← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الطويلة عاد قرير العين بها سعيدا، فلا يسألها أين كانت لأنها موضع ثقته وتدور فى كتب الأدب قصص وأشعار كثيرة تصور هيام بعضهم بهن، وكانوا دائما يفتتحون قصائدهم بذكرهن وما كان لهم من ذكريات معهن فى بعض المعاهد والمنازل، ويمزجون ذلك بالدموع، على نحو ما يقول امرؤ القيس فى مطلع معلقته: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل فالمرأة لم تكن فى الجاهلية مهملة، بل كان لها قدرها عندهم، كما كان لها كثير من الحرية، فكانت تمتلك المال وتتصرف فيه كما تشاء، وقصة اتجار الرسول ﷺ فى أموال السيدة خديجة أم المؤمنين مشهورة. وقد دعم الإسلام هذه الحرية، فحرم أن تعضل المرأة وتمنع من الزواج بعد وفاة زوجها كما حرم زواج المقت، وهو أن يجمع الرجل بين أختين، وحرم الشّغار، وهو أن يتزوج شخص أخت صديق له على أن يزوجه أخته، وأيضا فإنه حرم أن يتزوج الابن امرأة أبيه بعد موته أو أن يتزوج عدة رجال امرأة واحدة، إلى غير ذلك مما كانوا يبيحونه. وتلك كانت عادات عندهم، وهى تلازم الأمم فى عصور بداوتها، ولكن ينبغى أن لا نفهم منها أن المرأة كانت مهدرة الحقوق فى الجاهلية، أما ما سجله عليهم القرآن الكريم من وأدهم للبنات فى قوله تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ»﴾ فأكبر الظن أن من كانوا يصنعون ذلك منهم أجلاف قساة القلوب كانوا يخشون عليهن من الفقر أو السبى، إذ كان سباؤهن كثيرا فى الجاهلية، وكانوا يعدون ذلك سبّة ما بعدها سبة.

стр. 72

٢ - المعيشة لم يكن العرب يعيشون فى الجاهلية معيشة واحدة، فقد عرفت الزراعة فى الجنوب والشرق وواحات الحجاز مثل يثرب وخيبر والطائف ووادى القرى. وعاش أهل مكة على التجارة، إذ كانوا يحملون عروضها وسلعها بين حوضى المحيط الهندى والبحر الأبيض. وكانت قوافلهم تجوب الصحراء شمالا وجنوبا فى طرق معلومة كما كانت تجوبها شرقا فى طريقين معروفين: طريق إلى الخليج الفارسى من شرقى مكة وكان يمر بمدينة الرياض الحالية، وطريق ثان كانوا يذهبون فيه شمالا إلى خيبر، ثم يخترقون الصحراء فى وادى الرّمّة، ويظن أنه كان مجرى نهر فى عصور ما قبل التاريخ، ومنه يهبطون إلى الحيرة. وكان يصحبهم فى هذه القوافل أدلاء يحمونهم الضلال فى مجاهل الصحراء (١)، ومن أشهرهم فرات بن حيان، كما كان يصحبهم خفراء يحمون قوافلهم من ذؤبان البادية وقراصنتها أو صعاليكها الذين تعودوا النهب والسلب (٢)، وقد يبلغون ثلاثمائة عدا، ومن أهم القبائل التى كانوا يخشون ذؤبانها قبيلتا هذيل وفهم. وكانوا ينقلون من الجنوب: من اليمن وحوض المحيط الهندى وإفريقية الشرقية اللّبان والطيب والبخور والجلود وثياب عدن النفيسة وتوابل الهند ورقيق إفريقية والصمغ والعاج، كما كانوا ينقلون من الطائف الزبيب ومن مناجم بنى سليم الذهب. كل ذلك كانوا ينقلونه إلى حوض البحر الأبيض ويعودون محملين بالأسلحة والقمح والزيوت والخمر والثياب القطنية والكتانية والحريرية (٣). فمكة فى الجاهلية كانت مدينة تجارية عظيمة، وكان بها الكعبة أكبر معابد العرب حينئذ، فكانوا يحجون إلى أصنامهم وأوثانهم فيها، وتقيم لهم قريش الأعياد والأسواق كسوق عكاظ (٤)، وكانت أكبر أسواقهم، وكانوا يقيمونها فى نجد

стр. 73

بالقرب من عرفات منذ منتصف ذى القعدة إلى نهايته، ولم تكن سوق تجارة فحسب، بل كانت سوقا للخطابة والشعر أيضا، وقد استمع فيها الرسول ﷺ إلى قسّ بن ساعدة وهو يخطب فى الناس. وقالوا إنه كانت تقام للنابغة فيها قبّة ويفد عليها الشعراء يعرضون شعرهم، فمن أشاد به طار اسمه. وكثيرا ما كانوا يفتدون الأسرى فيها وتدفع الديات، وأيضا كثيرا ما كانت تقوم المفاخرات والمنافرات. وعرف غير واحد بأن الناس كانوا يحتكمون إليه فيها، ويذكر فى هذا الصدد أناس من تميم مثل الأقرع بن حابس. ومعنى ذلك كله أن عكاظا كانت أشبه بمؤتمر كبير للعرب، فيه يجتمعون وينظرون فى خصوماتهم ومنازعاتهم، وكل ما يتصل بهم من شئون. ومن أسواق قريش أيضا ذو المجاز بالقرب من عكاظ، وكانت تظل هذه السوق منعقدة إلى نهاية الحج. وبجانب هاتين السوقين الكبيرتين كان للعرب أسواق أخرى كثيرة يمترون فيها ما يريدون ويشترون ويبيعون، ومن أهمها سوق دومة الجندل فى شمالى نجد وسوق خيبر وسوق الحيرة وسوق الحجر باليمامة وسوق صحار ودبا بعمان وسوق المشقر بهجر وسوق الشحر وسوق حضرموت وسوق صنعاء وعدن ونجران. وكان لكل سوق من هذه الأسواق وقت معلوم تعقد فيه (١). ولم يكن عرب نجد يفيدون من هذه الأسواق فقط البيع والشراء فإن قوافل عروضها القرشية وغيرها كانت تجعل لكثيرين منهم جعلا نصير حمايتها، وكانت تتخذ منهم الخفراء والأدلاء، فتنفحهم بأموالها. على أنه ينبغى أن لا نظن أن أهل مكة جميعا كانوا أثرياء، فقد كان بجانب الأثرياء فقراء وصعاليك كثيرون، وكان الفرق شاسعا بين ثراء السيد الشريف وفقر المعوز البائس، كما كان بها رقيق كثير. ووراء المجتمع المكى كان يعيش البدو فى تهامة ونجد وصحراء النفود وبوادى الشام والدهناء والبحرين معيشة بدوية تعتمد على رعى الأغنام والأنعام. وكانوا لا يفضلون شيئا على حياتهم الرعوية البدوية، لا يفضلون الزراعة ولا الصناعة، بل يحتقرونهما ويزدرونهما، فلا حياة مثل حياتهم حياة البساطة والحرية التى

стр. 74

لا تحدّ. ووقفت الصحراء تحميهم وتحرس تقاليدهم ولغتهم وتقيم أسوارا من دونهم ودون هذه الحياة الصحراوية، وهى حياة كان غذاؤهم فيها بسيطا، فقليل من الشعير يكفيهم، وإذا أضيف التمر واللبن فذلك غذاء رافه، وكان لباسهم بسيطا كغذائهم، وهو ليس أكثر من ثوب طويل يضمه فى وسطه منطقة وقد تلفه عباءة، وغطاء للرأس يمسكه عقال. ولكن لا تظن أن هذه الحياة البسيطة كانت سهلة، فقد كانت الصحراء مليئة بالمخاوف والمخاطر، إذ فيها غير قليل من الوحوش والسباع والحشرات والحيات، وفيها القفار الجرداء الزاخرة بالخنادق والمهاوى ورياح السموم، وفيها حنادس الليل المظلم المخيف التى كانت تلقى فى روعهم بالخيالات والأوهام وما تمثل لهم من السّعالى والجن والغيلان. وفى تضاعيف ذلك كان العرب يتربص بعضهم ببعض، إذ كانت حياتهم كما قدمنا حياة حربية دامية، وكاد أن لا يكون هناك حى أو عشيرة بل أسرة إلا وهى واترة موتورة. وقد تحولت هذه الحياة الحربية من بعض وجوهها إلى مصدر من مصادر رزقهم، إذ كانوا يتخذون الغزو وسيلة من وسائل عيشهم، وهو عيش مشوب بالضنك والشظف وهذا الصراع العنيف الذى كانوا يخوضونه ضد مخاطر الصحراء ومن يترصدهم من الأعداء، وصوّر ذلك تصويرا طريفا تأبط شرا فى كلمة له (١) فقال: يظلّ بموماة ويمسى بغيرها ... جحيشا ويعرورى ظهور المهالك (٢) ويسبق وفد الريح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شدّه المتدارك (٣) إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالئ من قلب شيحان فاتك (٤) ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من حدّ أخضر باتك (٥)

стр. 75

إذا هزّه فى عظم قرن تهلّلت ... نواجذ أفواه المنايا الضّواحك (١) يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدى ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك (٢) وتلك كانت حياة أكثرهم، فهم يقطعون مفازة فى النهار، فإذا جنّهم الليل وجدتهم فى مفازة أخرى وقد ركبوا ظهور المهالك والمعاطب، لا يستصحبون رفيقا غالبا سوى أرجلهم التى تعودت العدو السريع. وهم دائما مفزّعون حتى فى النوم، فإذا ناموا لم ينم قلبهم بل ظل يكلؤهم ويرعاهم خيفة عدو راصد من وحش أو إنسان، بل إن النوم لا يكاد يلم بعيونهم إلا غرارا، فهى معلقة بسيوفهم التى لا تلبث أن تستقر فى صدور من يهجمون عليهم، فيضحك الموت ويكشر عن أنيابه الغلاظ. وعلى هذه الشاكلة هم دائما مستوحشون، بل إنهم ليؤثرون الوحشة ويستحبونها إذ يرون فيها الأنس، فأنسهم فى التفرد بالفلوات والقفار التى تمرسوا بها وعرفوا مسالكها ودروبها معرفة تجعلهم لا يضلون قصدهم كما لا تضل الشمس قصدها، بل يهتدون دائما إليه. وهذه الحياة القاسية المخوفة هى التى دفعتهم إلى الإشادة باحتمال الشدائد والجرأة والشجاعة، فإن القبيلة إن لم يكن لها حماة يذودون عنها تخطفتها القبائل من حولها وفنيت فيها. وكان أهم حيوان أعانهم على احتمال هذه الحياة المجهدة البعير الذى يتحمل-مثلهم-مشاق الصحراء ولا يرهقه عطش ولا جوع ولا ما يحمله من أثقال. فهو رفيقهم المفضل الذى يوافقهم، ولذلك طالما أشادوا به فى شعرهم. وكثيرا ما يصفون معه الحيوانات التى تصادفهم من مثل أتن الوحش وحمارها وبقر الوحش وثورها والنعام والظباء. وكان فرسانهم ينفقون أيامهم على صهوات الجياد يرتادون بها مجاهل الصحراء ويلقون عليها الأعداء، وقد يتخذونها لصيد الوحش على نحو ما يصور لنا ذلك امرؤ القيس فى معلقته وزهير فى لاميته (٣). وكان صيد الحيوان الشغل الشاغل لكثيرين منهم، فكانوا يدربون الكلاب عليه ويضرّونها تضرية، حتى تصبح من الجوارح الفاتكة، وفى شعرهم قطع كثيرة تصف المعارك التى كانت تنشب بينها وبين الأتن وحمارها أو البقر وثورها.

