← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... نطقن بما ضمّت عليه ضلوع تبيّن، فكم دار تفرّق شملها ... وشمل شتيت عاد وهو جميع كذاك الليالى صرفهنّ كما ترى ... لكل أناس جدبة وربيع (١) ومرّ بنا أن الشاعر العباسى كان يحتفظ أحيانا فى مقدمات مدائحه بوصف الصحراء وأحيانا يتركها إلى وصف الطبيعة فى الحاضرة ببساتينها ورياحينها، وقد أخذ يخص هذه الطبيعة بمقطوعات وقصائد كثيرة، بحيث أصبحت موضوعا جديدا واسعا، وكان يمزج نشوته بها فى بعض الأحيان بنشوة الحب أو نشوة الخمر وسماع القيان، وفى كثير من الأحيان كان يقف عند تصوير فتنته بها وبورودها ورياحينها من مثل قول إبراهيم بن المهدى فى النرجس (٢): ثلاث عيون من النّرجس ... على قائم أخضر أملس يذكّرننى طيب ريّا الحبيب ... فيمنعننى لذّة المجلس (٣) وقد أكثروا من وصف الأمطار والسحب، كما أكثروا من وصف الرياض وخاصة فى الربيع حين تتبرج الطبيعة بمناظرها الفاتنة. وعبروا عن أحاسيسهم ومشاعرهم أحيانا خلال هذا الوصف، مما جعلهم يخاطبون بعض عناصرها، وكأنها أناسىّ تحمل عواطف الإنسان ويصيبها ما يصيبه من ريب الزمان، ومن خير ما يصور ذلك مخاطبة مطيع بن إياس لنخلتى حلوان على هذه الشاكلة (٤): أسعدانى يا نخلتى حلوان ... وابكيالى من ريب هذا الزمان (٥) واعلما أن ريبه لم يزل يف ... رق بين الألاّف والجيران ولعمرى لو ذقتما ألم الفر ... قة أبكاكما الذى أبكانى أسعدانى وأيقنا أنّ نحسا ... سوف يلقاكما فتفترقان كم رمتنى صروف هذى الليالى ... بفراق الأحباب والخلاّن

стр. 1087

ونرى شعراء كثيرين يعنون بوصف مظاهر الحضارة العباسية المادية وما يتصل بها من الترف فى الطعام والتأنق فى الملابس والثياب، ووصف القصور وما حولها من البساتين وما يجرى فيها من الظباء والغزلان من مثل قول أبى عيينة المهلبى فى وصف قصر ابن عمه عمر بن حفص المهلبى (١): فيا طيب ذاك القصر قصرا ومنزلا ... بأفيح (٢) سهل غير وعر ولا ضنك بغرس كأبكار الجوارى وتربة ... كأن ثراها ماء ورد على مسك وسرب من الغزلان يرتعن حوله ... كما استلّ منظوم من الدّرّ من سلك وأكثروا من وصف الحيوان والطير والحشرات، واشتهر بذلك خلف (٣) الأحمر وجهم (٤) بن خلف، وفى كتاب الحيوان للجاحظ من ذلك مادة وافرة. وعلى هذا النحو نفذ الشاعر العباسى من وصف الشاعر القديم للصحراء وحيوانها الأليف والوحشى إلى وصف بيئته بجميع مظاهرها وعناصرها الصامتة والمتحركة، وقد وصف وصفا دقيقا الأمراض والآفات التى انتابته، ويصور ذلك من بعض الوجوه قصيدة لعبد الصمد بن المعذّل يصف فيها حمى اعترته، وفيها يقول (٥): وبنت المنية تنتابنى ... هدوّا (٦) وتطرقنى سحره كأن لها ضرما فى الحشا ... وفى كل عضو لها جمره لها قدرة فى جسوم الأنام ... حباها بها الله ذو القدره وطورا ألقّبها سخنة ... وطورا ألقّبها فتره وصرت إذا جعت يوما ظللت ... كأنّ على كبدى شفره (٧) ويربو الطحال إذا ما شبعت ... فتعلو التّرائب والصّدره (٨)

стр. 1088

وأمسى كأنى من معدتى ... لبست الثياب على زكره (١) إذا ما رأيت امرءا مطلقا ... له الأكل تخنقنى العبره (٢) كأنى فى منزلى مخصبا ... ببلقعة جدبة قفره وهو وصف دقيق لأثر الحمى فى الجسم وأوقاتها التى تفد فيها وآلامه مع الجوع والأكل وما يحس به فى جوفه من مرارة وحدة. وقد صور شعوره بالحرمان وغبطته الأصحاء على ما يطعمون، وبيته حافل بألوان الغذاء، ولكنه يشعر كأنما هو فى فلاة مجدبة. وقد رأينا أبا تمام يخلط بعض مقدمات مدائحه بالشكوى من الزمن ونوازله، وقد نظم هو نفسه قصائد خصها ببث شكواه من الدهر وهمومه (٣)، وشركه فى ذلك بعض الشعراء، مما جعل هذا الباب يتسع منذ هذا العصر ويصبح أحد الموضوعات الأساسية فى دواوين الشعراء، وخاصة دواوين العصر التالى، إذ ساءت أحوال المجتمع وانعكست أصداء ذلك على نفسيات الشعراء وبالتالى على أشعارهم. ومرّ بنا اتساع الشعراء بمراثيهم حتى شملوا بها الطير والحيوان والبساتين والمدن، وكان منهم من يبكى فى مقدمات مدائحه أحيانا الشباب فى بيت أو أبيات قليلة. وسرعان ما رأينا القصائد تستقل بهذا الموضوع، ومن أروعها قصيدة محمد بن حازم، وفيها يقول (٤): سقيا ورعيا لأيام الشباب وإن ... لم يبق منه له رسم ولا طلل ليت المنايا أصابتنى بأسهمها ... فكنّ يبكين عهدى قبل أكتهل عهد الشباب لقد أبقيت لى حزنا ... ما جدّ ذكرك إلا جدّ لى ثكل (٥) ومما استحدثوه من المراثى محللين لمشاعرهم تحليلا دقيقا بكاؤهم حين يخبو نور البصر، وممن أكثروا من تصوير هذه المشاعر أبو يعقوب الخريمى، وكان قد أصبح ضريرا، حين طعن فى السن، فتحول يصور أحاسيسه، متفجعا على عينيه

стр. 1089

تفجعا يبعث الأسى فى النفس من مثل قوله (١): أصغى إلى قائدى ليخبرنى ... إذا التقينا عمّن يحيّينى أريد أن أعدل السّلام وأن ... أفصل بين الشريف والدّون أسمع مالا أرى فأكره أن ... أخطىّ والسمع غير مأمون لله عينى التى فجعت بها ... لو أن دهرا بها يواتينى لو كنت خيّرت ما أخذت بها ... تعمير نوح فى ملك قارون وقد صوروا كثيرا من العواطف الدقيقة، من ذلك التعاطف الرقيق بين الأب وبنيه وبناته وما يطوى فيه من الرحمة والبر والحنان، على نحو ما يلقانا عند ابن يسير مصورا عطفه على بنيّة له وكيف يستأثر به ويجشمه اقتحام المصاعب من أجل سعادتها، وكيف يحبّبه فى الحياة خوفا عليها من ذل اليتم وجفوة الأهل، وإنه ليشفق عليها حتى من الدموع التى سترسلها حين يتأهب لمفارقة الحياة، يقول (٢): لولا البنيّة لم أجزع من العدم ... ولم أجب فى الليالى حندس الظلم (٣) وزادنى رغبة فى العيش معرفتى ... ذلّ اليتيمة يجفوها ذوو الرّحم أخشى فظاظة عمّ أو جفاء أخ ... وكنت أخشى عليها من أذى الكلم إذا تذكرت بنتى حين تندبنى ... جرت لعبرة بنتى عبرتى بدم وحلّلوا كثيرا من المشاعر، من ذلك شعور الزوج بالغيرة الشديدة على زوجته وما يجر ذلك عليهما من البلاء، وللخريمى فى ذلك مقطوعة بديعة يفرق فيها بين الغيرة المطلوبة فى حينها وبين الغيرة التى تتحول إلى ما يشبه مرضا يعزّ دواؤه، فإذا الزوج يشك فى زوجته، حتى ليعصف بها شكه، فإذا هى توشك أن تتردى فى مسالك الريبة. وينصحه أن يمنحها ثقته وأن لا يشوب سلوكه بريبة، فتسير سيرته المعوجة ويفسد عليه كل شئ، وفى ذلك كله يقول (٤):

стр. 1090

ما أحسن الغيرة فى حينها ... وأقبح الغيرة فى كلّ حين من لم يزل متّهما عرسه ... متّبعا فيها لقول الظّنون (١) يوشك أن يغريها بالذى ... يخاف أن يبرزها للعيون حسبك من تحصينها وضعها ... منك إلى عرض صحيح ودين لا تطّلع منك على ريبة ... فيتبع المقرون حبل القرين وقد صوروا تصويرا دقيقا حياة البؤس والمسغبة التى كان يرزح تحت أثقالها جماهير الشعب، ومن خير ما يمثل ذلك مقطوعة لأبى فرعون الساسى يصور فيها جوع عياله وكيف يبيتون فى الشتاء القارص عراة لا يجدون ما يحميهم من هول البرد وزمهريره، وهى تجرى على هذا النمط (٢): وصبية مثل صغار الذّرّ ... سود الوجوه كسواد القدر (٣) جاءهم البرد وهم بشر ... بغير قمص وبغير أزر تراهم بعد صلاة العصر ... وبعضهم ملتصق بصدرى وبعضهم ملتصق بظهرى ... وبعضهم منحجر بحجرى إذا بكوا علّلتهم بالفجر ... حتى إذا لاح عمود الفجر ولاحت الشمس خرجت أسرى ... عنهم وحلّوا بأصول الجدر كأنّهم خنافس فى جحر وقد أسلفنا فى حديثنا عن الحياة الاجتماعية ولع الخلفاء بالصيد، وكيف كانوا يخرجون إليه فى مواكب حافلة، ومعهم البزاة والصقور والكلاب، وتبعهم فى هذا الصنيع الوزراء وعلية القوم. وقد نظم الشعراء فى هذه المتعة الرياضية أراجيز كثيرة سموها الطرديات، وأكثر من النظم فيها أبو نواس، وأحسن غاية الإحسان فى وصف الكلاب «لأنه كان قد لعب بها زمانا وعرف منها ما لا تعرفه الأعراب». وحقا سبقه فى هذا الموضوع بعض شعراء العصر الأموى من مثل الشمردل

