الحسين قاتل الأمين، فقد نقضها نقضا بقصيدته (١):
لا يرعك القال والقيل ... كلّ ما بلّغت تضليل
وتجرّد نفر من الموالى أنفسهم للرد على أصحاب هذه النزعة الخبيثة وما تحمل من كيد للعرب ودينهم الحنيف على نحو ما يلقانا عند الجاحظ فى كتابه البيان والتبيين وابن قتيبة فى رسالته التى سماها «كتاب العرب» ومر بنا منذ قليل رأى الجاحظ فى أنها كانت تدفع الموغلين فيها دفعا إلى الإلحاد فى الدين والزندقة.
وكلمة الزندقة ليست عربية إنما هى تعريب لمصطلح إيرانى كان يطلقه الفرس على صنيع من يؤوّلون «الأقستا» كتاب داعيتهم زرادشت تأويلا ينحرف عن ظاهر نصوصه، ومن أجل ذلك نعتوا به دعوة مانى ومن فتنوا بها من الفرس. وأخذ مدلول الكلمة يتسع فى العصر العباسى ليشمل كل من استظهر نحلة من نحل المجوس، واتسعت أكثر من ذلك فشملت كل إلحاد بالدين الحنيف وكل مجاهرة بالفسق والإثم.
ومعروف أن جمهور الفرس قبل الإسلام كانوا مجوسا على دين زرادشت الذى ظهر فى ديارهم حوالى منتصف القرن السابع قبل الميلاد وما وضعه لهم من تعاليم (٢) ضمّنها كتابه «الأقستا» وفيه زعم أن للعالم إلهين هما «أهورا مزد» إله النور خالق كل خير و «أهرمن» إله الظلمة خالق كل شر، وأن وراء الحياة الدنيا حياة أخرى يكون فيها حساب الشخص على أعماله فإما النعيم وإما الجحيم، وأن النار مقدسة طاهرة مما جعل الإيرانيين يقيمون لها المعابد فى كل مكان. وظهر عندهم فى القرن الثالث الميلادى داع يسمى مانى مزج فى تعاليمه بين الزرادشتية والبوذية والنصرانية (٣)، فأبقى من الأولى على عقيدة إلهى النور والظلمة واستباحة الزواج بالبنات والأخوات، وأخذ من الثانية عقيدة التناسخ وتحريم ذبح الحيوان والطيور، وأخذ من الثالثة الزهد والنّسك، وفرض على أصحابه صلوات وأدعية
стр. 982
كثيرة. وفى أواخر القرن الخامس للميلاد يظهر فى إيران داع جديد هو مزدك وكان ثنويّا (١) يؤمن بإلهى النور والظلمة وتقديس النار، وقد مضى يدعو دعوة صارحة إلى العكوف على اللذات والشهوات والإمعان فيها، وأحلّ النساء وأباح الأموال وجعلها شركة للناس، وكان له-كما كان لمانى-أتباع كثيرون.
وقد عامل الإسلام والمسلمون المجوس معاملة أهل الكتب السماوية، وبذلك ظلت المجوسية حية حياة قوية حتى العصر العباسى، ومرّ بنا ما كان من ثورات سنباذ والخرمية فى خراسان وأذربيجان وطبرستان، وهى ثورات كانت تستوحى هذه الملل المجوسية السابقة، وكانت تسرى فى نفوس كثيرين من نازلة بغداد والعراق سرّا وجهرا، وكانت المانوية أخطرها جميعا لما كانت تأخذ به من الزهد ومن بعض التعاليم المسيحية، مما جعلها تقترب من دعوات الديانات السماوية فى السلوك وفى التخلق بالخلق الحسن، وإن افترقت عنها بعد ذلك افتراقا شديدا فى ثنويتها وتحليلها الزواج بالبنات والأخوات وما جلبته من بعض مذاهب الهند.
وتنبه المهدى لانتشار هذه الملل المجوسية المارقة فى أمصار العراق ورأى فيها خطرا أى خطر على الدولة والإسلام، فأمر-كما أسلفنا فى الفصل السابق- باتخاذ ديوان خاص لتعقب من يعتنقها من المسلمين ونصب لهم حربا لا هوادة فيها ولا لين، فكل من تثبت عليه زندقته قدّم وقودا لتلك الحرب التى ظلت قائمة إلى عهد ابنه الرشيد. ويظهر أن الفرس كانوا قد نشطوا نشاطا واسعا فى نشرها بين الناس ونشط معهم كثير من الزنادقة أنفسهم يترجمون كتب النحل الفارسية ويصنّفون فى الدعوة لها وفى تعاليمها، وأيضا فهم وبعض النصارى نقلوا إلى العربية كتب بعض مارقة النصارى وملحدتهم مثل مرقيون (٢) وابن ديصان (٣)، يقول المسعودى: «أمعن المهدى فى قتل الملحدين والمداهنين فى الدين لظهورهم فى أيامه وإعلانهم باعتقاداتهم فى خلافته لما انتشر من كتب مانى وابن ديصان ومرقيون
стр. 983
مما نقله عبد الله بن المقفع وغيره وترجمه من الفارسية والفهلوية إلى العربية وما صنّف من ذلك ابن أبى العوجاء وحماد عجرد ويحيى بن زياد ومطيع بن إياس من تأييد المذاهب المنانية (١) والديصانية والمرقيونية، فكثرت بذلك الزنادقة وظهرت آراؤهم فى الناس» (٢) ويقول الجاحظ: «لولا متكلمو النصارى وأطباؤهم ومنجموهم ما صار إلى أغبيائنا وظرفائنا ومجّاننا وأحداثنا شئ من كتب المنّانية والدّيصانية والمرقيونية. .
ولكانت تلك الكتب مستورة عند أهلها ومخبّأة فى أيدى ورثتها فكل سخنة عين رأيناها فى أحداثنا وأغبيائنا فمن قبلهم كان أولها» (٣).
ولم ينصب المهدى وخلفاؤه للزنادقة حرب السيف وحدها، فقد نصبوا لهم أيضا حرب اللسان: لسان المتكلمين انذين مضوا يجادلونهم ويفحمونهم وينقضون شبهاتهم بالبرهان القاطع والدليل الساطع، وصنفوا فى ذلك الرسائل والكتب الطوال، ومن يقرأ كتاب الحيوان للجاحظ يجده يتوقف كثيرا ليورد ردّ النظام وغيره من المتكلمين على هؤلاء الزنادقة وكيف كانوا يسددون إليهم أدلة مصمية رادعة، وكان للمعتزلة فى ذلك القدح المعلّى، فهم الذين عاشوا يناظرونهم ويدفعون شرهم عن العامة والخاصة موضحين ما فى شبههم من زيف وتمويه وما فى عقائدهم من فساد ومناقضة للعقل المنطقى السليم.
وقد قتل كثيرون من رءوس الزنادقة لهذا العصر، يتقدمهم ابن المقفع الذى قتل لعهد المنصور، وفيه يقول المهدى: «ما وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع (٤)» وقتل منهم كثيرون لعهد المهدى، منهم-فى بعض الروايات- صالح بن عبد القدوس (٥)، وكان يعتنق المانوية، ويحاضر فيها ويناظر فقتل وصلب على الجسر ببغداد (٦) نكالا للناس وعظة، ومنهم بشار وكان يعلن إشادته بالنار معبودة قومه المجوس ويفضلها على الطين كما يفضل إبليس على الإنسان، وبلغ من تحمس المهدى لقتله أن خرج بنفسه إلى البصرة ليشهد مقتله (٧). وكانت
стр. 984
البصرة-فما يظهر-أكبر وكر حينئذ للزنادقة والملاحدة، ففيها نبت وعاش بشار وصالح بن عبد القدوس، ونرى محمد بن سليمان العباسى واليها للمهدى يقتل من ملاحدتها زنديقين كبيرين هما عبد الكريم (١) بن أبى العوجاء وحماد (٢) عجرد «وكان عبد الكريم مانويّا يؤمن بالتناسخ ويتخذ من سيرة مانى وسيلة لدعوته إلى الزندقة وتشكيك الناس فى عقائدهم» (٣) ولما قدم للقتل قال: «لئن قتلتمونى لقد وضعت فى أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة» (٤). وفى ذلك ما يصور جانبا من دسّ هؤلاء الزنادقة على الإسلام ومحاولة تشويه هديه الكريم.
وقد تنبّه لهم رواة الحديث النبوى فأسقطوا ما وضعوه وبينوا كذبه واختلاقه. ومرّ بنا آنفا أن حماد عجرد كان ممن يؤلفون الكتب فى تأييد الإلحاد والزندقة استغواء للعامة وإفسادا لها وقد سلك معه المسعودى فى هذا الاتجاه يحيى بن زياد الحارثى ومطيع بن إياس، ولا نجد ذكرا لقتلهما ولا لحبسهما على الزندقة، وربما لم تثبت عليهما ثبوتا قاطعا.
واشتد الهادى مثل أبيه فى طلب الزنادقة حين ولى الخلافة لسنة ١٦٩ وقتل منهم جماعة (٥) من بينهم أحد أبناء عمه داود بن على ويعقوب بن الفضل من سلالة الحارث بن عبد المطلب. وسرعان ما خلفه هرون الرشيد لسنة ١٧٠ فسار فيهم نفس السيرة، وممن تعقبهم يزيد (٦) بن الفيض، ويونس بن أبى فروة وكان قد ألف كتابا فى مثالب العرب وعيوب الإسلام-بزعمه-وصار به إلى ملك الروم فأغدق عليه مالا كثيرا (٧). وطلب الرشيد أيضا على بن الخليل الشاعر لما ذاع من زندقته، غير أنه تبرّأ منها فأطلقه (٨).
وكان المأمون إذا سمع بزنديق أو زنادقة أمر بحملهم إليه وأحضرهم مجالسه حيث المتكلمون ودفعهم جميعا إلى المناظرة، لعلهم يقنعونهم ويردونهم إلى الإسلام ومحجته المستقيمة، وكان يناظرهم هو نفسه أحيانا (٩)، فإذا لم يكفوا عن غوايتهم
стр. 985
أمر بقتلهم، ويقال إنه بلغه خبر عشرة رجال فى البصرة يجتمعون على المانوية، فأمر بحملهم إليه، فلما أدخلوا عليه امتحنهم، وحاول أن يردّهم عن ضلالهم، غير أنهم ثبتوا على عقيدتهم الفاسدة فأمر بقتلهم جميعا (١). ومرّ بنا فى الفصل السالف ما كان من ثبوت الزندقة على الأفشين قائد المعتصم التركى، مما جعله يزج به فى غياهب السجن حتى مات وصلب بعد موته.
ومما لا ريب فيه أن خلفاء بنى العباس لم يكونوا يقتلون على الزندقة إلا بعد ثبوتها على صاحبها ثبوتا لا يرقى إليه شك، ويظهر أنهم إنما كانوا يقتلون من ينزع نزعة مجوسية وخاصة أصحاب النزعة المانوية كما تشهد بذلك الأخبار السابقة، فكثرة المقتولين تضاف إليهم صفة المانوية، ويؤكد هذا تأكيدا قويّا وصية المهدى لابنه الهادى بتتبع الزنادقة، فقد وصفهم له وصفا يدل على أنه إنما أراد من يعتنقون تعاليم المانوية (٢). ومعنى ذلك أنهم لم يكونوا يقتلون على الإباحة المسرفة والإمعان فى المجون ولا كانوا يعاقبون عليهما عقابا صارما، وكان حريّا بهم أن يشددوا فى ذلك حتى لا تؤول الحياة فى أمصار العراق إلى ما آلت إليه فى بعض جوانبها من الفساد والتحلل الخلقى.
٥ - الزهد
ليس معنى ما قدمنا من حديث عن الزندقة والمجون أن المجتمع العباسى كان مجتمعا منحلاّ أسلم نفسه للإلحاد والشهوات، فالإلحاد والزندقة إنما شاعا فى طبقة محدودة من الناس كان جمهورها من الفرس، وكانت موجة المجون أكثر حدة، ولكنها لم تكن عامة فى المجتمع، بل كانت خاصة بالمترفين ومن حولهم من الشعراء والمغنين. أما عامة الشعب فإنها لم تكن تعرف زندقة ولا مجونا، أما من حيث الزندقة فإنها لم تكن تعادى الإسلام وصاحبه، بل كانت مسلمة حسنة الإسلام تهتدى بأضوائه وتجرى على سننه، وأما من حيث المجون فإنها لم تكن مترفة ولا
стр. 986
ثرية، بل كانت تعيش على الكفاف، بل كان كثير منها يعيش فى البؤس والضنك والضيق وقلوبه تتقطع حسرات على ما تحظى به الطبقة المتزفة من أسباب النعيم. وكانوا ساخطين سخطا شديدا على كل ما يرونه حولهم من جموح الأهواء والإمعان فى المجون، وهو سخط اتسع فى أيام الفتنة بين الأمين والمأمون حين حوصرت بغداد واستطال شر المجّان والعهّار، وظلت من ذلك بقية فى سنتى ٢٠١ و ٢٠٢ فإذا جماعات كبيرة تتطوّع للنكير عليهم والأخذ على أيديهم (١).
