← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

مسلم ابن كان يكبره يسمى سليمان، وكان كفيفا، كما كان شاعرا مجيدا، ويجمع الرواة على أنه كان زنديقا وأن الذى لقّنه زندقته بشار (١)، ومن قول الجاحظ فيه: «كان من مستجيبى بشار الأعمى، وكان يختلف إليه وهو غلام، فقبل عنه ذلك الدين (٢)». وفى اختلافه إليه ما يدلّ على أنه نزل البصرة، ويظهر أنه نزلها مع أبيه، إذ كان لا يزال غلاما، وكان ضريرا، يحتاج إلى من يعينه ويعوله، وفى ديوان مسلم قصيدة طويلة (٣) يذكر فيها مقامه أولا بالكوفة، ثم نزوله البصرة وذكرياته السعيدة بها، وذكريات الحب واللهو. وفى ذلك كله ما يدل على أن مسلما نشأ بالكوفة، ثم انتقل إلى البصرة، ولا نرتاب فى أنه كان يختلف مع أخيه سليمان إلى بشار، وأن ذلك أتاح له أن يحمل عنه شعره، ولكنه لم يحمل عنه زندقته، كما حملها أخوه، إذ لم يعرف عنه شئ من الزندقة. ويظهر أنه مضى يثقف نفسه بكل معارف عصره وأنه عكف على قراءة كثير من الآداب المترجمة، ونراه يصرح بأن قوله: دلّت على عيبها الدّنيا وصدّقها ... ما استرجع الدهر مما كان أعطانى قد أخذ معناه من التوراة (٤). وفى أشعاره من التعمق فى الأفكار ما يدل دلالة قاطعة على أنه اختلف إلى متكلمى البصرة وحذق على أيديهم النظر والتفكير وتصحيح المعانى والخلوص إلى دقائقها وطرائفها وحدودها الخفية. وأيضا فى أشعاره ما يدل دلالة بينة على ثقافة واسعة بالشعر القديم: الجاهلى والإسلامى، فقد أشربته روحه لا بصياغاته فحسب، بل أيضا بجميع معانيه وصوره وخصائصه الموسيقية. والتحمت فى نفسه هذه الثقافة بشعر بشار ومعاصريه من شعراء الجيل العباسى الأول التحاما قويا خصبا. ويظهر أن مواهبه الشعرية استيقظت فى نفسه مبكرة، وليس بين أيدينا أخبار

стр. 1157

واضحة عن حياته فى موطنه الأول الكوفة ولا فى البصرة، غير أننا نراه يصطدم بشاعر بصرى يسمى ابن قنبر، عنى بأن يردّ على الطرماح الشاعر الأموى الخارجى أهاجيه فى قبيلته تميم، وأن يهجو طيئا والأزد وغيرهما من قبائل اليمن التى انتصر لها الطرماح، وامتعض مسلم لمواليه من الأنصار الأزديين اليمنيين، وزجّ بنفسه معه فى معركة هجاء عنيفة، وكان أقوى منه شاعرية، فهتكه ومزقه واضطره إلى أن يمسك عن مناقضته. وجذبت بغداد مسلما فهاجر إليها، لعل بضاعته تروج فيها ويحظى بما حظى به أعلام الشعراء فى عصره من جوائز الخلفاء والأمراء والوزراء والولاة والقواد. ولا يعرف بالضبط تاريخ هجرته، ولكن فى أخباره أنه هاجر إليها مع أخيه سليمان وانقطعا لمديح يزيد بن مزيد ومحمد بن منصور بن زياد كاتب البرامكة، وقد توفى سليمان سنة ١٧٩ للهجرة. وفى أخبار مسلم أنه كان يمدح من دون الخليفة ولا يطمح إليه، فكان يقول: أرى نفسى تذوب حسرات من أنه يحوى جوائز الخلفاء من لا يوازينى فى أدب. ويدل ذلك على أنه ظل فى بغداد مدة قصرت همته فيها عن لقاء الرشيد ثم لقيه، ويقال إن منصور بن يزيد الحميرى خال الرشيد هو الذى أوصله إليه. وتلتقى أخبار لقائه له بمدائحه ليزيد بن مزيد وقضائه على ثورة الوليد بن طريف الخارجى فى سنة ١٧٩ للهجرة، ومن حينئذ لمع اسمه وعلا نجمه بين شعراء بغداد ويظهر أن صلة انعقدت بينه وبين البرامكة، فقد كان وثيق الصلة بمحمد بن منصور كاتبهم، وله فيهم مدائح مختلفة. وفى ديوانه قصائد أربع فى مديح الرشيد، ويظهر أن كثيرا من مدائحه فيه سقط من يد الزمن، ويقال إنه لما أنشده لاميته فيه، وأورد على سمعه قوله فى مقدمتها: هل العيش إلا أن أروح مع الصّبا ... وأغدو صريع الرّاح والأعين النّجل (١) قال له: أنت صريع الغوانى، فلصقت به الكلمة، وأصبحت لقباله لا يعزف إلا به (٢). ونراه دائما ينوه بانتصاراته على أعدائه، من مثل قوله (٣):

стр. 1158

خليفة الله إن النّصر مقتصر ... عليك مذ أنت مبلوّ ومختبر أعددت للحرب سيفا من بنى مطر ... يمضى بأمرك مخلوعا له العذر (١) لا فى بنو قيصر لما هممت بهم ... مثل الذى سوف تلقى مثله الخزر لقد بعثت إلى خاقان جائحة ... خرقاء حصّاء لا تبقى ولا تذر أظلّهم منك رعب واقف بهم ... حتى يوافق فيهم رأيك القدر وهو يريد بسيف بنى مطر يزيد بن مزيد الشيبانى، وقد مضى يتحدث عن انتصارات الرشيد على الروم وظفره بخاقان ملك الترك، وكان شخص إليه الفضل بن يحيى البرمكى فى جيش ضخم سنة ١٧٨ للهجرة، فأسره واستباح عسكره وغنم أمواله (٢). وفى أخباره أن الرشيد وصله صلات كثيرة، حتى ليقال إنه وصله مرة بمائتى ألف درهم (٣). وتقرن أخباره إعجاب الرشيد به بإعجابه بمديحه لقائده يزيد ابن مزيد الشيبانى، وهو إعجاب نظن أن السياسة تتداخل فيه، فقد كان كل شئ فى الحكم بيد البرامكة الإيرانيين، وأكبّ عليهم الشعراء بمدائحهم إكبابا جعل الخليفة ينفس عليهم ذلك، وربما كان مما يؤذيه أنه لا يجد لقادته من العرب الخلّص من يمدحهم وينوه بهم، وكان البرامكة يقفون فى وجه بعض هؤلاء القادة ويحاولون إبعادهم عن الخليفة، وكان يضطر للنزول على إرادتهم لعلو نفوذهم، وكان ممن صنعوا به ذلك يزيد بن مزيد، فإنه لما قضى على ثورة الوليد ابن طريف وانصرف بالظفر حجب برأيهم وجاراهم الرشيد فأظهر سخطه عليه، فقال: «وحقّ أمير المؤمنين لأصيّفنّ وأشتونّ على فرسى أو أدخل، فارتفع الخبر بذلك إلى الرشيد، فأذن له، فدخل، فلما رآه ضحك وسرّ وأقبل يصيح: مرحبا بالأعرابى، حتى دخل وأجلس وأكرم (٤)» وأقبل الشعراء يمدحونه، ومدحه مسلم بقصيدته المشهورة (٥):

стр. 1159

أجررت حبل خليع فى الصّبا غزل ... وشمّرت همم العذال فى العذل (١) وارتفعت إلى سمع الرشيد، فطار سرورا بمدح قائده وبمادحه. ومن حينئذ توثقت الصلة بين الشاعر والخليفة من جهة وبينه وبين القائد من جهة ثانية، وأخذ يزيد يغدق عليه نواله الغمر، حتى ليقال إنه أعطاه فى إحدى وفاداته عليه مائة وتسعين ألف درهم، وأقطعه إقطاعات تغلّ مائتى ألف درهم. ولما ولّى الرشيد يزيد أرمينية وآذربيجان سنة ١٨٣ للهجرة صحبه وظل معه حتى توفى سنة ١٨٥. وقد احتفظ الديوان بقصيدته السابقة فيه وقصيدة ثانية ميمية ومقطوعة قصيرة، وهو فى القصيدة الأولى ينوّه بانتصاراته فى حروب الروم وظفره بيوسف البرم الثائر فى خراسان لعهد المهدى ثم الوليد بن طريف الخارجى الثائر بالجزيرة لعهد الرشيد. ونراه فى القصيدة الثانية وهى التى يستهلها بقوله (٢): طيف الخيال حمدنا منك إلماما ... داويت سقما وقد هيّجت أسقاما يتغنّى بانتصاره على الوليد بن طريف ويشيد بشجاعته وإقدامه. وكان منذ نزوله بغداد يمدح محمد بن منصور بن زياد كاتب البرامكة، وكان خليفة الفضل بن جعفر البرمكى بباب الرشيد، وكان يسمى فتى العسكر لبلائه فى الحروب، ولمسلم فيه قصيدتان وبعض مقطوعات منثورة فى ديوانه، وهو فى إحدى قصيدتيه، وهى التى افتتحها بقوله (٣): عاصى الشباب فراح غير مفنّد ... وأقام بين عزيمة وتجلّد (٤) يشيد طويلا بانتصاره فى بعض حروب الروم وفتكه بأحد بطارقتهم، كما ينوّه بانتصارات أبيه «منصور» على خوارج القيروان، ولعله كان فى عداد جيش يزيد بن حاتم المهلبى الذى فتك بهم فتكا ذريعا لعهد الخليفة المنصور (٥). وقد وصله محمد بن منصور بن زياد بالبرامكة، وفى ديوانه بيتان فى مديح يحيى، وقصيدة ومقطوعة فى مديح ابنه جعفر، وهو فى القصيدة يشير إلى قضائه على فتنة

стр. 1160

بالشام سيّره إليها الرشيد سنة ١٨٠ للهجرة (١)، يقول (٢): أعطى المقادة أهل الشام حين غشوا ... من جعفر بهنات مالها حول وأبدع قصائده فى البرامكة لاميته فى الفضل بن جعفر، وهى تعدّ من روائعه (٣) وإذا صح أن من سماه إسماعيل فى قصيدته: «وإنى وإسماعيل يوم وداعه» (٤) من البرامكة كانت هى الأخرى من درره فيهم. ونراه بعد وفاة يزيد بن مزيد يتصل بداود بن يزيد المهلبى أحد قواد الرشيد وولاته على إفريقية، وقد ولاه السند سنة ١٨٤ فرمّ ما فيها من شعث بين اليمنية والنزارية، وفتح كثيرا من مدنها، ويقال إنه «كان يجلس للشعراء فى السنة مجلسا واحدا فيقصدونه ذلك اليوم وينشدونه مدائحه، فوجّه إليه مسلم راويته بقصيدته فيه (٥): لا تدع بى الشّوق إنى غير معمود ... نهى النّهى عن هوى البيض الرّعاديد (٦) فلما أنشدها بين يديه أمر له بعشرة آلاف درهم وأمر لمسلم بمائة ألف، وهى إحدى فرائده، ونراه فيها يتحدث عن انتصاراته فى «كرمان» وسجستان ومن فتك بهم من الخوارج والثوار، وكيف دانت له السند واستقامت أمورها خير استقامة. ونرى مسلما يمدح جماعة من كتاب الدواوين والولاة وكبار رجال الدولة فى عهد الرشيد، وفى مقدمتهم يعقوب (٧) بن سعدان، وكان سعدان كاتب زبيدة (٨) زوج الرشيد، وسهل (٩) بن الصباح المدائنى، وكان من مقدّمى رجال الدولة وأجوادهم (١٠)، والحسن (١١) بن عمران الطائى والى الرشيد على دمشق (١٢)، وزيد ابن مسلم الحنفى أحد قواده، وقد نوّه به وبكرمه وشجاعته وبلائه فى الحروب فى

