← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فى طليعة من روّجوا له بحكم خصب ملكاته الشعرية. وقد مضى يكثر من وصف مجالس اللهو والغناء، وله مقطوعات بديعة يصور فيها غناء بعض القيان ومدى ما كنّ يخلبن به الألباب من غنائهن وضربهن على آلات الطرب (١)، وقد تغنى طويلا بالخمر وكئوسها ودنانها وندمانها وسقاتها من مثل قوله (٢): ربّ كأس كالسّلسبيل تعلّل ... ت بها والعيون عنى نيام حبست للشّراة فى بيت رأس ... عتّقت عانسا عليها الختام (٣) نفحت نفحة فهزّت نديمى ... بنسيم وانشقّ عنها الزّكام وكأنّ المعلول منها إذارا ... ح شج فى لسانه برسام (٤) صدمته الشّمول حتى بعيني ... هـ انكسار وفى المفاصل خام (٥) وهو باقى الأطراف حيّت به الكأ ... س وماتت أوصاله والكلام (٦) وهو يصور صفاءها وقدمها وشذاها الذى يشق الزكام، وتأثيرها الجسدى فى الشارب وما تصيبه به من هذيان ومن فتور فى العيون وارتخاء فى المفاصل، ثم ما تنزل به من هدوء وسكون وصمت حتى لكأنما ماتت أوصاله ومات الكلام. وهو يتصل فى وصفه للخمر بتراثها القديم عند الأعشى وأضرابه وما أضيف إليه عند الوليد بن يزيد ونظرائه، فى الوقت نفسه يعدّ مقدمة للماجنين من حوله ومن بعده لكى يزيدوا فى الطنبور ما شاءوا من أنغام وألحان. ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور كيف أن بشارا تمسك بالتراث الفنى وأصوله التقليدية وكيف مضى ينميه ويلائم بينه وبين حياته العقلية الخصبة وما عاش فيه من حضارة مادية حفّ بها المجون. وقد حاول، كما مر بنا فى غير هذا الموضع، أن يجدد فى شكل القصيدة، فنظم فى الرباعيات وفى المزدوج والمسمطات، غير أنه ظل محتفظا للغة الشعر بأساليبها الجزلة الرصينة، وقد يرقّ ويلين، ولكن دون

стр. 1122

أن يصيب أساليبه ضعف أو وهن، إذ كان يفقه أسرار اللغة فقها دقيقا وكل ما يتصل بلك الأسرار من رونق وبهاء وجمال. ٢ - أبو نواس (١) إذا مضينا بعد بشار إلى الجيل الذى خلفه رأينا تأثره بالحضارة الفارسية المادية يزداد اتساعا كما تزداد ثورته على العرف والخلق والدين الحنيف، حتى لتتحول فى بعض جوانبها إلى صياح وعجيج وضجيج، وطبيعى أن ذلك لم يكن عامّا بحيث يشمل الجيل كله، فقد كان هناك الفقهاء والوعاظ وأهل الصلاح، إنما كان ذلك يسرى بين نفر من الشعراء الذين كانوا يختلفون إلى دور النخاسة وحانات المجون وبيوت اللهو والعبث، فإن تركوها فإلى دورهم التى حوّلوها إلى مقاصف للخمر والغناء يتطارحون فيها أشعارهم المعبرة عن غرائزهم وكل ما اقترن بها من شذوذ الغزل بالغلمان. وأبو نواس الحسن بن هانئ هو أهم شاعر يصور هذا الفساد الخلقى من جميع نواحيه، وهو فارسى الأم والأب أيضا، وقد انبهم أمر أبيه وجنسه على بعض الرواة حين رأوه ينتسب لآل الحكم بن الجراح من بنى سعد العشيرة اليمنيين ويتكنى بكنية يمنية هى أبو نواس، وكذلك حين رأوا فى أخبار هذا الأب أنه كان من جند مروان ابن محمد آخر الخلفاء الأمويين، مما جعل بعض المعاصرين يظن أن أباه من أهل الشام بينما ذهب بعض الأقدمين إلى أنه عربى، وتمادوا فصنعوا له نسبا فى بنى سعد

стр. 1123

العشيرة (١). والصحيح أنه كان مولى فارسيّا من موالى الجراح بن عبد الله الحكمى (٢) والى خراسان لعهد عمر بن عبد العزيز، ويظهر أنه انتظم فى جند الخلافة (٣)، وقد نزل مع فريق منهم بالأهواز لعهد مروان بن محمد (١٢٧ - ١٣١ هـ) وهناك تعرّف على جارية فارسية تسمى جلبّان كانت تغزل الصوف وتنسجه، فاقترن بها ورزق منها عدة أولاد (٤)، منهم أبو نواس، واختلف الرواة فى السنة التى ولد فيها، والراجح أنها سنة مائة وتسع وثلاثين للهجرة (٥)، ولم يكد يبلغ السادسة من عمره حتى توفى أبوه، فنقلته أمه إلى البصرة، وقامت على تربيته، وسرعان ما دفعته إلى الكتّاب، فحفظ القرآن وأطرافا من الشعر، وتفتّحت موهبته، فأخذ يلهج ببعض الأشعار، وكان مليحا صبيحا (٦)، ويقال إن صبية وضيئة الوجه مرت به فمازحته ساعة، ثم رمت إليه بتفاحة معضّضة، فقال على البديهة من أبيات (٧): ليس ذاك العضّ من عيب لها ... إنما ذاك سؤال للقبل وشبّ الغلام فأخذ يختلف إلى حلقات المسجد الجامع يتزود من الدراسات اللغوية والدينية ومن الشعر القديم ومعانيه غير أن أمه رأت أن تلحقه بأحد العطارين، فكان يذهب فى العشىّ إلى المسجد يستمع من أبى عبيدة أخبار العرب وأيامهم، ويلتقط من أبى زيد غرائب اللغة ومن خلف الأحمر نوادر الشعر (٨) وساقه القدر ليتعرّف على والبة بن الحباب أحد مجان الكوفة المشهورين، ويقال إن هذه المعرفة نشأت فى البصرة، ويقال بل إن عامل الأهواز طلب صاحبه العطار، فوافقه، وكان عنده والبة، فلم تكد تقع عينه على أبى نواس حتى استظرفه، فحثّه على أن يصطحبه معه إلى الكوفة، ولم يتردد الغلام، فمضى معه (٩)، ويقال إن الذى أرغبه

стр. 1124

فيه حسن شعره وما سمعه على لسانه من قوله (١): ولها ولا ذنب لها ... حبّ كأطراف الرماح فى القلب يجرح دائما ... فالقلب مجروح النواحى وربما كان من دوافع رحلته معه وإغراقه-فما بعد-فى المجون أنه كانت تؤذيه سيرة أمه فى البصرة (٢)، فارتحل معه، وأخذ يعبّ من الخمر كى ينسى أمه، وكان كالمستجير من الرمضاء بالنار، فقد وقع فى حبائل شيطان كبير، غمسه فى كل ما كان يقع فيه من خطايا وآثام هو ورفاقه مجّان الكوفة من أمثال مطيع بن إياس وحماد عجرد، وكأنما كتب القدر عليه أن يصبح ضريبة الفسق والمجون لعصره. وثاب قليلا إلى رشده، فخرج إلى بادية بنى أسد، وظل بينهم حولا كاملا يتزود من ينابيع اللغة (٣)، وعاد، ولكنه ولّى وجهه نحو موطنه، وأخذ يفد على المربد بألواحه للقاء الأعراب الفصحاء (٤)، كما أخذ ينهل من دروس اللغويين ومحاضراتهم وخاصة خلفا الأحمر الذى حثّه على حفظ الشعر القديم وحفظ المئات من أراجيزه، وكان خلف من أشعر رواة عصره وأعلمهم فحمل عنه أدبا واسعا، وفيه يقول فى بعض مراثيه له (٥): أودى جماع العلم إذ أودى خلف ... من لا يعدّ العلم إلا ما عرف كنا متى ما ندن منه نغترف ... رواية لا تجتنى من الصّحف ولم يكتف بالشعر واللغة فقد طلب الفقه والتفسير والحديث حتى قالوا إنه: «كان عالما فقيها عارفا بالأحكام والفتيا بصيرا بالاختلاف صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث، يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه» (٦). وطلب أيضا علم الكلام عند النظام وغيره من المتكلمين، ومرّ بنا فى الفصل السابق كيف كان يستظهر مصطلحاتهم فى أشعاره، وبلغ من إتقانه لهذا العلم أن أكّد بعض الرواة أنه بدأ متكلما ثم انتقل إلى نظم الشعر (٧). وقد وصله هذا العلم

стр. 1125

بالثقافات التى كان يتصل بها المتكلمون، ومرت بنا أمثلة تصور أخذه من الثقافات الهندية، ولا شك فى أن اتصاله بالثقافتين الفارسية واليونانية كان أكثر عمقا فقد كان فارسى الأصل، وكان يحسن الفارسية إحسانا بعيدا جعله يلوك كثيرا من كلماتها فى أشعاره، ولا بد أنه نظر فيما ترجمه ابن المقفع وغيره من آدابها المختلفة، وأيضا لا بد أنه نظر فى الفلسفة اليونانية وما اتصل بها من منطق بحكم تثقفه بعلم الكلام، إذ كان المتكلم لا يتمكن فى هذا العلم ولا يجمع أفكاره «حتى يكون الذى يحسن من كلام الدين فى وزن الذى يحسن من كلام الفلسفة» (١). وفى خمرياته ما يدل دلالة واضحة على أنه وقف وقوفا دقيقا على طقوس المجوس واليهود والنصارى وعقائدهم (٢). وتفرّغ للنوادر والملح وحفظ منها شيئا كثيرا (٣)، وتصادف أن كان خفيف الروح ظريفا (٤)، مما أعدّه لتكثر مطايباته ومداعباته، وليكون سميرا للخلفاء والوزراء ويصف ذلك من نفسه ليحيى بن خالد البرمكى، فيقول: (٥) كم من حديث معجب لى عندكا ... لو قد نبذت به إليك لسرّكا إنى أنا الرجل الحكيم بطبعه ... ويزيد فى علمى حكاية من حكى أتتبّع الظرفاء أكتب عنهم ... كيما أحدّث من أحبّ فيضحكا وعلى الرغم من ظرفه لم يكن قريبا من نفس المرأة التى عاصرته، فقد كانت تزدرى فيه غلامياته وسيرته الشاذة، وكانت أول امرأة شغفته حبا، وهو لا يزال فى البصرة يختلف إلى المربد وحلقات العلماء؛ جنان جارية الثقفيين، وعقد أبو الفرج فصلا فى أغانيه (٦)، لأشعاره فيها وأخباره معها، ونراه يرسل لها بغزلياته، وترسل له بسبّها وشتمها، وهو يزداد بها شغفا، حتى ليقول (٧): أتانى عنك سبّك لى فسبّنى ... أليس جرى بفيك اسمى فحسبى وقولى ما بدا لك أن تقولى ... فماذا كلّه إلا لحبّى وغزله فيها غزل عفيف لا فحش فيه. وجذبته بغداد فيمن جذبت من شعراء