وإذا كانت حانات الكرخ ودور النخاسة والمقينين به اكتظت بالجوارى والإماء والقيان والمغنين، فإن مساجد بغداد كانت عامرة بالعبّاد والنسّاك وأهل التقوى والصلاح، وكان فى كل ركن منها حلقة لواعظ يذكّر بالله واليوم الآخر وما ينتظر الصالحين من النعيم المقيم والعاصين من العذاب والجحيم. وكان من الوعّاظ من يفتحم قصر الخلافة ليعظ الخلفاء على نحو ما هو معروف عن عمرو بن عبيد فى وعظه للمنصور (٢) وصالح بن عبد الجليل فى وعظه للمهدى (٣) وابن السماك فى وعظه لهرون الرشيد (٤) ومن كلامه: «الدنيا كلها قليل والذى بقى منها فى جنب الماضى قليل، والذى لك من الباقى قليل، ولم يبق من قليك إلا القليل» (٥).
وكان الوعظ فى هذا العصر يلتحم بالقصص للعظة والعبرة، وهو التحام قديم منذ تميم الدارى وكعب الأحبار فى عصر الخلفاء الراشدين ومنذ قصّاص الفتوح من أمثال أبى سفيان بن حرب. وقد ازدهر هذا الوعظ القصصى فى عصر بنى أمية عند الحسن البصرى وأضرابه، وتكامل ازدهاره فى هذا العصر. وينبغى أن نميز بين هذا الضرب من القصص الدينى وقصص آخر كان الناس يجتمعون حول أصحابه فى طرقات بغداد وغيرها من أمصار العراق ليسلوهم بالنوادر والحكايات القصيرة، ومن أجل ذلك قرنوا بأصحاب المساخر من مثل القرّادين (٦). وقد كثر قصاص الوعظ الذين كانوا يدفعون الناس إلى العبادة ورفض المتاع الدنيوى وسلوك السبيل الواضحة إلى نعيم الآخرة كثرة مفرطة (٧).
стр. 987
وكان بجانب هؤلاء القصّاص الواعظون كثير من النساك، ومن الصعب استقصاؤهم إذ كانوا منتشرين فى كل الأمصار. وكان يحيون حياة زهد خالصة كلها تبتل وعبادة وتقشف وانقباض عن الاستمتاع بالحياة وملذاتها وانصراف عن كل نعيم فيها انتظارا لما عند الله من النعيم السرمدى الذى لا يزول. وفى البيان والتبيين وعيون الأخبار والعقد الفريد منثورات رائعة من أقوال مشاهيرهم أمثال سفيان الثورى المتوفى سنة ١٦١ وداود الطائى المتوفى سنة ١٦٥ وعبد الله بن المبارك المتوفى سنة ١٨١ والفضيل بن عياض المتوفى سنة ١٨٧ وسفيان بن عيينة المتوفى سنة ١٩٨ وكان يقول: «فكرك فى رزق غد يكتب عليك خطيئة (١)» ويقول: «لا يمنع أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه فإن الله قد استجاب دعاء شرّ الخلق وهو إبليس (قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين)، وكان يستحب أن يقال فى الدعاء: اللهم استرنى بسترك الجميل (٢). ومن مشهورى هؤلاء النساك عبد الواحد بن زيد المتوفى سنة ١٧٧ وهو الذى أنشأ أول رباط أو أول صومعة للناسكين فى عبّادان بالقرب من الكوفة، وفيهم وفى رباطهم يقول أبو العتاهية (٣):
سقى الله عبّادان غيثا مجلّلا ... فإن لها فضلا جديدا وأوّلا
وثبّت من فيها مقيما مرابطا ... فما إن أرى عنها له متحوّلا
إذا جئتها لم تلق إلا مكبّرا ... تخلّى عن الدنيا وإلا مهلّلا
فأكرم بمن فيها على الله نازلا ... وأكرم بعبّادان دارا ومنزلا
وقد أخذت تقام فى هذا العصر رباطات أخرى فى أنحاء العالم الإسلامى، وكانت الدولة التى تقيمها أحيانا، ففى أخبار الفضل بن يحيى البرمكى أنه شخص إلى خراسان فى سنة ثمان وسبعين ومائة، فبنى المساجد والرباطات (٤).
ويدلّ أكبر الدلالة على ارتفاع موجة النسك حينئذ أنه أخذت تنبثق بين
стр. 988
النّسّاك مقدمات نزعة التصوف متمثلة فى شيوخ كثيرين، فى مقدمتهم إبراهيم ابن أدهم البلخىّ المتوفى سنة ١٦٠ ورابعة العدوية المتوفاة بالبصرة سنة ١٨٠ وشقيق البلخى تلميذ ابن أدهم المتوفى سنة ١٩٤ ويقال إنه أول من تكلم فى التصوف وعلوم الأحوال بكورة خراسان وأن له يدا طولى فى إشاعة مبدأ التوكل (١). ومن مشهوريهم معروف الكرخى من أهل كرخ بغداد المتوفى سنة ٢٠٠ ومن مأثور كلامه: «من كابر الله صرعه، ومن نازعة قمعه، ومن ماكره خدعه، ومن توكل عليه منعه ومن تواضع له رفعه» (٢). ومن مشهوريهم أيضا عبدك الكوفى وأبو سليمان الدارانى الشامى المتوفى سنة ٢٠٥ وبشر بن الحارث الحافى الخراسانى نزيل بغداد المتوفى سنة ٢٢٧ وكان يقول: «الجوع يصفى الفؤاد ويميت الهوى ويورث العلم الدقيق، والمتقلّب فى جوعه كالمتشحط فى دمه فى سبيل الله، وإذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلّم (٣)». وتلقانا من هؤلاء المتصوفة جماعة بمصر على رأس المائتين (٤).
وينبغى أن لا نبالغ فنزعم أن التصوف نضج فى هذا العصر، إنما أخذت مقدماته فى البروز والظهور، أما تكونه التام فقد حدث فى العصر التالى، أما فى هذا العصر فقد تفتحت تباشيره الأولى، وقد حاول بعض المستشرقين أن يربط ربطا وثيقا بين زهد هؤلاء النّسّاك وبين زهد الرهبان المسيحيين الذين كانوا منتشرين فى العالم الإسلامى وخاصة فى العراق والشام ومصر (٥)، ونحن لا نمنع التأثر العام، ولكن ينبغى أن يستقر فى نفوسنا أن الزهد الإسلامى يختلف عن الزهد المسيحى فى جوهره إذ الزهد عند المسيحيين ورهبانهم يقوم على أساس من فكرة الخطيئة، والإسلام لا يقرّ هذه الفكرة ولا ما تؤدى إليه من تعذيب الجسد، فإن لبدن المسلم عليه حقّا، ومن أجل ذلك نهى الإسلام عن العزوبة، بينما دعت إليها المسيحية.
وقد حاول جولد تسيهر أن يربط بين مقدمات نزعة التصوف الإسلامية وبين
стр. 989
تعاليم الأفلاطونية الحديثة وما يتصل بها من مذهب الفيض ووحدة الوجود (١)، كما حاول أن يربط بين هذه المقدمات وبوذية الهند، إذ رأى فى سيرة إبراهيم بن أدهم التي صورها بعض من تحدثوا عن أخباره ما يحكى محاكاة تامة سيرة بوذا، إذ يقال إنه كان ابن ملك من ملوك بلخ ورأى من إحدى نوافذ قصره رجلا مسكينا فتدبر أمره ولم يلبث أن خلع ثوب الإمارة إلى الأبد ولبس أطمارا بالية وفارق قصره وزوجه وأولاده وأوى إلى الصحراء سائحا مطوّفا عابدا ربه (٢). وهى سيرة لابن أدهم صنعتها له الأجيال المتأخرة (٣) فلا يصح أن تحمل على العصر العباسى الأول ولا أن تتخذ دليلا على أن متصوفته كانوا يتأثرون البوذية وما ترويه عن بوذا الناسك. وقد رأى جولد تسيهر الجاحظ يروى خبرا عن ناسكين سائحين (٤) فقال إنهما من ناسكى البوذية، كى يدعم دعواه، وهما من ناسكى المانوية.
والحق أن جولد تسيهر يبالغ فى كل ما رآه من هذا الربط بين مقدمات التصوف الإسلامى والبوذية من جهة والأفلاطونية من جهة أخرى. يمكن أن يكون قد حدث ذلك فى بعض جوانب التصوف فيما بعد هذا العصر إذ كان التصوف لا يزال يستمد من معين الإسلام ذاته كما لا حظ ذلك نيكلسون (٥)، وهو حينئذ لم يكن أكثر من نمو للزهد الإسلامى وما ارتبط به من نسك، وآية ذلك القاطعة أن نظريتى الفيض ووحدة الوجود لم تمدا ظلالهما عليه حتى هذا التاريخ.
على أن هذا الزهد الإسلامى وما ارتبط به من مقدمات التصوف كانت تجرى بجانبه أسراب من زهد فاسد هو زهد الزنادقة الذين اعتنقوا تعاليم المانوية على نحو ما يلقانا فى أشعار صالح بن عبد القدوس المقتول لمانويته وهى تزخر بالترغيب عن متاع الدنيا الزائل حتى ليقول ابن المعتز إن له فى ذلك ما ليس لأحد (٦).
стр. 990
ومعنى ذلك أن العصر العباسى الأول شهد لونين من الزهد: زهدا إسلاميا خالصا أعدّ للنسك والتصوف، وزهدا مانويّا مارقا، وهو الذى يمكن أن يوصل بينه وبين البوذية، إذ المانوية تتأثر بها-كما مر بنا-من قديم. وقد مضت الدولة تقاومه وتقاوم أصحابه مقاومة عنيفة على نحو ما أسلفنا، وكان من تمام النسك فى هذا الزهد المارق المنحرف أن يعيش الناسك من سؤال الناس (١).
стр. 991
الفصل الثالث
الحياة العقلية
١ - الامتزاج الجنسى واللغوى والثقافى
كانت الدولة العباسية تمتد من حدود الصين وأواسط الهند شرقا إلى المحيط الأطلسى غربا ومن المحيط الهندى والسودان جنوبا إلى بلاد الترك والخزر والروم والصقالبة شمالا، وبذلك كانت تضم بين جناحيها بلاد السند وخراسان وما وراء النهر وإيران والعراق والجزيرة العربية والشام ومصر والمغرب. وهى أوطان كثيرة، وكان يعيش فيها منذ القدم شعوب متباينة فى الجنس واللغة والثقافة، غير أنها لم تكد تدخل فى نطاق العروبة حتى أخذت عناصرها المختلفة تمتزج بالعنصر العربى امتزاجا قويّا، فإذا بنا إزاء أمة عربية تتألف من أجناس مختلفة، وقد مضت هذه الأجناس تنصهر فى الوعاء العربى حتى غدت كأنها جنس واحد.
ومن أهم الأسباب التى هيّأت لذلك نزول القبائل العربية فى الأمم المفتوحة وامتزاجها بشعوبها فى السكنى وعن طريق المصاهرة وتسرّى الإماء، بحيث غدت بيوت العرب تزخر بالجوارى من كل جنس: سنديات وحبشيات وفارسيات وخراسانيات وتركيات وروميات وصقلبيات، وبحيث أصبح العربى خالص الدم فى بغداد نادرا، فالكثرة الكثيرة من أبناء العرب أمهاتهم من الجوارى والإماء، وكذلك الشأن فى الخلفاء أنفسهم على نحو ما أشرنا إلى ذلك فى الفصل السابق.
وكان وراء هذا المزج الدموى بين العنصر العربى والعناصر الأجنبية مزج روحى عن طريق الولاء الذى شرعه الإسلام والذى اتخذ شكل رابطة تشبه رابطة الدم، فالشخص يكون فارسيّا أو هنديّا أو روميّا أو قبطيّا ويكون عربيّا ولاء، وحتى الرقيق كانوا بمجرد تحريرهم يصبحون موالى لأصحابهم وينسبون إلى قبائلهم مثلهم مثل أبنائها الأصليين، وقد دعا الإسلام إلى هذا التحرير دعرة واسعة،
стр. 992
وجعله كفارة عن كل ذنب كبير أو صغير، وكان كثير منهم حين يحرّرون يجدّون ويعتلون المناصب الكبرى فى الدولة.