стр. 1161

قصيدتين (١) بديعتين. ونمضى معه إلى عصر الأمين فنراه بمدحه بقصيدته (٢): شغلى عن الدار أبكيها وأرثيها ... إذا خلت من حبيب لى معانيها ونراه يشيد بانتصاراته على أعدائه فى الشرق، وهو بلا ريب يشير إلى انتصار هرثمة بن أعين على رافع بن الليث الثائر بسمرقند سنة ١٩٤ (٣). ولا يلبث الأمين أن ينقض عقد ولاية العهد من بعده لأخيه المأمون، ويأخذ من الناس البيعة لابنه موسى مما أدّى إلى تطاحن الأخوين وظفر المأمون بأخيه على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. ويولّى مسلم وجهه شطر مرو حيث المأمون ووزيره الفضل بن سهل. وتلقّاه الفضل بترحيب عظيم، إذ كان من ندمائه قبل وزارته للمأمون (٤)، ونظن ظنّا أن الصلة توثقت بينهما منذ كان مسلم يغدو ويروح على البرامكة، وخاصة على الفضل بن جعفر البرمكى فقد كان ابن سهل يخدمه أولا ثم التحق بخدمة المأمون. ولم يكد مسلم يمثل بين يديه حتى أنشده قوله فيه: لو نطق الناس أو أثنوا بعلمهم ... ونبّأت عن معالى دهرك الكتب لم يبلغوا منك أدنى ما تمتّ به ... إذا تفاخرت الأملاك وانتسبوا فأمر له عن كل بيت من هذه القصيدة بألف درهم (٥). وقد سقطت من ديوانه، كما سقطت قصيدة كافية له فى المأمون لم يبق منها إلا هذان البيتان (٦): وردت على خاقان خيلك بعد ما ... كره الطّعان وقد أطلن عراكا حتى وردن وراء «شاش» بمنزل ... تركت به نفلا له الأتراكا وأيضا فقد سقطت له قصيدة ثالثة فى الفضل بن سهل لم يبق منها إلا بيت واحد (٧)، وحظى عنده حظوة كبيرة جعلته يولّيه جرجان أو بعض ضياعها أو يريدها أو مظالمها أو ضياع أصبهان على اختلاف فى الروايات (٨). ولعل

стр. 1162

أولها أكثرها صحة. ويقال إنه كان يربح ألف ألف درهم فى العام، وما زال بجرجان حتى لبّى داعى ربه سنة ٢٠٨ للهجرة. وواضح أن مسلما أخذ يعيش فى هناءة ورغد منذ أواخر العقد الثامن من القرن الثانى، فقد انهالت عليه الدنيا وأخذ يظفر بجوائز ضخمة، وما زال يرقى به شعره حتى تولّى جرجان. وفى أخباره وأشعاره ما يدل على أنه كان يقبل على اللهو والطرب، ويفسح فى حياته للحب والغزل، ولكن يظهر أنه لم يكن ينغمس فى ذلك انغماس أبى نواس وأخذانه، فقد كان فيه وقار، وإحساس غير قليل بكرامته. وكل شئ يؤكد أن حياته فى أسرته كانت تجرى رخاء، فقد رزق ابنة وولدين هما مخلد وخارجة، وسبقته زوجته إلى دار البقاء، فحزن عليها حزنا شديدا، ولعل فى حزنه عليها ما يدل على أنها كانت له شديدة الوفاء والإخلاص. وفيما قدمنا ما يدل دلالة بيّنة على أن ديوان مسلم لم يحتفظ بكثير من قصائده، فأشعاره فى المأمون والفضل بن سهل مفقودة كما أسلفنا، إلا البيت بعد البيت، وحتى من رويت له فيهم بعض قصائده يظهر أن وراءها قصائد له فيهم سقطت من يد الزمن. ومما يجعلنا نقطع بذلك أننا نجد ابن المعتز يشيد بلاميته السائرة التى أنشدها الرشيد والتى لقّبه كما مر بنا من أجل أحد أبياتها باسم «صريع الغوانى» ويقول إن الرشيد كتبها بماء الذهب (١)، ومع ذلك لم يبق منها فى الديوان إلا مقدمتها، ويصفها ابن المعتز بأنها «مشهورة سائرة جيدة عجيبة». وكأن ديوانه مختارات تتضمن بعض قصائده وبعض مقطوعاته. ويظهر أن العبث بالديوان قديم، حتى ليروى بعض الرواة أن مسلما تغافل راويته يوما وبيده دفتر ديوانه، فقذف به فى بحر! ولهذا قلّ شعره ولم يبق منه بأيدى الناس إلا ما رواه بعض معاصريه العراقيين وإلا ما كان فى أيدى الممدوحين من مدائحه (٢). وربما كان هو نفسه أول من حوّل ديوانه إلى مختارات، إذ كان شديد الحساب لنفسه، وكأنه أسقط كثيرا من أشعاره، حتى لا يبقى له فى أيدى الناس إلا عيون شعره. ولعل القرن الثانى للهجرة لم يعرف شاعرا جهد نفسه فى صنع الشعر، كما

стр. 1163

جهدها مسلم، فقد أقبل يتمثل نماذج الشعر القديم: جاهليه وإسلاميه بكل معانيه وصوره وأساليبه، وأضاف إلى هذا التمثل تمثلا لا يقل عنه عمقا ولا دقة لنماذج الشعر العباسى عند بشار ومعاصريه. وبذلك التأم القديم والجديد فى نفسه، وعاش ينفق حياته الفنية فى المزج بينهما، مفكرا فى كل التراث الشعرى الذى سبقه وناقدا ومحللا مستنبطا. وهداه ذلك منذ أول الأمر إلى أن يستكشف فى وضوح أدوات البديع والتصنيع من جناس وطباق ومشاكلة وتصوير وأن يجعلها أساسا فى صنع شعره واعترف له القدماء بذلك حتى قالوا إنه «أول من قال الشعر المعروف بالبديع، وهو الذى أعطاه لقبه (١)». وحقّا نجده مبثوثا فى أشعار بشار وأبى نواس وأضرابهما من سابقيه ومعاصريه، ولكنه يأتى عندهم فى الحين بعد الحين، أما عند مسلم فإنه يتخذه وكده وغايته من عمل الشعر. وقد حاول ابن المعتز فى كتابه «البديع» أن يردّ البديع إلى الشعر القديم والقرآن الكريم، فهو عربى الأصول. ولا يمكن لأحد أن يدعى أن مسلما حين استظهر مذهب البديع والتصنيع فى شعره لم يعتمد على أصول تزكّيه، فقد كان منبثّا فى العصور السابقة له، إذ كان الجاهليون والإسلاميون يأتون به فى خفة، ثم عنى به العباسيون منذ بشار، حتى ليجعله الجاحظ زعيم فن البديع، وبه اقتدى مسلم وحذا حذوه (٢). ولا نستطيع أن نجرى مع الجاحظ فى ردّه مذهب البديع إلى بشار، لأنه لم يقصر فنه عليه، ولم يتخذه مذهبا يعيش له ويعيش به، أما مسلم فإنه اتخذه مذهبا له، وفرضه على شعره فرضا منحازا إليه واقفا نفسه على التفكير فيه تفكيرا متصلا معتمدا على حس دقيق وشعور رقيق وعقل مثقف ثقافة ممتازة. وليس ذلك فحسب فقد أشربت روح مسلم صياغة الشعر القديم بأبنيتها الجزلة الضخمة الناصعة، وتحولت إليه هذه الصياغة بكل ما يجرى فيها من روعة وجمال، فإذا أساليبه معتدلة مستوية ليس فيها أى عوج أو انحراف إنما فيها التناسق الكامل الذى يفتن قارئه بدقته وباتساع جنباته ليبث فيه مسلم بديعه، ولينميه مع روح عصره، وليصبّ فيه نفسه وعقله وخياله، وهو فى ذلك يتكلف

стр. 1164

كل ما يستطيع من جهد عنيف وعناء شاق، مراجعا نفسه ومتأنيّا محتاطا، حتى يبلغ كل ما يريد من امتياز على أقرانه. ولعله لم يمنح موضوعا عنايته كما منح المديح وهو فيه يلاثم ملاءمة دقيقة بين ماضى الشعر وحاضره، فيستنفد ما قاله القدماء فى وصف الصحراء والنوق والتشبيب ملتفتا إلى إخراج العباسيين لهذه الموضوعات فى أشعارهم وما أضافوا إليها من وصف الخمر، أو وصف السفن فى طريقهم إلى ممدوحيهم. حتى إذا خلص إلى المديح أخذ ينفذ من خلال معانيه القديمة والحديثة إلى عرض جديد رائع يصوّر زاده الأصيل من التراث الفنّى مضيفا كثيرا من المعانى والصور البديعة، واقرأ له هذه القطعة من لاميته الطويلة العجيبة فى يزيد بن مزيد وتصوير فروسيته وكرمه وما ينزل بالأعداء من تقتيل ساحق ما حق وما يتسم به من مروءة كاملة: لولا يزيد لأضحى الملك مطّرحا ... أو مائل السّمك أو مسترخى الطّول (١) يغشى الوغى وشهاب الموت فى يده ... يرمى الفوارس والأبطال بالشّعل (٢) موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل (٣) لا يرحل الناس إلا نحو حجرته ... كالبيت يفضى إليه ملتقى السّبل (٤) يكسو السيوف دماء الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذّبل (٥) قد عوّد الطّير عادات وثقن بها ... فهنّ يتبعنه فى كل مرتحل تراه فى الأمن فى درع مضاعفة ... لا يأمن-الدهر-أن يدعى على عجل لا يعبق الطّيب خدّيه ومفرقه ... ولا يمسّح عينيه من الكحل (٦) فإنك تشعر بضخامة البناء وقوة الحبك وأن مسلما يتسلط على كلماته ومعانيه وصوره، فلا نبوّ ولا قصور وإنما ضبط وإحكام. وهو يستمد صورته فى البيت