стр. 1126

البصرة، ففارق موطنه إلى غير رجعة لا باكيا عليه ولا آسفا، إذ كانت حياته فيه سلسلة من الإخفاق فى علاقته بجنان وعلاقته بالرفاق حتى كان يشعر كأنه سليب الحرية، وفى ذلك يقول (١): أيا من كنت بالبصر ... ة أصفى لهم الودّا ومن كانوا موالىّ ... ومن كنت لهم عبدا ومن قد كنت أرعاه ... وإن ملّ وإن صدّا شربنا ماء بغداد ... فأنساناكم جدّا فلا ترعوا لنا عهدا ... فما نرعى لكم عهدا ولم يلبث حين قدم بغداد أن قدّمه هرثمة بن أعين إلى الرشيد فمدحه ونال جوائزه، وأخذ ينفقها فى مباذلة، غير تارك حانة بالكرخ أو فى ضواحى بغداد إلا ارتادها، ملمّا من حين لآخر بدير من الأديرة المنبثّة على شواطئ دجلة، وكأنما تحولت حياته إلى حانة كبيرة يقترف فيها كل ما لذّ له من إثم وفجور، وارتقى ذلك إلى سمع الرشيد فحبسه مرارا لعله يزدجر (٢)، ولكنه كان سرعان ما يعود إلى سيرته السيئة حين تردّ له حريته. وقد غضب عليه غضبا شديدا حين رآه يهجو عدنان ويفتخر بقحطان ومواليه اليمنيين، فأطال حبسه (٣)، ثم عاد فعفا عنه، وربما كان للبرامكة أثر فى هذا العفو المتكرر، فقد كانوا يقربونه منهم ويغدقون عليه من برّهم ونوالهم الغمر، ونراه يحزن عليهم حزنا عميقا حين ينكبهم الرشيد سنة ١٨٧ للهجرة ويرثيهم بمثل قوله (٤): لم يظلم الدهر إذ توالت ... فيهم مصيباته دراكا كانوا بجيرون من يعادى ... منه فعاداهم لذاكا ويولّى وجهه نحو الفسطاط بمصر. ليمدح والى الخراج بها الخصيب بن عبد الحميد، وكان فارسيّا مثله. وقد استقبله استقبالا حافلا، وأضفى عليه من

стр. 1127

نواله كثيرا، كما أضفى عليه أبو نواس غير مدحة، وله يقول (١): أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفّقا فكلاكما بحر النيل ينعش ماؤه مصرا ... ونداك ينعش أهله الغمر وسرعان ما أخذ يحنّ حنينا شديدا إلى بغداد حيث المجون قائم على قدم وساق، وصوّر هذا الحنين بصور مختلفة، من مثل قوله (٢): كفى حزنا أنى بفسطاط نازح ... ولى نحو أكناف العراق حنين وعاد إلى بغداد ولم يلبث الرشيد أن توفى وخلفه الأمين (١٩٣ - ١٩٨ هـ) وكان فيه ميل شديد إلى اللهو فحوّل قصر الخلافة إلى مقصف كبير للغناء والرقص، واتخذ أبا نواس نديما له يمدحه وينظم له ما شاء من غزل وخمر، واستغلّ ذلك المأمون حين عزم على حرب الأمين، فكان يعمل كتبا بعيوبه تقرأ على المنابر بخراسان، وكان مما عابه به أن قال إنه استخلص رجلا شاعرا ماجنا كافرا يقال له الحسن بن هانى ليشرب معه الخمر ويرتكب المآثم ويهتك المحارم، وهو القائل: ألا فاسقنى خمرا وقل لى هى الخمر ... ولا تسقنى سرّا إذا أمكن الجهر وبح باسم من تهوى ودعنى من الكنى ... فلا خير فى اللذات من دونها ستر وكان يقوم رجل بين يديه فينشد أشعار أبى نواس فى المجون، فاتصل ذلك بالأمين فنهى أبا نواس عن الخمر ولم ينته، حينئذ أغراه الفضل بن الربيع وزيره بحبسه، فحبسه، وقد مضى فى حبسه يستعطف الفضل بأشعار مشيعا فيها روحه الفكهة بما يصوّر من نسكه وعلامات السجود فى جبهته وحمله للمسابيح أو السّبح فى ذراعه وللمصحف فى لبّته. (٣) وعطف عليه الفضل فتلطف له عند الأمين وردّ إليه

стр. 1128

حريته (١). وكانت قد تقدمت به السنّ وعلته كبرة وشيخوخة، فأخذ ينيب إلى ربه، وينظم أبياتا مختلفة فى الزهد، وفى أخباره ما يدل على أنه تنسك مرارا، ثم عاد إلى غيّه، وربما رقيت فترات هذا النسك إلى زمن الرشيد، وحين كان يلقى به فى السجن، إذ يقال إنه حجّ سنة ١٩٠ للهجرة (٢)، وكأنما هى صحوات كان يفيق فيها ثم يرجع إلى خطاياه. وتوفى الأمين، ولم يلبث أن توفى من بعده، وقد اختلف الرواة فى تاريخ وفاته (٣)، فمنهم من تقدم به إلى سنة ١٩٥ ومنهم من تأخر به إلى سنة ١٩٩ وقيل بل توفى بعد المائتين بقليل وفى ديوانه رثاء للأمين يشهد بأن وفاته لم تكن قبل سنة ١٩٨. واختلف الرواة أيضا فى سبب وفاته (٤)، فقيل إنه توفى وفاة طبيعية وقيل بل هجا إسماعيل بن نوبخت هجاء مقذعا ذكر فيه أمه ورماه بالبخل والرفض، فدسّ له شربة من سمّ قتلته بعد أربعة أشهر، وقيل بل دسّ له من ضربه حتى مات. ولعل فيما قدمنا ما يدل بوضوح على أن عناصر كثيرة اشتركت فى تكوين طبيعة أبى نواس، فقد كان فارسيّا حاد المزاج وثقف كل الثقافات التى عاصرها من عربية وإسلامية ومن هندية وفارسية ويونانية ومن مجوسية ويهودية ونصرانية، وغرق فى حضارة عصره المادية وفى آثامها وخطاياها، تدفعه إلى ذلك أزمته النفسية العنيفة إزاء سيرة أمه المنحرفة وكأنما اتخذ من المجون والفسق أداة، بل ملجأ، للهروب من أزمته ومن هموم الحياة وأحزانها، وتردّى فى أسوأ صور المجون ونقصد غزله الشاذ بالغلمان. ونراه أحيانا يعلن تمردا وإلحادا فى الدين، ولكنه إلحاد عابر، لا إلحاد عقيدة كإلحاد بشار، فقد كان بشار زنديقا، وكان يظهر زندقته حين لا يخشى على نفسه، ويبطنها حين يأخذه الخوف، أما أبو نواس فلم يكن يعتنق الزندقة إنما كان يعتنق المجون، ويتعبد لملاذ الحضارة التى عاشها، فصاح بالدين الحنيف كأنه يرى فيه عائقا عن خمره ومجونه وإثمه. وهو من هذه الناحية مضطرب

стр. 1129

أشد الاضطراب تارة يعلن دهريته وأنه لا يؤمن يبعث ولا نشور (١) وتارة يعلن أنه مؤمن عاص، وأنه على الرغم من جهره بعصيانه وفسقه يعتمد على عفو الله ومغفرته على نحو ما مرّ بنا فى الفصل السابق وحواره للنظام فى فكرة العفو التى قال بها المرجئة (٢). ولا بد أن نلاحظ مع ذلك كله عنصرا مهمّا فى مزاجه هو عنصر التندير والميل إلى الهزل والعبث، ولعل ذلك هو الذى جرّه إلى صياح كثير فى وجه الدين الحنيف، وكان إذا تلوّمه بعض معاصريه قال: «والله ما أدين غير الإسلام ولكن ربما نزا بى المجون حتى أتناول العظائم» (٣) وهو بذلك يعترف أن جمهور هذا الصياح إنما كان ينظمه فى أثناء معاقرته للخمر هزلا وتعابثا ومجانة، ومن أجل ذلك ترددت نبراته فى خمرياته، إذ نراه فى ثناياها يهاجم الدين أو يهاجم العرب ووقوف شعرائهم على الأطلال، حتى إذا صحا وعادت إليه يقظته أوقف ثورته على الدين والعرب جميعا ومضى يقدم لمدائحه بوصف الأطلال وبكاء الديار ونعت رحلته فى الصحراء على ناقته أو بعيره. وأبو نواس-على الرغم من مجونياته-يعدّ من أعاجيب عصره فى الشعر، إذ كان يحظى بملكات شعرية بديعة، وهى ملكات صقلها بالدرس الطويل للشعر القديم واللغة العربية الأصيلة، حتى قال الجاحظ: «ما رأيت أحدا أعلم باللغة من أبى نواس» (٤) وأضاف إلى هذا العلم علما دقيقا بقوالب الشعر الجاهلى والإسلامى وما صارت إليه عند بشار وأضرابه من أوائل العباسيين، ومن خلال هذه القوالب جميعها أخذت شخصيته تنمو فى اتجاهين: اتجاه يحافظ فيه على التقاليد الموضوعة دون أن يشتط فى التجديد، واتجاه بجدد فيه تجديدا واسعا، يجدد فى معانيه وألفاظه. ويمكن أن نسلك فى الاتجاه الأول مدائحه وأراجيزه ومراثيه، بينما نسلك فى الاتجاه الثانى أهاجيه وغزلياته وخمرياته وكل ما يتصل بعبثه ولهوه. أما المديح

стр. 1130

فكان كثيرا ما يحتفظ فيه بمقدماته القديمة وله فى ذلك قلائد بديعة مثل رائيته فى الخصيب (١): أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير وميميته فى الأمين (٢): يا دار ما فعلت بك الأيّام ... لم تبق فيك بشاشة تستام (٣) ويلاحظ أنه لم يكن يطيل مثل بشار فى وصف رحلته بالصحراء وأنه كان يتعمق أكثر منه فى المبالغة حين يلم بنعت الممدوحين كقوله فى الرشيد (٤): وأخفت أهل الشّرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق وقوله أيضا فيه (٥): ملك تصوّر فى القلوب مثاله ... فكأّنه لم يخل منه مكان وقوله فى الأمين مخاطبا ناقته (٦): يا ناق لا تسأمى أو تبلغى ملكا ... تقبيل راحته والرّكن سيّان محمد خير من يمشى على قدم ... ممّن برا الله من إنس ومن جان ونراه فى هذه القصيدة يضفى على الأمين هالة كبيرة من القدسية والجلال حتى ليشبهه بالرسول ﷺ على الرغم مما كان يتردّى فيه من لهو ومجون، واستطرد فى تضاعيف ذلك يقرر حق العباسيين فى الخلافة رادّا ردّا عنيفا على بنى عمهم العلويين. ومن مبالغاته الطريفة قوله فى بعض ممدوحيه (٧): تغطّيت من دهرى بظلّ جناحه ... فعينى ترى دهرى وليس يرانى فلو تسأل الأيام ما اسمى لمادرت ... وأين مكانى ما عرفن مكانى وجانب آخر فى بعض مدائحه يمتاز به من بشار فإنه كان يعمد كثيرا إلى

