مهما كلفها من جهد مضن ومهما لقيت من خطوب، وهو يعرض ذلك فى ثنايا حديثه إلى من شغفن قلبه مصورا بعد همته وجلده وقوة احتماله للمحن، حتى لكأنه يبذّ كل سابق ولاحق فيما حاول-ويحاول-من اكتساب المجد. وله فى ذلك طرائف كثيرة، كقوله لإحدى صواحبه، وقد تعمقها الأسى لشيبه المبكر (١):
يومى من الدهر مثل الدهر مشتهر ... عزما وحزما وساعى منه كالحقب
فأصغرى أنّ شيبا لاح بى حدثا ... وأكبرى أننى فى المهد لم أشب
ولا يؤرّقك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأى والأدب (٢)
لا تنكرى منه تخديدا تجلّله ... فالسّيف لا يزدرى أن كان ذا شطب (٣)
وعلى هذا النحو يملأ شعره نفس قارئه فتوة وقوة، لا بما يصوره من بطولة ليوث الغاب من العرب فحسب، بل أيضا بما يصوره من بطولة نفسه واقتحامه للصعاب وما ظفر به من مجد فنى، وقد دأب على وصف أشعاره بالغرابة وباللآلئ الفريدة، يقول (٤):
مفصّلة باللؤلؤ المنتقى لها ... من الشّعر إلا أنه اللّؤلؤ الرّطب
وهى حقّا لآلئ تومض بالفكر الدقيق وبألوان البديع الزاهية، لآلئ سوّى منها عقود قصائده وقلائد شعره.
стр. 1192
الفصل السادس
شعراء السياسة والمديح والهجاء
١ - شعراء الدعوة العباسية
رأينا فى الجزء الثانى من هذه السلسلة كيف كانت أحزاب الشيعة والخوارج والزبيريين والأمويين تصطرع ويجاهد بعضها بعضا، وكيف استقرت على أصول ثابتة فى نظرية الخلافة، فحزب الشيعة كان يرى أن تكون الخلافة فى أبناء على من بنى هاشم، لأنهم أبناء عم الرسول ﷺ وجمهورهم من حفدته وقد أوصى لأبيهم-فيما يذكرون-بالخلافة، وكان حزب الخوارج يرى أن تردّ الخلافة إلى الأمة لتولّى عليها الخليفة التقى الصالح من أعلامها، وكان حزب الزبيريين يرى أن تردّ الخلافة إلى أبناء الصحابة الأولين من المهاجرين وأن تعود إلى الحجاز، حتى يسندها الحجازيون من أهل مكة والمدينة لا عرب القبائل اليمنية الشامية التى تؤازر الأمويين. بينما كان الأمويون يدعون لأنفسهم بأنهم الأكفاء لتلك الخلافة، ووصلوها بنظام الحكم الأجنبى المتوارث عند القياصرة والأكاسرة.
ومضت هذه الأحزاب الأربعة تختصم ويجاهد بعضها بعضا، وكان أقصرها عمرا حزب الزبيريين فإنه لم يكد يتجاوز بضع سنوات لا تزيد على ثمان، أما حزب الشيعة فقد ظفر بحظ من الحكم فى الكوفة لعهد المختار الثقفى الذى كان يدعو لمحمد بن الحنفية من أبناء على والذى أسس نظرية الكيسانية إحدى نظريات المذهب الشيعى، على أن هذه الحركة سرعان ما خمدت، غير أن التشيع ظل ملتهبا سرّا، وتكوّن مذهب الزيدية، وقضى على صاحبه، ولكن جمرات اللهب ظلت متقدة.
وامتشق الخوارج الحسام فى غير ميدان ونازلوا الأمويين ودوّخوهم، ولكنهم استطاعوا أن يقضوا عليهم أو كادوا. ووراء كل هذه الأحزاب كان هناك شعراء كثيرون ينافحون عن سياسة أحزابهم ويظاهرونها على أعدائها ويناضلون نضالا عنيفا،
стр. 1193
مما هيأ لازدهار الشعر السياسى.
