← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

قل لزهير إذا حدا رشدا ... أقلل أو أكثر فأنت مهذار سخنت من شدة البرودة ح ... تّى صرت عندى كأنك النار لا يعجب السامعون من صفتى ... كذلك الثّلج بارد حار ويعلق بقوله: «هذا الشعر يدلّ على نظر أبى نواس فى علم الطبائع، لأن الهند تزعم أن الشئ إذا أفرط فى البرد عاد حارّا مؤذيا، ووجدت فى بعض كتبهم: لا ينبغى للعاقل أن يغترّ باحتمال السلطان وإمساكه، فإنه إما شرس الطبع بمنزلة الحية إن وطئت فلم تلسع لم يغتر بها فيعاد لوطئها، أو سمح الطبع بمنزلة الصّندل الأبيض البارد إن أفرط فى حكّه عاد حارّا مؤذيا (١)». وأكبر الظن أن ابن قتيبة يريد ببعض كتبهم كتاب كليلة ودمنة الذى ترجمه الفرس عن الهندية، ثم نقله ابن المقفع إلى العربية، على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وخلفه أبان بن عبد الحميد فنظمه شعرا بكل ما فيه من قصص وحكم. وكان أثره عميقا فيما صاغه العباسيون من حكم وأمثال، ونرى ابن عبد ربه فى العقد الفريد يتمثل بحكمة منه هى: «إن الحازم يكره القتال ما وجد بدّا منه، لأن النفقة فيه من النفس والنفقة فى غيره من المال» ولاحظ أن أبا تمام نقل هذا المعنى إلى شعره فقال (٢): كم بين قوم إنما نفقاتهم ... مال وقوم ينفقون نفوسا وكان تأثير الثقافة الفارسية فى الشعر والشعراء أشد وأقوى من تأثير الثقافة الهندية، إذ كان كثير من الشعراء يتقنون اللغة الفهلوية، لا من يرجعون إلى أصول فارسية فحسب مثل أبى نواس، بل أيضا بعض من يرجعون إلى أصول عربية مثل العتّابى، وكان يعكف على قراءة كتبها، ورآه شخص يوما ينسخ بعض صحفها، فسأله متعجبا: لم تكتب كتب العجم؟ فأجابه منكرا سؤاله: وهل المعانى والبلاغة إلا فى كتب العجم؟ اللغة لنا والمعانى لهم (٣). وقد مضى الشعراء منذ ظهور كتابى الأدب الكبير والأدب الصغير لابن المقفع يتأثرون بما نقله فيهما من تجارب الفرس

стр. 1052

وحكمهم ووصاياهم فى الصداقة والمشورة وآداب السلوك والسياسة، ومن يرجع إلى بشار يجده يفرد للمشورة قطعة طويلة فى إحدى مدائحه، يقول فيها (١): إذا بلغ الرّأى المشورة فاستعن ... برأى نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشّورى عليك غضاضة ... مكان الخوافى نافع للقوادم (٢) وقد نقلت أمثال بزرجمهر الوزير الفارسى إلى العربية ودارت فى كتب الأدب، وتمثل الشعراء كثيرا من معانيها البديعة، من مثل قوله: «إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنها لا تبقى» وقد أخذه بعض الشعراء وزاد عليه قائلا (٣): فأنفق إذا أنفقت إن كنت موسرا ... وأنفق-على ما خيّلت (٤) -حين تعسر فلا الجود يفنى المال والجدّ مقبل ... ولا البخل يبقى المال والجدّ مدبر (٥) ويقال إنه كان فى ديوان صالح بن عبد القدوس ألف مثل للعجم (٦). ولا ريب فى أن الثقافة اليونانية كان تأثيرها فى الشعر والشعراء أعمق وأبعد غورا، بما فتحت أمامهم من أبواب الفكر الفلسفى وأبواب المنطق ومقاييسه وأدلته، وما بعثت فيهم من محاولة استكشاف دفائن المعانى واستخراج دقائقها. وقد مضى كثير من الشعراء يزيدون محصولهم من تلك الثقافة، بل كان منهم من ألف فى المنطق (٧)، حتى يشحذ ذهنه وأذهان الشعراء من حوله. وكان مما ترجم لهم من تلك الثقافة مراثى فلاسفة اليونان للإسكندر المقدونى عند وفاته، وقد نقل منها أبو العتاهية أطرافا إلى مراثيه (٨) فى صديقه على بن ثابت، من ذلك أن أحدهم وقف عند رأسه، وقال: سكنت حركة الملك فى لذّاته وقد حرّكنا اليوم فى سكونه جزعا لفقده، فأخذ هذا المعنى أبو العتاهية قائلا:

стр. 1053

يا علىّ بن ثابت بان منّى ... صاحب جلّ فقده يوم بنتا قد لعمرى حكيت لى غصص المو ... ت وحرّكتنى لها وسكنتا وقال فيلسوف آخر: «الإسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس». فتمثّله أبو العتاهية فى مرثية أخرى لصديقه على هذا النمط: بكيتك يا علىّ بدمع عينى ... فما أغنى البكاء عليك شيّا كفى حزنا بدفنك ثم أنى ... نفضت تراب قبرك عن يديّا وكانت فى حياتك لى عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا وقد ذكرنا فى الفصل السابق أن كثيرا من أقوال المسيح فى الأناجيل نقل إلى العربية وتداوله الوعاظ فى وعظهم كما تداوله شعراء الزهد، واستوحوه فى كثير من أشعارهم، من ذلك ما يروى عن المسيح من أن قومه عيّروه بالفقر، فقال: من الغنى أتيتم، واستوحى محمود الوراق هذا المعنى وزاد عليه إيضاحا وتبيينا بقوله (١): يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحّ منك النّظر أنك تعصى كى تنال الغنى ... وليس تعصى الله كى تفتقر وسنعرض فى ترجمتنا لأبى العتاهية وصالح بن عبد القدوس بعض ما دخل على الزهد من عناصر غريبة بوذية أو مانوية. ولعل أكبر بيئة عنيت بهذه الثقافات المتنوعة، وكان لعنايتها بها أثر واسع فى الشعر والشعراء، بيئة المعتزلة إذ كانت تقوم من الفكر العباسى فى هذا العصر مقام السكان والمجداف من السفينة، فهى تثبرد وتدفعه إلى أن يزيد محصوله من جميع المعارف والمعتقدات، وأن يتمثلها إلى أبعد حد ممكن. وبدءوا بأنفسهم فتثقفوا أروع ما يكون التثقف بكل ما ترجم عن الهنود والفرس واليونان، وعكفوا على الفلسفة اليونانية عكوفا جعلهم يقفون على كل شعبها وكل مناحيها فى الفكر الدقيق، ولم يلبثوا أن استكشفوا لأنفسهم عالمهم العقلى الذى يموج بطرائف الذهن فى جميع

стр. 1054

المعانى الحسية والعقلية. وكانوا ما يزالون يحاورون أصحاب الملل والنحل فى المساجد الجامعة، ومن حين إلى حين يحاور بعضهم بعضا فى غوامض الفلسفة، مجللين مستنبطين كأروع ما يكون التحليل والاستنباط، وكثيرا ما ردوا على فلاسفة اليونان واشتقوا لهم آراء جديدة، يدعمها العقل الذى شغفوا به وبأدلته وبراهينه، وهو شغف صوره منهم بشر بن المعتمر تصويرا طريفا، إذ يقول (١): لله درّ العقل من رائد ... وصاحب فى العسر واليسر وحاكم يقضى على غائب ... قضية الشاهد للأمر وإن شيئا بعض أفعاله ... أن يفصل الخير من الشّرّ لذو قوى قد خصّه ربّه ... بخالص التقديس والطّهر وقد سخّر بشر عقله فى الرد على أصحاب المقالات والنّحل وفى نظم قصائد تدخل فى التاريخ الطبيعى يتحدث فيها عن مشاهد الطبيعة ودلالتها على قدرة الصانع الأكبر. وكان وراءه من المعتزلة شعراء لم يبعدوا بشعرهم عن دوائر الشعر المألوفة من المديح والغزل والهجاء والرثاء والوصف، ولكنهم طبعوا ما نظموه بطوابع جديدة من دقة المعانى ومن غرائب الأخيلة والصور، على نحو ما يلقانا عند العتّابى والنظّام، وسنخص كلاّ منهما بحديث مستقل فى الفصل السابع. وقد سرت هذه الطوابع فى شعر الشعراء، وخاصة من التحموا منهم بالمعتزلة ومباحث المتكلمين، ويكفى أن نصور ذلك عند ثلاثة من الشعراء النابهين هم: بشار وأبو نواس وأبو تمام. فأما بشار فكان يعدّ من أصحاب الكلام، وكان يكثر من الاختلاف إلى مجالس واصل بن عطاء رأس المعتزلة، ويستمع إلى ما يجرى فيها من حوار بين أصحاب الملل والنحل سماوية وغير سماوية، وتشوّش عقله، فإذا هو يصبح زنديقا، مما سنعرض له فى ترجمته. وكان من أهم المشاكل التى يحاور فيها واصل خصومه مشكلة الجبر والاختيار، وكان يرفض فكرة الجبر وتعطيل إرادة الإنسان أمام إرادة الله المطلقة، لما يؤدى إليه ذلك من فقدان الإنسان لحريته فى أعماله وأنه كتبها عليه القضاء المحتوم، وأيضا لما يؤدى إليه ذلك من

стр. 1055

ظلم الله للناس فهو يكتب عليهم الشقاء ويأخذهم به، والله لا يظلم الناس مثقال ذرة، وما يأتون من أفعال وأقوال إنما يأتونه بإرادتهم وحريتهم، وهم لذلك مسئولون عنه ومحاسبون. وقد مضى بشار فى أشعاره يعارض واصلا فى هذه المشكلة الإنسانية الكبرى، مصرّا على أن الإنسان مسيّر فى رحلته الدنيوية بقضاء يخطّ له غده ومستقبله، وفى ذلك يقول (١): طبعت على ما فىّ غير مخيّر ... هواى ولو خيّرت كنت المهذّبا أريد فلا أعطى وأعطى ولم أرد ... ويقصر علمى أن أنال المغيّبا فأصرف عن قصدى وعلمى مقصّر ... وأمسى وما أعقبت إلا التعجّبا وربما كان لفقده بصره أثر فى اعتناق هذا المذهب. وأهم من هذه المشكلة وأدخل فيما نحن بصدد الحديث عنه من الطوابع العقلية الدقيقة التى تغلغلت فى الشعراء العباسيين وأشعارهم أننا نجد عنده استدلالات عقلية كثيرة على نحو ما مرّ بنا فى أبيات الصداقة والصديق، كما نجد عنده توليدات وتشعيبات للمعانى التى طرقها القدماء لا تكاد تحصى، مع محاولة الإطراف والإتيان بالمعنى المبتكر والصورة البديعة. ولنقف قليلا عند معنى طول الليل الذى وقف عنده امرؤ القيس، فى معلقته، إذ يقول: فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدّت بيذبل (٢) فهو يتصور نجوم الليل لطوله الشديد كأنما سمّرت، فهى لا تريم. وقد مضى الجاهليون والإسلاميون بعده يتناولون هذا المعنى، وقلما أضافوا إليه إضافة جديدة، حتى إذا كان بشار أخذ يتناوله بطرق مختلفة تدل دلالة بينة على دقة العقل العباسى وقدرته على التعليل والتحليل وأنه يستطيع أن يؤدى المعنى القديم فى معارض جديدة شديدة الروعة، من ذلك قوله (٣): خليلى ما بال الدّجى ليس يبرح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضّح أضلّ الصّباح المستنير طريقه ... أم الدّهر ليل كلّه ليس يبرح