стр. 1131

الألفاظ العذبة الرشيقة التى تموج بالنعومة والخفة فيؤلف منها مدائحه على شاكلة سينيته فى الأمين وفيها يقول (١): أضحى الإمام محمد ... للدين نورا يقتبس تبكى البدور لضحكه ... والسيف يضحك إن عبس وكان له حس دقيق وذوق مرهف، يعرف عن طريقهما كيف يختار أرق الألفاظ وأرشقها وأخفّها فى النطق وأحلاها فى السمع، وكان يدنو فى ذلك حتى يمس شغاف القلوب، إذ كان يحسن اختيار أسهل الألفاظ وأيسرها وأقربها إلى ما يجرى على ألسنة الناس فى حياتهم اليومية. ومن أجل ذلك كان يتجافى عن ألفاظ القدماء، حتى فى المديح، أو قل فى كثير منه، فإنه كان يبتغى فيه أو على الأقل فى بعضه أن يأخذ بألباب سامعيه بما يعرض عليهم من لغة عذبة تسيل خفة ورشاقة. وأبو نواس فى أراجيزه ووصفه للصيد وأدواته وجوارحه أكثر تمسكا بالقوالب القديمة، وقد سبقه، كما مر بنا فى غير هذا الموضع، أبو نخيلة وأضرابه من شعراء العصر الأموى مثل الشّمردل إلى اتخاذ الرجز أداة لهذا الوصف، ومضى فى إثرهم يحاكيهم فى التمسك بهذا القالب وكل ما يتصل به من لفظ غريب. وقرن بهذه المحاكاة الشديدة ضروبا من التجديد فى المعانى والصور على شاكلة قوله فى إحدى طردياته (٢): لما تبدّى الصّبح من حجابه ... كطلعة الأشمط من جلبابه (٣) وانعدل الليل إلى مآبه ... كالحبشىّ افترّ عن أنيابه هجنا بكلب طالما هجنا به ... ينتسف المقود من كلاّبه (٤) كأن متنيه لدى انسرابه ... متنا شجاع لجّ فى انسيابه (٥)

стр. 1132

كأنما الأظفور فى قنابه ... موسى صناع ردّ فى نصابه (١) كأن نسرا ما توكّلنا به ... يعفو على ما جرّ من ثيابه (٢) ترى سوام الوحش يحتوى به ... يرحن أسرى ظفره ونابه (٣) وتمتلئ طردياته بمثل هذه الصور، وهى تعدّ ركنا هامّا فى شعره إذ كان يكثر من التشبيهات والاستعارات، وكان يعرف كيف يجدد فيها وكيف يأتى بالطريف النادر. وكان يتخير لمراثيه أسلوبا جزلا مصقولا، وقد يكثر فيه من الغريب، وخاصة إذا كان من يبكيه من اللغويين مثل خلف الأحمر أستاذه، وقد يتخفف من ذلك، ولكنه على كل حال يظل محتفظا بالأسلوب الرصين. وهو فى مراثيه يمتاز بجرارة اللهجة وصدق العاطفة، وربما كان أجودها جميعا مراثيه فى الأمين، وهى تفيض باللوعة والحزن العميق من مثل قوله (٤): طوى الموت ما بينى وبين محمّد ... وليس لما تطوى المنيّة ناشر فلا وصل إلا عبرة تستديمها ... أحاديث نفس مالها الدهر ذاكر وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لى شئ عليه أحاذر لئن عمرت دور بمن لا أودّه ... لقد عمرت ممن أحبّ المقابر ومن نفس هذا الأسلوب المتين المصقول أشعاره التى نظمها فى السجن يستعطف بها الرشيد والأمين ووزيره الفضل بن الربيع (٥). وإذا كان أبو نواس اعتدّ فى كل تلك الأغراض بسنن الأسلوب الموروثة، فإنه حاول أن يجدد فى الهجاء والغزل والمجون، وأهاجيه نوعان: نوع تمسك فيه بالأوضاع التقليدية، وذلك حين كان يهجو العدنانيين ويفخر بمواليه القحطانيين (٦) وكأننا نستمع إلى قصائد من نمط نقائض جرير والفرزدق، فهى تعجّ بالمثالب

стр. 1133

القبلية التى عرفها فى نقائضهما والتى طالما سمعها من أبى عبيدة وهو يحاضر فيها طلابه بالبصرة، ونوع ثان كان يجرى فيه فى نفس الدروب التى مهّدها من قبله بشار، إذ نراه يشغب على العرب من جهة، ويحاول أن يطلق على خصومه نفس السهام المسمومة التى كان يطلقها بشار وبعض من عاصروه. وأبو نواس لا يشغب على العرب شغب شعوبية كشعوبية بشار، فشعوبيته-إن صح هذا التعبير-من لون آخر، ذلك أنه لا يوازن بين خشونة البدو وحضارة الفرس كما يصنع بشار وغيره من الشعوبيين الحقيقيين، إنما يوازن بين تلك الخشونة والحضارة العباسية المادية وما يجرى فيها من خمر ومجون كان يعكف عليهما عكوفا، ويأخذ ذلك عنده شكل ثورة جامحة على الوقوف بالرسوم والأطلال وبكاء الديار، ودعوة جارة إلى المتاع بالخمر على شاكلة قوله (١): عاج الشقىّ على رسم يسائله ... وعجت أسأل عن خمّارة البلد (٢) يبكى على طلل الماضين من أسد ... لا درّ درّك قل لى من بنو أسد؟ كم بين ناعت خمر فى دساكرها ... وبين باك على نؤى ومنتضد (٣) دع ذا، عدمتك، واشربها معتّقة ... صفراء تفرق بين الروح والجسد ونحن نظلم أبا نواس إذا سمينا ذلك-كما ذهب بعض المعاصرين (٤) -شعوبية حقة، إنما هو تماجن وإمعان فى التماجن. ولذلك لم يرفض هو نفسه البكاء على أطلال البادية، بل لقد بكاها كثيرا. وقد دفعته حدة مزاجه إلى الاصطدام بكثيرين من الشعراء وممن كان يمدحهم ويرعى على موائدهم مثل إسماعيل بن نوبخت وكان ما يزال يرميه بالبخل من مثل قوله (٥): خبز إسماعيل كالوش ... ى إذا ما انشقّ يرفا عجبا من أثر الصّن ... عة فيه كيف يخفى

стр. 1134

إن رفّاءك هذا ... ألطف الأمة كفّا وأهم شاعرين اصطدم بهما أبان بن عبد الحميد وفضل الرقاشى، أما أبان فكان البرامكة يقيمونه على ديوان الشعر والشعراء يقدر جوائزهم، فبخسه جائزته (١)، ويقال بل إن البرامكة طلبوا إلى أبى نواس أن ينقل لهم كليلة ودمنة شعرا، فنصح له أبان أن لا يصنع لما يجشمه ذلك من صعاب كثيرة، فاستعفى منه، وتخلّى به أبان فترجمه، وأعطاه البرامكة على ترجمته مالا جزيلا. وعرف ذلك أبو نواس وتبين له أنه احتال عليه، فهجاه ونشبت بينهما خصومة عنيفة (٢)، كان أبو نواس ما يزال يرميه فيها بالزندقة واقتراف الآثام (٣)، وكان من أشد ماهجاه به على نفسه نعته له بصفات لا تليق بمن يكون سميرا للوزراء من أمثال البرامكة، إذ يقول فى إحدى أهاجيه مصورا ثقله (٤): فيك ما يحمل الملوك على الخر ... ق ويزرى بالسيد الجحجاح (٥) فيك تيه وفيك عجب شديد ... وطماح يفوق كلّ طماح بارد الظّرف مظلم الكذب تيّا ... هـ معيد الحديث غثّ المزاح وكانت هذه الأبيات سببا فى سقوط أبان عند البرامكة، وصار له كالعبد لا يلقاه ولا يذكر له إلا يجلّه. ويظهر أن اصطدامه بفضل الرقاشى يرجع إلى تقديم أبان والبرامكة له، وكان خليعا، فأتاه أبو نواس من هذا الجانب كثيرا. وله يقول (٦): والله لو كنت جريرا لما ... كنت بأهجى لك من أصلكا وله أهاج كثيرة فى القيان والمغنين، وحتى من أكرموه مثل الخصيب والبرامكة لم يسلموا من هجائه، وهو فيه دائما يلتمس السيئات وكثيرا ما يفضى إلى فحش وإقذاع شديد. ولأبى نواس غزل كثير فى المرأة والغلمان، وأروع ما له من غزل فى المرأة ما نظمه فى جنان، إذ يعبّر فيه عن مشاعر صادقة، ومن الغريب أنها كانت

стр. 1135

تردّه ردّا منكرا عنيفا، وهو كلما ردّته ازداد بها غراما وعليها تهالكا، وكلف بها أشد الكلف، وله فيها مقطوعات بديعة من مثل قوله، وقد رآها تندب فى بعض المآتم (١): يا قمرا أبصرت فى مأتم ... يندب شجوا بين أتراب أبرزه المأتم لى كارها ... برغم دايات وحجّاب يبكى فيذرى الدّرّ من نرجس ... ويلطم الورد بعنّاب (٢) لا تبك ميتا حلّ فى حفرة ... وابك قتيلا لك بالباب لا زال موتا دأب أحبابه ... وكان أن أبصره دابى (٣) وعبثا استطاع يوما أن يلقاها، مما جعله يصطلى حقّا بحبها وناره المحرقة، ويتعذب عذابا طويلا، بثّه فى كثير من أشعاره. ولعلها المرأة الوحيدة التى استأثرت بقلبه وملكت عليه كل شئ من أمره. ونراه فى بغداد يسوق غزلا كثيرا فى إمائها وجواريها، يشوبه بكثير من الفحش الذى ينبو عنه الذوق، حتى مع عنان جارية الناطفى، وكانت شاعرة ظريفة ولها أيام تستقبل فيها الشعراء وتطارحهم الشعر، ممعنة معهم فى كل ما يخوضون فيه من بذاءة تظرفا ومعابثة (٤). وديوانه من هذه الناحية يصور الجوارى المبتذلات اللائى كان يجلبهن النخاسون إلى بغداد، وكانت كثيرات منهن يقبلن على الخلاعة والمجون، وقلما عرفن شيئا من العفة والطهارة. ويتسع الفحش فى غزل أبى نواس الشاذ بالغلمان، حتى ليصبح وصمة فى جبين عصره، وإن كان ابن المعتز يلاحظ أنه كان يتستّر بذلك عن فسقه الحقيقى بالجوارى الخليعات (٥). وإذا صح ذلك يكون من الخطأ أن تفسّر نفسية أبى نواس على أساس هذه الآفة الشاذة التى كان يتظاهر بها ليخفى حقيقة سريرته وحياته الماجنة. وينبغى أن نلاحظ هنا ما أشرنا إليه فى حديثنا عن إلحاده، فإن كثيرا من غزله المفحش فى الغلمان والنساء جميعا كان ينظمه فى مجالس الخمر تعابثا

стр. 1136

ومجانة، على أننا كثيرا ما نقع فى ثنايا هذا الغزل على أبيات رائعة من مثل قوله (١): يا من له فى عينه عقرب ... فكلّ من مرّ بها تضرب ومن له شمس على خدّه ... طالعة بالسّعد ما تغرب وهو أستاذ فن الخمرية فى الشعر العربى غير مدافع سواء من حيث الكمية أو من حيث الكيفية، فقد عاش للخمر يتغنّى بها، مجاهرا بالفسوق والمجون. وكان شئ من ذلك قد أخذ يشيع على ألسنة الشعراء منذ ظهور الوليد بن يزيد، ونمّاه بشار ومطيع بن إياس ووالبة بن الحباب وعصاباتهم من المجان فى البصرة والكوفة، غير أن أبا نواس اتسع به اتساعا شديدا، فإذا الخمرية تتكامل صورتها وتفرد لها القصائد والمقطوعات وتصبح فنّا مستقلا، له وحدته الموضوعية، مستعينا فى ذلك بملكاته العقلية الخصبة التى أمدته بكثير من المعانى الدقيقة ومستعينا أيضا بملكاته الخيالية التصويرية البديعة التى رفدته بكثير من التشبيهات والاستعارات البارعة، وحتى إن فاته التصوير النادر والمعنى الدقيق أحيانا فإنه لم تكن تفوته حلاوة النغم ورشاقة اللفظ. وقد مضى يتحدث عن كئوسها ودنانها وعتقها وطعمها ورائحتها ومجالسها مصورا كلفه بها وهيامه وتهالكه على احتسائها من أيدى سقاتها بين آلات الطرب ورنّات القيان، يقول (٢). إنما العيش سماع ... ومدام وندام فإذا فاتك هذا ... فعلى الدنيا سلام فلا حياة فى رأيه سوى حياة الخمر والمجون فى بيوت القيان وفى الحانات، ومن ثمّ مضى يدعو فى خمرياته دعوة واسعة إلى العدول عن وصف الأطلال إلى وصف الخمر والمتاع بما يقترن بها من غناء وسقاة، على نحو ما يصور ذلك فى قوله (٣): لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد كأسا إذا انحدرت فى حلق شاربها ... أجدته حمرتها فى العين والخدّ (٤)

стр. 1137

فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ... فى كفّ جارية ممشوقة القدّ تسقيك من يدها خمرا ومن فمها ... خمرا فما لك من سكرين من بدّ وأخذ يجدّف كثيرا ضد الدين الحنيف الذى يحرم الخمر وجملة الآثام التى كان يتردّى فيها، معلنا ذلك إعلانا صريحا بمثل قوله (١): ترى عندنا ما يسخط الله كلّه ... من العمل المردى الفتى ما عدا الشّركا وقد يتمادى فى ذلك حتى ليعلن دهريته وأنه لا يؤمن ببعث ولا حساب ولا بجنة ولا نار، وهو فى ذلك كله إنما يتماجن ويتعابث. وكان كثيرا ما يلمّ بالأديرة، فيصف معاقرته الخمر فيها وسقاتها من الرهبان والراهبات، وقد يلمّ بجانة لمجوسى أو ليهودى. وأتاح له ذلك أن يصف كل تلك البيئات بالإضافة إلى حانات الكرخ ببغداد وعلى ضفاف دجلة، وشعره من هذه الناحية ملئ بتصوير الحياة الاجتماعية لعصره. وفى خمرياته فحش كثير، وكأنما وجد ليحمل ذنوب عصره وجميع خطاياه. على أنه ينبغى أن نلاحظ أنه وضع عليه كثير من الشعر فى هذا الباب، إذ تحول إلى ما يشبه شخصية أسطورية، فإذا هو يدخل فى قصص ألف ليلة وليلة، وإذا هو توضع فى فحشه ونوادره كتب مستقلة، بدأها أبو هفان فى كتابه «أخبار أبى نواس» ومضت تتسع من بعده. وليس ذلك فحسب، فإن كثيرا من أشعار المجّان الذين عاصروه أضيفت إليه، وعرف ذلك القدماء، إذ نرى ابن قتيبة ينصّ على أن الخمرية المشهورة: «يا شقيق النفس من حكم» تنسب إليه وهى لوالبة (٢)، ويقول أبو الفرج فى ترجمة الحسين بن الضحاك الخليع إنه «كان إذا شاع له شعر نادر فى الخمر نسبه الناس إلى أبى نواس» (٣) ويقول ابن المعتز: «إن العامة الحمقى قد لهجت بأن تنسب كل شعر فى المجون إلى أبى نواس، وكذلك تصنع فى أمر مجنون بنى عامر، كلّ شعر فيه ذكر ليلى تنسبه إلى المجنون» (٤) ولم تقف المسألة عند العامة، بل تعدتهم إلى الرواة، وأيضا لم تقف عند شعر الخمر والمجون

стр. 1138

فقد نسب إليه كثير من شعر معاصريه فى جميع الموضوعات، ويكفى أن نرجع إلى ترجمة النظام فى ابن المعتز، فسنراه ينشد له فى الخمر بيتين وردا فى ديوان أبى نواس (١)، وينشد له قطعة فى مديح الأمين جاءت أيضا فى ديوان أبى نواس (٢)، وإذا تركنا ابن المعتز إلى أمالى المرتضى وجدناه ينسب قطعة دالية فى الغزل إلى النظام وهى مبثوثة فى الديوان (٣) وكأن الرواة حملوا عليه شعر المتكلمين لما رأوا فيه من غوص على المعانى وبعد فى الخيال والوهم. وكان حملهم عليه لأشعار المجّان أوسع مدى، بل إنهم حملوا عليه كثيرا من زهديات أبى العتاهية (٤) ونحن لا نريد أن نبرئه من الفحش ولا من الغزل الماجن، إنما نزعم أنه حمل عليه كثير فى هذا الباب، ومن ثمّ ينبغى أن لا نتسع فى أحكامنا عليه، وربما كانت أسوأ رواية لديوانه رواية حمزة الأصفهانى، فإنها تمتلئ بالشعر الموضوع عليه، ولذلك لا يصح أن تتّخذ أساسا لدرسه وبحثه. وهو يعتدّ فى كثير من خمرياته وغزلياته باللفظ المونق والأسلوب الرّصين، وله فيها مقطوعات كثيرة تسيل عذوبة ونعومة، غير أن له أيضا وراء ذلك كثيرا من الشعر المهلهل، إذ «كان لا يقوم على شعره ويقوله على السكر كثيرا، فشعره متفاوت، لذلك يوجد فيه ما هو فى الثّريّا جودة وحسنا وقوة وما هو فى الحضيض ضعفا وركاكة» (٥). وكان كثيرا ما يدخل ألفاظا فارسية فى خمرياته بحكم شيوع الفارسية فى الحياة اليومية وبين خلعاء الغلمان المجوس الذين كان يتغزل بهم، ودفعه ذلك إلى استخدام كثير من أساليب العامة الغثّة، مما جعل بعض اللغويين والنحاة يصطدمون به وجعله يكثر من هجائهم. وكان إذا خلص من هزله وعبثه وأفضى إلى حاسته الفنية أتى بالعجب العجاب من روائع الشعر ونادره، وكانت ترفده مواهب فنية أصيلة، جعلته يحكم تصاويره ويجرى فيها كثيرا من الطباقات والمقابلات والجناسات البديعة. وحين علت سنّ أبى نواس ووخطه الشيب أخذ يفيق أحيانا من سكره مفكرا

стр. 1139

فى الحياة وعواقبها وفى البعث والنشور والموت والفناء، وكان من حين إلى حين ينيب إلى ربه، مما جعله يردد أنغاما مختلفة فى الزهد والدعوة إلى الانصراف عن الشهوات ومتاع الحياة الزائلة والإعداد للآخرة بالتقى والعمل الصالح من مثل قوله (١): يا طالب الدنيا ليجمعها ... جمحت بك الآمال فاقتصد والقصد أحسن ما عملت له ... فاسلك سبيل الخير واجتهد واعمل لدار أنت جاعلها ... دار المقامة آخر الأبد وكان يدعو الله ويبتهل له ابتهالات كثيرة. وكنا نتمنى لو اختلط مثل هذا التفكير فى الحياة والموت ومصير الإنسان والقدر وما ينزله بالناس من خير وشر بمجونياته وخمره ونشوته بها، إذن لما انتظرنا طويلا حتى يوجد عمر الخيام ولكان أبو نواس خياما آخر ولوجد من مسائل الحياة الكبرى: مسائل المقادير والشقاء والسعادة والموت والفناء ما يشغله عن فسقه ومجونه وفحشه وهزله وعبثه الوقح مع الغلمان والجوارى. ومرّ بنا فى الفصل السابق أنه عنى فى بعض أشعاره بقالب الرباعيات والمسمطات غير أنه لم يتسع بذلك، وكان أهم ما وفّر له عنايته صفاء النغم وعذوبته. ولعل ذلك هو الذى دفعه إلى الإكثار من الأوزان القصيرة والمجزوءة ٣ - أبو العتاهية (٢) ولد أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان فى «عين التّمر» بالقرب من الأنبار سنة ١٣٠ للهجرة، وكان أبوه نبطيّا من موالى بنى عنزة، أما

стр. 1140

أمه فكانت من موالى بنى زهرة القرشيين. وكان أبوه يشتغل بالحجامة ويظهر أن سبل العيش ضاقت به فى بلدته، فانتقل منها إلى الكوفة بأسرته، ومعه ابناه الصغيران: زيد وأبو العتاهية، ولا يكاد يشبّ ثانيهما، حتى نراه ينتظم فى سلك المخنثين ممن كانوا يخضبون أيديهم ويتزينون ويلبسون ملابس النساء حاملين لزوامل تميزهم (١). ولعل فى ذلك ما يدل على ما كان يحسه هذا الغلام من ضياع، إذ نشأ فى أسرة فقيرة مغمورا، لا يعتزّ بأى شئ فى دنياه من جاه أو حتى ثروة ضيقة، وكان دميم الوجه قبيح المنظر (٢)، نزعت به نفسه إلى اللهو والمجون، فماذا يصنع؟ إنه لم يجد أمامه إلا أن ينخرط فى جماعة المخنّثين، وبذلك كتب عليه أن يكون سيّئ السيرة فى مطالع حياته. وكان أخوه زيد قد احترف عمل الخزف وبيع الجرار والفخار، فحاول أن ينقذه مما تردّى فيه، وما زال به حتى أشركه معه فى حرفته، وكان نبع الشعر قد أخذ يتدفّق على لسانه، فكان يأتيه الأحداث والمتأدبون فينشدهم أشعاره ويكتبونها على ما تكسّر من الخزف وما يشترونه من الجرار (٣). واشتهر أمر أبى العتاهية فى الكوفة وأخذ يختلط ببيئات المجّان من الشعراء أمثال مطيع بن إياس ووالبة، كما أخذ يختلف إلى حلقات العلماء والمتكلمين فى مساجد الكوفة، مما أتاح له إتقان العربية والوقوف على مذاهب أصحاب المقالات، وهو فى أثناء ذلك يكثر من نظم رقائق الغزل ومن الغدوّ والرواح إلى نوادى القيان والمغنين، ولم تلبث الصلة أن توثقت بينه وبين مغن ناشئ من النّبط دوّت شهرته فيما بعد هو إبراهيم الموصلى، وتعاقدا على أن ينزلا بغداد (٤)، لعل بضاعتهما تروج فيها، وفتحت الأبواب لإبراهيم بينما سدّت فى وجه أبى العتاهية، فصمّم على العودة إلى الكوفة، وعرّج فى طريقه على الحيرة، ورأى بها نائحة تسمى سعدى كانت مولاة لبنى معز بن زائدة، وكانت ذات حسن وجمال، فشغفت قلبه حبّا، وأخذ ينظم فيها شعره، غير أنها أعرضت عنه، وتصدّى له مولاها عبد الله ابن معن، ونهاه أن يعرض لها، فعمد إلى هجائه هجاء مقذعا فأنزل به