стр. 76

وفى معلقة لبيد وصف بارع لأتن وحمارها، ثم لبقرة وحشية تعقبها الرماة بنبلهم، ولما يئسوا أن يصيبوا منها مقتلا أرسلوا فى إثرها جوارح الكلاب فنشبت معركة حامية قتلت فيها البقرة كلبتين هما كساب وسخام، يقول: حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا ... غضفا دواجن قافلا أعصامها (١) فلحقن واعتكرت لها مدريّة ... كالسّمهريّة حدّها وتمامها (٢) لتذودهنّ وأيقنت إن لم تذد ... أن قد أحمّ مع الحتوف حمامها (٣) فتقصّدت منها كساب فضرّجت ... بدم وغودر فى المكرّ سخامها (٤) ولأوس بن حجر قصيدة فائية (٥) وصف فيها حمار الوحش وصفا بديعا، ثم وصف الصائد وصفا مسهبا، أرانا فيه ناموسه وكيف كان يختبئ للوحش على عين، حتى إذا ورد الحمار ختله بسهمه، غير أنه أخطأه. ويظهر أن صيد الوحش لم يكن هم شجعانهم وفرسانهم، إنما كان هم فقرائهم ومعوزيهم، ولذلك كان يأتى فى المرتبة الثانية من غزوهم ونهبهم اللذين يدلان على بطولتهم واستبسالهم، ولعل ذلك ما جعل عمرو بن معد يكرب يهجو قوما بأنهم يعيشون على الصيد، إذ يقول (٦): أبنى زياد أنتم فى قومكم ... ذنب ونحن فروع أصل طيّب نصل الخميس إلى الخميس وأنتم ... بالقهر بين مربّق ومكلّب (٧) حيد عن المعروف سعى أبيهم ... طلب الوعول بوفضة وبأكلب (٨) وكما كانوا يصيدون الوعول أو الماعز الجبلى كانوا يصيدون الوحش، ويتردد وصفهم له فى أشعارهم ترددا واسعا، وهو تردد أتاح للجاحظ فى حيوانه سيولا من هذه الأشعار.

стр. 77

وتلك كانت معيشتهم بين صيد للوحش وصيد للإنسان ورعى للأنعام والأغنام، فتلك موارد رزقهم، وليس معنى ذلك أنهم كانوا متساوين فى هذا الرزق، فقد كان فى كل قبيلة السادة الذين يملكون مئات الإبل والفقراء الذين لا يملكون شيئا. وتحول كثير من هؤلاء الفقراء إلى قطاع للطرق يسلبون وينهبون ويقتلون على نحو ما هو معروف عن تأبط شرا والشنفرى وأضرابهما. وما كان يقوم به هؤلاء الذؤبان أو الصعاليك كانت تقوم به القبائل برمتها أحيانا حين تكفّ السماء عنهم غيثها وتجدب ديارهم وتمحل، فلا يكون أمامهم سوى الغزو وشن الغارات، ولعل ذلك هو الذى دفعهم دفعا إلى الإشادة بالكرم والكرماء، وقد أشادوا طويلا بهذه الفضيلة كما أسلفنا، وهى إشادة طبيعية فى هذه الصحراء المقفرة المهلكة، التى يحفّ بها المحل والجدب من كل جانب. ٣ - المعارف ليس بين أيدينا ما يدل على أن العرب الجنوبيين أورثوا عرب الشمال حضارة واضحة، ويظهر أنهم لم يختطوا فى طريق الحضارة خطى واسعة، فقد كان عندهم علم بالزراعة وهندسة إرواء الأرض وإقامة المدن، ولم يكن عندهم ثقافة ذات معالم بينة، وحتى من وجهة التنظيم السياسى كان يعمهم النظام الإقطاعى، ولذلك حينما ضعفت دولتهم الأخيرة دولة سبأ وذى ريدان وحضرموت ويمنات أو الدولة الحميرية تحولوا سريعا إلى قبائل بدوية. ومما لا ريب فيه أن العرب الشماليين كانوا على صلة بالحضارات المجاورة، فقد كان تجّار مكة يدخلون فى مصر والشام وبلاد فارس، وكان الحيريون يتصلون مباشرة بالفرس، كما كان الغساسنة يتصلون بالروم، وقد تنصروا، وشاعت النصرانية فى قبائل الشام والعراق، ونزل بينهم كثير من اليهود فى الحجاز واليمن. وكل ذلك معناه اتصال العرب الشماليين الأمم المجاورة وحضاراتها، ولكن يبدو أن ذلك كان يجرى فى حدود ضيقة وأنه وقف فى جمهوره عند تأثرات بسيطة كأن يأخذوا عن الفرس والروم بعض فنون الحرب أو يعرفوا بعض أخبارهم وأساطيرهم، ففى السيرة النبوية أن قريشا حين جمعت العرب-بعد موقعة أحد-لغزو المدينة أشار

стр. 78

سلمان الفارسى على الرسول ﷺ أن يحفر الخندق، حتى لا يستطيعوا اقتحام المدينة عليه، وكأنه كان أعلم من حوله بأساليب الحرب (١). وفى السيرة أيضا أن النضر بن الحارث كان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وإسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ (وهو لا يزال فى مكة) مجلسا فذكر فيه الله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله خلفه فى مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم إلى فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس وأبطالهم الأسطوريين (٢). فالعرب الشماليون لم يكونوا منقطعين عن التأثيرات الحضارية الأجنبية، غير أنه ينبغى أن لا نبالغ فى تصور ما وصل إليهم من هذه التأثيرات، فقد كانوا لا يزالون فى طور السذاجة البدوية، وكل ما يمكن أن يقال إنهم كانوا فى نهاية هذا الطور. وقد وقف من قديم قوم يقارنون بينهم وبين الشعوب المتحضرة من حولهم كالفرس والروم، وكان على رأسهم الشعوبية، وهى مقارنات تقوم على التحكم. لأنها تقارن بين بدو ومتحضرين، وقد مر الفرس والروم بطور بداوة كما مر العرب، ولم يكن لهم فيه حضارة ولا نظر علمى دقيق. ومثل هذه المقارنات ما بعثه الغربيون منذ القرن الماضى من الموازنة بين الساميين جميعا عربا وغير عرب وبين الآريين، على نحو ما هو معروف عن رينان (٣)، فقد ذهبوا يزعمون أن الآريين هم الجنس المفضل الذى أحدث الحضارة، وكأنهم يريدون أن يبرروا صنيع ساستهم واستعمارهم للشعوب السامية. . وهى نظرية لا تؤيدها الحقائق العلمية الخالصة، إذ لا يستطيع أحد أن يثبت نقاء سلالة جنسية بعينها، لها نسب صريح، وأيضا فإن هذه النظرية تتناسى أثر البيئة والظروف التى تلم بالشعوب، ومن المحقق أن الحضارة الإنسانية ليست من عمل جنس واحد، فقد تعاونت على تكوينها أجناس متباينة، ولكل جنس فيها نسبه المتعادلة. ويدخل فى هذه المقارنات المضللة ما نجده عند ابن خلدون من حكمه على العرب بأنهم ليسوا أصحاب صناعات ولا علوم (٤) لأن ذلك

стр. 79

إنما ينطبق عليهم فى الجاهلية، أما فى الإسلام فقد عرفوا الصناعات ونهضوا فى الميادين العلمية والفلسفية نهضة كانوا فيها أساتذة العالم فى عصوره الوسيطة. ويقول أوليرى: إن العربى مادى، ضيق الخيال والعواطف (١)، وكأنه يتجاهل أدبهم وما يزخر به من أخيلة ومشاعر، وهو تعميم جنسى لا دليل عليه، وكأنما قادته إليه نظرية الأجناس البشرية وما يدعو إليه أصحابها من تفوق الجنس الآرى على ما سواه من أجناس. وندع هذه المقارنات المضللة وما سقط منها من أحكام خاطئة إلى بيان ما كان لدى العرب فى الجاهلية من معارف، لعل أهمها علمهم بالأنساب والأيام وما ينطوى فى ذلك من المناقب والمثالب، مما سجله العباسيون فى مجلدات ضخمة. وكأنهم رأوا فى ذلك كله تاريخهم، فكانوا يروونه ويحفّظونه أبناءهم، واشتهر عندهم كثيرون فى هذا الباب من أبواب الرواية. ويلى هذا النوع من المعارف معرفتهم بالنجوم ومطالعها وأنوائها أو أمطارها، يقول الجاحظ: «وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء لأن من كان بالصحاصح الأماليس (٢) -حيث لا أمارة ولا هادى مع حاجته إلى بعد الشقة-مضطر إلى التماس ما ينجيه ويؤديه (٣)، ولحاجته إلى الغيث وفراره من الجدب وضنه بالحياة اضطرته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث، ولأنه فى كل حال يرى السماء وما يجرى فيها من كوكب ويرى التعاقب بينها والنجوم الثوابت فيها وما يسير منها مجتمعا وما يسير منها فاردا (٤)، وما يكون منها راجعا ومستقيما. وسئلت أعرابية فقيل لها: أتعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله أما أعرف أشباحا وقوفا علىّ كل ليلة. ووصف أعرابى لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء ونجوم الاهتداء ونجوم ساعات الليل والسعود والنحوس، فقال قائل لشيخ عبادى كان حاضرا: أما ترى هذا الأعرابى يعرف من النجوم ما لا نعرف؟ قال: من لا يعرف أجذاع (٥) بيته (٦)؟ ! ».

стр. 80

وهى معرفة أداهم إليها فرط الحاجة، ويقول صاعد بن أحمد المتوفى سنة ٤٣٥ هـ: «كان للعرب معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغايبها وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك فى أسباب المعيشة لا على طريق تعلم الحقائق ولا على سبيل التدرب فى العلوم (١)». وبهذا القياس نفسه كانت معارفهم الطبية، فقد عرفوها بالتجربة مثل الكنى بالنار وفوائد بعض العقارات النباتية، وكان ينتشر بينهم فى تضاعيف ذلك كثير من الخرافات كإيمانهم بأن دم السادة يشفى من الكلب وأن عظام الميت تشفى من الجنون وأن روحا شريرة تحلّ فى المريض، وكانوا يتداوون منها بالعزائم والرّقى. فطبهم كان قاصرا ولم يكن مبنيا على قواعد عقلية، وحقا ما يقول ابن خلدون: «للبادية. . طب يبنونه فى غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارثة عن مشايخ الحى وعجائزه، وربما يصح منه البعض، إلا أنه ليس على قانون طبيعى ولا على موافقة المزاج، وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره (٢)»، ومن أهم معارفهم الطبية معارفهم البيطرية، وخاصة فيما اتصل بالخيل والإبل، فقد عرفوا شياتها وما يزينها ويعيبها وما يتصل بذلك من علل وأمراض وأدواء كالجرب وما كانوا يداوونه به. وقد تحدثوا طويلا عن حيواناتهم وخصائصها حديثا بل أحاديث أفاد منها الجاحظ فى حيوانه، وهو يعلق على ذلك بقوله: «وإنما أعتمد على ما عند الأعراب، وإن كانوا لم يعرفوا شكل ما أحتاج إليها منها من جهة العناية والفلاية (٣) ولا من جهة التذاكر والتكسب، ولكن هذه الأجناس الكثيرة ما كان منها سبعا أو بهيمة أو مشترك الخلق فإنما هى مبثوثة فى بلاد الوحش من صحراء أو واد أو غائط أو غيضة أو رملة أو رأس جبل، وهى فى منازلهم ومناشئهم، فقد نزلوا كما ترى بينها وأقاموا معها. . وربما بل كثيرا ما يبتلون بالناب والمخلب وباللدغ واللسع والعض والأكل، فخرجت بهم الحاجة إلى تعرف حال الجانى والجارح والقاتل وحال المجنى عليه والمجروح والمقتول، وكيف الطلب والهرب، وكيف الداء والدواء

