلمين يعلمون الناشئة اللغة ورواية الشعر القديم (١). وكان يقابلهم فى المدن شعراء لم ينشأوا فى البادية، ولكن السليقة العربية تحولت إليهم وتمثلت فى دخائلهم، حتى أصبحوا لا يقلون عن شعراء البادية فصاحة وبيانا. ولعلماء اللغة الذين تحدثنا عنهم فى الفصل السابق الفضل فى تحول هذه السليقة إلى شعراء الحضر، فقد جمعوا لهم اللغة والشعر الجاهلى والإسلامى، ووضعوا لهم مقاييسهما وضعا دقيقا، وظلوا طوال العصر يبعثون فيهم الإيمان بأن الشعر القديم هو القدوة المثلى. وكان من هؤلاء اللغويين شعراء بارعون بادروا إلى الاحتذاء على هذه القدوة، نذكر من بينهم حمادا الرواية والخليل بن أحمد وخلفا الأحمر والأصمعى. ولم يغرض هؤلاء اللغويون على شعراء الحاضرة نماذج الشعر القديم السهلة فحسب، بل لقد كان همهم الأول أن يعرضوا عليهم نماذجه العويصة المليئة بالحوشىّ والألفاظ الغريبة، ومضوا فجعلوها مدار إملاءاتهم ومحاضراتهم حتى ليقول الجاحظ: «لم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إغراب، ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج (٢)». ومعروف أن أهم مجموعتين للشعر القديم ألّفتا فى العصر هما المفضليات للمفضّل

стр. 1041

الضبى الكوفى والأصمعيات للأصمعى البصرى، وهما تزخران بالغريب. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن اللغويين لم يكادوا يتركون قصيدة ولا مقطوعة جيدة لشاعر جاهلى أو إسلامى إلا سجلوها ودوّنوها، وفسروها وشرحوها. وبذلك انقادت اللغة وسلست لمعاصريهم من الشعراء وغير الشعراء. وكان من أهم ما حفزهم إلى ذلك القرآن الكريم والحديث النبوى، حتى لا تستغلق دلالتهما على أفهام الناس وأفهام العلماء أنفسهم، مما جعل الجاحظ يقول: «للعرب أمثال واشتقاقات وأبنية وموضع كلام يدلّ عندهم على معانيهم وإرادتهم. فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنة والشاهد والمثل. فإذا نظر فى الكلام وفى ضروب من العلم وليس هو من أهل هذا الشأن هلك وأهلك الناس (١)». وانضم إلى ذلك باعث سياسى، فإن خلفاء بنى العباس أظهروا محافظة شديدة على لغة القرآن الكريم وبعثوا العلماء على مدارستها والتعمق فيها ورواية كل ما يتصل بها من أنساب وأيام وأخبار وأشعار. وقد جعلوا مقياس وظائفهم الكبيرة التفوق فيها، فكانوا لا يستوزرون ولا يستكتبون إلا من حذقها وبرع فى أدائها. وأخذوا أبناءهم بتعلمها، بل بإتقانها، فأحضروا لهم كبار اللغويين ليحفظوهم كثيرا من نماذجها الشعرية وكى يقفوهم على صياغاتها وأساليبها، وتأليف المفضل الضبى للمهدى كتاب المفضليات، وهو لا يزال ناشئا فى عهد أبيه، ذائع مشهور. وبذلك سرى فى القصر العباسى ذوق محافظ كان له أثره فى الشعراء، إذ كانوا يمثلون بين أيدى الخلفاء مادحين لهم. وكانوا يقيسون جودتهم بهذا الذوق، فكان لا بد لهم أن يتلاءموا معه حتى يظفروا بما يبتغون من جوائز كبيرة. وكانت مجالس الخلفاء تكتظ باللغويين من مثل الكسائى والأصمعى، فكان لا بد للشعراء أن يروقوهم حتى ينالوا استحسانهم، ويرى ذلك الخلفاء منهم فيجزلوا لهم فى العطاء. وبذلك أصبح اللغويون سدنة الشعر فى هذا العصر وحرّاسه، فمن نوّهوا به طار اسمه، ومن لوّحوا فى وجهه خمل وغدا نسيا منسيّا. ويلقانا كثير من الشعراء يعرضون عليهم أشعارهم قبل إنشادها فى المحافل العظام، فإن استحسنوها مضوا فأنشدوها، وإن لم يستحسنوها ذهبوا يعاودون الكرّة بصنع قصائد جديدة آملين أن تظفر باستحسانهم، فمن ذلك ما يروى عن مروان بن أبى حفصة