стр. 1091

وأبى نخيلة، ولكنه هو الذى مدّ طنبه وفتح أبوابه، لا من حيث كثرة ما نظمه فيه فحسب، بل أيضا من حيث دقة وصفه لأدواته وجوارحه مما جعل الجاحظ ينوّه بطردياته طويلا فى الجزء الثانى من كتابه «الحيوان» وقد أنشد منها طائفة معجّبا ببراعته وحذقه، من مثل قوله فى إحداها (١): ما البرق فى ذى عارض لمّاح ... ولا انقضاض الكوكب المنصاح (٢) ولا انبتات الدّلو بالمتّاح ... أجدّ فى السّرعة من سرياح (٣) يطير فى الجوّ بلا جناح ... يفترّ عن مثل شبا الرّماح (٤) فكم وكم ذى جدّة لياح ... ونازب أعفر ذى طماح (٥) غادره مضرّج الصّفاح (٦) ... وكانت مجالس الخلفاء والوزراء والأمراء تعنى بالنوادر والفكاهات، كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وهيّأ ذلك لشيوع روح الهزل فى بعض المقطوعات والقصائد، وكانوا أحيانا يختارون لذلك بعض القصائد التى اشتهرت بقوتها الحماسية مثلا، فيقلبونها فى الدعوة إلى اللهو والتواصى بشرب الخمر (٧)، وأحيانا يختارون موضوعا جادّا، كقصة العشق العذرى الذى كان يفضى بأصحابه-كما يقول القصاص-إلى الجنون أو الموت، فيجرونه على لسان حمار أحب ومات عشقا، مما نلقاه عند بشار، فقد ذكر الرواة أنه مات له حمار، فانتظر حتى اجتمع إليه رفاقه، فأظهر لهم أنه مغموم محزون، وألحوا عليه يريدون أن يعرفوا سبب حزنه وغمه، فقال لهم: إننى رأيت حلما مزعجا: رأيت حمارى فى النوم فقلت له: ويلك! ما لك متّ؟ قال: إنك ركبتنى يوم كذا فمررنا على باب

стр. 1092

الأصبهانى فرأيت أتانا عند بابه، فعشقتها فمت. وزعم بشار أنه أنشده هذه المقطوعة: سيّدى! مل بعنانى ... نحو باب الأصبهانى إنّ بالباب أتانا ... فضلت كلّ أتان تيّمتنى يوم رحنا ... بثناياها الحسان تيّمتنى ببنان ... وبدلّ قد شجانى وبحسن ودلال ... سلّ جسمى وبرانى ولها خدّ أسيل ... مثل خدّ الشّيفران فبها متّ ولو عش ... ت إذن طال هوانى فقال له أحد جلسائه: ما الشيفران؟ قال: ما يدرينى هذا من غريب الحمير! فإذا لقيتم حمارا فسلوه (١). ولعلهم لم يكثروا من التندير على شئ كما أكثروا من التندير على الّلحى، وكان كثير من أهل الوقار يطيلونها ويعرّضونها جدّا، فتندّر عليهم الشعراء طويلا من مثل قول مروان بن أبى حفصة فى لحية شيخ يسمى رباحا (٢): لقد كانت مجالسنا فساحا ... فضيّقها بلحيته رباح مبعثرة الأسافل والأعالى ... لها فى كلّ زاوية جناح ولم نتحدث حتى الآن عن فن استحدثه الشعراء العباسيون، ولم تكن له أى أصول قديمة، ونقصد فن الشعر التعليمى الذى دفع إليه رقى الحياة العقلية فى العصر، فإذا نفر من الشعراء ينظمون بعض القصص أو بعض المعارف أو بعض السير والأخبار. ومن أوائل ما يلقانا من ذلك تحدث صفوان الأنصارى فى أشعاره عن فضل الأرض وما تحمل من كنوز ومعادن كريمة (٣). ولا ريب فى أن أبان ابن عبد الحميد هو الذى عمل على إشاعة هذا الفن الشعرى الجديد، فقد نظم فيه

стр. 1093

تاريخا وفقها وقصصا كثيرا (١)، فأما التاريخ فنظم فيه سيرتى أردشير وأنوشروان، وأما الفقه فنظم فيه الأحكام المتعلقة ببابى الصوم والزكاة، وصنع قصيدة فى مبدأ الخلق وضمنها شيئا من المنطق. وأهم من ذلك كله أنه نظم فى القصص كتاب كليلة ودمنة فى أربعة عشر ألف بيت. وفى كتاب الأوراق للصولى قطعة كبيرة من منظومته الفقهية وقطع أخرى من نظمه لكليلة ودمنة، ونراه يستهلها بقوله (٢): هذا كتاب أدب ومحنه ... وهو الذى يدعى كليله دمنه فيه دلالات وفيه رشد ... وهو كتاب وضعته الهند فوصفوا آداب كلّ عالم ... حكاية عن ألسن البهائم فالحكماء يعرفون فضله ... والسخفاء يشتهون هزله وهو على ذاك يسير الحفظ ... لذّ على اللسان عند اللّفظ ويتأثره ابنه حمدان فى هذا الضرب من الشعر التعليمى فينظم مزدوجة طويلة مسرفة فى الطول يصف فيها الحب وأهله وطبيعته وصوره المختلفة. وعلى قبس من عمل أبان ينظم أبو العتاهية مزدوجته التى سماها «ذات الأمثال» وهى-كما يتضح من اسمها-حكم وأمثال، ويقال إنها كانت تبلغ أربعة آلاف بيت. وقد أنشد أبو الفرج فى ترجمته قطعة منها، ومن قوله فى تضاعيفها (٣): حسبك مما تبتغيه القوت ... ما أكثر القوت لمن يموت لكل ما يؤذى-وإن قلّ-ألم ... ما أطول الليل على من لم ينم ما انتفع المرء بمثل عقله ... وخير ذخر المرء حسن فعله إن الفساد ضدّه الصلاح ... وربّ جدّ جرّه المزاح واقتفى محمد بن إبراهم الفزارى أثر أبان، فنظم فى علم النجوم مزدوجة طويلة، يقول ياقوت إنها كانت تدخل فى عشرة مجلدات، وقد بناها من ثلاثة أقفال أو

стр. 1094

ثلاثة شطور، ثلاثة شطور، على هذا النمط (١): الحمد لله العلىّ الأعظم ... ذى الفضل والمجد الكبير الأكرم الواحد الفرد الجواد المنعم ... الخالق السّبع العلا طباقا والشّمس يجلو ضوءها الإغساقا (٢) والبدر يملأ نوره الآفاقا ودخلت شعاعات من هذا الفن التعليمى الجديد إلى بيئات الأخباريين، فإذا الأصمعى ينظم قصيدة طويلة فى ذكر الملوك والجبابرة الهالكين والأمم الخالية البائدة (٣) وتتكاثر هذه الشعاعات فى بيئات المتكلمين، فإذا معدان الأعمى الشيعى الشميطىّ أحد متكلمى الشيعة الإمامية ينظم قصيدة طويلة فى أصناف الشيعة وعقائدهم، مقدما عليهم فرق الشميطية الغالية (٤). ولعل متكلما لم ينظم فى هذا الفن كما نظم بشر بن المعتمر المعتزلى المشهور، فقد أكثر من النظم فى الردّ على أصحاب المقالات والنحل المختلفة، وقد ساق له الجاحظ فى الحيوان قصيدتين طويلتين (٥) يمكن أن يدخلا من بعض الوجوه فى علم التاريخ الطبيعى إذ تحدث فيهما عن الحشرات وأصناف الحيوانات، وما يتجلّى فيها جميعا من حكمة الله البالغة فى خلقه العجيب. ومن نمطهما قصيدة الحكم بن عمرو البهرانى فى غرائب الخلق (٦) وقصيدة هرون مولى الأزد فى وصف الفيل وصورة خلقه وتركيبه (٧). ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور النشاط العقلى والفنى للشاعر العباسى وكيف كان يحرص على التجديد، فهو يشتق من الشعر القديم موضوعات جديدة لمقطوعاته وقصائده، ولا يكتفى بها، بل ما زال يكتشف موضوعات أخرى، تلهمه بها بيئته الحضارية وحياته العقلية الراقية ولم؟ ؟ ؟ فسجّل فيه كثيرا من القصص والتاريخ و؟ ؟ ؟

стр. 1095

[٥ - ] التجديد فى الأوزان والقوافى سبق أن تحدثنا فى كتاب «العصر الإسلامى» عن مدى ما أثّر به الغناء المستحدث حينذاك فى موسيقى الشعر وألحانه، إذ ساد فيه نظم المقطوعات القصيرة فى الغزل وأخذ الشعراء يصفّون موسيقاهم حتى غدت بعض تلك المقطوعات أنغاما خالصة: نغمة حلوة بجانب نغمة حلوة. وقد مضى شعراء الغزل يعدلون غالبا عن النظم فى الأوزان الطويلة المعقدة إلى النظم فى الأوزان الخفيفة البسيطة، فإن ألموا بالأوزان الأولى جزّءوها غالبا حتى تحمل ما يريد المغنون والمغنيات من أنغام مجهورة أو مهموسة، ومن أجل ذلك أكثروا فيها من الخروق أو بعبارة أخرى من الزحافات، إكثارا نفذ منه الوليد بن يزيد إلى استكشاف وزن المجتث وصنع بعض المقطوعات فيه. وانتقلت موجة هذا الغناء فى أواخر العصر الأموى إلى الكوفة، حتى إذا كان العصر العباسى الأول بلغت فى مدن العراق كلّ ما كان ينتظر لها من حدة وقوة، فمن جهة صفيّت لغة الشعر وبلغت كل ما يمكن من رشاقة وعذوبة ونعومة على نحو ما مرّ بنا فى أوائل هذا الفصل، ومن جهة ثانية اتسعت الملاءمات الموسيقية العروضية مع الغناء، فإذا القصيدة الطويلة تكاد تختص بالشعر الرسمى: شعر المديح والرثاء، بينما تشيع المقطّعات فى الغزل والهجاء والمجون والزهد والحكم. ومضى الشعراء ينظمون-على هدى الشعراء الأمويين-فى الأوران الخفيفة والمجزوءة وفى وزن المجتث الذى اقترحه الوليد بن يزيد، ومن خير من يمثّل ذلك مطيع بن إياس الكوفى فإننا حين نتصفح الشعر المبثوث فى ترجمته بكتاب الأغانى نجد كثرته من مجزوءات الخفيف والبسيط والرجز والكامل والرمل أو من الهزج أو من المجتث على شاكلة قوله (١): ويلى ممّن جفانى ... وحبّه ند برانى