стр. 1165

الأول من البادية وخيامها وما يطوى فيها من حبال وأعمدة. وطالما شبه الشعراء السيوف بالشهب، غير أن مسلما يضيف إلى ذلك تشبيها بشعل النار وهى فى يد يزيد يرمى بها يمينا وشمالا. ومضى فى البيت الثالث يضيف إلى تصويره السابق جناسين واضحين. والتمس صورة سبقه إليها زهير فى بيته الرابع، إذ يقول فى مديح صاحبه هرم بن سنان: قد جعل المبتغون الخير فى هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا ومضى يصور فتكه بالأبطال تصويرا بديعا فى بيته الخامس، وكان القدماء يذكرون صحبة الطير للجيوش حين يصفونها كناية عما سنجد من أشلاء قتلاها، فاستغل ذلك فى بيته السادس وجعلها تتبع يزيد دائما فى رحلاته واثقة بما سيميرها به، حتى أصبح ذلك من عاداتها فهى دائما مرفرفة فوقه. ومثّله فى البيتين السابع والثامن شجاعا تام الشجاعة حتى لا يفارقه درعه فى أوقات أمنه وسلمه، وحتى لا يتعطر شأن المترفين اللاهين فعطره شجاعته وما يسيل على سيفه من دماء الأبطال. واقرأ له هذه القطعة من مديح داود بن يزيد بن حاتم المهلى، وتصويره فيها لبسالته وبطولته: موحّد الرأى تنشقّ الظنون له ... عن كل ملتبس منها ومعقود (١) كاللّيث بل مثله اللّيث الهصور إذا ... غنّى الحديد غناء غير تغريد يلقى المنيّة فى أمثال عدّتها ... كالسّيل يقذف جلمودا بجلمود يجود بالنفس إذ ضنّ الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود فإنك تحس قوة البناء ودقة التعبير وروعة التصوير، فداود محكم الرأى إذا فكر فى شئ انكشف له غامضه ومتشابهه، وهو كالليث فى انقضاضه على فريسته، بل اليث هو الذى بحاكيه ويتخذه قدوته، وإن بسالته لتتحول إلى ما يشبه موجا لا يزال يسقطه على الأبطال موجة فى إثر موجة كالسيل يدفع جلمودا بجلمود. وإن

стр. 1166

شجاعته لضرب رائع من جوده وكأنما الجود شريعته حتى بروحه الزكية. ومن رائع مديحه قوله فى الفضل بن جعفر البرمكى: تساقط يمناه النّدى وشماله ال ... رّدى وعيون القول منطقه الفصل (١) عجول إلى ما يودع الحمد ماله ... يعدّ النّدى غنما إذا اغتنم البخل بكفّ أبى العباس يستمطر الغنى ... وتستنزل النّعمى ويسترعف النّصل (٢) والأبيات من طراز بنائه الضخم، وهى متينة السبك، قوية الحبك، وانظر فى البيت الأول كيف صوّر تصويرا بديعا كرم الفضل وشجاعته وبلاغة بيانه، وقد طابق فى البيت الثانى بين الكرم والبخل، وعاد فى البيت الثالث إلى تركيزه الشديد وتجميعه المعانى الكثيرة فى الألفاظ القليلة، مع قوة تجسيمها وتجسيدها. ومن بارع مديحه قوله فى إسماعيل البرمكى: وإنى وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل فإن أغش قوما بعده أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل (٣) يقول ابن المعتز: «وهذا معنى لا يتفق للشاعر مثله فى ألف سنة (٤)». وفى نفس هذه القوالب القوية كان يصوغ مراثيه على شاكلة قوله فى رثاء يزيد بن مزيد: نفضت بك الآمال أحلاس الغنى ... واسترجعت نزّاعها الأمصار (٥) أجل تنافسه الحمام وحفرة ... نفست عليها وجهك الأحفار (٦) فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة ... أثنى عليها السّهل والأوعار (٧) والصورة فى البيت الأول دقيقة، فقد أراد أن يصور قعود المعتفين والسائلين عن الرحلة فى طلب نواله، فقال إن الآمال نفضت أحلاس الغنى، أى أنها لم تعد

стр. 1167

تهّيئ الإبل للارتحال نحوه. وجعل فى البيت الثانى الموت والقبر يتنافسان عليه، كل يريد أن يحوزه إليه، ولم يلبث أن جعل جميع القبور تنفس على قبره جسده الغالى. ودعا له متمثلا جوده الذى عمّ به الناس كما تعم السحابة بوابلها السهل والوعر. ومن دقائق معانيه فى الرثاء قوله: ومخادع السمع النّعى ودونه ... خطب ألمّ بصادق لا يخدع وهو يصور فى البيت ذهول الصديق حين يأتيه نعى صديقه فيفزع إلى تكذيبه، ثم يثوب إلى رشده. وقد بدأ حياته بنقائض فى الهجاء ناقض بها ابن قنبر، وهو فى هذه النقائض يصدر عن روح النقائض القديمة عند جرير والفرزدق وما يطوى فيها من عصبيات، ويتكافّان فلا يعود إلى هذا النمط القديم، بل يأخذ فى النمط المستحدث الذى وصفناه فى غير هذا الموضع والذى كان يجرى فى أبيات قصيرة تشبه السهام المسمومة، كقوله فى دعبل تلميذه وقد فسد ما بينهما: أما الهجاء فدقّ عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل وتروى له أبيات فى هجاء يزيد بن مزيد، وأكبر الظن أنها منتحلة أو لعلها أضيفت إليه خطأ، ويظهر أنه مدح موسى بن خازم بن خزيمة وسعيد بن مسلم ابن قتيبة، فلم يبرّاه، واستشاط غضبا، فرماهما بسهام لاذعة من هجاء مرير، على شاكلة قوله فى موسى: لو أنّ كنز البلاد فى يده ... لم يدع الإعتذار بالعدم (١) وقوله فى سعيد: وأحببت من حبّها الباخل ... ين حتى ومقت ابن سلم سعيدا (٢) إذا سيل عرفا كسا وجهه ... ثيابا من اللّوم صفرا وسودا (٣) وكان لا يزال يدقق فى معانى الهجاء حتى يقع على معنى نادر يروع سامعيه،

стр. 1168

من مثل قوله يهجو رجلا بقبح وجهه وخلقه: قبحت مناظره فحين خبرته ... حسنت مناظره لقبح المخبر وبنفس هذا النسيج من الصياغة وهذه الدقة فى المعانى والصور كان مسلم ينظم فى الحب والخمر، سواء أودعهما مقدمات مدائحه أو أفردهما ببعض المقطوعات، وهو يصور منزعه فيهما ومتعته بهما إذ يقول: وما العيش إلا أن أبيت موسّدا ... -صريع مدام-كفّ أحور أكحل (١) وكان لا يزال يبقى فيهما على نفسه ولا يزال يحتفظ بغير قليل من كرامته. وهو فى غزله لا يمجن ولا يفحش، بل يقترب اقترابا شديدا من أصحاب الهوى العذرى الذى يصور آلام العاشق وحنينه ونيران شوقه وحبه الذى يلذع فؤاده من مثل قوله: إن كنت تسقين غير الرّاح فاسقينى ... كأسا ألذّ بها من فيك تشفينى عيناك راحى، وريحانى حديثك لى ... ولون خدّيك لون الورد يكفينى وقوله: ولما تلاقينا قضى اللّيل نحبه ... بوجه كوجه الشمس ما إن له مثل وخال كخال البدر فى وجه مثله ... لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل وقوله: وأقسمت أنسى الداعيات إلى الصّبا ... وقد فاجأتها العين والسّتر واقع فغطّت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدى الأسارى أثقلتها الجوامع (٢) والخمر عند مسلم تأتى غالبا فى مقدمات مدائحه، وفيها يحاول أن يستنبط المعانى النادرة والأخيلة المبتكرة من شاكلة قوله: ومانحة شرّابها الملك قهوة ... مجوسيّة الأنساب مسلمة البعل

стр. 1169

قد استودعت دنّا لها فهو قائم ... بها شفقا بين الكروم على رجل شققنا لها فى الدّنّ عينا فأسبلت ... كألسنة الحيّات خافت من القتل (١) وقد جعلها فى البيت الأول من بنات المجوس كما جعل شاربها مسلما وسماه بعلا أو زوجا، لأنه اشتراها وخطبها وهو يعنى نفسه. أما فى البيت الثانى فقال إنها ظلت طويلا فى شجرة الكرم، وظلت واقفة بها شفقة لها وحنّوا عليها. وقال فى البيت الثالث إنهم شقّوا لها فى دنها ثقبا وهى تسيل منه حمراء مهتزة، كأنها ألسنة حيّات ترتجف من القتل، فهى لا تكف عن إرسالها لها خوفا وفزعا. ومسلم من أمهر الشعراء وأدقهم فى التصوير، وهى دقة تتراءى فى جميع جوانب ديوانه من مثل قوله مصورا سرعة النوق ونحوها لطول السّفر: إلى الإمام تهادانا بأرحلنا ... خلق من الرّيح فى أشباح ظلمان (٢) كأن إفلاتها والفجر يأخذها ... إفلات صادرة عن قوس حسبان (٣) فقد جعل نوقهم كأنما خلقت من الريح لسرعتها، وصوّرها فى ضمورها كأنها ذكور نعام وهى تمرّ مسرعة مرور ظبية رماها صائد فأخطأها، فهى لا تنى عن الانطلاق والعدو الشديد. وقد نوّه القدماء طويلا بتصويره للسفينة بمثل قوله: إذا أقبلت راعت بقنّة قرهب ... وإن أدبرت راقت بقادمتى نسر (٤) أقلّت بمجدافين يعتورانها ... وقوّمها كبح اللّجام من الدّبر (٥) كأن الصّبا تحكى بها حين واجهت ... نسيم الصّبا مشى العروس إلى الخدر (٦) وهو يشبه فى البيت الأول صدرها برأس ثور وحشى كما يشبه مجدافيها بجناحى نسر، ويرسم صورتها فى البيت الثانى بمجدافيها وسكّانها الذى يقوّم جموحها.

стр. 1170

أما فى البيت الثالث فيشبهها فى سيرها الوئيد بالعروس فى سيرها الرفيق إلى خدرها. وعلى هذا النحو لا يزال مسلم يلتقط لأبياته وأشعاره درر المعانى والصور، مضيفا إلى ذلك حلىّ كثيرة من وشى الطباق والمقابلة والجناس والمشاكلة، وهو فى ذلك لا ينسى العناية بموسيقاه الضخمة وما ترسل من رنين قوى محكم، مزاوجا بكل ما استطاع بين عناصر الشعر القديمة والجديدة، فإذا أشعاره تحتفظ بالصياغة الجزلة الرصينة التى تلذ الأسماع العربية، وإذا هى تفسح لمذهب البديع الجديد بكل طرائفه العقلية والخيالية، بحيث يمتع القلوب والأفئدة. ٥ - أبو تمام (١) هو حبيب بن أوس الطائى، ولد بقرية جاسم بقرب دمشق على الطريق منها إلى طبرية، وقد تعددت الروايات فى سنة ولادته، فقيل سنة ١٧٢ وقيل سنة ١٨٢ وقيل سنة ١٨٨ وقيل سنة ١٩٢ ونسب إليه أنه قال: ولدت سنة ١٩٠ (٢). والآراء متضاربة فى صحة نسبه من طيئ، فقد هجاه بعض معاصريه بأنه نبطى (٣)، وزعم قوم أن أباه كان نصرانيّا (٤) يسمّى تدوس وأنه حرّفه إلى أوس وانتسب فى طيئ. وظن مرجليوث فى ترجمته له بدائرة المعارف الإسلامية أنه ربما كان اسم أبيه المذكور فى المراجع القديمة على أنه تدوس محرف عن «تيودوس» وبنى