وهذا الرقيق إنما كان قلة قليلة بالقياس إلى أحرار الموالى الذى كانت تتكون منهم الشعوب المفتوحة، وقد دخلت كثرتهم فى الإسلام، وامتزجوا بأهله من العرب ونعموا بما يكفل للناس من عدل ومساواة، وحقّا تعسف معهم الأمويون ولكن العباسيين ردوا الأمر إلى نصابه، بل لقد فسحوا للفرس كى يغلبوا على العرب فى تصريف شئون الدولة. وحتى من لم يسلم من الموالى: من المجوس والصابئة والنصارى أخذ يندمج فى المحيط العربى بفضل ما شرعه الإسلام لهم من حقوق اجتماعية وحرية دينية. وبذلك فتحت بينهم وبين المسلمين أبواب التعاون الوثيق-على مصاريعها- فى جميع شئون الحياة، وحقّا دخل جمهورهم الضخم فى الإسلام ولكن دون إكراه أو عنف أو عسف.
وبذلك استطاع الإسلام-بتعاليمه السمحة-أن يحدث امتزاجا قويّا بين العناصر المختلفة التى كانت تتألف منها الدولة العربية، وهو امتزاج لم يبلغه بامتلاك الأرض المفتوحة، إنما بلغه بامتلاك القلوب، فإذا الكثرة الكثيرة من الشعوب التى انبسط عليها سلطانه تسلم وإذا من بقوا على دينهم يشعرون تلقاء المسلمين وحكامهم بضرب من الأخوة الكريمة.
وقد أسرع من أسلموا من الشعوب المفتوحة جميعا إلى تعلم لغة القرآن الكريم والحديث النبوى، فلم يمض نحو قرن حتى أخذت العربية تسود فى كل أنحاء العالم الإسلامى لا بين المسلمين وحدهم، بل أيضا بين غيرهم ممن بقى على دينه القديم لا فى البيئات التى كانت قد أخذت تستعرب فى العصر الجاهلى: بيئات العراق والجزيرة والشام فحسب، بل أيضا فى البيئات النائية: فى إيران وخراسان ومصر وبلاد المغرب، وهى بيئات لم يكن لها بالعروبة عهد من قبل، فإذا هى تتعرّب وتتعرّب معها الأطراف الغربية للقارة الأوربية فى الأندلس.
وكان سكّان هذه البيئات يتكلمون لغات مختلفة، ففى إيران كانوا يتكلمون الفهلوية، وفى العراق والجزيرة كانوا يتكلمون الآرامية وما انبثق منها من النبطية والسريانية، وفى الشام كانوا يتكلمون اللغة الأخيرة ولغات سامية مختلفة، وفى مصر
стр. 993
كانوا يتكلمون القبطية وفى بلاد المغرب كانوا يتكلمون البربرية. وكانت اللغة اليونانية قد أخذت تشيع-منذ غزو الإسكندر-فى الأوساط الثقافية بالشرق كله: فى إيران والعراق والجزيرة والشام ومصر، بينما كانت اللاتينية تشيع فى تلك الأوساط بشمالى إفريقية والأندلس.
ولا نكاد نتقدم فى كل هذه البيئات بعد فتحها بنحو قرن حتى نجد العربية قد ملكت ألسنة الناس وقلوبهم فى جميع أنحائها القريبة والبعيدة، وكان هذا تطورا خطيرا حدث فيها، إذ أصبحت شعوبها جميعا عربية اللغة والتفكير والشعور والثقافة والأدب والحضارة. وقد اختلف إسراعها إلى هذا التعرب باختلاف مواقعها من الجزيرة العربية، فكان أسرعها تعربا العراق والجزيرة والشام، وكان تعربها جميعا قد بدأ فى الجاهلية، فأتمته الفتوح العربية سريعا، فإذا اللغات السامية التى كانت تنتشر فى تلك البيئات وعلى رأسها السريانية تترك مكانها من ألسنة الناس وتنحاز إلى الأديرة وإلى بيئة الصابئة فى حران وبعض المراكز الثقافية القديمة كمدرسة جنديسابور. وتتعرب مصر وبلاد المغرب تدريجا.
وقد أقبل الفرس على التعرب إقبالا منقطع النظير، فقد أكبوا على تعلم العربية حتى أتقنوها واتخذوها سريعا للتعبير عن عقولهم ووجداناتهم بحيث لا نكاد نتقدم فى العصر العباسى حتى يصبح جمهور العلماء والكتاب والشعراء منهم، فهم يقبلون على درس الشريعة الإسلامية ويتألق فيها نجم أبى حنيفة وتلاميذه، وهم يقبلون على جمع العربية وتدوين أصولها النحوية على نحو ما هو معروف عن سيبويه وهم يقبلون على إحسان صناعة الكتابة على نحو ما هو معروف عن ابن المقفع، وهم يقبلون على الشعر بحيث يصبح أعلامه النابهون منهم على نحو ما هو معروف عن بشار وأبى نواس.
وليس معنى ذلك أن جميع أصحاب اللغات القديمة هجروا لغاتهم تماما، فقد ظلت من ذلك بقايا حتى فى أكثر البيئات تعربا أى فى العراق والشام، مما نشأ عنه سقوط بعض كلمات نبطية وآرامية إلى العربية (١). ولعل أهم لغة قديمة
стр. 994
ظلت حية هى الفارسية، لا بين سكان إيران فحسب، بل أيضا بين سكان الأمصار فى العراق، إذ زحفت إليها منذ عصر بنى أمية جموع كبيرة منهم، وازداد زحفهم فى هذا العصر الذى علا فيه سلطانهم. ويدل على ذلك من بعض الوجوه ما يرويه الجاحظ عن قاصّ من قصّاص البصرة ووعاظها هو موسى الأسوارى إذ يقول:
«كان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية فى وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس فى مجلسه المشهور به، فتقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحوّل وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية فلا يدرى بأى لسان هو أبين» (١). وكان كثير من العرب أنفسهم يتعلم الفارسية ويحسنها، حتى لنراها تدور فى مجالسهم (٢)، وحتى لنرى الأصمعى العربى القحّ يفهم ما يجرى منها على لسان بعض الفرس (٣). ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنها كانت تشيع على ألسنة كثيرين فى الحياة اليومية لبغداد والكوفة والبصرة، وبسبب من ذلك ولأنها كانت لغة الحضارة الفارسية دخل منها إلى العربية ألفاظ كثيرة، وخاصة ما اتصل بأسماء الأطعمة والأشربة والأدوية والملابس.
ودخل العربية فى هذا العصر بعض ألفاظ هندية وخاصة فى أسماء النباتات والحيوانات من مثل الآبنوس والببغاء والفلفل كما دخل بعض ألفاظ يونانية وخاصة ما اتصل بأسماء المقاييس والموازين والأمراض والأدوية من مثل القيراط والأوقية والقولنج.
ولم تفسد هذه الكلمات الدخيلة العربية فقد كانت تأتى على هامشها، وكثيرا ما كانت تعرّب بحيث تتفق واللسان العربى، وقد ألف العرب فيها مصنفات كثيرة تمييزا لها وتعريفا بها. ولم يكونوا يعمدون دائما إلى استعارة الأسماء الأجنبية لمدلولاتها التى لم يكونوا يعرفونها، بل كانوا يحاولون فى أحوال كثيرة أن يضعوا لتلك المدلولات أسماء عربية خالصة إما عن طريق الاشتقاق وإما عن طريق التوسع فى مدلولاتها ومعانيها القديمة. وبذلك اتسعت العربية وتحولت من لغة البدو القديمة إلى لغة حضارية مع المحافظة الشديدة على مقوّماتها ومشخصاتها وأوضاعها وأصولها الاشتقاقية والصرفية والنحوية.
стр. 995
وحقّا أخذ يفشو اللحن ولكن علماء اللغة كانوا بالمرصاد لكل من يلحن، حتى لكأنهم كانوا يعدّون اللحن إحدى الكبائر، وقد مضوا يسجّلون على كل عالم وكل كاتب وكل شاعر ما تعثر فيه أحيانا من بعض اللحن. وجمع من ذلك «يوهان فك» فى كتابه «العربية» مادة واسعة، ومن ينعم النظر فيها يعرف أن اللحن لم يكن متفشيا فى أوساط المثقفين بل كان محدودا جدّا، إذ مبلغ ما يضاف إلى أى شخص لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة إلا فى النادر. وقد وقف يوهان فك طويلا عندما ساقه الجاحظ فى كتابه «البيان والتبيين» من لكنات بعض الأعاجم، وهى لكنات مردها إلى ما كان يجده نفر منهم من صعوبة فى التكيف العضوى لمخارج الحروف العربية التى لا توجد فى لغاتهم، إذ كان منهم من يبدل الراء غينا والزاى والتاء والشين سينا والعين همزة والقاف كافا أو طاء والجيم زايا أو ذالا والحاء هاء والصاد سينا والظاء زايا واللام ياء. وهذه اللكنات إنما كانت تشيع على ألسنة العامة وقلما سقط منها شئ إلى ألسنة الفصحاء من العرب والموالى.
وهذا نفسه يلاحظ فى اللحن فإنه إنما كان يشيع فى أوساط العامة، وكان علماء اللغة يعنون بتنقية العربية وتصفيتها من الشوائب، وفى ذلك ألف الكسائى كتابه فى لحن العامة، وهو مطبوع
ومما لا ريب فيه أن الفصحى كانت المثل الأعلى للناس فى هذا العصر، وخاصة الطبقة المثقفة، وكان أهم ما دعمها وبسط سلطانها القرآن الكريم، وحتى الشعوبيون والزنادقة اتخذوها لسانهم وأداتهم فى التعبير ولم يحاولوا الخروج على قوالينها. وقد عاش علماء اللغة يحوطونها ويحرسونها حراسة حفظت لها كل مقوماتها الاشتقاقية والتعبيرية والنحوية ومكنتها من الثبات والجريان على الألسنة لا فى الأوساط الثقافية والأدبية فحسب، بل أيضا فى أوساط العامة وبين العناصر التى لم تدخل فى الإسلام مما أحالها وعاء كبيرا لكل ما لقيته من ثقافات فى البيئات التى ذكرناها ومن معارف مختلفة متباينة، وهى معارف امتزجت فيها منذ فتوح الإسكندر عناصر شرقية بعناصر إغريقية مكونة ما يسى باسم الثقافة الهيلينية، ومعروف أن فتوحه شملت مصر وليبيا والشام والعراق وإيران وخراسان وأفغانستان وشطرا من بلاد الهند، وقد عنى بنشر الثقافة الإغريقية فى كل البلدان التى افتتحها ومضى خلفاؤه الذين
стр. 996
ورثوا ملكه يستنون بعمله. وبذلك امتزجت هذه الثقافة بثقافات الأمم المفتوحة، وتكونت من هذا الامتزاج ثقافة جديدة فيها من فلسفة الإغريق المتشعبة وفيها من ديانات الشرق وروحانياته وأساطيره ومعارفه الفلكية وغير الفلكية. وكانت تقوم على هذه الثقافة الهيلينية قبل الإسلام مدارس مختلفة فى الإسكندرية وقيسارية وأنطاكية والرها ونصيبين وحرّان وجنديسابور، فاتصلت العربية بكل هذا التراث وأخذت تعمل على المزج بينه وبين معارف العرب وآدابهم، واتخذ هذا المزج صورا كثيرة، منها الترجمة ونقل علوم الأوائل وسنعرض لذلك فى موضع آخر.
ومنها تأثر العرب بالمعارف العملية التطبيقية عند الأجانب مما اضطروا إلى الوقوف عليه فى إنشاء المدن وضبط الدواوين وعمل الأساطيل وإعداد الجيوش والنهوض بالزراعة والتجارة. ومنها جدالهم لأصحاب الملل والنحل، فقد كانوا ناشرين للدين الإسلامى، فاضطرمت المجادلات والمناظرات بينهم وبين البوذيين والمجوس والصابئة والنصارى واليهود وغيرهم، وتعرفوا على عقائدهم ونحلهم. وأعمق من ذلك تحول أصحاب النحل والديانات المختلفة إلى الإسلام، فقد تحولوا إليه بتراثهم العقيدى، بل بكل تراث آبائهم الثقافى.