стр. 1096

وطيفه يلقانى ... وشخصه غير دانى أغرّ كالبدر تعشى ... بحسنه العينان ولم يلبث الشاعر العباسى أن حاول النفوذ إلى أوزان جديدة، وإذا هو يكتشف وزنين سجلهما الخليل بن أحمد حين وضع نظرية العروض، وهما وزنا المضارع والمقتضب، أما المضارع فأجزاؤه مفاعيلن فاعلاتن مفاعيلن، ودائما تحذف فيه التفعيلة الأخيرة، ومنه مقطوعة أبى العتاهية (١): أبا عتب ما يضرّ ... ك أن تطلقى صفادى (٢) وأما المقتضب فأجزاؤه مفعولات مستفعلن مستفعلن، وتحذف منه التفعيلة الأخيرة أيضا، كما يلقانا عند أبى نواس فى مقطوعته (٣): حامل الهوى تعب ... يستخفّه الطّرب إن بكى يحقّ له ... ليس ما به لعب وواضح أن هذا الوزن أكمل نغما وإيقاعا من سابقه، ولعل ذلك هو الذى جعله يشيع ويتداوله الشعراء، بينما كادوا يهملون المضارع. واكتشف الشاعر لعباسى أيضا وزن المتدارك أو الخبب، ويقال إن الخليل لم يسجله فى عروضه، إنما سجله تلميذه الأخفش (٤)، ولكنه إن كان لم يقترح له اسما فإنه عرفه ونظم منه أشعارا مختلفة (٥)، من مثل: أبكيت على طلل طربا ... فشجاك وأحزنك الطّلل ومثل: ليس المرء الحامى أنفا ... مثل المرء الضّيم الراضى (٦)

стр. 1097

وبذلك وضع للشاعر العباسى منه نماذج كى يحاكيها، وكان أول من بادر إلى محاكاته-فيما نظن-أبو العتاهية فله على نسق مقطوعته الثانية بيتان نظمهما فى بعض القضاة على هذه الشاكلة (١): همّ القاضى بيت يطرب ... قال القاضى لما طولب ما فى الدنيا إلا مذنب ... هذا عذر القاضى واقلب والحق أن الخليل اكتشف للشعراء أوزانا جديدة كثيرة لم يستخدمها أسلافهم، وذلك أنه-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-استضاء بفكرة التباديل والتوافيق الرياضية فى وضع عروض الشعر، إذ جعل أوزانه تدور فى خمس دوائر أو بعبارة أدق تدور أجزاؤها من الأسباب والأوتاد، فإذا هو يحصى الأوزان التى استخدمها العرب واضعا لها ألقابها ويحصى أو يستنبط أوزانا أخرى مهملة لم يستخدموها فى أشعارهم، كى ينفذ منها الشاعر العباسى إلى ما يريد من تجديد فى أوزان الشعر وبحوره. وكان من أوائل من استغلوا صنيعه تلميذه عبد الله بن هرون بن السّميدع البصرى، وفيه يقول أبو الفرج: «أخذ العروض عن الخليل بن أحمد، فكان مقدّما فيه وانقطع إلى آل سليمان بن على، وأدّب أولادهم، وكان يمدحهم كثيرا. . وكان يقول أوزانا من العروض غريبة فى شعره، ثم أخذ ذلك عنه ونحا نحوه فيه رزين العروضى، فأتى فيه ببدائع جمّة، وجعل أكثر شعره من هذا الجنس» (٢). ولم يصلنا من شعره سوى قصيدة واحدة احتفظ بها ياقوت فى معجمه، وهى فى مديح الحسن بن سهل وزير المأمون، وأولها: قرّبوا جمالهم للرحيل ... غدوة أحبّتك الأقربوك خلّفوك ثم مضوا مدلجين ... مفردا بهمّك ما ودّعوك (٣) وإذا أنعمنا النظر فيها وجدناها تجرى على وزن من أوزان الخليل المهملة، هو عكس وزن المنسرح، فوزنها مفعولات مستفعلن فاعلن. وربما كان أهم شاعر

стр. 1098

نابه عنى بصنع أشعار على تلك الأوزان المهملة، هو أبو العتاهية، فقد روى له ابن قتيبة قوله (١): للمنون دائرات يدرن صرفها ... هنّ ينتقيننا واحدا فواحدا وقوله: عتب ما للخيال خبّرينى ومالى ... لا أراه أتانى زائرا مذ ليالى ووزن البيت الأول فاعلن مستفعلن مرتين فهو عكس البسيط بينما وزن البيت الثانى فاعلن فاعلاتن مرتين وهو عكس وزن المديد. والوزنان جميعا من الأوزان المهملة التى تستنط من دوائر الخليل. على أنه ينبغى أن نعرف أن هذه الأوزان المهملة التى استخدمها أبو العتاهية ورزين وابن السميدع لم تشع على ألسنة العباسيين، وكأنهم أحسوا نقص أنغامها وإيقاعاتها بالقياس إلى الأوزان المستعملة. وينسب إلى هذا العصر وزن شعبى هو وزن «المواليا» ويقال إن سبب ظهوره أن الرشيد منع الناس من رثاء البرامكة، فلم يجرءوا على رثائهم، ولكن جارية لجعفر بن يحيى البرمكى بكته فى أشعار نظمتها من هذا الوزن بالعامية، وكانت تختمها بكلمة «يامواليه» غير أن هذه القصة-فيما يظهر-أسطورة إذ لم يثبت أن الرشيد منع الشعراء من رثاء البرامكة، وفى كتب الأدب من مراثيهم أشعار كثيرة. ولعل مما ينقضها نقضا أن ابن تغرى بردى أنشد مواليا للعتّابى شاعر البرامكة والرشيد على هذا النمط (٢): يا ساقيا خصّنى بما تهواه ... لا تمزج اقداحى رعاك الله دعها صرفا فإننى أمزجها ... إذ أشربها بذكر من أهواه وكأن المواليا لم تبدأ عامية ملحونة، وإنما بدأت فصيحة، ثم تحولت إلى العامية، إذ ازورّ عنها شعراء الفصحى كما ازورّوا عن الأوزان المهملة السابقة. وعلى نحو ما جدّدوا-لهذا العصر-فى الأوزان جدّدوا فى القوافى مستحدثين ما سموه باسم المزدوج والمسمّطات، أما المزدوج فالقافية فيه لا تطرد فى الأبيات، بل تختلف من بيت إلى بيت، بينما تتحد فى الشطرين المتقابلين، وعادة تنظم من

стр. 1099

بحر الرجز. وتنسب إلى الوليد بن يزيد منظومة من هذا الطراز صاغ فيها خطبة من خطب يوم الجمعة (١)، وإذا صح ذلك كان هو أول من استحدثه، ثم تلاه العباسيون وفى مقدمتهم بشار، إذ نعته الجاحظ بأنه صاحب مزدوج (٢)، وإن كنا لا نجد منه أمثلة فيما طبع من ديوانه. وبمجرد أن ظهر الشعر التعليمى ازدهر هذا الضرب الجديد، إذ صاغ أبان بن عبد الحميد فيه كل ما نظمه من قصص وتاريخ وعلم ودين، وكذلك صنع محمد بن إبراهيم الفزارى فى مزدوجته الفلكية، وإن جعل وحدتها ثلاثة شطور لا شطرين. وقد نظم أبو العتاهية من هذا النمط الجديد مزدوجته «ذات الأمثال» وسبق أن اقتبسنا منها أبياتا. ويقول الجاحظ إنه لم يكن أحد أقوى على النظم فى المزدوج من بشر بن المعتمر وإنه كان أقدر فيه من أبان بن عبد الحميد (٣)، وقد روى له فى الحيوان مزدوجة طويلة، فى تفضيل على بن أبى طالب والرد على الخوارج (٤). وللرقاشى مزدوجة طويلة فى المجون والخلاعة (٥) وكذلك لبكر بن خارجة مزدوجة فى أعياد النصارى وشرائعهم وأديرتهم (٦). ونرى الفرس حين يعودون إلى لغتهم ويحدثون نهضتهم الأدبية يستخدمون هذا الضرب من الشعر فى قصصهم متخذين له اسما جديدا هو «المثنوى». ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنه هو الذى رشح لظهور الرباعيات فى الأدبين العربى والفارسى، وهى تتألف من أربعة شطور، تتفق أولها وثانيها ورابعها فى قافية واحدة، أما الشطر الثالث فقد يتخذ نفس القافية وقد لا يتخذها، من مثل قول بشار مازحا مع جاريته ربابة (٧): ربابة ربّة البيت ... تصبّ الخلّ فى الزّيت لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصّوت ويروى أن حماد عجرد صاغ من هذا النمط الرباعى أشعارا مزاوجة كان يقرأ بها الزنادقة من أمثاله فى صلاتهم (٨)، ومما يروى من رباعياته غير الدينية قوله

стр. 1100

يهجو غيلان جد عبد الصمد بن المعذّل، وكان على أعشار البصرة وظهرت منه خيانة (١): ظهر الأمير عليك يا غيلان ... إذ خنته إن الأمير معان أمع الدمامة قد جمعت خيانة ... قبح الدميم الفاجر الخوّان وتكثر الرباعيات فى ديوان أبى نواس وخاصة فى الخمريات والغزل (٢)، ونستبعد أن تكون مقتطعة من مطالع قصائد له ضاعت، لكثرتها عنده، ومن أمثلتها الطريفة قوله (٣): أدر الكأس وأعجل من حبس ... واسقنا ما لاح نجم فى الغلس (٤) قهوة كرخية مشمولة ... تنفض الوحشة عنا بالأنس (٥) ومن يرجع إلى تراجم الشعراء فى الأغانى يجد منها أمثلة كثيرة، وممن كان يكثر منها-فيما يظهر-أبو العتاهية سواء فى الغزل أو فى الزهد، من مثل قوله فى الموت الدائر على جميع الناس (٦): الموت بين الخلق مشترك ... لا سوقة يبقى ولا ملك ما ضرّ أصحاب القليل وما ... أغنى عن الأملاك ما ملكوا والمسمّطات قصائد تتألف من أدوار، وكل دور يتركب من أربعة شطور أو أكثر، وتتفق شطور كل دور فى قافية واحدة ما عدا الشطر الأخير فإنه يستقل بقافية مغايرة، وفى الوقت نفسه يتحد فيها مع الشطور الأخيرة فى الأدوار المختلفة، ومن أجل ذلك يسمى عمود المسمط فهو قطبه الذى يدور عليه وإنما سمّى مسمطا من السمط وهو قلادة تنظم فيها عدة سلوك تجتمع عند لؤلؤة أو جوهرة كبيرة، وكذلك كل دور فى المسمط يجتمع مع الأدوار الأخرى فى قافية الشطر