стр. 1056

وهو خيال زاخر بالحركة. وفيه تعميم، فقد تحول الدهر ليلا مظلما لا آخر له. ويعود إلى التفكير فى نفس المعنى. وما يزال يلحّ فى التفكير والتخيّل حتى تتكوّن له صورتان جديدتان لا تقلان طرافة عن الصورتين السابقتين، إذ يقول عن نفسه وقد بات ليلة مسهّدة إثر فراقه لإحدى صواحبه (١): كأنّ جفونه سملت بشوك ... فليس لو سنة فيها قرار أقول وليلتى تزداد طولا ... أما لليل بعدهم نهار جفت عينى عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار ولكن أيكفيه أن يعلل لمعنى طول الليل القديم وما يطوى فيه من السهر بهذه العلل البارعة؟ أو لا ينبغى أن يسلك مسالك المتكلمين والمعتزلة لا فى الإتيان بالعلل الخفية المستورة وإنما فى الإتيان بما ينقض المعنى نقضا من أساسه على شاكلتهم فى محاوراتهم ومداوراتهم؟ وإذن فلينقض ما يقال من طول الليل، إنما هو السهر والسهاد الطويل الذى يخيّل إليه كأن الليل يطول. والليل مظلوم، وفى ذلك يقول: (٢) لم يطل ليلى ولكن لم أنم ... ونفى عنى الكرى طيف ألم وتشيع هذه القدرة على التعليل الطريف فى جميع جوانب شعر بشار، كما تشيع معها قدرته على تقليب المعانى والاحتيال للتوليد فيها والتفريع. على شاكلة قوله (٣): وعىّ الفعال كعىّ المقال ... وفى الصّمت عىّ كعىّ الكلم فقد جعل العىّ أقساما، فهو لا يكون فى الكلام فحسب بل يكون أيضا فى الصمت حين يكون واجبا ويكون الكلام ثرثرة بل إنه يكون أيضا فى الفعال السقيمة. ولعل فى ذلك ما يوضح من بعض الوجوه كيف منح المعتزلة ومباحثهم بشارا هذه الطوابع العقلية التى جعلته يمتاز فى شعره بشخصية قوية. ولم يكن ما منحه أبو نواس من تلك البيئة أقل حظّا وقدرا، بل لعله ظفر منها بأكثر مما ظفر بشار،

стр. 1057

إذ كان يغدو ويروح فى نشأته على مجالس المتكلمين والمعتزلة. وفى أشعاره سيول من ألفاظهم وأفكارهم، من ذلك فكرة التولد، وهى الفعل الذى ينشأ عن فعل آخر دون قصد، فقد صدر عنها فى قوله متغزّلا بجنان (١): وذات خدّ مورّد ... فتّانة المتجرّد تأمّل العين منها ... محاسنا ليس تنفد فبعضها قد تناهى ... وبعضها يتولّد ومن ذلك فكرة الجزء الذى لا يتجزّأ أو فكرة الجوهر الفرد، وكان النظّام ينكره، وتجادل فيه طويلا مع نظرائه من المعتزلة، وقد ألمّ بها أبو نواس فى قوله متغزلا (٢): يا عاقد القلب عنى ... هلا تذكرت حلاّ تركت منى قليلا ... من القليل أقلاّ يكاد لا يتجزّا ... أقلّ فى اللفظ من لا ويقال إن النظام سمع منه هذه الأبيات، فقال له: «أنت أشعر الناس فى فى هذا المعنى، والجزء الذى لا يتجزأ-منذ دهرنا الأطول-نخوض فيه ما خرج لنا فيه من القول ما جمعت أنت فى بيت واحد (٣)». ومن ذلك قوله فى شخص كان يبغضه (٤): كمن الشّنآن فيه لنا ... ككمون النار فى حجره ونظرية الكمون إحدى النظريات التى تحاور فيها النظّام مع بعض معاصريه طويلا، إذ كان يرى أن الله ﷻ خلق الموجودات دفعة واحدة، ثم أكمن بعضها فى بعض على نحو ما أكمن فى آدم أبناءه. ومما كان يحاوره فيه أبو نواس فكرة صدق الوعد والوعيد على الله وهى إحدى الأفكار الأساسية فى عقيدة المعتزلة،

стр. 1058

كما مر بنا فى الفصل السابق، وقد جعلتهم يرفضون فكرة العفو التى قال بها المرجئة والتى تذهب إلى أن الله من حقه أن يترك وعيده لمن أجرم وارتكب الكبائر، فيدل عليه أستار عفوه، وكان أبو نواس يصدر عن فكرة المرجئة فى حواره للنظام بمثل قوله فى إحدى خمرياته (١): فقل لمن يدّعى فى العلم فلسفة ... حفظت شيئا وغابت عنك أشياء لا تحظر العفو إن كنت امرءا حرجا ... فإن حظركه بالدين إزراء وقد فتقت مجالس المعتزلة والمتكلمين عقل أبى نواس، فإذا هو يتحول إلى ما يشبه كنزا سائلا بالمعانى المبتكرة والأخيلة المبتدعة من مثل قوله (٢): لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المرّ من ثمره خفت مأثور الحديث غدا ... وغد دان لمنتظره وقوله (٣): وكأس كمصباح السماء شربتها ... على زورة أو موعد بلقاء أتت دونها الأيام حتى كأنّها ... تساقط نور من فتوق سماء وتلقانا فى كثير من جوانب شعره طوابع المعتزلة فى لغتهم وفى حجاجهم وفى تفكيرهم المجرد من مثل قوله يصف الخمر (٤): توهمتها فى كأسها فكأنما ... توهمت شيئا ليس يدرك بالعقل وصفراء أبقى الدهر مكنون روحها ... وقد مات من مخبورها جوهر الكلّ فما يرتقى التكييف منها إلى مدى ... تحدّ به إلا ومن قبله قبل وقوله (٥): وقد خفيت من لطفها فكأنها ... بقايا يقين كاد يذهبه الشّكّ

стр. 1059

وواضح ما فى هذه الأبيات من ألفاظ المتكلمين ومصطلحاتهم وتجريداتهم التى تبلغ حد الوهم، فقد جعل الخمر لا تدرك بالعقل كأنها معنى خفى لا ينكشف، ودعاها: «جوهر الكل» وقال إنه لا يحيط بها كيف أو تكييف تحدّ به وتعرف، وعاد يصور خفاءها ببقايا يقين تسترها سحب الشك حتى لا تكاد تبين. وكان أبو تمام-على شاكلة أبى نواس-يتعمق الاعتزال وعلم الكلام، بل يظهر أنه مدّ تعمقه إلى الفلسفة وما يتصل بها من المنطق، وقد ألمح إلى ذلك الآمدى فى فاتحة كتابه: «الموازنة بين الطائيين» فقال إن شعره إنما يعجب أصحاب الفلسفة. وتتراءى ألفاظها عنده من حين إلى حين كقوله فى هجاء بعض خصومه (١): هب من له شئ يريد حجابه ... ما بال لا شئ عليه حجاب وكلمة لا شئ فى اصطلاح المتفلسفة تعنى العدم. ومن ذلك قوله (٢): لن ينال العلا خصوصا من الفت ... يان من لم يكن نداه عموما (٣) والعموم والخصوص من كلام المناطقة. ومن ذلك قوله فى أحد ممدوحيه (٤): صاغهم ذو الجلال من جوهر المج ... د وصاغ الأنام من عرضه والجوهر عند الفلاسفة والمتكلمين أثبت من العرض. وفى أشعاره بعض إشارات إلى المذاهب الكلامية، وعلى رأسها مذهبا الاعتزال والجهمية، يقول فى أبى سعيد الثّغرى أحد القواد المشهورين فى عصره (٥): عمرىّ عظم الدين جهمىّ النّدى ... ينفى القوى ويثبّت التكليفا وهو فى أول البيت يجعله عمرى العقيدة، يريد أنه على مذهب عمرو بن عبيد إمام المعتزلة بعد واصل بن عطاء، فهو يأخذ-كما يأخذ عمرو وأصحابه-بفكرة

стр. 1060

حرية الإرادة الإنسانية، وأن الإنسان يتصرف كما يشاء له عقله، ولا يلبث أن يجعله فى نداه وكرمه على مذهب جهم بن صفوان الذى كان يقول-كما يقول المعتزلة-بوجوب التكاليف الشرعية بينما كان يؤمن بالجبر وتعطيل الإرادة الإنسانية. وكل ذلك ليبالغ فى مدح أبى سعيد بالكرم وأنه قدر مقدور عليه، لا يستطيع عنه حولا. ويعود إلى مذهب جهم، ولكن لا فى الجبر وإنما فى أسماء الله وصفاته، فقد كان يمتنع عن تسميته باسم، حتى لا يثبت عليه شيئا من التشبيه بالمخلوقات. وقد استمد أبو تمام من هذه الفكرة الدقيقة فى نعته الخمر، إذ يقول (١): جهميّة الأوصاف إلا أنهم ... قد لقّبوها جوهر الأشياء فالخمر فى رأيه رقّت حتى كادت لا تبين، بل حتى كادت لا تسمى -على مذهب جهم-باسم، ولكنها لعظم شأنها لقّبت جوهر الأشياء. ولعل ذلك ما يشهد بأن أبا تمام كان يتغلغل فى معرفة مذاهب المتكلمين، وهو تغلغل التحم بتغلغله فى قراءة الفلسفة، فإذا شعره يطبع بطوابع الفكر الدقيق، وهو فكر يجلّله الغموض فى كثير من جوانبه، ولكنه الغموض الزاهى الذى يلذ العقل والشعور، والذى ما تزال توليداته واستنباطاته الخفية فيه تروع قارئه روعة شديدة، وهى روعة جعلت القدماء يقولون إنه أكثر العباسيين اختراعا وابتكارا (٢). ولا تقف المسألة فى شعره عند اختراع بعض المعانى وابتكار بعض الصور، فقد نشر فى صحف أشعاره التضاد الذى يقف عنده المناطقة واستخرج منه ما لا يحصى من المعانى والصور الجديدة، كقوله يصور جمال إحدى صواحبه: (٣) بيضاء تسرى فى الظلام فيكتسى ... نورا وتسرب فى الضّياء فيظلم فقد جعلها تكسف نور الشمس ببهائها، وكأنها القمر يكسف ضوء الكواكب حتى ليصبح ضياء النهار مظلما لشدة نورها. وهو تضاد بديع، فالضياء يظلم. ويمكّن لهذا المعنى ويزيده عمقا فيقول واصفا إحدى صواحبه فى ساعة الوداع (٤):