стр. 81

لطول الحاجة ولطول وقوع البصر، مع ما يتوارثون من المعرفة بالداء والدواء (١)». وكانت لهم عناية خاصة بالفراسة، والقيافة وهى تتبع الأثر فى الأرض والرمل، ولهم فى ذلك أقاصيص طويلة، وطبيعى أن تنمو عندهم القيافة ليتعقبوا من يضل منهم فى الصحراء، أو ليتعقبوا الأعداء الذين يغيرون عليهم وينهبون أموالهم ونساءهم فى غيبتهم عن أحيائهم. وهذه الضروب جميعها من المعرفة ضروب أولية، تقوم على التجربة الناقصة ولا تؤسّس على قاعدة ولا على نظرية، فهم فى جمهورهم بدو، ليسوا أصحاب علم ولا نظر عقلى مؤسس على أسلوب علمى. ولعله من أجل ذلك شاعت عندهم العيافة وهى التنبؤ بملاحظة حركات الطيور، وقد اشتهر بها بنو أسد وبنو لهب، وكانوا يتيامنون بها ويتفاءلون إن جرت يمنة ويتشاءمون إن جرت يسرة، ولهم فى الطّيرة أحاديث كثيرة، قال الجاحظ: «وأصل التطير من الطير إذا مرّ بارحا (ميامنا) وسانحا (مياسرا) أو رآه يتفلى وينتف، حتى صاروا إذا عاينوا الأعور من الناس أو البهائم أو الأعضب أو الأبتر زجروا عند ذلك وتطيروا. . فكان زجر الطير هو الأصل، ومنه اشتقوا التطير، ثم استعملوا ذلك فى كل شئ. . وللطيرة سمت العرب المنهوش بالسليم والبرية بالمفازة وكنوا الأعمى أبا بصير والأسود أبا البيضاء وسموا الغراب بحاتم. والغراب أكثر من جميع ما يتطيّر به فى باب الشؤم (٢)». ولإيمانهم بباب الطيرة كانوا يستقسمون بالأزلام والقداح، وهى سهام، كانوا يكتبون عليها عبارات يصدرون عنها مثل الآمر والناهى والمتربص، وهى غير أزلام القمار وقداحه. وكل هذا يدل على أن التسبيب العقلى عندهم كان ضعيفا، وأنهم كانوا لا يحسنون ربط المسببات بأسبابها ربطا محكما، وهذا طبيعى فقد كانوا فى طور البداوة، فلم يكونوا يفهمون الارتباط بين العلة والمعلول وكانوا لا يتعمقون فى بحث الأشياء، إنما كانوا ينظرون إليها نظرا عارضا أو خاطفا. يقفون عند الجزئيات، ولا يتعلقون بمدركات كلية أو نظرات شاملة فكل ذلك لا يطوف بالدائرة التى يحيونها دائرة الحياة الفطرية الساذجة. وحقا شاعت عندهم الحكمة، ولكن لا بمعناها

стр. 82

الذى عرفت به فى العصور الإسلامية وهو الفلسفة، وإنما بمعنى الخبرة المحدودة التى تصورها عبارة من العبارات القصيرة. ومن أمثالهم «فى بيته يؤتى الحكم» وهو من يحكم بين الناس فى منافراتهم ومفاخراتهم وخصوماتهم. وربما اشتقت الكلمة من هذا المعنى، فالحكم هو العاقل المجرب الذى يحقق بحكمه العدل ويمنع الخصام. وكذلك كانت الحكمة، فهى تنبئ عن معرفة الشخص بالحياة، ووقوفه على طرقها المستقيمة التى تهدى إلى سبيل الرشاد. وكثرت الحكم والأمثال عندهم، وألفت فيها كتب ضخمة فى العصر العباسى، من أشهرها كتاب «جمهرة الأمثال» للعسكرى و «مجمع الأمثال» للميدانى. واشتهر عندهم حكماء كثيرون كانوا يفصلون بينهم ويتناقلون ما يجرى على ألسنتهم من وصايا وتعاليم يفيدون منها فى حياتهم، يقول الجاحظ: «ومن القدماء ممن كان يذكر بالقدر والرياسة والبيان والخطابة والحكمة والدهاء والنّكراء (الفطنة) لقمان بن عاد ولقيم بن لقمان ومجاشع بن دارم وسليط بن كعب بن يربوع. . ولؤى بن غالب وقس بن ساعدة وقصى بن كلاب. ومن الخطباء البلغاء والحكام والرؤساء أكثم بن صيفى وربيعة بن حذار وهرم بن قطبة وعامر بن الظّرب ولبيد ابن ربيعة (١)». وللقمان سورة فى القرآن الكريم، ويقال إنه كانت له حكم معروفة عند الجاهليين جمعوها فى صحيفة تدعى مجلة لقمان، ففى أخبار سويد بن الصامت أنه «قدم مكة حاجا أو معتمرا، فتصدّى له رسول الله ﷺ فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له سويد: لعل الذى معك مثل الذى معى، فقال له رسول الله: وما الذى معك؟ قال: مجلة لقمان، يعنى حكمة لقمان، فقال رسول الله ﷺ : اعرضها على، فعرضها عليه، فقال: إن هذا الكلام حسن، والذى معى أفضل منه: قرآن أنزله الله علىّ، وهو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد، وقال إن هذا القول حسن، ثم انصرف، وقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فكان رجال من قومه يقولون: إنا لنراه مات مسلما، وكان قتله يوم بعاث (٢).».

стр. 83

وتمتلئ كتب الأمثال والأدب بما دار على لسان لقمان وغيره من حكماء الجاهلية من حكم، مثل قول أكثم: «مقتل الرجل بين فكّيه» وقول عامر بن الظرب: «رب زارع لنفسه حاصد سواه». وفى الشعر الجاهلى كثير من هذه الحكم، وهى تذكر فى ثنايا كلامهم من مثل قول طرفة فى معلقته: أرى العيش كنزا ناقصا كلّ ليلة ... وما تنقص الأيام والدّهر ينفد وممن اشتهر بهذه الحكم الأفوه الأودى ولبيد وعبيد بن الأبرص، وفى خاتمة معلقة زهير طائفة كبيرة منها على شاكلة قوله: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكننى عن علم ما فى غد عم ومن لا يصانع فى أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم (١) ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم ومن هاب أسباب المنية يلقها ... ولو رام أسباب السماء بسلّم ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وكان أكثر حكمهم يستقى من مروءتهم وسننها التى وصفناها فيما مر من حدثنا، وهى تجرى مجرى التعاليم التى ينبغى أن يأخذوا بها فى حياتهم. وقد وقف شعراؤهم كثيرا عند فكرة الحياة والموت والدهر وما يرمى به الناس، وكانوا يرون أنه لا مفر من الموت ولا حيلة منه، فلا ينفع إزاءه صحة ولا شباب ولا قوة، وكثيرا ما يذكرون من سبقهم إليه متخذين من ذلك عظتهم، يقول قسّ بن ساعدة (٢): فى الذاهبين الأوّل ... ين من الشعوب لنا بصائر لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومى نحوها ... تسعى الأصاغر والأكابر لا يرجعن قومى ... إلىّ ولا من الباقين غابر

стр. 84

أيقنت أنى لا محا ... لة حيث صار القوم صائر وكثيرا ما يتسعون بهذه النظرة، فيخرجون عن إفناء الزمان لعشائرهم وقبائلهم إلى إفنائه للدول والملوك من حولهم، فالليالى والدهر والأزمان فى كل وقت تهدم جدارا كبيرا إما من ملك أو دولة، وحتى الأنبياء وسليمان الذى سخّرت له الجن تلفت نفوسهم جميعا وهلكوا كما هلك من قبلهم، ويهلك من بعدهم (١). ودائما يكررون أن الدهر بالمرصاد وأنه لا يؤمن فى صباحه ومسائه. ولهم فى عتابه على فجيعته لهم بالأهل محاورات طريفة، كقول زهير إن صح أنه له (٢): يا من لأقوام فجعت بهم ... كانوا ملوك العرب والعجم استأثر الدهر الغداة بهم ... والدهر يرمينى ولا أرمى لو كان لى قرنا أناضله ... ما طاش عند حفيظة سهمى (٣) أو كان يعطى النّصف قلت له ... أحرزت قسمك فاله عن قسمى (٤) يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت فى العظم (٥) وسلبتنا ما لست معقبنا ... يا دهر ما أنصفت فى الحكم وعلى هذه الشاكلة كان لهم ضرب من التفكير فى حقائق الحياة والموت، كما كان لهم حكم كثيرة مقتبسة من حقائق مجتمعهم ومعاشهم. وليس فى ذلك كله فلسفة، ولكن فيه البساطة والفطرة وما يدل على حنكتهم وتجربتهم الحسية الواقعية.

стр. 85

٤ - الدين (١) كانت كثرة العرب فى الجاهلية وثنية تؤمن بقوى إلهية كثيرة تنبثّ فى الكواكب ومظاهر الطبيعة، وفى أسماء قبائلهم ما يدل على أنهم كانوا قريبى عهد بالطوطمية (Totemism) إذ تلتف جماعة حول الطوطم تتخذه حاميها والمدافع عنها من مثل كلب وثور وثعلبة. وقد آمنوا بقوى خفية كثيرة فى بعض النباتات والجمادات والطير والحيوان، وليس بصحيح ما يزعمه رينان من أنهم كانوا موحدين (٢)، فقد كانوا يشركون مع الله آلهة أخرى كما جاء فى القرآن الكريم، وكانوا يتعبدون لأصنام وأوثان كثيرة اتخذوها رمزا لآلهتهم. ويفيض كتاب الأصنام لابن الكلبى فى بيان هذا الجانب. ويظهر أن عبادة النجوم والكواكب دخلت عندهم من قديم وقد جاءتهم من الصابئة وبقايا الكلدانيين، كما جاءتهم من لدن عرب الجنوب الذين كانوا يرجعون بآلهتهم إلى ثالوث مقدس، كما مر بنا، هو القمر أو ودّ، والشمس أو اللات والزهرة أو العزّى. ونراهم يقدسون النار، ويظهر ذلك فى إيقادهم لها عند أحلافهم واستمطارهم السماء وتقديم القرابين إليها (٣) ويقال إن المجوسية كانت متفشية فى تميم وعمان والبحرين وبعض القبائل العربية (٤)، والمجوس كما نعرف ثنوية يؤمنون بإلهين يدبران العالم هما النور والظلمة أو الخير والشر. وكانت عبادة الأصنام منتشرة بنينهم انتشارا واسعا، وقد صوروها أو نحتوها رمزا لآلهتهم، وقد يرون فى بعض الأحجار والأشجار والآبار ما يرمز إليها، ففى أخبارهم أن العزّى كانت لغطفان، وهى شجرة بوادى نخلة شرقى مكة، وقد قطعها خالد بن الوليد، وهو يقول:

стр. 86

يا عزّ كفرانك لا سبحانك ... إنى رأيت الله قد أهانك (١) ويشير القرآن الكريم إلى بعض آلهتهم ورموزها من أصنامهم وأوثانهم، فيقول جل وعز: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى»﴾ ويقول : ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً»﴾. وكانت عبادة اللات أو الشمس شائعة بين العرب الجنوبيين وفى الحجاز، وكان معبدها فى الطائف، ويقال إنه كان صخرة مربعة بيضاء بنت عليه ثقيف بيتا وكانت قريش وجميع العرب يعظمونه (٢). ويتردد فى أسمائهم وهب اللات وعبد شمس، وعبد العزى ومثلها مثل اللات فى تعظيم قريش والعرب لها وتقديسها. وكانت مناة صخرة منصوبة على ساحل البحر بين المدينة ومكة، وربما كان فى اسمها ما يدل على أنها ترمز إلى إله الموت، فهى إلهة القضاء والقدر، وكانت معظمة عند هذيل وخزاعة والعرب جميعا وخاصة الأوس والخزرج إذ «كانوا يحجون إلى مكة، وبقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رءوسهم، فإذا نفروا أتوا مناة وحلقوا رءوسهم عندها، لا يرون لحجهم تماما إلا بذلك (٣)». وودّ كما قدمنا من الآلهة الجنوبية. وهو يؤلف مع اللات والعزى ثالوث الأب والأم والابن، وكان صنمه بدومة الجندل، وظل منصوبا هناك إلى أن جاء الله بالإسلام (٤). وكان سواع صنم هذيل وكنانة، وهو حجر كانوا يعبدونه هم وعشائر كثيرة من مضر (٥). وربما كان فى اسمه ما يدل على أنه إله الشر والهلاك. ويغوث هو صنم مذحج وعشائر من مراد وهوازن (٦). وكان يعوق صنم همدان وخولان وما والاهما من قبائل (٧). وفى اسمه واسم يغوث ما يشير إلى أرواح حافظة، فمعنى يغوث يعين، ومعنى يعوق يحفظ

стр. 87

ويمنع. وكان نسر معبود حمير (١)، وانتشرت عبادته فى الشمال، ويشير اسمه فى وضوح إلى الطائر المعروف باسمه، وفى الطبرسى: «كان ودّ على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر من الطير (٢)». ووراء هذه الأصنام التى ذكرها القرآن الكريم أصنام كثيرة كانت تتعبد لها قريش والقبائل العربية فى الجاهلية، ويقال إنه كان فى الكعبة عند فتح الرسول ﷺ لمكة ثلاثمائة وستون صنما (٣)، وكان أعظمها عند القرشيين هبل: «وكان من عقيق أحمر على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى، وجعلتها له قريش من ذهب: وكان فى جوف الكعبة قدامه سبعة قداح، مكتوب فى أحدها: «صريح» والآخر: «ملصق». فإذا شكوا فى مولود أهدوا إليه هدية، ثم ضربوا بالقداح (السهام) فإن خرج (صريح) ألحقوه بأبيه، وإن خرج (ملصق) دفعوه. وقدح على الميت، وقدح على الزواج. . وإذا اختصموا فى أمر أو أرادوا سفرا أو عملا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده، فما خرج عملوا به وانتهوا إليه. . وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله (٤)». وباسمه كان ينادى أبو سفيان فى معركة أحد ويصيح: اعل هبل. ومن أصنام قريش المشهورة إساف ونائلة، ويقال إنهما كانا شخصين أتيا أعمالا سيئة فمسخا حجرين، وعبدهما الناس، وكان أحدهما ملاصقا للكعبة، وثانيهما فى موضع زمزم، ويقال إن إسافا كان بإزاء الحجر الأسود وكانت نائلة بإزاء الركن اليمانى (٥). ومن أصنامهم مناف وبه سمى عبد مناف. ومن الأصنام المشهورة رضا وتيم وشمس لتميم وذو الخلصة وهو صنم خشعم وبجيلة وأزد السراة، ويقال إنه كان مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج، وكان موضعه بتبالة وله بيت يحجون إليه (٦). وذو الشّرى وكان له معبد ضخم فى

стр. 88

سلع (بطرا) (١) ويظهر أن عبادته قديمة، وهو يقابل الإله ديونيسيوس عند اليونان إله الخصب والخمر. وكانوا يتخذون عند هياكل هذه الأصنام والأوثان أنصابا من حجارة يصبون عليها دماء الذبائح التى يتقربون بها إلى آلهتهم، وكانوا يقدسون هذه الأنصاب ويعدونها مقرّا لبعض الأرواح. وفى القرآن الكريم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»﴾. والأزلام هى القداح كما مر بنا. وفرق بين الصنم والوثن، فالصنم يكون غالبا تمثالا، أما الوثن فيكون غالبا حجرا، وقد يسمى الصنم بالوثن، يقول ابن الكلبى: «واستهترت العرب فى عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتا ومنهم من اتخذ صنما ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجرا أمام الحرم وأمام غيره مما استحسن ثم طاف به كطوافه بالبيت. . فكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها، فاتخذه ربّا وجعل ثلاثة أثافىّ لقدره. وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك. وكانوا ينحرون ويذبحون عند كلها ويتقربون إليها (٢)». وهذه البيوت التى اتخذوها لأصنامهم كان منها كعبات كبيرة يحجون إليها ككعبة ذى الخلصة وهى الكعبة اليمانية وكعبة الطائف وهى بيت صنمهم اللات، وأشهر كعباتهم كعبة مكة حارسة الوثنية فى الجاهلية، وهى التى وصلتنا عنها تفاصيل كثيرة توضح ما كانوا يتخذون فى حجّهم إليها من شعائر، وكانوا يطوفون بها أسبوعا ويسعون بين الصفا والمروة، ويظن أنه كان على كل منهما صنم، ويقال إنه كان على الصفا إساف وعلى المروة نائلة، وكانوا يقفون بعرفة ويفيضون منها إلى المزدلفة ثم منى. وكانت إفاضتهم فى عرفة عند غروب الشمس، أما فى المزدلفة فعند شروقها، وكان يتولى الإجازة فى الأولى بعض التميميين. وفى الكعبة الحجر الأسود وكانوا يتبركون به ويتمسحون بأركان الكعبة جميعها. ويقال إن طوافهم بأصنامهم كان سبعة أشواط وكانوا يختلفون فى طوافهم، فمنهم من يطوف عريانا وهم الحلة (٣)، ومنهم من يطوف فى ثيابه وهم الحمس (٤) من قريش وكنانة وخزاعة

стр. 89

ويصور لنا الأزرقى طواف العريان بقوله: «يبدأ بإساف فيستلمه (يعتنقه) ثم يستلم الركن الأسود، ثم يأخذ عن يمينه ويطوف ويجعل الكعبة عن يمينه، فإذا ختم طوافه سبعا استلم الركن (حيث الحجر أو الحطيم) ثم استلم نائلة، فيختم بها طوافه، ثم يخرج فيجد ثيابه كما تركها لم تمس فيأخذها، فيلبسها، ولا يعود إلى الطواف بعد ذلك عريانا (١)». وقد أبطل الإسلام العرى فى الطواف، كما أبطل كثيرا من تقاليد الحمس (٢). وكان من تقاليدهم رمى الجمرات فى منى وتقديم العتائر أو الضحايا وذبحها عند الأنصاب وكذلك تقديم الهدايا من الزروع والغلات، وفى القرآن الكريم: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً، فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ»﴾. وتدل الآية الكريمة على أنهم كانوا يجعلون لله نصيبا، ثم يعودون فيجعلونه لآلهتهم الصغرى أو لأصنامهم. وذكر القرآن الكريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وأولاها الناقة أو الشاة يحرّمون لبنها والانتفاع بها، والثانية ما يسيّب (يترك) نذرا للآلهة فلا يمنع من ماء ولا كلأ، والثالثة ناقة أو شاة تحمل سبعة أبطن، فإذا كان السابع ذكرا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى استحيوه، وإن ولدت توأما: ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها وحرّموا ذبحه على أنفسهم. أما الحام فالبعير ينتج عشرة أبطن من صلبه، ويقولون: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى. ويظهر أنه كانت عندهم طقوس كثيرة فى نذورهم وقرابينهم، وقد هدمها الإسلام هدما، وأيضا كانت هناك شعائر وطقوس كثيرة فى الحج نفسه لعل أهمها التلبية، يقول ابن حبيب: «وكانوا يلبون إلا أن بعضهم كان يشرك فى تلبيته، وكان نسك قريش لإساف، تقول: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. وكان لكل قبيلة بعد تلبية، فكانت تلبية من نسك للعزى: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك ما أحبّنا إليك. وكانت تلبية من نسك للات: لبيك اللهم لبيك، لبيك، كفى ببيتنا بنيّة، ليس بمهجور ولا بلية، لكنه من تربة زكية، أربابه من صالحى البرية. . . وكانت تلبية من نسك لودّ:

стр. 90

لبيك اللهم لبيك، لبيك معذرة إليك. وكانت تلبية من نسك لذى الخلصة: لبيك اللهم لبيك، لبيك بما هو أحب إليك. . . (١)». وجعلوا للحج أربعة أشهر معلومات، سموها الأشهر الحرم، وهى رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وكان الحج إلى مكة فى ثالثها، وفى اسمه ما يدل على أن الحج المعظم للكعبة القرشية كان فيه. وكانت هذه الأشهر حراما عندهم فلا يستباح دم، ولا تنشب حروب، إلا ما كان من حرب الفجار، وعدّت انتهاكا عظيما لحرمات البيت. وكأنما كانت هذه الأشهر هدنة لهم، ومعينا لبعدائهم عن الأماكن المقدسة فى الوصول إليها دون أن تمسّ نذورهم، وكانوا فيها يتجرون ويمترون ويقيمون أسواقهم كسوق عكاظ. وكانت هناك جماعات تقوم على سدانة بيوتهم المقدسة، ويسمونها الحجابة، وكانت فى مكة لبنى عبد الدار، وبجانب هؤلاء السّدنة كهان كانوا يدّعون معرفة الغيب وأنه سخّر لهم طائف من الجن يسترق لهم السمع فيعرفون ما كتب للناس فى ألواح الغد. وممن عرف بذلك سطيح الذئبى وشق بن مصعب الأنمارى وعوف بن ربيعة الأسدى وسلمة الخزاعى وسواد بن قارب الدوسى وعزّى سلمة (٢). ونجد بجانب الكهنة كاهنات مثل الشعثاء والكاهنة السعدية والزرقاء بنت زهير وكاهنة ذى الخلصة (٣). وفى أخبار الإسلام الأولى ما يدل على أنه كان يلحق ببيوت الأصنام بغايا، وكانوا سببا فى ثورة بحضرموت قضى عليها أمية بن أبى المهاجر لعهد أبى بكر الصديق (٤). ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل على أنهم كانوا يؤمنون إيمانا واسعا بالأرواح وأنها تحل فى كل ما حولهم من مظاهر الطبيعة، وكان منها أرواح خيرة، هى الملائكة وأرواح شريرة هى الشياطين. وفى القرآن الكريم: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ»﴾. فكانوا

стр. 91

يزعمون أنها بنات الله، وكانوا يعدونها-كأصنامهم-من شفعائهم عند الله وشركائه، وحكى القرآن اعتقادهم فى ذلك إذ يقول جل وعز: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ»﴾. وفى القرآن سورة للجن وكانوا يخافونها ويتعبدونها ويجعلون بينها وبين الله نسبا، يقول جل وعز: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ، وَخَلَقَهُمْ، وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ»﴾ وفى أساطيرهم أو قل فى معتقداتهم أن الجن هى التى تصد الثيران عن الماء حتى تمسك البقر عن الشرب فتهلك. يقول الجاحظ: وكانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب إما لكدر الماء أو لقلة العطش ضربوا الثور ليقتحم الماء، لأن البقر تتبعه (١)، فكانوا إذا امتنعت ظنوا ذلك من عمل الجن وإيحائهم. ولهم فيها كثير من الأساطير، عرض لها الجاحظ فى الجزء السادس من حيوانه، فتحدث عن مواطنها فى رأيهم وأنها تركب النعام والظباء والحشرات وأنها تتصور فى صور كثيرة، وتتوالد مع الناس، وقد تستهويهم وتقتلهم أو تخبلهم، ويسمع ليلا عزيفهم وهتافهم، ومنهم من يألف الكهان ويخدمهم وهو الرّئىّ، ومنهم من صورته على نصف صورة الإنسان ويسمى شقّا، ولكل شاعر شيطانه الذى ينفث فيه الشعر. ومنهم السعلاة والغول، وهى من سباعهم، ويزعم تأبط شرا فى شعر يضاف إليه أنه لقيها فى ليلة مظلمة وهو يسعى فى فلاة، فنازلها وما زال بها حتى قتلها وهو لا يعرفها، يقول (٢) -إن صح أنه قائله-: فلم أنفكّ متكئا عليها ... لأنظر مصبحا ماذا أتانى إذا عينان فى رأس قبيح ... كرأس الهرّ مشقوق اللسان وساقا مخدج وشواة كلب ... وثوب من عباء أو شنان (٣) وهؤلاء الوثنيون كانوا ينكرون الرسل وأن هناك إلها واحدا قال جل وعز: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ، وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَاِصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ﴾