ولا نبالغ إذا قلنا إن كل ألوان الثقافات العامة التى كانت مبثوثة فى البلدان المفتوحة من أواسط آسيا إلى مشارف البرانس تحولت إلى العربية دون حاجة إلى ترجمة منظمة لسبب طبيعى وهو أن شعوب هذه الثقافات تحولوا عربا، فكان طبيعيّا أن تتحول معهم ثقافاتهم وأن لا تنتظر حتى ينظّم لها النقل والترجمة. وأهم هذه الثقافات حينئذ الثقافة الهندية والفارسية واليونانية. وكانت الثقافة الهندية تصل العرب حينئذ عن طريقين: طريق الفرس وما سقط إليهم منها من قديم وطريق من دخلوا منهم حديثا فى الإسلام واندمجوا فى عرب العراق، ومعروف أن جمهور الهنود وثنيون يدينون بالبوذية، ومنهم براهمة (١) ينكرون النبوات ودهريون لا يؤمنون بشئ سوى الدهر وسمنية لا يؤمنون بشئ سوى الحس وقد ناظرهم قديما جهم (٢) ابن صفوان، وظل المعتزلة-على نحو ما يصورهم الجاحظ فى كتابه الحيوان-
стр. 997
يردون عليهم ردّا عنيفا (١)، ونعجب أن نرى عربيّا أزديّا يعتنق عقيدة السّمنيّة (٢).
وكانوا يؤمنون بتناسخ الأرواح إيمانا شديدا حتى ليقول البيرونى: «كما أن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين والتثليث علامة النصرانية والإسبات علامة اليهودية كذلك التناسخ علم النحلة الهندية، فمن لم ينتحلها لم يك منها ولم يعد من جملتها» (٣) إذ استقر بينهم أن الأرواح تنتقل من جسد إلى جسد تطلب بذلك الكمال، وما تزال تطلبه حتى تستوفى شرف ذاتها وتستغنى عن الاتصال بالأبدان، وحينئذ يتحد العقل والعاقل والمعقول ويصبحون جميعا شيئا واحدا. وقد سقطت هذه العقيدة-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-إلى مانى والمانوية كما سقطت إلى بعض الشيعة القائلين بتناسخ النور الإلهى فى الأئمة، وأيضا فإنها سقطت فى هذا العصر إلى الخرمية، وكان يؤمن بها أحمد بن حائط المتكلم صاحب فرقة الحائطية ويدافع عنها دفاعا شديدا (٤). وكان يشيع على ألسنة عامتهم بعض قصصهم كقصة السندباد. وقد تأثرت المانوية-على نحو ما أشرنا فى الفصل السابق- بزهد البوذيين وطرقهم فى النسك وتحريمهم لذبح الحيوان.
وكانت الثقافة الفارسية الشعبية أبعد تأثيرا فى المحيط العربى لهذا العصر، فقد دخل جمهور الفرس فى الإسلام واقتبس العرب كثيرا من صورة حياتهم فى المطعم والملبس وبناء القصور ونظام الخدم والحشم، وكانوا يحتفلون معهم بأعيادهم كما أسلفنا، ويحكون عنهم أقاصيصهم عن رستم وإسفنديار وأخبارهم عن ملوكهم وحكمائهم. وكانت المجوسية لا تزال حية بمعابد نيرانها ونحلها المختلفة من زرادشتية ومانوية ومزدكية وما كانت تجتمع عليه هذه النحل من ثنوية أو إيمان بأن للعالم إلهين: إلها للنور وإلها للظلمة. ونعجب إذ نجد بعض العرب يصبح ثنويّا مانويّا على نحو ما كان صالح بن عبد القدوس. وكان تأثير المزدكية فى المجتمع أشد عمقا، بما كانت تدعو إليه من التحلل الخلقى والعكوف على اللهو والمجون والاندفاع فى إباحية مسرفة.
ولم يختلط العرب باليونان والبيزنطيين إلا اختلاطا محدودا عن طريق الرقيق البيزنطى الذى كان يقع فى الأسر أو يباع فى أسواق النخاسة، وكان تأثيره فى
стр. 998
المجال العربى محدودا، وحقا أن الثقافة اليونانية أهم ثقافة أثرت فى الفكر العباسى، ولكن عن طريق النقل والترجمة لا عن طريق اختلاط أصحابها بالعرب، وأيضا عن طريق ما ألقته من ظلال على الثقافة الهيلينية الشعبية العامة التى كانت سائدة فى المنطقة والتى حملت فى أطوائها معارف الكلدانيين والصابئة عن النجوم والكواكب ومعارف الشآميين والمصريين عن شئون الزراعة وما كان يتداول هنا وهناك من أقاصيص عن السحر والعرافة وما يجرى فى كل ذلك من إيمان بالغيبيات ومن نزعات روحية عميقة.
وكان يشارك فى الحياة اليومية أصحاب الديانتين النصرانية واليهودية، ويصور لنا الجاحظ فى رسالته «الرد (١) على النصارى» موقف العرب منهم حينئذ ومن اليهود فيقول إنهم كانوا أقرب من اليهود إلى العرب مودة وأسلم صدورا، فإن اليهود طووا قلوبهم على عداوة الإسلام ورسوله الكريم منذ مقامه بين ظهرانيهم فى يثرب، على حين آوى نصارى الحبشة من هاجروا إليهم من أصحاب الرسول فرارا من اضطهاد قريش ومدّوا إليهم يد البرّ والعون. ويقول إن نصارى بغداد كانوا ينهضون بالصناعات المربحة مندمجين فى حياة الخلفاء والرعية، بينما كان اليهود يحترفون الصناعات الرذيلة الحقيرة، فمن النصارى كتاب السلاطين وأطباء الأشراف والعطارون والصيارفة، أما اليهود فمنهم الصباغون والدباغون والقصّابون والشعّابون، وقد رسخ فى ذهن العرب أنهم أقذر الأمم. ونرى نفرا منهم يسلمون منذ عهد الإسلام الأول ويذيعون كثيرا من الإسرائيليات التى دخلت فى تفسير القرآن الكريم على نحو ما هو معروف عن كعب الأحبار ووهب بن منبه، وقد استغلها القصاص فى وعظهم للعامة استغلالا واسعا، وكان منهم من أسلم بلسانه ولم يسلم بقلبه، فمضى يسر عداوته للإسلام ويحاول أن يهدمه هدما بما يدخل عليه من عقائد منحرفة وبما يثير من الفتن بين أصحابه مثل عبد الله بن سبأ، وقد لعب دورا واسعا فى فتنة عثمان والتأليب عليه وإحداث أول فرقة فى الإسلام، حتى إذا حدثت أخذ يلقى فى روع بعض الضعفاء والعوامّ أن على بن أبى طالب فوق البشر وأن روح الرسول حلّت فيه، ولما مات قال إنه اختفى وسيعود. وبذلك وضع نواة
стр. 999
التشيع الباطن، بل وضع نواة غلاة الشيعة جميعا ورافضتهم الذين طالما حاجّهم وجادلهم المعتزلة فى هذا العصر. وكان له خلفاء كثيرون من جنسه مضوا يفسدون على شاكلة إفساده، بل لقد كان ممن ظلوا على يهوديتهم من يخالطون العرب فى مجالسهم (١) ويوردون عليهم بعض معتقداتهم الفاسدة من مثل التشبيه على الذات العلية (٢)، حتى ليصبح هناك قوم معروفون باسم المشبهة من الرافضة وغيرهم. وقد عنى المعتزلة طويلا بتسفيه أحلامهم ونقض ما زعموه من التشبيه على الله نقضا. وكانوا يقولون إن التوراة محدثة ومخلوقة وأكبر الظن أن المعتزلة أو نفرا منهم نقلوا عنهم هذه الفكرة فقالوا إن القرآن مخلوق (٣). وإنما يدفعنا إلى هذا الرأى أنه كان من رءوس القائلين بها ثمامة بن أشرس وبشر بن غياث المريسى المتكلم، وكان غياث يهوديّا يسكن بغداد وأسلم ابنه واشتغل بعلم الكلام والقول بخلق القرآن (٤) وما زال هو وثمامة بالمأمون حتى اعتنق هذا القول وجعله محنة وبلاء على الفقهاء والعلماء. وهو بلاء جرّ إلى صدع متفاقم بين المعتزلة وأهل السنة حتى لقد قضى قضاء مبرما على ما كان للأولين من مجد فى العصر العباسى الأول.
وقد شكا الجاحظ-على نحو ما مر بنا فى الفصل السابق-من متكلمى النصارى وأطبائهم ومنجميهم لنقلهم إلى العربية كتب المنانية والديصانية والمرقيونة المارقة، مما أفسدوا به عقول العوام، ولكن من الحق أن النصارى لم يكونوا يبطنون للإسلام من العداوة ما أبطنه اليهود على نحو ما لا حظ ذلك الجاحظ نفسه، وكان المسلمون يبرّونهم ويعاملونهم معاملة كريمة، وقد دخل منهم جمهور غفير فى الإسلام وامتزج العرب بهم وأكثروا من تسرى جواريهم مما هيأ للقاح واسع بين العناصر الإسلامية والمسيحية فى المجتمع العباسى، ولا نقصد اللقاح الدموى فحسب، بل نقصد أيضا اللقاح الثقافى، إذ نشأ جيل كبير أمهاته من المسيحيات روميات وغير روميات، وطبيعى أن يحمل هذا اجيل عن أمهاته ثقافتهن وكثيرا
стр. 1000
من طباعهن وعاداتهن وربما بعض معتقداتهن، ونرى أحد المتكلمين وهو أحمد بن حائط الذى ذكرناه منذ قليل يزعم أن المسيح تدرّع بالجسد الجسمانى وأنه الكلمة القديمة المجسدة (١).
وكان للأناجيل تأثير-من بعض الوجوه-فقد كانوا يقرءونها ويستظهرون كثيرا من كلام المسيح وأقواله فى وعظهم، وفى كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة والبيان والتبيين للجاحظ من ذلك مادة وافرة، وقد أشرنا فى غير هذا الموضع إلى ما كان من تأثير ألرهبان المنبثين فى العالم الإسلامى من أثر عام فى زهد الزهاد حينئذ، إذ كانوا يرون تقشفهم وخلوصهم للعبادة والنسك. وأشرنا أيضا فى غير هذا الموضع إلى ما كانت تقدمه الأديرة للمجان والخلعاء من خمور معتقة. ومما لا شك فيه أن المسلمين اندمجوا فى النصارى لهذا العصر اندماجا واسعا، وهو اندماج جعلهم يحتفلون بأعيادهم الدينية ويتخذون منهم كتّاب الدواوين والأطباء والمنجمين ونقلة علوم الأوائل، كما جعلهم يملئون قلوبهم أمنا ورضا دون أى عسف أو ظلم.
٢ - الحركة العلمية
أذكى الإسلام جذوة المعرفة فى نفوس العرب إذ دفعهم دفعا قويّا إلى العلم والتعلم، فلم يمض نحو قرن حتى أخذت العلوم اللغوية والدينية توضع أصولها، وحتى أخذ العرب يلمّون بما لدى الأمم المفتوحة من ثقافات متباينة، وقد مضوا فى هذا العصر يتقصونها وينقلونها بكل موادها إلى لغتهم، ونهض التعليم حينئذ نهضة واسعة، وعادة كان الناشئ يبدأ بالتعلم فى الكتاتيب حيث يتعلم مبادئ القراءة والكتابة وبعض سور القرآن الكريم وشيئا من الحساب وبعض الأشعار والأمثال (٢)، وكان بعض معلمى هذه الكتاتيب يعلمون الناشئة أيضا السنن والفرائض والنحو والعروض (٣). وكانوا يؤثرون فى تعليم البنات تحفيظهن القرآن الكريم وخاصة سورة
стр. 1001
النور (١)، ويورد الجاحظ وابن قتيبة أسماء طائفة مشهورة من معلمى الكتاتيب (٢) من مثل أبى البيداء الرياحى اللغوى ومحمد بن السكن المحدث وأبى عبد الرحمن السلمى المقرئ وأبى صالح الإخبارى. وخصّ الجاحظ هؤلاء المعلمين برسالة ملأها بنوادرهم (٣)، مما كان سببا فى أن تدور شخصية معلم الكتّاب بين الشخصيات المضحكة فى الأدب العربى، وممن كثر التندير عليه فى هذا العصر منهم علقمة ابن أبى علقمة النحوى الذى كان يتقعّر فى كلامه مكثرا فيه من الغريب الشاذ وكان يعنى فى مكتبه بتعليم الناشئة العربية والنحو والعروض ومات فى خلافة المنصور (٤) وقد ألف بعض الأدباء رسالة تجمع نوادره (٥)
وكان للناشئة ألواح من الخشب العادى أو من الآبنوس يكتبون فيها دروسهم وكلما فرغوا من درس محوه منها وأثبتوا مكانه درسا آخر. وكان معلموهم يؤدبونهم بالجلد والضرب والحبس، وفى أخبار إبراهيم الموصلى أنه «أسلم إلى الكتّاب فكان لا يتعلّم شيئا، وكان لا يزال يضرب ويحبس ولا ينجع ذلك فيه، فهرب إلى الموصل وهناك تعلم الغناء» (٦) ويذكر الجاحظ أنه كان لأعشى بنى سليم ابن رآه مسنّا كان يدع الكتّاب ويلعب بالكلاب، فكتب أبوه إلى معلمه (٧):
ترك الصلاة لأكلب يلهو بها ... طلب الهراش مع الغواة الرّجس
فاذا خلوت فعضّه بملامة ... أو عظه موعظة الأديب الأكيس
وإذا هممت بضربه فبدرّة ... وإذا ضربت بها ثلاثا فاحبس
وكان هؤلاء المعلمون يتقاضون من الناشئة أجورا زهيدة، لا تتجاوز أحيانا بعض رغفان من الخبز كانت تختلف أحجامها وأنواعها باختلاف أحوال آبائهم غنى وفقرا، حتى لقد ضربت برغفان المعلم الأمثال على شدة الاختلاف والتفاوت.