وإذا تحولنا إلى العصر العباسى وجدنا هذا الشعر يأخذ فى الضعف، لسبب مهم هو ضعف الأحزاب التى يعبر عنها، أما حزب الزبيريين فكان قد سقط نهائيّا منذ سنة ٧٢ للهجرة، ولم تقم له بعد ذلك قائمة، وأما حزب الخوارج فإن معاركه مع الأمويين كانت قد طحنته طحنا ولم تسبق منه إلا بقايا ضعيفة، كانت كلما تجمعت وأوقدت ثورة قضى عليها قائد عباسى قضاء مبرما، وبذلك سقط هذا الحزب هو الآخر لا من حيث جهاد الدولة وحربها فحسب، بل أيضا من حيث الشعر والشعراء. أما حزب الشيعة فقد ظل حيّا فى كثير من النفوس، وظلت ثوراتهم تتوالى من حين إلى حين وظل كثير من أئمتهم وأعلامهم يقتلون ويسجنون إذ كانوا يزعمون أنهم أولياء الخلافة الأقربون وأصحابها الشرعيون، وأن العباسيين اغتصبوها منهم اغتصابا. وكان العباسيون كما أسلفنا فى غير هذا الموضع قد حولوا إلى أسرتهم دعوة الكيسانية وأصبحوا أوصياءها، ومضوا ينظمون الدعوة ضد بنى أمية، حتى قوّضوا حكمهم، وأصبحوا ولاة الأمر وأصحاب السلطان، وأخذوا يرصدون كل حركة للعلويين، لا تأخذهم فيهم شفقة ولا رحمة. حتى إذا كان المأمون ورأى أن يوصى بالعهد من بعده لعلوى هو على الرضا بن موسى الكاظم ثار عليه بيته، واضطرّ إلى الانصراف عن تلك الفكرة كما مر بنا.
وعلى هذا النحو ظل الشيعة فى العصر العباسى الأول يطالبون بأن ينزل العباسيون عن الحكم ويردوا الأمر إلى نصابه، وتبعهم فى تقرير نظريتهم كثير من الشعراء، غير أنهم كانوا يخافون بطش العباسيين، فكانوا ينظمون ما ينظمون سرّا وقلما أعلنوه، بل لقد مضى فريق منهم يمدح الخلفاء تقيّة ويبالغ فى مديحه، حتى ليصبح كأنه من دعاتهم. وكثر حينئذ من يدعون لهم كثرة مفرطة، فقد كانت الدنيا بيدهم وكنوز الدولة فى حجورهم فسال لها لعاب الشعراء ومضوا يدافعون عن حق العباسيين فى الخلافة ويردّون على العلويين منكرين حقهم فيها، مستلهمين رسالة المنصور إلى محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية والتى عرضنا لها فى الفصل الأول، وما ذكره فيها من أن أبناء البنت لا يحوزون الميراث، إنما يحوزه العم وأبناؤه كما قرر الإسلام. ومن الغريب أنه لم يرتفع فى هذه الأثناء صوت ثالث يقرّر أن
стр. 1194
الخلافة فى منشئها كانت تقوم على استشارة الأمة فى تولية الصالح من زعمائها، فهى ليست لقمة تستأثر بها أسرة خاصة، بل هى نظام يقوم على الشورى، هدفه الأساسى مصلحة الجماعة، وهى شركة بين أفرادها جميعا يتولاها أكفؤهم سواء أكان من بيت هاشمى أم لم يكن، وسواء أكان قرشيّا أم كان غير قرشى.
وكان المفروض أن يجهر بذلك الفقهاء والمتكلمون، وكأنما لم يتبينوا حينئذ الطريق الصحيح لحكم الأمة ومصلحتها العامة، فمضوا يصانعون العباسيين مذعنين لهم خاضعين.