стр. 1141

عقابا صارما إذ ضربه مائة سوط، وتوسط بينهما مواليه من عنزة، وكفّ أبو العتاهية لسانه (١). ويمّم الكوفة غير أن مقامه لم يطل بها، فإن إبراهيم الموصلى صديقه أقبلت عليه الدنيا حين ولى الخلافة المهدى (١٥٨ - ١٦٩ هـ) وقرّبه مع من قرّب من المغنين، فأرسل إليه أن يلحق به، ليقدمه للخليفة، وطار إليه أبو العتاهية، وأعجب الخليفة بمديحه، وأخذ يغدق عليه جوائزه (٢)، وأوسع له فى مجالسه حتى أصبح أثيرا عنده مقدّما له على كثير من الشعراء، وحتى نراه يقبل شفاعته فى أحد وزرائه وقد أمر بسجنه (٣). ويعظم شأن أبى العتاهية ويتهادا كبار رجال الدولة ووجوهها وفى مقدمتهم خال المهدى يزيد بن منصور الحميرى وقائده وواليه على طبرستان عمر بن العلاء ممدوح بشار، وله يقول من قصيدة: إنى أمنت من الزمان وريبه ... لما علقت من الأمير حبالا ويقال إنه وصله على القصيدة بسبعين ألف درهم (٤). وتمر الأيام بأبى العتاهية باسمة، غير أن سحابة لا تلبث أن تنعقد فى سمائها، فقد تعلّق بجارية من جوارى زوجة المهدى رائطة بنت السفاح، وهى عتبة، وكانت تزدريه كما ازدرته سعدى من قبل، ومضى لا يكفّ عن غزله بها ولا يرعوى، فعرّفت مولاتها خبره وأثارتها عليه، فحدّلت المهدى بشأنه، فغضب لتعرضه لحرمه وجوارى قصره، وأمر بضربه مائة سوط وسجنه، ولم يلبث يزيد بن منصور الحميرى أن شفع له لدى المهدى، فعفا عنه وردّ إليه حريته، ويقول الرواة إنه لم يكن يحبها حبّا صادقا إنما كان يريد الشهرة فى الأوساط الأدبية بذكرها وأنه امتحن فى حبها وأثبت الامتحان كذبه وأنه إنما كان يتكلف هذا الحب تكلفا (٥)، وقد ظل يذكرها ويتغنّى باسمها طويلا، ولعل ذلك هو الذى جعل المهدى يقول له إنك إنسان معتّه، فاستوى له بذلك لقبه «أبو العتاهية» وغلب على اسمه (٦). وكانت بغداد لعهد المهدى قد جذبت إليها شعراء كثيرين من الكوفة والبصرة

стр. 1142

قصد المعاش والتكسب، وخرج إليها فيمن خرجوا جماعة المجان من أمثال مطيع ابن إياس ووالبة وأبى نواس، واختلط بهم أبو العتاهية وأخذ يعبّ معهم من كئوس الخمر واللهو فى دور القيان والمجانة بالكرخ من أمثال دار القراطيسى (١) وفى الأديرة من مثل دير أشمونى (٢). ويفسد الأمر بينه وبين والبة، فيصليه نارا حامية من هجائه بمثل قوله يعرّض باعتزائه المزيف للعرب، إذ كان ينسب نفسه فى بنى أسد (٣): أوالب أنت فى العرب ... كمثل الشّيص فى الرّطب هلمّ إلى الموالى الصّي ... د فى سعة وفى رحب فأنت بنا لعمر الل ... هـ أشبه منك بالعرب وما زال به حتى فضحه فعاد إلى الكوفة كالهارب وخمل ذكره (٤). ويتوفّى المهدى فيخلفه الهادى (١٦٩ - ١٧٠ هـ) ويلزمه أبو العتاهية ينشده مدائحه فى كل مناسبة وعطاياه تهطل عليه كالغيث المنهمر، ولا يلبث أن يعتلى الرشيد أريكة الخلافة (١٧٠ - ١٩٣ هـ) وكان منقطعا إليه ملازما له أيام أبيه المهدى، فاتصل ما انقطع فى مدة الهادى القصيرة، وأصبح لا يفارقه فى سفر ولا حضر «وكان يجرى عليه فى كل سنة خمسين ألف درهم سوى الجوائز والصلات السنية» (٥) وكثيرا ما كانت تبلغ فى المرة الواحدة مائة ألف درهم (٦). وينال جوائز كثيرة من كبار رجال الدولة حينئذ وعلى رأسهم يزيد بن مزيد الشيبانى، ويقال إنه أجازه فى إحدى مدائحه فيه بعشرة آلاف درهم (٧) ويظهر أنه دقّ أبواب البرامكة طويلا، ولكنهم لم يفتحوها له، إذ كانوا مشغولين عنه بشعرائهم من أمثال أبان وأشجع السّلمى. وظل يعيش اللهو والقصف، حتى كانت سنة ١٨٠ للهجرة، وهى السنة التى نزل فيها الرشيد الرّقّة فإذا هو يتحول من حياة اللهو والمجون إلى حياة الزهد والتقشف وليس الصوف. ويحاول الرشيد أن يعود به ثانية إلى حياته القديمة وإلى ما كان يصنع له من رقائق الغزل، فيمتنع ويضيق الرشيد بامتناعه، ويأمر بضربه وحبسه

стр. 1143

فى دار موسّعا عليه حتى يصدع لأمره، ويسترسل أبو العتاهية فى استعطافه بمثل قوله (١): إنما أنت رحمة وسلامه ... زادك الله غبطة وكرامه لو توجّعت لى فروّحت عنى ... روّح الله عنك يوم القيامة ويرق له الرشيد ويأمر بإطلاقه، ويأخذ منذ هذا التاريخ فى الإكثار من شعر الزهد وذكر الموت والفناء والثواب والعقاب والدعوة إلى مكارم الأخلاق. وقد تشكك معاصروه فى هذا الزهد الذى طرأ عليه، وردّته كثرتهم إلى عناصر مانوية، حتى أوشك حمدويه صاحب الزنادقة المانويين أن ينزل به العقاب الصارم الذى كان ينزله بأمثاله، لولا أن موّه عليه بالقعود لحجامة الفقراء والمساكين (٢)، ويقال إن منصور بن عمّار هتف به فى بعض وعظه، وقال: إنه زنديق مستدلا على ذلك بأنه يكثر من ذكر الموت فى شعره ولا يذكر الجنة والنار (٣). وهى ملاحظة دقيقة، ذلك أن أبا العتاهية يذكر الثواب والعقاب فى الآخرة حقّا، ولكنه لا يفصل الحديث فيهما تفصيل القرآن الكريم، ومن المعروف أن المانوية كانوا يدعون للزهد فى الدنيا والعمل للآخرة كما كانوا يدعون إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش (٤)، ومن هنا يختلط الموقف على من يقرأ أشعار أبى العتاهية الزاهدة، وخاصة أنه استقى فيها كثيرا من آى الذكر الحكيم وأحاديث الرسول ﷺ ، غير أن من يتعمق فى هذه الأشعار يجد أبا العتاهية مشغولا بما كان يراه المانوية من أن العالم نشأ عن أصلين هما النور والظلمة، ومن النور نشأ كل خير ومن الظلمة نشأ كل شر، وأن أجناس الخير خلاف لأجناس الشر، وفى كل حاسة من حواس الإنسان جنس قائم بنفسه من النوعين، جنس مستقل عما يماثله فى الحواس الأخرى (٥)، وفى ذلك يقول أبو العتاهية (٦): لكل شئ معدن وجوهر ... وأوسط وأصغر وأكبر

стр. 1144

وكلّ شئ لاحق بجوهره ... أصغره متصل بأكبره الخير والشرّ هما أزواج ... لذا نتاج ولذا نتاج لكل إنسان طبيعتان ... خير وشرّ وهما ضدّان والخير والشر إذا ما عدّا ... بينهما بون بعيد جدّا وكان المانوية يضيفون إلى ذلك إيمانا بأن للعالم إلهين: إله النور وإله الظلمة، وبذلك فارقوا أصحاب الديانات السماوية، ويظهر أن أبا العتاهية لم يكن يجرى فى العقيدة إلى آخر الشوط، إذ كان يدين بالتوحيد على نحو ما يمثل ذلك قوله (١): فيا عجبا كيف يعصى الإل ... هـ أم كيف يجحده الجاحد وفى كل شئ له آية ... تدلّ على أنه واحد وكأنه حاول أن يمزج بين عقيدة الإسلام وعقيدة المانوية، وفى ذلك يقول أحمد بن حرب: «كان مذهب أبى العتاهية القول بالتوحيد وأن الله خلق جوهرين متضادين لا من شئ، ثم إنه بنى العالم هذه البنية منهما. . وكان يزعم أن الله سيردّ كل شئ إلى الجوهرين المتضادين قبل أن تفنى الأعيان جميعا (٢)» وهو يقصد بالجوهرين طبعا النور والظلمة أو الخير والشر. وابن حرب يضع فى يدنا المفتاح لحل مشكلة أبى العتاهية، فهو ليس مانويّا ثنويا يؤمن بأن للعالم إلهين، كما ظن ابن المعتز (٣) وبعض معاصريه، إنما هو مانوى من نمط جديد، إذ يمزج بين المانوية والإسلام، إلا إذا كان قد موّه عن مانويته الخالصة بادعائه وحدانية ربه. ومر بنا فى الفصل الثانى أن تعاليم مانى كانت مزيجا من الزرادشتية والنصرانية والبوذية، ونرى أبا العتاهية يصور لنا فى بعض شعره الزاهد الناسك فى صورة بوذا المشهورة إذ يقول (٤): يا من تشرف بالدنيا وزينتها ... ليس التشرّف رفع الطّين بالطين إذا أردت شريف الناس كلّهم ... فانظر إلى ملك فى زىّ مسكين

стр. 1145

ومعروف أن بوذا-عند الهنود-كان ملكا أو ابن ملك خلع ثياب ملكه وساح فى العالم عابدا ناسكا. وخصلة عند أبى العتاهية لا يمكن تفسيرها إلا على أساس نزعته المانوية، ذلك أنه كان مع دعوته إلى الزهد شحيحا شحّا شديدا مع كثرة ما كان يكتنز من الذهب والفضة وتروى فى شحه نوادر كثيرة (١)، تدلّ على حرصه البالغ، حتى ليأبى أن يتصدّق بدانق، وتفسير ذلك أن المانوية كانوا يؤمنون بأن المانوى الصادق ينبغى أن يعيش على المسألة فلا يأكل إلا من كسب غيره الذى عليه غرمه ومأثمه (٢)، فهو يحرّم ماله على نفسه وعلى غيره ويعيش على السؤال والاستجداء. وفعلا ظل أبو العتاهية على الرغم من نسكه الظاهر يمدح الرشيد وينال جوائزه، فهو يمدحه حين يعهد عهد، المعروف لبنيه الثلاثة (٣) سنة ١٨٦ وهو يمدحه حين يهزم نقفور إمبراطور بيزنطة ويستولى على هرقلة (٤) سنة ١٩١. وحين يتوفّى الرشيد يبادر إلى مديح الأمين بمثل قوله (٥): يا عمود الإسلام خير عمود ... والذى صيغ من حياء وجود إن يوما أراك فيه ليوم ... طلعت شمسه بسعد السّعود وينال جوائزه وجوائز أمه زبيدة. ولما قتل الأمين وقلّد المأمون العراق الحسن ابن سهل أسرع يدقّ بابه، فأمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب وأجرى له كل شهر ثلاثة آلاف درهم (٦)، وقدم المأمون فاستقبله بمثل قوله (٧): لخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل راق فوق أعواد منبر ويقول الرواة إنه كان يجرى عليه فى كل عام عشرين ألف درهم غير ما كان يغدق عليه من جوائزه فى الحين بعد الحين (٨). ومعنى ذلك أن زهده إنما كان زهدا فى الظاهر، أما فى الباطن والواقع فقد ظل من طلاب الدنيا ومتاعها الزائل، وظل يطلبها ويلح فى الطلب إلحاحا شديدا وسجّل عليه سلم الخاسر ذلك فى بعض أشعاره (٩)

стр. 1146

وهكذا ظلّ يسترفد الخلفاء والوزراء، حتى وافته منيته سنة مائتين وإحدى عشرة وقيل سنة اثنتى عشرة أو ثلاث عشرة. ولعل فيما قدمنا ما يدلّ دلالة بينة على أن طبيعة أبى العتاهية كانت معقدة، فهو نبطى أحسّ غير قليل من المسكنة منذ نشأته، وقاده هذا الإحساس أولا إلى أن يصبح مخنثا، ثم ماجنا، وقاده أخيرا إلى أن يصبح زاهدا على طريقة المانويين من سؤال الناس ومما طابت به أنفسهم له. وتدل نزعته المانوية على أنه اضطرب بين أصحاب المقالات، ويؤكد ذلك عنده ما يقال من أنه كان على مذهب الشيعة الزيدية البترية (١)، ونؤمن-مع نيكلسون (٢) -بأنه لم يعش هذا المذهب حقّا، إذ يشيد فى أشعاره بأبى بكر وعمر وعثمان (٣)، إنما هو ضرب من الاضطراب بين أصحاب النحل سرعان ما زايله. وقد دفعته صلته بالمانويين إلى الاطلاع الواسع على الآداب الفارسية، ونقل كثيرا من حكمها إلى أشعاره. ومن خير ما يصور ذلك قصيدته «ذات الأمثال» التى صور فيها نظرية الخير والشر المانوية والتى أنشدنا منها الأبيات السالفة. ويظهر أنه قرأ كثيرا مما ترجم عن فلاسفة اليونان، ومن ثمّ وصل بعض معاصريه بينه وبينهم (٤)، ومرّ بنا فى الفصل السابق نقله لجوانب من مراثى فلاسفة اليونان للإسكندر فى رثائه لصديقه على بن ثابت، وكان من رءوس (٥) الزنادقة، ولعله هو الذى دفعه فى هذا الطريق. وكان إلى ذلك مثقفا ثقافة إسلامية واسعة، وهى تتضح فى كثرة ما نقله إلى رهدياته من آى الذكر الحكيم وأحاديث الرسول ﷺ ، وكان أيضا مثقفا ثقافة عربية دقيقة جعلته يتقن اللغة ويبرع فى الشعر، حتى أصبح له طبعا. وكل هذه العناصر التى اصطلحت على تكوين طبيعة أبى العتاهية جعلتها أبعد الأشياء عن البساطة كما جعلتها خصبة واسعة الخصب. وكل من يقرأ أشعاره يلاحظ أنها تمثل حياته وما حدث فيها من انقلاب أوضح تمثيل، فهو فى شطر منها يتغزل ويصف الخمر، وهو فى الشطر الثانى يكف عن الغزل ووصف الخمر

стр. 1147

مستبدلا بهما الزهد ونثر الحكم والدعوة إلى محاسن الأخلاق. وإذا كنا لاحظنا عند أبى نواس وبشار أنهما كانا يحافظان إلى حد كبير فى مدائحها على الأوضاع والتقاليد الموروثة فى الصياغة وفى التمسك بوصف الأطلال وبكاء الديار ونعت الصحراء وإبلها وحيوانها وكل ما يتصل بها فإن أبا العتاهية يخطو إلى الإمام خطوة بمدائحه إذ يتنحّى عن الصحراء والأطلال إلا ما قد يأتى عرضا، وأيضا فإنه لا يتمسك غالبا بالأسلوب القديم الجزل الرصين، وكأنه يريد أن يفسح لأساليب عصره اللينة الخفيفة، ومن خير ما يمثّل ذلك مدحته اللامية للمهدى، وفيها يقول (١): أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها ولم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها ولورامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها ولو لم تطعه بنات القلوب ... لما قبل الله أعمالها (٢) وإن الخليفة من بغض لا ... إليه ليبغض من قالها والقصيدة من بحر المتقارب الخفيف، وألفاظها تسيل نعومة وعذوبة. وأكبر خليفة عنى بمديحه هرون الرشيد فقد كان يمدحه فى سلمه وحربه وفى كل المناسبات من مثل توليته العهد لبنيه، وفى هذه التولية يقول (٣): وشدّ عرى الإسلام منه بفتية ... ثلاثة أملاك ولاة عهود وكان يحرص دائما على مديحه بالتقوى والانصراف عن الدنيا متعرضا لوصف جيوشه وذبّه عن حمى الإسلام وما ينزل بأعدائه من موت يمحقهم محقا، على شاكلة قوله (٤): وهرون ماء المزن يشفى به الصّدى ... إذا ما الصّدى بالرّيق غصّت حناجره (٥) وأوسط بيت فى قريش لبيته ... وأوّل عزّ فى قريش وآخره

стр. 1148

وزحف له تحكى البروق سيوفه ... وتحكى الرعود القاصفات خوافره إذا نكب الإسلام يوما بنكبة ... فهرون من بين البريّة ثائره ومن ذا يفوت الموت، والموت مدرك ... كذا لم يفت هرون ضدّ ينافره والأسلوب هنا جزل رصين، ولكنه لا يبعد فى جزالته ورصانته، إذ كان يعنى باختيار ألفاظه من المعجم اليومى أو بعبارة أدق مما يقاربه سهولة. وقد نظم استعطافات كثيرة للرشيد حين حبسه، وهى لا تمتاز بالأسلوب السهل اليسير فحسب، بل تمتاز أيضا بشدة التضرع، حتى ليبادر الرشيد بالعفو عنه كما أسلفنا لمثل قوله (١): أنا اليوم لى، والحمد لله، أشهر ... يروح علىّ الهمّ منكم ويبكر تذكّر أمين الله حقّى وحرمتى ... وما كنت تولينى لعلك تذكر وهو لا يكثر من الهجاء غير أن ما خلّفه فيه يدل على إحكامه لسهامه، حتى لنرى والبة بن الحباب يفرّ على وجهه منه إلى الكوفة، ومن أوائل هجائه أشعاره فى عبد الله بن معن مولى محبوبته الأولى سعدى النائحة، وقد صّوره فى بعض هذه الأشعار صورة ندى لها وجهه طويلا، إذ أخلاه من العقل والشجاعة بل أيضا من الرجولة، حتى ليقول على لسانه (٢): أنا فتاة الحىّ من وائل ... فى الشّرف الشامخ والنّبل ما فى بنى شيبان أهل الحجى ... جارية واحدة مثلى قد نقّطت فى وجهها نقطة ... مخافة العين من الكحل إن زرتموها قال حجّابها ... نحن عن الزّوّار فى شغل وكان يعرف كيف يرمى مهجويه يمثل هذه النبال المصمية، فمن ذلك أن الأمور فسدت بينه وبين سلم الخاسر، فما هو إلا أن قال فيه: تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذنّ الحرص أعناق الرجال

стр. 1149

حتى سار البيت مسير الأمثال، وحتى أنّ منه سلم طويلا (١). ويقول ابن المعتز إنه «أتى باب أحمد بن يوسف كاتب المأمون، فحجب عنه، فقال: متى يظفر الغادى إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم فسار بيته هذا فى الآفاق، وجعل الناس يتناشدونه، فاعتذر إليه ابن يوسف (٢)» وجلا من أن يتمادى فى هجائه. وبين أيدينا له مراث مختلفة، لعل أحرّها مراثيه فى صديقه على بن ثابت الزنديق، وقد أنشدنا منها أطرافا فى الفصل السابق، وقد ظل يبكيه ويندبه طويلا ندبا كله لوعة وحرقة وأسى عميق من مثل قوله (٣): فتى لم يملّ النّدى ساعة ... على عسره كان أو يسره أتته المنيّة مغتالة ... رويدا تخلّل من ستره فخلّى القصور لمن شادها ... وحلّ من القبر فى قعره وأصبح يهدى إلى منزل ... عميق تؤنّق فى حفره أشدّ الجماعة وجدا به ... أشدّ الجماعة فى طمره وليس له خمريات كثيرة وكأنما عصفت بخمرياته يد الزمن فيما عصفت به من شعره، ونراه يقدم لإحدى مدائحه للهادى بنعت مرقص للخمر وندمانها وساقيها ومن يلمّ بهم من الجوارى الحسان، يقول وقد طافت به بعض ذكرياته الماجنة فى الكوفة (٤): لهفى على الزّمن القصير ... بين الخورنق والسّدير (٥) إذ نحن فى غرف الجنا ... ن نعوم فى بحر السّرور فى فتية ملكوا عنا ... ن الدهر أمثال الصقور

стр. 1150

ومقرطق يمشى أما ... م القوم كالرّشا الغرير (١) بزجاجة تستخرج السّ ... رّ الدفين من الضمير زهراء مثل الكوكب ال ... دّرّىّ فى كفّ المدير ومخصّرات زرننا ... بعد الهدوّ من الخدور (٢) يرفلن فى حلل المحا ... سن والمجاسد والحرير (٣) والمقدمة تكتظ على هذا النحو بغير قليل من مشاعر الفرح والبهجة. وقد مرّ بنا تدلهه بعتبة، وله فيها غزل كثير، وهو فيه رقيق رقة بالغة، وأكبر الظن أن رقته فيه جاءته من تخنثه القديم، حتى ليقول ابن قتيبة إن غزله يشاكل طبائع النساء، وكأنما سرت فيه مشاعرهن، وهى مشاعر تقترن عنده بالتذلل والتضرع على شاكلة قوله: بسطت كفّى نحوكم سائلا ... ماذا تردّون على السائل إن لم تنيلوه فقولوا له ... قولا جميلا بدل النائل أو كنتم العام على عسرة ... ويلى فمنّوه إلى قابل ويقول ابن المعتز معلقا على هذه الأبيات: «لهذا الشعر من قلوب النساء موقع الزلال البارد من الظمآن لرقته (٤)». وعلى نفس هذا المثال قوله فى عتبة أيضا (٥): كأنها من حسنها درّة ... أخرجها اليمّ إلى السّاحل كأن فى فيها وفى طرفها ... سواحرا أقبلن من بابل لم يبق منى حبّها ما خلا ... حشاشة فى بدن ناحل يا من رأى قبلى قتيلا بكى ... من شدّة الوجد على القاتل