стр. 1171

طه حسين على هذا الظن أنه يونانى الأصل (١)، بينما ذهب بروكلمان إلى أن اسم تدوس يشيع بين نصارى السريان (٢). ونصرانية أبيه-إن صحت-لا تنفيه من العرب ولا من طيئ، فقد كانت النصرانية شائعة من قديم فيها، وجمهور من ترجموا له من الثقات يذهبون إلى أنه طائى صليبة (٣)، ويشهد لذلك فخره المضطرم بطيئ وأنه اختار منها أكثر ممدوحيه، ونوّه تنويها عظيما بمن سجّلوا لها فى عصره أمجادا حربية، مما يدل على أنه طائى عريق وعربى أصيل. وقد تضاربت الآراء أيضا فى نشأته، فقيل إنه نشأ بمصر يسقى الناس فى مسجدها الكبير، وأكثر المؤرخين له على أنه نشأ بدمشق وأن أباه كان عطارا فيها وأنه الحقه بحائك كى يحسن حياكة الثياب. ويبدو أنه أخذ يختلف-منذ نعومة أظفاره-إلى حلقات المساجد ينهل مما كان يجرى فيها من جداول الشعر والثقافة، وسرعان ما تدفق ينبوع الشعر على لسانه، واتجه به إلى بعض اليمنيين والطائيين فى بلدته وفى حمص مثل نوح بن عمرو السّكسكىّ وبنى عبد الكريم الطائيين. ونراه يولّى وجهه نحو مصر قاصدا عيّاش بن لهيعة الحضرمى الذى كان يقوم أحيانا على شرطتها وخراجها، وله يقول فى إحدى مدائحه (٤): وأنت بمصر غايتى وقرابتى ... بها وبنو الآباء فيها بنو أبى وهو يشير دائما فى مديحه له إلى حرمته منه وأنه يمنى مثله، ويلجّج فى الافتخار بملوك اليمن وأقيالها القدماء. ويظهر أنه عاد فازورّ عنه، مما جعله يكثر من عتابه، حتى إذا يئس منه أصلاه بنار هجائه. وليس بين أيدينا ما يدلّ دلالة صريحة على تاريخ قصده إلى عياش، غير أن فى كتاب «الولاة والقضاة» للكندى أشعارا له تتصل بأحداث مصر بين سنتى ٢١١ و ٢١٤ مما يؤكد مقامه بها فى تلك الفترة، وفى هذه الأشعار ما يدل على أنه تعرّف على عبد الله بن طاهر فى ولايته على مصر (٢١١ - ٢١٣ هـ) وقد نوّه به وبقضائه فيها على الفتن. وفى ديوانه بيتان هجا بهما

стр. 1172

المطلب بن عبد الله الخزاعى معلنا له أن مدحه فيه كان كذبا وبهتانا، وقد ولى المطلب مصر فى سنتى ١٩٨ و ١٩٩ للهجرة وكان يقيم عياش بن لهيعة على شرطته، فهل يعنى ذلك أنه نزل مصر مرتين: مرة فى أواخر القرن الثانى ومرة فى أوائل العقد الثانى من القرن الثالث؟ . الحق أنه ليس بين أيدينا ما يجعلنا نقطع برأى فاصل فى ذلك، وخاصة أنه ليس فى ديوانه مديح للمطلب، وربما قال هذين البيتين بعد عزل المطلب عن مصر أو ربما كانا منحولين عليه. وقد عاد إلى موطنه فى سنة ٢١٤ والمآتم منصوبة فى كل مكان على بطل طيئ المغوار محمد بن حميد الطوسى الذى كافح بابك كفاحا مريرا، وخانه القدر فسقط فى ميدان النضال لأوائل هذه السنة. وتعمقت الحادثة نفس أبى تمام فبكاه بكاء حارّا أخذ يدور على الألسنة وأخذ يحتلّ به مكانة ممتازة بين الشعراء وأخذ يتردّد على الرقة والموصل ويمدح أجوادهما مثل حبيش بن المعافى قاضى نصيبين ورأس عين ومحمد بن حسان الضبى، ونراه يقول فى إحدى مدائحه له (١): بالشام أهلى وبغداد الهوى وأنا ... بالرّقّتين وبالفسطاط إخوانى وما أظن النّوى ترضى بما صنعت ... حتى تشافه بى أقصى خراسان وذكره الفسطاط يدل على أنه كان حديث عهد بالأوبة منها، ولا تزال ذكرى واليها عبد الله بن طاهر حية فى نفسه، ولذلك ينوى أن يزوره فى خراسان: ولايته الجديدة، وهو يتمنى أن تكتحل عيناه بمرأى بغداد، ويظهر أنه ألمّ بها فى صحبة محمد بن حسان الضبى إلماما قصيرا (٢)، وفى ديوانه قصيدة موجهة إلى الحسن بن سهل الذى كان جوده الغدق لا يزال يسيل على الرغم من اعتزاله الوزارة وفيها يقول (٣): ستّ وعشرون تدعونى فأتبعها ... إلى المشيب ولم تظلم ولم تحب (٤) فإذا صح أنه مدحه بها فى بغداد فإنه يكون قد زارها وهو فى السادسة والعشرين من عمره. على أنه لم يلبث أن عاد سريعا إلى الموصل متنقلا بينه وبين موطنه،

стр. 1173

وربما بدأ مديحه لمالك بن طوق التغلبى والى الجزيرة منذ هذا التاريخ. ونراه يحاول المثول بين يدى المأمون فى إلمامه بدمشق وثغور الشام أثناء حملاته على الروم، وربما كان أول ما مدحه به قصيدته: (كشف الغطاء فأوقدى أو أخمدى) وفيها يعلن له حبه لآل البيت مشيدا بقضائه على الثورات والفتن بمصر، يقول (١): وانتاش مصر من اللّتيّا والتى ... بتجاوز وتعطّف وتعمّد والمعروف أن المأمون زار مصر فى أول سنة ٢١٧ للهجرة، وقد عاد منها إلى دمشق ثم توجه منها إلى ثغر «أذنة» معسكرا بها وجيوشه تتغلغل وراء البيزنطيين، مبددين لجموعهم فى غير جبهة، وتقدّم بنفسه إلى حصن «لؤلؤة» فأناخ به، وجيوشه تغدو وتروح فى آسيا الصغرى منزلة بالروم هزائم ساحقة. ونرى أبا تمام يتغنى بتلك الانتصارات فى ميميته للمأمون تغنيا بديعا بمثل قوله يصف تلك الجيوش واستبسالها فى القتال (٢): مسترسلين إلى الحتوف كأنما ... بين الحتوف وبينهم أرحام آساد موت مخدرات مالها ... إلا الصّوارم والقنا آجام (٣) وقد مضى يشيد بقائدين من قواد هذه الحروب، أما أولهما فخالد بن يزيد ابن مزيد الشيبانى والى أرمينية وقد سجّل له انتصارا حربيّا ماحقا على تيوفيل إمبراطور بيزنطة مصورا كيف ولّى الأدبار وكيف استولى الرعب على جنوده، يقول (٤): ولما رأى توفيل راياتك التى ... إذا ما اتلأبّت لا يقاومها الصّلب (٥) تولّى ولم يأل الرّدى فى اتّباعه ... كأن الرّدى فى قصده هائم صبّ كأن بلاد الروم عمّت بصيحة ... فضمّت حشاها أو رغا وسطها السّقب (٦)

стр. 1174

وأما القائد الثانى فجعفر الخياط، على أنه لم يتوسع فى تصوير حروبه وانتصاراته، ونظن ظنّا أنه لقى فى هذا الحين المعتصم إذ كان المأمون يعهد إليه بقيادة بعض تلك الجيوش الغازية للروم، فقد جاء فى بعض أخباره أن أول لقائه له إنما كان فى المصيصة إحدى ثغور الشام (١)، وفى بعض الروايات أنه إنما لقيه بعد بنائه لسرّ من رأى وفتحه لعمورية فى سنة ٢٢٣ للهجرة غير أنه فى إحدى مدائحه له يقول (٢): أربيعنا فى تسع عشرة حجّة ... حقّا لهنّك للرّبيع الأزهر (٣) وواضح أنه يشير إلى سنة تسع عشرة بعد المائتين مما يؤكد أنه كان ببغداد فى تلك السنة، وكأنه شدّ رحاله إليها بعد وفاة المأمون سنة ٢١٨ وقد أخذت تتوثق علاقة بينه وبين إسحق بن إبراهيم المصعبى القائم على شرطة بغداد وأعمالها، ونراه يشيد بانتصاراته على المحمّرة الذين ثاروا بالجبل شمالى إيران لسنتى ٢١٨، ٢١٩ إشادات رائعة (٤). ويظهر أنه لم يلبث أن ارتحل إلى عبد الله بن طاهر والى خراسان، واستقبله هو ومن حوله من الكتّاب والشعراء استقبالا حافلا، ويقال إنه لما أنشده قصيدته فيه: (هنّ عوادى يوسف وصواحبه) نشر عليه ألف دينار. وقد دبّج قصائد كثيرة فى رئيس ديوانه وكتّابه محمد بن الهيثم بن شبانة وأيضا فى كثير من العمّال والقواد هناك مثل محمد بن المستهل ودينار بن عبد الله وحفص بن عمر الأزدى وعلى بن مرّ، ونوّه فى طريقه بكثير من الولاة وخاصة الحسن بن رجاء والى فارس. وفى عودته نزل بهمذان على أبى الوفاء بن سلمة، وتصادف أن حبسه الثلج عنده أشهرا، فأكبّ على خزانة كتبه يؤلف ويصنّف مجاميع من الشعر أشهرها كتاب الحماسة وهو مطبوع مرارا، وطبع له شرحان: شرح التبريزى وشرح المرزوقى، وهو يصوّر لنا من بعض الوجوه دقة ذوق أبى تمام كما يصور ثقافته الواسعة بالشعر العربى ودرره النفيسة فى القديم والحديث. وعاد إلى «سرّ من رأى» وأخذ يتغنى بانتصارات القواد على بابك الخرّمى وكان قد ثار منذ سنة ٢٠١ للهجرة ونازله كثيرون من قوّاد المأمون، وما توافى