стр. 1101

الأخير. ومن أمثلة المسمط المربع خمرية لأبى نواس تتوالى على هذا النمط (١): سلاف دنّ ... كشمس دجن (٢) كدمع جفن ... كخمر عدن طبيخ شمس ... كلون ورس (٣) ربيب فرس ... حليف سجن يا من لحانى ... على زمانى اللهو شانى ... فلا تلمنى وواضح أنه بى شطورها على تفعيلة واحدة. وكان شيوع المسمطات الخمسة أوسع من شيوع أختها المربعة، واشتهر بشار بنظمه لبعض المخمسات (٤)، ويقول الجاحظ إنه لم يكن أحد أقوى على صنع المخمسات من بشر بن المعتمر (٥)، وقد أنشد الدميرى لأبى نواس مخمسا ختمه بهذا الدور (٦): يا ليلة قضيتها حلوه ... مرتشفا من ريقها قهوه تسكر من قد يبتغى سكره ... ظننتها من طيبها لحظه يا ليت لا كان لها آخر وقد اختار لآخر المخمس-كما هو واضح-صيغة يبدو من تركيبها أنها عامية، وكأنه هو الذى ألهم الوشاحين الأندلسين أن يختموا بعض موشحاتهم بأقفال عامية. ونفس الموشحات نجد صورة تقترب منها اقترابا شديدا سواء من حيث الأدوار والمراكز أو الأقفال، إذ ينسب لديك الجن صنعه لمنظومة على هذا النحو (٧): قولى لطيفك ينثنى ... عن مضجعى عند المنام

стр. 1102

عند الرّقاد عند الهجوع ... عند الهجود عند الوسن فعسى أنام فتنطفى ... نار تأجّج فى العظام فى الفواد فى الضلوع ... فى الكبود فى البدن جسد تقلّبه الأكفّ ... على فراش من سقام من قتاد من دموع ... من وقود من حزن أما أنا فكما علم ... ت فهل لوصلك من دوام من معاد من رجوع ... من وجود من ثمن وواضح أن هذه المنظومة نشأت من فكرة بسيطة هى تكرار قافية البيت بروى جديد، وكأنما وقعت هذه المنظومة لمقدم بن معافى القبرى الأندلسى شاعر الأمير عبد الله بن محمد المروانى (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) فنظم على نمطها بعض منظوماته إعجابا بها، واستحسانا لها. وكتب لهذا النمط أن يشيع بعده فى الأندلس باسم الموشحات وأن يسكب الوشاحون فيه من الأنغام ما يمتع الأسماع والأفئدة.

стр. 1103

الفصل الخامس أعلام الشعراء ١ - بشار (١) ولد بشار بن برد بن يرجوح (٢) بالبصرة لأوائل العقد العاشر من القرن الأول للهجرة. وجدّه يرجوخ من طخارستان ممن سباهم المهلب بن أبى صفرة والى خراسان (٧٩ - ٨١ هـ). ومن أجل ذلك نشأ ابنه برد على الرقّ. وكان أولا فى عداد رقيق خيرة القشيرية امرأة المهلب، ثم وهبته لامرأة من بنى عقيل، وفى ملكها ولد له بشار على الرق، ولم تلبث العقيلية أن أعتقت بردا. وبذلك عدّ هو وابنه فى موالى بنى عقيل. وقد نسب نفسه من جهة أمه إلى الروم، إذ يقول (٣): وقيصر خالى إذا ... عددت يوما نسبى وإن صح ذلك كان فارسى الأب رومى الأم، وقد ذكرها حماد عجرد فى بعض أهاجيه لبشار باسم غزالة (٤)، وقد ولدته أعمى فما نظر إلى الدنيا قط، وفى ذلك يقول (٥):

стр. 1104

عميت جنينا والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظّنّ للعلم موئلا وكان أبوه طيّانا يعيش من ضرب اللّبن معيشة تقوم على الشظف، ويقال إنه كان له أخوان: بشر وبشير، وكانا قصّابين يبيعان اللحم، ولم يكونا سويّين إذ كان أحدهما أعرج والآخر أبتر اليد. وحدّدت آفة بشار حياته منذ نعومة أظفاره، فاتجه إلى المساجد وإلى مربد البصرة ينهل من حلقات العلم والشعر، وأعانته نشأته فى بنى عقيل على أن يتمثل السليقة العربية. ولم يكد يبلغ العاشرة حتى أخذ ينبوع الشعر يسيل على لسانه. وكان الهجاء حينئذ يضطرم فى موطنه اضطراما لا بين جرير والفرزدق فقط، بل بين جميع الشعراء، فكان طبيعيّا أن يكون أول موضوع ينظم فيه الغلام. ويقال إن أباه كان يضربه بسببه ضربا مبرحا لكثرة ما يشكو الناس منه، وكانت أمه لا تزال تستعطفه عليه، فيقول: إنى لأرحمه، ولكنه يتعرض للناس، فقال له بشار: قل لهم: أليس الله يقول: (ليس على الأعمى حرج). وعادوا إلى برد يرددون شكواهم، فتلا عليهم الآية الكريمة، فانصرفوا وهم يقولون: فقه برد أغيظ لنا من شعر بشار. واشتد ببشار طموحه إلى إتقان العربية، فيمّم نحو البادية، فأقام فيها فترة مكّنت له فى عربية لسانه وفقهه الدقيق باللغة وشئون البادية. وعاد إلى البصرة يكثر من الاختلاف إلى حلقات المتكلمين ومجالسهم، كما يكثر من النظم فى المديح وغير المديح، ومن أقدم مدائحه ما نظمه فى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والى العراق لسنة ١٢٦ للهجرة (١). ولما خطب واصل بن عطاء رأس المعتزلة بين يدى هذا الوالى مع بعض الخطباء البلغاء أشاد به وببيانه طويلا (٢)، مما يدل على أن صلة وثيقة كانت منعقدة بينهما، وفى الأغانى أنه كان يحضر مجالسه ويستمع إلى محاوراته مع من يعتنقون مذاهب الثّنويّة المجوسية والدهرية الهندية (٣)، وأكبر الظن أنه تسرب إليه من هذه المجالس وما يماثلها من مجالس المتكلمين شئ من الفلسفة والمنطق، على أن الأمور لم تلبث أن فسدت بينه وبين

стр. 1105

واصل إذ عرف فيه أنه يدين بالرّجعة أو عودة الإمام المختفى ويكفّر جميع الأمة، وتتابع منه ما يشهد على إلحاده من مثل قوله يشيد بعبادة النار وأنها أفضل من الأرض والطين (١): الأرض مظلمة والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار وتمادى يفضّل إبليس المخلوق من النار على آدم المخلوق من الطين، قائلا (٢): إبليس أفضل من أبيكم آدم ... فتنبّهوا يا معشر الفجّار النار عنصره وآدم طينة ... والطين لا يسمو سموّ النار وتصدّى له صفوان الأنصارى شاعر المعتزلة يردّ عليه وعلى ما رمى إليه من تصويب رأى إبليس فى عدم سجوده لآدم وعصيانه لأمر ربه حين طلب إليه هذا السجود، لأن النار، فى رأيه هو وأضرابه من الزنادقة الذين كانوا يقدسونها، خير من الأرض. وأطال صفوان فى تفضيل الأرض وذكر له العلة التى بعثته على تفضيل النار وأنها ليست إلا حقده وموجدته على الدين الحنيف، قائلا (٣): كأنك غضبان على الدين كلّه ... وطالب ذحل لا يبيت على حقد (٤) غير أن بشارا مضى يعلن زندقته لا يزدجر مصرحا بأنه لا يؤمن إلا بالعيان وما شهده الحسن (٥). فهو لا يؤمن بجنة ولا نار ولا ببعث ولا حساب، ويحاول أن يثير الغبار فى وجه واصل وغيره من المعتزلة، فيعلن أنه يعارض ما يذهبون إليه من أن الإنسان يخلق أفعاله، ويقول إنه جبرىّ، بل لا شئ سوى الجبر وتعطيل الإرادة الإنسانية (٦). وكل ذلك جعل واصل بن عطاء يثور عليه ثورة شديدة، وكان مما زاد هذه الثورة فى نفسه اضطراما أن رآه يكثر من غزل مادىّ آثم يعدّ خطرا أى خطر على شباب البصرة ونسائها (٧)، فهتف به فى بعض خطبه الواعظة داعيا إلى قتله

стр. 1106

بمثل قوله: «أما لهذا الأعمى الملح المشنّف (١) المكنّى بأبى معاذ من يقتله (٢)؟ ! » وتعاون واصل وأتباعه من معتزلة البصرة أمثال عمرو بن عبيد على طرده عن مدينتهم، وكان الخوف قد بلغ من نفس بشار، فبارحها وظل غائبا عنها حتى توفى عمرو (٣) ابن عبيد خليفة واصل سنة ١٤٤ للهجرة. ونراه يقصد إلى حرّان فى سنة ١٢٧ فيمدح سليمان (٤) بن هشام بن عبد الملك إلا أنه لا ينبله ما كان يؤمله (٥)، فيتجه إلى واسط، حيث يزيد بن عمر بن هبيرة والى العراق لعهد مروان بن محمد وزعيم قيس، فيستقبله استقبالا حافلا، ويغدق عليه من برّه وصلاته السنية (٦)، ويغدق عليه بشار من شعره، وكان يزيد يتعصب لقومه من قيس تعصبا قويّا، وصادف ذلك هوى فى نفس بشار إذ كان ولاؤه لبنى عقيل القيسيين، وكان مروان بن محمد يؤثر قيسا على بقية القبائل العربية ويعتمد عليها فى حروبه مع الثوار من بنى عمه وغيرهم، فاندفع بشار يمدح ابن هبيرة ويفخر بقيس ومواليه القيسيين فخرا عارما. ولم تلبث رايات العباسيين السوداء أن أقبلت فى سنة ١٣١ للهجرة من خراسان، وطوّحت جيوشهم ببنى أمية وواليهم يزيد، وانعقد لسان بشار شاعر خصومهم فلم يستطع أن يفد على السفاح ولا على المنصور، وكان نجم خالد بن برمك آخذا فى التألق إذ استوزره المنصور ثم ولاه ولاية فارس، وكأنما رأى فيه بشار لحمة نسب تصله به إذ كان إيرانيّا مثله، فوفد عليه يمدحه، وخالد يجزل له فى العطاء والإكراام (٧). ويحس بشار فى عمق بإقبال الدنيا عليه، فيتغنّى بشعوبيته ويفخر بقومه الفرس فخرا مسرفا. ويعود إلى البصرة بعد وفاة عمرو بن عبيد، ولا يكاد العام يستدير حتى يثور العلويون بزعامة إبراهيم بن عبد الله سنة ١٤٥ للهجرة، ويخيل إليه أن الانتصار من إبراهيم وثورته قاب قوسين أو أدنى فيمدحه بقصيدة ميمية رائعة، وسرعان