وكان بجانب معلمى أولاد العامة فى الكتاتيب معلمون لأبناء الخاصة، كان منهم اللغوى والإخبارى والفقيه والمحدث والمقرئ، وكانوا أحسن حالا من معلمى
стр. 1002
أبناء العامة، على أن الجاحظ يقول فى جمهورهم: «يكون الرجل نحويّا عروضيّا وقسّاما فرضيّا وحسن الكتاب جيد الحساب حافظا للقرآن راوية للشعر وهو يرضى أن يعلم أولادنا بستين درهما» (١). وهذا إنما يصدق على من كان منهم يعلم أبناء الطبقة الوسطى، أما من كان يعلم أبناء الخلفاء والوزراء والبيت العباسى والقواد والسّراة فقد كانت تفرض لهم رواتب كبيرة، جعلتهم يعيشون فى خفض من العيش وسعة من الرزق، نذكر من بينهم المفضل الضبى معلم المهدى وله اختار مجموعته الشعرية الملقبة بالمفضليات، والكسائى معلم الرشيد وابنيه الأمين والمأمون، وقطرب مؤدب الأمين وأبناء أبى دلف العجلى قائد المأمون المشهور، وعلى بن المبارك الأحمر أحد مؤدبى الأمين ويقال إنه أعطاه يوما ثلاثمائة ألف درهم (٢)، ومنهم اليزيدى يحيى بن المبارك مؤدب أبناء يزيد بن المنصور الحميرى خال المهدى ومن أجل ذلك لقب باليزيدى، ومنهم الفراء معلم أبناء المأمون، وأبو عبيد القاسم بن سلام مؤدب أبناء هرثمة قائد الرشيد والمأمون.
وامتازت فى هذا العصر البصرة بسوق باديتها المعروف باسم المربد، وكان منهلا لشباب البصرة يغدون عليه ويروحون للقاء الفصحاء من الأعراب والتحدث إليهم تمرينا لألسنتهم وتربية لأذواقهم ومحاولة لاكتساب السليقة العربية المصفّاة من شوائب العجمة. وكانوا يكتبون ما يسمعونه منهم من طرائف الشعر، على نحو ما يحدثنا الرواة عن أبى نواس وأنه كان يغدو على المربد بألواحه للقاء الأعراب (٣).
وكان من شباب الشعراء من يرحل إلى البادية ليأخذ اللغة والشعر من ينابيعهما الأصيلة على نحو ما هو معروف عن بشار (٤).
وكانت المساجد ساحات العلم الكبرى، فلم تكن بيوتا للعبادة فحسب، بل كانت أيضا معاهد لتعليم الشباب حيث يتحلّقون حول الأساتذة، يكتبون ما يلقونه أو يملونه، وكان الأستاذ يستند عادة إلى أسطوانة فى المسجد، ثم يأخذ فى إلقاء محاضرته أو إملائها، وفى الحلقات الكبيرة كان يردّد مستمل كلامه حتى يسمعه ويكتبه البعيدون عنه فى الحلقة. وكان لكل فرع من المعرفة حلقته أو حلقاته
стр. 1003
الخاصة، فحلقة لفقيه وحلقة لمحدث وحلقة لقصاص أو لمفسر وحلقة للغوى وحلقة لنحوى وحلقة لمتكلم، وكانت حلقة الفقهاء من أكبر الحلقات إذ كان يقصده طلاب الفقه ومن يريدون أن يتولوا منصب القضاء أو الحسبة، وكذلك كانت حلقة المتكلمين لما يجرى فيها من مناظرات ومحاورات بينهم أنفسهم وبينهم وبين أصحاب الملل والنحل. وكان يتحلّق كثيرون فى حلقات اللغويين والنحاة، ويقال إنه كان يحضر حلقة ابن الأعرابى الكوفى زهاء مائة شخص (١)، وكثيرا ما كانت تدور فى تلك الحلقات هى الأخرى مناظرات بين أصحابها على نحو ما يروى عن الأخفش من أنه تعرض للكسائى فى حلقة وسأله عن مائة مسألة محاورا له ومناقشا مناقشات مستفيضة (٢). وكانت هناك حلقات للشعراء ينشدون فيها أشعارهم (٣).
وهذه الحلقات الكثيرة التى لم يكن يشترط للحضور فيها أى شرط سوى الرغبة فى السماع والتى كانت مباحة لأى وارد كى يأخذ منها ما يريد من زاد المعرفة هيأت لظاهرتين كبيرتين، أما أولاهما فكثرة العلماء المتخصصين فى كل علم وفن، حتى ليروى أن النضر بن شميل تلميذ الخليل بن أحمد حين عزم على الخروج من البصرة إلى خراسان شيعه نحو ثلاثة آلاف شخص بين محدث ونحوى ولغوى وعروضى وإخبارى (٤)، ولا بد أنه كان وراء هذا العدد الضخم كثيرون تخلفوا عن توديعه وتشييعه. وإذا كانت البصرة قد اشتملت على هذا العدد الوفير من العلماء فإنه مما لا شك فيه أن بغداد كانت تشتمل منهم على أضعاف له مضاعفة.
وتلك هى الظاهرة الأولى، أما الظاهرة الثانية فهى نشوء طائفة من العلماء والأدباء الذين نوّعوا معارفهم تنويعا واسعا، إذ لم يكتفوا بالاختلاف إلى حلقة واحدة، بل مضوا يختلفون إلى جميع الحلقات آخذين بطرف من كل لون من ألوان المعرفة حتى أصبحوا يشبهون الصحفيين المعاصرين الذين يستطيعون أن يتحدثوا حديثا شائقا فى كل صور المعرفة والثقافة. وكان يطلق على هذه الطائفة فى البصرة
стр. 1004
اسم المسجديين، وكان لهم حلقات خاصة بهم فى المساجد، يسوقون فيها فنونا من الجدال والحوار فى أى شئ يعنّ لهم، وقد عرض الجاحظ فى كتاب البخلاء صورة من جدالهم تناولوا فيها الاقتصاد فى النفقة والتثمير للمال (١). وكانت لهم سوق نافقة فى مجالس الخلفاء والوزراء وعلية القوم، إذ كانوا يستطيعون أن يطرفوهم بالأحاديث الطلية ويروّحوا عنهم فى ساعات صفوهم وغضبهم بما يوردون على سمعهم من طرائف الأخبار والمعارف. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن ظهور هذه الطائفة وما حظيت به فى المجتمع العباسى هو الذى جعل الجاحظ وغيره يحوّلون كتبهم الأدبية إلى دوائر معارف واسعة، بل لقد استقر فى الأذهان أن الأدب هو الأخذ من كل علم وفن بطرف.
وإذا كان الخلفاء ووزراؤهم قد أغدقوا على هذه الطائفة كثيرا، فإنهم لم يحرموا طائفة العلماء المتخصصين، بل كثيرا ما كانوا يضفون عليهم عطاياهم الجزيلة، وجاراهم فى ذلك الولاة وكبار القواد، وكان أول من سنّ ذلك وجعله تقليدا للدولة المهدى فإنه أكثر من مكافآته للعلماء كثرة جعلتهم يشدّون إليه الرحال من كل بلدة (٢)، واحتذاه فى ذلك ابنه الرشيد، ويقال إنه وصل الأصمعى يوما بمائة ألف درهم (٣) وكان من المحظوظين لدى البرامكة، ويروى أن جعفرا البرمكى وصله بخمسمائة ألف (٤). وكان المأمون سحابة منهلة على العلماء والمتكلمين.
وقد أعطى النضر بن شميل وهو لا يزال أميرا بمر وخمسين ألف درهم (٥). ويروى أن طاهر بن الحسين قائد المأمون وواليه على خراسان وصل أبا عبيد القاسم بن سلام بألف دينار ثم عاد فوصله بثلاثين ألفا، وأجرى عليه ابنه عبد الله عشرة آلاف درهم فى كل شهر (٦).
وليس من شك فى أن هذا الصنيع كان من أهم الأسباب فى ازدهار الحركة العلمية بالمساجد، إذ كان من يبزغ نجمه فى حلقاتها لا يلبث أن يستدعى إلى دار الخلافة أو دار الولاية أو دور الوزراء، فإذا العطايا تسبغ عليه وإذا الرواتب تفرض له شهريّا. وحقّا كان بين علماء الفقه والحديث من لا يبغون بعلمهم وتعليمهم سوى الثواب من الله، ولعله من أجل ذلك شاع بينهم التكسب من الحرف
стр. 1005
أو التجارة كأبى حنيفة وكان بزّازا، غير أن الكثرة وخاصة من علماء اللغة وأصحاب العلوم الدنيوية كانوا يتخذون علمهم حرفة لهم ومتجرا، بل لقد كان متجرا رابحا.
وكان من أهم الأسباب فى بلوغ الحركة العلمية غايتها من النهضة الواسعة استخدام الورق، إذ أخذ يعمّ منذ مفتتح هذا العصر وكانوا قبل ذلك يكتبون فى الجلود والقراطيس المصنوعة بمصر من ورق البردى. ولم يلبث الفضل بن يحيى البرمكى أن أنشأ فى عهد الرشيد مصنعا ببغداد للورق، ففشت الكتابة فيه لخفته وغلبت على الكتابة فى الجلود والقراطيس. وكان الإملاء حينئذ أعلى مراتب التعليم ولكن لم تلبث أن ظهرت المصنفات الكثيرة واحتيج معها إلى النسخ، فاتسعت صنعة الوراقة. وهى تحل فى هذا العصر محل الطباعة فى عصرنا الحديث، وقد مضى العلماء حينئذ يفيدون منها، فاتخذوا لأنفسهم ورّاقين ينقلون عنهم كتبهم ويذيعونها فى الناس مثل دماذ أبى غسان وراق (١) أبى عبيدة. وكان مما دفع لرواج الوراقة تنافس كثيرين على اقتناء الكتب واتخاذ المكتبات، وقد أقامت الدولة منذ عصر الرشيد مكتبة ضخمة هى دار الحكمة وعنيت فيها أشد العناية بالكتب المترجمة التى تحمل كنوز الثقافات الأجنبية، ولا ريب فى أن هذه المكتبة كانت جامعة كبرى لطلاب العلم والمعرفة.
وقد أخذ كثيرون من الأفراد يعنون باقتناء المكتبات، وكانوا يوظفون فيها بعض الوراقين للنسخ، من ذلك مكتبة إسحق بن سليمان العباسى وكانت تمتلئ بالكتب والأسفاط والرقوق والقماطير والدفاتر والمساطر والمحابر (٢)، وأضخم منها وأعظم مكتبة يحيى بن خالد البرمكى ويقال إنه لم يكن فى مكتبته كتاب إلا وله ثلاث نسخ (٣)، وربما فاق هذه المكتبة عظما وضخما مكتبة الواقدى المؤرخ المشهور المتوفى سنة ٢٠٧ وكانت تشتمل على ستمائة صندوق مملوءة بالكتب (٤) وكان له مملوكان يكتبان له ليلا ونهارا (٥).
