والحكم فى مثل هذه الكلمات مشكل، فإما أن تكون من الكلمات السامية الأصلية، أو تكون بعض الفروع اختصت بها بعد تفرقها، بمعنى أنها نشأت بينها، وتكونت فى زمن متأخر. ومن علماء الساميات من يظن أن ما تنفرد به العربية من كلمات لا توجد فى أخواتها السامية هو من السامى الأصيل احتفظت به بينما سقط من إخواتها، ويذهب برجشتراسر إلى أن «هذا بعيد عن الاحتمال للغاية ولا يجوز افتراضه إلا على فرض كون اللغة العربية أقرب إلى اللغة السامية الأم من أخواتها.
وهذا من الأوهام التى لا سبب لها، فإن اللغة العربية ترقت رقيا بعيدا بالقياس إلى أخواتها الساميات. . ولا بد من أن نفترض أن اللغة العربية اخترعت ألوفا من الكلمات الجديدة ولا عجب فى ذلك بعد ما شاهدناه مرارا من ميلها إلى التخصص وإلى اختراع العبارات الجديدة المحدودة (١)» ويضرب مثلين لذلك: كثرة ما اخترعته فى باب الإبل وأوصافها وشياتها وأمراضها وأدواتها من أسماء. ومثل ثان هو ما اخترعته من أدوات النفى، إذ تشترك مع اللغات السامية فى أداته الأساسية «لا» ثم تنفرد بما اشتقته من أدوات كثيرة لا يوجد منها فى أخواتها سوى ليس، إذ نجد فيها لم بزيادة الميم وحذف الألف، ولما بزيادة ما على لم، ولن بزيادة النون. وأضافت لذلك أدوات جديدة هى ما وإن وغير، وبذلك عددت وظائف النفى ونوعتها.
ومعنى كل ما قدمنا أن هناك عناصر فى العربية ترجع إلى أقدم أزمنتها، وأخرى جديدة، وقد عقد ليتمان مقالين طويلين (٢) بحث فيهما أسماء الأعلام فى اللغات السامية متخذا منها ما يدل على تاريخها وصيغها وأديانها وعاداتها، ولا حظ أن منها أسماء مركبة وأسماء مفردة وأسماء اسمية وأسماء فعلية وأسماء دينية وأسماء دنيوية وأسماء مكانية وأسماء زمانية وأسماء تخص أمنية أو فرحا أو صفة أو دعاء وأسماء لرجال مشهورين أو نساء مشهورات، بالإضافة إلى أسماء أجنبية. ومن طريف ما لاحظه أن النبط كانوا يلحقون فى كتابتهم ونقوشهم الواو بآخر الأعلام أحيانا، يقول: والواو هذه تشير إلى أن الاسم معرب، وأما الأسماء المبنية فكتبوها بلا واو فى آخرها. وأخذ العرب بعد ذلك هذه الواو من الخط النبطى فألحقوها بعمرو فرقا بينه وبين عمر (٣).
стр. 107
العرب بعد ذلك هذه الواو من الخط النبطى فألحقوها بعمرو فرقا بينه وبين عمر (١) وقارن مقارنات واسعة بين الأعلام فى العربية منذ الجاهلية وبين لهجاتها القديمة من صفوية ونبطية، وأدلى فى هذا الصدد بملاحظات جيدة.
وعلى هذا النحو لا يزال علماء الساميات يقارنون مقارنات طريفة بين العربية الجاهلية وما سبقها من لهجات كتبت فى نقوش قديمة، كما يقارنون بينها وبين العربية الجنوبية اليمنية وغيرها من أخواتها السامية محاولين استخلاص عناصرها وظواهرها المغرقة فى القدم، والتى جدّت على مر التاريخ. وقد لاحظوا أنها هى والحبشية واللهجات اليمنية القديمة تكثر من جموع التكسير كثرة مفرطة، كما لاحظوا أنها هى والعربية الجنوبية أو اليمنية تتميزان بوجود حرف الظاء فيهما، ومما يميزها أيضا حرف الضاد، ولهم كلام كثير فيه وفى مخرجه، وتبادله مع الظاء واللام فى بعض الكلمات.
٢ - لهجات عربية قديمة (٢)
عثر علماء الساميات على نقوش أربع لهجات عربية قديمة، منها ثلاث كتبت بالخط المسند الجنوبى، وهى اللهجة الثمودية واللّحيانية والصّفوية، وواحدة كتبت بالخط الآرامى، وهى اللهجة النبطية. وقد جاء ذكر ثمود فى القرآن الكريم مرارا، وكانوا ينزلون فى مدائن صالح وما حولها، وتمتد عشائرهم غربا إلى البحر الأحمر وشرقا إلى جبلى أجأ وسلمى. وقد تردد ذكرهم عند الإغريق والرومان وفى كتابات أشورية ترجع إلى القرن الثامن قبل الميلاد. ونرجع نقوشهم التى عثر عليها إلى القرون الأخيرة قبل الميلاد والقرون الأولى بعده، وهى تنتشر فى كثير من البلاد، فهى فضلا عن وجودها فى أماكن إقامتهم وسكناهم نجدها مبثوثة فى الطائف وطور سيناء ومصر بوادى الحمامات، وربما كان فى ذلك ما يدل على أن أهلها
стр. 108
أسماءهم للذكرى، وقليل منها أدعية لآلهتهم، وهى صعبة القراءة لأن خطهم مشتق من الخط المسند الجنوبى، مثلهم مثل اللحيانيين والصفويين، وهو خال من الشكل ومن علامات الإشباع والحركات والتشديد. ومما يزيد فى صعوبته أيضا، أو بعبارة أدق مما يزيد فى صعوبة الأحكام اللغوية عليه أن جميع نقوشه بضمير الغائب وأنهم كثيرا ما يحذفون منه بعض الحروف كالنون من ابن والضمير من «لى» وأيضا فإنه تختلط به آثار عبرية وآرامية.
وهذه النقوش مع أنها كتبت بالخط المسند الجنوبى نقوش للعرب الشماليين، فاللغة التى تعبّر عنها عربية شمالية، ويتضح ذلك فى تراكيبها الصرفية والنحوية وفى اشتقاقات أفعالها وأزمنتها. ونجد عندهم صيغة المثنى بجانب صيغة الجمع كما نجد نفس أسماء الإشارة والأسماء الموصولة والضمائر وحروف الجر من مثل اللام والباء وإلى وعلى وحرف العطف واو. غير أن أداة التعريف الشائعة عندهم هى الهاء لا أل، وكذلك الشأن عند اللحيانيين والصفويين، أما عند النبط فهى أل. ومن هنا يصح أن نطلق على الأولين اسم أصحاب لهجات الهاء، وهم فى ذلك يتطابقون مع العبريين، وأيضا فإنه يشيع عند الثموديين واللحيانيين تعدية الفعل الثلاثى بالهاء بدلا من الهمزة، مثلهم فى ذلك مثل العبريين والسبئيين، على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع.
واللهجة القديمة الثانية هى اللهجة اللّحيانية نسبة إلى منازل أهلها من بنى لحيان الذين ذكروا فى نقوشها، وقد عثر عليها علماء الساميات منثورة فى شمالى الحجاز بمنطقة العلا الحالية، وكانت حاضرتهم تسمى دادان بالقرب من مدائن صالح، ويختلف الباحثون فى تاريخهم وهل كانوا قبل الميلاد أو بعده، بل منهم من يتأخر بهم حتى القرن الخامس للميلاد. وتلقانا فى نقوشهم نفس الصعوبات التى تلقانا فى نقوش الثموديين من نقص الشكل وحروف العلة والمد والتشديد. وهم يعرّفون بالهاء على شاكلة الثموديين، وقد يعرفون بأل أو باللام على شاكلة العربية الجاهلية، وقد يجمعون بينهما مثل هلحمى بمعنى الحمى. وهم يستبقون بين صيغ الفعل على صيغتى هفعل وسفعل ونراهم يلحقون بالماضى تاء التأنيث كما نراهم يشيرون بالذال
стр. 109
وذه وذات. ومن أسمائهم الموصولة من وما وذو المعروفة فى لهجة طيئ. ومن آلهتهم التى يرددون ذكرها بعل والعزّى ومناة وودّ وإلهة. ومن أسمائهم عبد ودّ وعبد شمس وعبد مناة وبعيث وعمر وطود. ومن ألفاظهم رب ويوم وبيت وحية وشيعة وحرة ورتاج وإيلاف وكبير وقديس وصانع ونحاس ووارث وعابد ومقدر ومنعم. وهم يكنون وينسبون على نحو ما نعرف فى الفصحى، وأيضا نجد عندهم التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع السالم والمكسر وهم يجمعون الذكور بالواو والنون والياء والنون كما يجمعون الإناث بالألف والتاء. ومن أدوات الجر والإضافة عندهم الباء واللام وفى ومن ومع وقبل وبعد وتحت ولدى وخلف، ونراهم ينفون بلا.
أما اللهجة الصفوية فقد نسبت إلى جبل الصّفاة القائم فى شرقى حوران ببادية الشام، ولم توجد النقوش به، وإنما وجدت فى الحرّة الواقعة بينه وبين حوران، ولم ينسبها علماء الساميات إليها بحيث يقولون النقوش الحرية مخافة اللبس لأن الجزيرة العربية تمتلئ بحرات كثيرة، لذلك رأوا نسبتها إلى الجبل المذكور، واتخذوه علما عليها، وقد عثروا على نقوش منها فى مواضع أخرى كالحرة الواقعة فى جنوبى دمشق والصالحية على الفرات. وواضح أنها لا تنسب إلى قوم بأعيانهم أو إلى أمكنة بعينها، إنما هى تسمية اصطلاحية. وخطّها مشتق من الخط المسند الجنوبى كاللهجتين السابقتين ولذلك يصادف العلماء فيه نفس الصعوبات التى أشرنا إليها، ومما يزيدها صعوبة أن رسوم حروفها تتشابه فالباء تشبه الظاء والخاء تشبه التاء وكذلك تشبه اللام النون والهاء الصاد، وقد يبدأ الكاتب من اليمين إلى اليسار وقد يعكس الاتجاه فيبدأ من اليسار إلى اليمين.
ونقوشهم قصيرة وشخصية، وقد يضمنونها وثائق تمليك أو أدعية للآلهة، وقد يذكرون تاريخ نقشها فيؤرخونه بتاريخ بصرى أو ببعض حروب النبط والروم.
وهى تسبق الميلاد وتمتد بعده قرونا. ونرى أداة التعريف الشائعة عندهم الهاء، وقد وردت عندهم أسماء قليلة معرفة بالألف واللام مثل الأوس والعبد. وتشيع عندهم إضافة المنعوت إلى النعت على شاكلة الحبشية والعبرية المتأخرة وبعض اللهجات الجاهلية، فيقولون مثلا «جبل الأحمر» بدلا من الجبل الأحمر، ويتبع اسم الإشارة المشار إليه ولا يتقدمه فيقولون أو يكتبون «جو، ذ» أى هذا الوادى، بالضبط
стр. 110
كما نصنع فى عاميتنا المصرية فنقول «النهاردا» بدلا من هذا النهار. وتلقانا عندهم ذو الطائية التى تستخدم اسما موصولا فى مثالها المشهور «بئرى ذو حفرت وذو طويت» أى الذى حفرت والذى طويت.
وهذه اللهجة بصفة عامة أقرب إلى عربية الجاهليين من اللهجتين اللحيانية والثمودية سواء فى الضمائر واستخدام العدد أو فى أسماء الأعلام وصيغ الفعل، فنحن لا نجد عندهم هفعل، بينما نجد الفعل المبنى للمعلوم والمبنى للمجهول، وهى تتشابه مع العربية الفصحى فى تصريف الأفعال ومصادرها ففعّل مصدره تفعيل أو تفعلة وفاعل مصدره فعال أو مفاعلة وأفعل مصدره إفعال وانفعل مصدره انفعال وهلم جرّا. ونراها تدخل تاء التأنيث على الكلمة للفرق بين المذكر والمؤنث، وتشيع فيها أدوات الجر المعروفة فى العربية الفصيحة، وتعطف بالواو والفاء، وتنادى بها وبيا. والحروف جميعها هى نفس حروف عربيتنا عددا، ويشيع تسهيل الهمزة فيها، وخاصة فى أول الكلمة فعندهم ونس بدلا من أنس وودم بدلا من أدم. وكانت قبيلة هذيل تصنع نفس الصنيع فتقول وشاح بدلا من إشاح. ومن ذلك أنهم يقولون واكل بدلا من آكل على نحو ما نصنع فى لهجاتنا العربية المعاصرة، وهم لا يدغمون الحرف الثانى مع الثالث فى الأسماء المشتقة من الفعل المضاعف مثل ظن فيقولون أو يكتبون ظانن، بالضبط كما ننطق فى عاميتنا مادد بدلا من مادّ. ومن أفعالهم المنقوصة التى احتفظت بها العربية: شتى وبنى وأتى ونجا ورعى ودعى، ودائما لام الفعل الناقص عندهم ياء. ومن العبارات التى وردت فيها هذه الأفعال: «نجى من هسطان» أى نجى من السلطان و «رعى هضأن» أى رعى الضأن و «هأبل» أى الإبل و «همعز» أى المعز و «هبقر» أى البقر. وفى نقش من نقوشهم «ورعى هأبل سنة مرق نبط جوذ» أى رعى الإبل سنة مرق النبط بهذا الوادى. ومعنى كلمة مرق فى النقش مر، وهى تستخدم بنفس هذا المعنى فى لهجاتنا المصرية. ومن آلهتهم رضا واللات ومناة وبعل وشيع هقوم أى شيع القوم وهو إله مشهور عند النبط، قيل إنه لا يشرب الخمر وكذلك عابدوه.
ولو أنه جاءتنا نماذج طويلة من نقوش الصفويين وأبناء عمومتهم الثموديين
стр. 111
واللحيانيين لأمكن الحكم بدقة على لهجاتهم جميعا. فى صورة واضحة، ومن المؤكد أنها تصور ضروبا من نمو العربية وتطورها فى طريق اكتمالها. ومن المهم أن نعرف أن هذه النقوش جميعا تنتهى بالقرن الثالث الميلادى. وأقرب منها إلى فصحانا نقوش النبط الذين عاشوا فى شمالى الحجاز وكونوا لهم إمارة اتخذوا مدينة سلع (بطرا (Petra) - حاضرتها الكبرى، وموقعها الآن وادى موسى فى جنوبى فلسطين. وكان لهم فى الجنوب حاضرة صغرى هى الحجر وموضعها الآن يسمى مدائن صالح، وكان لهم فى الشمال حاضرة صغرى ثانية هى بصرى بحوران فى الشام. وظلت هذه الإمارة مزدهرة من القرون الأخيرة قبل الميلاد إلى سنة ١٠٦ م، كما قدمنا، إذ قوّضها الرومان، غير أن النبط عادوا إلى الظهور ثانية فى تدمر وكونوا بها إمارة ظلت إلى سنة ٢٧٣ إذ خشى الرومان من اتساع سلطان أمرائها، فحاربوا ملكتها زنوبيا، وما زالوا بها حتى أسروها ودمروا حاضرتها تدميرا.
وبذلك ينتهى تاريخ النبط، ويظهر أنهم لعبوا دورا واسعا فى التجارة، فقد كانت قوافلهم تتسلم العروض من عرب الجنوب ومن الثموديين واللحيانيين وتحملها إلى العراق وحوض البحر المتوسط.
والنبط عرب شماليون كانوا يتكلمون العربية الشمالية فى أحاديثهم اليومية، غير أنهم اختلطوا بالآراميين، وكتبوا بأبجديتهم فظهرت فى نقوشهم آثار آرامية كثيرة، إذ نراهم يستعيرون منهم بعض كلماتهم وقد يبقون فى خطهم على بعض خصائص لغتهم. وهم كذلك خالطوا الروم والمصريين والعبريين، فظهرت فى نقوشهم أسماء قليلة أخذوها منهم، يمكن أن تكون هذه الأسماء لأشخاص روميين ومصريين وعبريين عاشوا فى إمارتهم.
وتمتد نقوش النبط فى الأنحاء التى سيطروا عليها، وقد كتبوها بالخط الآرامى المشتق من الخط الفينيقى، وهى منثورة فى الحجر ووادى موسى وتيماء وشرقى الأردن وسيناء وحوران بصرى ودمشق وصيدا وجبل الدروز، وتنتهى بالقرن الثالث الميلادى مثلها مثل النقوش السابقة. وكثير منها عثر عليه علماء الساميات فى القبور وعلى أبوابها وفوق الصخور، وهى تكتظ بذكر قرابينهم وما نذروه لآلهتهم، وقد يؤرخون لها بأسماء ملوكهم، وكثيرا ما يؤرخونها بالسنة التى انتهت فيها دولتهم الأولى وهى سنة ١٠٦.
стр. 112
وأصحاب هذه النقوش من النبط يختلفون اختلافا واضحا عن أصحاب المجموعة السابقة من اللحيانيين والثموديين والصفويين فى استخدامهم لأداة التعريف العربية، فبينما كان يشيع عند الأولين استخدام الهاء فى التعريف كما قدمنا كان يشيع عندهم استخدام أل المعروفة فى فصحانا، على أنهم قد يجارون الآراميين فى تعريفهم الكلمات بإلحاق ألف فى نهايتها فقد نجدهم يكتبون القبر «قبرا» والمسجد «مسجدا» ولكن الغالب عليهم استخدام أداة التعريف العربية «أل». وربما صنعوا ذلك فى كتابتهم فحسب، مجاراة للآراميين الذين أخذوا منهم خطّهم وأبجديتهم، أما فى حياتهم اليومية ولغتهم الدارجة فكانوا يستخدمون أل كما يدل على ذلك شيوعها فى كتابتهم. وقد ميزوا فى نقوشهم كما قدمنا بين الأعلام الممنوعة من الصرف والمصروفة فكانوا يضيفون للأخيرة واوا دلالة على تنوينها، مما بقيت آثاره فى الخط العربى فى مثل عمرو وعمر.
وهاتان الظاهرتان: أى استخدام أل فى التعريف والواو فى آخر الأعلام المصروفة يقرّب بين هذه اللهجة والفصحى الجاهلية. ومما يلاحظ أنهم يكتفون أحيانا فى كتابة أل باللام وحدها فيقولون أو يكتبون عبد البعل هكذا عبد لبعلى بحذف الألف، وكأنهم سهلوها وجعلوها همزة وصل لا قطع. وإذا رجعنا إلى خصائص هذه اللهجة وجدناها حقّا شديدة الصلة باللغة الجاهلية، فهى لا تكاد تفترق عنها فى أبواب الضمير والفعل وأسماء الإشارة والأسماء الموصولة والنسبة والتصغير وحروف الجر والعطف وكذلك الشأن فى التذكير والتأنيث للاسم والفعل. ونجدهم يذكرون بين آلهتهم الله جلّ وعز.
وتدور فى نقوشهم كلمات عربية كثيرة مثل سلام ونذر ونذور وحب وخلد وحسن ولطف ورءوف وسعود ومرأة وأمة وعبد ورب وسعد، ويتقدم اسم القبيلة لفظ أل أو بنى مثل آل قصى وبنى سهم.
واستخرج ليتمان من نقوشهم ثلاثمائة اسم تتفق مع الأسماء العربية وهى مدونة فى كتابه (Nabataean Inscriptions): من مثل أمين، أمة، أمة الله، أوس، إياس، أوس الله، أوس البعل، بدر، بكر، تيم، تيم الله، تيم دوشرا (يعنى عبد ذى الشرا) جذيمة، جرم، جمل، حجر، حارث، حارثة، حنظل، حيان، رجب، زيد، سبع، سعد، سلم، مسلم، سكينة، سمية، أسود، صعب،
стр. 113
عدى، عقرب، على، عمر، عمير، عميرة، عياض، غالب، غانم، غوث، مغير، فهر، قصى، كعب، لخم، مجد، امرؤ الله، امرؤ القيس، معن، مالك، نصر، نزار، نعيمة، نقيب، تنوخ، هانئ، وائل، وحش، ورد، وهب، وهبان، وهب الله.
والنبطية بذلك كله تعد وثيقة الصلة بعربية الجاهلية، وهو طور قريب منها قربا شديدا. ومن المؤكد أن العرب أخذوا يتطورون بلغتهم تطورا سريعا فى القرون الأولى للميلاد بالضبط كما أخذوا يتطورون بالخط النبطى مشتقين منه خطهم العربى على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع.
٣ - نشوء الفصحى
ليس من السهل تحديد الزمن الذى اتخذت فيه لغتنا العربية شكلها النهائى الذى تصوره الفصحى الجاهلية، وهو شكل كامل النضج سواء من حيث الإعراب والتصريف والاشتقاق أو من حيث التنويع الواسع فى الجموع والمصادر وحروف العطف وأدوات الاستثناء والنفى والتعريف والتنكير والانتهاء بالممنوع من الصرف إلى نظام تام منضبط مضافا إلى ذلك، احتفاظها بحروف ومخارج لم تحتفظ بها لغة سامية احتفاظا كاملا، وهى الثاء والخاء والذال والظاء والضاد والغين.
وهذه الصورة التامة لفصحانا لم تصل إليها إلا بعد مراحل طويلة من النمو والتطور، وقد رأينا نماذج منها فى نقوش كتبت بأبجدية مشتقة من أبجدية المسند الجنوبى، وهى نقوش الثموديين واللحيانيين والصفويين، ونقوش أخرى كتبت بأبجدية الآراميين، وهى نقوش النبطيين، غير أنها جميعا لا تصور هذا التكامل الذى انتهت إليه الفصحى، والذى تمثله نصوص العصر الجاهلى منذ أواخر القرن الخامس الميلادى، وأوائل السادس، فهل تم لها ذلك التشكل النهائى مع ظهور الشعر الجاهلى أو أن ذلك تمّ فى حقب أبعد منه؟ .
ليست الإجابة على هذا السؤال سهلة يسيرة، لسبب بسيط أو طبيعى، وهو
стр. 114
أنه ليس بين أيدينا نقوش كثيرة، نستطيع أن نعرف منها بالضبط الزمن الذى يعد بدءا حقيقيّا للفصحى. وحقّا عثر علماء الساميات كما قدمنا فى غير هذا الموضع على نقوش تمتد من أواخر القرن الثالث الميلادى إلى القرن السادس، غير أنها قليلة، ثم هى قصيرة، وأكثرها فى أمور شخصية، وليس بينها نص أدبى أو نص طويل يمكن أن نتبين فى تضاعيفه جملة الخصائص اللغوية لتلك اللغة التى كان يتحدث بها كتبة هذه النقوش، وجميعها على لسان الشخص الثالث الغائب، وليس بينها نص على لسان مخاطب أو متكلم، وهى تخلو خلوّا تامّا من الشكل والحركات وحروف العلة وعلامات الإعراب.
على أن من يرجع إلى هذه النقوش يجدها تقترب اقترابا شديدا من فصحانا، وقد وقفنا فى الفصل الأول عند أقدمها وهو نقش النمارة المؤرخ بسنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وهو لامرئ القيس ثانى ملوك الحيرة، وضع على قبره فى النمارة شرقىّ جبل الدروز، وقد لاحظنا أن كاتبه استخدم كلمة بر الآرامية بدلا من ابن العربية، غير أن النقش بعد ذلك تام فى عروبته سواء من حيث الأسماء والأفعال، أو من حيث استخدام أداة التعريف العربية أل. وأيضا فإن خطه المكتوب به مع اشتقاقه من الخط النبطى يعد مقدمة للخط العربى. إذ توجد فيه الروابط بين الحروف كما تتخذ الحروف فيه شكلا أكثر استدارة.
ولعلنا لا نبعد إذ اتخذنا هذا النقش بدءا لتكون الفصحى، وقد لقّب امرؤ القيس فيه بلقب ملك العرب، وهى أول مرة نعثر فيها على هذا اللقب، وقد يكون فى ذلك ما يدل دلالة واضحة على أن العرب أخذوا يفكرون فى إنشاء وحدة سياسية لهم منذ هذا التاريخ، وكانوا قبله لا يفكرون فى هذه الوحدة ولا فى أن يستقلوا بخط خاص بهم يميزهم أو يميز كتابتهم من كتابه المسند الجنوبية وكتابة الآراميين الشمالية.
ومعنى ذلك أننا نتخذ من هذا النقش رمزا لإحساسهم إحساسا عميقا بوجوب اتحادهم إزاء الدول التى كانت تناهضهم فى الشمالين الغربى والشرقى، ونقصد دولتى الروم والفرس، فقد قضى الروم على دولة أسلافهم من النبط فى سلع وتدمر وفرضوا سيادتهم على القبائل العربية المجاورة لهم، وبالمثل فرض الفرس سيادتهم
стр. 115
على الحيرة وقبائل العراق. وهذا فى الشمال، أما فى الجنوب فقد هاجم الحبش اليمن واستولوا عليها فى أواسط القرن الرابع لمدة عشرين عاما، وعادوا فى سنة ٥٢٥ فاستولوا عليها.
والذى لا ريب فيه أن هذه الأحداث جعلت العرب يشعرون أنهم مهددون فى الشمال والجنوب، وليس ذلك فحسب، فإنهم رأوا الديانتين اليهودية والنصرانية وكذلك الديانة الفارسية المجوسية، رأوا كل هذه الديانات تغزو دينهم. وكان هذا كله حافزا لهم أن يقاموا من يريدون أن يتخطفوهم، فنمت شخصيتهم السياسية، وأخذوا يكونون لهم إمارات مختلفة فى الشمال، يتجمعون حولها، والتفّت قلوبهم وأهواؤهم حول مكة بيت أصنامهم وكعبتهم الكبرى. وفى هذه الأثناء أخذوا يسقطون إلى الجنوب منذ القرن الرابع ليؤازروا إخوانهم اليمنيين فى مقاومة عدوهم المشترك من الأحباش، وكان اليمنيون يرحّبون بهم، لما يقدمونه لهم من عون ومساعدة.
وليس هذا كل ما نلاحظه، فنحن نلاحظ أيضا أن زمام القوافل التجارية يتحول إلى مكة، فلم يعد بيد اليمنيين المهددين بالأحباش ولم يعد بيد النبط المهددين بالروم، وإنما أصبح بيد المكيين البعيدين عن الدولتين، وربما كانوا يرجعون فى أصولهم إلى النبط، وكأنما هبطوا إليها بعيدا عن الروم وجيوشهم وما يبغون من فرض سيادتهم عليهم. والمظنون أن الثموديين هبطوا بدورهم إلى الطائف، أما اللحيانيون فسقطوا إلى منازل هذيل.
وفى هذه الأثناء أخذت شخصية هؤلاء العرب الشماليين اللغوية تنمو نموّا سريعا، كما أخذ خطهم هو الآخر ينمو فى سرعة، على نحو ما يصور لنا ذلك نقش زبد المؤرخ بسنة ٥١٢ للميلاد. وزبد خربة بين قنسرين ونهر الفرات، ونقشها مكتوب بثلاث لغات: العربية واليونانية والسريانية، وهو يتضمن أسماء أشخاص بنوا كنيسة بموضعه، وأهميته ترجع إلى أن خصائص الخط العربى الجاهلى تتكامل فيه. ومن المؤكد أنه حدثت تطورات مختلفة فى الحقبة الممتدة بينه وبين نقش النمارة هيأت له هذه الصيغة الخطية النهائية. وعلى مثاله نقش حران اللّجا المؤرخ بسنة ٥٦٨ للميلاد، وقد وجد على باب معبد بنوه فى الشمال الغربى لجبل الدروز جنوبى دمشق، وجميع كلماته وعباراته عربية، وهو يمضى على هذا النحو:
стр. 116
«أنا شرحيل (شرحبيل) بر (بن) ظلمو (ظالم) بنيت ذا المرطول (المعبد) سنة ٤٦٣ بعد مفسد (خراب) خيبر بعم (بعام)». وهو يشير إلى غزو أحد أمراء غسان لخيبر، وقد ألحقت بكلمة ظالم واو وفقا لقواعد النبط فى كتابة أعلامهم المنصرفة، وحذف حرف العلة من كلمة «عام» وهى نفس الصورة المألوفة فى الأقلام الإسلامية الأولى.
ونرى من ذلك أن الخط العربى تكامل مع أوائل القرن السادس كما تكاملت الفصحى نفسها وأخذت شكلها النهائى بشهادة نصوص الشعر الجاهلى التى يرجع أقدمها إلى أواخر القرن الخامس، فمنذ هذا التاريخ تقاربت لهجات القبائل، وأصبحت هناك لغة أدبية عامة، هى الفصحى، ينظم بها شعراء العرب جميعا شعرهم. وتدل دلالات كثيرة على أن هذه اللغة أخذت تنتشر لا بين القبائل الشمالية وحدها، تلك التى عاشت فى الشمال، فقد حملتها إلى الجنوب القبائل التى تسقط فيه، وانجذب كثير من الجنوبيين إلى المحيط اللغوى الشمالى، وخاصة من كانوا يجاورون الشماليين مثل سكان نجران وقبائل الأزد فى جنوبى الحجاز.
ومعنى ذلك أنه كان يعاصر اكتمال الفصحى حركة تعريب قوية فى الجنوب، ولسنا نريد أن نبالغ فى هذه الحركة فإنها إنما كانت تتناول القبائل الشمالية من هذا الجنوب، أما فى داخل اليمن وفى ظفار فقد كانت اللغة الجنوبية لا تزال سائدة كما تدل على ذلك نقوشهم. ونستطيع الآن أن نفهم قول أبى عمرو بن العلاء:
«ما لسان حمير وأقاصى اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا» (١) فإنه ينص على أن لسان اليمنيين الداخليين ومن يجرى مجراهم هو الذى يخالف لسان العرب الشماليين.
بل لعلنا لا نبعد إذا قلنا إن اليمنيين الداخليين أنفسهم أخذوا فى التعرب، فإن من يرجع إلى وثيقة أبرهة التى دونها سنة ٥٤٣ للميلاد عند ترميمه لسد مأرب (٢) يلاحظ توّا تقاربا فى الكلمات أسماء وأفعالا من اللغة الشمالية، وحقّا تحتفظ الوثيقة بجملة الخصائص اللغوية للغة الجنوبية، لكننا نجد فى تضاعيفها صيغا تشبه الصيغ
стр. 117
العربية شبها تامّا، من مثل: «كن لهو خلفتن وقسد» أى كان له خليفة وقاسد، وكلمة قاسد معناها قائد فى اللغة الجنوبية.
فنحن لا نصل إلى العصر الجاهلى الذى نتحدث عنه حتى نجد الفصحى قد تكاملت وتكامل معها خطها، وأخذت تغزو العربية الجنوبية، وتنتصر عليها انتصارات تختلف قربا وبعدا، فهى فى الجهات القريبة منها تكتسحها اكتساحا، وهى فى الجهات البعيدة تؤثر تأثيرا يختلف قوة وضعفا. على أنه ينبغى أن نعترف بأن اليمينيين كانوا فى نقوشهم يحافظون على لغتهم القديمة المرتبطة بدينهم وآلهتهم، اما فى حياتهم اليومية وخاصة فى أطرافهم الشمالية فإنهم كانوا يتحدثون بعربيتنا الفصحى.
٤ - لهجات جاهلية (١)
على الرغم من شيوع لغة أدبية عامة فى العصر الجاهلى كانت هناك لهجات كثيرة تميزت بها بعض القبائل، وظلت آثارها واضحة على ألسنتها إلى القرن الثانى للهجرة، فسجّلها اللغويون، غير أنهم لم يعنوا غالبا بنسبة هذه اللهجات إلى أصحابها فقد كانت تهمهم الصحة اللغوية من حيث هى، وكأنهم يريدون التنبيه على ما يخالف اللغة الأدبية العامة التى نزل بلسانها القرآن الكريم. ونحن لا ننكر أنهم نصوا أحيانا على القبيلة التى تنطق اللهجة الشاذة، ولكنهم لم يعمّموا ذلك فيما حملوه إلينا بحيث أصبحنا أمام ركام واسع من لهجات لا نستطيع تعيين القبيلة أو القبائل التى كانت تنطق بها إلا فى الندرة والحين بعد الحين، فمن ذلك الكشكشة والكسكسة، وهما تخصان ضمير المخاطبة، إذ كان بعض تميم وأسد، وقيل أيضا بعض بنى ربيعة يلحقون بكاف المخاطبة شينا فى الوقف، وفى الوصل أحيانا، فيقولون: رأيتكش وعليكش وبكش وكانت بعض قبائل ربيعة تلحق السين بدل
стр. 118
الشين فتقول رأيتكس وعليكس وبكس، وكان منهم من يحذف الكاف ويضع مكانها الشين أو السين.
ومن ذلك العنعنة، وهى فى تميم وبعض قيس وأسد، إذ يجعلون الهمزة عينا فى بعض الكلمات، فيلفظون استعدى بدلا من استأدى، ويلفظون أعدى بدلا من آدى، ويقال إن بعض بنى طيئ كان يقول دأنى عوضا عن دعنى. وكان هناك من يلفظ لعلى لأن، بإبدال اللام أيضا نونا، وقالوا بدلا من أن وأنّ عن وعنّ.
وتقرب من العنعنة الفحفحة، وكانت فى هذيل إذ تبدل الحاء عينا، ويقال إن بنى ثقيف كانوا يصنعون صنيع الهذليين فى ذلك فيقولون فى حتى عتى. وهذه اللهجات جميعا كانت تشيع فى بعض القبائل الشمالية المضرية، ومثلها التضجع وهو الإمالة، إذ كانت تميم وقيس وأسد تميل إلى إمالة الألف، وكان الحجازيون ينطقونها بتفخيم فلا يميلون. ويظهر أن ذلك لم يكن عامّا فى القبيلة الواحدة، فقد كان بعض الأفراد يميل وبعضهم لا يميل، يقول سيبويه: «اعلم أنه ليس كل من أمال الألفات وافق غيره من العرب ممن يميل، ولكنه قد يخالف كل واحد من الفريقين صاحبه فينصب بعض ما يميل صاحبه، ويميل بعض ما ينصب صاحبه.
وكذلك من كان النصب فى لغته لا يوافق غيره ممن ينصب، ولكن أمره وأمر صاحبه كأمر الأولين فى الكسر (الإمالة) فإذا رأيت عربيّا كذلك فلا ترينه خلّط فى لغته ولكن هذا من أمرهم». ونستطيع أن نمد ملاحظة سيبويه إلى اللهجات الشاذة التى حكيناها، فمن الممكن أن يكون بعض أفراد القبيلة قد تبع اللغة الأدبية العامة، بل من الممكن أن تكون بعض العشائر فى قبيلة بعينها قد هجرت لهجة قبيلتها، ولعل هذا هو سبب اختلاط نسبة هذه اللهجات عند اللغويين إذ نرى بينهم اختلافا فى الكشكشة مثلا هل كانت فى تميم أو كانت فى بكر أو كانت فى قيس أو كانت فيهم جميعا، وأغلب الظن أن مرجع هذا الاختلاف إلى ما لا حظه سيبويه فى الإمالة من أن عشيرة أو أفرادا فى قبيلة تميل قد لا تميل، وبالمثل يمكن أن يكون ذلك نفسه حدث فى اللهجات الشاذة التى رويت عن بعض القبائل المضرية.
وقد نسب اللغويون إلى قبائل مضرية وأخرى قحطانية ما سموه الاستنطاء إذ
стр. 119
كانت قبائل هذيل وقيس والأزد والأنصار فى يثرب تبدل العين نونا فى مثل أعطى فتقول أنطى، وأغلب الظن أن هذا ليس إبدالا كما لا حظ ليتمان، وإنما هما فعلان مختلفان.
وهناك لهجات نسبها اللغويون إلى القحطانيين، من ذلك التلتلة فى فضاعة وسهم إذ يكسرون الفعل المضارع فيقولون: تعلمون وتكتبون وتنجحون كما نصنع فى عاميتنا المصرية. ومن ذلك العجعجة فى قضاعة إذ يجعلون الياء المشددة جيما، فيقولون تميمج فى تميمى، وقال ابن فارس إن إبدال ياء المتكلم جيما وجد عند بنى تميم. وقال الزمخشرى إن بنى حنظلة التميميين كانوا يبدلون الياء المشددة لصيغة النسبة جيما مشددة.
ونسب الرواة إلى قبيلة كلب اليمنية ما سموه الوهم، وهو كسر الهاء فى ضمير الغائبين وإن لم يكن قبلها ياء ولا كسرة فيقولون: منهم وعنهم وبينهم. وسمع عن قوم منهم ما سمى بالوكم إذ يكسرون الكاف فى ضمير المخاطبين إذا سبقها ياء أو كسرة، فيقولون: عليكم وبكم بكسر الكاف فيهما. واشتهرت حمير وأهل اليمن وبعض عشائر طيئ بالطمطمانية، وهى إبدال لام التعريف ميما، فيقولون فى السهم والبر والصيام: امسهم، وامبر، وامصيام، وهذا ليس إبدالا، وإنما هى لهجة يمنية، إذ كانوا يعرّفون بالألف والميم، ولعل فى ذلك ما يدل على صحة ما ذهب إليه النسابون من أن طيئ قبيلة يمنية، ولا تزال لذلك بقية فى عاميتنا المصرية إذ نقول بدلا من البارحة إمبارح وأول امبارح. ومما ينسب إلى بعض القبائل اليمنية الشّنشنة إذ يجعلون كاف الخطاب شينا مطلقا، فيقولون بدلا من لبيك اللهم لبيك لبيش اللهم لبيش، وهم فى ذلك يلتقون بأصحاب الكشكشة فى بعض وجوهها من المضريين. وينسب إلى بعض الحميريين أنهم كانوا يجعلون السين تاء فى بعض الكلمات فيقولون: النات بدل الناس. ويستشهد اللغويون على ذلك بقول علباء بن أرقم:
يا قبّح الله بنى السّعلات ... عمرو بن يربوع شرار النات
ليسوا أعفّاء ولا أكيات
وواضح أنه استعمل النات بدل الناس والأكيات بدل الأكياس. على أن هذا الشاعر ليس حميريّا وإنما هو من بكر، وأكبر الظن أنه اضطر لذلك من أجل القافية ورويّها.
стр. 120
وفى كتب اللغة كثير من هذه اللهجات الشاذة التى كانت تنفرد بها بعض القبائل، وقد عقد السيوطى فى المزهر فصلا لألفاظ اختلفت فيها لغة تميم والحجازيين، ويمكن أن نمد هذا الفصل للبحث فيما كان بين القبائل الشرقية وللغربية من خلافات لغوية.
ولعل أهم ما سجله اللغويون من فروق بين التميميين والحجازيين أن الأولين كانوا يحققون الهمزة وكان الثانون يسهّلونها فمثل سأل يسأل سؤالا عند الأولين يقابل سال يسل سوالا عند الثانين، ومثل رثأت وعباءة ونبئ عند الأولين يقابل رثيت وعباية ونبى عند الثانين. ويظهر أن ذلك لم يكن يطرد فى كل الكلمات ولا على جميع الألسنة فى الجانبين المتقابلين من الجزيرة. وكان التميميون يدغمون الحرف الثانى فى الثالث فى أمر مثل ردّ، بينما كان يفك الحجازيون الإدغام فيقولون:
اردد، وهذه أيضا فيما نظن كانت مسألة حسّ، فكان بين الفريقين من يجارى الفريق الآخر. ومما اشتهر بينهما من فروق إهمال ما عند التميميين فى نحو ما زيد قائم وإعمالها عند الحجازيين فيقولون ما زيد قائما، ومن ذلك أيضا أن الحجازيين كانوا يجرون «هلمّ» مجرى أسماء الأفعال مثل صه، فيلزمونها طريقا واحدا فى مخاطبة المفرد والمفردة والاثنين والاثنتين والجماعتين، فيقولون: هلم يا رجل وهلم يا امرأة وهلم يا رجلان وهلم يا امرأتان وهلم يا رجال وهلم يا نساء، أما التميميون فكانوا يجرونها مجرى الأفعال، فيقولون: هلم وهلمى وهلما وهلموا وهلممن يا نسوة، وبلغة الحجازيين نزل القرآن الكريم فى قوله تعالى: ﴿وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا»﴾.
ومن ذلك أمس عند الحجازيين فإنها تلزم البناء على الكسر، أما التميميون فكانوا يقولون أمس فى الرفع وأمس بفتح السين فى الجر والنصب. ومن ذلك هيهات فإنها تلزم فتح التاء عند الحجازيين بينما تلزم الكسر عند التميميين فيقولون هيهات، وروى فيها الإعراب بالحركات. ومن ذلك تنوين الترنم فى قوافى الشعر، فقد كان الحجازيون يطلقون القافية، ليفرقوا بين الشعر الذى يغنّى والكلام المنثور، وكان التميميون يبدلون المدّ فى القافية نونا، على نحو ما عرف عن جرير فى قصيدته:
أقلّى اللوم عادل والعتابن ... وقولى إن أصبت لقد أصابن
عقد أبدل المدّ نونا فى «العتابن» و «أصابن» وهو يحذف فى لغة الحجازيين، فيصبح البيت على هذا النمط:
стр. 121
أقلى اللوم عاذل والعتابا ... وقولى إن أصبت لقد أصاب
وروى اللغويون كثيرا من اختلاف الفريقين فى همس الحركات والجهر بها ومدّها، فبينما يمد الحجازيون الألف فى مثل كلاب يقصرها التميميون فيقولون كلب، وبينما يقول الأولون ناداه يقول الثانون: نده، وبذلك ننطق فى عاميتنا المصرية، ويقول الحجازيون خمس عشرة بتسكين الشين وتميم تفتحها، ومنهم من يكسرها ومن يثقلها، ويقول الحجازيون يبطش بكسر الطاء ويقول التميميون يبطش بضمها، ويقول الحجازيون مرية بكسر الميم ويقول التميميون مرية بضمها، ويقول الحجازيون الحج بكسر الخاء ويقول التميميون الحج بفتحها، ويقول الحجازيون تخذت ووخذت ويقول التميميون اتخذت، ويقول الحجازيون قلنسية بالياء ويقول التميميون قلنسوة بالواو، ويقول الحجازيون ينقد الدراهم ويقول التميميون ينتقد، ويقول الحجازيون القير ويقول التميميون القار، ويقول الحجازيون الكراهة، ويقول التميميون الكراهية، ويقول الحجازيون ليلة ضحيانة (مصحية) ويقول التميميون إضجيانة، ويقول الحجازيون منذ ويسقط التميميون النون فيقولون مذ، ويقول الحجازيون برأت من المرض بفتح الراء فى الفعل ويقول التميميون برئت بكسرها، ويقول الحجازيون أنا منك براء، ويقول التميميون برئ، ويقول الحجازيون قلوت القمح وأقلوه قلوا ويقول التميميون قليته وأقليه قلى، ويقول الحجازيون لى بك إسوة وقدوة بكسر أولهما ويضمه التميميون فيقولون أسوة وقدوة بالضم، ويقول الحجازيون: الشفع والوتر بفتح الواو فى الوتر، ويكسرها التميميون فيقولون الوتر، ويقول الحجازيون وكدت والتميميون أكدت.
ولعل خير مرجع يصور الاختلافات بين الفريقين هو قراءات القرآن الكريم، فمثلا فى قوله تعالى: ﴿(فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ)﴾ قرأ الجمهور نظرة بكسر الظاء وهى لغة قريش، وقرأ مجاهد والضحاك نظرة بسكون الظاء وهى لغة تميم، وقال جلّ ذكره:
﴿(وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ)﴾ وقرئت رضوان بكسر الراء وهى لغة الحجازيين وقرئت بضمها وهى لغة تميم وبكر، وقال ﵎: ﴿(وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى)﴾ وقرأ الجمهور كسالى بضم الكاف وهى لغة الحجازيين، وقرأها الأعرج بالكسر وهى لغة تميم وأسد، وقال: ﴿(وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً)﴾ وقرأ الجمهور غلظة
стр. 122
بكسر الغين وهى لغة الحجازيين، وقرأها السلمى وأبو حيوة بالضمة، وهى لغة تميم، وقال: ﴿(إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما)﴾ وقرأ الجمهور يستحيى بياءين، وهى لغة أهل الحجاز وقرأ ابن كثير يستحيى بياء واحدة، وهى لغة تميم، وقال: ﴿(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ)﴾ وقرئت الرسل بتسكين السين وهى لغة الحجازيين، وقرئت بضمها وهى لغة التميميين، وقال: ﴿(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)﴾ وقرئت الهدى بتسكين الدال وتخفيف الهاء، وهى لغة أهل الحجاز وقرئت بكسر الدال وتشديد الياء، وهى لغة تميم، وقال:
﴿(وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ)﴾ وقرئت الحصاد بكسر الحاء وهى لغة الحجازيين وبفتحها وهى لغة تميم وقيس، وقال ﵎: ﴿(وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً)﴾ وقرئت عشرة بتسكين الشين وهى لغة الحجازيين وقرئت بكسرها وهى إحدى لغات تميم فيها كما قدمنا.
وهناك لهجات كثيرة نسبت إلى بعض القبائل، فقد قالوا إن بنى مازن كانوا يبدلون من الباء ميما، فيقولون: باسمك بدلا من ما اسمك، ويقولون بكة بدلا من مكة والبوباة بدلا من الموماة وهى الفلاة، ويقال إن اطبأن بدلا من اطمأن لغة فى بنى أسد. ولا نعرف بالضبط أكان ذلك يشيع فى كل الكلمات الميمية أو أن ذلك كان خاصّا ببعض الكلمات. ويقال إن بعض بنى تميم كان ينطق أثاثى بدلا من أثفى جمع أثفية، ولعل كلمة تم بمعنى فم عند إخواننا الشاميين قد تطورت عن ثم. فقلبت الفاء فيها أولا ثاء ثم أصبحت مع الزمن تاء تخفيفا. ويقال إن بنى عبد القيس فى البحرين كانوا يقولون رنز بدلا من رز وأرز، كما كانوا يقولون إنجاص فى إجاص، ويقال إن بعض بنى تميم كانوا يقولون فى أفلت أفلط بالطاء، ويقال إن قريشا كانت تقول التابوت بينما كان الأنصار فى يثرب يقولون التابوه، ويروى عن بعض الطائيين أنهم كانوا يقلبون تاء الجمع المؤنث هاء فى الوقف فيقولون البناه والأخواه فى البنات والأخوات. ويقال إن بعض ربيعة كانوا يقولون دكر فى ذكر. على نحو ما نعرف فى عاميتنا، ويقال أيضا إن بعض التميميين كانوا يبدلون السين صادا فى مثل سوق وساق، وفى عاميتنا راص بمعنى رأس. وتتبادل الضاد والظاء فى كثير من الكلمات، ففى لغة تميم فاضت نفسه، وفى لغة الحجازيين
стр. 123
والقيسيين والطائيين فاظت نفسه بالظاء. ومن هذه اللهجات أن طيئا كانت تفتح الفعل اليائى فى مثل بقى ورضى فتقول بقى ورضى. وكانوا يقولون فى مثل توصية وجارية وناصية مما ياؤه مفتوحة توصاة وجاراة وناصاة. وأثر عن هذيل أنها كانت تستخدم متى حرف جر بمعنى من، وأنها كانت مثل كنانة والحجازيين تقول نعم بكسر العين بدلا من نعم وأنها كانت تكسر الباء فى ابن فتقول ابن، وأنها كانت تقول إشاح فى مثل وشاح، ومر بنا أنها كانت تقلب الحاء عينا فى مثل حتى، فتقول عتى، وأنها كانت تقول فى مثل أعطى أنطى، وكانت تقلب الألف ياء فى مثل عصاى وهواى وفتاى فتقول عصىّ وهوى وفتىّ وكانت تنطق مثل قال وباع إذا بنيا للمجهول قول وبوع بقلب الألف واوا، وكانت لا تشبع كسرة المنقوص بل تهمسها وتخطفها كما جاء فى بعض القراءات: ﴿(وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ)﴾ بدون ياء.
وقد عقد أحمد بن فارس فى كتابه «الصاحبى» فصلا حاول فيه أن يضبط اختلاف لهجات العرب، فقال: «اختلاف لغات العرب من وجوه: أحدها الاختلاف فى الحركات كقولنا نستعين بفتح النون وكسرها، قال الفراء هى مفتوحة فى لغة قريش وأسد، وغيرهم يقولونها بكسر النون. ووجه آخر: الاختلاف فى الحركة والسكون مثل قولهم معكم بفتح العين وتسكينها. ووجه آخر، هو الاختلاف فى إبدال الحروف نحو أولئك وأولالك. . ومنها قولهم أن زيدا وعنّ زيدا. ومن ذلك الاختلاف فى الهمز والتليين نحو مستهزئون ومستهزون. ومنها الاختلاف فى التقديم والتأخير نحو صاعقة (فى لغة الحجازيين) وصاقعة (فى لغة التميميين).
ومنها الاختلاف فى الحذف والإثبات نحو استحييت واستحيت وصددت وأصددت.
ومنها الاختلاف فى الحرف الصحيح يبدل حرفا معتلا نحو أما زيد وأيما زيد. ومنها الاختلاف فى الإمالة والتفخيم فى مثل قضى ورمى، فبعضهم يفخم وبعضهم يميل.
ومنها الاختلاف فى الحرف الساكن يستقبله مثله، فمنهم من يكسر الأول ومنهم من يضم فيقول: ﴿(اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ)﴾ و (اشترو الضلالة). ومنها الاختلاف فى التذكير والتأنيث فإن من العرب من يقول هذه البقر وهذه النخيل. ومنهم من يقول هذا البقر وهذا النخيل. ومنها الاختلاف فى الإدغام نحو مهتدون ومهدّون. ومنها الاختلاف فى الإعراب نحو ما زيد قائما وما زيد قائم، وإن هذين وإن هذان،
стр. 124
وهذان بالألف دائما لغة لبنى الحارث بن كعب. . ومنها الاختلاف فى صورة الجمع نحو أسرى وأسارى. ومنها الاختلاف فى التحقيق والاختلاس نحو يأمركم بضم الراء وتسكينها ونحو عفى له بتسكين الفاء وكسرها. ومنها الاختلاف فى الوقف على هاء التأنيث مثل هذه أمة وهذه أمت. ومنها الاختلاف فى الزيادة نحو أنظر وأنظور» وقال ابن فارس إنه «يقع فى الكلمة الواحدة لغتان كقولهم الحصاد والحصاد بكسر الحاء وفتحها، ويقع فى الكلمة ثلاث لغات نحو الزّجاج والزّجاج والزّجاج بضم الزاى وفتحها وكسرها، ويقع فى الكلمة أربع لغات. . . ويكون فيها خمس لغات نحو الشّمال والشّمل والشّمل والشّمأل والشّيمل. ويكون فيها ست لغات نحو قسطاس بضم القاف وكسرها وبإبدال السين صادا مع ضم القاف وقستاط وقسّاط وقسّاط.
ووراء هذه الاختلافات فى نطق الكلمات كان بينهم اختلاف كثير فى التعبير عن بعض المسميات مما نشأ عنه كثرة المترادفات فى العربية مثل الذهب والعسجد والغيث والمطر والقمح والبرّ، قال الجاحظ فى البيان والتبيين: «القمح لغة شامية والحنطة لغة كوفية والبر لغة حجازية» ويقول المفسرون فى تفسير قوله ﵎: ﴿(وَفُومِها)﴾ الفوم هو الحنطة. وكما يكون الترادف فى الأسماء يكون فى الأفعال مثل تقاتلوا وتعاركوا وتحاربوا وتواقعوا وتخاصموا. وكثيرا ما ينشأ الترادف من اختلافات لهجاتهم فى حذف بعض الحروف أو إبدال بعضها ببعض مثل جدث وجدف بمعنى القبر ومثل تابوت وتابوه وثابوت ومثل ادكر واذكر وساط وشاط بمعنى اختلط، ومثل لثام ولفام فى لغة ومثل سجعت الحمامة وسجحت بالحاء ومثل حظوة وحظة فى لغة.
والترادف فى العربية كثير كثرة مفرطة، وهو يردّ فى جمهوره إلى اختلاف اللهجات واختلاف القبائل فيما وضعته للمعانى الحسية والذهنية من أسماء وأفعال، فإن اللغويين جمعوا كل ما دار على ألسنة القوم، وبذلك اتسعت مادة المعجم العربى اتساعا شديدا، وهو فى حقيقته معجم عدة لهجات، نظمت فى سلك واحد هو العربية، وحقّا ميّز اللغويون فى ماحثهم الشواذ والشوارد والنوادر والمنكر والمتروك وغير الفصيح وساقوا فى ذلك شواهد احتفظ السيوطى فى المزهر بكثير منها،
стр. 125
المعجم العربى اتساعا شديدا، وهو فى حقيقته معجم عدة لهجات، نظمت فى سلك واحد هو العربية، وحقا ميّز اللغويون فى مباحثهم الشواذ والشوارد والنوادر والمنكر والمتروك وغير الفصيح وساقوا فى ذلك شواهد احتفظ السيوطى فى المزهر بكثير منها، ولكنهم حين ألفوا المعاجم حشدوها فيها جميعا. وقد ذهبوا يحصون أسماء السيف مثلا ويقولون إنها خمسون، وبالمثل أحصوا أسماء الأسد والفرس والبعير، وأمدتهم الاختلافات اللغوية بين القبائل بمدد لا ينفد أو بعبارة أدق لا يكاد ينفد فى ذلك كله. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن لغة من اللغات لا يمكن أن تجارى العربية فى هذا الباب باب الترادف، فهو باب واسع فيها، وقد أعدها ليشيع فيها أسلوب من التكرار الصوتى والترادف الموسيقى عند الجاحظ وأضرابه.
ومما يرجع أيضا إلى اللهجات الجاهلية وتباين التعبير فيها عن المسميات وتعدده باب الأضداد، إذ نجد كلمة واحدة تستعملها قبيلة بمعنى، ثم تشيع عند قبيلة ثانية لا بمعنى مغاير له فحسب، بل بمعنى مضاد يناقضه، مثل جلل بمعنى عظيم فإننا نجد المعاجم تنص على أنها تأتى بمعنى حقير، ومن ذلك الجون يوصف به الأسود والأبيض ويدل عليهما، ومثله البسل بمعنى الحلال والحرام. وعلى شاكلة التضاد فى الأسماء قد يكون التضاد فى الأفعال فتعبر عن معنيين متناقضين مثل رجا بمعنى رغب وخاف ومثل شرى بمعناها الذى نعرفه وهو اشترى وبمعنى باع الذى يضاده. وتكثر الأضداد لنفس السبب الذى كثرت من أجله المترادفات، وهو أنها ليست من استعمال قبيلة واحدة، وقد أفرد اللغويون لها بسبب كثرتها أبحاثا وكتبا مثل كتاب الأضداد لابن الأنبارى. ونحن إنما نقصد ما يتضح فيه التضاد مما مثلنا به، فإن اللغويين وسعوا مفهوم الضد، حتى شمل ما يكون بين استعمالين من فروق ضئيلة فى المعنى مثل ناء بمعنى حمل، وبمعنى حمل بمشقة، وأيضا فإنهم أدخلوا فى الأضداد ما نشأ عن المجاز والاستعارة، كاستخدام العرب كلمة السليم للملدوغ بأفعى تفاؤلا. فهذا ونحوه لا يعد من الأضداد بمفهومها اللغوى الدقيق، إنما الذى يعد من الأضداد مثل ما ذكرناه ومثل الرهوة بمعنى الارتفاع والانحدار ومثل الصريم بمعنى الليل والصبح والصارخ بمعنى المغيث والمستغيث والزبية للمكان المرتفع ولحفرة الأسد. ومرجع ذلك كما قلنا أنهم كانوا
стр. 126
فى الجزيرة متباعدين، فقد تطلق قبيلة كلمة على مسمى، ولا تسمع بها القبيلة البعيدة، فتضعها لمسمى يضاده ويكون ذلك اتفاقا ومحض صدفة، قال أبو عبيد فى باب الأضداد من كتابه الغريب المصنف: سمعت أبا زيد بن أوس الأنصارى يقول: «السّدفة فى لغة تميم الظلمة والسدفة فى لغة قيس الضوء. . ولمقت الشئ ألمقه لمقا إذا كتبته فى لغة بنى عقيل وسائر قيس يقولون لمقته بمعنى محوته (١)». وعن ابن دريد: «خرج رجل من بنى كلاب أو من سائر بنى عامر بن صعصعة إلى ذى جدن (من أقيال حمير) فأطلع إلى سطح، والملك عليه، فلما رآه الملك اختبره، فقال له: ثب أى اقعد، فقال: ليعلم الملك أنى سامع مطيع، ثم وثب من السطح. قال الملك: ما شأنه؟ فقالوا له: أبيت اللعن! إن الوثب فى كلام نزار الطفر (القفز) فقال الملك: ليست عربيتنا كعربيتهم (٢)». ولم يكن هذا التضاد بين لغة نزار الفصحى ولغة الجنوبيين الحميرية فحسب، بل كان أيضا فى كثير من الكلمات التى كانت تدور على ألسنة القبائل الشمالية لتباعد أوطانها.
ولا نريد أن نمضى فى تصوير الاختلافات بين لهجات القبائل فى الجاهلية، أكثر من ذلك، لسبب طبيعى وهو أننا لا نستطيع أن نستوعبها فى صحف معدودة، إنما أردنا أن نكشف عن بعض جوانبها ليتضح أنه كانت فى الجاهلية لهجات كثيرة، سجل منها اللغويون أطرافا، ومن غير شك لم يسجلوها جميعا لأنها لم تكن تعنيهم فى حد ذاتها، إنما كان يعنيهم التنبيه على ما يخالف الفصحى التى نظم بها الشعر الجاهلى ونزل بها القرآن الشريف، ومن أجل ذلك لم ينصّوا فى أكثر الأحوال على القبيلة التى كانت تنطق باللهجة الشاذة، وأيضا فإنهم مع نصهم أحيانا على القبيلة لا نستطيع أن نتبين كما قدمنا هل كل أفرادها كانوا يصطنعون تلك اللهجة أو أن ذلك كان خاصا ببعض عشائرها أو ببعض أفرادها. ولعل فى هذا كله ما يوضح صعوبة دراسة اللهجات الجاهلية، فعلى الرغم من مادتها الوفيرة التى جمعها اللغويون تظل غير واضحة ويظل المجال واسعا فيها للظن والتخمين، وخاصة حين نحاول أن نضع حدودا للهجة قبيلة بعينها كلهجة تميم أو لهجة هذيل. ونفس القدماء اضطربوا فى نسبة كثير مما نسبوه إلى القبائل، فتارة يجعلونه لتميم أو لعشيرة تميمية
стр. 127
وتلوة يجعلونه لقيس أو لعشيرة قيسية، وأخرى يجعلونه لقضاعة أو عشيرة يمنية، وقد يشركون بين قبائل متباعدة فى الظاهرة اللغوية الواحدة.
٥ - سيادة اللهجة القرشية
يدل ما بين أيدينا من شعر جاهلى دلالة قاطعة على أن القبائل العربية الشمالية اصطلحت فيما بينها على لهجة أدبية فصحى كان الشعراء على اختلاف قبائلهم وتباعدها وتقاربها ينظمون فيها شعرهم، فالشاعر حين ينظم شعره يرتفع عن لهجة قبيلته المحلية إلى هذه اللهجة الأدبية العامة، ومن ثم اختفت جملة الخصائص التى تميزت بها كل قبيلة فى لهجتها فلم تتضح فى شعر شعرائهم إلا قليلا جدا.
وقد اختلفت آراء (١) المستشرقين فى هذه اللهجة التى كان الشعراء يتخذونها لغة لشعرهم، فقال نولدكه إن الاختلافات بين اللهجات فى الأجزاء الأساسية من جزيرة العرب، مثل الحجاز ونجد وإقليم الفرات، كانت قليلة، وقد تركبت منها جميعا هذه اللهجة الفصحى. وتبعه جويدى يقول إنها ليست لهجة معينة لقبيلة بعينها، إنما هى مزيج من لهجات أهل نجد ومن جاورهم. وذهب فيشر إلى أنها لهجة معينة، ولكنه لم ينسبها إلى قبيلة من القبائل. وذهب نالينو إلى أنها لغة القبائل التى اشتهرت بنظم الشعر والتى جمع اللغويون والنحاة من أهلها مادتهم اللغوية وشواهدهم، وهى قبائل معد التى جمع ملوك كندة كلمتها تحت لواء حكم واحد قبل منتصف القرن الخامس الميلادى. وفى رأيه أنها تولدت من إحدى اللهجات النجدية، وتهذبت فى زمن مملكة كندة، وصارت اللغة الأدبية السائدة بين العرب.
ويرى هارتمان وفولرز أنها لهجة أعراب نجد واليمامة وقد أدخل فيها الشعراء تغيرات كثيرة، ومضى فولرز يزعم أن بقية بلاد العرب كانت تتكلم لغة مخالفة، ليصل إلى رأيه الذى سبق أن دحضناه، وهو أن القرآن الشريف نزل بلغة شعبية مكية،
стр. 128
ثم كتب بعد ذلك بالأسلوب الفصيح. وزعم بروكلمان أن الفصحى كانت لغة فنية قائمة فوق اللهجات وإن غذتها جميعا (١).
وعلى ضوء من رأى نالينو حاول بلاشير أن يقيم حدودا لهذه اللهجة الأدبية معتمدا على القبائل التى كان يأخذ عنها اللغويون والنحاة مادتهم، وهى تميم وقيس وأسد وهذيل وعليا هوازن وبعض العشائر الكنانية والطائية، وجعل هذه الحدود محصورة بين خطين يمتد أحدهما على مسافة بضعة أميال من جنوبى مكة متجها شرقا إلى الخليج العربى فى البحرين ويمتد ثانيهما فى الشمال من ضواحى يثرب إلى شمالى الحيرة. وذهب يزعم أن الفصحى مشتقة من الشعر الجاهلى والقرآن معا وأن القرآن لا يستند على اللهجة المكية وإنما على لغة هذا الشعر، وهى لغة تولدت من لهجة محلية ارتفعت إلى مرتبة لغة أدبية. ولم يبين لنا هذه اللهجة التى تسامت على أخواتها ولا أسباب هذا التسامى، ومضى يشكك فى أن تكون لهجة قريش هى التى حققت لنفسها هذا التسامى (٢).
وواضح أن كل هذه الآراء تعتمد على الفرض والحدس، وقد أراد بها أصحابها أن يناقضوا أشد المناقضة ما استقر فى نفوس أسلافنا من أن هذه اللهجة الفصحى إنما هى لهجة قريش التى نزل بها الذكر الحكيم، يقول أبو نصر الفارابى: «كانت قريش أجود العرب انتفاء للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعا وأبينها إبانة عما فى النفس (٣)» ويقول أحمد بن فارس نقلا عن إسماعيل بن أبى عبيد الله: «أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالّهم أن قريشا أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة، وذلك أن الله جل ثناؤه اختارهم من جميع العرب واصطفاهم واختار منهم نبىّ الرحمة محمدا ﷺ فجعل قريشا قطّان حرمه وجيران بيته الحرام، وولاته، فكانت وفود العرب من حجّاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش فى أمورهم. . وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها إذا أتتهم الوفود
стр. 129
من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم التى طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب، ألا ترى أنك لا تجد فى كلامهم عنعنة تميم ولا عجرفية (١) قيس ولا كشكشة أسد ولا كسكسة ربيعة (٢)». ويقول ابن خلدون: «كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها لبعدها عن بلاد العجم من جميع جهاتهم» فصانها بعدها عن الأعاجم من الفساد والتأثير بأساليب العجم «حتى إن سائر العرب على نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغتهم فى الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية (٣).
وفى رأينا أن المستشرقين جانبهم التوفيق فى الحدس والفرض حين رفضوا نظرية العرب فى أن الفصحى هى عين اللهجة القرشية، فقد ذهبوا يطلبونها فى لهجات القبائل النجدية، متناسين أن شيوع لهجة بعينها لا بد أن تقترن به حالة سياسية أو روحية أو حضارية، تهيئ لها هذا الشيوع والانتشار، بحيث تصبح لغة الفكر والشعور للجماعة الكبيرة، فتتخذها أداة لأدبها بينما تظل تتحدث فى حياتها بلغتها المحلية. وما تزال اللغة الأدبية فى الذيوع، حتى تظفر بتلك اللغات المحلية التى تستخدم فى الحياة اليومية العملية.
ونحن إذا طلبنا سببا لتفوق لغة قبيلة فى نجد على جميع اللغات واللهجات المجاورة لها أعوزنا ذلك كما أعوز المستشرقين، بينما إذا طلبنا ذلك فى قريش وجدنا أسبابا كثيرة تعين عليه، فقد كانت مهوى أفئدة العرب فى الجاهلية، وكان لها عليهم نفوذ واسع بسبب مركزها الدينى الروحى والاقتصادى المادى، إذ كانت حارسة الكعبة بيت عبادتهم، وكانت قوافلها تجوب أنحاء الجزيرة العربية، وكان العرب يجتمعون إليها فى أعيادها الدينية وفى أسواقها القريبة والبعيدة.
ومعنى ذلك أن هناك أسبابا دينية واقتصادية أعدت لهجة مكة لتسود اللهجات القبلية فى الجاهلية، وقد تداخلت فيها أسباب سياسية، فإن القبائل العربية كانت
стр. 130
ترى تحت أعينها هجوم الدول المجاورة من الفرس والروم والحبش على أطرافها، كما كانت ترى هجوم الديانتين المسيحية واليهودية على دينها الوثنى، فتجمعت قلوبها حول مكة، وهوت أفئدتها إليها. وبذلك كله تهيأ للهجة القرشية أن يعلو سلطانها فى الجاهلية اللهجات القبلية المختلفة، وأن تصبح هى اللغة الأدبية التى يصوغون فيها أدعيتهم الدينية وأفكارهم وأحاسيسهم. وقد تدل على ذلك بعض الدلالة سوقها عكاظ، فقد كانت سوقا أدبية كما كانت سوقا تجارية، وكان الخطباء يرتجلون فيها خطبهم وينشد الشعراء قصائدهم، ولم يرو ذلك عن سوق سواها. ومما يدعم هذا الدليل ما قاله الرواة من أن العرب «كانت تعرض أشعارها على قريش، فما قبلوه منها كان مقبولا، وما ردوه منها كان مردودا، فقدم عليهم علقمة بن عبدة التميمى، فأنشدهم قصيدته: «هل ما علمت وما استودعت مكتوم» فقالوا: هذا سمط الدهر، ثم عاد إليهم العام المقبل فأنشدهم قصيدته:
«طحابك قلب فى الحسان طروب» فقالوا: هاتان سمطا الدهر (١)».
وإذن فنحن لا نعدو الواقع أإذا قلنا إن لهجة قريش هى الفصحى التى عمت وسادت فى الجاهلية لا فى الحجاز ونجد فحسب، بل فى كل القبائل العربية شمالا وغربا وشرقا، وفى اليمامة والبحرين. وسقطت إلى الجنوب وأخذت تقتحم الأبواب على لغة حمير واليمن وخاصة فى أطرافها الشمالية حيث منازل الأزد وخثعم وهمدان وبنى الحارث بن كعب فى نجران. ومما بؤكد ذلك أن الوفود اليمنية التى وفدت على الرسول ﷺ لم يحدّثنا رواة الأخبار والسيرة النبوية أنها كانت تجد صعوبة فى التفاهم معه، وأيضا فإنه كان يرسل إليهم دعاة يعظونهم ويعلمونهم الشريعة الإسلامية من مثل معاذ بن جبل، ولو أنهم لم يكونوا يعرفون العربية الفصحى لكان إرسال هؤلاء الدعاة عبثا. وكل هذه دلائل تدل على أن حركة تعريب واسعة فى الجنوب حدثت قبيل الإسلام.
أما فى الشمال فقد كانت الفصحى معروفة فى كل مكان، وكان الشعراء يتخذونها لغة لشعرهم، ومما يدل على ذلك دلالة قاطعة سرعة استجابتهم للقرآن الكريم ودعوته، فإنهم كانوا يفهمونه بمجرد سماعه، فإذا عرفنا أنه نزل بلغة
стр. 131
قريش تحتم أن تكون هى اللغة الأدبية التى كانت سائدة. أما ما يردده اللغويون من أن القرآن الكريم نزل على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن، وهم الذين يقال لهم عليا هوازن مثل سعد بن بكر بن معاوية وثقيف فذلك فى رأيى إنما هو تفسير منهم للحديث النبوى: «أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه» فقد فسروا الحرف باللغة أو اللهجة ونظروا فوجدوا لهجات العرب ولغاتها كثيرة، فاختاروا منها سبعا هى أفصحها، وهى التى كان يرحل إليها اللغويون لجمع مادتهم اللغوية الصحيحة، وقد اختلفوا فى بعضها. وفى رأينا أن الحديث لا يراد به تخصيص، وإنما يراد به الترخيص لقبائل العرب أن تقرأه بلهجاتها المختلفة متى جاءت بها الرواية الصحيحة من مد وإمالة وتحريك للحروف وتسكين وتشديد تسهيلا عليهم وتيسيرا حتى لا يجدوا مشقة وثقلا فى نطق بعض ألفاظه.
روى الرواة عن أبى حاتم السجستانى أنه قال فى كتابه الكبير فى القراءات: «قرأ على أعرابىّ بالحرم (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طيبى لهم وحسن مآب) فقلت:
طوبى، فقال: طيبى، فلما طال علىّ قلت: طوطو قال: طى طى (١)».
فلم يستطع أن يثنى طبعه لأن لهجته القبلية فى مثل طوبى مما وزنه فعلى تنطقه طيبى على وزن فعلى بكسر الفاء، فتقلب الواو ياء والضمة فى أول الكلمة كسرة.
ولم ينفع فى الأعرابى لفت أبى حاتم ولا تمرينه له على نطق طوبى. ولمثل ذلك تعددت قراءات القرآن الكريم، تخفيفا للمشقة عليهم فى تلاوته. وفعلا قرأوه بلهجاتهم المرخّص بها، وكان ذلك سبب اختلاف قراءاته التى دونها العلماء.
ونعتقد أن تفسير الحديث بأن القرآن نزل بسبع لغات معينة هى أفصح لغات العرب هو الذى ضلل المستشرقين، فإنهم ظنوا أنه نزل بلغات قبائل نجدية ولم ينزل بلغة قريش، وكأنهم لم يلاحظوا أن نفس هذه القبائل التى عيّنها اللغويون هى أقرب القبائل إلى قريش، ومن هنا جاءت فصاحتها، ولعل ذلك هو الذى جعل الطبرى يذهب إلى أن لغة فريش نفسها كانت تستوعب الأحرف السبعة التى أشار إليها الحديث النبوى. وليس بمعقول أن يترك الرسول لغة قومه الذين بعث فيهم إلى
стр. 132
لغات أقوام آخرين، وفى القرآن الكريم نفسه: ﴿(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ)﴾ فالقرآن بشهادته إنما نزل بلغة قريش، وما دام المستشرقون يسلمون بأنه نزل بالفصحى، مع استثنائنا لفولرز وأضرابه، فإن هذه الفصحى إذن هى نفس لغة قريش التى لم يكن بها عوج من لغات أو لهجات شاذة كالعنعنة والكشكشة وكسر أول المضارع.
وربما كان من الأسباب التى ضللت المستشرقين أيضا ودفعتهم عن محجة الصواب أنهم وجدوا اللغويين حين أخذوا يجمعون مادتهم اللغوية يرحلون إلى قبائل نجدية منحازين عن قريش، وكأنهم نسوا أن الزمن قد تغير وأن مكة دخلها أعاجم كثيرون فى الإسلام وأن الفصحى فيها فى أثناء القرن الثانى قرن جمع اللغة وتدوينها دخلتها شوائب من الأعاجم والموالى الذين كثروا فيها كثرة مفرطة. ومن أجل ذلك رحل اللغويون إلى قبائل نجد التى كانت لا تزال تحتفظ بصفاء لغتها. وقد شاع أن أفصح العرب لعصرهم عليا هوازن وسفلى تميم وأسد وكنانة وهذيل. ويوضح أبو نصر الفارابى السبب فى أنهم اقتصروا على تلك القبائل فى جمع اللغة فيقول:
«والذين عنهم نقلت العربية وبهم اقتدى وعنهم أخذ اللسان العربى من بين قبائل العرب هم قيس وتميم وأسد فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل فى الغريب وفى الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم. وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضرى قط ولا عن سكان البرارى ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الدين حولهم، فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسّان وإياد لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر لمجاورتهم للنبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عمان لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بنى حنيفة وسكان اليمامة ولا من ثقيف وأهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم (١)».
стр. 133
فاللغويون فى القرن الثانى حين أقبلوا على القبائل النجدية يجمعون منها مادتهم إنما كانوا يتحرّون الينابيع التى لا تزال نقية صافية، وليس فى عملهم ما يشكك أى تشكيك فى لغة مكة فى أثناء العصر الجاهلى وفترة نزول القرآن الكريم، فقد التمسوا بغيتهم فى القبائل المجاورة لقريش مثل كنانة وهذيل وبعض عشائر قيس.
ومن المؤكد أن الفوارق فى الجاهلية بين لهجة مكة ولهجات هذه القبائل كانت ضئيلة وأن هذه الفوارق كانت تتسع كلما ابتعدنا جنوبا أو شرقا أو شمالا. على أنه ينبغى أن لا نبالغ فى تصورها، فإن الشعراء تضافروا منذ أوائل العصر الجاهلى على إذاعة اللهجة المكية فى قبائلهم بما كانوا ينظمون فيها من أشعارهم.
ومعنى ذلك أن لهجة قريش لم يبدأ ذيوعها وانتشارها بين العرب فى الإسلام عن طريق القرآن الكريم كما ظن ذلك بعض الباحثين، فقد كانت ذائعة منتشرة بينهم منذ العصر الجاهلى، بل منذ أوائله، فأقدم نصوصه كأحدثها نظم بهذه اللهجة القرشية التى اتخذوها لغة أدبية عامة لهم، والتى سمّيت بعد بالفصحى، فقد كانوا يشعرون بروعتها، فاندفعوا يحاكونها، وقد امتلأت نفوسهم بأهلها ومكانتهم الروحية والاقتصادية والسياسية. ومن غير شك بلغ انتشار هذه اللهجة الذروة فى الإسلام، فقد أقبل العرب فى كل مكان شمالا وجنوبا على الارتشاف من أفاويق لغته، وقد أخذ يعمّمها لا فى أتحاء الجزيرة القاصية وحدها، بل فى كل بلد إسلامى شرقا وغربا، فإذا أعلامها تخفق على الدروب من أواسط آسيا إلى مشارف المحيط الأطلسى.
стр. 134
الفصل الخامس
رواية الشعر الجاهلى وتدوينه
١ - رواية العرب للشعر الجاهلى
مرّ بنا فى غير هذا الموضع أن العرب الشماليين نمو الخط النبطى وتطوروا به إلى خطهم العربى منذ أوائل الجاهلية أو لعلهم وصلوا إلى ذلك قبل فجرها، فقد وجدت نقوش مختلفة تشهد بذلك، ونرى شعراءهم يشيع عندهم تشبيه الأطلال ورسوم الديار بالكتابة ونقوشها من مثل قول المرقّش الأكبر (١)».
الدّار قفر والرسوم كما ... رقّش فى ظهر الأديم قلم
ويقال إنه كان يحسن الكتابة وإنه كتب على بعض الرّحال قصيدة له حين وقع أسيرا فى يد بعض العرب (٢)، ويقول سلامة ابن جندل (٣):
لمن طلل مثل الكتاب المنمّق ... خلا عهده بين الصّليب فمطرق
ولعله يقصد بالكتاب الصحيفة، ويقول لبيد فى مطلع معلقته:
عفت الديار محلّها فمقامها ... بمنى تأبّد غولها فرجامها (٤)
فمدافع الرّيّان عرّى رسمها ... خلقا كما ضمن الوحىّ سلامها (٥)
وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبر تجدّ متونها أقلامها (٦)
стр. 135
فهو يشبه رسوم الديار بالوحى أو الكتابة فى الحجارة الرقيقة، ويقول إن السيول جلت التراب عن الطلول، حتى لكأنما آثار الديار كتب طمست فأعيد بعضها على بعض وترك ما تبيّن منها، فهى مختلفة. ويقول الأخنس بن شهاب التغلبى (١):
لإبنة حطّان بن عوف منازل ... كما رقّش العنوان فى الرّقّ كاتب
ويقول الحارث بن حلّزة اليشكرى البكرى (٢):
لمن الديار عفون بالحبس ... آياتها كمهارق العرس
ويدور هذا التشبيه كثيرا فى أشعارهم، مما قد يدل على أن كثيرين منهم كانوا يعرفون الكتابة، بل إن فريقا منهم، كما يقول الرواة، كان يعرف الكتابة الفارسية على نحو ما حدثونا عن لقيط بن يعمر الإيادى وعدى بن زيد العبادى (٣). ومما لا شك فيه أن الكتابة كانت شائعة فى الحواضر وخاصة فى مكة التاجرة. وفى السيرة النبوية أن رسول الله ﷺ جعل فداء الأسرى القرشيين الكاتبين فى بدر أن يعلّم الأسير منهم عشرة من صبيان المسلمين القراءة والكتابة (٤)، وكان من يكتبون بين يديه الوحى وفيما يعرض من أموره وأمور المسلمين فى عقودهم ومعاملاتهم كثيرين (٥). فالكتابة كانت معروفة بل كانت شائعة فى الجاهلية، ورويت أخبار متفرقة تدل على أن بعض الشعراء استخدمها بلاغا شعريا لقومه فى بعض ما حزبه من الأمر (٦). وغلا كرنكو فزعم أن نظم الشعر فى الجاهلية كان مرتبطا بها وبمعرفتها بدليل اختلاف القراءات للفظة الواحدة، وأيضا فإن استخدام الشاعر لبعض القوافى النادرة يدل على أنه كان يلاحظ العين أكثر مما يلاحظ الأذن (٧).
стр. 136
وأكبر الظن أن اختلاف القراءة إنما نشأ فى عصر التدوين أو بعبارة أخرى فى القرن الثانى للهجرة. وأيضا فإن الشعر فن سمعى، وليس فنا بصريا.
والحق أنه ليس بين أيدينا أى دليل مادى على أن الجاهليين اتخذوا الكتابة وسيلة لحفظ أشعارهم ربما كتبوا بها بعض قطع أو بعض قصائد، ولكنهم لم يتحولوا من ذلك إلى استخدامها أداة فى نقل دواوينهم إلى الأجيال التالية، فقد كانت وسائلها الصعبة من الحجارة والجلود والعظام وسعف النخل تجعل من العسير أن يتداولها الشعراء فى حفظ دواوينهم، إنما حدث ذلك فى الإسلام، بفضل القرآن الكريم وما أشاعه من كتابة آية وتحوّل جمهور العرب معه من أميتهم الكبيرة إلى قارئين يتلون. ولا نكاد نمضى طويلا فى العصر الإسلامى حتى تتحول العربية من لغة مسموعة فحسب إلى لغة مسموعة مكتوبة، وهو تحول شارك فيه العرب والمستعربون. وكل ما بين أيدينا من روايات عن كتابة بعض الأشعار فى الجاهلية إنما يدل على أن الكتابة كانت معروفة، وخاصة فى البيئات الآخذة بشئ من الحضارة، ونقصد المدن مثل مكة والمدينة والحيرة، ولكنه لا يدل بحال على أنها اتّخذت أداة لحفظ الشعر الجاهلى ودواوينه، ولو أنهم كان لهم كتاب جمعوا فيه أطرافا من أشعارهم لما أطلق الله جل وعز على القرآن اسم الكتاب، فلا كتاب لهم من قبله لا فى الدين ولا فى غير الدين.
أما ما يقال من أن المعلقات كانت مكتوبة ومعلقة فى الكعبة فمن باب الأساطير، وهو فى حقيقته ليس أكثر من تفسير فسر به المتأخرون معنى كلمة المعلقات، فقد جاء فى العقد الفريد أنه بلغ من شغف العرب بالشعر أن «عمدت إلى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب فى القباطى المدرجة وعلقتها فى أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهّبة امرئ القيس ومذهبة زهير. .
والمذهبات السبع، وقد يقال لها المعلقات (١)» ولو أنهم تنبهوا إلى المعنى المراد بكلمة المعلقات ما لجأوا إلى هذا الخيال البعيد. ومعناها المقلّدات والمسمّطات.
وكانوا يسمون فعلا قصائدهم الطويلة الجيدة بهذين الاسمين وما يشبهما (٢). وقد
стр. 137
نفى ابن النحاس الأسطورة فقال: «لم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة (١)».
ونستطيع أن ندخل فى هذا الباب باب الأساطير ما يروى عن حماد الراوية من أن النعمان بن المنذر المتوفى سنة ٦٠٢ للميلاد «أمر فنسخت له أشعار العرب فى الطنوج-الكراريس-ثم دفنها فى قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبى عبيد (حوالى سنة ٦٧ هـ) قيل له: إن تحت القصر كنزا، فاحتفره، فأخرج تلك الأشعار، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة (٢)» ويقول ابن سلام: «وقد كان عند النعمان بن المنذر منه (من شعر العرب فى الجاهلية) ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح هو وأهل بيته به، فصار ذلك لى بنى مروان، أو صار منه (٣)». ويكفى أن يكون أصل الخبر حمادا المتهم فى روايته لنشك فيه، بل إنه يحمل فى أطوائه ما يجعلنا نتهمه، فهو ينتهى عنده إلى تعليله به كيف أن أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة، وكأنما ساقه حماد الكوفى لبيان سابقة الكوفة على البصرة فى الشعر القديم والعلم به، والمنافسة بين البلدتين فى هذا الباب معروفة.
وإذا كان القرآن الكريم على قداسته لم يجمع فى مصحف واحد إلا بعد وفاة الرسول، وبعد مشاورة بين أبى بكر رضوان الله عليه والصحابة، فذلك وحده كاف لبيان أن العرب لم تنشأ عندهم فى الجاهلية فكرة جمع شعرهم أو أطراف منه فى كتاب، إنما نشأ ذلك فى الإسلام وبمرور الزمن. أما فى الجاهلية فكانوا يعتمدون فيه على الرواية وكان الشاعر يقف فينشد قصيدته، ويتلقاها عنه الناس ويروونها.
ومعنى ذلك أن النهر الكبير الذى فاض بالشعر الجاهلى إنما هو الرواية الشفوية.
وقد ظلت أزمانا متتالية فى الإسلام. ويدل على ذلك أقوى الدلالة أن الحديث النبوى ظل فى أغلب أحواله يعتمد على الرواية والمشافهة إلى نهاية القرن الأول للهجرة.
وإذا كان الحديث بما له من قدسية لم يعمدوا إلى تدوينه تدوينا عاما إلا بعد مرور
стр. 138
نحو قرن على الهجرة الشريفة فأولى أن يكونوا قد اتبعوا ذلك فى الشعر الجاهلى، ولم يكن ركنا فى الشريعة الإسلامية ولا كانت تقوم عليه حاجاتهم الدينية الملحة.
ومن يرجع إلى شعرهم يجد شعراءهم يذكرون دائما الرواية وأنها وسيلة انتشاره فى القبائل، فهى الوسيلة التى كانوا يعرفونها وقد نفذ شعرهم من خلالها إلى آفاق الجزيرة، يقول المسيّب بن علس (١):
فلأهدينّ مع الرياح قصيدة ... منى مغلغلة إلى القعقاع (٢)
ترد المياه فما تزال غريبة ... فى القوم بين تمثّل وسماع
فقصيدته تنتشر فى القبائل، ويرددها الناس مستمعين إليها ومتمثلين بأبياتها، ويقول عميرة بن جعل نادما على هجائه لقومه وشيوعه فى العرب وأنه لم تعد له حيلة فى رده (٣):
ندمت على شتم العشيرة بعد ما ... مضت واستتبّت للرواة مذاهبه
فأصبحت لا أسطيع دفعا لما مضى ... كما لا يردّ الدّرّ فى الضّرع حالبه
فرواية الشعر فى العصر الجاهلى كانت هى الأداة الطيعة لنشره وذيوعه، وكانت هناك طبقة تحترفها احترافا هى طبقة الشعراء أنفسهم، فقد كان من يريد نظم الشعر وصوغه يلزم شاعرا يروى عنه شعره، وما يزال يروى له ولغيره حتى ينفتق لسانه ويسيل عليه ينبوع الشعر والفن. ونصّ صاحب الأغانى على سلسلة من هؤلاء الشعراء الرواة الذين يأخذ بعضهم عن بعض، وقد بدأها بأوس بن حجر التميمى، فعنه أخذ الشعر ورواه حتى أجاد نظمه زهير بن أبى سلمى المزنى، وكان له راويتان كعب ابنه والحطيئة، وعن الحطيئة تلقن الشعر ورواه هدبة بن خشرم العذرى، وعن هدبة أخذ جميل صاحب بثينة، وعن جميل أخذ كثيّر صاحب عزّة (٤).
стр. 139
نحن إذن بإزاء مدرسة تامة من الشعراء الرواة تتسلسل فى طبقات أو حلقات، وكل حلقة تأخذ عن سابقتها وتسلم إلى لاحقتها، ومن أهم ما يلاحظ فى هذه المدرسة أن شعراءها أو رواتها كانوا من قبائل مختلفة فى شرقى الجزيرة وغربيها، ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن شعراء القبيلة الواحدة كان يروى خلفهم شعر سلفهم، ونصّ القدماء على ذلك فى غير شاعر، فقالوا إن الأعشى كان رواية لخاله المسيّب بن علس وكان يأخذ منه (١) وقالوا إن أبا ذؤيب الهذلى كان راوية لساعدة بن جؤية الهذلى (٢)، ومن يقرأ ديوان الهذليين يجد أواصر فنية قوية تجمعهم وتربط بينهم. وعلى هذا القياس توجد وشائج واضحة بين شعراء قيس بن ثعلبة، فطرفة يروى للمرقش الأصغر عمه ويأخذ عنه، ويروى هذا عن عمه المرقش الأكبر ويحتذى على شعره. وأيضا فإن طرفة كان يروى عن خاله المتلمّس الذى ربى فى أخواله من بنى يشكر. وقد لا تكون القبيلة الجامعة الواصلة، فقد يجمع بين الشعراء سلوك فى الحياة كالصعاليك أو الفرسان فيروى بعضهم لبعض، ويأخذ بعضهم عن بعض، على نحو ما نلاحظ عند تأبط شرا والشنفرى أو عند أبى دؤاد الإيادى وزيد الخيل.
ولو أن الرواة لم يرووا لنا هذه الصلات الجامعة أو الرابطة بين الشعراء الجاهليين لحدسناها حدسا من اتفاقهم على تقاليد فنية واحدة مهما شرقنا وغربنا فى الجزيرة، وهى تقاليد جاءت من تمسكهم بنماذج أسلافهم لا يحيدون عنها ولا ينحرفون، فهى دائما الإمام المتبع، وهمّ كل شاعر أن يتقن معرفتها عن طريق ما يحفظ من شعر أستاذه وشعراء قبيلته، بل أيضا شعراء القبائل الأخرى. ولم يكن الشعراء وحدهم الذين يهتمون برواية هذا الشعر، فقد كان يشركهم فى ذلك الاهتمام أفراد القبيلة جميعهم، لأنه يسجل مناقب قومهم وانتصاراتهم فى حروبهم كما يسجل مثالب أعدائهم، وإلى ذلك أشار بعض بنى بكر معيّرا تغلب لكثرة تردادها لقصيدة واحدة هى معلقة عمرو بن كلثوم، وكأن ليس لها شعر سواها، يقول (٣):
ألهى بنى تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
стр. 140
يروونها أبدا مذ كان أولهم ... يا للرّجال لشعر غير مشئوم
ولم يكن أبناء القبيلة وحدهم الذين يشيعون شعر شعرائها، فقد كان كثير من أفراد القبائل الأخرى يشتركون معهم فى إشاعته، إذ كان بينهم جم غفير من الحفظة، كانوا يتناقلون الشعر وينشدونه فى محافلهم ومجالسهم وأسواقهم، إذ لم يكن لهم شاغل سواه، وكان يسجل مآثرهم ومثالبهم وأنسابهم وأيامهم وأخبارهم، ومن ثم قال عمر بن الخطاب: «كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه (١)» فهو كل علمهم وكل حياتهم.
وجاء الإسلام فانكبّوا على تلاوة القرآن الكريم، ولكن لم ينسوا شعرهم أبدا، حتى منذ بدء الدعوة الإسلامية، فقد كان الرسول ﵇ يستحث حسان ابن ثابت وغيره من شعراء الأنصار على هجاء قريش والرد على شعرائها، وكان كثيرا ما يستنشد الصحابة الشعر، حتى شعر أعدائه من مثل أمية بن أبى الصّلت، قال الشريد بن سويد الثقفى: «استنشدنى النبى ﷺ شعر أمية بن أبى الصلت فأنشدته، فأخذ النبى ﷺ يقول: هيه، هيه، حتى أنشدته مائة قافية (٢)». وكان أبو بكر نسابة راوية للشعر الجاهلى، وكان يتمثل به أحيانا فى خطابته كخطبته المشهورة فى يوم السقيفة، وكذلك كان عمر، وقلما كان يترك وافدا عليه من قبيلة دون أن يسأله عن بعض شعرائها، وفيه يقول ابن سلام:
«كان لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر (٣)».
وهذا نفسه شأن الصحابة جميعا، فقد كانوا كثيرا ما يتناشدون الأشعار ويقصون بعض الأخبار عن جاهليتهم، قال جابر بن سمرة: «جالست رسول الله ﵌، أكثر من مائة مرة، فكان أصحابه يتناشدون الأشعار فى المسجد وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم رسول الله ﷺ (٤)».
ومعنى ذلك أن رواية الشعر الجاهلى كانت مستمرة فى صدر الإسلام، وقد أخذت تظهر عوامل تشدّ من أزرها وتقوى من شأنها، فقد أخذت تنشأ منذ
стр. 141
تدوين عمر للدواوين حاجة شديدة لمعرفة الأنساب، إذ كانت تلعب دورا مهم فى رواتب الجند الفاتحين وفى مراكز القبائل بالمدن الجديدة التى خطّطوها مثل البصرة والكوفة. وكان بين العرب قديما من يشتهرون بمعرفة الأنساب، ولكن فى هذا العصر الإسلامى إلى تمامه يصبح لهؤلاء النسابين شأن خطير، إذ كان العرب يرجعون إليهم فى معرفة أصولهم، وكثيرا ما كانوا يسوقون لهم قطعا من الشعر تحدد نسبهم، ومن أشهرهم عقيل بن أبى طالب ومخرمة بن نوفل ودغفل والنّخار بن أوس العذرى (١).
ونحن لا نصل إلى الحرب التى نشبت بين على ومعاوية حتى تشتعل العصبيات القبلية اشتعالا لم تخب نيرانه حتى نهاية العصر الأموى، وكان الشعر الوقود الجزل لهذه العصبيات، فأخذت كل قبيلة تعنى برواية شعرها الجاهلى الذى يصور مناقبها ومثالب خصومها، ويتناقله أبناؤها، فهو جعبة سهامهم التى يوجهونها إلى خصومهم.
ومن غير شك كان ذلك أكبر عون على حفظ الشعر الجاهلى، فقد حملته القبائل طوال القرنين الأول والثانى حتى أدوه إلى العلماء الذين عنوا بتدوينه (٢).
وكانت الدولة الأموية عربية النزعة، فعملت على حفظ هذا التراث، بما كانت تروى منه، نجد ذلك عند معاوية وعبد الملك بن مروان وغيرهما من الخلفاء، وكانوا كثيرا ما يسألون وفود القبائل التى تفد عليهم عن بعض شعرائها، وقد ينشدون بيتا ويسألون عن صاحبه وقصيدته، ومن تحسن إجابته تحسن له جائزتهم (٣). وكان أبناؤهم على غرارهم «وكانوا ربما اختلفوا فى بيت من الشعر أو خبر أو يوم من أيام العرب فيبردون فيه بريدا إلى العراق (٤)» يسألون علماءها عن صحة الأمر فيه وصوابه.
وأقام لهم آباؤهم غير مؤدب يروّيهم أشعار الجاهلية وأيامها وأخبارها، ويلقانا هؤلاء المؤدبون فى كل مكان يؤدبون الناشئة، وفى البيان والتبيين فصل طويل يحصى فيه أسماءهم.
ومما يدخل فى عناية الأمويين بالشعر الجاهلى ما يروى عن معاوية من شغفه بالمسامرة ومعرفة أخبار الماضين، مما جعله يستدعى عبيد بن شريّة الجرهمى من
стр. 142
صنعاء اليمن، ويتخذه سميرا له يسأله عن الأخبار المتقدمة والملوك السالفة، وهاله ما عنده من العلم بذلك، فاتخذ غلمانا يقيدون فى دفاتر ما يذكره من سير الملوك وأخبارها ووقائع العرب وأيامها فى الجاهلية وأشعارها (١).
ومنذ وقت مبكر فى صدر الإسلام نرى القصاص يجلسون للعظة فى المسجد الجامع. وكانوا كثيرا ما ينثرون الأشعار الجاهلية التى تتصل بوعظهم فى تضاعيف قصصهم. وقد أخذت تنشأ جماعة مثل أبان بن عثمان بن عفان وعروة بن الزبير تعنى بغزوات الرسول وما قيل فيها من الشعر، وأخذ يظهر بجانبهم جماعة تعنى بأخبار العرب الماضين وما كان يجرى على ألسنة شعرائهم. وفى أثناء ذلك كان الشعراء الإسلاميون أنفسهم يعنون عناية شديدة برواية الشعر القديم، وبلغ من اهتمام بعضهم بذلك أن أصبح مؤدبا للناشئة يروّيها الشعر القديم على نحو ما نعرف عن الكميت والطرماح (٢). ولم يكن هناك شاعر مبرز إلا وهو يروى للجاهليين وينشد من شعرهم، وفى كتب الأدب إشارات مختلفة إلى ما أخذه العلماء عن أمثال ذى الرمة والفرزدق وجرير ورؤبة من هذا الشعر (٣)، وصوّر الفرزدق مدى روايته ومعرفته للشعر الجاهلى، فقال فى بعض قصيده (٤):
وهب القصائد لى النوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول (٥)
والفحل علقمة الذى كانت له ... حلل الملوك كلامه لا ينحل
وأخو بنى قيس وهنّ قتلنه ... ومهلهل الشعراء ذاك الأوّل (٦)
والأعشيان كلاهما ومرقّش ... وأخو قضاعة قوله يتمثّل (٧)
وأخو بنى أسد عبيد إذ مضى ... وأبو دؤاد قوله يتنخّل
стр. 143
وابنا أبى سلمى زهير وابنه ... وابن الفريعة حين جدّ المقول (١)
والجعفرىّ وكان بشر قبله ... لى من قصائده الكتاب المجمل (٢)
ولقد ورثت لآل أوس منطقا ... كالسّمّ خالط جانبيه الحنظل (٣)
والحارثىّ أخو الحماس ورثته ... صدعا كما صدع الصّفاة المعول (٤)
ويخيل إلى الإنسان أنه لم يبق عربى فى العصر الإسلامى وما وليه من أوائل العصر العباسى إلا وهو يروى الشعر الجاهلى، إن هو تحدث أو وقف خطيبا، وتمثّل الحجاج بالشعر فى خطابته ذائع مشهور. وإذا كنا لاحظنا فى الجاهلية أن الرواة الموصوفين بهذا الاسم كانوا عادة من الشعراء، فإننا نلاحظ فى العصر الإسلامى نشوء طائفة من الرواة، لم يكونوا ممن يحسنون نظم الشعر، فهم لا يروونه لغرض تعلمه، وإنما يروونه لغرض نشره فى الناس وإذاعته، وإليهم يشير جرير بقوله فى وصف بعض قصائده (٥):
خروج بأفواه الرواة كأنها ... قرا هندوانىّ إذا هزّ صمّما (٦)
وفى أخباره أنه كان له رواة يلزمونه ويأخذون عنه شعره، وكذلك كان الفرزدق.
ولم يكونوا يروون شعرهما فحسب بل كانوا ينقحونه ويهذبونه، فعن شيخ من هذيل قال: «جئت الفرزدق. . ودخلت على رواته فوجدتهم يعدلون ما انحرف من شعره. . ثم أتيت جريرا. . وجئت رواته وهم يقوّمون ما انحرف من شعره وما فيه من السناد (٧)». وفى رأينا أن ظهور هذه الطبقة من الرواة إنما نشأ من العناية الشديدة برواية الشعر القديم والحديث، وكأنما لم يعد للناس من شغل وراء هذه العناية، فمنهم من يتخصص برواية شعر المعاصرين ومنهم من يتخصص برواية الشعر الجاهلى كيونس بن متى راوية الأعشى (٨).
стр. 144
ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل أوضح الدلالة على أن رواة لا يحصيهم العد حملوا الشعر الجاهلى إلى عصور التدوين، فقد حافظت القبائل عليه كما حافظ كثير من الأفراد وخاصة الشعراء والرواة، وبذلك أسلموه للأجيال التالية، وإن كان قد شابه شئ من الانتحال والوضع على نحو ما سنعرض لذلك فى غير هذا الموضع، ومن غير شك سقط منه كثير فى أثناء اجتيازه هذا الطريق الزمنى الطويل، يقول ابن سلام: «لما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عليهم منه كثير (١)».
٢ - رواة محترفون
ونحن لا نصل إلى نهاية العصر الإسلامى ومطلع العصر العباسى حتى تنشأ طبقة من الرواة المحترفين الذين يتخذون رواية الشعر الجاهلى عملا أساسيا لهم، وتختلط فى هذه الطبقة أسماء عرب وموال، وأسماء قرّاء للقرآن الكريم وغير قراء، وهم جميعا حضريون، عاشوا غالبا فى البصرة والكوفة. ولم يكونوا يقفون عند رواية الشعر القديم مجردة، بل كانوا يضيفون إليها كثيرا من الأخبار عن الجاهلية وأيامها، وكانوا يتخذون لأنفسهم حلقات فى المسجد الجامع يحاضرون فيها الطلاب وفى أثناء ذلك يشرحون لهم بعض الألفاظ الغريبة، أو يفسرون لهم ظروف النص التاريخية.
وأهم هؤلاء الرواة أبو عمرو بن العلاء وحماد الراوية وخلف الأحمر ومحمد ابن السائب الكلبى والمفضل الضبى، وقد استقوا روايتهم من القبائل والأعراب البدو. وكان بعضهم يرحل إلى نجد أحيانا ليستقى الأشعار والأخبار الجاهلية من ينابيعها الصحيحة، وكان بين البدو أنفسهم من هاجر إلى الكوفة والبصرة حيث هؤلاء الرواة العلماء ليمدهم بما يريدون. وقد أظهروا فى عملهم مهارة منقطعة النظير، إذ تحولوا يجمعون المادة الجاهلية جميعها. وكان من أهم الأسباب فى ذلك تفسير
стр. 145
ألفاظ القرآن الكريم، فقد جرت عادة المفسرين منذ ابن عباس على الاستشهاد بالشعر الجاهلى فى شرح ألفاظ الذكر الحكيم، وأيضا فقد انبرت جماعات تحاول وضع قواعد العربية وجمع ألفاظها، واعتمدت فى ذلك اعتمادا شديدا على الشعر الجاهلى فهو مادة اللغة ومادة قواعدها وقوانينها التى ينبغى أن تتبع. على أن هاتين الغايتين سرعان ما انفصلتا عن عمل الرواة، وأصبحوا يقصدون لجمع هذا الشعر فى ذاته ومن أجل نفسه، وقد حملته إليهم الموجة الحادة من روايته فى أثناء العصر الإسلامى، ومن المهم أن نعرف أنهم قلما يذكرون من حملوا عنهم هذا الشعر، فهم يغفلون أسانيدهم إلا قليلا (١).
ولا نكاد نمضى فى العصر العباسى حتى يكوّن هؤلاء الرواة مدرستين متقابلتين:
مدرسة فى الكوفة ومدرسة فى البصرة، وعرف الأولون بأنهم لا يتشددون فى روايتهم تشدد الأخيرين، ومن ثم تضخمت رواياتهم ودخلها موضوع ومنتحل كثير، ولعل من الطريف أن نعرف أن الكوفة عرفت فى الحديث النبوى بالوضع والانتحال أيضا حتى كان مالك بن أنس يسميها دار الضرب يريد أنها تضرب الأحاديث وتصنعها كما تضرب الدراهم والدنانير وتصنع. يقول أبو الطيب اللغوى: «والشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله وذلك بين فى دواوينهم (٢)». وندد بهم البصريون كثيرا، وبادلهم الكوفيون نفس التنديد، فكان كل منهما يشكّك فى الآخر (٣)، ولكن إذا صفينا هذه التشكيكات والتنديدات اتضح لنا أن رواية البصرة فى جملتها أوثق من رواية الكوفة. وليس معنى ذلك أن رواة الكوفة فى الجملة كانوا متهمين بخلاف رواة البصرة، فبين الطرفين جميعا متهمون، وموثّقون أحاطوا روايتهم بسياج من الأمانة والدقة والتحرى.
وربما كان السبب الحقيقى فى تقدم البصرة على الكوفة فى الرواية أن رأس رواتها وهو أبو عمرو بن العلاء كان أمينا، بينما كان رأس رواة الكوفة حمادا، وكان متهما كثير الوضع، لا يوثق بما يرويه. وكان أبو عمرو من مؤسسى المدرسة النحوية فى البصرة، وأحد القراء السبعة الذين أخذت عنهم تلاوة الذكر الحكيم، ولد سنة ٧٠ للهجرة، وتوفى سنة ١٥٤ وقيل سنة ١٥٩ «وكان أعلم الناس بالغريب