стр. 1175

سنة ٢٢٠ حتى يعقد المعتصم للأفشين على الجيوش التى تنازل أتباعه من الخرّمية فى الجبال وأرمينية وأذربيجان، وكان من أهم القواد الذين عصفوا حينئذ بأتباعه أبو سعيد محمد بن يوسف الثغرى الطائى وقد مضى أبو تمام يشيد بانتصاراته وكأنه يحيّى فيه قبيلته طيّئا وأمجادها الحربية الحديثة، ومن ثمّ لم يترك له انتصارا دون أن يسجله فى ملحمة رائعة. ومجّد بجانبه بطلا عربيّا ثانيا ممن نكلوا ببابك وأصحابه تحت لواء الأفشين هو أبو دلف العجلى، وكان فارسا مغوارا، وغيثا مدرارا، فنوّه به تنويها رائعا. وأخيرا فى أوائل سنة ٢٢٣ قدم الأفشين ببابك مقيدا إلى سرّ من رأى. فتعالى بها التكبير والضجيج، وقتل وقطّع جسده وصلب جزاء وفاقا لبغيه ونكثه بالعهود. وأخذ الشعراء وفى مقدمتهم أبو تمام يهنئون المعتصم والأفشين بهذا النصر المبين، وله فيه ثلاث قصائد رائعة، هى: (غدا الملك معمور الحمى والمنازل) و (آلت أمور الشرك شر مآل) و (بذّ الجلاد البذّ (١) فهو دفين). ولم يلبث تيوفيل إمبراطور بيزنطة أن أغار على زبطرة بالقرب من سميساط والحدث فى طرف بلاده، واستشاط المعتصم غضبا، فجهّز الجيوش لغزو الروم، والتقى بتيوفيل وهزمه هزيمة ساحقة. افتتح على إثرها عمورية وتفرقت جيوشه فى آسيا الصغرى تمحق الروم محقا. وتوطئهم صغارا وذلا. وكان لمحمد بن يوسف الثغرى فى تلك الحروب دور كبير جعل أبا تمام يتغنّى به وبانتصاراته طويلا على نحو ما تصور ذلك قصيدتاه: (لا أنت أنت ولا الديار ديار) و (ما عهدنا كذا نحيب المشوق) وهو فيهما يسمّى كثيرا من الحصون الرومية التى افتتح أقفالها، مصورا كيف تغلغل حتى خليج القسطنطينية سائقا بين يديه مئات الأسرى والمغانم الكثيرة. ودرّة تلك الحروب قصيدته فى عمورية التى امتدح بها المعتصم: (السيف أصدق أنباء من الكتب) وهى ملحمة رائعة. وأخذت تتوثق علاقة أبى تمام منذ عودته من خراسان بأحمد بن أبى دؤاد مستشار المعتصم وقاضى قضاته، وبأحمد بن المعتصم وبكثيرين من رجالات الدولة وقوادها. وما نكاد نتقدم فى سنة ٢٢٤ حتى يخلع الطاعة مازيّار بطبرستان، وما تزال جيوش الخلافة تنازله حتى تأتى به صاغرا إلى «سرّ من رأى» فى سنة ٢٢٥ فيقتل ويصلب

стр. 1176

بجانب بابك. وتجمعت أدلة قاطعة على خيانة الأفشين وزندقته وأنه يبطن الكفر وينتوى الغدر بالدولة والإيقاع بأبطالها وخاصة من العرب أمثال أبى دلف، فيأمر المعتصم بالقبض عليه وإلقائه فى غيابات السجون، ويموت، فيصلب بجانب بابك، ثم يحرق بالنار التى كان يعبدها من دون الله، وما يلبث أبو تمام أن ينشد المعتصم قصيدته البديعة (١): الحقّ أبلج والسيوف عوارى ... فحذار من أسد العرين حذار وقد صوّر فيها كفران الأفشين بالإسلام وبنعم الدولة ونقضه لما بينه وبين المعتصم من عهود ومواثيق وبغيه الذى أورده موارد الهلاك، وما كان من حرقه بالنار وصلبه قبل ذلك بجوار بابك ومازيار يقول: ما زال سرّ الكفر بين ضلوعه ... حتى اصطلى سرّ الزّناد الوارى (٢) نارا يساور جسمه من حرّها ... لهب كما عصفرت شقّ إزار (٣) صلّى لها حيّا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجّار ولقد شفى الأحشاء من برحائها ... أن صار بابك جار مازيّار سود الثياب كأنما نسجت لهم ... أيدى السّموم مدارعا من قار (٤) كادوا النبوّة والهدى فتقطّعت ... أعناقهم فى ذلك المضمار وانعقدت صلة وثيقة بينه وبين ابن الزيات منذ وزارته للمعتصم سنة ٢٢٥ وكذلك بينه وبين كاتبه الحسن بن وهب وظل يمدح أبا سعيد الثغرى وخالد بن يزيد والى أرمينية ومالك بن طوق التغلبى والى الجزيرة، ومدح موسى بن إبراهيم الرافقى والى دمشق للمعتصم والواثق. وتهاداه الرؤساء وكبار رجال الدولة. وتوفى المعتصم وخلفه الواثق فهنأه وعزّاه بقصيدته البديعة: (ما للدموع تروم كلّ مرام) ويضفى عليه مدائح مختلفة. ويظهر أنه أخذ يحس منذ ولاية الواثق سنة ٢٢٧ ملله

стр. 1177

من حرفته، وأنها تضطره أحيانا لبذل مديحه لغير مستحقه من مثل موسى بن إبراهيم الرافقى، فتمنى لو صار له عمل فى الدولة يدرّ عليه ما يكفيه مئونته، وسرعان ما حقّق له صديقه الحسن بن وهب أمنيته، فعيّنه على يريد الموصل، وضل هناك عامين، جاءه فيهما نعى خالد بن يزيد بن مزيد الشيبانى فبكاه وبكى بطولته بكاء حارّا، ولا يدور العام حتى يلبى داعى ربه سنة ٢٣١ للهجرة ويرثيه كثير من الشعراء، وفى مقدمتهم الحسن بن وهب، وفيه يقول (١): فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطائى ماتا معا فتجاورا فى حفرة ... وكذلك كانا قبل فى الأحياء ويقال إن بنى حميد الطوسى بنوا على قبره قبة خارج باب الميدان على حافة الخندق (٢) وأخبار أبى تمام فى أسرته قليلة، وبين مراثيه مرثية فى زوجة له، ويقال إنه كان له أخ يسمى سهما يجرى على لسانه شعر ضعيف (٣). وكان ابنه تمام يقول الشعر، ويظهر أنه كان له بنون مختلفون، وفد احتسب منهم اثنين رثاهما رثاء مؤثرا. ويقول الصولى إنه كان أسمر طوالا، وكانت فيه تمتمة يسيرة جعلته يتخذ غلاما لإنشاد شعره بين يدى المعتصم وغيره (٤). ويقال إنه كان من أكثر الناس مزاحا (٥) تسعفه فى ذلك بديهة حاضرة. وفى ديوانه رائية يمدح بها أهل بيت الرسول ﷺ ، وفيها يفضل عليا ويشيد بمواقفه فى عصر الرسالة، فهل معنى ذلك أنه كان يتشيع؟ . الحق أنه لم يكن متشيعا، أما هذه القصيدة فنظن ظنّا أنه نظمها حين كتب المأمون إلى الآفاق فى سنة ٢١٢ للهجرة بتفضيل على بن أبى طالب على أبى بكر وعمر، وكان حينئذ بمصر وفى القصيدة نفسها ما يدل على أنه نظمها بها إذ يقول فى مطالعها (٦): وإن نكيرا أن يضيق بمن له ... عشيرة مثلى أو وسيلته مصر

стр. 1178

ونراه فى أول قصيدة لقى فيها المأمون يصرح له فيها كما قدمنا بأنه مشغوف بحب آل محمد، تقربا إليه وزلفى، حتى ليزعم أنه من شيعة الكوفة، يقول متحدثا عن قصيدته (١): ووسيلتى فيها إليك طريفة ... شام يدين بحبّ آل محمّد نيطت قلائد عزمه بمحبّر ... متكوّف متدمشق متبغدد (٢) حتى لقد ظن الغواة-وباطل- ... أن قد تجسّم فىّ روح السيّد (٣) ومعنى ذلك أن تشيعه فى القصيدتين جميعا إنما كان فى سبيل المأمون، يحاول أن يمتّ إليه بما يعطفه عليه. وفى أخباره أن الحسن بن رجاء لا حظ عليه وهو عنده أنه يصلى صلاة خفيفة لا يطيل فيها (٤)، وتوسع بعض الباحثين فى الخبر فقالوا إنه لا حظ عليه تقصبره فى أداء الفروض الدينية (٥). وديوانه وما به من مواعظ دينية يشهد على صحة إسلامه، وأيضا ففيه قصبدة وصف بها حجّة حجّها (٦). وليس فى ديوانه وراء ذلك ما يصور أنه كان عابثا أو ماجنا. يلهو ولكن بقسطاس وكأن خصومه حاولوا أن يغضّوا منه فزيّفوا عليه الخبر السالف طعنا عليه ومحاولة للنقص منه. أما الخبر الذى يذكر فيه أنه كان له غلام رومى وللحسن بن وهب غلام خزرى وكل منهما يتعشق غلام صاحبه (٧)، فهو أدنى إلى الفكاهة، ولعل غلام أبى تمام المذكور هو الذى كان ينشد شعره. والحق أنه كان وقورا وكان يترفع عن الدنايا، وكان مخلصا لدينه كما كان مخلصا لعروبته. وشعر أبى تمام زاخر بما يدل على أنه انقضّ على معارف عصره انقضاضا حتى تمثّلها تمثلا دقيقا، وخاصة التاريخ وعلم الكلام وما يتصل به من الفلسفة والمنطق، أما التاريخ فيتضح فى كثير من جوانب مديحه، وخاصة حين يعرض لقبيله الممدوح ووقائعها وأمجادها فى الجاهلية والإسلام على نحو ما يلقانا فى قصائده (٨) لخالد بن

стр. 1179

يزيد بن مزيد الشيبانى ومالك بن طوق التغلبى، وكذلك حين يقرن وقائع بعض الأبطال ودويها فى الخافقين إلى وقائع جاهلية وإسلامية مشهورة على نحو ما نرى فى تمجيده لانتصار إسحق بن إبراهيم المصعبى على المحمّرة بالجبل (١)، وكان يعرف كيف يحول التاريخ شعرا على شاكلة قوله فى إحدى قصائده لخالد بن يزيد الشيبانى وانتصار قومه فى يوم ذى قار المشهور على الفرس (٢): لهم يوم ذى قار مضى وهو مفرد ... وحيد من الأشباه ليس له صحب به علمت صهب الأعاجم أنه ... به أعربت عن ذات أنفسها العرب (٣) هو المشهد الفصل الذى ما نجا به ... لكسرى بن كسرى لاسنام ولا صلب (٤) وكانت تميم قبل هذا اليوم أصابها جدب شديد، فابتغت الرّعى فى أرض العراق، وكاتب والى الحيرة كسرى هل يأذن لهم فى الرعى؟ فاشترط أن يقدّموا رهائن منهم، ولما طلبت من رئيسهم حاجب بن زرارة، قال: ليس معى إلا قوسى، فاسترهنوها منه، ووفى لهم بما وافقهم عليه. فصار ذلك معدودا فى مناقب بنى تميم. وإلى ذلك يشير أبو تمام فى قصيدة يمدح بها أبا دلف متحدثا عن المنقبة الكبرى لشيبان يوم دى قار، إذ فتكوا بالفرس الذين كسوا تميما منقبة القوس وأدالوا منهم للعرب والعروبة، مسجلين هذا المجد الحقيقى على التاريخ، يقول (٥): إذا افتخرت يوما تميم بقوسها ... وزادت على ما وطّدت من مناقب فأنتم بذى قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استرهنوا قوس حاجب محاسن من مجد متى تقرنوا بها ... محاسن أقوام تكن كالمعايب مكارم لجّت فى علوّ كأنما ... تحاول ثأرا عند بعض الكواكب وقد تحدثنا فى الفصل السابق عن تعمقه فى مذاهب المتكلمين وفى الفلسفة والمنطق تعمقا جعله ينشر فى معانيه الأضداد المتنافرة نشرا يدخل البهجة على