стр. 1107

ما يخيب فأله، إذ قمع المنصور الثورة، ويمارع بشار فيحدث تغييرات فى القصيدة، ويجعلها فى مديحه (١)، غير أنه لا يستطيع الوفود عليه. ويأخذ منذ هذا التاريخ فى مديح ولاة البصرة، وخاصة سلم (٢) بن قتيبة الباهلى الذى وليها لخمسة أشهر فى سنتى ١٤٥ و ١٤٦ وعقبة (٣) بن سلم الهنائى الأزدى الذى وليها لأربع سنوات من سنة ١٤٧ إلى سنة ١٥١. ويمضى بشار فى غزله الفاجر، وكان كل شئ فيه ينفّر المرأة، إذ كان قبيح المنظر مجدور الوجه جاحظ العينين قد تغشّاهما لحم أحمر، ولعل هذا القبح ونفور النساء منه هو الذى كان يستثير عنده الغريزة النوعية ويدفعه إلى الإفراط من غزله المكشوف. على أن هذا الغزل نفسه جعل بعض بنات الهوى اللائى كانت تكتظ بهن دور القيان يقبلن عليه ويتغنين فى شعره. وفى هذه الأثناء يصطدم بجماد عجرد وتنشب بينهما معركة هجاء حامية الوطيس. ويتوفّى المنصور سنة ١٥٨ للهجرة ويخلفه المهدى فتطمح نفسه إلى الوفادة عليه والحصول على جوائزه، ويقدم بغداد ويلجأ إلى يزيد بن مزيد الشيبانى القائد الممدّح المشهور كى يذكره للمهدى ويدخله عليه، ويظهر أن يزيد كان يعرف سيرته فأخذ يسوّفه، غير أن قائدا آخر هو روح بن حاتم بلغه خبره وكأنما كان يود لو يصبح من ممدوحيه، فتبرّع بذكره للمهدى متلطفا، فأمر بإحضاره، ولم يكد يفرغ من إنشاده مدحته التى أعدّها حتى وصله بعشرة آلاف درهم ووهب له عبدا وقينة وخلع عليه خلعا كثيرة (٤)، وجعله من سمّاره ومن يحضرون مجالسه (٥). وكانت فى المهدى شدة فى شئون الدين وانتهى إليه من غير وجه أن بشارا يفسد النساء والشباب بغزله الفاضح، فأمره أن يكفّ عن ذلك، وكفّ بشار على مضض، وأخذ يردد فى أشعاره أنه ترك الغزل والنسيب نزولا على إرادة الخليفة من مثل قوله (٦):

стр. 1108

يا منظرا حسنا رأيته ... من وجه جارية فديته بعثت إلىّ تسومنى ... برد الشباب وقد طويته والله ربّ محمّد ... ما إن غدرت ولا نويته أمسكت عنك وربما ... عرض البلاء وما ابتغيته إن الخليفة قد أبى ... وإذا أبى شيئا أبيته ونهانى الملك الهما ... م عن النّسيب وما عصيته وكان ذلك يؤذى الخليفة منه إذ كان يراه لا يكفّ عن الغزل، وترامت إليه زندقته وما يغرق فيه من مجون، فحرمه جائزته، ولا نصل إلى سنة ١٦٦ حتى يتعقب المهدى الزنادقة ويقتل منهم خلقا كثيرا، ويلزم بشار البصرة إشفاقا على نفسه، غير أنه لا يصمت، بل يأخذ فى رثاء أصدقائه الذين يقتلون على الزندقة (١)، ويهجو المهدى ووزيره يعقوب بن داود هجاء مقذعا (٢) ويقدم المهدى إلى البصرة فى سنة ١٦٨ فيشهد أمامه شهود موثّقون بأن بشارا زنديق، حينئذ يأمر بضربه حتى التلف، فيضرب سبعين سوطا يموت على إثرها ويرمى به فى البطيحة، ويجئ بعض أهله فيحملونه ويدفنونه. وأخبار بشار فى أسرته قليلة، ويدلّ هجاء حماد عجرد له أنه كان له امرأة تسمّى أمامة (٣)، وهو يكثر فى أشعاره من ذكر أطفاله الصغار يستعطف بهم ممدوحيه حتى يضاعفوا له الجائزة (٤)، وقد حزن حين اختطف منه القدر ابنه محمدا (٥)، واختطف منه بنتا صغيرة (٦). ومر بنا فى غير هذا الموضع أنه كانت له جارية تسمى ربابة، وكانت له جارية أخرى سوداء، وفيها يقول (٧): وغادة سوداء برأفة ... كالماء فى طيب وفى لبن

стр. 1109

كأنها صيغت لمن نالها ... من عنبر بالمسك معجون ولعلها السندية العجماء التى لم يتبع جنازته سواها (١). وذكر فى غزله كثيرات من القيان والجوارى، وفتن فتونا بعبدة، وقد أفرد صاحب الأغانى لأخباره معها فصلا خاصّا (٢). وواضح مما قدمنا أن طبيعة بشار لم تكن بسيطة ولا ساذجة، بل كانت معقدة، فقد كان فارسى الأصل، وورث عن الفرس حدة فى المزاج، ونشأ قنّا ابن قنّ، وولد أعمى لا يبصر. وكان لذلك يحسّ بغير قليل من المرارة، وضاعفها فى نفسه فقرأ سرته وتخلفها فى المجتمع. وقد ربى فى مهد عربى، فأتقن العربية وتمثّل سليقتها بكل مقوّماتها. وسرعان ما أخذ يختلف إلى حلقات المتكلمين بالمسجد الجامع يستمع إلى محاوراتهم لأصحاب الملل والنحل والأهواء المختلفة، وليس من ريب فى أنه اطلع على ما نقله ابن المقفع إلى العربية من الآداب الفارسية وغير الفارسية ومن الآراء المزدكية والمانوية. وكان ذلك كله سببا فى أن يحدث تشويش فى فكره وأن تمتلئ نفسه بالشك والحيرة، ولم يستطع الخلوص من ذلك فتحول زنديقا ببغض الدين الحنيف، حتّى إذا نجحت الثورة العباسية تحوّل شعوبيّا يبغض العرب والعروبة. وكانت بيئته تكتظ بالجوارى والقيان ممن لا يعصمهن من الغواية دين ولا عرف، فاختلط بهن، وتغزل فيهن غزلا حسيّا، وربما دفعه فقد بصره إلى ذلك من بعض الوجوه، إذ الضرير لا يرى الجمال ببصره، إنما يحسه بلمسه ويده، ويتسع جشعه الجسدى، حتى ليصبح غزله، فى بعض جوانبه ضربا من صياح الغريزة النوعية الذى ينبو عن الذوق. وكل هذه العناصر السالفة أثرت فى طبيعة بشار وجعلتها شديدة التعقيد، ويجمع الرواة والنقاد على أنه زعيم الشعراء المحدثين، وهى زعامة تردّ إلى أنه استطاع أن ينهج لهم فى قوة السبيل التى ترسّمها الشعراء من حوله ومن بعده، وهى سبيل تقوم على التمسك بالأصول التقليدية للشعر العربى من جهة، ومن جهة ثانية تفسح لتجديد الشاعر العباسى بحكم رقيه العقلى ومعيشته الحضارية. وبذلك ازدهر الماضى فى الحاضر ونما الحاضر من خلاله هذا النمو الذى جعل الشعر العربى عنده يحتفظ

стр. 1110

بشخصيته الخالدة، إذ ظلت أساليبه-مهما لانت ورقّت-مطبوعة بطوابع التصاعد والإيجاز والتركيز، تلك الطوابع التى تشيع فيه الدقة والوضوح والجمال، كما ظلت معانيه وأغراضه البدوية القديمة بجميع رواسبها الخيالية. وحقّا حدث فيه تجديد واسع ولكنه تجديد لا يفصله من تراثه، بل يتيح لهذا التراث أن يعاد خلقه بحسّ متحضر وذوق مرهف وعقل بصير يعرف كيف يفيد من كنوز الآداب والثقافات المترجمة وكيف يلائم بين ما يصوغه وبين بيئته المتحضرة. وقد أتاح ذلك لأغراض الشعر عند بشار أن تتطور تطورا قليلا أو كثيرا، بحيث يظل الاتصال قائما بين الشعر العباسى والشعر القديم. وعجيب حقّا أن يستطيل بشار على العرب وعلى دينهم الحنيف وأن يقهره شعرهم، ويملك عليه ذات نفسه، ويسخره ليكون أداة من أدوات ازدهاره وبرهانا بيّنا على قوة شخصيته، تلك الشخصية التى يظل فيها الماضى الفنى ماثلا، مهما سقط على أصحابه من اختلافات فى الزمان والمكان ومهما وقع عليهم من مؤثرات حضارية وثقافية، ومهما ألحدوا فى العروبة والدين. وما من شك فى أن بشارا كان ملحدا زنديقا يكفر بالعرب، ومع ذلك اضطرّ اضطرارا حين عاش شعرهم أن يتمثّل أحاسيسهم ومشاعرهم وأفكارهم وخواطرهم مخترقا فى تمثله حجب الزمان والمكان مطأطئا من غروره. وليس معنى ذلك أنه انفصل عن عصره، فقد مضى يزاوج بين الماضى والحاضر، يتلقّى الماضى ويحياه، وأيضا يتلقّى الحاضر ويحياه، وبذلك وصل بين الحاضر والماضى برقيه العقلى وحياته الحضارية وصلا خصبا وقد يكون من الغلو أن نزعم أن ذلك كان من عمل بشار وحده، فقد شركه فيه جميع شعراء عصره إلا نفرا قليلا، إذ مثل الشعر القديم أمامهم كالأم الغاذية، فكل شاعر يتغذى منه ما يقوّم به عمله، حتى إذا مرن عليه أخذ يوازن بين الغذاء القديم والغذاء الحديث. غذاء الثقافة والحضارة، وهى موازنة غدت كأنها طبيعة العصر، وكان مما أذكى جذوتها فى نفوس الشعراء أن شاعرا لم يكن يحظى بتقدير بين أقرانه إلا إذا حقق لنفسه حظّا من هذه الموازنة، ومما لا شك فيه أن حظ بشار منها كان موفورا، فإنه احتفظ للشعر بأصوله التقليدية، ومضى يطوّر فى أغراضه ومعانيه تطورا يختلف قلة وكثرة وسعة وعمقا.