стр. 1042

من أنه لما نظم قصيدته: (طرقتك زائرة فحىّ خيالها) وهى إحدى روائعه فى المهدى ذهب إلى حلقة يونس النحوى فقال له: قد قلت شعرا أعرضه عليك، فإن كان جيدا أظهرته، وإن كان رديئا سترته. وأنشده القصيدة، فأعجب بها يونس وقال له إنها بريئة من العيوب (١). حينئذ مضى فأنشدها المهدى، فزحف من صدر مصلاّه حتى صار على البساط إعجابا بما سمع، ثم قال لمروان: كم هى؟ قال مروان: مائة بيت، فأمر له بمائة ألف درهم، فكانت أول مائة ألف درهم أعطيت لشاعر فى أيام بنى العباس (٢). ويسوق المرزبانى فى كتابه الموشح فصلا طويلا (٣)، يصور فيه كيف كان الشعراء يعرضون أشعارهم على اللغويين ليجيزوها لهم، فهم قضاة الشعر وصيارفته، وفى ذلك يقول الخليل بن أحمد لابن مناذر: «إنما أنتم-معشر الشعراء-تبع لى، وأنا سكّان السفينة إن قرّظتكم ورضيت قولكم نفقتم وإلا كسدتم (٤)». وعلى هذا النحو سيطر اللغويون على سوق الشعر العباسى، وقد مضوا يتمسكون بالمثل الشعرى القديم تمسكا شديدا، وهو تمسك جعل كثيرين منهم يسقطون الشعراء العباسيين إسقاطا حتى لنرى أبا عمرو بن العلاء يختم الشعر بذى الرّمّة والرّجز برؤبة قائلا فى المحدثين: «إنهم كلّ (٥) على غيرهم، إن قالوا حسنا فقد سبقوا إليه، وإن قالوا قبيحا فمن عندهم (٦)». وكان الأصمعى يختم الشعر بابن ميّادة وابن هرمة وأضرابهما من شعراء نجد والحجاز الذين أدركوا الدولة العباسية (٧). وأنشده إسحق الموصلى بيتين من شعره دون أن يسمى قائلهما، فلما أظهر إعجابه بهما قال له إسحق: إنهما من نظمه، فبادره قائلا: أفسدت الشعر، إن التوليد فيهما لبيّن (٨). ويروى الرواة أن ابن مناذر كان يقول لأبى عبيدة: «اتّق الله واحكم بين شعرى وشعر عدىّ بن زيد، ولا تقل ذاك جاهلى وهذا عباسى، وذاك قديم وهذا محدث، فتحكم بين العصرين ولكن احكم بين الشعرين، ودع العصبية (٩)». وكان ابن الأعرابى يقول: إنما أشعار هؤلاء

стр. 1043

المحدثين-مثل أبى نواس وغيره-مثل الرّيحان يشمّ يوما ويذوى فيرمى به، وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر كلما حرّكته ازداد طيبا (١)». ولا شك فى أن إهدار اللغويين لشعر العباسيين بسبب حداثته خطأ فى التقويم، إذ الجودة الفنية لا تقاس بالقدم والحداثة، والشعر الجيد جيد فى كل زمان ومكان. ولكن من الحق أنهم-بهذا الموقف-جعلوا نماذج الشعر القديم، بالقياس إلى العباسيين، تصبح كالأمهات الغاذية، فكلهم نهلوا من أئدائها وتغذوا بها غذاء سرى فى قلوبهم وتمكن من نفوسهم. ويأخذنا العجب حين نقرأ لهؤلاء الشعراء، فنراهم عربا تامين وكأنهم فصلوا توّا من الجزيرة. ومع هذه العروبة اللغوية القوية فيهم كان اللغويون لا يستشهدون بأشعارهم مخافة أن يحدث اضطراب فى النموذج الشعرى القديم، وحتى يحتفظوا له بكل ما يمكن من صحة وسلامة ودقة. وقد مضوا يعدّون عليهم سقطاتهم، وهى ليست سقطات بالمعنى الصحيح، إذ هى فى كثرتها إما ضرورات رآها الشعراء العباسيون فى الشعر القديم، فقاسوا عليها، وإما لغات شاذة رأوها أيضا فى هذا الشعر وظنوا أن من حقهم مجاراتها، وإما اشتقاقات وأبنية استحدثوها على ضوء المقاييس اللغوية التى تلقنوها. واقرأ فى كل ما نثره المرزبانى فى «الموشح» من هذه السقطات فستراه قلما يعد وهذه الوجوه الثلاثة. ونضرب مثلا لذلك: ما كان يأخذه الأخفش على بشار من اشتقاقه فى بعض أشعاره كلمتى «الوجلى، والغزلى» من الوجل والغزل ظنّا منه أن هذا من حقه وإن لم يسمع عن العرب، وكذلك جمعه لفظة «نون» بمعنى البحر على «نينان» ظنّا منه أن الكلمة تدخل فى قياس هذا الجمع (٢). وأبو نواس هو أكثر العباسيين مآخذ (٣)، وهى تردّ عنده إما إلى ضرورات شعرية وإما إلى بعض لهجات عربية، وفى ذلك يقول ابن قتيبة: «وقد كان أبو نواس يلحّن فى أشياء من شعره لا أراه فيها إلا على حجّة من الشعر المتقدم وعلى علّة بيّنة من علل النحو، منها قوله: فليت ما أنت واط ... من الثّرى لى رمسا (٤)