стр. 1180

النفس بما يصور من تعانقها فى الحياة، تصويرا يدل على عمق غوره فى الإحساس بحقائق الكون، وبترابط جواهرها، حتى الجواهر التى تبدو متضادة، فإن بعضها ينشأ من بعض، ويلتقى التقاء وثيقا، على شاكلة قوله (١): ربّ خفض تحت السّرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب (٢) وجعلته صلته بالمنطق والفلسفة يكثر من استخدام الأدلة المنطقية، وهى عنده تستمد من نفس إحساسه العميق بتشابك حقائق الكون، فإذا بعضها يرى من خلال بعض، بل إذا بعضها يتخذ دليلا وحجة على بعض، من مثل قوله لمن عذلته على ضيق ذات يده (٣): لا تنكرى عطل الكريم من الغنى ... فالسّيل حرب للمكان العالى وقوله فى تحبيب الرحلة عن الأوطان (٤): وطول مقام المرء فى الحىّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد (٥) فإنى رأيت الشمس زيدت محبّة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد (٦) ويتسع التأثر بالفلسفة عنده حتى ليشيع الغموض فى كثير من أبياته، وهو غموض بهيج كغموض الطبيعة فى الصباح والغروب إذ يجلله دائما شفق يأخذ بالألباب، ونعجب إذ نجد القدماء يحملون عليه من أجله (٧)، كما حملوا على إكثاره من اللفظ الغريب ومن التصاوير وألوان البديع (٨)، حتى قالوا إنه أفسد الشعر، وهو لم يفسده بل هيأ له ازدهارا رائعا، تسنده فيه ثقافة واسعة بالفلسفة والمنطق، وبالشعر العربى قديمه وحديثه، كما تسنده قوة ملكاته التى جعلته يعدّ بحقّ حامل لواء الشعر العربى فى عصره، بل جعلته صاحب مذهب مستقل بخصائصه العقلية والزخرفية، أما الخصائص العقلية فتتضح فى دقة معانيه وغوصه على طرائفها

стр. 1181

النادرة، محتكما إلى قانونى التضاد والقياس وإلى كثرة التوليد والاستنباط، وأما الخصائص الزخرفية فتتضح فى روعة تصاويره وكثرة بديعه، بل نحن لا نحقق حين نفصل بين الضربين من الخصائص، إذ هما يتزاوجان عنده تزاوجا رائعا بحيث يصبح الزخرف عملا عقليا والعمل العقلى زخرفا نادرا لا يكاد يتعلق به أحد. والمديح أهم الأغراض التى تتجلّى فيها خصائصه، وهو فى كثير منه، بل فى جمهوره، يحتفظ بالمقدمة الطللية وما يتصل بها من التشبيب والنسيب، مودعا فيها كثيرا من لفتاته وخواطره النادرة التى تدل على سعة خياله وتأمله الطويل وأنه يخضع التفكير للشعر، وكأنه فيلسوف يخضع فلسفته للشعر أو شاعر يخضع شعره للفلسفة والفكر الدقيق، وهل هناك جانب فى شعره إلا وهو يفكر فيه تفكيرا متصلا، وهو تفكير كان يعرف كيف يصوغ به خواطره وكيف يبرزها فى معارض من التصاوير والحكم الرشيقة من مثل قوله فى تصوير أيام عشقه الماضية (١): أعوام وصل كاد ينسى طولها ... ذكر النّوى فكأنها أيام ثم انبرت أيام هجر أردفت ... بجوى أسى فكأنها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام وواضح أن قانون التضاد يلعب بأقواسه الأرجوانية فى هذه الأبيات، فالأعوام أيام، والأيام أعوام، وأوقات الصحو الممتعة أحلام. ومن طريف حكمه فى الغزل والنسيب قوله (٢): أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدّمع أن تزداد طول وقود وقوله (٣): أحلى الرجال من النساء مواقعا ... من كان أشبههم بهنّ خدودا وقد ردّد كثيرا فى تضاعيف نسيبه شكواه المرة من الزمن وما ينزله به من الخطوب والكوارث، حتى ليقول ضجرا متأففا منه ومن سياسته الخرقاء (٤):

стр. 1182

لقد ساسنا هذا الزمان سياسة ... سدى لم يسسها قطّ عبد مجدّع تروح علينا كلّ يوم وتغتدى ... خطوب كأن الدهر منهن يصرع وقد أشرنا فى الفصل السابق إلى أنه هو الذى ألهم ابن الرومى والمتنبى الشكوى من الزمن وما يصبه على الناس من البلاء وما يتصل بذلك من حكم، وأيضا فإنه هو الذى ألهم المتنبى اعتداده بنفسه وما طوى فى ذلك عنده من فخر محتدم، واقرأ له هذه الأبيات التى ساقها بعد نسيبه فى مديحه للحسن بن سهل (١): وغرّبت حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرّقت حتى قد نسيت المغاربا خطوب إذا لاقيتهنّ رددننى ... جريحا كأنى قد لفيت الكتائبا وقد يكهم السيف المسمّى منيّة ... وقد يرجع المرء المظفّر خائبا (٢) وكنت امرءا ألقى الزمان مسالما ... فآليت لا ألقاه إلا محاربا وهو نفس نغم الفخر والاعتداد بالنفس الذى نلقاه عند المتنبى مع ما يمسح عليه ويتخلله من شكوى الدهر، ومع ما يسوده من الشعور بقوة النفس وصلابتها وأنها أقوى عودا وأصلب من الزمن، فهى لا تتخاذل أمامه ولا تضعف بل تحاول أن تقهره وتطعنه الطعنة المصمية. وكان أبو تمام يضيف إلى نسيبه أحيانا وصفا لبعيره وما يقطع من الفلوات، مستمدّا من معانى القدماء فى هذا الوصف ومضيفا طرائفه الحديثة، كقوله يصف بعيره وما أصابه من هزال لطول رحلته به إلى خراسان ليمدح ابن طاهر (٣): رعته الفيافى بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهلّ ساكبه فالصحراء بطرقها الوعثة كأنما هى التى رعته إذ أضمرته وأنحلته، بينما كان يرعى أعشابها، وهو تضاد بديع، فهو يرعى الصحراء والصحراء ترعاه. وقد ألم بوصف الخمر فى بعض مقدماته للمديح، وهو ليس ممن يجيدون فى وصفها، لأنه لم يكن ممن ينغمسون فى إثمها، وقد يلقانا عنده بعض أبيات طريفة فيها كقوله (٤):

стр. 1183

وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... قتلت كذلك قدرة الضعفاء وكأنّ بهجتها وبهجة كأسها ... نار ونور قيّدا بوعاء وقد فسح فى مقدماته مرارا للحديث عن الشيب، وكان قد وخطه فى سن مبكرة، وهو لا يحاول تزيينه، بل يعرف دائما بأنه قبيح مكروه وخاصة فى عين المرأة، ومن طريف ماله فيه قوله (١): لو رأى الله أنّ للشيب فضلا ... جاورته الأبرار فى الخلد شيبا ولعل من الطريف أنه وقف بعض مقدماته للمديح على وصف الطبيعة، وهو لا يبارى فى تصوير مشاعر الطير وأحاسيسه، ومن خير ما يمثل ذلك عنده تصويره لقمرية وقمرىّ وهما يرشفان رحيق الهوى بينما هو يتعمقه الحزن، وكأنما ترثى له السماء فتستهل بروقها ورعودها، والطبيعة من حوله مكتسية بثياب الربيع المشرقة والطواويس تومض بألوانها الزاهية وأذنابها المزركشة، وكأنها خدم هذا العرس الرائع من أعراس الربيع، يقول (٢): غنّى فشاقك طائر غرّيد ... لما ترنّم والغصون تميد ساق على ساق دعا قمريّة ... فدعت تقاسمه الهوى وتصيد (٣) إلفان فى ظلّ الغصون تألّفا ... والتفّ بينهما هوى معقود يتطّعمان بريق هذا هذه ... مجعا وذاك بريق تلك معيد (٤) يا طائران تمتّعا هنّيتما ... وعما الصباح فإننى مجهود أبكى وقد تلت البروق مضيئة ... من كل أقطار السماء رعود واهتزّ ريعان الشباب فأشرقت ... لتهلّل الشجر القرى والبيد (٥) ومضت طواويس العراق فأشرقت ... أذناب مشرقة وهنّ حفود (٦)

стр. 1184

يرفلن أمثال العذارى طوّفا ... حول الدّوار وقد تدانى العيد (١) وهى قطعة رائعة زاخرة بوصف المشاعر والأحاسيس، مشاعر أبى تمام المحزون وأحاسيس الطير المبتهجة بالحب والطواويس المبتهجة بالربيع. ونراه فى إحدى مدائحه للمعتصم يصور الربيع واصلا بينه وبين عصر المعتصم وكأنه يرى عصره ربيع العصور العباسية. وقد مضى يحتكم فى هذا الوصف للربيع وفتنته بأنه مجمع الضدين: الصيف والشتاء، فالصيف يتراءى فى طقسه والشتاء يتراءى فى زهره (٢)، بل إن المطر فى الشتاء ليحمل بين أطوائه الصحو المشرق الجميل كما يحمل الصحو بترطيبه للجو نضرة المطر، يقول: مطر يذوب الصّحو منه وبعده ... صحو يكاد من النضارة يمطر ويتسع به الخيال فإذا الندى الذى تترقرق حباته على الأوراق والغصون كأنه طيب سقط من غدائر السحاب على لمم الثّرى ولحاه، يقول: وندى إذا ادّهنت به لمم الثّرى ... خلت السحاب أتاه وهو مغدّر وبمضى فى حلمه، فإذا هو يرى نفسه فى رياض الربيع وأضواء الشمس تخالط الورود والرياحين كأنه فى ليلة مقمرة جميلة، والأحلام تفد عليه من كل صوب، يقول: يا صاحبىّ تقصّيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصوّر تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الرّبى فكأنما هو مقمر وله بائية (٣) فى مديح ابن الزيات استهلها بوصف ديمة ممطرة مصورا فرحة الطبيعة بها بعد الجفاف الطويل ونراه يصل بينها وبين مديحه لابن الزيات وكأنه يرى فيها خلاله وكرمه الفياض. وهذا الوصل بين الممدوحين والطبيعة سواء فى هذه القصيدة أو سابقتها يجعلنا نحس فى وضوح عنده بوحدة القصيدة، وكأنها بمقدماتها عمل فنّىّ نام لا يزال بعضه يتولد من بعض.