ولعل فى ذلك ما يدل دلالة واضحة على أن الكتب أصبحت مادة أساسية
стр. 1006
للمعرفة، إذ كانت تسجّل أمهات العلم وأصوله بما لعله يفضل تلقيه وأخذه عز العلماء، وفى ذلك يقول الجاحظ: «وقد تجد الرجل يطلب الآثار وتأويل القرآن ويجالس الفقهاء خمسين عاما، وهو لا يعدّ فقيها ولا يجعل قاضيا فما هو إلا أن ينظر فى كتب أبى حنيفة وأشباه أبى حنيفة وبحفظ كتاب الشروط فى مقدار سنة أو سنتين حتى تمر ببابه فتظن أنه من بعض العمال وبالحرى أن لا يمر عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير حاكما (قاضيا) على مصر من الأمصار أو بلد من البلدان» (١).
ولم تكن الكتب تعدّ لهذا التحصيل السريع فى الفقه وحده، بل كانت تعد لذلك فى جميع فروع العلم والمعرفة، فطبيعى أن يقبل عليها الناس إقبالا شديدا لما تجمع لهم فى كل فن وكل علم من مادته الغزيرة المنظمة المرتبة، بل لقد أصبحت الأداة الطيعة التى تسوق لهم المعرفة وألوان الثقافة سوقا وهم يكبّون على هذه الأداة أو هذه الوسيلة السهلة منفقين عليها كل ما يستطيعون من أموال مؤمنين بأن «من لم تكن نفقته التى تخرج فى الكتب ألذّ عنده من إنفاق عشاق القيان والمستهترين بالبنيان لم يبلغ فى العلم مبلغا رضيّا، وليس ينتفع بإنفاقه حتى يؤثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابى فرسه باللبن على عياله» (٢).
وأنشأ بعض الورّاقين لهم دكاكين كبيرة ملئوها بالكتب يتجرون فيها، وكان بعض الشباب يغدو إلى هذه الدكاكين لا ليشترى منها فحسب، بل ليقرأ فيها ما لذّ وطاب من صنوف الآداب نظير أجر بسيط يتقاضاه منه صاحبها. وبلغ من عناية الوراقين بعملهم أن موّه بعضهم خطوطه بالذهب، ويذكر الجاحظ أن الزنادقة كانوا يتأنقون فى كتبهم تأنقا شديدا (٣) وكان بعض السراة يطلب هذه الأناقة المسرفة حتى فى كتب الهزل والفكاهة (٤).
ولم تكن الكتب والمساجد كل ما هيأ لازدهار الحركة العلمية حينئذ، فقد هيأ لها أيضا مجالس الخلفاء والوزراء والأمراء والسّراة، إذ تحولوا بها إلى ما يشبه ندوات علمية يتناظر فيها العلماء من كل صنف، على نحو ما يروى من مناظرة
стр. 1007
الكسائى الكوفى واليزيدى البصرى بين يدى المهدى (١) وما يروى من مناظرة الكسائى وسيبويه بين يدى الرشيد أو بين يدى يحيى بن خالد البرمكى (٢). وكانت مجالس البرامكة ندوات كبيرة للمتكلمين والمتفلسفين من كل نحلة يتجادلون فيها ويتحاورون فى كل ما يعرض لهم من مسائل، وفى ذلك يقول المسعودى: «كان يحيى بن خالد البرمكى ذا بحث ونظر، وله مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل النحل، فقال لهم يحيى وقد اجتمعوا عنده: قد أكثرتم الكلام فى الكمون والظهور والقدم والحدوث والإثبات والنفى والحركة والسكون والمماسّة والمباينة والوجود والعدم والجوهر والطفرة والأجسام والأعراض والتعديل والتجوير والكمية والكيف والمضاف والإمامة أنصّ هى أم اختيار وسائر ما توردونه من الكلام فى الأصول والفروع فقولوا الآن فى العشق على غير منازعة، وليورد كل منكم ما سنح له فيه وخطر بباله» (٣) ويورد المسعودى أطرافا من كلامهم وحوارهم فى العشق تصور كيف كانوا يفرّعون الأفكار ويستنبطونها ويشعبونها فى الموضوعات المختلفة التى كانت تمس مسائل الفلسفة وعلم الكلام ومذاهب الشيعة والسنة فى الإمامة
وكان مجلس المأمون ساحة واسعة للجدال والمناظرة، وكان مثقفا ثقافة واسعة عميقة بالعلوم الدينية واللغوية وبالفلسفة وعلوم الأوائل، فمضى يحول مجالسه فى دار الخلافة ببغداد إلى ندوات علمية تتناول كل فروع المعرفة وفى ذلك يقول يحيى بن أكثم: «أمرنى المأمون أن أجمع له وجوه الفقهاء وأهل العلم من بغداد، فاخترت له من أعلامهم أربعين رجلا وأحضرتهم وجلس لهم المأمون فسأل عن مسائل وأفاض فى فنون الحديث والعلم (٤)» ويمضى ابن أكثم فيقول: إنه لما انتهى ذلك المجلس طلب إلى المأمون أن أنوّع مجالسه بحيث تكون لكل طائفة من العلماء مجلس.
ويعرض طيفور فى كتابه بغداد كثيرا من هذه المجالس وما طرح فيها من موضوعات مختلفة للجدل والمناظرة. ويصور المسعودى ما عاد على الحركة العلمية من هذه الندوات التى غدت كأنها مجمع علمى كبير، فيقول: «قرّب المأمون إليه كثيرا
стр. 1008
من الجدليين والنظّارين كأبى الهذيل العلاّف وأبى إسحق إبراهيم بن سيار النظام وغيرهما ممن وافقهما وخالفهما (يريد من المعتزلة وغيرهم) وألزم مجالسة الفقهاء وأهل المعرفة من الأدباء وأقدمهم من الأمصار وأجرى عليهم الأرزاق (الرواتب) فرغب الناس فى صنعة النظر وتعلموا البحث والجدل، ووضع كل فريق منهم كتبا ينصر فيها مذهبه ويؤيد بها قوله» (١).
وقد كفلت الحرية العقلية فى هذا المجلس أو هذا المجمع إلى أبعد غاية ممكنة، بحيث كان كل رأى يعرض للمناقشة العقلية الخالصة حتى آراء الزنادقة (٢).
ومما لا شك فيه أن المجتمع كان يرتبط حينئذ بالإسلام ارتباطا وثيقا فى جميع شئونه الروحية والاجتماعية، ولكن كأنما أصبح سلطان العقل فوق سلطان الدين، وكل ذلك باعثه الحقيقى رقى الحياة العقلية فى هذا العصر، فإذا كل شئ يناقش فى حرية، وإذا كل شئ يعرض على بساط البحث والجدل.
وكان وراء هذا المجلس الكبير ومجلس يحيى بن خالد البرمكى مجالس صغرى ما يزال يجتمع فيها العلماء ويتجادلون ويتناظرون، من ذلك مجلس أيوب بن جعفر ابن أبى جعفر المنصور، وقد اجتمع فيه يوما النظام وأبو شمر المتكلم، وكانت فى أبى شمر رزانة تجعله لا يحرك يديه ولا منكبيه إذا جادل أو ناظر، فاضطره النظام بما أورد عليه من الحجج وأثقل عليه من البراهين فى مسألة ناظره فيها أن يحرك يديه وأن يحبو إليه حبوا يريد أن يسكته بيده بعد أن أعجزه أن يسكته بالأدلة العقلية (٣)، ومن ذلك مجلس أزدى بالبصرة وفيه يقول صاحب الأغانى: «كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وبشار الأعمى وصالح بن عبد القدوس وعبد الكريم بن أبى العوجاء ورجل من الأزد، فكانوا يجتمعون فى مجلس الأزدى ويختصمون عنده» (٤) ويتحدث صاحب النجوم الزاهرة عن مجلس آخر فى نفس البلدة، فيقول: «كان يجتمع بالبصرة عشرة فى مجلس لا يعرف مثلهم: الخليل بن أحمد صاحب العروض سنّى، والسيد ابن محمد الحميرى الشاعر رافضى وصالح بن عبد القدوس ثنوى، وسفيان بن
стр. 1009
مجاشع صفرى، وبشار بن برد خليع ماجن، وحماد عجرد زنديق، وابن رأس الجالوت الشاعر يهودى، وابن نظير النصرانى متكلم، وعمرو بن أخت الموبذ مجوسى، وابن سنان الحرّانى الشاعر صابئى، فتتناشد الجماعة أشعارا وأخبارا» (١).
وواضح من هذين النصين كيف كان يلتقى أصحاب الملل والنحل والأهواء المختلفة فى المجالس، وكيف كانوا يثيرون كثيرا من المسائل التى تتصل بأهوائهم ونحلهم ومللهم ويتحاورون فيها حوارا طويلا. وكانت هناك مجالس أخرى للمتفلسفة والمتكلمين، ويقال إن مجلس يوحنا بن ماسويه «كان أعمر مجلس بمدينة بغداد لمتطبب أو متكلم أو متفلسف إذ كان يجتمع فيه كل صنف من أصناف أهل الأدب» وكان تلاميذ، يقرءون عليه فى هذا المجلس كتب المنطق لأرسططاليس وكتب جالينوس فى الطب (٢). وعلى شاكلة مجلسه مجلس حنين (٣) ابن إسحق، ويقال إن المأمون رسم له على كل كتاب ينقله إلى العربية أن يأخذ وزنه ذهبا. وكانت لابن أبى دؤاد المعتزلى مستشار المأمون والمعتصم والواثق ندوة كبيرة يحضرها من كبار المترجمين والأطباء سلمويه وابن ماسويه وبختيشوع بن جبريل (٤).
ويخيل إلى الإنسان كأنما كانت أزواد المعرفة والثقافة ملقاة فى كل مكان بأمصار العراق وهى حقّا كانت مطروحة فى الطرقات معرضة لكل الأيدى، فأبواب المساجد مفتوحة على مصاريعها لكل الواردين ومثلها دكاكين الوراقين، ولا مصاريف تطلب للتعليم، والتعليم مجانا من حق الجميع. وكان لذلك آثار بعيدة، فإن جمهور العلماء والشعراء لهذا العصر كانوا من أبناء العامة، ويكفى أن نعزف أن أعلام الشعر حينئذ وهم بشار بن برد وأبو نواس وأبو العتاهية ومسلم بن الوليد وأبو تمام كانوا جميعا من الطبقة الدنيا فى الشعب فبشار كان أبوه طيّانا يضرب اللبن، وأبو نواس كانت أمه غازلة للصوف ومن هذا الغزل كانت تعوله، وأبو العتاهية كان فى صغره يحمل الخزف والجرار على ظهره فى شوارع الكوفة يبيعها للناس، وكان أبو مسلم حائكا، أما أبو تمام فكان أبوه عطارا أو خمارا، ومن
стр. 1010
وراءهم من الشعراء كان جمهورهم من أبناء العامة، وكذلك كان العلماء فى جميع فروع العلم، بل كان منهم من يجمع بين علمه وحرفته التى نشأ فيها مثل أبى أحمد التّمّار وشعيب القلاّل الذى كان يصنع فعلا القلال، وهما من المتكلمين.
وأبعد من ذلك وأعمق أن بين أيدينا من النصوص ما يدل على أن أكثر العامة كانوا يصيبون حظوظا مختلفة من الثقافة، إذ لم يكن بينهم وبينها أى حجاب ولا أى حاجز، بل لقد كانوا يروحون ويغدون عليها فى المساجد ودكاكين الوراقين، فنهل كلّ ما نزع إليه من ينابيع المعرفة، ومن خير ما يصوّر ذلك أن نرى الجاحظ يقول: «وسألت بعض العطارين من أصحابنا المعتزلة (١)» وكأن العطارين كانوا أقساما منهم من يتبع المعتزلة ومنهم من يتبع غيرهم ولا بد أن كان مثلهم بقية التجار وأصحاب الحرف، فهم يناصرون هذا المذهب أو ذاك، وهم يناصرون هذا الأستاذ أو ذاك ولكل أستاذ أتباعه لا من أوساط المثقفين فحسب، بل من العامة أيضا، وبذلك نفهم قول صاحب النجوم الزاهرة عن النظام ونشاطه فى الدعوة لآرائه الاعتزالية ببغداد إذ يقول: «وفى سنة ٢٢٠ ظهر إبراهيم النظام وقرر مذهب الفلاسفة وتكلم فى القدر، فتبعه خلق (٢)». ونرى الجاحظ فى رسالته «الرد على النصارى» ينكر على العامة تعرضهم لمناقشة الملحدين فى آرائهم الفاسدة لعدم إحاطتهم الدقيقة بتلك الآراء وما ينقضها نقضا من الأدلة، يقول: «ومن البلاء أن كل إنسان من المسلمين يرى أنه متكلم وأنه ليس أحد أحق بمحاجة الملحدين من أحد». ويهمنا ما تدل عليه شكواه من أن كل مسلم لعصره أصاب حظّا من طريقة المتكلمين فى حجاج أصحاب الملل والنحل الفاسدة، وبالمثل كانت العامة تصيب حظوظا من الثقافة الدينية واللغوية والشعرية.