стр. 1044

أما تركه الهمز فى «واطى» فحجته فيه أن أكثر العرب تترك الهمز وأن قريشا تتركه وتبدل منه وأما نصبه «رمسا» فعلى التمييز. . ألا تراه قال: (فليت ما أنت واط من الثرى لى) فتمّ الكلام وصار جواب ليت فى «الى» ثم بيّن من أى وجه يكون ذلك، فقال «رمسا» كما تقول فى الكلام: «ليت ثوبك هذا لى» ثم تقول «إزارا» لأن جواب ليت صار فى قولك «لى» وصار الإزار تمييزا (١)». ومضى ابن قتيبة يوجّه له أبياتا أخرى وقف اللغويون والنحاة عند حروف منها. ولعل من الغريب أن يقف يوهان فك فى كتابه «العربية» عند هذه الأبيات (٢) وما يماثلها مما أخذ على أبى نواس وعند أخرى تشبهها لشعراء آخرين متخذا منها دليلا على مخالفة العباسيين لقواعد العربية، وكأنه لم يقرأ ما نقلناه عن ابن قتيبة. ولو أنه أنعم النظر فيما سجّله الموشح على شعراء الجاهلية والإسلام من مثل هذه الأحرف لعرف أن العباسيين لم يخرجوا على قواعد الفصحى فى الصورة التى رسمها لهم اللغويون، وأن كل ما هناك أنهم قاسوا أشعارهم على أشعار الأقدمين، فأجازوا لأنفسهم ما كان يجيزه أسلافهم من بعض الضرورات وبعض الشواذ، وهم فى ذلك يتابعونهم ويصوغون على إرث منهم. ووقف يوهان فك عند استخدام نفر من الشعراء العباسيين لبعض الألفاظ والصيغ الفارسية فى أشعاره معتمدا على ما كتبه الجاحظ فى «البيان والتبيين» عن بعض الأعراب مثل العمانى والعذافر الكندى ذاكرا أنهما كانا يتملحان بإدخال بعض الألفاظ الفارسية فى أشعارهما، وتمثّل للعمانى بلفظتين، وساق لشاعر يسمّى أسود بن أبى كريمة قطعة اختلطت فيها الألفاظ الفارسية بالألفاظ العربية (٣). وقد جعل ذلك يوهان فك يزعم أن الفارسية أدخلت فى هذا العصر ضيما على العربية، مبالغا فى تصور هذا الضيم (٤)، وهى مبالغة لا تسندها نفس النصوص التى رواها الجاحظ، إذ كان الشعراء يسوقون فى أشعارهم أحيانا بعض الألفاظ الفارسية تملحا وتظرفا كما يلاحظ الجاحظ نفسه، أما بعد ذلك فإنهم كانوا يحافظون على ما استقر فى ملكاتهم من قوانين الصياغة العربية، وربما كان أكثرهم استخداما

стр. 1045

للألفاظ الفارسية فى شعره أبا نواس إذ كان يأتى بها فى بعض خمرياته تعابثا ومجانة، وخاصة حين يوجه كلامه إلى بعض غلمان المجوس مقسما عليهم بآلهتهم وشعائرهم الدينية وأعيادهم المجوسية، على شاكلة قوله (١): والمهرجان المدار ... لوقته الكرّار (٢) والنوكروز الكبار (٣) ... وجشن جاهنبار (٤) وآبنسال الوهار (٥) ... وخرّه إيران شار (٦) ولم يكن يصنع ذلك دائما إنما كان يصنعه فى الحين بعد الحين تملحا وتندرا. وقد تسقط على لسان بعض الشعراء لفظة نبطية، من مثل قول إبراهيم الموصلى واصفا وداعه لخمّار نبطىّ (٧): فقال: إزل بشين، حين حدّثنى ... وقد-لعمرك-زلنا عنه بالشّين وكلمة «إزل بشين» نبطية، ومعناها: امض بسلام. غير أن ما قدمنا ومثله لم يتحول إلى ظاهرة عامة، فقد كان يأتى على ألسنة الشعراء فى الندرة، وكثرتهم-على الرغم من أصولهم الفارسية-لم يتورطوا فى شئ منه. ومن أجل ذلك كان ينبغى أن لا يندفع باحث إلى القول بأن السليقة العربية انتقصت فى نفوس العباسيين، فقد كانت أقوى قوة من أن تنتقص، حتى لدى من كانوا يحسنون الفارسية مثل أبى نواس. وقد كانت اللغة العربية تتعمق جوهر نفسه بفضل من زوّدوه بها من اللغويين أمثال خلف الأحمر أستاذه، ومضى ينهلها من ينابيعها الصافية فى البادية، فأقام بها حولا كاملا (٨)، يعبّ منها ويرتوى. وأكبّ على دواوين الجاهليين والإسلاميين من أصحاب القصيد والرجز يستظهرها، حتى قالوا إنه كان يحفظ دواوين ستين امرأة فضلا عن الرجال (٩)، وإنه حفظ