стр. 92

﴿هذا لَشَيْءٌ يُرادُ، ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ)﴾. وكانوا لا يؤمنون ببعث ولا نشور يقول جلّ ذكره: ﴿(وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)﴾ وقال: ﴿(وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ)﴾ وقال: ﴿(وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)﴾. ولا نصل إلى أواخر العصر الجاهلى حتى نجد استعدادا لفكرة الإله الواحد، وخاصة عند طائفة كانت تدعى باسم الحنفاء، وكانت تشك فى الدين الوثنى القائم وتلتمس دينا جديدا يهديها فى الحياة. يقول ابن إسحق: «اجتمعت قريش يوما فى عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويديرون (يطوفون) به، وكان ذلك عيدا لهم فى كل سنة يوما، فخلص منهم أربعة نفر نجيّا، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض قالوا أجل، وهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعبيد الله ابن جحش. . . وعثمان بن الحويرث. . . وزيد بن عمرو بن نفيل. . . فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شئ، لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم دينا، فإنكم والله ما أنتم على شئ. فتفرقوا فى البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم، فأما ورقة بن نوفل فاستحكم فى النصرانية. . وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم. . وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر. . وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل فى يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه، فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التى تذبح على الأوثان. . وقال أعبد ربّ إبراهيم» (١) ومعروف أنه أسلم وكان من الصحابة الأولين المقدمين. وأكبر الظن أن كلمة حنيف معناها المائل عن دين آبائه كما يدل على ذلك اشتقاقها، ولم يكن هؤلاء الحنفاء فى مكة وحدها، فقد كانوا منتشرين فى القبائل، إذ تعدّ كتب الأدب والتاريخ منهم قس بن ساعدة الإيادى وأبا ذرّ الغفارى وصرمة

стр. 93

ابن أبى أنس أحد بنى النجار فى المدينة وعامر بن الظرب العدوانى وخالد بن سنان العبسى وأمية بن أبى الصّلت الثقفى وعمير بن جندب الجهنى. ويمكن أن ندخل فيهم كثيرين ممن حرّموا على أنفسهم فى الجاهلية الخمر والسكر والأزلام (١) مثل عبد المطلب بن هاشم وقيس بن عاصم التميمى وحنظلة الراهب ابن أبى عامر غسيل الملائكة. ولا نرتاب فى أن صنيع هؤلاء إنما كان شكّا فى حياتهم الدينية، وكل ذلك يؤكد أن الوثنية الجاهلية كانت على وشك الانحلال، فما انبلجت أضواء الإسلام، حتى اعتنقه العرب ودخلوا فيه أفواجا. ٥ - اليهودية والنصرانية لا نصل إلى العصر الجاهلى حتى نجد اليهود منتشرين فى اليمن والحجاز (٢)، والمظنون أنهم هاجروا من موطنهم الأصلى فى فلسطين إلى الجزيرة على أثر اصطدامهم بالقيصر طيطوس (Titus) وهدمه للهيكل سنة ٧٠ للميلاد، وكذلك اصطدام القيصر هدريان بهم سنة ١٣٢ ففى هذه الأثناء فر كثير منهم إلى الحجاز، وسقط غير قليل منهم إلى اليمن. وقد تكون هجراتهم أقدم من ذلك، ولكن ليس بين أيدينا نصوص وثيقة، نعرف منها بالضبط مراحل وفودهم على الجزيرة سواء فى الحجاز أو اليمن، وحتى هجراتهم فى أيام طيطوس وهدريان غير واضحة تماما. وقد استطاع يهود اليمن فى أوائل العصر الجاهلى أو بعبارة أخرى فى أوائل القرن السادس الميلادى أن يؤثروا فى ملك من ملوك التبابعة هو ذو نواس، وأن يدخلوه فى دينهم، وقد دفعوه دفعا إلى التنكيل بنصارى نجران وتحريقهم، وفى ذلك نزلت الآيات الكريمة: ﴿(قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)﴾.

стр. 94

وربما كان السبب الحقيقى فى استجابته اليهود أنه كان يخشى من تغلغل النصرانية فى بلاده وأن يفتح ذلك الأبواب لنصارى الحبشة، فيستولوا عليها بدون مقاومة. على أن الأحباش سرعان ما انتقموا لإخوانهم، فأزالوا دولة ذى نواس سنة ٥٢٥ وظلوا نحو خمسين عاما، حتى أجلاهم عنها أهلها بمساعدة الفرس. ويظهر أن هذه الفترة التى قضاها الأحباش النصارى هناك كانت سببا فى تفرق اليهود وخروج كثيرين منهم من اليمن وتشتتهم فى البلاد. ولكن ظلت بقايا هناك، دخل كثيرون منها فى الإسلام من مثل كعب الأحبار ووهب ابن منبّه، ولهما فى الإسرائيليات التى شاعت بين المسلمين ومؤرخيهم أثر كبير. وأهم من يهود اليمن يهود الحجاز، وكانوا قبائل وجماعات كثيرة انتشرت فى واحات الحجاز: يثرب وخيبر ووادى القرى وتيماء، وكان فى يثرب منهم عشائر كثيرة أهمها بنو النّضير وبنو قريظة وبنو قينقاع وبنو بهدل، وقد نزل بينهم الأوس والخزرج كما قدمنا، وفرضت القبيلتان عليهم سيادتهما. وكانوا يشتغلون بالزراعة والصياغة والحدادة وصناعة الأسلحة ونسج الأقمشة، وكانوا يعمدون عمدا إلى الإيقاع بين القبيلتين العربيتين، فاشتبكتا فى حروب دامية، حتى جمعهما الرسول ﷺ على الإسلام، فأصبح أفرادها بنعمة الله إخوانا متحابين. وناهض اليهود الرسول، فكانوا يثيرون معه مناقشات ومجادلات صوّرها القرآن الكريم، وذهبوا يحاولون الوقيعة بين المسلمين، ويؤلبون عليهم قريشا وغير قريش، مما اضطر الرسول ﵇ إلى إجلائهم عن المدينة. وفى السيرة النبوية لابن هشام وطبقات ابن سعد ما يدل على أنهم كانوا يتدارسون دينهم فى دار ندوة لهم تسمى المدارس وأنهم كانوا يقرأون التوراة والمشنة والزبور (مزامير داود) بلغتهم القديمة العبرية، ولكنهم اتخذوا العربية لغتهم اليومية، ونظم فيها بعضهم شعرا عربيّا. وعلى نحو ما تعرب يهود يثرب تعرب يهود خيبر ووادى القرى وفدك وتيماء، واشتهر بينهم غير شاعر كالسموأل بن عادياء، وقد قاوموا الإسلام وأظهروا له العداوة والبغضاء، فحاربهم الرسول، وانتصر عليهم، ولم يلبث عمر أن أمر بإجلاء كل من ليس له عهد منهم، فخرج جمهورهم من الجزيرة، ولم يبق منهم إلا نفر قليل. وليس بين أيدينا ما يدل أى دلالة على أنهم خلفوا آثارا واضحة فى الجاهليين،

стр. 95

فقد ظل العرب الشماليون بعيدين عنهم وعن دينهم، لا يتأثرون به فى قليل ولا كثير، وإن حاول بعض المستشرقين إثبات هذا التأثير (١). وقد انتشرت النصرانية فى اليمن وشمالى الجزيرة الغربى والشرقى (٢)، ويظنّ أن انتشارها فى اليمن بدأ منذ القرن الرابع الميلادى، وكان من أهم الأسباب فى انتشارها هناك بعثات دينية كان يشجعها القياصرة، ولعلهم أرادوا بذلك النفوذ إلى فرض سلطانهم على البلاد وتحول كنوز قوافلها إليهم. ولا نصل إلى العصر الجاهلى حتى نرى النصرانية منتشرة فى نجران وغيرها ويظهر أن نجران كانت أهم مواطنها، وقد نكبهم ذو نواس نكبته المشهورة التى أشرنا إليها فيما أسلفنا، ودخل الأحباش بقيادة أبرهة، فدعمت النصرانية واعتنقها كثيرون، وبنيت لها كنائس فى غير مدينة. ومن أشهر كنائسها كنيسة نجران، وفى السيرة النبوية أن وفدا منها قدم على الرسول ﷺ وكان فيه العاقب والسيد، وهما الرئيسان السياسيان كما كان فيه أسقفهم وحبرهم أبو حارثة بن علقمة، وكان «قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه بدينهم، فكانت ملوك الروم من النصرانية قد شرفوه وموّلوه وأخدموه وبنوا له الكنائس (٣)». ويقال إن أبرهة أنشأ كنائس كثيرة فى مدن اليمن، واهتم بزينتها وزخرفتها، أشهرها القليس فى صنعاء، وهى تعريب لكلمة Ecclysia اليونانية بمعنى الكنيسة، ويقال إنه «نقشها بالذهب والفضة والزجاج والفسيفساء وألوان الأصباغ وصنوف الجواهر. . وكان ينقل إليها آلات البناء كالرخام المجزّع والحجارة المنقوشة بالذهب. . ونصب فيها صلبانا من الذهب والفضة ومنابر من العاج والآبنوس (٤)». ويظهر أنه استعان فى بنائها بأنقاض من قصور ملوكهم السابقين ومعابدهم القديمة. وقد حولها المسلمون إلى مسجد لا يزال قائما إلى اليوم. وكانت النصرانية منتشرة بين عرب الشام من الغساسنة وغيرهم مثل عاملة وجذام وتغلب وقضاعة، وكانوا على مذهب اليعاقبة أو المنوفيستيين، وهم القائلون بأن

стр. 96

للمسيح طبيعة واحدة وأقنوما واحدا. ولذلك يسمون أصحاب الطبيعة الواحدة، وصاحب هذا المذهب هو يعقوب البرادعى المولود حوالى سنة ٥٠٠ للميلاد، وقد دخل فى مذهبه-كما قدمنا-الغساسنة ومن والاهم من عرب الشام. ونفذت النصرانية إلى عرب العراق أيضا إلى تغلب وإياد وبكر، وتغلغلت فى الحيرة على الرغم من ملوكها الوثنيين، فكان يعتنقها بها العباديون، وأغلب الظن أنهم سموا بذلك تمييزا لهم من جيرانهم الوثنيين، فهم عباد الله. ولم يكونوا يعاقبة كعرب الشام، ، وإنما كانوا غالبا نساطرة نسبة إلى نسطوريوس (Nestorius) المتوفى سنة ٤٥٠ للميلاد وكان يرى أن للمسيح طبيعتين أو أقنومين: أقنوم الناسوت وأقنوم اللاهوت. وقد تأخرت الهيئة الحاكمة من آل المنذر فى التنصر، ويقال إن هندا أم عمرو بن المنذر ابتنت ديرا هناك، وقد دخل النعمان بن المنذر فى النصرانية، وهو آخر المناذرة. وكان الرقيق الحبشى الذى تزخر به مكة نصرانيا، ويظن أنه كان بها جالية من الروم النصارى (١)، ويقال إنه كان بها عبدان نصرانيان أصلهما من عين التمر (٢) وإنه كان بها جوار روميات (٣)، ويقال إن شماسا زار مكة فى الجاهلية، (٤) وكان يعيش فى مرّ الظهران راهب مسيحى (٥). ويزعم اليعقوبى أن قوما تنصروا من قريش قبيل الإسلام منهم ورقة ابن نوفل وعتبة بن أبى لهب وعثمان بن الحويرث الأسدى (٦). والمظنون أنه كان فى المدينة بعض النصارى، وإليهم يشير حسان فى رثائه للرسول صلوات الله عليه-إن صح أنه له-إذ يقول (٧): فرحت نصارى يثرب ويهودها ... لما توارى فى الضريح الملحد وكانت النصرانية منتشرة فى طئ ودومة الجندل. وهى على هذا النحو كانت تختلف عن اليهودية فإنها لم تذع فى القبائل، على أنه ينبغى أن لا نبالغ فى تصور من تنصروا من العرب قبل الإسلام، ونظن أنهم قاموا بتعاليم النصرانية قياما دقيقا،

стр. 97

فقد عرفوا الكنائس والبيع والرهبان والأساقفة والصوامع، ولكنهم ظلوا لا يتعمقون فى هذا الدين الجديد، وظلوا يخلطونه بغير قليل من وثنيتهم، وربما كان مما يوضح ذلك خير توضيح قول عدى بن زيد العبادى (١): سعى الأعداء لا يألون شرّا ... علىّ وربّ مكة والصليب فهو يجمع فى قسمه بين رب مكة الوثنية ورب الصليب، وكذلك كان أكثر العرب من النصارى، فهم مسيحيون وثنيون فى الوقت نفسه. ومن يقرأ شعره لا يجد فيه فكرة التثليث المعروفة فى النصرانية. والحق أن نصارى العرب فى الجاهلية إنما عرفوا ظاهرا من دينهم، وقلما عرفوا حدوده، وقد سقطت إلى أشعارهم وأشعار الوثنيين أنفسهم كلمات ومصطلحات كثيرة منه ومن شخوصه وطقوسه، فمنذ امرئ القيس وقوله (٢): يضئ سناه أو مصابيح راهب ... أهان السّليط فى الذّبال المفتّل والشعراء يرددون ذكر الرهبان ومحاريب كنائسهم، يقول الأعشى (٣): كدمية صوّر محرابها ... بمذهب ذى مرمر مائر وطالما تحدثوا عن نواقيسهم وقرعها فى أواخر الليل، يقول المرقش الأكبر فى بعض شعره (٤): وتسمع تزقاء من البوم حولنا ... كما ضربت بعد الهدوّ النواقس (٥) وعرض النابغة الذبيانى فى مديحه للغساسنة لتدينهم، ولبعض أعيادهم كعيد الشعانين ويسميه السّباسب إذ يقول فيهم (٦): رقاق النّعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالريحان يوم السّباسب

стр. 98

وذكر أوس بن جر عيد الفصح الذى كانوا يحتفلون به فيوقدون المشاعل ويضيئون الكنائس بالقناديل والمصابيح، يقول (١): عليه كمصباح العزيز يشبّه ... لفصح ويحشوه الذّبال المفتّلا وجرى على لسانهم كثير من أسماء الأنبياء، من مثل داود، وكان يشتهر عندهم بنسجه للدروع المتينة القوية، ومن ثمّ يقول سلامة بن جندل فى وصف بعض الدروع (٢): مداخلة من نسج داود شكّها ... كحبّ الجنا من أبلم متفلّق (٣) وقد يتحدثون عن ملكه فى صدر حديثهم عن الملوك البائدين وكيف يعتدى الدهر على الناس فلا يبقى ولا يذر. ويكثر فى شعر الأعشى وأمية بن أبى الصلت وعدى بن زيد القصص عن الأنبياء وسيرهم قصصا نظن ظنا أنه موضوع. وهو إن قبل من عدى النصرانى فإنه لا يقبل من أمية والأعشى، وكانا وثنيين. وتبدو فى شعر بعض الشعراء نزعة إلى التفكير فى الحياة والموت على نحو ما أسلفنا فى غير هذا الموضع، كما يبدو فى شعر نفر منهم إيمان بالله، كقول عبيد بن الأبرص فى معلقته-إن صح أنه له-: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب ويزعم بعض المستشرقين أن الرواة الإسلاميين هم الذين وضعوا لفظة الجلالة فى شعر الجاهليين بدلا من كلمة اللات التى تتفق معها فى الوزن (٤). وفى معلقة زهير: فلا تكتمنّ الله ما فى نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخّر فيوضع فى كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم

стр. 99

فالله يعلم خائنة الصدور وما تخفى، ويعاقب كل إنسان على ما قدمت يداه عاجلا أو آجلا فى يوم الحساب، وإذا صح البيتان لزهير كان ذلك دليلا على أنه ممن تحنفوا قبل الإسلام. ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل على أن وجود النصرانية فى الجزيرة قد أثر فى الشعراء آثارا مختلفة لا فى شعرائها الخاصين بل أيضا فى بعض الشعراء الوثنيين، وكان من آثار ذلك ظهور جماعات المتحنفين، وتسرب فكرة البعث والحساب إلى نفر من الجاهليين.

стр. 100

الفصل الرابع اللغة العربية ١ - عناصر سامية مغرقة فى القدم (١) أشرنا فى غير هذا الموضع إلى أن اللغات السامية تتشابه فى كثير من الكلمات والضمائر والأعداد تشابها يثبت القرابة بينها، وهو تشابه يفيدنا فى معرفة نمو كل لغة من هذه اللغات وتطورها على مر التاريخ حتى تشكلت فى صورتها الأخيرة. وقد أبلى علماء الساميات بلاء مشكورا فى الدراسة المقارنة لهذه اللغات من حيث الصيغ والألفاظ والتصريف والإعراب والأصوات، وهى دراسة تفيدنا فائدة جلّى فى التأريخ لكثير من الظواهر اللغوية ومعرفة قديمها من حديثها. فإن لاحظنا تشابها بين لغتين من هذه اللغات فى ظاهرة بعينها ورجعنا إلى اللغات الأخرى ووجدنا نفس التشابه كان معنى ذلك أن الظاهرة قديمة وأنها ترتقى إلى العصر الذى كانت هذه اللغات متحدة فيه. وقد يقع التشابه فى الظاهرة فى لغتين غير متجاورتين، فإما أن يرجع إلى أصل قديم، وإما أن يكون ثمرة تطور تاريخى فى كل منهما أدّى إلى نفس النتيجة، أما إذا كانتا متجاورتين كالعربية والآرامية فإما أن تكون الظاهرة قديمة ترجع إلى أزمان اتحادهما، وإما أن تكون إحداهما تأثرت الأخرى. ولعل فى هذا ما يدل على أن أسلافنا توسعوا أكثر مما ينبغى حين درسوا الدخيل فى عربيتنا، فوقفوا عند ألفاظ كثيرة وقالوا إنها سريانية آرامية، غير ملتفتين إلى أن طائفة من هذه الألفاظ ترجع إلى الأصل السامى القديم، فلا يقال إن العرب أخذوها من السريان ولا إن السريان أخذوها من العرب، بل يقال إنها من الكلمات السامية القديمة التى تداولها الساميون فى زمان اتحادهم قبل تفرق لهجاتهم وتطورها إلى لغات

стр. 101

مستقلة لها مشخصاتها، وسماتها الصرفية وغير الصرفية. ونضرب مثالا آخر حديثا أثار ضجة واسعة بين المستشرقين، وهو ما زعمه فولرز من أن القرآن الكريم كان فى بادئ الأمر غير معرب، إذ كان بلهجة قريش الدارجة، وهى لهجة-فيما يزعم-كانت غير معربة، وكانت تختلف عن لهجة الشعر الجاهلى الخاضعة لقواعد النحو والعربية، ومضى يقول إن النحاة المتأخرين هم الذين صاغوه فى لغة البدو المعربة. وقد رفض كثير من المستشرقين وعلى رأسهم بوهل ونولدكه وجاير هذا الرأى رفضا باتا (١)، ويقول يوهان فك: «أما أن أقدم أثر من آثار النثر العربى وهو القرآن قد حافظ أيضا على غاية التصرف الإعرابى فهذا أمر وإن لم يكن من الوضوح والجلاء بدرجة الشعر الذى لا تترك أساليب العروض والقافية مجالا للشك فى إعراب كلماته إلا أن مواقع كلام القرآن الاختيارية لا تترك أثرا للشك فيه كذلك، انظر مثلا آية ٢٨ من سورة فاطر: ﴿(إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ)﴾ وآية ٣ من سورة التوبة: ﴿(أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)﴾ وآية ١٢٤ من سورة البقرة: ﴿(وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ)﴾ وآية ٨ من سورة النساء: ﴿(وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى)﴾ فمثل مواقع الكلمات فى هذه الآيات. . . لا يمكن أن يكون إلا فى لغة لا يزال الإعراب فيها حيا صحيحا. يضاف إلى ذلك شهادة القرآن نفسه فى مثل آية ١٣٠ من سورة النحل: ﴿(وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)﴾ وصريح من هذا أنه لم يقم عند محمد ومعشره فرق هام بين لغة القرآن وبين لغة العرب أى قبائل البدو (٢)». ومما يثبت بطلان رأى فولرز أيضا أنه لم يعرف عن قبيلة عربية من القبائل الشمالية أنها اتخذت لهجة دارجة خالية من قواعد النحو والعربية. وقد نسى أو تناسى أن قراءات القرآن الشريف توقيفية عن الرسول ﷺ ، ولو أنه قرأه على الصحابة فى لهجة غير معربة لقضى على اللهجات المعربة من حوله. وعلى الرغم من وضوح فساد هذا الرأى وبطلانه نجد كاله (Kahle) يحاول أن يدلل على صحته، تارة بما وجده من نصوص متأخرة تحثّ على مراعاة الإعراب فى ترتيل القرآن، وتارة بما يزعمه من أن قرّاء القرآن الأولين رحلوا لمخالطة عرب البادية، حتى

стр. 102

يفقهوا قواعد شعرهم النحوية والصرفية ويطبقوها على الذكر الحكيم (١) وهو يستمد فى الشطر الثانى لقوله وزعمه من فولرز، أما الشطر الأول فواضح البطلان، لأن هذه النصوص إنما تشير إلى مخافة العلماء فى عصور اللهجات العامية المولدة من أن يهجم بعض العامة على قراءة القرآن قراءة غير معربة. وإذا رجعنا إلى تاريخ اللغات السامية وعرضنا هذه المسألة تبين لنا أنها تفقد السند التاريخى، فإن الإعراب فى الفصحى ليس خاصة مستحدثة نشأت بين بعض قبائل العرب وفى بعض لهجاتهم البدوية بعد أن لم تكن موجودة وإنما هو خاصة سامية قديمة تشترك فيه مع العربية الأكدية، كما تشترك فى بعضه الحبشية وغيرها من اللغات السامية. وحدث فى سنة ألف وتسعمائة وتسع وعشرين أن اكتشف العلماء فى رأس شمرا بالقرب من اللاذقية نقوشا كثيرة ترجع إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد فى موضع كان يعرف قديما باسم أوجريت (Ugarit) وجدّوا فى حل رموزها، وسرعان ما وجدوها تقرب من اللغات السامية ومن العربية القديمة، فسموها باسم موضعها تمييزا لها، ولا حظوا أن هذه اللغة الأوجريتية يشيع فيها الإعراب مثل العربية، وأيضا فإنهم وجدوا فيها ظواهر المنع من الصرف، وكان المظنون أنه خاصة عربية. ومعنى ذلك أنه ثبت بين علماء الساميات أن ظاهرتى الإعراب والمنع من الصرف قديمتان فى اللغات السامية وأن العربية احتفظت بهما. بينما فقدتهما مع الزمن أكثر هذه اللغات، فهما ليسا من الظواهر المستجدة، بحيث يمكن أن ينسبا إلى بعض قبائل البدو كما وهم فولرز وكاله، وإنما هما من الظواهر السامية القديمة، وليس بين أيدينا نص واحد يشهد بأن قريشا أو بعض قبائل العرب الشماليين ضعف عندهم الإعراب فأهملوه فى لهجتهم الخاصة، بل كان الإعراب عاما بينهم جميعا فى الشرق والغرب، وفى الحجاز ونجد وغير الحجاز ونجد، فمن الخطأ البين أن يزعم زاعم أن الإعراب كان مهملا فى لغة قريش، فإن ذلك مجرد حدس لا قيمة له. ومن ظواهر العربية التى أكدت اللغة الأوجريتية أنه قديم ظاهرة التعريف بأل، وهى تقابل حرف الهاء الذى كان يستخدمه العبريون والآراميون فى التعريف،