стр. 1111

والمديح أهم غرض وصل بشارا بالتراث القديم، فقد حافظ فيه محافظة شديدة على سننه الموروثة، سواء من حيث جزالة الصياغة ورصانتها ومتانتها، أو من حيث المنهج الذى سار عليه القدماء، إذ كانوا يقدّمون بين يديه وصف الأطلال والنسيب والغزل ووصف البعير أو الناقة ورحلتهم عليهما فى الصحراء مستطردين إلى وصف مشاهدها الطبيعية وما يجرى فيها من حيوان، ثم يخرجون من ذلك إلى المديح بمآثر الأفراد والقبائل ناثرين فى أطراف قصيدهم بعض الحكم. وكل ذلك احتذاه بشار فى كثير من مدائحه، بل لقد احتذى نفس المعانى والأخيلة، وبلغ من شدة هذا الاحتذاء عنده أن نظم بعض مدائحه على غرار أراجيز رؤبة مكثرا فيها من الغريب الوحشى على نحو ما هو معروف فى أرجوزته (١): (يا طلل الحىّ بذات الصّمد). ونراه يصرح فى بعض مدائحه بأنه بناها أعرابية وحشية حتى يرضى ممدوحه سلم بن قتيبة الذى كان يتباصر بالغريب (٢). وإذا تركنا إطار المديح ومقدماته إلى معانيه التى ساقها فى وصف الخلفاء والولاة وجدناه يخلع عليهم نفس الشّيم الرفيعة التى طالما خلعها الجاهليون والإسلاميون على ممدوحيهم من الكرم والمرءوة والشجاعة والنجدة وإباء الضيم، وكان الإسلاميون من أمثال جرير والفرزدق قد لاحظوا الفرق الحادث بين من يمدحونهم من الخلفاء والولاة وبين سادة القبائل فى الجاهلية، فأسبغوا عليهم كثيرا من الصفات الدينية والزمنية، ونرى بشارا يقتدى بهم وخاصة فى مديحه للمهدى (٣)، وكأنه حتى فى هذا الجانب لا يزال موصولا بالتراث الفنى القديم. وكان طبيعيّا لذلك أن يستمد جمهور معانيه فى المديح من القدماء، وهذا نفسه يلاحظ على مقدماته الطللية والغزلية، وبذلك فتح الأبواب واسعة أمام النقاد كى يبحثوا فى سرقاته منهم، كما فتحها أمام الشعراء لكى يحتذوا على صيعه. على أنه ينبغى أن نعود فنقرر أنه كان يحاول النفوذ من خلال هذا الصنيع إلى معان وصور جديدة يستلهم فيها حسه المرهف وعقله الدقيق وذوقه الحضارى المترف حتى حين يعمد إلى المحاكاة المسرفة للقدماء على نحو ما يلقانا فى أرجوزته: «يا طلل الحىّ بذات الصّمد». وحرى بنا أن نقف

стр. 1112

قليلا عند قصيدته البائية التى مدح بها يزيد بن عمر بن هبيرة وفى رواية أنه مدح بها مروان بن محمد، وهى تلك التى يستهلها بقوله: جفا ودّه فازورّ أو ملّ صاحبه ... وأزرى به أن لا يزال يعاتبه فإننا نجده يستهلها بالنسيب ووصف سرى الليل على بعيره وسط الفيافى المقفرة، ويستطرد إلى وصف حمار الوحش وأتنه وما مرّ بها وبه من أيام الربيع المنعشة ثم ما سقط من أيام الصيف اللافحة التى أوقدت العطش فى صدور الأتن وحمارها، فإذا هى تطلب الماء تريد أن تشفى غلّتها منه، وما إن تريد أن تقع عليه حتى يرسل الصائد عليها سهامه. ويمضى إلى مديح يزيد فيوغل فى فخر شديد بقيس قبيلته التى كان لها ولاؤه، ويطيل فى وصف بلائها فى حروب مروان بن محمد وقمع الثائرين عليه. وبشار فى كل ذلك ينزع منزع القدماء حين كانوا يمدحون سادة عشائرهم فيفخرون بمآثر العشيرة ووقائعها الحربية، وكأنه يقصد إلى ذلك قصدا، ولكن لا تظن أنه طابق النموذج القديم تمام المطابقة، فقد أدخل فى نسيج قصيدته خيوطا جديدة، وتلقانا هذه الخيوط واضحة فى نسيبه إذ تحدث فيه عن الصداقة والصديق، وكأنه يستلهم ما كتبه فيهما ابن المقفع بكتابه «الأدب الكبير» كما يستلهم الكلاميين فى قوة البرهان والحجة، فإذا هو يقول (١): إذا كنت فى كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذى لا تعاتبه فعش واحدا أوصل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه (٢) إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأىّ الناس تصفو مشاربه ونمضى معه فى وصف مشاهد الصحراء وصفا حيّا، حتى إذا انتهى منه فخر بقيس مواليه وما يذيقون به أعداءهم من بأسهم الشديد حتى ليمحقونهم محقا، يقول: إذا الملك الجبّار صعّر خدّه ... مشينا إليه بالسيوف نعاتبه (٣)

стр. 1113

وكنا إذا دبّ العدوّ لسخطنا ... وراقبنا فى ظاهر لا نراقبه (١) ركبنا له جهرا بكل مثقّف ... وأبيض تستسقى الدّماء مضاربه (٢) وجيش كجنح الليل يزحف بالحصى ... وبالشّوك والخطّىّ حمر ثعالبه (٣) غدونا له والشمس فى خدر أمّها ... تطالعنا والطّلّ لم يجر ذائبه بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه ... وتدرك من نجىّ الفرار مثالبه (٤) كأن مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (٥) بعثنا لهم موت الفجاءة إننا ... بنو الملك خفّاق علينا سبائبه (٦) والفخر بالبلاء فى الحروب قديم، غير أن جديدا واضحا يداخل معانى هذه الأبيات، وهو يردّ من بعض الوجوه إلى مزاج بشار الفارسى الذى أدّى به إلى المبالغة ومجاوزة القصد الذى يعدّ من مميزات الطبع العربى الخالص، كما يردّ إلى محاولة الإبداع فى التصوير، ويروى أن الأصمعى وقف متعجبا إزاء البيت السابع وأنه قال: «ولد بشار أعمى فما نظر إلى الدنيا قط، وكان يشبّه الأشياء بعضها ببعض فى شعره فيأتى بما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله» (٧). وكان يعتمد فى ذلك على ذكاء حاد جعله يستغلّ ذاكرته من صور الأقدمين وأخيلتهم استغلالا فاق فيه المبصرين من حوله، مستعينا بحس دقيق. وكان مما دفعه إلى ذلك شعوره بفقده لبصره، وكأنه كان يريد أن يثبت أنه على الرغم من آفته يستطيع أن يؤلف الصور الحسية بل أن يبدع فى تأليفها. على أن من يمعن النظر فى تصاويره يلاحظ عجزه عن تمثل الدقائق التى لا ترى إلا بحاسّة البصر. ومهما يكن فقد استطاع بشار فى مديحه أن يضيف إلى العناصر البدوية القديمة عناصر مستحدثة، وهى تبدو قليلة فى قصائده الأموية، وكلما أوغلنا معه فى العصر العباسى أحسسنا بنموها، فقد أخذ يتخفف من مشاهد الصحراء ومن

стр. 1114

المقدمات الطللية مكتفيا بالغزل. ولما أمره المهدى بالكفّ عن الغزل الماجن أخذ يردد-كما أسلفنا-فى مطالع بعض مدائحه له أنه سيكفّ عن الغزل نزولا على مشيئته. وكان قد وصف السفينة فى إحدى (١) مدائحه لابن هبيرة، ونراه يعود إلى ذلك مرارا فى بعض مدائحه (٢) للمهدى، وكأنه يريد أن يضيف إلى المقدمات الطللية القديمة مقدمة جديدة من بيئته. وقد عكف على معانى المديح القديمة يولّد فيها ويفرّع ويستنبط دقائق كثيرة من مثل قوله فى خالد بن برمك يصف سماحته ونائله الغمر (٣): إذا جئته للحمد أشرق وجهه ... إليك وأعطاك الكرامة بالحمد مفيد ومتلاف سبيل تراثه ... إذا ما غدا أو راح كالجزر والمدّ (٤) وقوله فى عمر بن العلاء قائد المهدى الذى قضى على ثورة الخرّمية بجرجان (٥) فتى لا ينام على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم يلذّ العطاء وسفك الدّماء ... ويغدو على نعم أو نقم ويقرن دائما فى مديحه للقواد والولاة الشجاعة إلى الكرم الفياض، ويستنبط منهما دقائق كثيرة مستلهما لطائف عقله ودقائق تصويره، من مثل قوله فى مديح عقبة بن سلم والى البصرة (٦): إنما لذّة الجواد بن سلم ... فى عطاء ومركب للقاء كخراج السماء سيب يديه ... لقريب ونازح الدار نائى (٧) ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذّ طعم العطاء يسقط الطير حيث ينتشر الح ... بّ وتغشى مازل الكرماء لا يهاب الوغى ولا يعبد الما ... ل ولكن يهينه للثناء

стр. 1115

أريحىّ له يد تمطر النّي ... ل وأخرى سمّ على الأعداء (١) وواضح أنه يجعل لذته فى الكرم والشجاعة، ويصور كرمه واسترساله فيه بالغيث الذى لا مفر من سقوطه على القريبين والنائين. ويجرّد عطاءه عن الغايات، فهو لا يعطى خوفا من هجاء ولا رجاء فى مديح، وإنما يعطى لأنه يجد لذة فى العطاء من حيث هو ويجد فيه استرواحا. ويتمثل عكوف السائلين على بابه بسقوط الطير على الحب. ويصف شجاعته ويقول إنه لا يهاب الموت، وإنه لا يزال يبذل ماله كأنه يريد أن يهينه لمن يثنون على صنيعه. ويصوره مرسلا نداه على السائلين وصواعق الموت على الأعداء الباغين. وتتضح فى هذه القطعة خصائصه، فهو يحاول أن يستقصى المعانى عارضا لها فى وجوه شتى تصور دقة فكره وطرافة أخيلته، مستعينا بالمقابلة والطباق وببعض الحكم كما فى البيت الرابع. وقد أفرد للحكم قصيدة خاصة (٢). ولم تؤثر لبشار مراث كثيرة، وربما رجع ذلك إلى أنه كان منغمسا فى اللهو وأن نفسه لم تكن مفطورة على الحزن، ومع ذلك فإننا نرى الموت يهز نفسه هزّا حين فقد ابنه محمدا، وفيه يقول (٣): أصيب بنىّ حين أورق غصنه ... وألقى علىّ الهمّ كلّ قريب وكان كريحان العروس تخاله ... ذوى بعد إشراق الغصون وطيب وما نحن إلا كالخليط الذى مضى ... فرائس دهر مخطئ ومصيب نؤمّل عيشا فى حياة ذميمة ... أضرّت بأبدان لنا وقلوب ونراه يحزن حزنا عميقا على أصدقائه من الزنادقة الذين فتك بهم المهدى فتكا ذريعا، وكأنما رأى فيهم مصيره الذى ينتظره، وقد مرت فى الفصل السابق قطعة يرثى بها صديقا منهم، وكأنه يرثيهم جميعا وقد ندبه بها أحرّ ندب وأشجاه. وروى له أبو الفرج ميمية رثى بها خمسة من أصدقائه تقطر أسى وحزنا. ولا نشك