стр. 1151

ودائما يشكو مسكنته وأن صاحبته لا تنيله كثيرا ولا قليلا وأنها استرقته ولا تردّ عليه حريته، وأنها أضنته وأسقمته، وأنها تزهد فيه وهو المحب الوامق الذى يرسل الدموع مدرارا على من ظلمته، وإنه ليستجير ولا مجير ويتصبّر ولا صبر إلا النواح الطويل وينتقل أبو العتاهية من مرحلة غزله وخمره إلى مرحلة جديدة تعدّ انقلابا فى حياته، فقد تحول من حياة اللهو إلى حياة الزهد، وظل نحو ثلاثين عاما يتغنى بالكأس الخالدة كأس الموت الدائرة على الخلق، فالكل مصيره إلى الفناء والكل وشيك الزوال، والكل سيصبح ترابا فى تراب، يقول (١): لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلّكم يصير إلى تباب (٢) ويقول (٣): الناس فى غفلاتهم ... ورحى المنيّة تطحن ويقول (٤): كل حىّ عند ميتته ... حظّه من ماله الكفن ويقول (٥): بين عينى كلّ حىّ ... علم الموت يلوح نح على نفسك يا مس ... كين إن كنت تنوح وهكذا يمضى ينعى الحياة إلى أهلها ويبكيها ويندبها، مهولا رقدة الموت الأبدية، ومنغصا على من يسمعه كل لذة له وكل نعيم، فالأجل قصير والمنايا راصدة، والقدر أزلى ونحن آلات بأكفه. ولعله من أجل هذا الإحساس آمن بالجبر والاضطرار (٦)، وإنه ليصرخ من أعماق قلبه: ليس هناك إلا الفناء وإلا الأسى والكآبة، وهى نظرة سوداء جاءته من مانويته، إذ الإسلام لا ينعى إلى

стр. 1152

الناس حياتهم ولا يصورها لهم فى كروب أبى العتاهية التى تخنق الأنفاس والتى تجعله يقف طويلا عند سكرات الموت وما يعانيه المحتضر من آلام كما تجعله يقف عند نزلاء القبور والقبور نفسها يسألها عن أصحابها، مسجّلا أن ذوى السلطان يستوون مع السوقة فى الموت وأن الطبيب كثيرا ما يسبق مريضه إلى ساحته، يقول (١): وقبلك داوى الطبيب المريض ... فعاش المريض ومات الطبيب وهو يضيف إلى حديثه الطويل عن الموت والقبور حديثا عن البعث والنشور، ولكنه لا يسترسل فى ذكر عذاب الجحيم ونعيم الجنان، كما أشرنا إلى ذلك آنفا، بل يلم إلماما بالبعث والحساب على شاكلة قوله (٢): فلو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت غاية كلّ حىّ ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شىّ ويتسع أبو العتاهية فى أشعاره الزاهدة، حتى لتؤلف وحدها ديوانا كاملا، وفعلا جمع منها ابن عبد البرّ النّمرى الأندلسى ديوانا مستقلا، وقد بنى اليسوعيون على هذا الديوان نشرتهم لأشعار أبى العتاهية باسم «الأنوار الزاهية فى ديوان أبى العتاهية» ضامين إلى رواية النمرى ما تيسر جمعه من أشعار الشاعر وقصائده. وأبو العتاهية فى زهدياته، كما رأينا، يطيل الحديث عن الحياة والموت والفناء ومصير الإنسان، ويتحول بجانب ذلك إلى ما يشبه واعظا، وهو فى عظاته يستمد من القرآن الكريم والحديث النبوى ووعظ الوعاظ من أمثال الحسن البصرى، كما يستمد من أشعار سابقيه، وقد وقف المبرد عند موعظة له يستهلها بقوله: يا عجبا للناس لو فكروا ... وحاسبوا أنفسهم أبصروا وردّها إلى بعض الأحاديث النبوية وإلى كلام الحسن البصرى وعلى بن أبى طالب وإلى معانى بعض الشعراء مثل الخليل بن أحمد (٣). وهو فى جوانب من مواعظه يلتقى بآى الذكر الحكيم فى اتخاذ العبرة من الأمم الداثرة والقرون الخالية

стр. 1153

وفى تصوير الموت وسكراته، وقد يسوق ذلك بلفظ القرآن الكريم من مثل قوله (١): يا عجبا كلّنا يحيد عن ال ... حين وكلّ لحينه لاقى كأن حيّا قد قام نادبه ... والتفّت الساق منه بالساق (٢) واستلّ منه حياته ملك ال ... موت خفيّا وقيل: من راق (٣) وطبيعى أن يطبع أسلوبه فى الزهد بطوابع الأسلوب الوعظى من التكرار وكثرة النداء والاستفهام والأمر. ونراه يشيع فى زهدياته أدعية وابتهالات لربه من مثل قوله (٤): سبحان من لا شئ يحجب علمه ... فالسّرّ أجمع عنده إعلان سبحان من هو لا يزال مسبّحا ... أبدا وليس لغيره السّبحان وقوله (٥): إلهى لا تعذّبنى فإنّى ... مقرّ بالذى قد كان منّى ومالى حيلة إلا رجائى ... لعفوك إن عفوت وحسن ظنّى وبجانب ذلك نراه يذيع دعوة واسعة إلى محاسن الأخلاق كما يذيع حكما وأمثالا كثيرة مقتبسا لها من الآداب الفارسية كما أسلفنا، ومما روى عن حكماء العرب مثل لقمان (٦)، وأفرد لها-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-قصيدته «ذات الأمثال» التى يقال إنها امتدت إلى أربعة آلاف بيت. وكانت عامة بغداد تتعلق بحكمه ووعظياته وزهدياته، وفى أخباره أن بعض الملاحين غنوا الرشيد فى إحدى نزهاته على صفحات دحلة بعظة من عظاته (٧)، وفى ذلك ما يدل على ما كان لأشعاره الزاهدة من صدى عميق فى نفوس الطبقة

стр. 1154

العامة التى لم تكن تعرف ترفا ولا نعيما، إنما كانت تعرف الكدح وشظف العبش، وكأنما أحست عنده أنه يتغنى آلامها وبؤسها. ونراه يتعمقه الشعور بما هى فيه من ضنك، فإذا هو يرفع لبعض الخلفاء شكوى مريرة من غلاء الأسعار، يقول فى تضاعيفها (١): من مبلغ عنى الإما ... م نصائحا متتاليه أنى أرى الأسعار أس ... عار الرعيّة غاليه وأرى المكاسب نزرة ... وأرى الضرورة فاشيه من يرتجى للناس غي ... رك للعيون الباكيه من مصبيات جوّع ... تمسى وتصبح طاويه من يرتجى لدفاع كر ... ب ملمّة هى ماهينه من للبطون الجائعا ... ت وللجسوم العاريه ألقيت أخبارا إلي ... ك من الرعية شافيه ولم يكن أبو العتاهية يقترب من العامة بزهده وما صوّر فيه من بؤسها وأوصا بها فحسب، بل كان يقترب منها أيضا بأسلوبه الذى كان يشتقه اشتقاقا من لغة الحياة اليومية ببغداد، وهو أسلوب ابتعد فيه عن الغرابة والتعقيد كما ابتعد عن العجمة، ولكنه بعد ذلك أجراه فى مستوى أفراد الشعب، بحيث لا يعزّ على أحد منهم أن يفهمه. ويؤثر عنه أنه كان يقول: «الصواب لقائل الشعر أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على جمهور الناس مثل شعرى، ولا سيما الأشعار التى فى الزهد، فإن الزهد ليس من مذاهب الملوك ولا من مذاهب رواة الشعر ولا طلاّب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء. . والعامة، وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه (٢)» ومن الحق أنه ظلت فى أسلوب شعره منذ فاتحة حياته السهولة، حتى إذا أخذ فى الزهد ضاعفها وأكّدها تأكيدا شديدا

стр. 1155

حتى لتكاد تسقط منه بعض مقطوعاته، لما يجرى فيها من ضعف، وحتى ليقول صاحب الأغانى إنه كثير الساقط المرذول (١). وينبغى أن لا نبالغ مبالغة أبى الفرج، فقد كانت لأبى العتاهية أذن موسيقية دقيقة وقلما نجد عنده قافية غير متمكنة فى موضعها أو كلمة لم تحلّ فى نصابها، إذ كان الشعر عنده طبعا أو كالطبع (٢)، حتى كان لا يسمع كلمة من مناد على بضاعة أو من بعض جلسائه تصلح أن تكون شطرا لبيت حتى يبادر بصنع الشطر الثانى توّا على البديهة (٣). وبلغ من اقتداره على صنع الشعر وسهولته على لسانه أن اخترع-كما أسلفنا فى الفصل السابق-أوزانا جديدة لا تدخل فى بحور الشعر المستعملة، وكان إذا روجع فى ذلك وقيل له إن أشعارك لا تدخل فى عروض الخليل قال: أنا أكبر من العروض (٤) يريد أن الشعر يجرى على لسانه قبل أن يضع الخليل عروضه، وهو لذلك أسنّ منه، ولا نشك فى أن ديوانه لو وصلنا كاملا لاستخرجنا منه أوزانا كثيرة طريفة ابتكرها ابتكارا، غير أن نبع الشعر عنده كان غزيرا، فكثر ما نظمه ولم تستطع الأجيال التالية أن تحمله تامّا لكثرته. ٤ - مسلم (٥) بن الوليد ولد فى الكوفة حوالى سنة ١٤٠ للهجرة لأب كان يشتغل بالحياكة، واختلفت المصادر القديمة فى تصحيح نسبته، فقيل إنه خزرجى من الأنصار، وقيل بل هو من مواليهم، وهو القول الصحيح، ويشهد له أنه كان من الصنّاع، ولم يكن العرب يقبلون على الصناعات حتى هذا التاريخ. وفى أخبار مسلم وأشعاره ما يدل على أنه كان شيخا صالحا، وأغلب الظن أنه كان من موالى الفرس، وولد قبل