стр. 103

وكان الأولون يلحقونه ببدء الكلمة والأخيرون يلحقونه بآخرها، وكان أصحاب النقوش الصفوية من قدماء العرب يجارون العبريين فى استخدام هذا الحرف فى التعريف ومثلهم الثموديون واللحيانيون، واستخدم النبط فى نقوشهم أل استخداما واسعا، إذ نراهم يضعونها مع أسماء آلهتهم مثل الله واللات والعزى، وقد تحذف الألف منها فى الكتابة فيكتبون وهب الله وعبد الله هكذا وهب لهى وعبد لهى بإشباع الكسرة ومدها بحيث تتولد منها الياء. ويقول اللغويون إن الأزد يشبعون حركات الإعراب ومعنى ذلك أن الإشباع قديم فى العربية. ويدل حذف الألف فى مثل وهب لهى أن النبط كانوا يسهلون الهمزة ولا يحققونها على نحو ما أثر عن قريش وأهل الحجاز فى عدم تحقيق الهمزة لا فى أل وحدها بل فى كلمات كثيرة، فيقولون فى اسأل: سل. وكل ذلك معناه أن أداة التعريف فى العربية قديمة وأن تسهيل الهمزة حدث قبل العصر الجاهلى، إذ كانت تميل إليه بعض القبائل العربية ممن كانوا يسكنون فى غربى الجزيرة مثل النبط والحجازيين. وإذا أخذنا نقارن بين صيغ الفعل فى العربية وصيغه فى اللغات السامية وجدنا همزة التعدية فى صيغة أفعل العربية تشيع فى اللغتين الحبشية والسريانية، بينما تعبر العبرية والسبئية وبعض اللهجات الآرامية عنه بالهاء، فهفعل عندهم تقابل أفعل فى العربية. وكان اللحيانيون والثموديون يستخدمون الصيغتين جميعا. وفى الوقت نفسه نجد النقوش اليمنية ما عدا السبئية، ونقصد المعينية والقبانية والأوسانية والحضرمية تعبر عنه بسفعل وتعبر عنه الأكدية بشفعل واحتفظت العربية على نحو ما نعرف بالسين فى وزن استفعل، ومن ثم ذهب ليتمان إلى أن أداة التعدية كانت فى الأول سينا، ثم صارت شينا فى الأكدية، وصارت السين هاء عند بعض الساميين، ثم صارت الهاء همزة فى العربية والسريانية والحبشية (١). ولعل من الطريف أن من يرجع إلى العربية يجد فيها بقايا من هذه الصيغ جميعا كصيغة هراق الماء بمعنى أراقه. يقول ابن يعيش: «اعلم أنهم قالوا أهراق فمن قال هراق فالهاء عنده بدل من همزة أراق على حد هردت أن أفعل فى أردت ونظائره (٢)» وكأنه كان

стр. 104

بينهم من يجمع فى التعدية بين الهمزة والهاء، ومن يكتفى بإحداهما فى مثل هذه الكلمة، ويظهر أن هذا كان كثيرا إذ ينص ابن يعيش على أن له نظائر متعددة، فيقولون هراح فى أراح وهنار فى أنار وهكذا. وفى القاموس المحيط الهذروف كعصفور: السريع، وهذرف: أسرع. ومعنى ذلك أن بين الأسماء صيغا احتفظت بتلك الهاء لأنها اشتقت من أفعالها، يقول صاحب القاموس: «الهجزع كدرهم الجبان لأنه من الجزع». أما وزن سفعل الذى استخدمته بعض اللهجات العربية الجنوبية القديمة كالمعينية فإن العربية احتفظت به فى صيغة استفعل، وفى المزهر من مزيد الثلاثى هفعل فى مثل هلقم إذا أكبر اللقم وسفعل فى مثل سنبس بمعنى نبس (١)، ويمكن أن يرد إلى هذه الصيغة كثير من الأفعال التى تبتدئ بالسين، كما يرد إلى صيغة هفعل كثير من الأفعال التى تبتدئ بالهاء، فهدر مثلا يمكن أن يكون أصلها در وأضيفت إليها الهاء وخففت الراء، وسكن أصلها كان من كان التامة، ثم حذفت الألف. وبهذا القياس يمكن أن ننعم النظر فى بعض الكلمات المبدوءة بالشين فنردها إلى صيغة شفعل الأكدية، فشسع يمكن أن يكون أصلها شوسع من وسع، وشوّش من وشّ وهكذا. وكأن العربية كانت تستخدم فى بعض أزمنتها القديمة كل هذه الصيغ، ثم تطورت بصيغة هفعل إلى أفعل وآثرتها معرضة عن الصيغ الأخرى لأنها أخف فى النطق وأيسر. ومن الظواهر التى تتقارب فيها العربية من أخواتها السامية الضمائر، إذ نرى مثلا: أنا تختص بالمتكلم مع زيادة مميزات عددية أو جنسية فى بعض اللغات، بينما تختص التاء بضمير الرفع المتصل، وقد تخلفها الكاف كما فى الأكدية، على نحو ما جاء على لسان بعض الرجاز يهجو ابن الزبير (٢): يا بن الزبير طالما عصيكا ... وطالما عنّيتنا إليكا فقال عصيك بدلا من عصيت. وكما تتشابه اللغات السامية فى الضمائر تتشابه فى أسماء الموصول والإشارة، ويدل الاسم الموصول «ذو» عند الطائيين أن الأسماء

стр. 105

الموصولة كانت فى الأصل أسماء إشارة، وهو فى الحبشية «ذ» وفى السريانية «د»، و «دى» فى النقوش النبطية. وأيضا فإن هذه اللغات تتشابه فى كثير من حروف العطف وحروف الجر وأدوات الاستفهام وفى الميل إلى المخالفة بين الذكر والأنثى رغبة فى الازدواج كما يتضح فى العدد ومخالفته للمعدود فى الجنس وفى تأنيث الفعل مع جمع التكسير المذكر. وتشترك العربية مع أخواتها السامية فى أن الأسماء الثنائية أقدم أسمائها. وفى العربية أمثلة كثيرة منها احتفظت بها، وقد أخذت-كأخواتها-تشتق منها الثلاثى وغيره أو تولدهما. ومن أقدم ما اتبعته فى ذلك تضعيف الحرف الثانى أو زيادة واو أو ياء فى أوله أو زيادة حرف لين فى وسطه أو نهايته. وقد تتكرر المادة الثنائية مثل حصحص وصرصر وسلسل. ولعلماء الساميات أبحاث فى الكلمات التى تشترك فيها العربية مع غيرها من اللغات السامية والتى يمكن أن تعد من أقدم عناصرها، وهم يردون بعضها إلى أسماء الإنسان وأحواله مثل ذكر وأنثى وأب وأم وابن وبنت وأخ وبعل وبكر وأمة وضرة. ومن الأفعال القديمة المتعلقة بهذه الأسماء: ولد وملك. ومن هذه الأسماء المشتركة أسماء الحيوانات مثل نمر وذئب وكلب وخنزير وإبل وثور وحمار ونسر وعقرب وذباب ومعها فعل نبح. ومن أسماء النباتات عنب وتوم وقثاء وكمون وزرع وسنبلة. ومن أعضاء البدن رأس وعين وأذن وأنف وفم ولسان وسن وشعر ويد وظفر وركبة وكتف وذنب وقرن وعظم وكرش وكبد وكلية ونفس ودم، ومعها سمع وطعم. وأسماء مثل شيب ويمين وموت وقبر. ومن أجزاء العالم سماء وشمس وكوكب وأرض وحقل وماء ومنبع وبئر. ومما يتبعها ظل ويوم وليلة وبرق ولهب. ثم بعض أسماء البيت وأقسامه وما يتبعه مثل بيت وعمود وعرش وقوس وحظ وأصل معناه السهم وحبل وإناء ومما يتبعها من الأفعال رمى. ومن المأكولات والمشروبات قمح ودبس وسكر ويتبعها طحن وطبخ وقلى. وإلى جانب ذلك عدد كبير من الأفعال والأسماء مثل كان ونشأ وعلا وقدم وقرب وبكى وصرخ وأخذ وذكر وسأل وبشر ورحم وبلّ ونقل ونقب وصغر ورعى وسقى وركب ونظر وفقد وسلم وذبح وبارك ووقر، ومثل اسم وكل وأسماء العدد إلى العشرة والمائة (١). وهناك أسماء وأفعال تشترك فيها العربية مع اثنتين أو ثلاث أو أربع من اللغات السامية،

стр. 106

والحكم فى مثل هذه الكلمات مشكل، فإما أن تكون من الكلمات السامية الأصلية، أو تكون بعض الفروع اختصت بها بعد تفرقها، بمعنى أنها نشأت بينها، وتكونت فى زمن متأخر. ومن علماء الساميات من يظن أن ما تنفرد به العربية من كلمات لا توجد فى أخواتها السامية هو من السامى الأصيل احتفظت به بينما سقط من إخواتها، ويذهب برجشتراسر إلى أن «هذا بعيد عن الاحتمال للغاية ولا يجوز افتراضه إلا على فرض كون اللغة العربية أقرب إلى اللغة السامية الأم من أخواتها. وهذا من الأوهام التى لا سبب لها، فإن اللغة العربية ترقت رقيا بعيدا بالقياس إلى أخواتها الساميات. . ولا بد من أن نفترض أن اللغة العربية اخترعت ألوفا من الكلمات الجديدة ولا عجب فى ذلك بعد ما شاهدناه مرارا من ميلها إلى التخصص وإلى اختراع العبارات الجديدة المحدودة (١)» ويضرب مثلين لذلك: كثرة ما اخترعته فى باب الإبل وأوصافها وشياتها وأمراضها وأدواتها من أسماء. ومثل ثان هو ما اخترعته من أدوات النفى، إذ تشترك مع اللغات السامية فى أداته الأساسية «لا» ثم تنفرد بما اشتقته من أدوات كثيرة لا يوجد منها فى أخواتها سوى ليس، إذ نجد فيها لم بزيادة الميم وحذف الألف، ولما بزيادة ما على لم، ولن بزيادة النون. وأضافت لذلك أدوات جديدة هى ما وإن وغير، وبذلك عددت وظائف النفى ونوعتها. ومعنى كل ما قدمنا أن هناك عناصر فى العربية ترجع إلى أقدم أزمنتها، وأخرى جديدة، وقد عقد ليتمان مقالين طويلين (٢) بحث فيهما أسماء الأعلام فى اللغات السامية متخذا منها ما يدل على تاريخها وصيغها وأديانها وعاداتها، ولا حظ أن منها أسماء مركبة وأسماء مفردة وأسماء اسمية وأسماء فعلية وأسماء دينية وأسماء دنيوية وأسماء مكانية وأسماء زمانية وأسماء تخص أمنية أو فرحا أو صفة أو دعاء وأسماء لرجال مشهورين أو نساء مشهورات، بالإضافة إلى أسماء أجنبية. ومن طريف ما لاحظه أن النبط كانوا يلحقون فى كتابتهم ونقوشهم الواو بآخر الأعلام أحيانا، يقول: والواو هذه تشير إلى أن الاسم معرب، وأما الأسماء المبنية فكتبوها بلا واو فى آخرها. وأخذ العرب بعد ذلك هذه الواو من الخط النبطى فألحقوها بعمرو فرقا بينه وبين عمر (٣).