стр. 1185

وإذا أخذنا ننظر فى معانى مديحه وجدناه يحاول دائما أن يستنبط منها مبتكرات طريفة مستمدّا من مناجم عقله الغنية وكنوز أخيلته الثرية التى تحفل دائما بما يملأ النفس إعجابا به وبشعره، كقوله يصف جود أبى دلف (١): تكاد مغانيه تهش عراصها ... فتركب من شوق إلى كل راكب (٢) وقوله يصور جود المعتصم وكثرة بذله ونواله (٣): تعوّد بسط الكفّ حتى لو أنّه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله ولو لم يكن فى كفّه غير روحه ... لجاد بها فليتّق الله سائله وقد تحول بوصفه بسالة الأبطال الذين تغنى بمديحهم وانتصاراتهم إلى ملاحم كبرى جسّم فيها بطولتهم تجسيما يدلع الحماسة فى قلب كل عربى، ويضرمها إضراما. ونراه يتغنى طويلا ببطولة محمد بن يوسف الثغرى الطائى وما أنزله من صواعق الموت على رءوس الخرّمية أصحاب بابك ورءوس الروم، وكأنه قيس يتغنى بليلاه. ومن رائع ما له فيه قوله يصور هجومه من الجنوب واقتحامه حصون العدو فى الشمال، والثلوج تغطى الطرق والآفاق (٤): لقد انصعت والشتاء له وج ... هـ يراه الرجال جهما قطوبا (٥) طاعنا منحر الشمال متيحا ... لبلاد العدوّ موتا جنوبا فى ليال تكاد تبقى بخدّ الشّ ... مس من ريحها البليل شحوبا فضربت الشتاء فى أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا (٦) لو أصخنا من بعدها لسمعنا ... لقلوب الأيام منك وجيبا (٧) وأمّ ملاحمه قصيدته فى عمّورية التى مدح بها المعتصم مسجلا انتصاره العظيم على البيزنطيين، وهو فيها مبتهج ابتهاجا لا حدّ له بهذا الفتح المبين، وقد استهلها

стр. 1186

بتفضيل القوة على العقل والسيف على الكتب والهزؤ بالمنجمين وما زعموا من أن المعتصم لا يفتحها فإذا هى تسقط أركانها ويتداعى بنيانها أمام مجانيقه وجنوده لبواسل، ويفرّ تيوفيل إمبراطور بيزنطة على وجهه، وقد عصف بقلبه الرعب، والنيران تأخذ عمورية من كل جانب، يقول (١): فتح الفتوح تعالى أن يحيط به ... نظم من الشعر أو نثر من الخطب فتح تفتّح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض فى أثوابها القشب ويتحدث عن وقعتها وما حققت للمسلمين والإسلام من منى معسولة ومن عز ومجد، بينما هوت بالروم وديارهم فى الحضيض. ويصور استعصاءها على ملوك الفرس والتبابعة وأنها عتيقة منذ الإسكندر ومع ذلك تحتفظ بشبابها للخليفة الموعود بفتحها وكأنما كان نصر جنود المعتصم فى يوم «أنقرة» جربا أصابها، فإذا هى تركع صاغرة تحت قدمى المعتصم وقد لطخ الدم ذوائب فرسانها وجباههم، والتهمتها النيران التهاما، وعلى الرغم مما أصاب جسدها من جرب ووجهها من تشويه تسكب فى نفوس العرب من الفرح والبهجة ما لا تذكر بجانبه فرحة ذى الرمة وبهجته حين كان يلمّ بربع مية التى تغنت بحبه لها الأحياء والبيد، يقول: لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يوما ذليل الصخر والخشب غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى ... يشلّه وسطها صبح من اللهب (٢) حتى كأن جلابيب الدّجى رغبت ... عن لونها أو كأن الشمس لم تغب ضوء من النار والظلماء عاكفة ... وظلمة من دخان فى ضحى شحب فالشمس طالعة من ذا وقد أفلت ... والشمس واجبة فى ذا ولم تجب (٣) ما ربع ميّة معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربى من ربعها الخرب (٤) ولا الخدود وقد أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظرى من خدّها التّرب

стр. 1187

وواضح استمداده من قانون الأضداد فى وصف حريقها ليلا، وهو استمداد تخلق فى تضاعيفه هذا الخيال بل الحلم العجيب، فهو فى الليل البهيم ويتصور كأنه فى الصبح المضئ، بل هو فى الضحى المنير، وكأنما خلع الليل ثيابه بل لكأنما رغب عنها، بل كأن الشمس لم تغب ولم تغرب، بل لقد غربت ولم تلبث أن أشرقت فى ربوع عمورية. فيا للحلم ويا لروعته، وإن نشوة الظفر ليجرى رحيقها فى نفسه، فإذا هو يحس إزاءها نفس أحاسيس ذى الرمة إزاء مية التى شغفت قلبه حبّا. وقد مضى يصور قوة المعتصم وجنوده، وكيف فر تيوفيل بفلول جيشه أمامه وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وما زال يصور فتك المعتصم بجيوشه وأبطاله، حتى قال والجدل يغمره: خليفة الله! جازى الله سعيك عن ... جرثومة الدين والإسلام والحسب (١) بصرت بالرّاحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التّعب إن كان بين صروف الدّهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير منقضب (٢) فبين أيامك اللاّتى نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النّسب أبقت بنى الأصفر الممراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلّت أوجه العرب (٣) وعواطفه الدينية والقومية بارزة فى هذه الأبيات الأخيرة، بل إنها لتبرز فى جنبات الملحمة جميعها، وإنه ليهدر فيها هدير الظافر المبتهج الذى تبددت أمامه جحافل الأعداء وانجابت غياهب الظلام وحلت مكانها أضواء النصر فى كل مكان. وإذا تركنا ملاحمه إلى مدائحه الأخرى وجدناه يلائم دائما بين مدحه وممدوحه، فإذا مدح كاتبا شاعرا مثل الحسن بن وهب نوه بأدبه وبلاغته ودرر لفظه ومعانيه، وكذلك الشأن فى مدحه لابن الزيات، وكان هو الآخر كاتبا شاعرا، وجلّى فى وصفه لقلمه الذى أنشدنا منه قطعة فى الفصل الرابع والذى استهله بقوله (٤):

стр. 1188

لك القلم الأعلى الذى بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل (١) وقد استمد فى وصفه له من قانون الأضداد مستنبطا كثيرا من المعانى اللطيفة الدقيقة. ونحسّ فى مديحه له وللحسن بن وهب ظاهرة نادرة هى الصداقة التى تنعقد بين رجال الأدب والشعر والفن، وقد عبّر عنها تعبيرا بديعا فى قوله لصديقه على بن الجهم الشاعر المعروف (٢): إن يكد مطّرف الإخاء فإننا ... نغدو ونسرى فى إخاء تالد (٣) أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدّر من غمام واحد أو يفترق نسب يؤلّف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد ومراثى أبى تمام لا تقلّ عن مدائحه روعة، وإذا كان قد بلغ ذروة الإحسان فى أناشيد النصر وملاحمه فإنه بلغ أيضا هذه الذروة فى مراثيه لابن حميد الطوسى الطائى، وكان قد سقط-كما أسلفنا-فى ميدان النضال، وما إن أتاه نعيه حتى غمس-كما يقول الرواة-طرف ردائه فى مداد، ثم ضرب به كتفيه وصدره (٤) وأخذ يندبه بقصيدته الرائية الخالدة بمثل قوله (٥): فتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دما ضحكت عنه الأحاديث والذّكر فتى مات بين الطّعن والضّرب ميتة ... تقوم مقام النصر إن فاته النّصر وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضّرب واعتلّت عليه القنا السّمر وقد كان فوت الموت سهلا فردّه ... إليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر (٦) ونفس تعاف العار حتى كأنما ... هو الكفر يوم الرّوع إن فاته الكفر (٧) فأثبت فى مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر (٨)

стр. 1189

تردّى ثياب الموت حمرا فما دجى ... لها الليل إلا وهى من سندس خضر (١) مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر (٢) وحقّا قال أبو دلف له: لم يمت من رثى بمثل هذا الشعر (٣)، فقد جسّم فيه بطولة ابن حميد تجسيما رائعا، وما زال يتغنى ببطولته واستبساله فى قتال الأعداء حتى أبدله من كسوة الدم الزكى كسوة الفردوس السندسية. وجاءه نعى خالد بن يزيد بن مزيد الشيبانى وهو على بريد الموصل فبكاه بكاء حارّا، ونراه يتفجع تفجعا كله حزن وأسى على ابنيه محمد وأبى على وعلى أخ له حضر وفاته وفيه يقول واصفا لحظة النزع الأخير (٤): لله مقلته والموت يكسرها ... كأن أجفانه سكرى من الوسن (٥) يردّ أنفاسه كرها وتعطفها ... يد المنية عطف الرّيح للغصن ويقال إنه مات لعبد الله بن طاهر ابنان صغيران فى يوم واحد، وهزّه الخبر، وحرّك شاعريته، فدخل عليه وأنشده مرثية بديعة يقول فى تضاعيفها (٦): نجمان شاء الله أن لا يطلعا ... إلا ارتداد الطّرف حتى يأفلا وكان يجيد العتاب والاعتذار، ومن أروع اعتذاراته ما قدمه لابن أبى دؤاد حين غضب عليه لنيله من مضر فى إحدى قصائده لأبى سعيد (٧) الثغرى الطائى، فقد أحسّ أنه أذنب ذنبا عظيما وأخذ يستعطفه بمثل قوله (٨): أتانى عائر الأنباء تسرى ... عقاربه بداهية نآد (٩) نثا خبر كأن القلب أمسى ... يجرّ به على شوك القتاد (١٠) كأن الشمس جلّلها كسوف ... أو استترت برجل من جراد (١١)

стр. 1190

بأنى نلت من مضر وخبّت ... إليك شكيتّى خبب الجواد (١) لقد جازيت بالإحسان سوءا ... إذن وصبغت عرفك بالسّواد (٢) وما سافرت فى الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتى وزادى (٣) ولم يقبل ابن أبى دؤاد استعطافه فاستشفع عنده بخالد بن يزيد بن مزيد الشيبانى ودبّج فيه قصيدة يستدرّ عطفه بها، موازنا بين استشفاعه عنده بخالد واستشفاع يزيد بن المهلب قديما بسليمان بن عبد الملك عند أخيه الوليد وعفوه عنه. ونراه يحاول أن يبرئ ساحته مما قرف به وأنه كيد حاسد لعل له فضلا إذ يذيع فضائله وما يلبث أن يقول (٤): لولا التخوّف للعواقب لم تزل ... للحاسد النّعمى على المحسود (٥) ولأبى تمام أوصاف كثيرة فى المطر والسحاب والشتاء وفى بعض الخلع التى كانت تهدى إليه وبعض الخيل. وله غزل مفرد عن مقدمات مدائحه، ولكنه لا يبلغ روعة ما يجلبه منه فى تلك المقدمات. وله زهديات قليلة وأهاج مختلفة، وهو لا يجيد فى الهجاء، ويقول الصولى إنه كان لا يجيب هاجيا له حتى لا يستدرّ سبّه (٦). أما الفخر فله فيه قصائد ينوّه فيها بقومه من طيئ تنويها على شاكلة قوله يصور مكارمهم ومحامدهم (٧): أنا ابن الذين استرضع الجود فيهم ... وسمّى فيهم وهو كهل ويافع مضوا وكأن المكرمات لديهم ... لكثرة ما أوصوا بهنّ شرائع بهاليل لو عاينت فيض أكفّهم ... لأيقنت أن الرزق فى الأرض واسع (٨) وتتوهج فى مقدمات قصائده قطع كثيرة تصور طموحه واعتداده بنفسه اعتدادا لا حدّ له، اعتداد النفوس الكبيرة التى تسعى إلى الكمال واجدة لذتها فى هذا السعى

стр. 1191

مهما كلفها من جهد مضن ومهما لقيت من خطوب، وهو يعرض ذلك فى ثنايا حديثه إلى من شغفن قلبه مصورا بعد همته وجلده وقوة احتماله للمحن، حتى لكأنه يبذّ كل سابق ولاحق فيما حاول-ويحاول-من اكتساب المجد. وله فى ذلك طرائف كثيرة، كقوله لإحدى صواحبه، وقد تعمقها الأسى لشيبه المبكر (١): يومى من الدهر مثل الدهر مشتهر ... عزما وحزما وساعى منه كالحقب فأصغرى أنّ شيبا لاح بى حدثا ... وأكبرى أننى فى المهد لم أشب ولا يؤرّقك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأى والأدب (٢) لا تنكرى منه تخديدا تجلّله ... فالسّيف لا يزدرى أن كان ذا شطب (٣) وعلى هذا النحو يملأ شعره نفس قارئه فتوة وقوة، لا بما يصوره من بطولة ليوث الغاب من العرب فحسب، بل أيضا بما يصوره من بطولة نفسه واقتحامه للصعاب وما ظفر به من مجد فنى، وقد دأب على وصف أشعاره بالغرابة وباللآلئ الفريدة، يقول (٤): مفصّلة باللؤلؤ المنتقى لها ... من الشّعر إلا أنه اللّؤلؤ الرّطب وهى حقّا لآلئ تومض بالفكر الدقيق وبألوان البديع الزاهية، لآلئ سوّى منها عقود قصائده وقلائد شعره.