стр. 1046

سبعمائة أرجوزة غير ما كان يحفظه من قصائد الجاهليين والمخضرمين والأموييين (١)، وفيه يقول الجاحظ: «ما رأيت أحدا كان أعلم باللغة من أبى نواس ولا أفصح لهجة مع حلاوة ومجانبة لاستكراه (٢)» ويقول أبو عمرو الشّيبانى العالم اللغوى المشهور: «لولا ما أخذ فيه أبو نواس من الرّفث لا حتججنا بشعره، لأنه محكم القول (٣)». ولم يكن أبو نواس وحده الذى حذق العربية وبرع فيها، فقد كان من سبقوه وعاصروه من الشعراء لا يقلّون عنه براعة وحذقا بأساليبها، ويكفى أن نرجع إلى بشار الفارسى الأصيل زعيم المحدثين فسنراه يعلل لإتقانه العربية بنشأته فى بنى عقيل وتبدّيه أعواما طويلة، يقول: «ولدت ههنا (فى البصرة) ونشأت فى حجور ثمانين شيخا من فصحاء بنى عقيل، ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ، وإن دخلت على نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت (دخلت البادية) إلى أن أدركت (بلغت الحلم) فمن أين يأتينى الخطأ» (٤). ولم تكن المسألة مسألة خلو كلامه من الخطأ، إنما كانت-فى حقيقتها اكتساب السليقة العربية، حتى غدا كأنه عربى أصيل، مما جعل اللغويين يشيدون به طويلا (٥). وبشار من خير الأمثلة على مدى استيعاب العباسيين ممن يرجعون إلى أصول غير عربية لصورة الشعر العربى بقصيده ورجزه، وتروى له فى ذلك طرائف كثيرة، منها ما رواه أبو الفرج من أنه استمع إلى عقبة بن رؤبة وهو ينشد عقبة ابن سلم والى البصرة أرجوزة يمدحه بها، فلما فرغ منها قال له: هذا طراز لا تحسنه يا أبا معاذ، فغضب بشار وقال له: ألى يقال مثل هذا الكلام؟ أنا والله أرجز منك ومن أبيك وجدك (يريد العجّاج). ومضى إلى منزله فألّف أرجوزة بديعة، وغدا فأنشدها عقبة بن سلم وعنده عقبة بن رؤبة، وهى التى يستهلها بقوله: يا طلل الحىّ بنات الصّمد ... بالله خبّر كيف كنت بعدى (٦) فطرب عقبة بن سلم وكأفاه مكافأة كبيرة، وانكسر عقبة بن رؤبة انكسارا

стр. 1047

شديدا (١)، ويروى أنه أنشد فى شعر الأعشى الكبير: وأنكرتنى وما كان الذى نكرت ... من الحوادث إلا الشّيب والصّلعا فأنكره، وقال: هذا بيت مصنوع ما يشبه كلام الأعشى، ولم يلبث الرواة أن تحققوا من قوله (٢). وذكر الرواة أنه أنشد خلفا الأحمر قصيدته فى سلم بن قتيبة: بكّرا صاحبىّ قبل الهجير ... إن ذاك النجاح فى التّبكير فلاحظ فيها إكثاره من الغريب، وسأله عن سبب ذلك، فقال له: بلغنى أن سلما يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرفه. وقال له خلف: لو قلت مكان (إن ذاك النجاح فى التبكير) (بكّرا فالنجاح فى التبكير) كان أحسن. فأجابه بشار: «إننى بنيتها أعرابية وحشية فقلت: (إن ذاك النجاح) كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت (بكرا فالنجاح) كان هذا من كلام المولّدين، ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل فى معنى القصيدة، فقام خلف، فقبّل بين عينيه (٣)». وعلى هذا النحو كان الشاعر العباسى يحوّل إلى نفسه نماذج الشعر القديم بكل خصائصها وكل شاراتها، يعينه فى ذلك اللغويون بما يعرضون عليه منها تجاه سمعه وتحت بصره. وشركهم فى ذلك بعض الشعراء على نحو ما هو معروف عن أبى تمام، ومجموعاته الشعرية التى انتخبها بذوقه من أشعار القدماء والمحدثين، وفى مقدمتها ديوان الحماسة. ولم يكتف اللغويون بما عرضوا من القصيد والرجز، فقد وضعوا للشعراء أقيسة اللغة فى الاشتقاق والتصريف والنحو وموسيقى الشعر وعروضه. وبذلك وضعوا فى أيديهم جميع الآلات التى تعينهم لا على التثقف بالعربية والتدرب عليها فحسب، بل أيضا على أن يتقنوا التعبير بها والتصرف فيها حسب حاجاتهم الوجدانية والعقلية والحضارية. ولعلنا لا نغلو إذا قلنا إن اللغويين هيئوا للشاعر العباسى من العلم بالشعر القديم