стр. 1156

مسلم ابن كان يكبره يسمى سليمان، وكان كفيفا، كما كان شاعرا مجيدا، ويجمع الرواة على أنه كان زنديقا وأن الذى لقّنه زندقته بشار (١)، ومن قول الجاحظ فيه: «كان من مستجيبى بشار الأعمى، وكان يختلف إليه وهو غلام، فقبل عنه ذلك الدين (٢)». وفى اختلافه إليه ما يدلّ على أنه نزل البصرة، ويظهر أنه نزلها مع أبيه، إذ كان لا يزال غلاما، وكان ضريرا، يحتاج إلى من يعينه ويعوله، وفى ديوان مسلم قصيدة طويلة (٣) يذكر فيها مقامه أولا بالكوفة، ثم نزوله البصرة وذكرياته السعيدة بها، وذكريات الحب واللهو. وفى ذلك كله ما يدل على أن مسلما نشأ بالكوفة، ثم انتقل إلى البصرة، ولا نرتاب فى أنه كان يختلف مع أخيه سليمان إلى بشار، وأن ذلك أتاح له أن يحمل عنه شعره، ولكنه لم يحمل عنه زندقته، كما حملها أخوه، إذ لم يعرف عنه شئ من الزندقة. ويظهر أنه مضى يثقف نفسه بكل معارف عصره وأنه عكف على قراءة كثير من الآداب المترجمة، ونراه يصرح بأن قوله: دلّت على عيبها الدّنيا وصدّقها ... ما استرجع الدهر مما كان أعطانى قد أخذ معناه من التوراة (٤). وفى أشعاره من التعمق فى الأفكار ما يدل دلالة قاطعة على أنه اختلف إلى متكلمى البصرة وحذق على أيديهم النظر والتفكير وتصحيح المعانى والخلوص إلى دقائقها وطرائفها وحدودها الخفية. وأيضا فى أشعاره ما يدل دلالة بينة على ثقافة واسعة بالشعر القديم: الجاهلى والإسلامى، فقد أشربته روحه لا بصياغاته فحسب، بل أيضا بجميع معانيه وصوره وخصائصه الموسيقية. والتحمت فى نفسه هذه الثقافة بشعر بشار ومعاصريه من شعراء الجيل العباسى الأول التحاما قويا خصبا. ويظهر أن مواهبه الشعرية استيقظت فى نفسه مبكرة، وليس بين أيدينا أخبار

стр. 1157

واضحة عن حياته فى موطنه الأول الكوفة ولا فى البصرة، غير أننا نراه يصطدم بشاعر بصرى يسمى ابن قنبر، عنى بأن يردّ على الطرماح الشاعر الأموى الخارجى أهاجيه فى قبيلته تميم، وأن يهجو طيئا والأزد وغيرهما من قبائل اليمن التى انتصر لها الطرماح، وامتعض مسلم لمواليه من الأنصار الأزديين اليمنيين، وزجّ بنفسه معه فى معركة هجاء عنيفة، وكان أقوى منه شاعرية، فهتكه ومزقه واضطره إلى أن يمسك عن مناقضته. وجذبت بغداد مسلما فهاجر إليها، لعل بضاعته تروج فيها ويحظى بما حظى به أعلام الشعراء فى عصره من جوائز الخلفاء والأمراء والوزراء والولاة والقواد. ولا يعرف بالضبط تاريخ هجرته، ولكن فى أخباره أنه هاجر إليها مع أخيه سليمان وانقطعا لمديح يزيد بن مزيد ومحمد بن منصور بن زياد كاتب البرامكة، وقد توفى سليمان سنة ١٧٩ للهجرة. وفى أخبار مسلم أنه كان يمدح من دون الخليفة ولا يطمح إليه، فكان يقول: أرى نفسى تذوب حسرات من أنه يحوى جوائز الخلفاء من لا يوازينى فى أدب. ويدل ذلك على أنه ظل فى بغداد مدة قصرت همته فيها عن لقاء الرشيد ثم لقيه، ويقال إن منصور بن يزيد الحميرى خال الرشيد هو الذى أوصله إليه. وتلتقى أخبار لقائه له بمدائحه ليزيد بن مزيد وقضائه على ثورة الوليد بن طريف الخارجى فى سنة ١٧٩ للهجرة، ومن حينئذ لمع اسمه وعلا نجمه بين شعراء بغداد ويظهر أن صلة انعقدت بينه وبين البرامكة، فقد كان وثيق الصلة بمحمد بن منصور كاتبهم، وله فيهم مدائح مختلفة. وفى ديوانه قصائد أربع فى مديح الرشيد، ويظهر أن كثيرا من مدائحه فيه سقط من يد الزمن، ويقال إنه لما أنشده لاميته فيه، وأورد على سمعه قوله فى مقدمتها: هل العيش إلا أن أروح مع الصّبا ... وأغدو صريع الرّاح والأعين النّجل (١) قال له: أنت صريع الغوانى، فلصقت به الكلمة، وأصبحت لقباله لا يعزف إلا به (٢). ونراه دائما ينوه بانتصاراته على أعدائه، من مثل قوله (٣):

стр. 1158

خليفة الله إن النّصر مقتصر ... عليك مذ أنت مبلوّ ومختبر أعددت للحرب سيفا من بنى مطر ... يمضى بأمرك مخلوعا له العذر (١) لا فى بنو قيصر لما هممت بهم ... مثل الذى سوف تلقى مثله الخزر لقد بعثت إلى خاقان جائحة ... خرقاء حصّاء لا تبقى ولا تذر أظلّهم منك رعب واقف بهم ... حتى يوافق فيهم رأيك القدر وهو يريد بسيف بنى مطر يزيد بن مزيد الشيبانى، وقد مضى يتحدث عن انتصارات الرشيد على الروم وظفره بخاقان ملك الترك، وكان شخص إليه الفضل بن يحيى البرمكى فى جيش ضخم سنة ١٧٨ للهجرة، فأسره واستباح عسكره وغنم أمواله (٢). وفى أخباره أن الرشيد وصله صلات كثيرة، حتى ليقال إنه وصله مرة بمائتى ألف درهم (٣). وتقرن أخباره إعجاب الرشيد به بإعجابه بمديحه لقائده يزيد ابن مزيد الشيبانى، وهو إعجاب نظن أن السياسة تتداخل فيه، فقد كان كل شئ فى الحكم بيد البرامكة الإيرانيين، وأكبّ عليهم الشعراء بمدائحهم إكبابا جعل الخليفة ينفس عليهم ذلك، وربما كان مما يؤذيه أنه لا يجد لقادته من العرب الخلّص من يمدحهم وينوه بهم، وكان البرامكة يقفون فى وجه بعض هؤلاء القادة ويحاولون إبعادهم عن الخليفة، وكان يضطر للنزول على إرادتهم لعلو نفوذهم، وكان ممن صنعوا به ذلك يزيد بن مزيد، فإنه لما قضى على ثورة الوليد ابن طريف وانصرف بالظفر حجب برأيهم وجاراهم الرشيد فأظهر سخطه عليه، فقال: «وحقّ أمير المؤمنين لأصيّفنّ وأشتونّ على فرسى أو أدخل، فارتفع الخبر بذلك إلى الرشيد، فأذن له، فدخل، فلما رآه ضحك وسرّ وأقبل يصيح: مرحبا بالأعرابى، حتى دخل وأجلس وأكرم (٤)» وأقبل الشعراء يمدحونه، ومدحه مسلم بقصيدته المشهورة (٥):

стр. 1159

أجررت حبل خليع فى الصّبا غزل ... وشمّرت همم العذال فى العذل (١) وارتفعت إلى سمع الرشيد، فطار سرورا بمدح قائده وبمادحه. ومن حينئذ توثقت الصلة بين الشاعر والخليفة من جهة وبينه وبين القائد من جهة ثانية، وأخذ يزيد يغدق عليه نواله الغمر، حتى ليقال إنه أعطاه فى إحدى وفاداته عليه مائة وتسعين ألف درهم، وأقطعه إقطاعات تغلّ مائتى ألف درهم. ولما ولّى الرشيد يزيد أرمينية وآذربيجان سنة ١٨٣ للهجرة صحبه وظل معه حتى توفى سنة ١٨٥. وقد احتفظ الديوان بقصيدته السابقة فيه وقصيدة ثانية ميمية ومقطوعة قصيرة، وهو فى القصيدة الأولى ينوّه بانتصاراته فى حروب الروم وظفره بيوسف البرم الثائر فى خراسان لعهد المهدى ثم الوليد بن طريف الخارجى الثائر بالجزيرة لعهد الرشيد. ونراه فى القصيدة الثانية وهى التى يستهلها بقوله (٢): طيف الخيال حمدنا منك إلماما ... داويت سقما وقد هيّجت أسقاما يتغنّى بانتصاره على الوليد بن طريف ويشيد بشجاعته وإقدامه. وكان منذ نزوله بغداد يمدح محمد بن منصور بن زياد كاتب البرامكة، وكان خليفة الفضل بن جعفر البرمكى بباب الرشيد، وكان يسمى فتى العسكر لبلائه فى الحروب، ولمسلم فيه قصيدتان وبعض مقطوعات منثورة فى ديوانه، وهو فى إحدى قصيدتيه، وهى التى افتتحها بقوله (٣): عاصى الشباب فراح غير مفنّد ... وأقام بين عزيمة وتجلّد (٤) يشيد طويلا بانتصاره فى بعض حروب الروم وفتكه بأحد بطارقتهم، كما ينوّه بانتصارات أبيه «منصور» على خوارج القيروان، ولعله كان فى عداد جيش يزيد بن حاتم المهلبى الذى فتك بهم فتكا ذريعا لعهد الخليفة المنصور (٥). وقد وصله محمد بن منصور بن زياد بالبرامكة، وفى ديوانه بيتان فى مديح يحيى، وقصيدة ومقطوعة فى مديح ابنه جعفر، وهو فى القصيدة يشير إلى قضائه على فتنة

стр. 1160

بالشام سيّره إليها الرشيد سنة ١٨٠ للهجرة (١)، يقول (٢): أعطى المقادة أهل الشام حين غشوا ... من جعفر بهنات مالها حول وأبدع قصائده فى البرامكة لاميته فى الفضل بن جعفر، وهى تعدّ من روائعه (٣) وإذا صح أن من سماه إسماعيل فى قصيدته: «وإنى وإسماعيل يوم وداعه» (٤) من البرامكة كانت هى الأخرى من درره فيهم. ونراه بعد وفاة يزيد بن مزيد يتصل بداود بن يزيد المهلبى أحد قواد الرشيد وولاته على إفريقية، وقد ولاه السند سنة ١٨٤ فرمّ ما فيها من شعث بين اليمنية والنزارية، وفتح كثيرا من مدنها، ويقال إنه «كان يجلس للشعراء فى السنة مجلسا واحدا فيقصدونه ذلك اليوم وينشدونه مدائحه، فوجّه إليه مسلم راويته بقصيدته فيه (٥): لا تدع بى الشّوق إنى غير معمود ... نهى النّهى عن هوى البيض الرّعاديد (٦) فلما أنشدها بين يديه أمر له بعشرة آلاف درهم وأمر لمسلم بمائة ألف، وهى إحدى فرائده، ونراه فيها يتحدث عن انتصاراته فى «كرمان» وسجستان ومن فتك بهم من الخوارج والثوار، وكيف دانت له السند واستقامت أمورها خير استقامة. ونرى مسلما يمدح جماعة من كتاب الدواوين والولاة وكبار رجال الدولة فى عهد الرشيد، وفى مقدمتهم يعقوب (٧) بن سعدان، وكان سعدان كاتب زبيدة (٨) زوج الرشيد، وسهل (٩) بن الصباح المدائنى، وكان من مقدّمى رجال الدولة وأجوادهم (١٠)، والحسن (١١) بن عمران الطائى والى الرشيد على دمشق (١٢)، وزيد ابن مسلم الحنفى أحد قواده، وقد نوّه به وبكرمه وشجاعته وبلائه فى الحروب فى
следующие страницы →