وليس من شك فى أن ذلك كان ثمرة ازدهار الحركة العلمية فى العصر، فقد تغلغلت المعرفة والثقافة فى جميع الأوساط حتى فى أوساط العامة، وأصبحتا غذاء لجميع العقول والقلوب، وبرزت صفوة من العلماء والأدباء كان جمهورها من أبناء هؤلاء العامة قادت الحركتين العلمية والأدبية قيادة خصبة باهرة، إذ استطاعت أن تسيغ كل ما نقل إلى العربية من ثقافات متباينة وأن تضيف إليها من عقولها
стр. 1011
وقلوبها ما دعم حضارتنا العربية دعما، بما أحدثوا من علوم وبما كتبوا من آثار عقلية رائعة وآيات شعرية خالدة.
٣ - علوم الأوائل: نقل ومشاركة
كان من أهم الأسباب التى دفعت إلى ازدهار الحركتين العلمية والأدبية لهذا العصر الاتصال الخصب المثمر بين الثقافة العربية الخالصة وبين ثقافات الأمم المغلوبة المستعربة وما طوى فيها من معارف وعلوم. وكان هذا الاتصال يأخذ منذ عصر بنى أمية طريقين: طريق المشافهة مع المستعربين وطريق النقل والترجمة وقد ظل الطريق الثانى ضيقا زمن الأمويين، إذ لا يعدو ما يذكر من أنه ترجمت لخالد بن يزيد بن معاوية بعض كتب فى الصنعة والطب والنجوم (١) وأن عمر بن عبد العزيز أمر بترجمة كتيب فى الطب لأهرن (٢) بن أعين وأن كتابا فى تاريخ الساسانيين ونظمهم السياسية ترجم لهشام (٣) بن عبد الملك. وقد مضت بيئات المستعربين العلمية تمارس نشاطها حينئذ، وكانت تمثلها الأديرة وما بها من حلقات علمية من المدارس متناثرة فى جنديسابور القريبة من البصرة وفى نصيبين وحرّان والرّها وأنطاكية والإسكندرية، وكانت تغلب عليها جميعا الثقافة اليونانية، كما كان يغلب عليها علماء السريان المسيحيين، وكانوا قد نشطوا منذ القرن الرابع الميلادى فى ترجمة الآثار اليونانية، واستمر نشاطهم فى هذه الترجمة محتدما حتى القرن التاسع، ومن أشهر مترجميهم قبل الإسلام يوحنا فيلوبونوس الإسكندرى المعروف باسم يحيى النحوى وكان يعيش فى القرن السادس الميلادى ونقل عن اليونانية كتبا كثيرة فى المنطق والطبّ والطبيعيات (٤). ومن أبرزهم فى العصر الأموى سويرس سيبوخت
стр. 1012
أسقف دير قنسرين ويعقوب الرهاوى، وله مصنف مهم فى النحو السريانى.
وكان لمن خلفوهم فى العصر العباسى اليد الطولى فى ترجمة المصنفات اليونانية من لغتها الأصلية التى كان كثير منهم يحذقها ومن لغتهم السريانية إلى اللغة العربية. وكان من أهم مراكزهم مدرسة جنديسابور القريبة من البصرة، ولعلها لذلك سبقت الكوفة فى التعرف على الفلسفة اليونانية. وكان كثير من مصنفات اليونانيين قد ترجم إلى الفارسية، فأدلى الفرس بدلوهم لا فى نقل ثقافتهم فحسب، بل أيضا فى نقل بعض الآثار اليونانية على نحو ما هو معروف من نقل ابن المقفع لمنطق أرسطو، وقد نقل كليلة ودمنة الهندى الأصل إلى العربية، وفى ذلك إشارة إلى ما كان فى الفارسية من ثقافة هندية أخذت تدخل إلى العربية بواسطة نقلتهم (١) وسنرى عما قليل أن قوما من مستعربى الهند شاركوا فى هذا النقل.
ونرى الخلفاء العباسيين منذ فاتحة العصر يعنون بهذا النقل عناية شديدة وينفقون عليه الأموال الطائلة وكأنهم لا يريدون به أن يقف عند حد أو عند غاية، يتقدمهم فى ذلك المنصور وفيه يقول المسعودى: «كان أول خليفة قرّب المنجمين وعمل بأحكام النجوم وكان معه نوبخت المجوسى وأسلم على يديه-وهو أبو هؤلاء النوبختية-وإبراهيم الفزارى المنجم وعلى بن عيسى الإسطرلابى المنجم. وهو أول خليفة ترجمت له الكتب من اللغات العجمية إلى العربية ومنها كتاب كليلة ودمنة وكتاب السند هند، وترجمت له كتب أرسططاليس من المنطقيات وغيرها، وترجم له كتاب المجسطى لبطليموس وكتاب الأرثماطيقى وكتاب أوقليدس (٢)».
واهتمام المنصور بالتنجيم يقترن بنوبخت الفارسى ويظهر أنه كان منجما كبيرا، إذ ينسب له وضع بعض الجداول (٣) الفلكية، وكذلك كان صاحباه ولثانيهما وهو على بن عيسى رسالة فى الاسطرلاب-وهو آلة فلكية لرصد الكواكب- وقد نشرها لويس شيخو. ولم يكتف المنصور بما كان عند الفرس من علم الفلك والتنجيم، فقد نقل له كتاب السند هند الهندى وكتاب المجسطى اليونانى لبطليموس وهما فى علم الهيئة والنجوم وحركات الأفلاك والكواكب. ومعنى ذلك أن العرب
стр. 1013
استمدوا فى هذا العلم من الفرس والهند واليونان ولا بد أنهم استمدوا فيه أيضا من الصابئة ورثة الكلدانيين فى الفلك والتنجيم.
وصوّر نالينو أثر كتاب السند هند فى علم الفلك العربى وكيف وصل إلى العرب ونقل إلى العربية فقال: «إن وفدا من الهند وفد على أبى جعفر المنصور سنة؟ ؟ ؟ حركات الكواكب وحسابها وسائر أعمال الفلك على مذهب علماء أمته وخصوصا على مذهب كتاب باللغة السنسكريتية اسمه (براهمسبهطسد هانت) ألفه سنة ٦٢٨ م أو ٦، ٧ هـ الفلكى الرياضى (برهمكبت) فكلف المنصور ذلك الهندى بإملاء مختصر الكتاب، ثم أمر بترجمته إلى اللغة العربية وباستخراج كتاب منه تتخذه العرب أصلا فى حساب حركات الكواكب وما يتعلق به من الأعمال. وتولى ذلك الفزارى وعمل منه زيجا (١) اشتهر بين علماء العرب حتى إنهم لم يعملوا إلا به إلى أيام المأمون حيث ابتدأ مذهب بطليموس فى الحساب والجداول الفلكية. . واقتصر العرب على الجزء الأخير من اسم الكتاب السابق وهو (سد هانت) ثم حرّفوه قليلا وسمّوه السند هند (٢)».
ويذكر نالينو ممن أخذوا عن هذا العالم الهندى يعقوب بن طارق وكان رياضيّا ممتازا وله مؤلفات قيمة فى الفلك (٣).
ويذكر المسعودى أنه ترجم للمنصور بجانب المجسطى كتب أرسططاليس من المنطقيات وغيرها وكتاب الأرثماطيقى فى الحساب وكتاب أقليدس وهو فى علم الأشكال الهندسية أمّهاتها ومركباتها، وجميع تلك الكتب يونانية. ولم يذكر المسعودى عناية المنصور بنقل الكتب الطبية إلى العربية، ومعروف أنه استدعى فى سنة ١٤٨ للهجرة جورجيس بن جبريل بن بختيشوع كبير الأطباء فى بيمارستان جنديسابور ورئيس مدرسته ليكون بجانبه وقد نقل كتبا كثيرة من اليونانية إلى العربية (٤) وأغلب الظن أنها كانت فى جمهورها كتبا طبية. وكان جورجيس من السريان النساطرة، وتعاقبت من بعده أجيال من أبنائه وأحفاده تخدم الطب
стр. 1014
والترجمة. وممن لمع اسمهم لعهد المنصور فى ترجمة كتب الطب اليونانى أبو يحيى البطريق المتوفى سنة ١٨٠ إذ عنى بنقل طائفة من كتب أبقراط وجالينوس (١).
وتنشط الترجمة فى عصر الرشيد ووزرائه البرامكة نشاطا واسعا، وكان مما أذكى جذوتها حينئذ إنشاء دار الحكمة أو خزانة الحكمة وتوظيف طائفة كبيرة من المترجمين بها وجلب الكتب إليها من بلاد الروم، وكان يقوم على هذا العمل الضخم يوحنا بن ماسويه وكان طبيبا نسطوريّا من مدرسة جنديسابور، وفيه يقول ابن جلجل: «قلده الرشيد ترجمة الكتب القديمة الطبية، مما وجد بأنقرة وعمورية وببلاد الروم حين سباها المسلمون، ووضعه أمينا على الترجمة، ووضع له كتابا حذّاقا يكتبون بين يديه (٢)». وقد عاش ابن ماسويه طويلا إذ توفى سنة ٢٤٣ وله مؤلفات كثيرة فى الطب وتركيب الأدوية. وأسهم فى الترجمة حينئذ جبريل بن بختيشوع كبير أطباء الرشيد إذ تضاف إليه كتب مختلفة فى الطب وكتاب المدخل إلى صناعة المنطق.
وللبرامكة فضل عظيم فى إذكاء الترجمة حينئذ، فقد شجعوا بكل ما استطاعوا على نقل الذخائر النفيسة إلى العربية من الرومية واليونانية والفارسية والهندية، من ذلك طلب يحيى بن خالد البرمكى إلى بطريرك الإسكندرية أن يترجم فى الزراعة كتابا عن الرومية، وقد ترجمه برسمه (٣)، وكان مما عنوا به إعادة ترجمة بعض الكتب اليونانية التى ترجمت قبل عصرهم، بحيث تكون أكثر دقة وإتقانا، على نحو ما صنع يحيى بن خالد بكتاب المجسطى لبطليموس، فقد ندب له أبا حسان وسلما صاحب بيت الحكمة، فأتقناه واجتهدا فى تصحيحه بعد أن أحضرا النقلة المجودين، فاختبرا نقلهم وأخذا بأفصحه وأصحّه (٤). وقد عنوا عناية واسعة بترجمة التراث الفارسى ونرى جيلا كبيرا ينهض فى عصرهم والعصر الذى تلاهم بهذه الترجمة نذكر من بينهم آل نوبخت وعلى رأسهم الفضل بن نوبخت الذى أكثر من ترجمة كتب الفلك (٥)، وآل سهل وعلى رأسهم الفضل وكان يترجم للمأمون فى حداثته بعض الكتب
стр. 1015
الفارسية ويعجب بترجمته (١). ومن أبرز المترجمين للتراث الفارسى حينئذ محمد بن جهم البرمكى وزادويه بن شاهويه وبهرام بن مردانشاه وموسى بن عيسى الكسروى وعمر بن الفرّخان وسلم صاحب خزانة الحكمة وسهل بن هرون أحد خزنتها المشهورين (٢). ومن أنفس ما نقلوه أمثال بزرجمهر وعهد (٣) أردشير بن بابك إلى ابنه سابور وكتاب جاويدان (٤) خرد فى صنوف الآداب ومكارم الأخلاق وكتاب هزار أفسانه وهو أصل من أصول ألف ليلة وليلة. وقد نقل أبان بن عبد الحميد كتاب كليلة ودمنة إلى الشعر وأهداه إلى جعفر بن يحيى البرمكى، ويقال إنه نظمه فى أربعة عشر ألف بيت (٥)، وأيضا فإنه نقل إلى الشعر العربى سيرة أردشير وسيرة أنوشروان (٦). وعلى نحو ما دفع البرامكة إلى ترجمة التراث الفارسى واليونانى دفعوا أيضا إلى الانتفاع بالتراث الهندى وترجمته، يقول الجاحظ:
«اجتلب يحيى بن خالد البرمكى أطباء الهند مثل منكه وبازيرك وقلبرقل وسندباذ وفلان وفلان» وقد عملوا فى البيمارستان الكبير ببغداد وسرعان ما استعربوا وشاركوا هم وغيرهم من مستعربة الهند فى نقل بعض الكنوز الهندية وخاصة فى الطب والعقاقير (٧) وشمل نقلهم صحيفة طويلة فى قواعد البلاغة سجلها الجاحظ فى بيانه (٨)، كما شمل قصة السندباد وكتبا كثيرة فى الخرافات والأسمار مما تولع به العامة (٩).