стр. 1048

ما لم يكن يتهيأ لأصحابه أنفسهم، فقد جمعوه له وكشفوا مادته من جميع أطرافها، وأخذت تونق وتزدهر من جديد، وهو ازدهار نفذ منه العباسيون إلى أسلوب لهم حديث عرف باسم أسلوب المولدين، وهو أسلوب قام على عتاد من القديم وعدّة من الذوق الحضرى الجديد، أسلوب يحافظ على مادة اللغة ومقوماتها التصريفية والنحوية ويلائم بينها وبين حياة العباسيين المتحضرة بحيث تنفى عنه ألفاظ العامة المبتذلة كما تنفى عنه ألفاظ البدو الحوشيّة. وكان من الشعراء نفر يسرفون على أنفسهم فى النهج على أساليب الرّجّاز المحشوة بأوابد الألفاظ، ولكنهم كانوا يعدون نابين على ذوق العصر، ومن خير من يمثل ذلك ابن مناذر، وقد تعرّض له أبو العتاهية يوما قائلا: «إن كنت أردت بشعرك العجّاج ورؤبة فما صنعت شيئا، وإن كنت أردت أهل زمانك فما أخذت مآخذنا (١)». وأبو العتاهية إنما يشير إلى ما حدث لأساليب اللغة فى عصره، فقد تناولها فى الحاضرة صنّاع مهرة لم يلبثوا أن اشتقوا لهم منها أسلوبا متميزا يبتعد عن خشونة البدو وألفاظهم الكزّة. وليس ذلك فحسب فإنهم أشاعوا فى هذا الأسلوب الألفاظ المنتخبة مع العذوبة والرشاقة حينا والجزالة والرصانة حينا آخر، يهديهم فى ذلك ذوقهم المتحضر الدّمث الذى ينفر من كل لفظة غريبة وكلمة وعرة. وعلى هذا النحو دفع التحضر شعراء العصر العباسى الأول إلى استحداث أسلوب مولّد جديد، وهو أسلوب كان يعتمد على الألفاظ الواسطة بين لغة البدو الزاخرة بالكلمات الوحشية ولغة العامة الزاخرة بالكلمات المبتذلة، أسلوب وسط بين الغرابة والابتذال، تختار الكلمات فيه، وكأنما هى جواهر تختار فى عقود، إذ تحوّل الشعراء إلى ما يشبه الصّاغة، وكل منهم يحاول أن يثبت مهارته فى صياغته وسبكه بما ينتخب من الكلمات التى يحسن وقعها فى السمع والتى تصنع فى القلوب صنيع الغيث فى التربة الكريمة. وبشار فى طليعة من أرسوا هذا الأسلوب المولد الجديد، وفيه يقول ابن المعتز: «كان شعره أنقى من الراحة، وأصفى من الزجاجة وأسلس على اللسان من الماء العذب (٢)». وأسلوبه يمتاز بالنصاعة والرصانة والصفاء والرونق. وتلاه جيل من

стр. 1049

الشعراء توزّعوا بين من يؤثرون الجزالة والفخامة وقوة البناء وضخامته مثل مسلم بن الوليد، ومن يؤثرون الليونة والسهولة مثل أبى العتاهية الذى عمّم ذلك فى الشعر الرسمى: شعر المديح، والشعر الشخصى: شعر الخمر والغزل، وشعر الزهد والوعظ، وكان معاصره أبو نواس يحتفظ بكل ما يمكن من جزالة فى الشعر الرسمى، وفى بعض شعره الشخصى، وكثيرا ما يعمد فى الضرب الأخير إلى السهولة المفرطة. على أن الشعراء سرعان ما انصرفوا عن طريق أبى العتاهية مؤثرين طريق بشار وما انتهى إليه هذا الطريق عند مسلم من المتانة وقوة البناء والرصانة، وخلفه أبو تمام فأوفى بهذا الأسلوب الجزل الرصين على غايته من الفخامة والروعة. وبذلك ردّ الأسلوب المولد إلى قوة السبك وضخامة البناء. وحقّا جمد بعض الشعراء وأسرفوا فى الاقتداء بأساليب القدماء من الرجاز وأضرابهم، ولكنهم سقطوا صرعى فى الميدان الفنى، إذ ازورّ عنهم جمهور الشعراء منضوين تحت لواء بشار ومسلم وأبى تمام. أو تحت لواء أبى العتاهية وأبى نواس، بحيث ينتخب الشاعر أنصع الألفاظ وأجزلها وأرشقها وأعذبها مكوّنا أصداف شعره وجواهره المتألقة. ٢ - طوابع عقلية دقيقة رأينا فى الفصل السابق كيف رقيت الحياة العقلية فى هذا العصر رقيّا بعيدا. وهو رقى هيأت له الكتب الكثيرة التى ترجمت عن الهنود والفرس واليونان، كما هيأت له المحاورات والمناظرات بين أصحاب الملل والنحل والأهواء، وهى مناظرات ومحاورات دفعت الشعراء كما دفعت غيرهم إلى التفكير المتصل، الذى ما بنى صاحبه يحاور ويناظر، متناولا كل شئ، حتى يصقل عقله، وحتى يبلغ أقصى ما يريد من العلم والمعرفة. وما لم يعرفه ولم يعلمه سأل عنه العلماء، ليصوروه له، وليزيلوا الشبهة فيه عن نفسه، وفى ذلك يقول بشار (١):

стр. 1050

شفاء العمى طول السؤال وإنما ... دوام العمى طول السكوت على الجهل فكن سائلا عما عناك فإنما ... دعيت أخا عقل لتبحث بالعقل ولم يكن الشاعر العباسى يلتمس المعرفة عند العلماء ولقائهم وسعيه لسؤالهم وإلحاحه فى السؤال فحسب، بل كان يلتمسها أيضا فى الكتب المترجمة من كل صنف، ومن خير ما يصور ذلك أبيات لمحمد بن يسير، يشرح فيها أنه فى بيت كتبه، وكنوز الآداب من حوله، يغذى بها نفسه وعقله غذاء ممتعا، يقول (١): هم مؤنسون وألاّف غنيت بهم ... فليس لى فى أنيس غيرهم أرب فأيما أدب منهم مددت يدى ... إليه فهو قريب من يدى كثب (٢) حتى كأنى قد شاهدت عصرهم ... وقد مضت دونهم من دهرهم حقب وابن يسير إنما يعبر عن نزوع الشعراء عامة فى عصره للتزود بجميع ألوان المعرفة وما كانوا يجدون فى ذلك من لذة عقلية لا تعد لها لذة. وقد مضوا يتمثلون كثيرا من هذه الألوان ويحيلونها غذاء شعريّا بديعا، سواء منها الهندى والفارسى واليونانى، وما لم يحيلوه تأثروا به من قريب أو من بعيد. ولنقف قليلا عند الثقافة الهندية، فقد لا حظ ابن قتيبة أن أبا نواس كان يتأثر بعض أفكارها فى أشعاره، من ذلك قوله فى الخمر: تخيّرت والنجوم وقف ... لم يتمكّن بها المدار يقول ابن قتيبة: «يريد أن الخمر تخيّرت حين خلق الله الفلك، وأصحاب الحساب يذكرون أن الله تعالى حين خلق النجوم جعلها مجتمعة واقفة فى برج ثم سيّرها من هناك، وأنها لا تزال جارية حتى تجتمع فى ذلك البرج الذى ابتدأها فيه، وإذا عادت إليه قامت القيامة وبطل العالم، والهند تقول إنها فى زمان نوح اجتمعت فى الحوت إلا يسيرا منها، فهلك الخلق بالطوفان، وبقى منهم بقدر ما بقى منها خارج الحوت (٣)». وينشد ابن قتيبة قول أبى نواس فى بعض المغنين هاجيا:

стр. 1051

قل لزهير إذا حدا رشدا ... أقلل أو أكثر فأنت مهذار سخنت من شدة البرودة ح ... تّى صرت عندى كأنك النار لا يعجب السامعون من صفتى ... كذلك الثّلج بارد حار ويعلق بقوله: «هذا الشعر يدلّ على نظر أبى نواس فى علم الطبائع، لأن الهند تزعم أن الشئ إذا أفرط فى البرد عاد حارّا مؤذيا، ووجدت فى بعض كتبهم: لا ينبغى للعاقل أن يغترّ باحتمال السلطان وإمساكه، فإنه إما شرس الطبع بمنزلة الحية إن وطئت فلم تلسع لم يغتر بها فيعاد لوطئها، أو سمح الطبع بمنزلة الصّندل الأبيض البارد إن أفرط فى حكّه عاد حارّا مؤذيا (١)». وأكبر الظن أن ابن قتيبة يريد ببعض كتبهم كتاب كليلة ودمنة الذى ترجمه الفرس عن الهندية، ثم نقله ابن المقفع إلى العربية، على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وخلفه أبان بن عبد الحميد فنظمه شعرا بكل ما فيه من قصص وحكم. وكان أثره عميقا فيما صاغه العباسيون من حكم وأمثال، ونرى ابن عبد ربه فى العقد الفريد يتمثل بحكمة منه هى: «إن الحازم يكره القتال ما وجد بدّا منه، لأن النفقة فيه من النفس والنفقة فى غيره من المال» ولاحظ أن أبا تمام نقل هذا المعنى إلى شعره فقال (٢): كم بين قوم إنما نفقاتهم ... مال وقوم ينفقون نفوسا وكان تأثير الثقافة الفارسية فى الشعر والشعراء أشد وأقوى من تأثير الثقافة الهندية، إذ كان كثير من الشعراء يتقنون اللغة الفهلوية، لا من يرجعون إلى أصول فارسية فحسب مثل أبى نواس، بل أيضا بعض من يرجعون إلى أصول عربية مثل العتّابى، وكان يعكف على قراءة كتبها، ورآه شخص يوما ينسخ بعض صحفها، فسأله متعجبا: لم تكتب كتب العجم؟ فأجابه منكرا سؤاله: وهل المعانى والبلاغة إلا فى كتب العجم؟ اللغة لنا والمعانى لهم (٣). وقد مضى الشعراء منذ ظهور كتابى الأدب الكبير والأدب الصغير لابن المقفع يتأثرون بما نقله فيهما من تجارب الفرس