стр. 1192

الفصل السادس شعراء السياسة والمديح والهجاء ١ - شعراء الدعوة العباسية رأينا فى الجزء الثانى من هذه السلسلة كيف كانت أحزاب الشيعة والخوارج والزبيريين والأمويين تصطرع ويجاهد بعضها بعضا، وكيف استقرت على أصول ثابتة فى نظرية الخلافة، فحزب الشيعة كان يرى أن تكون الخلافة فى أبناء على من بنى هاشم، لأنهم أبناء عم الرسول ﷺ وجمهورهم من حفدته وقد أوصى لأبيهم-فيما يذكرون-بالخلافة، وكان حزب الخوارج يرى أن تردّ الخلافة إلى الأمة لتولّى عليها الخليفة التقى الصالح من أعلامها، وكان حزب الزبيريين يرى أن تردّ الخلافة إلى أبناء الصحابة الأولين من المهاجرين وأن تعود إلى الحجاز، حتى يسندها الحجازيون من أهل مكة والمدينة لا عرب القبائل اليمنية الشامية التى تؤازر الأمويين. بينما كان الأمويون يدعون لأنفسهم بأنهم الأكفاء لتلك الخلافة، ووصلوها بنظام الحكم الأجنبى المتوارث عند القياصرة والأكاسرة. ومضت هذه الأحزاب الأربعة تختصم ويجاهد بعضها بعضا، وكان أقصرها عمرا حزب الزبيريين فإنه لم يكد يتجاوز بضع سنوات لا تزيد على ثمان، أما حزب الشيعة فقد ظفر بحظ من الحكم فى الكوفة لعهد المختار الثقفى الذى كان يدعو لمحمد بن الحنفية من أبناء على والذى أسس نظرية الكيسانية إحدى نظريات المذهب الشيعى، على أن هذه الحركة سرعان ما خمدت، غير أن التشيع ظل ملتهبا سرّا، وتكوّن مذهب الزيدية، وقضى على صاحبه، ولكن جمرات اللهب ظلت متقدة. وامتشق الخوارج الحسام فى غير ميدان ونازلوا الأمويين ودوّخوهم، ولكنهم استطاعوا أن يقضوا عليهم أو كادوا. ووراء كل هذه الأحزاب كان هناك شعراء كثيرون ينافحون عن سياسة أحزابهم ويظاهرونها على أعدائها ويناضلون نضالا عنيفا،

стр. 1193

مما هيأ لازدهار الشعر السياسى. وإذا تحولنا إلى العصر العباسى وجدنا هذا الشعر يأخذ فى الضعف، لسبب مهم هو ضعف الأحزاب التى يعبر عنها، أما حزب الزبيريين فكان قد سقط نهائيّا منذ سنة ٧٢ للهجرة، ولم تقم له بعد ذلك قائمة، وأما حزب الخوارج فإن معاركه مع الأمويين كانت قد طحنته طحنا ولم تسبق منه إلا بقايا ضعيفة، كانت كلما تجمعت وأوقدت ثورة قضى عليها قائد عباسى قضاء مبرما، وبذلك سقط هذا الحزب هو الآخر لا من حيث جهاد الدولة وحربها فحسب، بل أيضا من حيث الشعر والشعراء. أما حزب الشيعة فقد ظل حيّا فى كثير من النفوس، وظلت ثوراتهم تتوالى من حين إلى حين وظل كثير من أئمتهم وأعلامهم يقتلون ويسجنون إذ كانوا يزعمون أنهم أولياء الخلافة الأقربون وأصحابها الشرعيون، وأن العباسيين اغتصبوها منهم اغتصابا. وكان العباسيون كما أسلفنا فى غير هذا الموضع قد حولوا إلى أسرتهم دعوة الكيسانية وأصبحوا أوصياءها، ومضوا ينظمون الدعوة ضد بنى أمية، حتى قوّضوا حكمهم، وأصبحوا ولاة الأمر وأصحاب السلطان، وأخذوا يرصدون كل حركة للعلويين، لا تأخذهم فيهم شفقة ولا رحمة. حتى إذا كان المأمون ورأى أن يوصى بالعهد من بعده لعلوى هو على الرضا بن موسى الكاظم ثار عليه بيته، واضطرّ إلى الانصراف عن تلك الفكرة كما مر بنا. وعلى هذا النحو ظل الشيعة فى العصر العباسى الأول يطالبون بأن ينزل العباسيون عن الحكم ويردوا الأمر إلى نصابه، وتبعهم فى تقرير نظريتهم كثير من الشعراء، غير أنهم كانوا يخافون بطش العباسيين، فكانوا ينظمون ما ينظمون سرّا وقلما أعلنوه، بل لقد مضى فريق منهم يمدح الخلفاء تقيّة ويبالغ فى مديحه، حتى ليصبح كأنه من دعاتهم. وكثر حينئذ من يدعون لهم كثرة مفرطة، فقد كانت الدنيا بيدهم وكنوز الدولة فى حجورهم فسال لها لعاب الشعراء ومضوا يدافعون عن حق العباسيين فى الخلافة ويردّون على العلويين منكرين حقهم فيها، مستلهمين رسالة المنصور إلى محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية والتى عرضنا لها فى الفصل الأول، وما ذكره فيها من أن أبناء البنت لا يحوزون الميراث، إنما يحوزه العم وأبناؤه كما قرر الإسلام. ومن الغريب أنه لم يرتفع فى هذه الأثناء صوت ثالث يقرّر أن

стр. 1194

الخلافة فى منشئها كانت تقوم على استشارة الأمة فى تولية الصالح من زعمائها، فهى ليست لقمة تستأثر بها أسرة خاصة، بل هى نظام يقوم على الشورى، هدفه الأساسى مصلحة الجماعة، وهى شركة بين أفرادها جميعا يتولاها أكفؤهم سواء أكان من بيت هاشمى أم لم يكن، وسواء أكان قرشيّا أم كان غير قرشى. وكان المفروض أن يجهر بذلك الفقهاء والمتكلمون، وكأنما لم يتبينوا حينئذ الطريق الصحيح لحكم الأمة ومصلحتها العامة، فمضوا يصانعون العباسيين مذعنين لهم خاضعين. وإذا مضينا نتعقب من كانوا يمدحون الخلفاء العباسيين لهذا العصر وجدناهم أكثر من أن يحصوا ويستقصوا، وإنما يهمنا منهم من كانوا يقفون مدافعين عن نظريتهم فى الخلافة مناضلين عنهم خصومهم من الشيعة العلويين، ولا بد أن نلاحظ منذ أول الأمر أن أصحاب مذهب الكيسانية كانوا يوالون العباسيين، ولذلك لا نعجب إذا رأينا السيد الحميرى يكثر من مديحه لهم، وقد مدح طويلا أبا العباس السفاح والمنصور والمهدى (١). ويلمع اسم أبى دلامة فى بلاطهم جميعا، وكانت فيه دعابة جعلتهم يتخذونه لهم نديما، ومن أوائل من استظهروا فى أشعارهم النضال عن سلطان العباسيين أبو نخيلة، وهو من محضرمى الدولتين: الأموية العباسية فى مديح السفاح إذ يقول (٢): حتى إذا ما الأوصياء عسكروا ... وقام من تبر النبىّ الجوهر أقبل بالناس الهوى المشهّر ... وصاح فى الليل نهار أنور وواضح أنه يجعل العباسيين أوصياء على الخلافة، فليس العلويون أصحابها إنما أصحابها العباسيون الذين استخلصوا لها كما يستخلص الجوهر. وقد مدح المنصور كثيرون فى مقدمتهم بشار وأبو دلامة نديمه والسيد الحميرى، ونرى أبا نخيلة يمدحه طويلا، وقد روى له فيه قطعة من أرجوزة يغريه فيها بخلع ولى عهده عيسى بن موسى وعقد العهد لابنه محمد المهدى، وفيها يقول (٣):

стр. 1195

ليس ولىّ عهدنا بالأسعد ... عيسى فزحلفها إلى محمّد (١) من عند عيسى معهدا عن معهد ... حتى تؤدّى من يد إلى يد فناد للبيعة جمعا نحشد ... فى يومنا الحاضر هذا أو غد ويعدّ المهدى أول خليفة فتح أبوابه على مصاريعها للشعراء، فقد مضى يجزل لهم فى العطاء ومضوا يجزلون له فى الثناء، وفيه يقول ابن الخياط، إن صح أنها له (٢): لمست بكفى كفّه أبتغى الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفّه يعدى فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعدانى فأتلفت ما عندى وممن أكثروا من مديحه مروان بن أبى حفصة وسلم الخاسر وأبو دلامة وبشار وأبو العتاهية والسيد الحميرى ونصيب الأصغر والعمانى الراجز، وقد روى له ابن المعتز أرجوزة يستحثه فيها على توليته العهد من بعده ابنيه الرشيد والهادى (٣)، ومن مدّاحه الحسين بن مطير مولى بنى أسد، وكان يغلو فى مديحه غلوا شديدا حتى ليرفعه على البشر درجات من مثل قوله (٤): لو يعبد الناس يا مهدىّ أفضلهم ... ما كان فى الناس إلا أنت معبود أضحت يمينك من جود مصوّرة ... لا بل يمينك منها صوّر الجود لو أن من نوره مثقال خردلة ... فى السود طرّا إذن لابيضّت السود ونرى كثيرين من الشعراء لعهده يدافعون عن حقه وحق العباسيين فى الخلافة منكرين على العلويين حقهم فيها، فهم ورثتها الشرعيون وحصونها الحقيقيون، وفى ذلك يقول ابن المولى (٥): وإن أمير المؤمنين ورهطه ... لأهل المعالى من لؤىّ بن غالب أولئك أوتاد البلاد ووارثو النّ ... بىّ بأمر الحقّ غير التكاذب
следующие страницы →