стр. 1116

فى أنهم جميعا قتلوا على الزندقة، إذ نراه فيها جزعا أشد الجزع، ملتاعا أشدّ الالتياع على شاكلة قوله (١): كيف يصفو لى النعيم وحيدا ... والأخلاّء فى المقابر هام (٢) نفستهم علىّ أم المنايا ... فأنامتهم بعنف فناموا لا يغيض انسجام عينى عليهم ... إنما غاية الحزين السّجام (٣) والرثاء عنده-على كل حال فن طارئ، وكانت وراءه فنون أخرى عاش لها حياته، ونقصد فنون الفخر والهجاء والغزل والمجون. وقد بدأ حياته مفاخرا هاجيا، مستلهما ما شاع فى بيئة البصرة من الفخر والهجاء على لسان جرير والفرزدق ومن كان حولهما من الشعراء. وحاول أن يدخل فى معاركهما، وهو لا يزال غضّ العود، فهجا جريرا مؤملا أن يردّ عليه فيطير اسمه فى الناس، ولكن جريرا لم يحفل به لأنه كان لا يزال فتى ناشئا، ولم يردّه عدم احتفال جرير به عن الميدان، فقد أخد يصول ويجول فى هجاء الناس، ودخل فى الخصومات القبلية بين عشيرته من بنى عقيل القيسية وغيرها من العشائر. ولما تفاقم شره شكاه الناس إلى ابيه، ولكنه ازداد شرّا وإيذاء، كما مر بنا فى صدر ترجمته. وعوامل مختلفة جعلت بشارا يسرف فى هجائه وفخره، من ذلك أنه كان يريد أن يشتهر فى هذين الفنين شهرة جرير والفرزدق، ومن ذلك أن نفسه كانت تنطوى كما أسلفنا على غير قليل من المرارة بسبب فقده لبصره، وهى مرارة زادها اضطراما فى نفسه أنه كان مولى، والموالى كانوا متخلفين فى المجتمع الأموى، وكان فقيرا بائسا، فاندلع ينفّس بفخره وهجائه عن قروحه النفسية ولكن بمن يفخر؟ أما فى العصر الأموى فقد مضى يفخر بعشيرته وأصولها من قيس، وكان مما أشعل هذا الفخر فى نفسه أن الخليفة حينئذ-وهو مروان بن محمد-كان قيسى الهوى، وأن والى العراق يزيد بن عمر بن هبيرة الفزارى كان يتعصب لأصوله من قيس تعصبا شديدا، وكان بشار يعيش فى كنفه، فمضى آنذاك يفتخر بقيس ومضر

стр. 1117

افتخارا يحاول به أن يبلغ عنان السماء على نحو ما رأينا فى قصيدته البائية وعلى شاكلة قوله (١): إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشّمس أو تمطر الدّما إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة ... ذرى منبر صلّى علينا وسلّما وإذا مضينا معه إلى العصر العباسى، عصر انتصار الفرس على العرب وجدنا شعوره بالعصبية القبلية يتحول إلى شعور جديد بالعصبية الجنسية، فإذا هو يفاخر العرب بماضى قومه التليد، وإذا هو يتحول شعوبيّا مارقا يتغنّى بأمجاد قومه الحضارية كافرا بالعرب والعروبة، وتصوّر هذه النزعة عنده أدق تصوير قصيدته (٢): هل من رسول مخبر ... عنى جميع العرب وهى صياح وضجيج بتصوير أبّهة الملك الفارسى وأيضا الملك الرومى، إذ زعم أن الروم أخواله، هاتفا هتافا مقذعا بالعرب ومعيشتهم البدوية الخشنة. واصطدم بشار بكثير من الشعراء، وجرّ عليه هذا الاصطدام بلاء كثيرا وخاصة من حماد عجرد الذى سلقه بلسانه، وأصلاه بناره، مما جعل معارك هجائيه عنيفة تنشب بين الوعلين على نحو ما مر بنا فى الفصل السابق وهى معارك كانت تستخدم فيها غالبا مقطوعات قصيرة، تشبه أدقّ الشبه سهاما مسمومة، وقد اختلفت أنواع السموم التى كانا يغمسانها فيها، فتارة يعمدان إلى التهوين والتحقير، وتارة يعمدان إلى انتهاك العرض وقذف الزوجات والأخوات والأمهات، مع محاولة كل منهما تلطيخ صاحبه بتهمة الزندقة. ومما نسوقه من ذلك قول بشار فى أم حماد (٣) إذا سئلت لم تكن كزّة ... ولكن تذوب ولا تجمد ووراء هذا البيت فى القصيدة أبيات يصرح فيها بفجرها وغوايتها تصريحا تتقزّز منه النفس الكريمة. واشتهر بشار بالتفنن فى الغزل، ويتضح فيه عنده تمثله لكل ما نظم فى هذا الفن قديما من التشبيب والنسيب وبكاء الديار، ومن الغزل المادى عند عمر بن

стр. 1118

أبى ربيعة وأضرابه من شعراء مكة والمدينة، ومن الغزل العذرى عند جميل وأمثاله من النجديين والنازلين بوادى الحجاز. وقد مضى فى ذلك كله يستلهم الرقى العقلى الحديث والحضارة المادية التى تنفّس فيها، ونراه أحيانا يقترب اقترابا شديدا من القدماء، حتى ليتحدث عن الأطلال والرسوم فى مثل قوله (١): لعبدة دار ما تكلّمنا الدّار ... تلوح مغانيها كما لاح أسطار (٢) أسائل أحجارا ونؤيا مهدّما ... وكيف يجيب القول نؤى وأحجار (٣) وما كلّمتنى دارها إذ سألتها ... وفى كبدى كالنّفط شبّت به النّار وعند مغانى دارها لو تكلّمت ... لمكتئب بادى الصبابة أخبار ويقترب أيضا حين يستغل عناصر النسيب والغزل القديم وما يجرى فيه من وصف لوعة الحب والسهاد الطويل، وما صوّر عشاق العرب من إذعانهم لمعشوقاتهم وما يسكبن فى قلوبهم من سحر وفتنة، وما يبعث نسيم الصبا الحلو المار بديارهن فى أنفسهم من برد وأمن وغبطة وما ينصيون حولهن من شباك التصرع والتذلل والاستعطاف، حتى ليخيّلون إليهن أنهم قتلى حبهن وسهام عيونهن، يقول من قصيدة فى معشوقته عبدة (٤): أبيت أرمد ما لم أكتحل بكم ... وفى اكتحالى بكم شاف من الرّمد رقّت لكم كبدى حتى لو انكم ... تهوون أن لا أريد العيش لم أرد كأن قلبى إذا ذكراكم عرضت ... من سحرها روت أو ما روت فى عقد (٥) ما هبّت الريح من تلقاء أرضكم ... إلا وجدت لها بردا على كبدى يرقّ قلبى وتزدادين لى غلظا ... ما ذاك فيما أرجّى منك بالسّدد (٦) تحرّجى بالهوى إن كنت مومنة ... بالله أن تقتلى نفسا بلا قود (٧)

стр. 1119

وقد رققت الحضارة حسّه وفتحت له فى الغزل أبوابا من المعانى والصور التى تمّ عن أثر البيئة وما شاع فيها من ترف مادى وشعور رقيق حاد، ومما يمثل ذلك عنده من بعض الوجوه قوله (١): يا ليلتى تزداد نكرا ... من حبّ من أحببت بكرا حوراء إن نظرت إلي ... ك سقتك بالعينين خمرا وكأنّ رجع حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا وكأن تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا وتخال ما جمعت علي ... هـ ثيابها ذهبا وعطرا وكأنها برد الشرا ... ب صفا ووافق منك فطرا جنّيّة إنسيّة ... أو بين ذاك أجلّ أمرا وواضح فى هذه القطعة أثر فقده لبصره، فإنه لا يكاد يرتفع عن نطاق الشم والسمع واللمس والحسّ، فهو يصف أنفاسها وما تنشره من طيب كطيب الرياض ويصف حديثها وما تذيع فيه من سحر، ويصور جسدها ذهبا وعطرا، أما ما ينعم به من جمالها فشراب بارد سلسبيل صادف صائما يتحرق عطشا. وقلما ارتفع فى غزله عن الحس والسمع والأذن، ونوّه بذلك كثيرا فى شعره، محاولا أن يعتذر عن فقده لمتعة الجمال متعة حقيقية بالبصر، ومن ثمّ مضى يردد فى أشعاره أن السمع يحلّ محل العين فى تقدير الجمال والإحساس التام به، من مثل قوله (٢): يا قوم أذنى لبعض الحىّ عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا قالوا بمن لا ترى تهذى؟ فقلت لهم ... الأذن كالعين توفى القلب ما كانا وكان لذلك أثر عميق فى غزله إذ طبعه بطوابع الحس، وليس ذلك فحسب، فقد أماله بشار-كما أسلفنا-نحو الإفصاح فى وضوح عن الغريزة النوعية إفصاحا بثّ فيه كل ما استطاع من فحش وإثم وفسق، لا يتحرّج ولا يرعى دينا ولا خلقا،

стр. 1120

حتى ليصور جانبه الحيوان الجشع، عامدا إلى التفصيل أحيانا (١)، وأحيانا إلى الإجمال بمثل قوله (٢): فبتنا معا لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دونى حاجب وستور وقد مضى يحضّ حضّا صريحا على الإثم ويغرى الناس بفتنة الجسد، وكأنما لم يعد لجمال المرأة عنده من معنى نفسى سام، فقد ردّ جمالها كله إلى جسدها وأصبحت فى رأيه أداة للغريزة الجنسية، أداة طيعة تنال مهما تأبّت واستعصت، إذ لا تلبث أن ترضى وأن تبلغ الرجل منها ما يريد، يقول (٣): لا يؤيسنّك من مخبّأة ... قول تغلّظه وإن جرحا عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعد ماجمحا ويحاول أن يبرر المعصية، فيحلّ القبلة، ويغرى باجتناء زهرات الجسد واقتطاف ثمراته، بل خطيئاته، دون التفات إلى الناس وإلى عرفهم وألسنتهم، فالحياة فرص واستماع جسدى، بل هجوم على هذا الاستمتاع وما يطوى فيه من لذة وإثم، يقول (٤): قالوا حرام تلاقينا فقلت لهم ... ما فى التلاقى ولا فى قبلة حرج من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج ومن أجل ذلك كله ضاق به الوعاظ وأهل الصلاح وهتفوا به فى وعظهم وكلامهم، ولم يرعو فرفعوا أمره إلى السلطان، وتدخل المهدى ونهاه فانتهى، ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن شاع غزله الفاجر على كل لسان، وكان مما هيأ لذلك تعلّق الجوارى والقيان بهذا الغزل وتغنيهن فيه، وكان جمهورهن مثل بشار لا يعصمهن خلق ولا عرف ولا دين، وكان قد انغمس بعض الناس فى اللذات. وقد يكون من المبالغة أن نجعل بشارا وحده المسئول عن شيوع هذا الغزل العاهر، فقد كان يشركه فيه المجان من حوله فى البصرة والكوفة وبغداد، ولكنه على كل حال يعد

стр. 1121

فى طليعة من روّجوا له بحكم خصب ملكاته الشعرية. وقد مضى يكثر من وصف مجالس اللهو والغناء، وله مقطوعات بديعة يصور فيها غناء بعض القيان ومدى ما كنّ يخلبن به الألباب من غنائهن وضربهن على آلات الطرب (١)، وقد تغنى طويلا بالخمر وكئوسها ودنانها وندمانها وسقاتها من مثل قوله (٢): ربّ كأس كالسّلسبيل تعلّل ... ت بها والعيون عنى نيام حبست للشّراة فى بيت رأس ... عتّقت عانسا عليها الختام (٣) نفحت نفحة فهزّت نديمى ... بنسيم وانشقّ عنها الزّكام وكأنّ المعلول منها إذارا ... ح شج فى لسانه برسام (٤) صدمته الشّمول حتى بعيني ... هـ انكسار وفى المفاصل خام (٥) وهو باقى الأطراف حيّت به الكأ ... س وماتت أوصاله والكلام (٦) وهو يصور صفاءها وقدمها وشذاها الذى يشق الزكام، وتأثيرها الجسدى فى الشارب وما تصيبه به من هذيان ومن فتور فى العيون وارتخاء فى المفاصل، ثم ما تنزل به من هدوء وسكون وصمت حتى لكأنما ماتت أوصاله ومات الكلام. وهو يتصل فى وصفه للخمر بتراثها القديم عند الأعشى وأضرابه وما أضيف إليه عند الوليد بن يزيد ونظرائه، فى الوقت نفسه يعدّ مقدمة للماجنين من حوله ومن بعده لكى يزيدوا فى الطنبور ما شاءوا من أنغام وألحان. ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور كيف أن بشارا تمسك بالتراث الفنى وأصوله التقليدية وكيف مضى ينميه ويلائم بينه وبين حياته العقلية الخصبة وما عاش فيه من حضارة مادية حفّ بها المجون. وقد حاول، كما مر بنا فى غير هذا الموضع، أن يجدد فى شكل القصيدة، فنظم فى الرباعيات وفى المزدوج والمسمطات، غير أنه ظل محتفظا للغة الشعر بأساليبها الجزلة الرصينة، وقد يرقّ ويلين، ولكن دون

стр. 1122

أن يصيب أساليبه ضعف أو وهن، إذ كان يفقه أسرار اللغة فقها دقيقا وكل ما يتصل بلك الأسرار من رونق وبهاء وجمال. ٢ - أبو نواس (١) إذا مضينا بعد بشار إلى الجيل الذى خلفه رأينا تأثره بالحضارة الفارسية المادية يزداد اتساعا كما تزداد ثورته على العرف والخلق والدين الحنيف، حتى لتتحول فى بعض جوانبها إلى صياح وعجيج وضجيج، وطبيعى أن ذلك لم يكن عامّا بحيث يشمل الجيل كله، فقد كان هناك الفقهاء والوعاظ وأهل الصلاح، إنما كان ذلك يسرى بين نفر من الشعراء الذين كانوا يختلفون إلى دور النخاسة وحانات المجون وبيوت اللهو والعبث، فإن تركوها فإلى دورهم التى حوّلوها إلى مقاصف للخمر والغناء يتطارحون فيها أشعارهم المعبرة عن غرائزهم وكل ما اقترن بها من شذوذ الغزل بالغلمان. وأبو نواس الحسن بن هانئ هو أهم شاعر يصور هذا الفساد الخلقى من جميع نواحيه، وهو فارسى الأم والأب أيضا، وقد انبهم أمر أبيه وجنسه على بعض الرواة حين رأوه ينتسب لآل الحكم بن الجراح من بنى سعد العشيرة اليمنيين ويتكنى بكنية يمنية هى أبو نواس، وكذلك حين رأوا فى أخبار هذا الأب أنه كان من جند مروان ابن محمد آخر الخلفاء الأمويين، مما جعل بعض المعاصرين يظن أن أباه من أهل الشام بينما ذهب بعض الأقدمين إلى أنه عربى، وتمادوا فصنعوا له نسبا فى بنى سعد

стр. 1123

العشيرة (١). والصحيح أنه كان مولى فارسيّا من موالى الجراح بن عبد الله الحكمى (٢) والى خراسان لعهد عمر بن عبد العزيز، ويظهر أنه انتظم فى جند الخلافة (٣)، وقد نزل مع فريق منهم بالأهواز لعهد مروان بن محمد (١٢٧ - ١٣١ هـ) وهناك تعرّف على جارية فارسية تسمى جلبّان كانت تغزل الصوف وتنسجه، فاقترن بها ورزق منها عدة أولاد (٤)، منهم أبو نواس، واختلف الرواة فى السنة التى ولد فيها، والراجح أنها سنة مائة وتسع وثلاثين للهجرة (٥)، ولم يكد يبلغ السادسة من عمره حتى توفى أبوه، فنقلته أمه إلى البصرة، وقامت على تربيته، وسرعان ما دفعته إلى الكتّاب، فحفظ القرآن وأطرافا من الشعر، وتفتّحت موهبته، فأخذ يلهج ببعض الأشعار، وكان مليحا صبيحا (٦)، ويقال إن صبية وضيئة الوجه مرت به فمازحته ساعة، ثم رمت إليه بتفاحة معضّضة، فقال على البديهة من أبيات (٧): ليس ذاك العضّ من عيب لها ... إنما ذاك سؤال للقبل وشبّ الغلام فأخذ يختلف إلى حلقات المسجد الجامع يتزود من الدراسات اللغوية والدينية ومن الشعر القديم ومعانيه غير أن أمه رأت أن تلحقه بأحد العطارين، فكان يذهب فى العشىّ إلى المسجد يستمع من أبى عبيدة أخبار العرب وأيامهم، ويلتقط من أبى زيد غرائب اللغة ومن خلف الأحمر نوادر الشعر (٨) وساقه القدر ليتعرّف على والبة بن الحباب أحد مجان الكوفة المشهورين، ويقال إن هذه المعرفة نشأت فى البصرة، ويقال بل إن عامل الأهواز طلب صاحبه العطار، فوافقه، وكان عنده والبة، فلم تكد تقع عينه على أبى نواس حتى استظرفه، فحثّه على أن يصطحبه معه إلى الكوفة، ولم يتردد الغلام، فمضى معه (٩)، ويقال إن الذى أرغبه

стр. 1124

فيه حسن شعره وما سمعه على لسانه من قوله (١): ولها ولا ذنب لها ... حبّ كأطراف الرماح فى القلب يجرح دائما ... فالقلب مجروح النواحى وربما كان من دوافع رحلته معه وإغراقه-فما بعد-فى المجون أنه كانت تؤذيه سيرة أمه فى البصرة (٢)، فارتحل معه، وأخذ يعبّ من الخمر كى ينسى أمه، وكان كالمستجير من الرمضاء بالنار، فقد وقع فى حبائل شيطان كبير، غمسه فى كل ما كان يقع فيه من خطايا وآثام هو ورفاقه مجّان الكوفة من أمثال مطيع بن إياس وحماد عجرد، وكأنما كتب القدر عليه أن يصبح ضريبة الفسق والمجون لعصره. وثاب قليلا إلى رشده، فخرج إلى بادية بنى أسد، وظل بينهم حولا كاملا يتزود من ينابيع اللغة (٣)، وعاد، ولكنه ولّى وجهه نحو موطنه، وأخذ يفد على المربد بألواحه للقاء الأعراب الفصحاء (٤)، كما أخذ ينهل من دروس اللغويين ومحاضراتهم وخاصة خلفا الأحمر الذى حثّه على حفظ الشعر القديم وحفظ المئات من أراجيزه، وكان خلف من أشعر رواة عصره وأعلمهم فحمل عنه أدبا واسعا، وفيه يقول فى بعض مراثيه له (٥): أودى جماع العلم إذ أودى خلف ... من لا يعدّ العلم إلا ما عرف كنا متى ما ندن منه نغترف ... رواية لا تجتنى من الصّحف ولم يكتف بالشعر واللغة فقد طلب الفقه والتفسير والحديث حتى قالوا إنه: «كان عالما فقيها عارفا بالأحكام والفتيا بصيرا بالاختلاف صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث، يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه» (٦). وطلب أيضا علم الكلام عند النظام وغيره من المتكلمين، ومرّ بنا فى الفصل السابق كيف كان يستظهر مصطلحاتهم فى أشعاره، وبلغ من إتقانه لهذا العلم أن أكّد بعض الرواة أنه بدأ متكلما ثم انتقل إلى نظم الشعر (٧). وقد وصله هذا العلم

стр. 1125

بالثقافات التى كان يتصل بها المتكلمون، ومرت بنا أمثلة تصور أخذه من الثقافات الهندية، ولا شك فى أن اتصاله بالثقافتين الفارسية واليونانية كان أكثر عمقا فقد كان فارسى الأصل، وكان يحسن الفارسية إحسانا بعيدا جعله يلوك كثيرا من كلماتها فى أشعاره، ولا بد أنه نظر فيما ترجمه ابن المقفع وغيره من آدابها المختلفة، وأيضا لا بد أنه نظر فى الفلسفة اليونانية وما اتصل بها من منطق بحكم تثقفه بعلم الكلام، إذ كان المتكلم لا يتمكن فى هذا العلم ولا يجمع أفكاره «حتى يكون الذى يحسن من كلام الدين فى وزن الذى يحسن من كلام الفلسفة» (١). وفى خمرياته ما يدل دلالة واضحة على أنه وقف وقوفا دقيقا على طقوس المجوس واليهود والنصارى وعقائدهم (٢). وتفرّغ للنوادر والملح وحفظ منها شيئا كثيرا (٣)، وتصادف أن كان خفيف الروح ظريفا (٤)، مما أعدّه لتكثر مطايباته ومداعباته، وليكون سميرا للخلفاء والوزراء ويصف ذلك من نفسه ليحيى بن خالد البرمكى، فيقول: (٥) كم من حديث معجب لى عندكا ... لو قد نبذت به إليك لسرّكا إنى أنا الرجل الحكيم بطبعه ... ويزيد فى علمى حكاية من حكى أتتبّع الظرفاء أكتب عنهم ... كيما أحدّث من أحبّ فيضحكا وعلى الرغم من ظرفه لم يكن قريبا من نفس المرأة التى عاصرته، فقد كانت تزدرى فيه غلامياته وسيرته الشاذة، وكانت أول امرأة شغفته حبا، وهو لا يزال فى البصرة يختلف إلى المربد وحلقات العلماء؛ جنان جارية الثقفيين، وعقد أبو الفرج فصلا فى أغانيه (٦)، لأشعاره فيها وأخباره معها، ونراه يرسل لها بغزلياته، وترسل له بسبّها وشتمها، وهو يزداد بها شغفا، حتى ليقول (٧): أتانى عنك سبّك لى فسبّنى ... أليس جرى بفيك اسمى فحسبى وقولى ما بدا لك أن تقولى ... فماذا كلّه إلا لحبّى وغزله فيها غزل عفيف لا فحش فيه. وجذبته بغداد فيمن جذبت من شعراء
следующие страницы →