стр. 1052

وحكمهم ووصاياهم فى الصداقة والمشورة وآداب السلوك والسياسة، ومن يرجع إلى بشار يجده يفرد للمشورة قطعة طويلة فى إحدى مدائحه، يقول فيها (١): إذا بلغ الرّأى المشورة فاستعن ... برأى نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشّورى عليك غضاضة ... مكان الخوافى نافع للقوادم (٢) وقد نقلت أمثال بزرجمهر الوزير الفارسى إلى العربية ودارت فى كتب الأدب، وتمثل الشعراء كثيرا من معانيها البديعة، من مثل قوله: «إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنها لا تبقى» وقد أخذه بعض الشعراء وزاد عليه قائلا (٣): فأنفق إذا أنفقت إن كنت موسرا ... وأنفق-على ما خيّلت (٤) -حين تعسر فلا الجود يفنى المال والجدّ مقبل ... ولا البخل يبقى المال والجدّ مدبر (٥) ويقال إنه كان فى ديوان صالح بن عبد القدوس ألف مثل للعجم (٦). ولا ريب فى أن الثقافة اليونانية كان تأثيرها فى الشعر والشعراء أعمق وأبعد غورا، بما فتحت أمامهم من أبواب الفكر الفلسفى وأبواب المنطق ومقاييسه وأدلته، وما بعثت فيهم من محاولة استكشاف دفائن المعانى واستخراج دقائقها. وقد مضى كثير من الشعراء يزيدون محصولهم من تلك الثقافة، بل كان منهم من ألف فى المنطق (٧)، حتى يشحذ ذهنه وأذهان الشعراء من حوله. وكان مما ترجم لهم من تلك الثقافة مراثى فلاسفة اليونان للإسكندر المقدونى عند وفاته، وقد نقل منها أبو العتاهية أطرافا إلى مراثيه (٨) فى صديقه على بن ثابت، من ذلك أن أحدهم وقف عند رأسه، وقال: سكنت حركة الملك فى لذّاته وقد حرّكنا اليوم فى سكونه جزعا لفقده، فأخذ هذا المعنى أبو العتاهية قائلا:

стр. 1053

يا علىّ بن ثابت بان منّى ... صاحب جلّ فقده يوم بنتا قد لعمرى حكيت لى غصص المو ... ت وحرّكتنى لها وسكنتا وقال فيلسوف آخر: «الإسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس». فتمثّله أبو العتاهية فى مرثية أخرى لصديقه على هذا النمط: بكيتك يا علىّ بدمع عينى ... فما أغنى البكاء عليك شيّا كفى حزنا بدفنك ثم أنى ... نفضت تراب قبرك عن يديّا وكانت فى حياتك لى عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا وقد ذكرنا فى الفصل السابق أن كثيرا من أقوال المسيح فى الأناجيل نقل إلى العربية وتداوله الوعاظ فى وعظهم كما تداوله شعراء الزهد، واستوحوه فى كثير من أشعارهم، من ذلك ما يروى عن المسيح من أن قومه عيّروه بالفقر، فقال: من الغنى أتيتم، واستوحى محمود الوراق هذا المعنى وزاد عليه إيضاحا وتبيينا بقوله (١): يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحّ منك النّظر أنك تعصى كى تنال الغنى ... وليس تعصى الله كى تفتقر وسنعرض فى ترجمتنا لأبى العتاهية وصالح بن عبد القدوس بعض ما دخل على الزهد من عناصر غريبة بوذية أو مانوية. ولعل أكبر بيئة عنيت بهذه الثقافات المتنوعة، وكان لعنايتها بها أثر واسع فى الشعر والشعراء، بيئة المعتزلة إذ كانت تقوم من الفكر العباسى فى هذا العصر مقام السكان والمجداف من السفينة، فهى تثبرد وتدفعه إلى أن يزيد محصوله من جميع المعارف والمعتقدات، وأن يتمثلها إلى أبعد حد ممكن. وبدءوا بأنفسهم فتثقفوا أروع ما يكون التثقف بكل ما ترجم عن الهنود والفرس واليونان، وعكفوا على الفلسفة اليونانية عكوفا جعلهم يقفون على كل شعبها وكل مناحيها فى الفكر الدقيق، ولم يلبثوا أن استكشفوا لأنفسهم عالمهم العقلى الذى يموج بطرائف الذهن فى جميع

стр. 1054

المعانى الحسية والعقلية. وكانوا ما يزالون يحاورون أصحاب الملل والنحل فى المساجد الجامعة، ومن حين إلى حين يحاور بعضهم بعضا فى غوامض الفلسفة، مجللين مستنبطين كأروع ما يكون التحليل والاستنباط، وكثيرا ما ردوا على فلاسفة اليونان واشتقوا لهم آراء جديدة، يدعمها العقل الذى شغفوا به وبأدلته وبراهينه، وهو شغف صوره منهم بشر بن المعتمر تصويرا طريفا، إذ يقول (١): لله درّ العقل من رائد ... وصاحب فى العسر واليسر وحاكم يقضى على غائب ... قضية الشاهد للأمر وإن شيئا بعض أفعاله ... أن يفصل الخير من الشّرّ لذو قوى قد خصّه ربّه ... بخالص التقديس والطّهر وقد سخّر بشر عقله فى الرد على أصحاب المقالات والنّحل وفى نظم قصائد تدخل فى التاريخ الطبيعى يتحدث فيها عن مشاهد الطبيعة ودلالتها على قدرة الصانع الأكبر. وكان وراءه من المعتزلة شعراء لم يبعدوا بشعرهم عن دوائر الشعر المألوفة من المديح والغزل والهجاء والرثاء والوصف، ولكنهم طبعوا ما نظموه بطوابع جديدة من دقة المعانى ومن غرائب الأخيلة والصور، على نحو ما يلقانا عند العتّابى والنظّام، وسنخص كلاّ منهما بحديث مستقل فى الفصل السابع. وقد سرت هذه الطوابع فى شعر الشعراء، وخاصة من التحموا منهم بالمعتزلة ومباحث المتكلمين، ويكفى أن نصور ذلك عند ثلاثة من الشعراء النابهين هم: بشار وأبو نواس وأبو تمام. فأما بشار فكان يعدّ من أصحاب الكلام، وكان يكثر من الاختلاف إلى مجالس واصل بن عطاء رأس المعتزلة، ويستمع إلى ما يجرى فيها من حوار بين أصحاب الملل والنحل سماوية وغير سماوية، وتشوّش عقله، فإذا هو يصبح زنديقا، مما سنعرض له فى ترجمته. وكان من أهم المشاكل التى يحاور فيها واصل خصومه مشكلة الجبر والاختيار، وكان يرفض فكرة الجبر وتعطيل إرادة الإنسان أمام إرادة الله المطلقة، لما يؤدى إليه ذلك من فقدان الإنسان لحريته فى أعماله وأنه كتبها عليه القضاء المحتوم، وأيضا لما يؤدى إليه ذلك من

стр. 1055

ظلم الله للناس فهو يكتب عليهم الشقاء ويأخذهم به، والله لا يظلم الناس مثقال ذرة، وما يأتون من أفعال وأقوال إنما يأتونه بإرادتهم وحريتهم، وهم لذلك مسئولون عنه ومحاسبون. وقد مضى بشار فى أشعاره يعارض واصلا فى هذه المشكلة الإنسانية الكبرى، مصرّا على أن الإنسان مسيّر فى رحلته الدنيوية بقضاء يخطّ له غده ومستقبله، وفى ذلك يقول (١): طبعت على ما فىّ غير مخيّر ... هواى ولو خيّرت كنت المهذّبا أريد فلا أعطى وأعطى ولم أرد ... ويقصر علمى أن أنال المغيّبا فأصرف عن قصدى وعلمى مقصّر ... وأمسى وما أعقبت إلا التعجّبا وربما كان لفقده بصره أثر فى اعتناق هذا المذهب. وأهم من هذه المشكلة وأدخل فيما نحن بصدد الحديث عنه من الطوابع العقلية الدقيقة التى تغلغلت فى الشعراء العباسيين وأشعارهم أننا نجد عنده استدلالات عقلية كثيرة على نحو ما مرّ بنا فى أبيات الصداقة والصديق، كما نجد عنده توليدات وتشعيبات للمعانى التى طرقها القدماء لا تكاد تحصى، مع محاولة الإطراف والإتيان بالمعنى المبتكر والصورة البديعة. ولنقف قليلا عند معنى طول الليل الذى وقف عنده امرؤ القيس، فى معلقته، إذ يقول: فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدّت بيذبل (٢) فهو يتصور نجوم الليل لطوله الشديد كأنما سمّرت، فهى لا تريم. وقد مضى الجاهليون والإسلاميون بعده يتناولون هذا المعنى، وقلما أضافوا إليه إضافة جديدة، حتى إذا كان بشار أخذ يتناوله بطرق مختلفة تدل دلالة بينة على دقة العقل العباسى وقدرته على التعليل والتحليل وأنه يستطيع أن يؤدى المعنى القديم فى معارض جديدة شديدة الروعة، من ذلك قوله (٣): خليلى ما بال الدّجى ليس يبرح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضّح أضلّ الصّباح المستنير طريقه ... أم الدّهر ليل كلّه ليس يبرح
следующие страницы →