وتبلغ هذه الموجة الحادة للترجمة أبعد غاياتها فى عهد المأمون، إذ تحول بخزانة الحكمة إلى ما يشبه معهدا علميّا كبيرا وقد ألحق بها مرصده المشهور وجدّ فى الترجمة، يقول ابن النديم: «لما استظهر (غلب) المأمون على ملك الروم كتب إليه يسأله الإذن فى إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدّخرة ببلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج ابن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا
стр. 1016
ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله، فنقل، وقد قيل إن يوحنا بن ماسويه ممن نفذ إلى بلد الروم (١)» ويقول ابن نباته فى ترجمته لسهل بن هرون: «جعله المأمون كاتبا على خزائن الحكمة وهى كتب الفلاسفة التى نقلت للمأمون من جزيرة قبرص، وذلك أن المأمون لما هادن صاحب هذه الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم فى بيت لا يظهر عليه أحد، فأرسلها إليه، واغتبط بها المأمون، وجعل سهل بن هرون خازنا لها (٢)».
ونحن نقف قليلا عند هؤلاء المترجمين بتلك المؤسسة الكبيرة، وأولهم الحجاج ابن مطر وقد اشتهر بتحريره لكتاب الأصول فى الهندسة لأوقليدس (٣) وكتاب المجسطى لبطليموس (٤). وأما يحيى بن البطريق فكان يجيد اللاتينية واليونانية جميعا وقد ترجم لأفلاطون قصة طيماوس وترجم لأرسططاليس مختصرا فى النفس وكتبه فى الآثار العلوية وفى الحيوان وفى العالم (٥) وكتاب أرسطو إلى الإسكندر المعروف باسم سر الأسرار، وهو مما نحل على أرسطو ويشتمل على مزيج من القصص وبعض القواعد فى السياسة وفى الصحة والتغذية، وترجم أيضا كتاب الترياق لجالينوس (٦).
وقد مضى التعريف بيوحنا بن ماسويه، أما سلم وسهل بن هرون فلم يكونا ممن ينقلون عن اليونانية، إنما كانا ممن يراجعان النقل عنها وينقّحان فيه، وهما من أنبه المترجمين عن الفارسية كما أسلفنا. وممن أخذ اسمه يلمع منذ عهد المأمون فى الترجمة حنين بن إسحق، وكان دقيقا فى ترجمته حتى قالوا إن المأمون رسم له أن يأخذ وزن ما يترجمه ذهبا وقد عاش إلى سنة ٢٦٤ ومكانه لذلك كتاب العصر العباسى الثانى.
ومن كبار المترجمين سوى من سميناهم عبد المسيح بن عبد الله بن ناعمة الحمصى المتوفى حول سنة ٢٢٠ للهجرة وقد اشتهر بترجمته لكتاب الأغاليط لأرسططاليس وشرح يحيى النحوى (يوحنا فيلوبونوس) على كتاب السماع الطبيعى له أيضا،
стр. 1017
وترجم كتابا نسب إليه خطأ وهو كتاب الربوبية أو أوثولوجيا أرسطو، وهو تلخيص مقتبس من تاسوعات أفلاطون الإسكندرى المتوفى سنة ٢٧٠ للميلاد ومن أجل ذلك يفيض الكتاب بنزعة أفلاطونية محدثة قوية (١).
وقد جعل المأمون الإشراف على مرصده الكبير ليحيى بن أبى منصور وألحق به طائفة من نابهى الفلكيين (٢) مثل على بن عيسى الإسطرلابى ومحمد بن موسى الخوارزمى والعباس بن سعيد الجوهرى. ولم يلبث هذا المرصد أن تحول إلى مدرسة رياضية فلكية كبيرة تخرج فيها غير فلكى مثل بنى موسى بن شاكر. وقد أفادت هذه المدرسة من الأبحاث الفلكية الرياضية والجغرافية التى سبقها إليها الهنود والفرس واليونان، وأضافت إلى ذلك إضافات جديدة باهرة، إذ وضعت لحركات الأفلاك زيجات وجداول أكثر دقة مما كان لدى الأقدمين وأدخلت تحسينات على خريطة بطليموس، واستطاعت أن تقيس درجتين من درجات محيط الأرض على أساس كرويتها، إلى مباحث فلكية وجغرافية ورياضية كثيرة (٣).
ومحمد بن موسى الخوارزمى هو أكبر العلماء الرياضيين والفلكيين الذين قاموا على أبحاث هذا المرصد، وهو يعدّ بحق منشئ عصر جديد فى التاريخ العالمى للرياضيات إذ اكتشف علم الجبر وقواعده وأعطاه اسمه للذى شاع من بعده فى العالم كله، وقد أضاف إليه أبحاثا مبتكرة فى أرقام الحساب الهندية وفى حساب المثلثات وفى الجغرافية وفى الأزياج أو الجداول الفلكية، يقول ألدومييلى: «وله فى هذا المجال أعظم تأثير، أولا فى الشعوب الإسلامية ثم بعد ذلك فى الشعوب الغربية المسيحية، وحسابه المفقود نصه العربى مع وجود ترجمة لاتينية له من القرن الثانى عشر الميلادى كان له أعظم الفضل فى تعريف العرب واللاتين من بعدهم بنظام العدد الهندى، وكتابه المشهور المختصر فى حساب الجبر والمقابلة لم يؤدّ فقط إلى وضع لفظ علم الجبر وإعطائه مدلوله الحالى، بل إنه افتتح عصرا جديدا فى الرياضيات. . وألف أيضا كتبا فى الهندسة، ووضع جداول خاصة بحساب
стр. 1018
المثلثات والسطوح الفلكية (١)».
وقد نشر على مصطفى مشرفه ومحمد موسى أحمد كتابه «الجبر والمقابله» وهو يذكر فى مقدمته تشجيع المأمون له منوّها به. ويظهر أنه نجح فى صنع الجداول الفلكية نجاحا رائعا، ويقول نالينو إنه «اصطنع زيجا سماه السند هند الصغير جمع فيه بين مذاهب الهند والفرس، وجعل أساسه على السند هند، وخالفه فى التعاديل والميل، فجعل تعاديله على مذاهب الفرس وجعل ميل الشمس فيه على مذهب بطليموس (٢)».
والخوارزمى-بدون ريب-يفتتح افتتاحا رائعا سلسلة الرياضيين والفلكيين والجغرافيين من علماء العرب العظام. وقد نبغ فى هذا العصر كثيرون فى الطب وعلم العقاقير على نحو ما تشهد بذلك كتب طبقات الأطباء وما تزخر به من سيول الرسائل والكتب فى الأمراض وطرق علاجها والعقاقير وتركيبها. وقد استطاع يوحنا ابن ماسويه-بما كان يعكف عليه من تشريح القردة (٣) -أن يضيف بعض النتائج الجديدة إلى ما خلّفه جالينوس فى علم التشريح، وله فى طب العيون رسالة مهمة سماها «دغل العين» وقد دوّت شهرتها فى عصره وبعد عصره وترجمت إلى اللاتينية (٤).
وقد مضى العرب يعنون-منذ خالد بن يزيد بن معاوية-بعلم الصنعة (الكيمياء) وظلوا يزدادون فيه علما حتى ظهر لهذا العصر جابر بن حيان، وهو ابن صيدلى كوفى، فأرسى هذا العلم على دعائم التجربة وخلّف فيه كثيرا من النظريات فى الإكسير وخواصّه، وصوّر ذلك فى أكثر من مائة رسالة، ترجمت منها طائفة كبيرة إلى اللاتينية وأفاد منها الأوربيون فوائد جلّى مما كان له أكبر الأثر فى نهضة الأبحاث الكيميائية بديارهم. وقد تشكك فى شخصية جابر ومصنفاته بعض الباحثين المحدثين (٥)، وهو شك بدأه بعض القدماء حتى لنرى ابن النديم يرد عليهم ردّا طويلا (٦)، وهو-دون نزاع-المؤسس الأول لعلم الكيمياء عند
стр. 1019
العرب، كما أن الخوارزمى المؤسس الأول للعلوم الرياضية والجغرافية، وكما أن يوحنا بن ماسويه المؤسس الأول للأبحاث الطبية العربية.
وكان مما عنوا بنقله إلى العربية كتب الموسيقى لأوقليدس وغيره (١)، وكان لها تأثير بعيد فى نهضة الغناء والتلحين وقد استطاع الخليل بن أحمد أن ينفذ مما ترجم منها إلى وضع علم العروض العربى، وأيضا فإنه ألف كتابا بديعا فى علم الإيقاع اتخذه إسحق الموصلى قدوته فى كتبه الموسيقية (٢).
وكل هذه السينول من الترجمة كانت تجرى معها سيول أخرى من تراث اليونان والفرس والهند، حتى ليكاد الإنسان يظن أنه لم يبق شئ من هذا التراث لم ينقل إلى العربية، سواء منه ما اتصل بالعلوم أو ما اتصل بالصناعات أو ما اتصل بالعجائب والأسمار والخرافات، أو ما اتصل بالملل والنحل. وكانت كل هذه السيول تتجمع فى دكاكين الوراقين، ويطلب كلّ منها ما يجد فيه متاعه.
وكانت الفلسفة اليونانية والمعارف العلمية أعظم ما حملت هذه السيول، وقد مضى العقل العربى يسيغهما ويتمثلهما ويضيف إليهما إضافات باهرة، والمتكلمون -وعلى رأسهم المعتزلة-هم أهم من تعمقوا الفلسفة بجميع شعبها ودقائقها، وقد عرضوها على بساط البحث، واستطاعوا أن ينفذوا إلى كثير من النظريات والأفكار والآراء التى لم يسبقهم إليها سابق.
وعلى هذا النحو أصبح العقل العربى فى العصر العباسى الأول عقلا متفلسفا كما أصبح عقلا علميّا، لا من حيث فهمه وفقهه بعلوم الأوائل بل أيضا من حيث إسهامه فيها وإضافاته الجديدة حتى ليضيف علوما لأول مرة فى تاريخ الحضارة الإنسانية على نحو ما أضاف الخوارزمى علم الجبر. وكان هذا العقل قد أظهر نضجه العلمى وإحكامه لوضع العلوم منذ القرن الثانى، مما نراه متجليا فى العلوم اللغوية والدينية ومباحث التاريخ وعلم الكلام.
стр. 1020
٤ - العلوم اللغوية والتاريخ
عنى-منذ أواخر عصر بنى أمية-جمهور كبير من العلماء فى البصرة والكوفة بجمع ألفاظ اللغة وأشعار العرب فى الجاهلية والإسلام، وكان من أهم الأسباب فى هذه العناية حاجة الشعوب الأجنبية التى دخلت فى الإسلام إلى تعلم لغة القرآن الكريم، ثم ما كان من شيوع اللحن على ألسنة الموالى المستعربين، وعلى ألسنة بعض العرب أنفسهم بسبب اختلاطهم بالعناصر الأجنبية وما حدث من ضعف سلائقهم بسبب تحضرهم، وكان كثيرون منهم قد نشأوا فى حجور أمهاتهم من الإماء فضعفت عندهم الملكة اللغوية وأخذ اللحن يفشو فى كلامهم. وكانت هناك لهجات كثيرة تتفاوت قربا وبعدا من الفصحى وتدور على ألسنة العرب الذين نزلوا واستوطنوا البلدتين الكبيرتين.
ولكل هذه الأسباب انبرى علماء البصرة والكوفة يجمعون ألفاظ اللغة وأشعارها حتى لا تفنى العربية فى لغات الشعوب المستعربة، وحتى تسلم لها مقوماتها الأصلية، وحتى تنفى عنها وتطرح شوائب اللهجات القبلية. وقد اشترطوا على أنفسهم أن لا يأخذوا اللغة من عربى حضرى وأن يرحلوا فى طلبها إلى باطن الجزيرة حيث ينابيعها الصافية. وكانوا يقصدون بذلك إلى غايتين، أولاهما أن يقوّموا ألسنتهم ويكتسبوا السليقة اللغوية السليمة، وثانيتهما أن يلتقطوا من الأفواه مباشرة مادتهم اللغوية الصحيحة التى يعرضونها على الناشئة وفى حلقات المساجد، ويصوّر أبو نصر الفارابى صنيعهم فى هذا الجانب فيقول: «والذين عنهم نقلت العربية وبهم اقتدى وعنهم أخذ اللسان العربى من بين قبائل العرب هم قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتّكل فى الغريب وفى الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضرى قط ولا عن سكّان البرارى ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم