← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تدوين عمر للدواوين حاجة شديدة لمعرفة الأنساب، إذ كانت تلعب دورا مهم فى رواتب الجند الفاتحين وفى مراكز القبائل بالمدن الجديدة التى خطّطوها مثل البصرة والكوفة. وكان بين العرب قديما من يشتهرون بمعرفة الأنساب، ولكن فى هذا العصر الإسلامى إلى تمامه يصبح لهؤلاء النسابين شأن خطير، إذ كان العرب يرجعون إليهم فى معرفة أصولهم، وكثيرا ما كانوا يسوقون لهم قطعا من الشعر تحدد نسبهم، ومن أشهرهم عقيل بن أبى طالب ومخرمة بن نوفل ودغفل والنّخار بن أوس العذرى (١). ونحن لا نصل إلى الحرب التى نشبت بين على ومعاوية حتى تشتعل العصبيات القبلية اشتعالا لم تخب نيرانه حتى نهاية العصر الأموى، وكان الشعر الوقود الجزل لهذه العصبيات، فأخذت كل قبيلة تعنى برواية شعرها الجاهلى الذى يصور مناقبها ومثالب خصومها، ويتناقله أبناؤها، فهو جعبة سهامهم التى يوجهونها إلى خصومهم. ومن غير شك كان ذلك أكبر عون على حفظ الشعر الجاهلى، فقد حملته القبائل طوال القرنين الأول والثانى حتى أدوه إلى العلماء الذين عنوا بتدوينه (٢). وكانت الدولة الأموية عربية النزعة، فعملت على حفظ هذا التراث، بما كانت تروى منه، نجد ذلك عند معاوية وعبد الملك بن مروان وغيرهما من الخلفاء، وكانوا كثيرا ما يسألون وفود القبائل التى تفد عليهم عن بعض شعرائها، وقد ينشدون بيتا ويسألون عن صاحبه وقصيدته، ومن تحسن إجابته تحسن له جائزتهم (٣). وكان أبناؤهم على غرارهم «وكانوا ربما اختلفوا فى بيت من الشعر أو خبر أو يوم من أيام العرب فيبردون فيه بريدا إلى العراق (٤)» يسألون علماءها عن صحة الأمر فيه وصوابه. وأقام لهم آباؤهم غير مؤدب يروّيهم أشعار الجاهلية وأيامها وأخبارها، ويلقانا هؤلاء المؤدبون فى كل مكان يؤدبون الناشئة، وفى البيان والتبيين فصل طويل يحصى فيه أسماءهم. ومما يدخل فى عناية الأمويين بالشعر الجاهلى ما يروى عن معاوية من شغفه بالمسامرة ومعرفة أخبار الماضين، مما جعله يستدعى عبيد بن شريّة الجرهمى من

стр. 142

صنعاء اليمن، ويتخذه سميرا له يسأله عن الأخبار المتقدمة والملوك السالفة، وهاله ما عنده من العلم بذلك، فاتخذ غلمانا يقيدون فى دفاتر ما يذكره من سير الملوك وأخبارها ووقائع العرب وأيامها فى الجاهلية وأشعارها (١). ومنذ وقت مبكر فى صدر الإسلام نرى القصاص يجلسون للعظة فى المسجد الجامع. وكانوا كثيرا ما ينثرون الأشعار الجاهلية التى تتصل بوعظهم فى تضاعيف قصصهم. وقد أخذت تنشأ جماعة مثل أبان بن عثمان بن عفان وعروة بن الزبير تعنى بغزوات الرسول وما قيل فيها من الشعر، وأخذ يظهر بجانبهم جماعة تعنى بأخبار العرب الماضين وما كان يجرى على ألسنة شعرائهم. وفى أثناء ذلك كان الشعراء الإسلاميون أنفسهم يعنون عناية شديدة برواية الشعر القديم، وبلغ من اهتمام بعضهم بذلك أن أصبح مؤدبا للناشئة يروّيها الشعر القديم على نحو ما نعرف عن الكميت والطرماح (٢). ولم يكن هناك شاعر مبرز إلا وهو يروى للجاهليين وينشد من شعرهم، وفى كتب الأدب إشارات مختلفة إلى ما أخذه العلماء عن أمثال ذى الرمة والفرزدق وجرير ورؤبة من هذا الشعر (٣)، وصوّر الفرزدق مدى روايته ومعرفته للشعر الجاهلى، فقال فى بعض قصيده (٤): وهب القصائد لى النوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول (٥) والفحل علقمة الذى كانت له ... حلل الملوك كلامه لا ينحل وأخو بنى قيس وهنّ قتلنه ... ومهلهل الشعراء ذاك الأوّل (٦) والأعشيان كلاهما ومرقّش ... وأخو قضاعة قوله يتمثّل (٧) وأخو بنى أسد عبيد إذ مضى ... وأبو دؤاد قوله يتنخّل

стр. 143

وابنا أبى سلمى زهير وابنه ... وابن الفريعة حين جدّ المقول (١) والجعفرىّ وكان بشر قبله ... لى من قصائده الكتاب المجمل (٢) ولقد ورثت لآل أوس منطقا ... كالسّمّ خالط جانبيه الحنظل (٣) والحارثىّ أخو الحماس ورثته ... صدعا كما صدع الصّفاة المعول (٤) ويخيل إلى الإنسان أنه لم يبق عربى فى العصر الإسلامى وما وليه من أوائل العصر العباسى إلا وهو يروى الشعر الجاهلى، إن هو تحدث أو وقف خطيبا، وتمثّل الحجاج بالشعر فى خطابته ذائع مشهور. وإذا كنا لاحظنا فى الجاهلية أن الرواة الموصوفين بهذا الاسم كانوا عادة من الشعراء، فإننا نلاحظ فى العصر الإسلامى نشوء طائفة من الرواة، لم يكونوا ممن يحسنون نظم الشعر، فهم لا يروونه لغرض تعلمه، وإنما يروونه لغرض نشره فى الناس وإذاعته، وإليهم يشير جرير بقوله فى وصف بعض قصائده (٥): خروج بأفواه الرواة كأنها ... قرا هندوانىّ إذا هزّ صمّما (٦) وفى أخباره أنه كان له رواة يلزمونه ويأخذون عنه شعره، وكذلك كان الفرزدق. ولم يكونوا يروون شعرهما فحسب بل كانوا ينقحونه ويهذبونه، فعن شيخ من هذيل قال: «جئت الفرزدق. . ودخلت على رواته فوجدتهم يعدلون ما انحرف من شعره. . ثم أتيت جريرا. . وجئت رواته وهم يقوّمون ما انحرف من شعره وما فيه من السناد (٧)». وفى رأينا أن ظهور هذه الطبقة من الرواة إنما نشأ من العناية الشديدة برواية الشعر القديم والحديث، وكأنما لم يعد للناس من شغل وراء هذه العناية، فمنهم من يتخصص برواية شعر المعاصرين ومنهم من يتخصص برواية الشعر الجاهلى كيونس بن متى راوية الأعشى (٨).

стр. 144

ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل أوضح الدلالة على أن رواة لا يحصيهم العد حملوا الشعر الجاهلى إلى عصور التدوين، فقد حافظت القبائل عليه كما حافظ كثير من الأفراد وخاصة الشعراء والرواة، وبذلك أسلموه للأجيال التالية، وإن كان قد شابه شئ من الانتحال والوضع على نحو ما سنعرض لذلك فى غير هذا الموضع، ومن غير شك سقط منه كثير فى أثناء اجتيازه هذا الطريق الزمنى الطويل، يقول ابن سلام: «لما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عليهم منه كثير (١)». ٢ - رواة محترفون ونحن لا نصل إلى نهاية العصر الإسلامى ومطلع العصر العباسى حتى تنشأ طبقة من الرواة المحترفين الذين يتخذون رواية الشعر الجاهلى عملا أساسيا لهم، وتختلط فى هذه الطبقة أسماء عرب وموال، وأسماء قرّاء للقرآن الكريم وغير قراء، وهم جميعا حضريون، عاشوا غالبا فى البصرة والكوفة. ولم يكونوا يقفون عند رواية الشعر القديم مجردة، بل كانوا يضيفون إليها كثيرا من الأخبار عن الجاهلية وأيامها، وكانوا يتخذون لأنفسهم حلقات فى المسجد الجامع يحاضرون فيها الطلاب وفى أثناء ذلك يشرحون لهم بعض الألفاظ الغريبة، أو يفسرون لهم ظروف النص التاريخية. وأهم هؤلاء الرواة أبو عمرو بن العلاء وحماد الراوية وخلف الأحمر ومحمد ابن السائب الكلبى والمفضل الضبى، وقد استقوا روايتهم من القبائل والأعراب البدو. وكان بعضهم يرحل إلى نجد أحيانا ليستقى الأشعار والأخبار الجاهلية من ينابيعها الصحيحة، وكان بين البدو أنفسهم من هاجر إلى الكوفة والبصرة حيث هؤلاء الرواة العلماء ليمدهم بما يريدون. وقد أظهروا فى عملهم مهارة منقطعة النظير، إذ تحولوا يجمعون المادة الجاهلية جميعها. وكان من أهم الأسباب فى ذلك تفسير

стр. 145

ألفاظ القرآن الكريم، فقد جرت عادة المفسرين منذ ابن عباس على الاستشهاد بالشعر الجاهلى فى شرح ألفاظ الذكر الحكيم، وأيضا فقد انبرت جماعات تحاول وضع قواعد العربية وجمع ألفاظها، واعتمدت فى ذلك اعتمادا شديدا على الشعر الجاهلى فهو مادة اللغة ومادة قواعدها وقوانينها التى ينبغى أن تتبع. على أن هاتين الغايتين سرعان ما انفصلتا عن عمل الرواة، وأصبحوا يقصدون لجمع هذا الشعر فى ذاته ومن أجل نفسه، وقد حملته إليهم الموجة الحادة من روايته فى أثناء العصر الإسلامى، ومن المهم أن نعرف أنهم قلما يذكرون من حملوا عنهم هذا الشعر، فهم يغفلون أسانيدهم إلا قليلا (١). ولا نكاد نمضى فى العصر العباسى حتى يكوّن هؤلاء الرواة مدرستين متقابلتين: مدرسة فى الكوفة ومدرسة فى البصرة، وعرف الأولون بأنهم لا يتشددون فى روايتهم تشدد الأخيرين، ومن ثم تضخمت رواياتهم ودخلها موضوع ومنتحل كثير، ولعل من الطريف أن نعرف أن الكوفة عرفت فى الحديث النبوى بالوضع والانتحال أيضا حتى كان مالك بن أنس يسميها دار الضرب يريد أنها تضرب الأحاديث وتصنعها كما تضرب الدراهم والدنانير وتصنع. يقول أبو الطيب اللغوى: «والشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله وذلك بين فى دواوينهم (٢)». وندد بهم البصريون كثيرا، وبادلهم الكوفيون نفس التنديد، فكان كل منهما يشكّك فى الآخر (٣)، ولكن إذا صفينا هذه التشكيكات والتنديدات اتضح لنا أن رواية البصرة فى جملتها أوثق من رواية الكوفة. وليس معنى ذلك أن رواة الكوفة فى الجملة كانوا متهمين بخلاف رواة البصرة، فبين الطرفين جميعا متهمون، وموثّقون أحاطوا روايتهم بسياج من الأمانة والدقة والتحرى. وربما كان السبب الحقيقى فى تقدم البصرة على الكوفة فى الرواية أن رأس رواتها وهو أبو عمرو بن العلاء كان أمينا، بينما كان رأس رواة الكوفة حمادا، وكان متهما كثير الوضع، لا يوثق بما يرويه. وكان أبو عمرو من مؤسسى المدرسة النحوية فى البصرة، وأحد القراء السبعة الذين أخذت عنهم تلاوة الذكر الحكيم، ولد سنة ٧٠ للهجرة، وتوفى سنة ١٥٤ وقيل سنة ١٥٩ «وكان أعلم الناس بالغريب

стр. 146

والعربية وبالقرآن والشعر وبأيام العرب وأيام الناس وكانت كتبه التى كتبها عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف. . ثم إنه تقرّأ أى تنسك فأحرقها (١)» وهو إحراق لا يغير من الأمر شيئا فإن ما رواه حمله عنه تلاميذه البصريون، وكان إمامهم وقدوتهم. ويحكى عنه أنه قال: «ما زدت فى شعر العرب إلا بيتا واحدا، يعنى ما يروى للأعشى من قوله: وأنكرتنى وما كان الذى نكرت ... من الحوادث إلا الشّيب والصّلعا (٢)» وحاول بعض الباحثين التشكيك فى روايته لهذا الاعتراف (٣)، وهو اعتراف يوتق روايته ويزيدها قوة، وفى سيرته ما يدل دلالة قاطعة بأنه كان ثقة؛ فقد كان تقيا صالحا، وكان أحد الأعلام الذين أخذت عنهم تلاوة القرآن الكريم. أما حماد رأس رواة الكوفة فكان من الموالى، ولد سنة ٩٥ للهجرة، وتوفى سنة ١٥٦ وقيل بل سنة ١٦٤ ويقال إنه: «كان فى أول أمره يتشطر ويصحب الصعاليك واللصوص، فنقب ليلة على رجل، فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد، فاستحلاه وتحفظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك وترك ما كان عليه، فبلغ فى العلم ما بلغ (٤)» وربما كان مما يصور هذا العلم ومداه ما يروى عن مروان بن أبى حفصة من قوله: «دخلت أنا وطريح بن إسماعيل الثقفى والحسين بن مطير الأسدى فى جماعة من الشعراء على الوليد ابن يزيد (١٢٥ - ١٢٦ هـ) وهو فى فرش قد غاب فيها، وإذا رجل عنده كلما أنشد شاعر شعرا وقف الوليد بن يزيد على بيت بيت من شعره وقال: هذا أخذه من موضع كذا وكذا، وهذا المعنى نقله من موضع كذا وكذا من شعر فلان، حتى أتى على أكثر الشعراء، فقلت: من هذا؟ فقالوا حماد الراوية (٥)» ويروى عن الهيثم بن عدى أنه كان يقول: «ما رأيت رجلا أعلم بكلام العرب من حماد (٦)» وهذه المعرفة الواسعة بكلام العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها وأيامها جعلتهم يطلقون

стр. 147

اسم الراوية علما عليه، ويروى أن الوليد بن يزيد سأله بم استحققت هذا اللقب فقيل لك الراوية؟ فقال: «بأنى أروى لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروى لأكثر منهم ممن تعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به، ثم لا أنشد شعرا قديما ولا محدثا إلا ميزت القديم منه من المحدث، فقال الوليد: إن هذا العلم وأبيك كثير، فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال كثيرا، ولكنى أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مئة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام، قال: سأمتحنك فى هذا، وأمره بالإنشاد، فأنشد الوليد حتى ضجر، ثم وكّل به من استحلفه أن يصدقه عنه، ويستوفى عليه، فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهليين، وأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمئة ألف درهم (١)» وقد يكون فى هذا الخبر ضرب من المبالغة، غير أنه يصور مدى ما استقر فى أذهان معاصريه عن معرفته وروايته للشعر الجاهلى. ومن سوء حظ الكوفة أن كان هذا الراوية البارع فاسد المروءة فاسقا ماجنا زنديقا (٢)، وكان شاعرا يحسن صوغ الشعر وحوكه (٣) فكان ينظم على لسان الجاهليين ما لم ينطقوا به، وكثر منه ذلك حتى عرف به واشتهر، يقول الأصمعى: جالسته فلم أجد عنده ثلاثمائة حرف ولم أرض روايته، ويقال إنه مدح بلال بن أبى بردة المتوفى بعد سنة ١٢٦ بقصيدة، وكان ذو الرمة حاضرا، فقال له: إنها ليست لك، وسرعان ما اعترف بأنها جاهلية (٤) ويقال إنه قدم عليه مرة، فقال له: ما أطرفتنى شيئا؟ فعاد إليه فأنشده القصيدة التى فى شعر الحطيئة بمديح أبى موسى الأشعرى (جد بلال) فقال بلال: ويحك يمدح الحطيئة أبا موسى ولا أعلم به وأنا أروى شعر الحطيئة! ولكن دعها تذهب فى الناس (٥)، وقصته فى مجلس أمير المؤمنين المهدى مع المفضل الضبى مشهورة، فقد زاد ثلاثة أبيات فى مطلع قصيدة زهير: (دع ذا وعد القول فى هرم) فأنكرها المفضل ولما سأله عنها المهدى بكل يمين محرجة

стр. 148

اعترف بأنه أضافها من عنده، فأمر المهدى أن ينادى فى الناس بإبطال روايته لكذبه وبصحة رواية المفضل مواطنه (١). وحاول بعض الباحثين التشكيك فى القصة (٢)، لأن المهدى ولى سنة ١٥٨ بعد وفاة حماد، ولكن هناك من تأخروا بوفاته إلى سنة ١٦٤ كما قدمنا، وربما أخطأ الرواة فى تعيين الزمن والمكان، إذ ذكروا أن القصة حدثت فى قصر عيساباذ الذى بناه المهدى فى سنة ١٦٤ بينما أرخوا لها بسنة ١٥٨. وحتى على فرض بطلان هذه القصة فإن هذا البطلان لا يدفع التهمة عن حماد، كما لا يدفعها ما يذكره بعض هؤلاء الباحثين من أن اتهامه الواسع قد يرجع إلى المنافسة بين البصرة والكوفة، فسيرته كانت سيرة شخص سيئ السيرة خلقيا ودينيا، وما كان ابن سلام البصرى ليقول فيه: «كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية، وكان غير موثوق به: كان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره ويزيد فى الأشعار (٣)» بعامل المنافسة العصبية. ونفس البصريين الذين اتهموه وثقوا رواية مواطنه ومعاصره المفضّل الضبى. فليست المسألة مسألة منافسة بين بلدين، وإنما هى حقيقة واقعة ونفس الرواة الأثبات من بلدته كانوا يشركون البصريين فى نفس التهمة، فابن الأعرابى الكوفى يروى عن المفضل أنه قال: «قد سلّط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده، فلا يصلح أبدا، فقيل له وكيف ذلك؟ أيخطئ فى روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا، ولكنه رجل عالم لغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله فى شعره ويحمل ذلك عنه فى الآفاق فتختلط أشعار القدماء لا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد وأين ذلك (٤)؟ ». فالتهمة لم تكن بصرية خالصة، بل كانت بصرية كوفية، وربما بالغ بعض البصريين فقال عنه إنه كان يلحن ويكسر الشعر ويصحف ويكذب (٥)، ولكن

стр. 149

بعد تجريد التهمة من مبالغاتها تظل عالقة به. ولذلك ينبغى أن لا نقبل شيئا مما يروى دون أن يأتينا عن الرواة الثقات، وكذلك ينبغى أن نتشكك فيما يرويه تلاميذه مثل ابن كناسة المتوفى سنة ٢٠٧ وخلف الأحمر راوية البصرة المشهور إذ كان قد أكثر الأخذ عنه (١)، ويروى أنه كان يعطى حمادا المنحول فيقبله منه ويرويه (٢). ومن رواة الكوفة الذين عاصروا حمادا واشتهروا بالوضع برزخ العروضى وكان من أكذب الناس فى الرواية (٣) ومثله جنّاد وكان يخلط فى الأشعار ويصحف ويلحن (٤). وإذا كانت الكوفة أصيبت بمثل هؤلاء الرواة الوضاعين الذين ينحدرون من أصول غير عربية فقد كان من ورائهم رواة ثقات على رأسهم المفضل بن محمد ابن يعلى الضبى المتوفى حوالى سنة ١٧٠ للهجرة وكان عالما علما دقيقا بأشعار الجاهلية وأخبارها وأيامها وأنساب العرب وأصولها، ويجمع الرواة كوفيين وبصريين على توثيقه، وقد خلف مجموعة كبيرة من أشعار الجاهليين هى الملقبة بلقب المفضليات، وهى أروع ما بأيدينا من نصوص الشعر الجاهلى ووثائقه التى لا يرقى إليها الشك. وإذا ولينا وجوهنا نحو البصرة فى الحقبة التى تلت أبا عمرو بن العلاء وجدنا بها خلفا الأحمر الذى تسدّد إليه سهام الاتهام، ولم يكن يقل عن حماد فى معرفته بأشعار العرب وأخبارها، بل لعله يتقدمه، إذ كان شاعرا مبرّزا، وكان بصيرا بالشعر، وأصل أبويه من فرغانة فهو من الموالى، ولد سنة ١١٥ للهجرة وتوفى حوالى سنة ١٨٠ وفيه يقول ابن سلام: «اجتمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر وأصدقهم لسانا، وكنا لا نبالى إذا أخذنا عنه خبرا أو أنشدنا شعرا ألا نسمعه من صاحبه (٥)» غير أن شهادة ابن سلام له لا تعفيه من التهمة الشديدة التى سلّطت على روايته، وقد شهد هو نفسه بها إذ زعم كما قدمنا أنه كان يعطى حمادا المنحول من الشعر ويزيفه عليه فيرويه، ويقال إنه هو الذى وضع اللامية المنسوبة إلى الشّنفرى (٦):

стр. 150

أقيموا بنى أمّى صدور مطيّكم ... فإنى إلى قوم سواكم لأميل كما وضع اللامية الأخرى المنسوبة إلى تأبّط شرّا أو إلى ابن أخته (١): إن بالشّعب الذى دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطلّ وتصدّى له الأصمعى مرارا يتهمه بالوضع والنحل، فقال إنه «وضع على شعراء عبد القيس شعرا موضوعا كثيرا، وعلى غيرهم، عبثا بهم، فأخذ ذلك عنه أهل البصرة وأهل الكوفة (٢)» وعرض مرة لرواة الكوفة يصفهم بأنهم يقبلون كل ما يرد عليهم، فقال: «رواة غير منقّحين، أنشدونى أربعين قصيدة لأبى دؤاد الإيادى قالها خلف الأحمر، وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون وبها يفتخرون (٣)». ويظهر أن البصريين كانوا يتحامون روايته، بينما كان يحملها الكوفيون رواة حماد وأضرابه، يقول المبرد فيه موضحا ذلك: «لم ير أحد قط أعلم بالشعر والشعراء منه، وكان به يضرب المثل فى عمل الشعر، وكان يعمل على ألسنة الناس، فيشبّه كل شعر يقوله بشعر الذى يضعه عليه. ثم نسك فكان يختم القرآن فى كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك ما لا عظيما خطيرا على أن يتكلم فى بيت شعر شكوا فيه، فأبى ذلك وقال: قد مضى لى فى هذا ما لا أحتاج إلى أن أزيد فيه. وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية لأنه كان قد أكثر الأخذ عنه، وبلغ مبلغا لم يقاربه حماد. فلما تقرّأ ونسك خرج إلى أهل الكوفة فعرّفهم الأشعار التى قد أدخلها فى أشعار الناس، فقالوا له: أنت كنت عندنا فى ذلك الوقت أوثق منك الساعة، فبقى ذلك فى دواوينهم إلى اليوم (٤)». وواضح من ذلك أن الكوفة هى التى حملت رواية خلف بالإضافة إلى رواية حماد، أما البصرة فقد حمل بعض الرواة روايته، ولكن الكثرة وعلى رأسها الأصمعى رفضتها. والأصمعى يقوم فى البصرة مقام المفضل الضبى فى الكوفة، وقد أشاد معاصروه ومن تلاهم بسعة علمه بالجاهلية

стр. 151

وأشعارها وأخبارها، ووثقوه وعدّلوه، وإن كان ذلك لم يمنع بعض منافسيه من النّيل منه، ولكنه نيل مردود، فقد كان فى الذروة من الثقة والأمانة، وهو عربى صليبة، ولد حوالى سنة ١٢٢ للهجرة وتوفى سنة ٢١٥ وقيل سنة ٢١٦، أو ٢١٧، وفيه يقول ابن جنّى: «وهذا الأصمعى هو صنّاجة الرواة والنقلة، وإليه محط الأعباء والثقلة. . . كانت مشيخة القراء وأماثلهم تحضره وهو حدث لأخذ قراءة نافع عنه، ومعلوم كم قدر ما حذف من اللغة فلم يثبته، لأنه لم يقو عنده إذ لم يسمعه، وإما إسفاف من لا علم له وقول من لا مسكة به إن الأصمعى كان يزيد فى كلام العرب ويفعل كذا ويقول كذا فكلام معفوّ عنه غير معبوء به (١)» ويقول أبو الطيب اللغوى: «فأما ما يحكيه العوام وسقّاط الناس من نوادر الأعراب ويقولون: هذا مما افتعله الأصمعى. . وأنى يكون الأصمعى كما زعموا وهو لا يفتى إلا فيما أجمع عليه العلماء ويقف عما ينفردون به عنه، ولا يجوّز إلا أفصح اللغات ويلجّ فى دفع ما سواه (٢)». وله مجموعة مشهورة من الشعر القديم هى الأصمعيات وهى كالمفضليات ثقة ودقة، ورويت عنه دواوين كثيرة أشهرها الدواوين الستة: دواوين امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة وعلقمة بن عبدة الفحل. وكان يعاصره عالمان كبيران هما أبو زيد وأبو عبيدة، وكان أبو زيد يعنى بجمع اللهجات واللغات الشاذة وتوفى وقد قارب المائة، سنة ٢١٤ أو ٢١٥، وهو عربى أنصارى خزرجى، أما أبو عبيدة معمر بن المثنى فولد حوالى سنة ١١٠ وتوفى حوالى سنة ٢١١ وهو من الموالى وكانت فيه نزعة شعوبية صارخة، ولكن الرواة وثقوه (٣) وينبغى أن لا نتبعهم فى توثيقه وأن نقدم عليه الأصمعى وأبا زيد، وكان يهتم بالأنساب والأيام، وشرح نقائض جرير والفرزدق شرحه المشهور. وكان بجانب هؤلاء الذين تحدثنا عنهم رواة يختلفون ثقة وتجريحا مثل الهيثم ابن عدى المتوفى سنة ٢٠٦ وكان يهتم بالأخبار التاريخية وتشوب التهمة روايته، وأكثر منه تهمة فى هذا الباب محمد بن السائب الكلبى المتوفى سنة ١٤٦ للهجرة وابنه هشام المتوفى سنة ٢٠٤ وهما من كبار الوضاعين ويروى عن هشام أنه كان يقول، «كنت

стр. 152

أستخرج أخبار العرب وأنسابهم وأنساب آل نصر بن ربيعة «المناذرة» ومبالغ أعمار من ولى منهم لآل كسرى وتاريخ نسبهم من كتبهم بالحيرة (١)». ويعظم فى سلك هؤلاء المؤرخين الواقدى والمدائنى. وخلف بعد من قدّمنا تلاميذهم من رواة القرن الثالث، وعلى رأسهم أبو عمرو الشيبانى المتوفى سنة ٢١٣ وابن الأعرابى المتوفى سنة ٢٣١ هـ الكوفيان وكان وراءهما كثير من الرواة فى بلدتهم مثل محمد بن حبيب وابن السكيت المتوفى حوالى سنة ٢٤٤ وثعلب المتوفى سنة ٢٩١. وانتهت الرواية فى البصرة إلى أبى سعيد الحسن بن الحسين السكرى المتوفى سنة ٢٧٥ وإليه يرجع الفضل فى جمع كثير من الدواوين الجاهلية، وهو يجمع بين الروايتين البصرية والكوفية. ويتضح من كل ما أسلفنا أن رواية الشعر الجاهلى أحيطت بكثير من التحقيق والتمحيص، وأنه إن كان هناك رواة متهمون، فقد كان لهم العلماء الأثبات بالمرصاد أمثال المفضل الكوفى والأصمعى البصرى، وما مثل الشعر الجاهلى فى ذلك إلا مثل الحديث النبوى، فقد دخله هو الآخر وضع كثير، ولكن العلماء استطاعوا تمييز صحيحه من زائفه. وقدموا لنا كتب الصحيح الستة المشهورة، وكذلك الشأن فى الشعر فقد دخله فساد كثير، ولكن أصحابه الأثبات استطاعوا-فى مهارة بالغة- أن يميزوا صحيحه من زائفه، غير تاركين منفذا فى ذلك سواء فى سند الرواة أو فى المتن نفسه، بل إن ابن سلام ليقدمهم على علماء الحديث فى هذا الباب، يقول: «حدثنى يحيى بن سعد القطّان قال: رواة الشعر أعقل من رواة الحديث، لأن رواة الحديث يروون مصنوعا كثيرا، ورواة الشعر ساعة ينشدون المصنوع ينتقدونه ويقولون هذا مصنوع (٢)». فينبغى أن لا نتخذ من كثرة الاتهامات فى بيئة الرواية اللغوية مزلقا إلى الطعن فى الشعر الجاهلى عامة، إنما نطعن على ما طعن الرواة الثقات فيه حقا، ونضيف إليه ما يهدينا بحثنا الحديث إلى تزييفه. أما بعد ذلك فتبقى عامة ما رواه أثباتهم كالمفضل والأصمعى صحيحة، وكانا يتحريان تحريا شديدا.

стр. 153

فلنهمل إذن من الشعر الجاهلى ما جاءنا منه عن أمثال حماد وخلف الأحمر وكذلك ما جاءنا منه عن طريق أصحاب الأخبار المتزيدين أمتثال عبيد بن شريّة ومحمد بن السائب الكلبى وابنه هشام وما وضعه القصاص عن العرب البائدة، وأيضا ينبغى أن نهمل ما اختلف فيه الرواة، أما ما اتفقوا عليه أو جاءنا عن أثباتهم فينبغى أن نقبله. وكانوا يأخذون بهذا القياس، يقول ابن سلام: «وليس لأحد- إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شئ منه (من الشعر) -أن يقبل من صحيفة ولا يروى عن صحفى (١)» ويقول: «قد اختلفت العلماء فى بعض الشعر كما اختلفت فى بعض الأشياء، أما ما اتفقوا عليه فليس لأحد أن يخرج منه (٢)». واحتفظ ابن سلام فى طبقاته بمادة وفيرة من نقد البصرة للرواية والرواة، فهو تارة يعد للشاعر القصائد الصحيحة النسبة إليه، وتارة يقف عند بيت أو أبيات بعينها تنسب لشاعر من الشعراء الجاهليين وينص على أنها منتحلة، فمن الضرب الأول قوله عن طرفة وعبيد بن الأبرص: «ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه قلة ما بقى بأيدى الرواة المصححين لطرفة وعبيد بن الأبرص اللذين صحّ لهما قصائد بقدر عشر. . ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذى نالهما من ذلك أكثر، وكانا (من) أقدم الفحول فلعل ذلك لذاك، فلما قل كلامهما حمل عليهما حمل كثير (٣)» ثم عاد فوسع الشك فى شعر عبيد فقال فيه: «قديم الذكر عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب، لا أعرف له إلا قوله: أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيّات فالذّنوب ولا أدرى ما بعد ذلك (٤)». . ومن الضرب الثانى إنكاره أن يكون النابغة هو الذى قال: فألقيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون وقد عقب على إنكاره بأن أهل العلم أجمعوا على أن النابغة لم يقل هذا (٥)،

стр. 154

وعلى هذا النحو صفّى علماء الرواية واللغة الشعر الجاهلىّ من شوائب كثيرة علقت به. وإن كنا لا ننكر فى الوقت نفسه أنهم تناولوا أشياء منه بالتنقيح، غير أن ذلك كان فى حدود ضيقة، كأن يبدلوا كلمة مكان كلمة، أيقيموا بعض الألفاظ على سنن لهجة قريش، فقد كانت تسقط على لسان الشعراء أحيانا أشياء من لهجاتهم القبلية، فكانوا يصلحونها، وقد يصلحون عروض بعض القصائد، ولكنهم بصفة عامة حافظوا على جوهر هذا الشعر محافظة تشهد لهم بالدقة، أنهم استطاعوا أن ينقلوا غير قليل منه إلى أجيالهم والأجيال التالية فى صورة تكاد تكون مطابقة تمام المطابقة لأصوله. ٣ - التدوين مرّ بنا أن العرب لم يدونوا شعرهم فى الجاهلية، وأن ما يذكر من أخبار عن كتابة بعض شعرائهم لمقطوعات لهم، إن صح، فإنه لا يدل على أنهم فكروا فعلا فى تدوين أشعارهم، إنما هى قطع تكتب على زحل أو على حجر أو جلد لإنباء القبيلة أو بعض أفرادها بحادث. وقد نفينا أن يكونوا علقوا المعلقات فى الكعبة وكذلك رفضنا رواية حماد عن تدين النعمان بن المنذر لأشعار العرب وما مدح به هو وأهل بيته. ومن الأدلة على ذلك أننا لا نجد راويا ثقة يزعم أنه نقل عن قراطيس كانت مكتوبة فى الجاهلية، كما أننا لا نجد راويا ثقة يزعم أن شاعرا فى الجاهلية ألقى قصيدته من صحيفة مدونة، إنما كانوا ينشدون شعرهم إنشادا، ومن كان منهم يعدّ قصيدته فى حول أو أقل من حول كان يعدها فى نفسه، ويرددها فى ذاكرته، ثم ينشدها، ويحملها الناس عنه، ومن ثم قال الجاحظ: «وكل شئ للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام. . فما هو إلا أن يصرف (العربى) وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذى إليه يقصد، فتأتيه المعانى أرسالا (أفواجا) وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، ثم لا يقيّده على نفسه (١)».

стр. 155

وظل هذا شأن العرب فى صدر الإسلام، فهم يتناشدون الشعر ولا يقيدونه إلا قليلا وفى ظروف خاصة، حتى مصّرت الأمصار، وراجعت العرب الأشعار، وأخذت فكرة التدوين تسلك طريقها فى تسجيل غزوات الرسول وأحاديثه وفى تقييد بعض الأخبار التاريخية، فدوّن زياد بن أبيه كتابا فى المثالب، ودوّن عروة ابن الزبير غزوات النبى ﵇ وحروبه، ودوّن معاوية أخبار عبيد بن شريّة أو بعبارة أدق أمر غلمانه بتدوينها، وأخذ بعض الصحابة والتابعين يدوّن أحاديث الرسول ﵇. وقد يكون فى تدوين الأحاديث ما ينير لنا الطريق فى تدوين الشعر، فإن كثيرا من الصحابة والتابعين كان ينكر تدوينها، ولم تدوّن تدوينا عاما إلا على رأس المائة، وكذلك نستطيع أن نقول إنه على الرغم من اهتمام القبائل بشعرها الجاهلى وشعرائها الذين يعدون مناط شرفها وفخارها لما يسجلون من مناقبها وأمجادها ومثالب خصومها فإنها لم تعمد إلى تدوين هذا الشعر إلا فى حقبة متأخرة من عصر بنى أمية. ويظهر أنهم لم يكونوا يدوّنون حينئذ أشعار شعرائهم وحدها، بل كانوا يدونون معها أخبارهم، ولعل أقدم إشارة إلى هذه المدوّنات ما أسلفنا من رواية أصحاب الأخبار عن حماد فى أول تعلقه بالشعر من أنه نقب ليلة على رجل، فأخذ ما عنده وكان فيما أخذه جزء من شعر الأنصار! ويزعم حماد أن الوليد بن يزيد أرسل فى طلبه، فقال فى نفسه: «لا يسألنى إلا عن طرفيه: قريش وثقيف، فنظرت فى كتابى قريش وثقيف (١)» ويروى عن ثعلب أن الوليد بن يزيد جمع ديوان العرب وأشعارها وأنسابها ولغاتها، وأنه طلب لذلك من حماد وجنّاد الكوفيين ما عندهما من هذا الديوان، ثم رد إليهما ما أخذه منهما (٢)». وإن صحت هذه الأخبار كانت دليلا على أنه أخذت تظهر مع أوائل القرن الثانى مدونات تاريخية للقبائل لعلها هى التى أعدت فيما بعد لتدوين الرواة أشعار كل منها على حدة بنفس الصورة التى نعرفها لديوان هذيل. وتمضى بعد عصر الوليد بن يزيد فيلقانا أبو عمرو بن العلاء، وكان يعتمد على الرواية، ولكنّه كان يقيّد إلى جانبها كثيرا من الأشعار والأخبار حتى قالوا إن

стр. 156

كتبه ملأت بيتا له إلى قريب من السقف، ثم تقرّأ (تنسك) فأحرقها كلها، بقول الجاحظ: «فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه، كانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية (١)». وكان حماد على ما يظهر يعنى بالرواية أكثر من عنايته بالكتابة، بل لعله لم يكن يعنى بالكتابة، إنما كتب عنه تلاميذه، يقول صاحب الفهرست: «لم ير لحماد كتاب، وإنما روى عنه الناس وصنفت الكتب بعده (٢)». ويروى للمفضل الضبى كتب صنفها، فيها أشعا وأخبار (٣) ومن المؤكد أنه لم يكتب مفضلياته، وإنما أنشدها تلاميذه فحملوها عنه. ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا إن الرواة الأولين لم يدونوا ما رووه لطلاّبهم، ولم يكن هذا شأن رواة الشعر وحدهم، بل كان شأن رواة التاريخ الجاهلى جميعهم مثل محمد بن السائب الكلبى فإن ابنه هشاما هو الذى حمل مادة أخباره ودوّنها فى كتبه. ونفس الخليل بن أحمد لم يخلف كتابا فى النحو، بل أملى إملاءات جمع منها سيبوبه كتابه المشهور. وكانوا يتأثرون فى ذلك برواة الحديث، وربما كانت الحاجة عندهم أمسّ، لأن الشعر يحتاج إلى تلقين حتى لا يلحن فيه من ينشده، ولذلك كانوا ينبذون فى أواخر القرن الثانى وأوائل الثالث من يلحن فيه بأنه صحفى يأخذ عن الصحف، ولا يأخذ شفاها عن مشيخة العلماء باللغة والشعر. ومن ثم ضعّفوا من يروى عن المدونات ولم يقبلوا روايته إلا أن يكون قد أخذها عن شيخ، ولذلك ضعّف ابن سلام رواية من يتداولون الشّعر القديم من كتاب إلى كتاب، يقول: «ليس لأحد أن يقبل من صحيفة ولا يروى عن صحفى». والرواة التالون لهؤلاء الرواة المتقدمين هم الذين يرجع الفضل إليهم فى تدوين الشعر الجاهلى تدوينا منهجيا قائما على التوثيق والتجريح، وعلى رأسهم الأصمعى، وقد حصر اهتمامه فى جمع الشعر الجاهلى فى دواوين ومجموعات صحيحة. وكان هؤلاء الرواة المدونون لا يكتفون بالسماع من جلّة الرواة السابقين، فكانوا يرحلون إلى الصحراء العربية ليتوثقوا مما يروونه على نحو ما هو معروف عن الأصمعى

стр. 157

نفسه وعن أبى عمرو الشيبانى الذى يقال إنه دخل البادية ومعه دستيجتان من حبر، فما خرج حتى أفناهما بكتب سماعه عن العرب (١) وكان بعض الأعراب يفد على الحواضر وقد يقيم فيها ليسدّ هذه الحاجة عند الرواة. والمهم أنهم لم يكتفوا بالاعتماد على ذاكرتهم صنيع الرواة من قبلهم، بل كانوا يدوّنون ما يسمعونه ويحتفظون به ويقرءون منه فى مجالسهم وينقله عنهم طلابهم. وأخذت موجة هذا التدوين تتسع اتساعا شديدا، ويستطيع من يرجع إلى الفهرست وكتب التراجم أن يطلع على هذا النشاط التأليفى الذى لا يكاد يبلغه الحصر والعد، فقد ترك هشام بن محمد الكلبى نحو مائة وأربعين كتابا، وكانت كتب المدائنى لا تقل عنها عددا، بينما خلف الهيثم بن عدى خمسين مصنفا. وأكثر كتبهم يعد مفقودا ومن بينها ما يشير إلى عنايته بالشعر ككتاب أخبار خزاعة للمدائنى وأخبار طيئ للهيثم، وقد نشر الأصنام لابن الكلبى وهو يمتلئ بالشعر الجاهلى مما يدل على أنه كان يملأ كتبه به. على أنه يلاحظ إزاء المؤرخين أن كثيرا منهم لم يكن دقيقا فيما يجمع من شعر، ولعل ابن إسحق صاحب السيرة النبوية أشهرهم فى هذا الباب، وقد تصدّى له ابن سلام فى طبقاته، فقال: «وكان ممن أفسد الشعر هجّنه وحمل كل غثاء منه محمد بن إسحق بن يسار، مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسّير. . فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لى بالشعر أوتى به فأحمله. ولم يكن ذلك له عذرا. فكتب السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط وأشعار النساء فضلا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود فكتب لهم أشعارا كثيرة، وليس بشعر إنما هو كلام مؤلف معقود بقواف، أفلا يرجع إلى نفسه، فيقول: من حمل هذا الشعر ومن أدّاه منذ آلاف السنين، والله ﵎ يقول: ﴿(فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا)﴾ أى لا بقية لهم، وقال أيضا: ﴿(وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى)﴾ وقال فى عاد: ﴿(فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ)﴾ وقال: ﴿(وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً)﴾ وقال: ﴿(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ)﴾ (٢)».

стр. 158

وقال ابن سلام أيضا فى ابن إسحق: «فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحق ومثل ما رواه الصحفيون ما كانت إليه حاجة ولا فيه دليل على علم» (١) وتعقب ابن هشام فى سيرته ابن إسحق وردّ كثيرا مما روى، أو صحح نسبته. وواضح أن هذه المنتحلات من الشعر المنسوب إلى عرب الجاهلية الأولى ليس لها أدنى قيمة، فقد ردها الرواة المحققون، ومع ذلك يتعلق بها بعض الباحثين المحدثين ليشككوا فى الشعر الجاهلى عامة، مع أن القدماء رفضوها وردوها، كما رفضوا وردوا رواية المتهمين من الرواة أمثال حماد وخلف. وليس معنى ذلك أننا نريد أن نوسع الأبواب فنقبل كثرة ما يروى عن الجاهليين، بل نحن نضيقها تضييقا شديدا، فلا نقبل إلا ما أورده الثقاة مثل أبى عمرو بن العلاء والمفضل الضبى والأصمعى، فجملة ما رووه وثيق. ولا نبالغ إذا قلنا إن ما رواه هؤلاء الثقات لا يزال مادة غفلا لم يدرس ولم يفحص، وقد خلف من بعدهم خلف أتموا تدوين الشعر الجاهلى وأشهرهم فى الكوفة أبو عمرو الشيبانى وابن الأعرابى وقد اشتهر الأول بأنه جمع أشعار نيف وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل شعر قبيلة منها وأخرجه للناس كتب مصحفا وجعله فى مسجد الكوفة، وطبيعى أن يخرج دواوين القبائل راو كوفى لأن بيوتات العرب وأشرافها كانوا فى الكوفة ولم يكونوا فى البصرة، ومن غير شكّ كانوا من أهم الأسباب التى أعانت على حفظ الشعر الجاهلى وروايته إلى أن دوّن فى القرن الثانى. ويظهر أن الكتب الخاصة بالقبائل لم تكن تكتفى برواية الأشعار بل كانت تضم إليها غير قليل من أخبارهم وأيامهم، وربما كان هذا هو السبب فى أننا نرى مؤرخيهم ينثرون فى تاريخهم أشعارا كثيرة كأنهم يرون أنها سنده وعماده، على نحو ما تصور ذلك كتب المدائنى والواقدى وابن الكلبى. وكان رواة الشعر يمزجون بروايتهم كثيرا من الأخبار التاريخية على نحو ما نرى فى شرح النقائض لأبى عبيدة. وقد بقى من دواوين القبائل ديوان هذيل برواية السكرى المتوفى سنة ٢٧٥ وفيه تختلط الأشعار بالأخبار، ومن خير ما يصور ذلك فيه ديوان أبى ذؤيب. ويدل كتاب الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى أنهم دونوا من هذه الأشعار

стр. 159

والأخبار تراثا كبيرا، ومعروف أنه يقع فى واحد وعشرين مجلدا ضخما وأن للجاهليين فيه حظّا موفورا. وهو يسوق هذه المادة الجاهلية الشعرية التاريخية مقترنة بأسناد، تصور مصدرها، محتاطا إزاء رواته أشد الحيطة، فمن عرف بكذبه نبّه عليه، وحتى من عرف بصدقه كان يراجع روايته على روايات معاصريه ودواوين الشعراء، مبالغة فى الدقة والتحرى. والكتاب مؤلف حقا فى القرن الرابع الهجرى. ولكنه يستمد من رواة القرنين الثانى والثالث الهجريين كما يتضح من أسانيده، فهم الذين جمعوا هذا التراث الجاهلى الضخم، وأتاحوا لمن جاءوا بعدهم أن يؤلفوا مؤلفاتهم الكبرى، سواء أكانت مجموعات شعرية أو أمالى أو أخبارا وتراجم. بل لقد بدأ منذ القرن الثالث تأليف هذه الكتب الجامعة مثل حماسة أبى تمام والبيان والتبيين للجاحظ والكامل للمبرد وعيون الأخبار لابن قتيبة وكتابه الشعر والشعراء. وربما كان السكرى أهم راو ظهر فى النصف الثانى من القرن الثالث، فقد رويت عنه دواوين كثيرة، وهو يجمع فى روايته بين الروايتين الكوفية والبصرية إذ أخذ عن ابن حبيب وابن السكيت الكوفيين كما أخذ عن الرياشى وأبى حاتم السجستانى البصريين. ونمضى فى القرن الرابع الهجرى، فيتكاثر التأليف والتدوين على نحو ما هو معروف عن ابن دريد وابن الأنبارى والقالى والمرزبانى، وعملهم كما ذكرنا مشتق من عمل رواة القرن الثالث، ونراهم يهتمون-مثل أبى الفرج الأصبهانى فى أغانيه-بالسند، فهم لا يكتفون غالبا بالراوى القريب الذى سمعوا منه، بل يسلسلون الرواة حتى نصل إلى أبى عمرو بن العلاء أو إلى المفضل الضبى مثلا. وبذلك قدموا لنا-صنيع سابقيهم-مادة الشعر الجاهلى بكل ما تحمل من أسباب ضعف أو ثقة، وكان كثير منهم لا يزال يرحل إلى البادية صنيع الرواة المتقدمين. ٤ - قضية الانتحال واضح مما قدمنا أن الشعر الجاهلى دخل فيه انتحال كثير، وقد أشار إلى ذلك القدماء مرارا وتكرارا، وحاولوا جاهدين أن ينفوا عنه الزيف وما وضعه الوضّاع

стр. 160

متخذين إلى ذلك مقاييس كثيرة، وبلغ من حرصهم فى هذا الباب أن أهمل ثقاتهم كل ما روى عن المتهمين أمثال حماد وخلف، وكان الأصمعى خاصة لهم بالمرصاد، كما كان المفضل الضبى من قبله، وتتابع الرواة الأثبات بعدهما يحققون ويمحصون فى التراث. ومن أهمهم فى هذا الجانب ابن سلام، فقد دوّن فى كتابه «طبقات فحول الشعراء» كثيرا من ملاحظات أهل العلم والدراية فى رواية الشعر القديم من أساتذة المدرسة البصرية التى ينتسب إليها، وأضاف إلى ذلك كثيرا من ملاحظاته الشخصية. وهذا الكتاب فى الحقيقة هو أول كتاب أثار فى إسهاب مشكلة الانتحال فى الشعر الجاهلى، وقد ردها إلى عاملين: عامل القبائل التى كانت تتزيد فى شعرها لتتزيد فى مناقبها، وعامل الرواة الوضاعين، يقول: «لما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسن شعرائهم، ثم كانت الرواة بعد فزادوا فى الأشعار (١)». فالقبائل كانت تتزيد فى أشعارها وتروى على ألسنة الشعراء ما لم يقولوه، وقد أشار ابن سلام مرارا إلى مازادته قريش فى أشعار الشعراء، فهى تضيف إلى شعرائها منحولات عليهم، وقد أضافت كثيرا إلى شعر حسان (٢) «ويذكر أن من أبناء الشعراء وأحفادهم من كان يقوم بذلك، مثل داود بن متمم بن نويرة، فقد استنشده أبو عبيدة شعر أبيه متمم، ولاحظ أنه لما نفد شعر أبيه جعل يزيد فى الأشعار ويضعها، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذى على كلامه، فيذكر المواضع التى ذكرها متمم والوقائع التى شهدها، فلما توالى ذلك علم أبو عبيدة ومن كانوا معه أنه يفتعله (٣)» ولعل فى هذا ما يدل على أن الرواة من مثل أبى عبيدة كانوا يراجعون ما ترويه القبائل، وكانوا يرفضون منه ما يتبين لهم زيفه، إما بالرجوع إلى أصول صحيحة أو إلى أذواقهم وما يحسنون من نقد الشعر ومعرفتهم بالشاعر ونظمه، ويسوق لنا

стр. 161

ابن سلام شكا فى قصيدة أبى طالب التى روتها قريش فى أشعارها والتى يمدح بها الرسول ﷺ (١)، ومعنى ذلك أنهم نظروا فى شعر قريش فقبلوا منه ورفضوا (٢). فهم يفحصون ويحققون فى شعر المدينة كما فحصوا وحققوا فى شعر قريش وغيرها من القبائل. ويقدم لنا ابن سلام طائفتين من الرواة كانتا ترويان منتحلا كثيرا وتنسبانه إلى الجاهليين، طائفة كانت تحسن نظم الشعر وصوغه وتضيف ما تنظمه وتصوغه إلى الجاهليين، ومثّل لها بحماد، ورأينا، فيما مر بنا، أشباها له فى جنّاد وخلف الأحمر، وطائفة لم تكن تحسن النظم ولا الاحتذاء على أمثلة الشعر الجاهلى، ولكنها كانت تحمل كل غثاء منه وكل زيف، وهم رواة الأخبار والسير والقصص، من مثل ابن إسحق راوى السيرة النبوية إذ كانت تصنع له الأشعار ويدخلها فى سيرته دون تحرز أو تحفظ، منطقا بالشعر العربى من لم ينطقوه من قوم عاد وثمود والعماليق وطسم وجديس. ورفض ابن سلام والأصمعى وأضرابهما رواية الطائفتين جميعا، فلم يقبلوا شيئا مما يرويه أشباه حماد إلا أن يأتيهم من مصادر وثيقة، وكذلك لم يقبلوا شيئا مما يرويه ابن إسحق لا عن الأمم البائدة فحسب، بل عن عرب الجاهلية أنفسهم، إلا أن يجدوه عند رواة أثبات. يقول ابن سلام وقد ذكر أبا سفيان بن الحارث أحد شعراء قريش الذين كانوا يناقضون حسان بن ثابت وشعراء المدينة: إن شعره فى الجاهلية «سقط ولم يصل إلينا منه إلا القليل» ثم علق على ذلك بقوله: «ولسنا نعد ما يروى ابن إسحق له ولا لغيره شعرا، ولأن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذاك لهم (٣)». فهم كانوا يرفضون جملة ما يرويه ابن إسحق وأشباهه من مثل عبيد بن شريّة وينحونه عن طريقهم، يقول ابن سلام: «وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون (٤)» مما حمله رواة القصص والأخبار من شعر غث «لا خير فيه ولا حجة فى عربيته ولا أدب يستفاد ولا معنى

стр. 162

يستخرج ولا مثل يضرب ولا مديح رائع ولا هجاء مقذع ولا فخر معجب ولا نسيب مستطرف (١)». ففى الشعر الجاهلى منتحل لا سبيل إلى قبوله، وفيه موثوق به، وهو على درجات منه ما أجمع عليه الرواة (٢) ومنه ما رواه ثقات لا شك فى ثقتهم وأمانتهم، من مثل المفضل والأصمعى وأبى عمرو بن العلاء. وقد يغلب المنتحل الموثوق به، ولكن ذلك لا يخرج بنا إلى إبطال الشعر الجاهلى عامة، وإنما يدفعنا إلى بحثه وتمحيصه مهتدين بما يقدم لنا الرواة الأثبات من أضواء تكشف الطريق. وقد لفتت هذه القضية، قضية انتحال الشعر الجاهلى، أنظار الباحثين المحدثين من المستشرقين والعرب، وبدأ النظر فيها نولدكه (٣) سنة ١٨٦٤ وتلاه آلورد حين نشر دواوين الشعراء الستة الجاهليين: امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعلقمة وعنترة فتشكك فى صحة الشعر الجاهلى عامة، منتهيا إلى أن عددا قليلا من قصائد هؤلاء الشعراء يمكن التسليم بصحته، مع ملاحظة أن شكا لا يزال يلازم هذه القصائد الصحيحة فى ترتيب أبياتها وألفاظ كل منها. وتابع كثير من المستشرقين آلوارد فى موقفه الحذر من قبول كل ما يروى للجاهليين، أمثال موير وباسيه وبروكلمان، وكان مرجليوث أكبر من أثاروا هذه القضية فى كتاباته إذ كتب فيها مقالا مفصلا نشره فى مجلة الجمعية الملكية الآسيوية بعدد يولية سنة ١٩٢٥ جعل عنوانه كما مرّ بنا (أصول الشعر العربى. (The Origins of Arabic Poetry: ونراه (٤) يستهله بموقف القرآن الكريم من الشعر متحدثا عن بدء ظهوره ونشأته وآراء القدماء فى ذلك، ثم ينتقل إلى الحديث عن حفظه، وينفى أن تكون الرواية الشفوية هى التى حفظته، وقد بينا آنفا بأدلة لا تدفع كيف أن سلسلة روايته لم تنقطع حتى عصر التدوين ولكن مرجليوث يذهب هذا المذهب، ليقول إنه لم تكن هناك وسيلة لحفظه سوى الكتابة، ثم يعود فينفى كتابته فى الجاهلية ليؤكد أنه نظم فى مرحلة زمنية تالية للقرآن الكريم! . ويقف بإزاء الرواة المتهمين أمثال حماد وجنّاد وخلف الأحمر وما كان يطعن به بعض الرواة فى بعض، ليزعم أن الوضع فى هذا الشعر كان

стр. 163

مستمرا. ويقول إنه لا يمثل الجاهليين الوثنيين ولا من تنصروا منهم، فأصحابه مسلمون لا يعرفون التثليث المسيحى ولا الآلهة المتعددة، إنما يعرفون التوحيد والقصص القرآنى وما فى الإسلام من مثل الحساب ويوم القيامة وبعض صفات الله. وفى كتاب الأصنام لابن الكلبى من الشعر الجاهلى ما ينقض زعمه نقضا، أما الشعر المصبوغ بصبغة إسلامية بحتة فنسلم بأنه موضوع، ووضعه ينحصر فيه، ولا يبطل ما وراءه من أشعار جاهلية. وينتقل مرجليوث من ذلك إلى اللغة فيلاحظ أنها لغة ذات وحدة ظاهرة، وهى نفس لغة القرآن الكريم التى أشاعها فى العرب، ويقول ولو أن هذا الشعر صحيح لمثّل لنا لهجات القبائل المتعددة فى الجاهلية كما مثل لنا الاختلافات بين لغة القبائل الشمالية العدنانية واللغة الحميرية فى الجنوب. وأسلفنا فى غير هذا الموضع أن لغة القرآن الفصحى كانت سائدة فى الجاهلية وأن الشعراء منذ فاتحة هذا العصر كانوا ينظمون بها وأنها كانت لهجة قريش، وسادت بأسباب دينية واقتصادية وسياسية. فكان الشعراء ينظمون فيها متخلين عن لهجاتهم المحلية على نحو ما يصنع شعراء العرب فى عصرنا على اختلاف لهجات بلدانهم وأقاليمهم. أما أن الشعر الجاهلى لا يمثل اللغة الحميرية فهذا طبيعى لأنها ليست لغته، وقديما قال أبو عمرو بن العلاء: ما لسان حمير وأقاصى اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا (١) وقد أخذت الفصحى كما قدمنا تقتحم الأبواب على هذه اللغة فى الجاهلية نفسها، بحيث نستطيع أن نقول إن تعريب الجنوبيين بدأ منذ عهود مبكرة. وآخر أدلة مرجليوث على مزاعمه أن النقوش المكتشفة للممالك الجاهلية المتحضرة وخاصة اليمنية لا تدل على وجود أى نشاط شعرى فيها، فكيف أتيح لبدو غير متحضرين أن ينظموا هذا الشعر بينما لم ينظمه من تحضروا من أهل هذه الممالك. ودحض بروينلش هذا الدليل لأن نظم الشعر لا يرتبط بالحضارة ولا بالثقافة والظروف الاجتماعية، وهناك فطريون أو بدائيون لهم شعر كثير مثل الإسكيمو (٢). والحق أن مرجليوث جانبه الصواب فى دعواه، ولذلك هبّ كثير من المستشرقين يردون عليه، مثل بروينلش ولايل، واحتج عليه الأخير فى مقدمته للمفضليات بأن من وضعوا هذا الشعر-على فرض التسليم بذلك-كانوا يحاكون نماذج سابقة

стр. 164

وتقاليد أدبية موروثة قلدوها وحاكوها. ونفس هذه المحاكاة تدل على وجود أصل كانوا يحاكونه، إذ لا يمكن أن يحاكوا شيئا لم يبق منه ما يتيح لهم هذه المحاكاة، وإذن فلابد أن يكون هناك شعر جاهلى عرفه الإسلاميون وحاكوه، وحقا دخله انتحال أمثال حماد وخلف، ولكن وراء انتحالهم شعر صحيح، ينبغى أن نهتدى فى معرفته بالرواية الوثيقة وصفاته الشخصية والأسلوبية المميزة. ونراه يعود إلى هذا الموضوع فى مقدمته لديوان عبيد بن الأبرص، فيؤكد أن رواية هذا الشعر استمرت حية نشطة من الجاهلية إلى أن دوّن نهائيا فى العصر العباسى، وقد يكون أصاب قصائده بعض التغيير ولكن من يرجع إلى المعلقات مثلا يجد لكل منها شخصيتها الواضحة التى تنفرد بها والتى تثبت أنها لصاحبها، وأعاد ما قاله فى المقدمة الأولى من أن تقاليد شعر القرن الأول الهجرى تلزم بوجود الشعر الجاهلى الذى يشترك معها فى نفس التقاليد، وأيضا فإن فيه من الألفاظ الغريبة ما لم يكن يستخدم فى عصر هؤلاء الرواة ممن دونوه مما يدل دلالة قاطعة على أنه صحيح فى جوهره. ولا يزال المستشرقون إلى اليوم يختلفون فى قبول هذا الشعر بحذر والشك فيه شكا معتدلا أو معطرفا، وممن أدلى بدلوه منهم فى هذا الموضوع بلاشير فى الجزء الأول من كتابه: تاريخ الأدب العربى، إذ تحدث طويلا مبينا بل مجسما الشبهات، وبينما يحاول الاعتدال أحيانا إذا به يهجم هجوما عنيفا (١) ومن ألوان هجومه قوله: «نحن نجد فى النصوص المذكورة أن الشعراء أيا كان عصرهم أو قبائلهم يستعملون لغة موحدة منزهة بصورة عامة عن كل أثر لهجى، خاضعة لقواعد تركيبية، هى بصورة مجملة قواعد نحاة البصرة، ولا شك فى أن القصائد الجاهلية جرّدت بتأثير الرواة الكبار عن كثير من الظواهر اللهجية، كما أن التثبيت الكتابى بدوره أتم توحيد اللغة وحتى الأسلوب (٢)» ويقول: «كل شئ يدعونا إلى الاعتقاد بأن كبار الرواة ومعهم علماء العراق قد أجروا فى الشعر القديم إصلاحات ذات صبغة جمالية (٣)» ثم يقول: «والمدهش هو تعدد الروايات واتساعها داخل كل بيت، ولا ريب فى أنها ناشئة عن ضعف الذاكرة فى أثناء الرواية الشفوية وأن عددا قليلا منها ناشئ عن عدم اكتمال طريقة الكتابة أو عن استبدالات فى المترادفات.

стр. 165

وما من شئ يجيز لنا التأكيد بأن هذه الفروق الجزئية ليست قديمة ولا تصعد إلى ظهور الأثر نفسه (١)» وينتهى من ذلك إلى أن «دراسة النصوص الشعرية (يقصد الصحيحة) تقودنا إلى وضع مبدأ يقضى بعدم امتلاكنا أى أثر شفوى فى شكله الأصيل. . ونحن نعلم لكى تتم المأساة أن المقلدات قد امتزجت بالأصول القديمة التى يختلف تحريفها قلة أو كثرة دون أن نتمكن فى كثير من الأحيان من كشف هذه الانتحالات (٢)». وواضح أن بلاشير يزعم أن الأصول الصحيحة للشعر الجاهلى اختلطت بالنماذج والقصائد الموضوعة اختلاطا يتعذر معه أن تميّز، وهو زعم مبالغ فيه، لأن هذه الأصول كما قدمنا وصلتنا عن رواة ثقات، وأجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على توثيقها، بحيث لا يرقى إليها الشك. وهو يزعم أيضا أن الرواة ونحاة البصرة عدّلوا فى هذه الأصول بما يتمشى مع القواعد النحوية البصرية من جهة والقواعد الجمالية الأسلوبية من جهة ثانية، ويتخذ دليله على ذلك خلو القصائد الجاهلية من ظواهر اللهجات القبلية، وقدمنا أن هذه الظواهر كانت فعلا تكاد تكون منعدمة فى الجاهلية نفسها لأن الشعراء فى القبائل المختلفة اصطلحوا على أن ينظموا شعرهم بلهجة قريش، واتخذوها لغة لشعرهم، ومن أجل ذلك لم يسقط من لهجاتهم فى أشعارهم إلا أشياء قليلة جدا، سجلها هؤلاء النحاة البصريون، وإلا ففيم هذه الشواذ النحوية التى تمتلئ بها كتبهم. ولم يكن رواة البصرة ونحاتها وحدهم الذين يروون هذا الشعر، بل كان يرويه معهم رواة الكوفة ونحاتها، وكانوا مولعين بإثبات الشواذ واعتبارها أصولا يقاس عليها. أما أن هؤلاء الرواة جميعا أدخلوا فى الشعر الجاهلى إصلاحات ذات صبغة جمالية، تقوم على متانة اللفظ وجزالته، فهى دعوى تستلزم ضربا من الدور، إذ كانوا يرجعون فى هذه الإصلاحات إلى المقاييس الجمالية المبثوثة فى هذا الشعر الجاهلى والتى تقوم على الرصانة والجزالة، ثم يصلحونه على أساسها، وبذلك يجعلهم بلاشير يدورون، وهو دور باطل، تنقضه طبيعة الأشياء. والحق أن ثقاتهم نقلوا إلينا هذا الشعر بكل صفاته الجمالية وما داخله من عيوب تركيبية أو شواذ نحوية أو لغوية. على أننا نسلم بما يقوله بلاشير

стр. 166

من أن القصائد أصابها بعض التغيير أثناء سفرها الطويل من الجاهلية إلى عصر التدوين، فقد يستبدل الراوى كلمة بأخرى ترادفها، وقد يغيب عن ذاكرته بعض الأبيات، وقد يخالف فى ترتيب أبيات القصيدة فيقدم فيها أو يؤخر. غير أن ذلك لا يخل بصحة ما حمله ورواه العلماء الثقات الذين نصّوا على المنتحل المصنوع على نحو ما يصور لنا ذلك كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام. وإذا تركنا المستشرقين إلى العرب المحدثين والمعاصرين وجدنا مصطفى صادق الرافعى يعرض هذه القضية قضية الانتحال فى الشعر الجاهلى عرضا مفصلا فى كتابه «تاريخ آداب العرب» الذى نشره فى سنة ١٩١١ ولكنه لا يتجاوز فى عرضه-غالبا-سرد ما لاحظه القدماء (١)، ونحن نحمد له استقصاءه لملاحظاتهم كما نحمد له ما وقف عنده من شعر الشواهد للمذاهب النحوية والكلامية، فقد لاحظ ما دخل هذا الشعر من بعض الوضع، وهو وضع سجله القدماء أنفسهم ولم يفتهم التنبيه عليه. وخلف مصطفى الرافعى طه حسين فدرس القضية دراسة مستفيضة فى كتابه «الشعر الجاهلى» الذى أحدث به رجة عنيفة أثارت كثيرين من المحافظين والباحثين فتصدوا للرد عليه. ولم يلبث أن ألف مصنفه «فى الأدب الجاهلى» الذى نشره فى سنة ١٩٢٧ وفيه بسط القول فى القضية بسطا أكثر سعة وتفصيلا، إذ زودها ببراهين جديدة، وقد خصص لها فى مصنفه أربعة كتب، هى الكتاب الثانى والثالث والرابع والخامس، ونراه يعنى فى الكتاب الثانى ببيان الأسباب التى تحمل على الشك فى الشعر الجاهلى، ويقدم بين يديها نتيجة بحثه فيقول: «إن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبا جاهليا ليست من الجاهلية فى شئ، وإنما هى منتحلة بعد ظهور الإسلام، فهى إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، وأكاد لا أشك فى أن ما بقى من الأدب الجاهلى الصحيح قليل جدا، لا يمثل شيئا ولا يدل على شئ، ولا ينبغى الاعتماد عليه فى استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلى (٢)».

стр. 167

وواضح أنه يبقى فى الشعر الجاهلى على بقية صحيحة، وإن كانت فى رأيه قليلة، ولا تعطينا الصورة الأدبية الوثيقة لهذا الشعر. وقد مضى يبسط الأسباب التى تدفع الباحث إلى الشك فيه واتهامه، وردها إلى أنه لا يصور حياة الجاهليين الدينية والعقلية والسياسية والاقتصادية، كما أنه لا يصور لغتهم وما كان فيها من اختلاف اللهجات، وتباينها بلهجاتها من اللغة الحميرية. أما من حيث حياتهم فيقول إنه عرضها على القرآن الكريم، فوجده يمثلها من جميع جوانبها المذكورة تمثيلا قويا، فهو يجادل اليهود والنصارى والصابئة والمجوس ويهاجمهم كما يهاجم الوثنيين والوثنية، ويطلعنا فى تضاعيف ذلك على جملة معتقداتهم، بينما نجد الشعر-كما يقول-بريئا أو كالبرئ من الشعور الدينى القوى والعاطفة المتسلطة على النفس. وقياس الشعر الجاهلى فى هذا الجانب على القرآن الكريم مردود أو منقوض، لأن القرآن كتاب دينى يريد أن يجمع العرب على الإسلام، فطبيعى أن يعرض لدياناتهم ويناقشها، ويبين ما فيها من ضلال، بخلاف الشعر، فإن شاعرا لم يدع لدين جديد، ومع ذلك فإن فى كتاب الأصنام لابن الكلبى ذخيرة كبيرة من الشعر تصور حياتهم الوثنية تصويرا دقيقا. وينتقل إلى حياتهم العقلية فيلاحظ أنها غير واضحة فى الشعر المنسوب إليهم، وكأنه يطلب إليهم حياة عقلية راقية أو معقدة، وكانوا فى جمهورهم بدوا لم يتحولوا إلى طور فكرى منظم، وقد عرضنا فى غير هذا الموضع لذلك الطور وما يمثله من أشعارهم. ومعنى ذلك أن حياتهم العقلية الفطرية ماثلة فى شعرهم. ويخرج من ذلك إلى أن حياتهم السياسية لا تتضح فى أشعارهم، مع أنهم كانوا على اتصال بمن حولهم من الأمم، مما يوضحه القرآن الكريم فى سورة الروم، إذ يعرض علينا العرب شيعتين: شيعة تنتصر للروم وشيعة تنتصر للفرس. وهذا فى الواقع لا يصدق على العرب جميعا، إنما يصدق على قريش وقوافلها التجارية التى كانت تنزل فى بلاد الدولتين. ومع ذلك فقد كان شعراء نجد والحجاز يتصلون بالغساسنة من أتباع الروم والمناذرة من أتباع الفرس ويمدحونهم ويهجونهم. ولما نشبت الحروب بين قبيلة بكر والفرس قبيل الإسلام هدّدهم شعراء هذه القبيلة وتوعدوهم طويلا على نحو ما هو معروف عن الأعشى مثلا. ويتحدث عن حياتهم الاقتصادية وأننا لا نظفر بشئ ذى غناء فى شعرهم

стр. 168

يمثل لنا هذه الحياة، بينما يمثل لنا الذكر الحكيم العرب طائفتين: طائفة الأغنياء المستأثرين بالثروة وطائفة الفقراء المعدمين، وليس فى الشعر ما يصور ذلك كما يقول، إنما فيه أن العرب جميعا أجواد كرام، على حين يلح القرآن الكريم فى ذم البخل والبخلاء. وهذا القياس أيضا لا يستقيم، لسبب بسيط، وهو أن شعر الصعاليك طافح بما يصور النضال بين الأغنياء والفقراء (١)، وأيضا فإن شعراءهم إذا كانوا قد أكثروا فى مدحهم وفخرهم من ذكر الكرم فإنهم أكثروا فى هجائهم من ذكر البخل وشح النفس. ولا بد أن نلاحظ أن كثيرا من القرآن نزل فى قريش التاجرة التى بلغ كثير منها مبلغا عظيما فى الثراء والتى كان يشيع فيها الرّبا أضعافا مضاعفة. ووقف طه حسين طويلا إزاء لغة الشعر الجاهلى ولاحظ أنه لا يصور اللغتين الشائعتين فى الجزيرة: لغة الحميريين الجنوبية ولغة العدنانيين الشمالية، بل هو يضيف إلى الجنوبيين أشعارا بلغة الشماليين. وحقا إن ما يضاف إلى من كانوا فى أقصى الجنوب وداخل اليمن منتحل، أما من كانوا منهم يجاورون الشماليين فقد تعربوا فى الجاهلية مثل مذجح وبلحارث بن كعب. على أنه يطرد القياس فينشكك فى شعراء القبائل اليمنية التى هاجرت من مواطنها الأصلية فى الجنوب إلى الشمال مثل كندة وشاعرها امرئ القيس. ومما لا شك فيه أن هذه القبائل هاجرت إلى الشمال قبل العصر الجاهلى وتعرّبت، فهى ليست يمنية ولا جنوبية من الوجهة اللغوية، وإنما هى شمالية. وقد وقف عند لهجات الشماليين فى الجاهلية، تلك التى تمثلها قراءات القرآن الكريم، ولاحظ أن الشعر الجاهلى لا يمثلها، واتخذ من ذلك مطعنا فى صحته، ومر بنا فى غير هذا الموضع أن لهجة قريش عمت فى الجزيرة منذ أوائل القرن السادس الميلادى واتخذها الشعراء لغة أدبية لهم، ينظمون فيها أشعارهم مرتفعين غالبا عن لهجات قبائلهم المحلية، فلا محل للتساؤل عن هذه اللهجات فى شعر الجاهليين، ولا موضع لاتخاذ ذلك دليلا على أنه منتحل موضوع. ونراه يتشكك فى شعر الشواهد التعليمية على ألفاظ القرآن والحديث والمذاهب الكلامية، غير أن هذه الشواهد أبيات فردية، واتهامها ينبغى أن ينحصر

стр. 169

فيها وأن لا يتعداها إلى الشعر الجاهلى عامة. ويخرج طه حسين فى مصنفه من هذا الكتاب الثانى إلى الكتاب الثالث، فيتحدث عن أسباب نحل الشعر ويبسطها بسطا معتمدا على ملاحظات القدماء، ونراه يردها إلى السياسة والدين والقصص والشعوبية والرواة، أما السياسة وأراد بها العصبية القبلية فرآها تلعب دورا واضحا فى شعر قريش والأنصار، إذ أضافت قريش إلى نفسها أشعارا كثيرة، وقد استكثرت بنوع خاص من الشعر الذى يهجى به الأنصار. وواضح أن هذا لم يكن غائبا عن ابن سلام، فقد نص عليه وحذّر منه كما أسلفنا، كما حذر من أشعار وضعتها قريش على لسان حسان. على أن الأشعار جميعها التى وقف طه حسين عندها ليست جاهلية، وإنما هى إسلامية. وينتقل إلى الدين فيبين دوره فى هذا النحل متشككا فى الأشعار التى يقال إنها نظمت فى الجاهلية إرهاصا ببعثة الرسول، مما رواه ابن إسحق واحتفظ به ابن هشام فى سيرته، ومثله ما يضاف إلى الجن والأمم القديمة البائدة. ومرّ بنا رفض ابن سلام لهذه الأشعار وما يماثلها. وتشكك فيما أضيف إلى شعراء اليهود والنصارى من أشعار، وكذلك ما أضيف إلى عدى بن زيد العبادى، ولم يكن القدماء فى غفلة عن ذلك (١). ونراه يتحدث عن القصص والقصاص وأثرهم فى وضع الشعر، ومرّ بنا تنبيه ابن سلام على ذلك عند ابن إسحق وأضرابه. ويعرض للشعوبية وما يمكن أن تكون قد نحلت الجاهليين من أشعار لتثبت على لسانهم مثالبهم التى تدعيها، كما تثبت ثناءهم على الأعاجم. وقد تشكك فى هذا الشعر الكثير الذى يضيفه الجاحظ إلى الجاهليين فى مصفه الحيوان، ليدل على اتساع معرفتهم فى هذا العلم: علم الحيوان، عصبية لهم، والحق أن هذا لم يكن من أهداف الجاحظ، فهو نفسه ينفى عنهم العلم الدقيق بالحيوان، إذ يقول إن معارفهم فيه معارف أولية، وإنه إنما دار فى أشعارهم لأنه كان مبثوثا تحت أعينهم وأبصارهم فى ديارهم (٢). ويختم هذا الكتاب بالوقوف عند الوضاعين من الرواة أمثال حماد وخلف، ومرّ بنا كيف أن القدماء كانوا لهم بالمرصاد. ومعنى ذلك كله أنه فى هذا الكتاب إنما يردّد ما نص عليه العلماء السابقون من قضايا، يريد أن يتسع بها

стр. 170

لنقض الشعر الجاهلى جميعه، وهى إنما تنقض جوانب منه، وينبغى أن نقف عندها، وأن لا نذهب مذهب التعميم، فإن القدماء إنما ذكروا هذا كله ليدلوا على ما أحاطوا به رواية الشعر الجاهلى من سياج قوى، حتى نميز الصحيح من الزائف والوثيق من المنحول. ويمضى طه حسين فى مصنفه إلى الكتاب الرابع، وهو دراسة تطبيقية لبيان الانتحال فى شعر طائفة من شعراء اليمن وربيعة ويبدأ فى دراسته بامرئ القيس ويتشكك فى شعره، لأنه يمنى وشعره قرشى اللغة، ثم هو شعر مضطرب ركيك. ومر بنا أنه كان يمنى الجنس، ولكنه كان قرشى اللغة، أما أن شعره ركيك والوضع فيه كثير، فقد كان يغنيه عن هذا الظن ما يروى عن الأصمعى من أنه قال: «كل شئ فى أيدينا من شعر امرئ القيس فهو عن حماد الراوية إلا نتفا سمعتها من الأعراب وأبى عمرو بن العلاء (١)». ونراه ينتقل إلى علقمة الفحل فيشك فى شعره، وقد كان ابن سلام لا يثبت له سوى ثلاث قصائد (٢). وشك فى شعر عبيد بن الأبرص، وأسلفنا أن ابن سلام لم يكن يعرف له سوى معلقته (أقفر من أهله ملحوب) وكان يقول إن شعره مضطرب ذاهب. ومضى على هذا النحو يشك فى شعر عمرو ابن قميئة ومهلهل وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة وطرفة والمتلمس والأعشى معتمدا على الأحكام الذاتية، ولو أنه استقصى آراء الرواة الثقات لأعانه ذلك كثيرا فى تحقيق أشعارهم جميعا. وننتقل مع طه حسين فى مصنفه إلى الكتاب الخامس، وهو خاص بشعراء مضر، فنراه لا يستبعد أن يكون هناك شعراء مضريون وشعر مضرى، غير أنه لا يلبث أن يستدرك قائلا: «لكننا لا نشك أيضا فى أن هذا الشعر قد ذهب وضاعت كثرته، ولم يبق لنا منه إلا شئ قليل جدا لا يكاد يمثل شيئا، وهذا المقدار القليل الذى بقى لنا من شعر مضر قد اضطرب وكثر فيه الخلط والتكلف والنحل، حتى أصبح من العسير جدا إن لم يكن من المستحيل تخليصه وتصفيته (٣)». ويضيف إلى ذلك أن من الخطأ أن نكتفى فى الحكم على الشعر المضرى بالسند ومن يحمله من الرواة، أو بالغرابة والسهولة، ذاهبا إلى أن الباحث فى هذا الشعر

стр. 171

ينبغى أن يحكّم فيه مقياسا مركبا من خصائص فنية يشترك فيها طائفة من الشعراء بحيث يكوّنون مدرسة كمدرسة أوس بن حجر التى تتألف منه ومن زهير وابنه كعب والحطيئة، فإن لهذه المدرسة من الخصائص الفنية المشتركة ما يؤكد صحة شعرها وسلامته من الوضع والانتحال. وكأنه بذلك يهدم شكوكه الواسعة فى الشعر الجاهلى، فقد رجع أخيرا يسلم بصحة بعض جوانبه ودواوينه. على أننا لا نسلم له بطرد هذا المقياس فى تلك المدرسة نفسها، فقد لاحظ القدماء أن شعر أوس بن حجر اختلط بشعر ابنه شريح (١)، واختلف الرواة فى بعض ما نسب إليه من شعر هل هو له أو لعبيد ابن الأبرص الأسدى (٢)، وسنرى فى درسنا لزهير أن من الخطأ أن نقبل رواية الكوفيين لديوانه، فقد حملت زيادات كثيرة، شك القدماء فى أطراف منها، ونفس الرواية البصرية سنرفض قطعا وأشعارا منها، رغم أنها جاءتنا عن الأصمعى بل سنرى الأصمعى نفسه يشك فى ثلاث قصائد مثبتة فى روايته. والحق أن الشعر الجاهلى فيه موضوع كثير، غير أن ذلك لم يكن غائبا عن القدماء، فقد عرضوه على نقد شديد، تناولوا به رواته من جهة وصيغه وألفاظه من جهة ثانية، أو بعبارة أخرى عرضوه على نقد داخلى وخارجى دقيق. ومعنى ذلك أنهم أحاطوه بسياج محكم من التحرى والتثبت، فكان ينبغى أن لا يبالغ المحدثون من أمثال مرجليوث وطه حسين فى الشك فيه مبالغة تنتهى إلى رفضه، إنما نشك حقا فيما يشك فيه القدماء ونرفضه، أما ما وثقوه ورواه أثباتهم من مثل أبى عمرو بن العلاء والمفضل الضبى والأصمعى وأبى زيد فحرى أن نقبله ما داموا قد أجمعوا على صحته. ومع ذلك ينبغى أن نخضعه للامتحان وأن نرفض بعض ما رووه على أسس علمية منهجية لا لمجرد الظن، كأن يروى لشاعر شعر لا يتصل بظروفه التاريخية، أو تجرى فيه أسماء مواضع بعيدة عن موطن قبيلته، أو يضاف إليه شعر إسلامى النزعة، ونحو ذلك مما يجعلنا نلمس الوضع لمسا.

стр. 172

٥ - أهم مصادر الشعر الجاهلى رأينا علماء البصرة والكوفة ورواتهما يجمعون مادة الشعر الجاهلى، وقد توزعتها منتخبات عامة ودواوين مفردة للشعراء وأخرى للقبائل غير كتب الطبقات والتراجم وكتب التاريخ واللغة. وسنحاول وصف طائفة منها وبيان مقدار الثقة بها. ونبدأ من المنتخبات العامة بالمعلقات، وقد مر بنا أنها لم تعلّق بالكعبة كما زعم بعض المتأخرين، وإنما سميت بذلك لنفاستها أخذا من كلمة العلق بمعنى النفيس، ويقال إن أول من رواها مجموعة فى ديوان خاص بها حماد الراوية (١)، وهى عنده سبع: لامرئ القيس وزهير وطرفة ولبيد وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلّزة وعنترة. ونراها عند المفضل الضبى سبعا أيضا غير أنه أسقط اثنين من رواية حماد هما الحارث ابن حلّزة وعنترة وأثبت مكانهما الأعشى والنابغة (٢)، وربما أضاف حماد الحارث فى مقابلة عمرو بن كلثوم التغلبى لأن ولاءه كان فى بكر. على أننا لا نمضى فى عصر التبريزى حتى نجده يجعلها فى شرحه لها عشرا جامعا بين الروايتين ومضيفا قصيدة عبيد بن الأبرص: (أقفر من أهله ملحوب). وقد عنى الشرّاح بهذه المجموعة، فشرحوها مرارا، وطبع من شروحهم شرح الزوزنى المتوفى سنة ٤٨٦ هـ. وقد كتبه على رواية حماد، ثم شرح التبريزى المتوفى سنة ٥٠٢. وأكبر الظن أن حمادا لم يأخذ حريته كاملة فى قصائد مجموعته، فقد كانت على ما يظهر معروفة بين العرب، على أنه ينبغى مقابلتها على دواوين أصحابها ورواياتها الوثيقة. والمجموعة الثانية فى المنتخبات هى المفضليات، نسبة إلى جامعها المفضّل الضبى راوى الكوفة الثقة، وقد نشرها ليال بشرح ابن الأنبارى، وهى مائة وست وعشرون قصيدة أضيف إليها أربع قصائد وجدت فى بعض النسخ، وفى مقدمة الشرح

стр. 173

سند كامل لها يرفعه ابن الأنبارى إلى ابن الأعرابى تلميذ المفضل وربيبه، ويقول ابن النديم: «هى مائة وثمانية وعشرون قصيدة، وقد تزيد وتنقص وتتقدم القصائد وتتأخر، بحسب الرواية عن المفضل، والصحيحة التى رواها عنه ابن الأعرابى (١)» ومعنى ذلك أن فى أيدينا أوثق نسخة للمفضليات. وتعلّق عبد السلام هرون وأحمد شاكر ناشراها فى دار المعارف بنص عن الأخفش يزعم أنها كانت ثمانين ألقاها المفضل على المهدى، وزاد فيها الأصمعى أربعين، ثم زاد البقية بعض تلاميذه (٢). وربما جاء الأخفش اللبس (٣) من أن الأصمعيات تلتقى معها فى تسع عشرة قصيدة، وأيضا فقد جد الرواة يقولون إن أبا جعفر المنصور حين عهد إلى المفضل بتثقيف ابنه المهدى بالشعر القديم اختار له ثمانين قصيدة، فلما وجدها قد زادت عن الثمانين ووجدها تلتقى مع الأصمعيات فى بعض القصائد ظن أن الأصمعى وتلاميذه هم الذين أضافوا فيها هذه الزيادات، ولو أنه اطلع على رواية ابن الأعرابى خصم الأصمعى لزايله هذا الوهم، وكأن المفضل اختار أولا ثمانين ألقاها على المهدى، ثم زادها إلى مائة وثمانية وعشرين كما جاءت فى رواية تلميذه ابن الأعرابى. وهى موزعة على سبع وستين شاعرا منهم سبع وأربعون جاهليّا وعلى رأسهم المرقشان الأكبر والأصغر والحارث بن حلّزة وعلقمة بن عبدة والشّنفرى وبشر بن أبى خازم وتأبط شرّا وعوف بن عطية وأبو قيس بن الأسلت الأنصارى والمسيّب وبينهم امرأة من بنى حنيفة ومجهول من اليهود ومسيحيان هما عبد المسيح بن عسلة الشيبانى وتتضح مسيحيته فى اسمه، ثم جابر بن حنى التغلبى، ونراه يقول فى مفضليته: وقد زعمت بهراء أن رماحنا ... رماح نصارى لا تخوض إلى الدّم ولو لم يصلنا من الشعر الجاهلى سوى هذه المجموعة الموثقة لأمكن وصف تقاليده وصفا دقيقا، فقد مثلت جوانب الحياة الجاهلية ودارت مع الأيام والأحداث

стр. 174

وعلاقات القبائل بعضها ببعض وبملوك الحيرة والغساسنة، وانطبعت فى كثير منها البيئة الجغرافية. وقد جاء فيها كثير من الكلمات المندثرة التى لم ترد فى المعاجم اللغوية (١) على كثرة ما أثبتت من الألفاظ المهجورة، مما يرفع الثقة بها ويؤكدها. والمجموعة الثالثة من كتب المنتخبات العامة الأصمعيات نسبة إلى الأصمعى راويها، وقد نشرها ألوارد (Ahlwardt) عن نسخة سقيمة فى برلين سنة ١٩٠٢ وأعاد نشرها عبد السلام هرون وأحمد شاكر عن نسخة للشنقيطى نقلها عن أصل قديم وهى نشرة علمية جيدة، وقد بلغ عدد قصائدها ومقطوعاتها اثنتين وتسعين، وهى موزعة على ٧١ شاعرا منهم نحو ٤٠ جاهليّا على رأسهم امرؤ القيس والحارث ابن عباد ودريد بن الصّمّة وأبو دواد الإيادى وذو الإصبع العدوانى وسلامة بن جندل وطرفة وعروة بن الورد وقيس بن الخطيم، وبينهم يهوديان هما سعية بن الغريض والسموأل. وهذه المجموعة كسابقتها فى الثقة بها وعلو درجتها، وقد جاء فيها أيضا كثير من الكلمات المهجورة التى لم تثبتها المعاجم (٢)، غير أنها لم تلعب الدور الذى لعبته المفضليات فلم يتعلق بها الشرّاح، ولعل ذلك يرجع إلى قلة غريبها بالقياس إلى المفضليات، وأيضا فإن الأصمعى لم يرو كثيرا من القصائد كاملة، بل اكتفى بمختارات منها. والمجموعة الرابعة جمهرة أشعار العرب لأبى زيد محمد بن أبى الخطاب القرشى، ولا نجد اسمه بين الرواة المشهورين، غير أنه يتضح من مقدمته لكتابه وما نقله عن الرواة أن بينه وبين رواة القرن الثانى جيلين أو ثلاثة، فالوسائط بينه وبينهم فى السند غير بعيدة، ولذلك نظن أنه كان يعيش فى أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع، وقد ذكره ابن رشيق المتوفى سنة ٤٦٣ للهجرة فى كتابه العمدة (٣) كما ذكره السيوطى فى المزهر (٤) والبغدادى فى الخزانة (٥). والجمهرة تضم تسعا وأربعين قصيدة طويلة موزعة على سبعة أقسام فى كل قسم سبع قصائد، والقسم الأول خاص بالمعلقات، وقد أخذ فيها برواية الضبى، فأسقط منها معلقتى الحارث وعنترة ووضع مكانهما معلقتى الأعشى والنابغة. ويلى هذا القسم المجمهرات وهى

стр. 175

لعبيد بن الأبرص وعدى بن زيد وبشر بن أبى خازم وأمية بن أبى الصلت وخداش ابن زهير والنمر بن تولب وعنترة وألحقت قصيدته فى النسخة المطبوعة بالمعلقات حطأ. ويلى ذلك المنتقيات أى المختارات، ثم المذهبات وجميعها لشعراء من الأنصار جاهليين أو مخضرمين، وربما قصد باسمها أنها تستحق أن تكتب بالذهب، ثم عيون المراثى، ثم المشوبات وهى لمخضرمين شابهم الكفر والإسلام، ثم الملحمات وجميعها لإسلاميين. وهى مجموعة غنية بالقصائد الطويلة ولكنها غير موثقة الرواية، فلابد فى الاعتماد عليها من مقابلتها على روايات صحيحة. وطبعت الجمهرة مرارا فى بيروت والقاهرة. ومثل هذه المجموعة فى ضعف سندها مختارات ابن الشجرى المتوفى سنة ٥٤٢ للهجرة، وهى مختارات من شعر جاهلى وإسلامى، موزعة على ثلاثة أقسام وأهم من فى القسم الأول الشّنفرى وطرفة ولقيط الإيادى والمتلمّس، أما القسم الثانى فمختارات من دواوين زهير وبشر بن أبى خازم وعبيد بن الأبرص، وأما القسم الثالث فمختارات من ديوان الحطيئة. وطبعت هذه المجموعة بالقاهرة. وتدخل فى هذه المختارات دواوين الحماسة، وقيمتها أدبية أكثر منها تاريخية، إذ لا يعرّفنا أصحابها بمصادرهم وأشهرها ديوان الحماسة لأبى تمام المتوفى حوالى سنة ٢٣٢ للهجرة وقد شرح مرارا، ومن شروحه المطبوعة شرح المرزوقى وشرح التبريزى وهو يفيض بالإشارات التاريخية. ونصّ المرزوقى على أن أبا تمام أصلح فى الشعر الذى رواه، يقول: «إنك تراه ينتهى إلى البيت الجيد فيه لفظة تشينه، فيجبر نقيصته من عنده، ويبدل الكلمة بأختها فى نقده، وهذا يبين لمن رجع إلى دواوينهم، فقابل ما فى اختياره بها (١)». وحماسته موزعة على عشرة أبواب أكبرها باب الحماسة وبه سماها، وهى مقطوعات لجاهليين وإسلاميين وعباسيين، وقلما روى فيها قصائد كاملة. وتلى هذه الحماسة فى الأهمية حماسة البحترى المتوفى سنة ٢٨٤ هـ وهى مقطوعات قصيرة موزعة على مائة وأربعة وسبعين بابا، وأكثر أبوابها فى نزعات خلقية، ولم يعن القدماء بشرحها. ولابن الشجرى صاحب المختارات حماسة طبعت فى حيدرآباد، وأغلب منتخباتها من الشعر الجاهلى. وطبعت أخيرا حماسة الخالديين أو الأشباه والنظائر للأخوين سعيد الخالدى المتوفى

стр. 176

سنة ٣٥٠ ومحمد المتوفى سنة ٣٨٠. ولا تزال الحماسة البصرية لعلى بن أبى الفرج البصرى المتوفى فى القرن السابع غير مطبوعة، وفى دار الكتب المصرية مخطوطتان منها. وإذا تركنا هذه المختارات إلى الدواوين المفردة لقينا منها دواوين الشعراء الستة الجاهليين: امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة وعلقمة وقد نشرها ألوارد، إلا أنه لم يكتف برواية الأصمعى التى احتفظ بها شرح الشنتمرى، بل أضاف إليها زيادات هى فى الأكثر منحولات، ولا نزال فى حاجة إلى نشر شرح الشنتمرى المتوفى سنة ٤٧٦ وقد استخرج منه مصطفى السقا شرحه على تلك الدواوين والتزم روايته فى المجموعة التى سماها باسم مختار الشعر الجاهلى. وطبع ديوان امرئ القيس طبعات مختلفة لعل أهمها الطبعة الأخيرة بدار المعارف، وقد جمع فيها أبو الفضل إبراهيم رواياته جميعها وقارن بينها مقارنات دقيقة. ونشرت دار الكتب المصرية ديوان زهير بشرح ثعلب، غير أن من حققوه لم يقابلوا بين هذه الرواية الكوفية ورواية الأصمعى البصرية التى يحتفظ بها الشنتمرى فى شرحه. وطبعت دواوين أخرى مثل ديوان النابغة وطرفة ولبيد وعروة بن الورد وحاتم وعلقمة والشنفرى وأوس بن حجر، إلا أن أكثر هذه الدواوين لا يزال فى حاجة إلى نشرة علمية جيدة. وقد نشر لايل ديوانى عبيد بن الأبرص وعامر بن الطفيل، وهناك دواوين مخطوطة لما تنشر. أما دواوين القبائل التى جمع منها الشيبانى نيفا وثمانين وعنى السكرى بكثير منها ففقدت فى الطريق (١)، ولم يبق منها إلا قطع من ديوان هذيل نشرت فى خمس مجموعات، أربع منها فى أوربا وهى من صنعة أبى سعيد الحسن بن الحسين السكرى، طبعت أولاها فى لندن سنة ١٨٥٤ بتحقيق كوزجارتن وطبعت الثانية فى برلين سنة ١٨٨٧ بتحقيق فلهاوزن، وطبعت الثالثة وهى خاصة بديوان أبى ذؤيب فى هانوفر سنة ١٩٢٦ بتحقيق يوسف هل، وفى سنة ١٩٣٣ نشر القطعة الرابعة فى ليبزج، وهى تتداخل مع القطعة الخامسة التى نشرتها دار الكتب المصرية، ويظهر أن هذه القطعة الأخيرة اختلطت فيها نسخة السكرى بنسخة أخرى مختصرة منها، ولذلك كان يقل فيها الشرح وإسناد الرواية. وهذه القطع التى وصلتنا من صنعة السكرى غاية فى النفاسة لا لأنه يضمنها أخبارا وشروحا فحسب، بل

стр. 177

لأنه يقفنا وقوفا دقيقا على مصادره، إذ يذكر دائما الإسناد فى القصيدة وألفاظها وأبياتها مثبتا ما اختلف فيه الرواة البصريون وعلى رأسهم الأصمعى والكوفيون وعلى رأسهم ابن الأعرابى وأبو عمرو الشيبانى ومن جاء بعدهم من البغداديين مثل عبد الله ابن إبراهيم الجمحى، ومن بين من ينقل عنهم أبو عبيدة. ومنه نعرف أن الأصمعى كان ينقل عن مصدر من نفس القبيلة هو عمارة بن أبى طرفة الهذلى. وبذلك كانت أجزاء من هذه القطع التى رواها السكرى عن ديوان هذيل لا تقل ثقة ولا قيمة تاريخية عن المفضليات والأصمعيات. ومن الكتب الجيدة التى تشتمل على شعر جاهلى كثير شرح النقائض لأبى عبيدة، فقد أنشد فيه كثيرا من الشعر الذى قيل فى أيام العرب وحذا حذوه من كتبوا فى أيام العرب مثل ابن الأثير فى كامله وابن عبد ربه فى عقده. ومن الكتب الجيدة أيضا طبقات الشعراء لابن سلام، ومر بنا أنه أودع فيه دراسة دقيقة للشعر الجاهلى صحيحه ومصنوعه. أما كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة فربما كان خير ما فيه مقدمته التى يحاول أن يربط فيها شعراء عصره بالمثل الجاهلية القديمة، أما بعد ذلك فالكتاب فقير فى تراجمه وما يطوى فيها من أخبار وأشعار غير مسندة إلى رواتها. وهناك كتب أدب ألفت فى البصرة مثل البيان والتبيين والحيوان للجاحظ والكامل للمبرد، ومن الخير أن نرد ما بها من شعر إلى روايات بصرية صحيحة، حتى نكون أكثر طمأنينة. ويجرى مجراها ما فى أمالى اليزيدى ومجالس ثعلب من أشعار وينبغى أن نتلقى كتب الأدب البغدادية مثل عيون الأخبار لابن قتيبة بحذر، مثلها أمالى أبى على القالى ففيها انتحال كثير. ومن المختصرات التى تفيد فى المراجعة كتاب المؤتلف والمختلف للآمدى ومعجم الشعراء للمرزبانى وكتابه الموشّح نفيس فى التعرف على كثير مما وضع على الشعراء الجاهليين. وهناك أشعار جاهلية كثيرة فى كتب النقد مثل نقد الشعر لقدامة والصناعتين لأبى هلال العسكرى والوساطة بين المتنبى وخصومه للجرجانى والعمدة لابن رشيق، ومثلها مثل الشواهد المبثوثة فى كتب اللغة والنحو ينبغى التوثق منها بالرجوع إلى المصادر الأصلية الوثيقة. أما ما جاء فى كتب السير والأخبار والتاريخ كسيرة ابن هشام وتاريخ الطبرى ومغازى الواقدى فينبغى أن نرفضه إلا أن تدعمه روايات صحيحة. وإذا كنا فقدنا كثيرا من الدواوين المفردة ودواوين القبائل وما كان بها من

стр. 178

أخبار وأشعار فإن كثيرا من ذلك احتفظ به أبو الفرج الأصبهانى فى كتابه الأغانى الذى ترجم فيه للشعراء من القرن السادس إلى القرن التاسع للميلاد ترجمات غنية، سجل فيها كثيرا من المادة التى فقدت، وكان له ذوق عالم ناقد بصير، فساق من الكتب التى سبقته أطرف ما فيها من أخبار وأشعار، ولم يسقها مفردة، بل ساقها بأسانيدها التى ترجع بها إلى مصادرها ورواتها الأوائل مثل الأصمعى وأبى عبيدة وابن الأعرابى وأبى عمرو الشيبانى والهيثم بن عدى وخالد بن كلثوم وابن الكلبى وأضرابهم ومن خلفوهم من جلة الرواة والمصنفين. وإذا تعددت الروايات فى الخبر ذكرها جميعا، وكثيرا ما يقف ليفحص ما ينقله، فيرفض رواية لأن راويها ابن الكلبى أو ابن خرداذبة أو غيرهما من المتهمين. وقد يشك فى مقطوعة أو قصيدة تنسب لشاعر من الشعراء، فيرجع إلى ديوانه فى رواياته المختلفة، وينص على أنه وجدها أو لم يجدها، وقد يعرض الخبر على التاريخ ليتوثق منه. وفى تضاعيف ذلك يسوق آراء الرواة والنقاد فى الشعراء وشعرهم. والحق أنه أكبر مصدر لتاريخ الشعر الجاهلى وأصحابه، فإذا أضفنا له الأصمعيات والمفضليات وديوان هذيل وما صح من الدواوين المفردة كنا أمام مادة خصبة للبحث والدراسة فى الجاهليين وأشعارهم وأخبارهم. ومن الكتب المتأخرة التى احتفظت ببعض ما فقد من الروايات والمصنفات القديمة خزانة الأدب للبغدادى المتوفى سنة ١٠٩٣ للهجرة، وهو شرح على شواهد الرضى شارح كتاب الكافية لابن الحاجب، وفيه تراجم دقيقة لبعض الجاهليين وملاحظات على بعض أشعارهم من حيث الانتحال والصحة. ومثله فى هذا الاتجاه شرح السيوطى على شواهد المغنى لابن هشام.

стр. 179

الفصل السادس خصائص الشعر الجاهلى ١ - نشأة الشعر الجاهلى وتفاوته فى القبائل لا ريب فى أن المراحل التى قطعها الشعر العربى حتى استوى فى صورته الجاهلية غامضة، فليس بين أيدينا أشعار تصور أطواره الأولى، إنما بين أيدينا هذه الصورة التامة لقصائده بتقاليدها الفنية المعقدة فى الوزن والقافية وفى المعانى والموضوعات وفى الأساليب والصياغات المحكمة، وهى تقاليد تلقى ستارا صفيقا بيننا وبين طفولة هذا الشعر ونشأته الأولى فلا نكاد نعرف من ذلك شيئا. وحاول ابن سلام أن يرفع جانبا من هذا الستار فعقد فصلا (١) تحدث فيه عن أوائل الشعراء الجاهليين، وتأثر به ابن قتيبة فى مقدمة كتابه الشعر والشعراء، فعرض هو الآخر لهؤلاء الأوائل، وهم عندهما جميعا أوائل الحقبة الجاهلية المكتملة الخلق والبناء فى صياغة القصيدة العربية، وكأن الأوائل الذين أنشأوا هذه القصيدة فى الزمن الأقدم ونهجوا لها سننها طواهم الزمان. وفى ديوان امرئ القيس (٢). عوجا على الطّلل المحيل لأننا ... نبكى الديار كما بكى ابن خذام ولا نعرف من أمر ابن خذام هذا شيئا سوى تلك الإشارة التى قد تدل على أنه أول من بكى الديار ووقف فى الأطلال. وتتراءى لنا مطولات الشعر الجاهلى فى نظام معين من المعانى والموضوعات، إذ نرى أصحابها يفتتحونها غالبا بوصف الأطلال وبكاء آثار الديار، ثم يصفون رحلاتهم فى الصحراء وما يركبونه من إبل وخيل، وكثيرا ما يشبهون الناقة فى

стр. 180

سرعتها ببعض الحيوانات الوحشية، ويمصون فى تصويرها، ثم يخرجون إلى الغرض من قصيدتهم مديحا أو هجاء وفخرا أو عتابا واعتذارا أو رثاء. وللقصيدة مهما طالت تقليد ثابت فى أوزانها وقوافيها، فهى تتألف من وحدات موسيقية يسمونها الأبيات وتتحد جميع الأبيات فى وزنها وقافيتها وما تنتهى به من روىّ. وتلقانا هذه الصورة التامة الناضجة للقصيدة الجاهلية منذ أقدم نصوصها، وحقّا توجد قصائد يضطرب فيها العروض ولكنها قليلة، من ذلك قصيدة عبيد بن الأبرص الأسدى (١): أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيّات فالذّنوب فهى من مخلّع البسيط، وقلما يخلو بيت منها من حذف فى بعض تفاعيله أو زيادة على نحو ما نرى فى الشطر الأول من هذا المطلع، وعلى غرارها قصيدة تنسب لامرئ القيس مطلعها (٢): عيناك دمعهما سجال ... كأن شأنيهما أوشال ومثلهما فى هذا الاضطراب قصيدة المرقّش الأكبر (٣): هل بالديار أن تجيب صمم ... لو كان رسم ناطقا كلّم فهى من وزن السريع، وخرجت شطور بعض أبياتها على هذا الوزن كالشطر الثانى من هذا البيت: ما ذنبنا فى أن غزا ملك ... من آل جفنة حازم مرغم فإنه من وزن الكامل. وعلى هذه الشاكلة قصيدة عدى بن زيد العبادى (٤): تعرف أمس من لميس الطّلل ... مثل الكتاب الدارس الأحول
следующие страницы →