стр. 1061

ولهت فأظلم كل شئ دونها ... وأنار منها كلّ شئ مظلم فهى تودعه والهة لفراقه، ويحس كأنما طمست بنورها كل ضوء من حولها، وأنها سرعان ما كنت الوجود بنورها، ففارقت الأشياء الظلمة والظلام. وكثيرا ما يمتدّ هذا التضاد فى وصفه، فتتوالى الأبيات مغموسة به على نحو وصفه المشهور لقلم ابن الزيات وزير المعتصم، وفيه يقول (١): لعاب الأفاعى القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل (٢) له ريقة طل ولكنّ وقعها ... بآثاره فى الشرق والغرب وابل (٣) فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل (٤) وكثير ممن كانوا وراء أبى تمام وأبى نواس وبشار كانوا لا يقلون عنهم محاولة فى الإتيان بطرائف المعانى والصور، وكانوا ما يزالون يغدون ويروحون على مجالس المعتزلة وغيرهم من المتكلمين، كما كانوا يكبّون على قراءة كتب الفلسفة والثقافات الأجنبية، محاولين أن يكتسبوا من ذلك كله ما يتيح لهم فى أشعارهم أن يشيعوا فيها المعانى النادرة والأخيلة المبتكرة. ٣ - التجديد فى الموضوعات القديمة ظل العباسيون ينظمون فى الموضوعات القديمة من المديح وغير المديح مما كان ينظم فيه الجاهليون والإسلاميون وبذلك أبقوا للشعر العربى على شخصيته الموروثة، وقد مضوا يدعمونها دعما بما لاءموا بينها وبين حياتهم العقلية الخصبة وأذواقهم المتحضرة المرهفة، فإذا هى تتجدد من جميع أطرافها تجددا لا يقوم على التفاصل بين صورة هذه الموضوعات الجديدة وصورتها القديمة، بل يقوم على التواصل الوثيق.

стр. 1062

وأول موضوع نقف عنده المديح، ومعروف أن الشاعر الجاهلى والإسلامى كان يرسم فى ممدوحه. المثالية الخلقية الرفيعة التى تقدرها الجماعة، وإذا كان مؤثرا فى حياة عصره السياسية كأن يكون خليفة أو واليا عرض لأعماله، وللأحداث التى شارك فيها. أما إذا كان بطلا يقود الجيوش ضد أعداء الأمة العربية فإنه يصور بطولته وما خاضه من معارك حربية. وقد اضطرمت هذه الغايات للمدحة فى العصر العباسى، إذ نرى الشعراء يعيدون ويبدئون فى تصوير المثل الخلقية صورا حية ناطقة، ويعدو الحصر ما استنبطوه من معان طريفة فى السماحة والكرم والحلم والحزم والمروءة والعفة وشرف النفس وعلو الهمة والشجاعة والبأس، وقد جسموها فى الممدوحين تجسيما قويّا، حتى لتصبح كأنها تماثيل قائمة نصب أعين الناس كى يحتذوها ويحوزوا لأنفسهم مجامع الحمد والثناء. وبذلك ظلت المدحة تبث فى الأمة التربية الخلقية القويمة حافزة لها على الفضائل والمكارم الرشيدة. والذى لا ريب فيه أنها تحمل خصالنا وخصائصنا النفسية، وقد أشعل الشعراء العباسيون جذوتها فى النفوس بما رفدوها به من عقولهم الخصبة وأخيلتهم البارعة. وقد مضى الشعراء فى مديح الخلفاء والولاة يضيفون إلى هذه المثالية مثالية الحكم وما ينبغى أن يقوم عليه من الأخذ بدستور الشريعة وتقوى الله والعدالة التى لا تصلح حياة الأمة بدونها، وبذلك كانوا صوتّا قويّا لها، صوتا ما بنى يهتف فى آذان الحكام بما ينبغى أن يكونوا عليه فى سلوكهم وسياستهم من مثل قول مروان بن أبى حفصة فى مطلع قصيدة للمهدى (١): أحيا أمير المؤمنين محمد ... سنن النبىّ: حرامها وحلالها وفيه يقول الحسين بن مطير (٢): يعفّ ويستحيى إذا كان خاليا ... كما عفّ واستحيا بحيث رقيب ويقول أبو العتاهية فى هرون الرشيد (٣): وراع يراعى الله فى حفظ أمّة ... يدافع عنها الشرّ غير رقود

стр. 1063

تجافى عن الدنيا وأيقن أنها ... مفارقة ليست بدار خلود وفيه يقول منصور النّمرى (١): بورك هرون من إمام ... بطاعة الله ذى اعتصام له إلى ذى الجلال قربى ... ليست لعدل ولا إمام وقد يكون الخليفة سيئ السلوك مثل الأمين، ولكن الشعراء يمدحونه بنفس هذه المثالية الكريمة للخلفاء، لأنهم لا يمدحونه من حيث هو، وإنما يمدحونه خليفة للمسلمين وموضع آمالهم، وكأنما يريدون أن يرفعوا أمام عينه الشعارات التى تطلبها الأمة فى خليفتها وراعيها، لعله يثوب إلى طريق الرشاد. وقد نمت من هذا المديح فروع الشعر السياسى، الذى يقف فيه الشاعر مدافعا عن حق حزب من الأحزاب فى الحكم والخلافة، وهو نمو بدأ منذ وقعة صفين، وهيأ لظهور أحزاب الخوارج والشيعة، ومعروف أن حركة الأولين خمدت فى هذا العصر، أما حركة الشيعة فظلت مضطرمة، وسنعرض لشعرائها وأشعارهم السياسية فى الفصل السادس، وأيضا لمن كانوا يشايعون العباسيين. ولم يصور الشعراء مثاليتنا الخلقية العامة فى مدائحهم وكذلك مثاليتنا السياسية فحسب، بل صوروا أيضا الأحداث التى وقعت فى عصور الخلفاء، وخاصة الفتن والثورات الداخلية وحروب أعداء الدولة من الروم والترك، وبذلك قامت قصيدة المديح فى هذا العصر مقام الصحافة الحديثة، فهى تسجل الأحداث التى عاصرها الشاعر والأعمال الكبرى التى ينهض بها الخلفاء، مما يعطيها قيمة بعيدة إذ تصبح وثائق تاريخية، ومن أجل ذلك كنا نرى الطبرى فى تاريخه يتوقف من حين إلى حين لينشد ما نظمه بعض الشعراء فى الحادث الذى يرويه، وليجلوه جلاء تامّا على لسان هؤلاء الشعراء الذين عاصروه. وبذلك أعدوا من بعض الوجوه ليتحول المديح إلى تاريخ، وكان من أوائل من نفذ إلى ذلك السيد الحميرى، فإنه حوّل أخبار على بن أبى طالب ومناقبه إلى مدائح بديعة، وفى ترجمته بكتاب الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى من ذلك طرائف كثيرة.

стр. 1064

وربما كان أهم ما سجلته صحف المديح فى هذا العصر صور الأبطال الذين كانوا يقودون جيوش الأمة المظفرة ضد أعدائها من الترك والبيزنطيين، فقد أشادت إشادة رائعة بكل معركة خاضوا غمارها وكل حصن اقتحموه، حتى كادت لا تترك موقعة ولا بطلا دون تصوير يضرم فى النفس العربية الاستبسال والمضاء وجلاد الأعداء جلادا عنيفا، وكل كاتب فى هذه الصحف أو قل كل شاعر يتفنن فى رسم بطولة القائد الذى يمدحه رسما يشعل الحماسة فى نفوس جنوده ونفوس الشباب العربى من ورائهم فإذا هم يترامون على منازلة أعدائهم ترامى الفراش على النار يريدون أن يسحقوهم سحقا. وكان الرشيد والمأمون والمعتصم يقودون بأنفسهم الجيوش التى كانت تمحق البيزنطيين محقا، فتغنى الشعراء بانتصاراتهم غناء يسكب الفرحة فى كل نفس، لعل من أروعه غناء أشجع شاعر البرامكة بفتح الرشيد لهرقلة فى آسيا الصغرى واكتساحه لجيش نقفور إمبراطور بيزنطة، وأكثر منه روعة غناء أبى تمام بفتح المعتصم لأنقرة وحرقه لعمورية فى بائيته المشهورة، وهى إلى أن تكون ملحمة أقرب منها إلى أن تكون قصيدة. وتكتظ كتب الأدب ودواوين الشعراء بتصويرهم لبسالة جميع القواد، لا الذين أسهموا فى حروب البيزنطيين فحسب، بل أيضا فى حروب الترك وبابك الخرّمى وغيره من الثائرين فى شرقى الدولة. ولم يكتف الشعراء بهذا التصوير فقد عنوا بتسجيل كل ما يستطيعون من تفاصيل عن المعارك الحربية، وبذلك لم تعد قصائدهم مديحا فحسب بل أصبحت أيضا تاريخا، وهو تاريخ كتب شعرا، تاريخ أبطالنا وأمجادهم الحربية. وكان هؤلاء الأبطال ومن ورائهم الخلفاء يرصدون الجوائز الضخمة للشعراء كى يرسموا هذه البطولات، ورسموها حقّا رسما باهرا سنرى مقتطفات منه فى تضاعيف تراجمهم، ويكفى أن نسوق قطعة من تصوير على بن جبلة لبطولة أبى دلف العجلى قائد المأمون المشهور، إذ يقول من قصيدة طويلة يصف فيها بعض وقائعه (١). المنايا فى مقانبه ... والعطايا فى ذرا حجره (٢) وزحوف فى صواهله ... كصياح الحشر فى أمره (٣)