стр. 107

العرب بعد ذلك هذه الواو من الخط النبطى فألحقوها بعمرو فرقا بينه وبين عمر (١) وقارن مقارنات واسعة بين الأعلام فى العربية منذ الجاهلية وبين لهجاتها القديمة من صفوية ونبطية، وأدلى فى هذا الصدد بملاحظات جيدة. وعلى هذا النحو لا يزال علماء الساميات يقارنون مقارنات طريفة بين العربية الجاهلية وما سبقها من لهجات كتبت فى نقوش قديمة، كما يقارنون بينها وبين العربية الجنوبية اليمنية وغيرها من أخواتها السامية محاولين استخلاص عناصرها وظواهرها المغرقة فى القدم، والتى جدّت على مر التاريخ. وقد لاحظوا أنها هى والحبشية واللهجات اليمنية القديمة تكثر من جموع التكسير كثرة مفرطة، كما لاحظوا أنها هى والعربية الجنوبية أو اليمنية تتميزان بوجود حرف الظاء فيهما، ومما يميزها أيضا حرف الضاد، ولهم كلام كثير فيه وفى مخرجه، وتبادله مع الظاء واللام فى بعض الكلمات. ٢ - لهجات عربية قديمة (٢) عثر علماء الساميات على نقوش أربع لهجات عربية قديمة، منها ثلاث كتبت بالخط المسند الجنوبى، وهى اللهجة الثمودية واللّحيانية والصّفوية، وواحدة كتبت بالخط الآرامى، وهى اللهجة النبطية. وقد جاء ذكر ثمود فى القرآن الكريم مرارا، وكانوا ينزلون فى مدائن صالح وما حولها، وتمتد عشائرهم غربا إلى البحر الأحمر وشرقا إلى جبلى أجأ وسلمى. وقد تردد ذكرهم عند الإغريق والرومان وفى كتابات أشورية ترجع إلى القرن الثامن قبل الميلاد. ونرجع نقوشهم التى عثر عليها إلى القرون الأخيرة قبل الميلاد والقرون الأولى بعده، وهى تنتشر فى كثير من البلاد، فهى فضلا عن وجودها فى أماكن إقامتهم وسكناهم نجدها مبثوثة فى الطائف وطور سيناء ومصر بوادى الحمامات، وربما كان فى ذلك ما يدل على أن أهلها

стр. 108

أسماءهم للذكرى، وقليل منها أدعية لآلهتهم، وهى صعبة القراءة لأن خطهم مشتق من الخط المسند الجنوبى، مثلهم مثل اللحيانيين والصفويين، وهو خال من الشكل ومن علامات الإشباع والحركات والتشديد. ومما يزيد فى صعوبته أيضا، أو بعبارة أدق مما يزيد فى صعوبة الأحكام اللغوية عليه أن جميع نقوشه بضمير الغائب وأنهم كثيرا ما يحذفون منه بعض الحروف كالنون من ابن والضمير من «لى» وأيضا فإنه تختلط به آثار عبرية وآرامية. وهذه النقوش مع أنها كتبت بالخط المسند الجنوبى نقوش للعرب الشماليين، فاللغة التى تعبّر عنها عربية شمالية، ويتضح ذلك فى تراكيبها الصرفية والنحوية وفى اشتقاقات أفعالها وأزمنتها. ونجد عندهم صيغة المثنى بجانب صيغة الجمع كما نجد نفس أسماء الإشارة والأسماء الموصولة والضمائر وحروف الجر من مثل اللام والباء وإلى وعلى وحرف العطف واو. غير أن أداة التعريف الشائعة عندهم هى الهاء لا أل، وكذلك الشأن عند اللحيانيين والصفويين، أما عند النبط فهى أل. ومن هنا يصح أن نطلق على الأولين اسم أصحاب لهجات الهاء، وهم فى ذلك يتطابقون مع العبريين، وأيضا فإنه يشيع عند الثموديين واللحيانيين تعدية الفعل الثلاثى بالهاء بدلا من الهمزة، مثلهم فى ذلك مثل العبريين والسبئيين، على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع. واللهجة القديمة الثانية هى اللهجة اللّحيانية نسبة إلى منازل أهلها من بنى لحيان الذين ذكروا فى نقوشها، وقد عثر عليها علماء الساميات منثورة فى شمالى الحجاز بمنطقة العلا الحالية، وكانت حاضرتهم تسمى دادان بالقرب من مدائن صالح، ويختلف الباحثون فى تاريخهم وهل كانوا قبل الميلاد أو بعده، بل منهم من يتأخر بهم حتى القرن الخامس للميلاد. وتلقانا فى نقوشهم نفس الصعوبات التى تلقانا فى نقوش الثموديين من نقص الشكل وحروف العلة والمد والتشديد. وهم يعرّفون بالهاء على شاكلة الثموديين، وقد يعرفون بأل أو باللام على شاكلة العربية الجاهلية، وقد يجمعون بينهما مثل هلحمى بمعنى الحمى. وهم يستبقون بين صيغ الفعل على صيغتى هفعل وسفعل ونراهم يلحقون بالماضى تاء التأنيث كما نراهم يشيرون بالذال

стр. 109

وذه وذات. ومن أسمائهم الموصولة من وما وذو المعروفة فى لهجة طيئ. ومن آلهتهم التى يرددون ذكرها بعل والعزّى ومناة وودّ وإلهة. ومن أسمائهم عبد ودّ وعبد شمس وعبد مناة وبعيث وعمر وطود. ومن ألفاظهم رب ويوم وبيت وحية وشيعة وحرة ورتاج وإيلاف وكبير وقديس وصانع ونحاس ووارث وعابد ومقدر ومنعم. وهم يكنون وينسبون على نحو ما نعرف فى الفصحى، وأيضا نجد عندهم التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع السالم والمكسر وهم يجمعون الذكور بالواو والنون والياء والنون كما يجمعون الإناث بالألف والتاء. ومن أدوات الجر والإضافة عندهم الباء واللام وفى ومن ومع وقبل وبعد وتحت ولدى وخلف، ونراهم ينفون بلا. أما اللهجة الصفوية فقد نسبت إلى جبل الصّفاة القائم فى شرقى حوران ببادية الشام، ولم توجد النقوش به، وإنما وجدت فى الحرّة الواقعة بينه وبين حوران، ولم ينسبها علماء الساميات إليها بحيث يقولون النقوش الحرية مخافة اللبس لأن الجزيرة العربية تمتلئ بحرات كثيرة، لذلك رأوا نسبتها إلى الجبل المذكور، واتخذوه علما عليها، وقد عثروا على نقوش منها فى مواضع أخرى كالحرة الواقعة فى جنوبى دمشق والصالحية على الفرات. وواضح أنها لا تنسب إلى قوم بأعيانهم أو إلى أمكنة بعينها، إنما هى تسمية اصطلاحية. وخطّها مشتق من الخط المسند الجنوبى كاللهجتين السابقتين ولذلك يصادف العلماء فيه نفس الصعوبات التى أشرنا إليها، ومما يزيدها صعوبة أن رسوم حروفها تتشابه فالباء تشبه الظاء والخاء تشبه التاء وكذلك تشبه اللام النون والهاء الصاد، وقد يبدأ الكاتب من اليمين إلى اليسار وقد يعكس الاتجاه فيبدأ من اليسار إلى اليمين. ونقوشهم قصيرة وشخصية، وقد يضمنونها وثائق تمليك أو أدعية للآلهة، وقد يذكرون تاريخ نقشها فيؤرخونه بتاريخ بصرى أو ببعض حروب النبط والروم. وهى تسبق الميلاد وتمتد بعده قرونا. ونرى أداة التعريف الشائعة عندهم الهاء، وقد وردت عندهم أسماء قليلة معرفة بالألف واللام مثل الأوس والعبد. وتشيع عندهم إضافة المنعوت إلى النعت على شاكلة الحبشية والعبرية المتأخرة وبعض اللهجات الجاهلية، فيقولون مثلا «جبل الأحمر» بدلا من الجبل الأحمر، ويتبع اسم الإشارة المشار إليه ولا يتقدمه فيقولون أو يكتبون «جو، ذ» أى هذا الوادى، بالضبط

стр. 110

كما نصنع فى عاميتنا المصرية فنقول «النهاردا» بدلا من هذا النهار. وتلقانا عندهم ذو الطائية التى تستخدم اسما موصولا فى مثالها المشهور «بئرى ذو حفرت وذو طويت» أى الذى حفرت والذى طويت. وهذه اللهجة بصفة عامة أقرب إلى عربية الجاهليين من اللهجتين اللحيانية والثمودية سواء فى الضمائر واستخدام العدد أو فى أسماء الأعلام وصيغ الفعل، فنحن لا نجد عندهم هفعل، بينما نجد الفعل المبنى للمعلوم والمبنى للمجهول، وهى تتشابه مع العربية الفصحى فى تصريف الأفعال ومصادرها ففعّل مصدره تفعيل أو تفعلة وفاعل مصدره فعال أو مفاعلة وأفعل مصدره إفعال وانفعل مصدره انفعال وهلم جرّا. ونراها تدخل تاء التأنيث على الكلمة للفرق بين المذكر والمؤنث، وتشيع فيها أدوات الجر المعروفة فى العربية الفصيحة، وتعطف بالواو والفاء، وتنادى بها وبيا. والحروف جميعها هى نفس حروف عربيتنا عددا، ويشيع تسهيل الهمزة فيها، وخاصة فى أول الكلمة فعندهم ونس بدلا من أنس وودم بدلا من أدم. وكانت قبيلة هذيل تصنع نفس الصنيع فتقول وشاح بدلا من إشاح. ومن ذلك أنهم يقولون واكل بدلا من آكل على نحو ما نصنع فى لهجاتنا العربية المعاصرة، وهم لا يدغمون الحرف الثانى مع الثالث فى الأسماء المشتقة من الفعل المضاعف مثل ظن فيقولون أو يكتبون ظانن، بالضبط كما ننطق فى عاميتنا مادد بدلا من مادّ. ومن أفعالهم المنقوصة التى احتفظت بها العربية: شتى وبنى وأتى ونجا ورعى ودعى، ودائما لام الفعل الناقص عندهم ياء. ومن العبارات التى وردت فيها هذه الأفعال: «نجى من هسطان» أى نجى من السلطان و «رعى هضأن» أى رعى الضأن و «هأبل» أى الإبل و «همعز» أى المعز و «هبقر» أى البقر. وفى نقش من نقوشهم «ورعى هأبل سنة مرق نبط جوذ» أى رعى الإبل سنة مرق النبط بهذا الوادى. ومعنى كلمة مرق فى النقش مر، وهى تستخدم بنفس هذا المعنى فى لهجاتنا المصرية. ومن آلهتهم رضا واللات ومناة وبعل وشيع هقوم أى شيع القوم وهو إله مشهور عند النبط، قيل إنه لا يشرب الخمر وكذلك عابدوه. ولو أنه جاءتنا نماذج طويلة من نقوش الصفويين وأبناء عمومتهم الثموديين
следующие страницы →