стр. 1065

قدته والموت مكتمن ... فى مذاكيه ومشتجره (١) فرمت جيلوه منه يد ... طوت المنشور من بطره (٢) زرته والخيل عابسة ... تحمل البؤسى إلى عقره (٣) فأبحت الخيل عقوته ... وقريت الطير من جزره (٤) صاغك الله أبا دلف ... صيغة فى الخلق فى خيره كلّ من فى الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره مستعير منك مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره وكانت المدحة قديما تشتمل على مقدمات تصف الأطلال وعهود الهوى بها وما يلبث الشاعر أن يستطرد إلى وصف الصحراء ناعتا ما يركبه من بعير أو فرس وما يراه فيها من حيوان وحشى، وقد يعرض لوصف مشهد الصيد، وكثيرا ما يضمنها بجانب ذلك حكما توسع مدارك السامع وتبصره بأطراف من سنن الحياة. وكل ذلك استبقاه شاعر المدحة فى العصر العباسى، ولكن مع إضافات كثيرة، حتى يلائم بينه وبين عصره. وتتسع الإضافة أحيانا وتضيق أحيانا، ولكنها دائما تعبر عن الذخائر العقلية والخيالية للشاعر العباسى. وقد نعجب لاستبقاء هؤلاء الشعراء المتحضرين لعناصر الأطلال ورحلة الصحراء البدوية، غير أنهم اتخذوها رمزا، أما الأطلال فلحبهم الداثر، وأما رحلة الصحراء فلرحلة الإنسان فى الحياة، وقد استغلوا ما كان يصحب الأطلال من حنين لذكريات حبهم ومعاهده لا يزال يترقرق فى أشعارهم من مثل قول مسلم بن الوليد (٥): هلا بكيت ظعائنا وحمولا ... ترك الفؤاد فراقهم مخبولا فإذا زجرت القلب زاد وجيبه ... وإذا حبست الدمع زاد همولا (٦)

стр. 1066

وإذا كتمت جوى الأسى بعث الهوى ... نفسا يكون على الضمير دليلا (١) واها لأيام الصّبا وزمانه ... لو كان أمتع بالمقام قليلا وحاول بعض الشعراء أن يترك الحديث عن الأطلال المهجورة إلى قصور الحاضرة المأنوسة، وحينئذ كان لا يسترسل فى وصف حنينه، على شاكلة أشجع إذ يستهل إحدى قصائده بقوله (٢): قصر عليه تحيّة وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيام وعلى نحو ما استبقوا الأطلال وما يتصل بها من حنين يعبث بنفوسهم استبقوا رحلة الصحراء، وتفننوا فى وصف وعوثة طرقها ورياحها الحارة التى تكاد تتوقد توقدا، على شاكلة قول مسلم (٣): ومجهل كاطّراد السيف محتجز ... عن الأدلاّء مسجور الصياخيد (٤) تمشى الرياح به حسرى مولّهة ... حيرى تلوذ بأطراف الجلاميد (٥) فالرياح من شدة الحر وما يحرى فى قلبها من الفزع تلجأ إلى أطراف الصخور المستعلية فوق الآكام. كأنها تريد الفرار من هذا الجحيم المطبق. وقد داروا حول وصف الحيوان الوحشى محاولين أن يستنبطوا بعض الصور الطريفة من مثل قول بشار فى بائيته (٦)، يصور ما نال أتن الوحش من خرقة العطش الشديد: غدت عانة تشكو بأبصارها الصّدى ... إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه (٧) وهى صورة تخفق بالحياة، إذ مثّل العطش فى غور أحداقها، حتى لتهمّ بالكلام شاكية لحمارها، ولكن أنّى لها ذلك وهى عجماء لا تبين. وكان الشاعر القديم يكثر من وصف نحول بعيره ونوقه لطول الطرق الوعرة وما يصيبها من شدة الكلال والإعياء، حتى ليشبهها بالأقواس والأهلة ضمورا وهزالا، وردّد الشاعر

стр. 1067

العباسى هذا المعنى طويلا محاولا الخلوص إلى بعض الأفكار المستحدثة، من مثل قول أبى الشيص مخاطبا أحد ممدوحيه وواصفا نحول نوقه ونحول راكبيها (١): أكل الوجيف لحومها ولحومهم ... فأتوك أنقاضا على أنقاض (٢) ولقد أتتك على الزمان سوا خطا ... فرجعن عنك وهنّ عنه رواضى وتحول الشاعر العباسى فى أحيان كثيرة من وصف الصحراء ومسالكها وسمومها وحيوانها إلى وصف الرياض فى الحاضرة ومناظرها البهيجة فى الربيع، ومن خير ما يصور ذلك قصيدة أبى تمام فى مديح المعتصم التى يستهلها بقوله (٣): رقّت حواشى الدّهر فهى تمرمر ... وغدا الثّرى فى حليه يتكسّر (٤) وقد مضى يتحدث فى إسهاب عن جمال الطبيعة فى الربيع، وكأنه يتخذ منه رمزا لعصر المعتصم. واتخذوا أحيانا من وصف السفن ورحلتها فى الأنهار صورة مقابلة لرحلة البعير فى الصحراء، مثل قول بشار فى إحدى مدائحه للمهدى (٥): وعذراء لا تجرى بلحم ولا دم ... قليلة شكوى الأين ملجمة الدّبر (٦) إذا ظعنت فيها الفلول تشخّصت ... بفرسانها لا فى وعوث ولا وعر (٧) تلاعب تيّار البحور وربما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجرى وجعلتهم موجة المجون الحادة فى العصر يصفون فى مقدمات مدائحهم الخمر أحيانا، واستهل ذلك بشار، وتوسع فيه مسلم وأبو نواس وأبو العناهية سعة شديدة. وعنوا على نحو ما عنى الشاعر القديم ببثّ الحكم فى قصائدهم، وكان قد ترجم كثير من الحكم الفارسية والهندية واليونانية، فأفادوا من ذلك كله ونثروه فى تضاعيف مدائحهم، مضيفين إليه كثيرا من تأملاتهم فى الحياة والطباع، من مثل قول أبى تمام فى فضل المحسود ونقص الحسود (٨):

стр. 1068

وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود (١) وهو كثير الحكم فى مدائحه، وقد صبّ فيها كثيرا من شكوى الزمن وخطوبه، بحيث يعد مقدمة قوية لابن الرومى والمتنبى. وهو يمزج شكواه بمغالبة عاتية للدهر ونوازله، وبذلك كانت مدائحه تسكب القوة فى نفس كل عربى، لا بما يصور من بسالة الأبطال والقواد فى الحروب فحسب، بل أيضا بما يودعها من فتوة عارمة على شاكلة قوله (٢): أعاذلتى ما أخشن الليل مركبا ... وأخشن منه فى الملمّات راكبه (٣) ذرينى وأهوال الزمان أفانها ... فأهو اله العظمى تليها رغائبه (٤) ألم تعلمى أن الزّماع على السّرى ... أخو النّجح عند النائبات وصاحبه (٥) دعينى على أخلاقى الصّمّ للتى ... هى الوفر أو سرب ترنّ نوادبه فإن الحسام الهندوانى إنما ... خشونته ما لم تفلّل مضاربه وعلى هذا النحو ازدهرت المدحة على لسان الشاعر العباسى لا بما رسم فيها من مثاليتنا الخلقية وسجل من الأحداث وصوّر من البطولات العربية فحسب، بل أيضا بما تمثّل من العناصر القديمة وأذاع فيها من ملكاته وما أضافه إليها من عناصر جديدة استمدها من بيئته الحضارية ومن نفسيته وملكاته العقلية. ودفعتهم دقتهم الذهنية إلى أن يلاثموا بين مدائحهم وممدوحيهم، فإذا مدحوا الخلفاء نوهوا بتقواهم وعدلهم فى الرعية، وإذا مدحوا القواد أطالوا فى وصف شجاعتهم، وإذا مدحوا الوزراء تحدثوا عن حسن سياستهم، وكذلك صنعوا بالفقهاء والقضاة والمغنين، فلكل أوصافه التى تخصه، وهى أوصاف طلبوا فيها وفى كل مدائحهم الفكر الدقيق والتعبير الرشيق.

стр. 1069

وإذا تركنا المديح إلى الهجاء وجدنا معالم التطور فيه أعمق وأوسع منها فى المديح الخالص، إذ كان يتصل بحياة الشعب والعامة اتصالا لعله أدق من اتصال المديح، وهى حياة لم يعد أساسها العصبيات القبلية كما كان الشأن فى العصر الأموى، ومن أجل ذلك ضعف فن النقائض لقيامه عليها إلا أسرابا قليلة كانت تظهر من حين إلى حين. ولكن إذا كان هذا الفن ضعف، فإن الهجاء لم يضعف بسبب التنافس الشديد بين الشعراء، وقد عمت فيه روح جديدة، إذ أخذوا يريشونه سهاما مصمية. ويخيل إلى الإنسان أن أصحابه لم يتركوا مثلبة خلقية أو نفسية فى شخص إلاّ صوروها، وكأنما يريدون أن يطهروا المجتمع منها، ولم يتورعوا أحيانا عن هجاء الخلفاء والوزراء، كلما رأوهم ينحرفون عن الجادة على نحو ما هو مشهور عن دعبل. وبذلك يصبح الهجاء الصحيفة التربوية المقابلة للمديح، فالمديح يرسم المثالية الخلقية لهذه التربية، والهجاء يرسم المساوى الفردية والاجتماعية التى ينبغى أن يتخلص منها المجتمع الرشيد. وقد تبارى الشعراء فى رسم معانيه، تارة يخزون وخز الإبر، وتارة يطعنون طعنات قاتلة، من ذلك قول بشار فى هجاء ابن قزعة بشحّه (١) فلا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين إذا جئته للعرف أغلق بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين وقول أبى تمام مصورا غيرة شخص لا فى موضع الغيرة من نسائه، وإنما فى الغيرة على طعامه ورغفانه حتى لكأن كسر رغيفه كسر عظم من عظامه، بل لكأنه فتك به أشد الفتك، يقول (٢): صدّق أليّته إن قال مجتهدا ... لا والرغيف، فذاك البر من قسمه (٣) قد كان يعجبنى لو أنّ غيرته ... على جراذقه كانت على حرمه (٤) إن رمت قتلته فافتك بخبزته ... فإنّ موقعها من لحمه ودمه وأهم ليقة غمس فيها الشعراء هجاءهم ليقة الاستخفاف والتهوين والتحقير،

стр. 1070

وقد استمد منها حماد عجرد كثيرا حين استطار الهجاء بينه وبين بشار من مثل قوله (١): وأعمى يشبه القرد ... إذا ما عمى القرد دنئ لم يرح يوما ... إلى مجد ولم يغد ولم يحضر مع الخضّا ... ر فى خير ولم يبد ولم يخش له ذمّ ... ولم يرج له حمد ويقال إن بشارا حين سمع هذه الأبيات بكى من شدة إيلامها لنفسه، فقال له قائل: أتبكى من هجاء حماد؟ فقال: والله ما أبكى من هجائه، ولكن أبكى لأنه يرانى ولا أراه، فيصفنى ولا أصفه. وأتاه من باب جديد ألهمته به الحضارة وما يأخذ به أهل الحاضرة أنفسهم من النظافة والتعطر، فوصفه بالقذارة والدنس فى أبيات لعلها كانت أشد إيلاما وأوجع وخزا لنفسه من الأبيات السابقة، إذ يقول (٢): نهاره أخبث من ليله ... ويومه أخبث من أمسه وليس بالمقلع عن غيّه ... حتى يوارى فى ثرى رمسه (٣) ما خلق الله شبيها له ... من جنّه طرّا ومن إنسه والله ما الخنزير فى نتنه ... بربعه فى النّتن أو خمسه بل ريحه أطيب من ريحه ... ومسّه ألين من مسّه ووجهه أحسن من وجهه ... ونفسه أنبل من نفسه وعوده أكرم من عوده ... وجنسه أكرم من جنسه يقول الجاحظ: «وأنا-حفظك الله تعالى-أستظرف وضعه الخنزير بهذا

стр. 1071

المكان فى هذا الموضع حين يقول: (وعوده أكرم من عوده) وأى عود للخنزير قبّحه الله تعالى وقبّح من يشتهى أكله». وحماد يضيف إلى قذارة الجسد قذارة الخلق. ومع أن بشارا كان فى الذروة الرفيعة من صنع الشعر ونظمه وكان حماد فى السفح البعيد فإن حمادا كان يستعلى عليه فى الهجاء. ولما أعياه أمره جاءه من باب ضيق، محاولا أن يضع أغلال أولى الأمر فى يديه، إذ ادّعى عليه أنه زنديق يؤمن بإلهى النور والظلمة كما يؤمن المجوس قائلا فى أبيات: يا بن نهيا رأس علىّ ثقيل ... واحتمال الرءوس خطب جليل ادع غيرى إلى عبادة ربّي ... ن فإنى بواحد مشغول ومكر به حماد فأشاع الأبيات لبشار فى الناس وجعل فيها مكان (فإنى بواحد مشغول): (فإنّى عن واحد مشغول) ليثبت عليه الزندقة والكفر. يقول أبو الفرج: فما زالت الأبيات تدور فى أيدى الناس حتى انتهت إلى بشار، فاضطرب منها وتغيّر وجزع، وقال: عرّضنى للقتل، والله ما قلت إلا (فإنى بواحد مشغول) فغيّرها حتى يشهرنى فى الناس بما يهلكنى» (١). وكانا جميعا زنديقين مستترين، وكأنما خافا أن يفتضحا ويحاكمهما المهدى. ونرى بشارا يلطخ بالتهمة زنديقا ثالثا هو عمارة بن حربيّة. وله يقول (٢): لو كنت زنديقا-عمار-حبوتنى ... أو كنت أعبد غير ربّ محمّد لكننى وحّدت ربّى مخلصا ... فجفوتنى بقضا لكل موحّد ويكثر فى هجاء بشار وغيره هتك الأعراض، وربما كان لشيوع المجون والفحش أثر فى ذلك. وتشيع فى كثير من قطع الهجاء روح السخرية المريرة، وقد تشيع روح الفكاهة المضحكة، على نحو ما يلقانا فى هجاء أبى العتاهية لعبد الله (٣) بن معن وقد جعل منه فتاة تتزين لتلفت إليها الرجال. ودفعت بشارا شعوبيته الذميمة ليهجو العرب بأشعار تعدّ وصمة فى جبينه. وعلى نحو ما لاءموا بين مدائحهم وممدوحيهم لاءموا بين أهاجيهم ومهجويهم. فإذا كانوا قضاة وصفوهم بالظلم. وإذا كانوا مغنين وصفوهم برداءة الصوت ودمامة المنظر. ولعل من الطريف

стр. 1072

أن نجد شاعرا يهجو محمد بن يسير بما يدعى من معرفة السحر والشعبذة والعزانم على الجن والشياطين (١) وظلت للفخر حيويته القديمة، وإن كان قد ضعف فيه الفخر القبلى، على أن أسرابا بقيت منه عند نفر من الشعراء، وفى مقدمتهم أبو نواس إذ كان يتعصب لمواليه من بنى سعد العشيرة القحطانيين وينظم فى ذلك أشعارا كثيرة، ومثله كان دعبل، وقد رد على مذهبّة الكميت التى تشيّع فيها للنزاريين على القحطانيين ردّا عنيفا، مما جعل أبا سعد المخزومى يهاجيه طويلا (٢). وحاول شاعر يسمى ابن قنبر أن يدفع مسلم بن الوليد للاشتباك به فى معركة حامية من معارك الهجاء القبلى، ولكن مسلما أخرسه (٣). وكان بشار يتعصب فى عصر بنى أميّة لمواليه القيسيين تعصبا حادّا، حتى إذا نجحت الثورة العباسية أظهر ما كان يستره من كره الإسلام والعرب، وأخذ يعنف بهم عنفا شديدا، مصورا البغض الذى كان يحرق كبده. والجديد حقّا فى الفخر لهذا العصر أن كثيرا من الشعراء صدروا فى فخرهم عن شعور طاغ بالمروءة والكرامة والشيم الرفيعة من مثل قول عوف بن محلّم الخزاعى (٤): وإنى لذو حلم على أن سورتى ... إذا هزّنى قوم حميت بها عرضى (٥) وإنى لأجزى بالكرامة أهلها ... وبالحقد حقدا فى الشدائد والخفض وقول بكر بن النطّاح (٦): ومن يفتقر منا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل وإنا لنلهو بالسيوف كما لهت ... فتاة بعقد أو سخاب قرنفل (٧) ونشط الشعراء فى الرثاء نشاطا واسعا، إذ لم يمت خليفة ولا وزير ولا قائد مشهور إلا وأبّنوه تأبينا رائعا، وقد صوّروا فى القواد بطولتهم ومحنة الأمة والجيوش فى وفاتهم، وكيف ملأ موتهم القلوب حسرة وفزعا. وحقّا رثاؤهم لهم يفيض بالحزن

стр. 1073

واللوعة، ولكنه مع ذلك يكتظ بالحماسة والقوة وتمجيد بطولتهم تمجيدا يضرم الحمية فى نفوس الشباب للدفاع عن العرين حتى الموت، دفاعا يقوم على البأس والبسالة والاستطالة. وكان يحدث أن يخرّ بطل صريعا فى بعض الميادين، حينئذ ينظم فيه الشعراء مراثى حماسية تؤجج لهيب الحفيظة فى القلوب وتدفع إلى الاستشهاد تحت ظلال الرماح ذبّا عن حرمات الوطن، ومن خير ما يمثل ذلك مراثى أبى تمام فى محمد بن حميد الطوسى الطائى، فإنه أوقع ببابك وجنوده لعهد المأمون وقائع ملأته هو وعسكره فزعا ورعبا، ولكن حدث فى آخر وقعة أن اندفع ابن حميد فى مضيق حرج، والتف به جنود بابك، فظل قائما يدافعهم ويقاومهم لا يتزحزح عن موضعه، حتى إذا أحيط به لم يستسلم ولم يلق السلاح، بل قاتل حتى قتل عزيزا كريما. وحزنت الأمة حزنا عميقا لموته، وانبرى أبو تمام يرثيه مراثى رائعة تصور جلده فى القتال وصبره فى النضال حتى الموت الزؤام، على نحو ما يلقانا فى مرثيته العينية، التى استهلها استهلالا بديعا بقوله (١): أصمّ بك النّاعى وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا (٢) وفيها يقول: فتى كلما ارتاد الشجاع من الرّدى ... مفرّا غداة المأزق ارتاد مصرعا (٣) فإن ترم عن عمر تدانى به المدى ... فخانك حتى لم تجد فيه منزعا (٤) فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطّعها ثم انثنى فتقطّعا (٥) ومن الأبطال الذين بكاهم الشعراء منصور بن زياد، وقد أبلى لعهد الرشيد فى القضاء على ثورة بالقيروان، ووافاه القدر، فرثاه عبد الله بن أيوب التّيمىّ بقصيدة بديعة يقول فى تضاعيفها (٦): أما القبور فإنهن أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور

стр. 1074

والناس مأتمهم عليه واحد ... فى كل دار رنّة وزفير عجبا لأربع أذرع فى خمسة ... فى جوفها جبل أشمّ كبير ولعل بطلا لم تذرف دموع الشعراء عليه كما ذرفت على يزيد بن مزيد الذى فتك بخوارج الموصل فتكة لم تقم لهم بعدها قائمة، وسنلتقى فى تراجم الشعر بمراث له مختلفة، وفى تأبينه يقول منصور النّمرى (١): وإن تك أفنته الليالى وأوشكت ... فإن له ذكرا سيفنى اللياليا وواضح ما فى هذه الأشعار من دقة التفكير وبعد الخيال، ويلقانا ذلك دائما فى تأبيناتهم، إذ كانوا يتنافسون فى استنباط المعانى النادرة، ومن طريف ما لمسلم ابن الوليد من هذه المعانى قوله فى رثاء شخص (٢): أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دلّ على القبر وكان الشاعر القديم كثيرا ما يفزع إلى العزاء بالأمم السالفة والقرون الخالية وأن الموت كأس دائر يتجرع غصصه جميع الناس، فردّد ذلك الشاعر العباسى فى مراثيه، وأخذ يضيف إليه من فكره الخصب تأملات فى حقائق الموت وسنن الوجود، من مثل قول ابن مناذر فى تأبين عبد المجيد الثقفى (٣): كل حىّ لاقى الحمام فمودى ... مالحىّ مؤمّل من خلود (٤) لا تهاب المنون شيئا ولا تر ... عى على والد ولا مولود (٥) يقدح الدّهر فى شماريخ رضوى ... ويحطّ الصخور من هبّود (٦) ولقد تترك الحوادث والأيّا ... م وهيا فى الصخرة الجلمود (٧) يفعل الله ما يشاء فيمضى ... ما لفعل الإله من مردود (٨) فكأنا للموت ركب محثّون ... سراع لمنهل مورود

стр. 1075

وشاع فى العصر بكاء الرفقاء والأصدقاء، بكاء يفجر الحزن فى النفس، لما يصور من شقاء الأصدقاء بموت رفاقهم وكيف يصطلون بنار الفراق المحرقة، من مثل قول بشار فى ندب أحد أصدقائه من الزنادقة (١): اشرب على تلف الأحبّة إننا ... جزر المنية ظاعنين وخفّضا (٢) ويلى عليه وويلتى من بينه ... كان المحبّ وكنت حبّا فانقضى قد ذقت ألفته وذقت فراقه ... فوجدت ذا عسلا وذا جمر الغضا (٣) وكان إخوتهم وأبناؤهم يموتون تحت أعينهم، فتدور بهم الأرض ويبكون بدموع غزار، وينفّسون عن أنفسهم بأبيات تصور الحزن المقيم فى قلوبهم لا يبرح، من مثل قول العتبى فى ابن له اختطفه الموت بعد أبناء آخرين، وقد مات فى ريعان شبابه (٤): وقاسمنى دهرى بنىّ بشطره ... فلما تقضّى شطره عاث فى شطرى (٥) ألا ليت أمى لم تلدنى وليتنى ... سبقتك إذ كنا إلى غاية نجرى وكنت به أكنى فأصبحت كلما ... كنيت به فاضت دموعى على نحرى وعلى نحو ما تفجعوا على أبنائهم وإخوتهم تفجعوا على زوجاتهم تفجعا كله عطف وبر ورحمة، ولابن الزيات مراث مختلفة لزوجته، توضح من بعض الوجوه ثراء الفكر العباسى بالخواطر وقدرته على تحليلها وتمثيل أحزانه وحزن طفله الذى افتقد عطف الأم وحنانها، من مثل قوله (٦): ألا من رأى الطفل المفارق أمّه ... بعيد الكرى عيناه تبتدران (٧)

стр. 1076

رأى كلّ أمّ وابنها غير أمّه ... يبيتان تحت الليل ينتجيان وبات وحيدا فى الفراش تجنّه ... بلابل قلب دائم الخفقان (١) فلا تلحيانى إن بكيت فإنما ... أداوى بهذا الدمع ما تريان (٢) وهبنى عزمت الصبر عنها لأننى ... جليد فمن بالصّبر لابن ثمان ضعيف القوى لا يطلب الأجر حسبة ... ولا يأتسى بالناس فى الحدثان (٣) وظلت المآتم قائمة على قتلى الشيعة فى العصر والعصور السابقة منذ قتل على بن أبى طالب، فهم ينوحون عليهم نواحا حارّا، ودموعهم لا ترقأ ولا تجف، وسنعرض لذلك فى الفصل السادس. وبكى الشعراء البرامكة طويلا حين نكبهم الرشيد، من مثل قول سلم الخاسر (٤): خوت أنجم الجدوى وشلّت يد النّدى ... وغاضت بحار الجود بعد البرامك (٥) هوت أنجم كانت لأبناء برمك ... بها يعرف الحادى طريق المسالك وظهرت ضروب جديدة فى الرثاء لم تكن معروفة قبل هذا العصر، من ذلك رثاء المدن حين تنزل بها كوارث النهب والحرق، وكان الجيش الذى أحاط ببغداد قبل مقتل الأمين رماها بالمجانيق فاندلعت فيها النيران واحترقت بعض الأحياء، وعمّ فيها نهب الأموال وقتل الأبرياء، مما جعل كثيرين من الشعراء يبكونها وقد غمرهم الحزن والأسى، من مثل قول بعضهم (٦): ألا ابك لإحراق وهدم منازل ... وقتل وإنهاب اللهى والذخائر (٧) وإبراز ربّات الخدور حواسرا ... خرجن بلا خمر ولا بمآزر كأن لم تكن بغداد أحسن منظرا ... وملهى رأته عين لاه وناظر ومن ضروب الرثاء الحديدة مراثى الطير الصادح من مثل القمرىّ والحيوانات

стр. 1077

المستأنسة، وقد جعل القاسم بن يوسف أخو أحمد بن يوسف كاتب المأمون ذلك وكده، كما يقول أبو الفرج (١) الأصبهانى، فاستغرق أكثر شعره فيه، من مثل قوله يرثى شاة: عين إبكى لعنزنا السّوداء ... كالعروس الأدماء يوم الجلاء (٢) وكان لابن الزيات فرس أشهب لم ير مثله فراهة وحسنا، فوصفت للمعتصم فراهته، فطلبه منه، فلم يستطع رد طلبه، حتى إذا بان عنه رثاه بقصيدة طويلة يقول فيها (٣): كيف العزاء وقد مضى لسبيله ... عنا فودّعنا الأحمّ الأشهب (٤) منع الرقاد جوى تضمّنه الحشا ... وهوى أكابده وهمّ منصب (٥) ومن المراثى الجديدة الموضوع مرثية (٦) محمد بن يسير لبستان له عاثت فيه شاة أفلتت لأحد جيرانه، ودخلت البيت، فعاثت ببعض صحفه وقراطيسه، وفيها يندب روعة هذا البستان قبل أن تعبث به ضارعا إلى ربه بالشكوى من هذه الشاة وأن ينزل بها عقاب أليم. وقد أكثر الشعراء فى العصر من العتاب والاعتذار متخذين لهما مسالك دقيقة تدل أوضح الدلالة على رهافة الحس وخصب الذهن من مثل قول أبى دلف معاتبا (٧): ومن لى بالعين التى كنت مرّة ... إلى بها فى سالف الدّهر تنظر وقول أبى تمام (٨): لئن كنت أخطو ساحة المحل إننى ... لأترك روضا من جداك وجدولا (٩) وستلقانا فى تراجمهم معاتبات كثيرة بين الأصدقاء، تعبر عن عواطف

стр. 1078

الصداقة الدقيقة، وقد تفننوا فى صور اعتذاراتهم مستوحين قدرتهم العقلية فى الحجاج والمنطق، من مثل قول إبراهيم بن سيابة يعتذر للفضل بن الربيع، وكان قد سخط عليه سخطا شديدا (١): إن كان حرمى قد أحاط بحرمتى ... فأحط بجرمى عفوك المأمولا فكم ارتجيتك فى التى لا يرتجى ... فى مثلها أحد فنلت السّولا (٢) وضللت عنك فلم أجد لى مذهبا ... ووجدت حلمك لى عليك دليلا هبنى أسأت-وما أسأت-أقرّكى ... يزداد عفوك بعد طولك طولا (٣) فالعفو أجمل والتفضل بامرئ ... لم يعدم الراجون منه جميلا وواضح أن هذا الاعتذار مكتوب بأقيسة منطقية سديدة. ولعل الشاعر العباسى لم يعن بموضوع قديم كما عنى بالغزل وتصوير عاطفة الحب الإنسانية التى كانت تخفق بأغانيها صباح مساء العيدان والطنابير والدفوف والمعازف من كل شكل مختلطة بأصوات المغنيات والمغنين على جميع صور الإيقاعات من الشدة واللين. وكانت المغنيات خاصة أو بعبارة أخرى القيان يعبثن بقلبه هن ومن حولهن من الجوارى والإماء، وكان يتصل بهن اتصالا غير مقطوع على نحو ما أسلفنا فى الفصل الثانى، وكل منهن تود لو استحوذت على شاعر، وبادلته حبّا بحب وهياما بهيام. وكاد أن يكون لكل شاعر طائفة من الجوارى يحففن به، وكان منهن كثيرات يحسنّ نظم الشعر، فكن يكتبن أبيات الغزل المثيرة على عصائبهن وثيابهن، وقد يطارحن بعض الشعراء أبيات العشق والصبابة، على نحو ما صوّرنا من ذلك فى غير هذا الموضع. ومن المحقق أن هؤلاء الجوارى والقيان هن اللائى دفعن المجتمع العباسى فى بعض جوانبه إلى الفساد الحلقى، إذ كن بعشن فى بيوت النخاسة، وكانت دورا كبيرة للعبث واللهو، ولم يكنّ يستمعن فيها إلى ما يعدل بهن إلى السيرة السوية، إنما كن يستمعن إلى أحاديث العشق والصبوة، ومن حولهن الشياطين الذين يستهينون

стр. 1079

بكل شئ، بل كان منهم من ينكر أصول الدين إنكارا غارقا فى اللذة والمجون من أمثال بشار وأبى نواس. فطبيعى أن تسوء سيرتهن، أو على الأقل سيرة طائفة منهن، وأن يفتح ذلك الأبواب للغزل الإباحى الذى يدفع إليه الجشع الجسدى والذى لا يدع فارقا بين الإنسان والحيوان، وهو غزل لم يكن يعرفه العرب فى العصور الماضية، عصور الوقار والارتفاع عن درك الغرائز النوعية. حقّا عرفوا الغزل الصريح، ولكنهم لم يبلغوا مبلغ العباسيين فى الصراحة وما وراء الصراحة من الجهر بالفسوق والإثم دون رادع من خلق أو زاجر من دين. لذلك كان طبيعيّا أن يشيع الغزل الماجن فى هذا العصر، وبلغ من حدّته أن شاع الغزل الشاذ بالغلمان، فحتى هذا الغزل المزرى بكرامة الرجل دار على كثير من الألسنة الدنسة. وقد استطاع تراث الغزل القديم أن يكبح جماح هذه الموجة المادية الحادة من بعض الوجوه، فإن هؤلاء الشعراء الماجنين كانوا يستظهرونه ويتلونه، وكانوا يرون فيه إكبار الرجل للمرأة وإعزازها، بل كانوا يرون فيه حبّا عذريّا عفيفا، كله تحفظ واحتشام، وكله عذاب وآلام. فمزجوا ذلك بنداءات غرائزهم الجسدية. وأيضا فإنه كان قد ترجم-على ما يظهر-شئ من الحب الأفلاطونى اليونانى، وأخذ مفكرو العرب ومتفلسفتهم يتحدثون عن العشق أحاديث فيها كثير من السمو والسعة والعمق، على نحو ما يلقانا عند المسعودى، إذ أورد مجلسا ليحيى البرمكى تناظر فيه نفر من المعتزلة والمتكلمين وبعض أهل الملل والنحل فى العشق وحقائقه وظواهره وعذابه وحرارته ولطافة صاحبه ورقته ورهافة شعوره (١)، وهو حديث أو هى مناظرة دارت كلها حول العشق العفيف الطاهر الذى يستأثر بالقلوب ويملك عليها أهواءها وعواطفها ومشاعرها. وفى رأينا أن هذه المناظرة ترمز بوضوح إلى ما كان فى ايدى الشعراء من كلام عن الحب النقى البرئ بالإضافة إلى ما وروه عن أسلافهم وخاصة شعراء نجد العذريين من الحب السامى الذى يوقد فى القلوب جذوة لا تنطفئ والذى يدلع فيها جحيما من العذاب لا يطاق. وكل ذلك سرى فى نفوس الغزلين الماجنين من العباسيين، ومضوا يصيفون إليه من خواطرهم الثرية الخصبة ما أذكى جذوته، ومن أجل ذلك كنت تقرأ عند بشار وأبى نواس وغيرهما

стр. 1080

من المجان قطعا من الحب الأفلاطونى أو قل من الحب العفيف البرئ الذى يرتفع عن المادة والحس من مثل قول أولهما (١): دعا بفراق من تهوى أبان ... ففاض الدّمع واحترق الجنان كأن شرارة وقعت بقلبى ... لها فى مقلتى ودمى استنان (٢) إذا أنشدت أو نسمت عليها ... رياح الصّيف هاج لها دخان على أنه سرعان ما ظهر شاعر تخصص بالغزل العفيف واشتهر به هو العباس ابن الأحنف، وسنفرد له فى الفصل السادس ترجمة خاصة. وكانوا فى غزلهم العفيف والصريح الماجن يحرصون دائما على أن يملأوا معاصريهم إعجابا بدقائق معانيهم وطرائف أخيلتهم، من مثل قول بشار (٣): أتتنى الشمس زائرة ... ولم تك تبرح الفلكا وقول أبى نواس (٤): كأن ثيابه أطلع ... ن من أزراره قمرا يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا بعين خالط التّفت ... ير من أجفانها الحورا وخدّ سابرىّ لو ... تصوّب ماؤه قطرا وقول مسلم بن الوليد (٥): أقر بالذّنب منى لست أعرفه ... كيما أقول كما قالت فنتّفق حبست دمعى على ذنب تجدّده ... فكل يوم دموع العين تستبق وقد اتسعت موجة المجون كما مرّ بنا، واتسع معها وصف الخمر، وكان القدماء يصفونها على نحو ما هو معروف عن الأعشى وعدى بن زيد العبادى، وأخذ

стр. 1081

صفها يكثر فى أواخر عصر بنى أمية عند الوليد بن يزيد وأبى الهندىّ وأضرابهما. يرى مجالسها، منذ مطالع هذا العصر، معقودة فى البصرة والكوفة، حتى إذا امت بغداد نافستهما فى تلك المجالس. وكانت تنبثّ حاناتها فى الكرخ ببغداد غير الكرخ وفيما وراءه من دور النخاسة والأديرة المنثورة فى ضواحى الكوفة وعلى الطريق منها ومن البصرة إلى بغداد، فأمّها جميعا مجان الشعراء هم وغيرهم من عامة لفساق، وكانوا أخلاطا، منهم الزنديق الثائر على الإسلام وتعاليمه، ومنهم لحزين الذى لم تحقق له الدولة أحلامه، فأكبّ على الخمر يغرق فيها آلامه، منهم المجوسى والدهرى الذى لا يؤمن بأى كتاب سماوى. وقد مضوا جميعا يعبّون من الخمر حتى الثمالة، وتلقانا منهم منذ أوائل العصر جماعات ألّف المجون والعشق الفسق الآثم بينهم مثل جماعة مطيع بن إياس ووالبة وحماد عجرد ويحيى بن زياد لحارثى فى الكوفة وكانوا يعبّون الخمر أرطالا ويتغزلون الغزل المكشوف الماجن الجوارى والغزل الشاذ الدنس بالغلمان، متحرّرين من كل خلق وعرف ودين، فى ذلك يقول مطيع (١): اخلع عذارك فى الهوى ... واشرب معتّقة الدّنان وصل القبيح مجاهرا ... فالعيش فى وصل القيان لا يلهينّك غير ما ... تهوى فإن العمر فان وتبلغ حدة هذه الموجة غايتها فى عهد الأمين، إذ حوّل قصر الخلافة إلى ما يشبه مقصفا للخمور والمجون، واتخذ أبا نواس نديمه، وكان يعكف على الخمر والمجون عكوفا يقترن بعجيج وضجيج وهجوم على مقدمة الأطلال القديمة طالبا إلى الشعراء أن يضعوا مكانها وصف الخمر المعتقة، صائحا بذلك صياحا كثيرا من مثل قوله (٢): قل لمن يبكى على رسم درس ... واقفا ما ضرّ لو كان جلس (٣) تصف الرّبع ومن كان به ... مثل سلمى ولبينى وخنس (٤)

стр. 1082

اترك الرّبع وسلمى جانبا ... واصطبح كرخية مثل القبس (١) وتتردد مع هذا الصياح فى خمرياته مجاهرة بأنه يقترف ما يقترف من آثامه دون تفكير فى جنة أو نار، ولكن من الحق أنه لم يكن زنديقا ولا شعوبيّا، إنما كان متحلل الأخلاق ساقط المرءوة. وأكبر الظن أنه اندفع فى مجونه هروبا من واقع نشأته وواقع أمه على نحو ما سنوضح ذلك فى ترجمته، وكأنه يريد أن ينسى ماضيه وذكرياته السيئة. وقد انتشر فى العصر شعر الزهد، وكان أكثر اتصالا بحياة الجماهير من شعر الخمر والمجون، فإنها لم تكن تعرف ترفا ولا ما يشبه الترف، وكانت تعيش حياة دينية مستقيمة يشيع فى بعض جوانبها النسك والعبادة. وإذا كان كتاب الأغانى يفيض بالمجون فإن كتب الطبقات التى ترجمت للفقهاء والمحدثين تفيض بأخبار العبّاد والزهاد الذين رفضوا الدنيا وشهواتها وملاذها وآثروا ما يبقى على ما يفنى، ممسكين أيديهم عن أخذ عطاء أو مال من خليفة أو وال. ويشيع مع هذه الأخبار كثير من الأشعار التى تصور زهد هؤلاء الناسكين وانصرافهم عن متاع الدنيا الزائل والإقبال على الآخرة بالتقوى والتوكل على الله والعمل الصالح. وقد تبعهم كثير من الشعراء يردّدون نفس النغم، حتى شعراء المجون أنفسهم فإن منهم من كان يثوب إلى نفسه فيعاف ما تردّى فيه من فسق ومجون، وحينئذ إما أن يقلع عن غيه إلى الأبد على نحو ما أقلع محمد بن حازم الباهلى (٢)، وإما أن يقلع إلى حين يطول أو يقصر على نحو ما يلقانا عند أبى نواس مما جعل ديوانه يشتمل على مثل قوله (٣): ألا ربّ وجه فى التراب عتيق ... ويا ربّ حسن فى التراب رقيق (٤) فقل لقريب الدار إنك راحل ... إلى منزل نائى المحل سحيق وما الناس إلا هالك وابن هالك ... وذو نسب فى الهالكين عريق إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ فى ثياب صديق

стр. 1083

وإذا كان أبو نواس شغل فى زهدياته بمصير الإنسان فإن ابن حازم، وغيره كثيرون، شغلوا بالدعوة إلى القناعة بالكفاف والرضا بالحظ المقسوم والغنى عما فى أيدى الناس والحكام من مثل قوله (١): اضرع إلى الله لا تضرع إلى الناس ... واقنع بيأس فإن العزّ فى الياس واستغن عن كل ذى قربى وذى رحم ... إن الغنىّ من استغنى عن الناس وأخذت تظهر حينئذ تباشير التصوف، غير أنه لا يزدهر فى هذا العصر، إنما يزدهر فى تاليه، وسنعرض لتلك التباشير فى الفصل السادس، وأيضا سنعود إلى الحديث عن الزهد حديثا أكثر تفصيلا. ٤ - موضوعات جديدة رأينا موضوعات الشعر القديمة تتجدد تجددا واسعا فى معانيها، فقد أخذت تعرض بصورة أدق وأعمق، وأخذت تدخل عليها إضافات كثيرة. ولم يقف الشاعر العباسى عند ذلك فقد أخذ ينمّى بعض جوانب هذا الشعر حتى لتخرج منه فروع جديدة كثيرة. ونحن نعرضها بترتيب الموضوعات التى تحدثنا عنها، وأولها مثالية الشيم العربية الرفيعة التى كان يصف بها الشعراء ممدوحيهم، فقد تناولوا هذه الشيم شيمة شيمة، وأخذوا يفردونها بمقطوعات أو قصائد، يجردونها لها محللين، ومفكرين ملاحظين، فقطعة فى تصوير الكرم، وقطعة فى تصوير الحلم، وقطعة فى تصوير الحياء، وقطعة فى تصوير العفة، وقطعة فى تصوير الصبر والتنفير من اليأس من مثل قول محمد بن يسير: (٢) لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا إن الأمور إذا انسدّت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كلّ ما ارتتجا (٣)

стр. 1084

أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا (١) فاطلب لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا زلقا عن غرّة زلجا (٢) وهيأ ذلك لفتح باب واسع من تحليل الأخلاق المحمودة. وأيضا فإنهم وسعوا معانى الهجاء وما فيه من أخلاق مذمومة، فتناولوها هى الأخرى بالبسط والتفصيل منفضلة عن أشعار الهجاء. وبذلك أتاحوا للمربين والمعلمين مادة طريفة لتأديب الناشئة وحثهم على الأخلاق الفاضلة وصدهم عن الأخلاق المذمومة. وقد وقفوا طويلا عند واجبات الأخوة والصداقة واختيار الإخوان والأصدقاء وسبر أخلاقهم قبل اصطفائهم فهم على طبقات منهم من يشبه الدواء ومنهم من يشبه الداء، ومنهم المتصنع الملق الذى يشبه الثمرة المرّة حسنة المنظر، فإن نزل بك سوء فر منك وازورّ عنك، وفى ذلك بقول حماد عجرد (٣): كم من أخ لك لست تنكره ... ما دمت من دنياك فى يسر متصنّع لك فى مودّته ... يلقاك بالترحيب والبشر يطرى الوفاء وذا الوفاء ويل ... حى الغدر مجتهدا وذا الغدر (٤) فإذا عدا-والدّهر ذو غير- ... دهر عليك عدا مع الدّهر (٥) فارفض بإجمال مودّة من ... يقلى المقلّ ويعشق المثرى (٦) وعليك من حالاه واحدة ... فى العسر إما كنت واليسر لا تخلطنّهم بغيرهم ... من يخلط العقيان بالصّفر (٧) وحماد يجعل مقياس الأخوة الصادقة المواصلة فى العسر، ويعرض علينا صورة الإخاء الكاذب الذى لا يعرف الأخ فيه أخاه إلا فى السراء، أما فى الضراء فيزورّ عنه ازورارا. وجعلهم تفكيرهم فى الأخوة ينهون عن صحبة الحمقى لما تجرّ من بلاء كثير،

стр. 1085

وفى ذلك يقول أبو العتاهية: (١) احذر الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق (٢) كلما رقّعته من جانب ... زعزعته الريح يوما فانخرق أو كصدع-فى زجاج-فاحش ... هل ترى صدع زجاج يلتصق فإذا عاتبته كى يرعوى ... زاد شرّا وتمادى فى الحمق وكان الشاعر القد: كما أسلفنا يقدم لمدحته بوصف الأطلال معبرا عن حنين قوى لملاعب حبه فى صباه وشبابه، مستطردا من ذلك إلى وصف الصحراء، وقد صورنا ما حدث من إضافات فى هذه المقدمات، والمسألة تتسع، فإذا هى توحى للشاعر العباسى بمقطوعات أو قصائد مستقلة وكأنه اتخذ منها نوافذ لموضوعات جديدة، وهى موضوعات نجد بذورها فى مدائحه، فقد ذكرنا أنه عدل أحيانا عن وصف الأطلال إلى وصف القصور، ولكن الذى نسجله هنا أنه ترك أطلال نجد إلى أطلال بعض القصور فى الحاضرة وخصها بمقطوعات مفردة من مثل قول محمد ابن يسير فى قصر خرب (٣): ألا يا قصر قصر النّوشجانى ... أرى بك بعد أهلك ما شجانى (٤) فلو أعفى البلاء ديار قوم ... لفضل منهم ولعظم شانى لما كانت ترى بك بيّنات ... تلوح عليك آثار الزمان وهذا الموضوع الجديد هو الذى ألهم البحترى فيما بعد سينيته المشهورة فى إيوان كسرى. وقد دفع الحنين الذى صحب وصف الأطلال الشاعر العباسى فى بعض مدائحه إلى بثّ حنين مقابل لوطنه وبلده حين ينأى عنه وتظل روحه ملتصقة به، ولكن الجديد أنه أفرد لهذا الحنين قطعا بديعة من مثل قول دعبل (٥): ألم يأن للسّفر الذين تحمّلوا ... إلى وطن قبل الممات رجوع (٦)

стр. 1086

فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... نطقن بما ضمّت عليه ضلوع تبيّن، فكم دار تفرّق شملها ... وشمل شتيت عاد وهو جميع كذاك الليالى صرفهنّ كما ترى ... لكل أناس جدبة وربيع (١) ومرّ بنا أن الشاعر العباسى كان يحتفظ أحيانا فى مقدمات مدائحه بوصف الصحراء وأحيانا يتركها إلى وصف الطبيعة فى الحاضرة ببساتينها ورياحينها، وقد أخذ يخص هذه الطبيعة بمقطوعات وقصائد كثيرة، بحيث أصبحت موضوعا جديدا واسعا، وكان يمزج نشوته بها فى بعض الأحيان بنشوة الحب أو نشوة الخمر وسماع القيان، وفى كثير من الأحيان كان يقف عند تصوير فتنته بها وبورودها ورياحينها من مثل قول إبراهيم بن المهدى فى النرجس (٢): ثلاث عيون من النّرجس ... على قائم أخضر أملس يذكّرننى طيب ريّا الحبيب ... فيمنعننى لذّة المجلس (٣) وقد أكثروا من وصف الأمطار والسحب، كما أكثروا من وصف الرياض وخاصة فى الربيع حين تتبرج الطبيعة بمناظرها الفاتنة. وعبروا عن أحاسيسهم ومشاعرهم أحيانا خلال هذا الوصف، مما جعلهم يخاطبون بعض عناصرها، وكأنها أناسىّ تحمل عواطف الإنسان ويصيبها ما يصيبه من ريب الزمان، ومن خير ما يصور ذلك مخاطبة مطيع بن إياس لنخلتى حلوان على هذه الشاكلة (٤): أسعدانى يا نخلتى حلوان ... وابكيالى من ريب هذا الزمان (٥) واعلما أن ريبه لم يزل يف ... رق بين الألاّف والجيران ولعمرى لو ذقتما ألم الفر ... قة أبكاكما الذى أبكانى أسعدانى وأيقنا أنّ نحسا ... سوف يلقاكما فتفترقان كم رمتنى صروف هذى الليالى ... بفراق الأحباب والخلاّن

стр. 1087

ونرى شعراء كثيرين يعنون بوصف مظاهر الحضارة العباسية المادية وما يتصل بها من الترف فى الطعام والتأنق فى الملابس والثياب، ووصف القصور وما حولها من البساتين وما يجرى فيها من الظباء والغزلان من مثل قول أبى عيينة المهلبى فى وصف قصر ابن عمه عمر بن حفص المهلبى (١): فيا طيب ذاك القصر قصرا ومنزلا ... بأفيح (٢) سهل غير وعر ولا ضنك بغرس كأبكار الجوارى وتربة ... كأن ثراها ماء ورد على مسك وسرب من الغزلان يرتعن حوله ... كما استلّ منظوم من الدّرّ من سلك وأكثروا من وصف الحيوان والطير والحشرات، واشتهر بذلك خلف (٣) الأحمر وجهم (٤) بن خلف، وفى كتاب الحيوان للجاحظ من ذلك مادة وافرة. وعلى هذا النحو نفذ الشاعر العباسى من وصف الشاعر القديم للصحراء وحيوانها الأليف والوحشى إلى وصف بيئته بجميع مظاهرها وعناصرها الصامتة والمتحركة، وقد وصف وصفا دقيقا الأمراض والآفات التى انتابته، ويصور ذلك من بعض الوجوه قصيدة لعبد الصمد بن المعذّل يصف فيها حمى اعترته، وفيها يقول (٥): وبنت المنية تنتابنى ... هدوّا (٦) وتطرقنى سحره كأن لها ضرما فى الحشا ... وفى كل عضو لها جمره لها قدرة فى جسوم الأنام ... حباها بها الله ذو القدره وطورا ألقّبها سخنة ... وطورا ألقّبها فتره وصرت إذا جعت يوما ظللت ... كأنّ على كبدى شفره (٧) ويربو الطحال إذا ما شبعت ... فتعلو التّرائب والصّدره (٨)

стр. 1088

وأمسى كأنى من معدتى ... لبست الثياب على زكره (١) إذا ما رأيت امرءا مطلقا ... له الأكل تخنقنى العبره (٢) كأنى فى منزلى مخصبا ... ببلقعة جدبة قفره وهو وصف دقيق لأثر الحمى فى الجسم وأوقاتها التى تفد فيها وآلامه مع الجوع والأكل وما يحس به فى جوفه من مرارة وحدة. وقد صور شعوره بالحرمان وغبطته الأصحاء على ما يطعمون، وبيته حافل بألوان الغذاء، ولكنه يشعر كأنما هو فى فلاة مجدبة. وقد رأينا أبا تمام يخلط بعض مقدمات مدائحه بالشكوى من الزمن ونوازله، وقد نظم هو نفسه قصائد خصها ببث شكواه من الدهر وهمومه (٣)، وشركه فى ذلك بعض الشعراء، مما جعل هذا الباب يتسع منذ هذا العصر ويصبح أحد الموضوعات الأساسية فى دواوين الشعراء، وخاصة دواوين العصر التالى، إذ ساءت أحوال المجتمع وانعكست أصداء ذلك على نفسيات الشعراء وبالتالى على أشعارهم. ومرّ بنا اتساع الشعراء بمراثيهم حتى شملوا بها الطير والحيوان والبساتين والمدن، وكان منهم من يبكى فى مقدمات مدائحه أحيانا الشباب فى بيت أو أبيات قليلة. وسرعان ما رأينا القصائد تستقل بهذا الموضوع، ومن أروعها قصيدة محمد بن حازم، وفيها يقول (٤): سقيا ورعيا لأيام الشباب وإن ... لم يبق منه له رسم ولا طلل ليت المنايا أصابتنى بأسهمها ... فكنّ يبكين عهدى قبل أكتهل عهد الشباب لقد أبقيت لى حزنا ... ما جدّ ذكرك إلا جدّ لى ثكل (٥) ومما استحدثوه من المراثى محللين لمشاعرهم تحليلا دقيقا بكاؤهم حين يخبو نور البصر، وممن أكثروا من تصوير هذه المشاعر أبو يعقوب الخريمى، وكان قد أصبح ضريرا، حين طعن فى السن، فتحول يصور أحاسيسه، متفجعا على عينيه

стр. 1089

تفجعا يبعث الأسى فى النفس من مثل قوله (١): أصغى إلى قائدى ليخبرنى ... إذا التقينا عمّن يحيّينى أريد أن أعدل السّلام وأن ... أفصل بين الشريف والدّون أسمع مالا أرى فأكره أن ... أخطىّ والسمع غير مأمون لله عينى التى فجعت بها ... لو أن دهرا بها يواتينى لو كنت خيّرت ما أخذت بها ... تعمير نوح فى ملك قارون وقد صوروا كثيرا من العواطف الدقيقة، من ذلك التعاطف الرقيق بين الأب وبنيه وبناته وما يطوى فيه من الرحمة والبر والحنان، على نحو ما يلقانا عند ابن يسير مصورا عطفه على بنيّة له وكيف يستأثر به ويجشمه اقتحام المصاعب من أجل سعادتها، وكيف يحبّبه فى الحياة خوفا عليها من ذل اليتم وجفوة الأهل، وإنه ليشفق عليها حتى من الدموع التى سترسلها حين يتأهب لمفارقة الحياة، يقول (٢): لولا البنيّة لم أجزع من العدم ... ولم أجب فى الليالى حندس الظلم (٣) وزادنى رغبة فى العيش معرفتى ... ذلّ اليتيمة يجفوها ذوو الرّحم أخشى فظاظة عمّ أو جفاء أخ ... وكنت أخشى عليها من أذى الكلم إذا تذكرت بنتى حين تندبنى ... جرت لعبرة بنتى عبرتى بدم وحلّلوا كثيرا من المشاعر، من ذلك شعور الزوج بالغيرة الشديدة على زوجته وما يجر ذلك عليهما من البلاء، وللخريمى فى ذلك مقطوعة بديعة يفرق فيها بين الغيرة المطلوبة فى حينها وبين الغيرة التى تتحول إلى ما يشبه مرضا يعزّ دواؤه، فإذا الزوج يشك فى زوجته، حتى ليعصف بها شكه، فإذا هى توشك أن تتردى فى مسالك الريبة. وينصحه أن يمنحها ثقته وأن لا يشوب سلوكه بريبة، فتسير سيرته المعوجة ويفسد عليه كل شئ، وفى ذلك كله يقول (٤):

стр. 1090

ما أحسن الغيرة فى حينها ... وأقبح الغيرة فى كلّ حين من لم يزل متّهما عرسه ... متّبعا فيها لقول الظّنون (١) يوشك أن يغريها بالذى ... يخاف أن يبرزها للعيون حسبك من تحصينها وضعها ... منك إلى عرض صحيح ودين لا تطّلع منك على ريبة ... فيتبع المقرون حبل القرين وقد صوروا تصويرا دقيقا حياة البؤس والمسغبة التى كان يرزح تحت أثقالها جماهير الشعب، ومن خير ما يمثل ذلك مقطوعة لأبى فرعون الساسى يصور فيها جوع عياله وكيف يبيتون فى الشتاء القارص عراة لا يجدون ما يحميهم من هول البرد وزمهريره، وهى تجرى على هذا النمط (٢): وصبية مثل صغار الذّرّ ... سود الوجوه كسواد القدر (٣) جاءهم البرد وهم بشر ... بغير قمص وبغير أزر تراهم بعد صلاة العصر ... وبعضهم ملتصق بصدرى وبعضهم ملتصق بظهرى ... وبعضهم منحجر بحجرى إذا بكوا علّلتهم بالفجر ... حتى إذا لاح عمود الفجر ولاحت الشمس خرجت أسرى ... عنهم وحلّوا بأصول الجدر كأنّهم خنافس فى جحر وقد أسلفنا فى حديثنا عن الحياة الاجتماعية ولع الخلفاء بالصيد، وكيف كانوا يخرجون إليه فى مواكب حافلة، ومعهم البزاة والصقور والكلاب، وتبعهم فى هذا الصنيع الوزراء وعلية القوم. وقد نظم الشعراء فى هذه المتعة الرياضية أراجيز كثيرة سموها الطرديات، وأكثر من النظم فيها أبو نواس، وأحسن غاية الإحسان فى وصف الكلاب «لأنه كان قد لعب بها زمانا وعرف منها ما لا تعرفه الأعراب». وحقا سبقه فى هذا الموضوع بعض شعراء العصر الأموى من مثل الشمردل
следующие страницы →