وإذا مضينا نتعقب من كانوا يمدحون الخلفاء العباسيين لهذا العصر وجدناهم أكثر من أن يحصوا ويستقصوا، وإنما يهمنا منهم من كانوا يقفون مدافعين عن نظريتهم فى الخلافة مناضلين عنهم خصومهم من الشيعة العلويين، ولا بد أن نلاحظ منذ أول الأمر أن أصحاب مذهب الكيسانية كانوا يوالون العباسيين، ولذلك لا نعجب إذا رأينا السيد الحميرى يكثر من مديحه لهم، وقد مدح طويلا أبا العباس السفاح والمنصور والمهدى (١). ويلمع اسم أبى دلامة فى بلاطهم جميعا، وكانت فيه دعابة جعلتهم يتخذونه لهم نديما، ومن أوائل من استظهروا فى أشعارهم النضال عن سلطان العباسيين أبو نخيلة، وهو من محضرمى الدولتين: الأموية العباسية فى مديح السفاح إذ يقول (٢):
حتى إذا ما الأوصياء عسكروا ... وقام من تبر النبىّ الجوهر
أقبل بالناس الهوى المشهّر ... وصاح فى الليل نهار أنور
وواضح أنه يجعل العباسيين أوصياء على الخلافة، فليس العلويون أصحابها إنما أصحابها العباسيون الذين استخلصوا لها كما يستخلص الجوهر. وقد مدح المنصور كثيرون فى مقدمتهم بشار وأبو دلامة نديمه والسيد الحميرى، ونرى أبا نخيلة يمدحه طويلا، وقد روى له فيه قطعة من أرجوزة يغريه فيها بخلع ولى عهده عيسى بن موسى وعقد العهد لابنه محمد المهدى، وفيها يقول (٣):
стр. 1195
ليس ولىّ عهدنا بالأسعد ... عيسى فزحلفها إلى محمّد (١)
من عند عيسى معهدا عن معهد ... حتى تؤدّى من يد إلى يد
فناد للبيعة جمعا نحشد ... فى يومنا الحاضر هذا أو غد
ويعدّ المهدى أول خليفة فتح أبوابه على مصاريعها للشعراء، فقد مضى يجزل لهم فى العطاء ومضوا يجزلون له فى الثناء، وفيه يقول ابن الخياط، إن صح أنها له (٢):
لمست بكفى كفّه أبتغى الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفّه يعدى
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعدانى فأتلفت ما عندى
وممن أكثروا من مديحه مروان بن أبى حفصة وسلم الخاسر وأبو دلامة وبشار وأبو العتاهية والسيد الحميرى ونصيب الأصغر والعمانى الراجز، وقد روى له ابن المعتز أرجوزة يستحثه فيها على توليته العهد من بعده ابنيه الرشيد والهادى (٣)، ومن مدّاحه الحسين بن مطير مولى بنى أسد، وكان يغلو فى مديحه غلوا شديدا حتى ليرفعه على البشر درجات من مثل قوله (٤):
لو يعبد الناس يا مهدىّ أفضلهم ... ما كان فى الناس إلا أنت معبود
أضحت يمينك من جود مصوّرة ... لا بل يمينك منها صوّر الجود
لو أن من نوره مثقال خردلة ... فى السود طرّا إذن لابيضّت السود
ونرى كثيرين من الشعراء لعهده يدافعون عن حقه وحق العباسيين فى الخلافة منكرين على العلويين حقهم فيها، فهم ورثتها الشرعيون وحصونها الحقيقيون، وفى ذلك يقول ابن المولى (٥):
وإن أمير المؤمنين ورهطه ... لأهل المعالى من لؤىّ بن غالب
أولئك أوتاد البلاد ووارثو النّ ... بىّ بأمر الحقّ غير التكاذب
стр. 1196
ومضى فى القصيدة يذكر بلاء العباسيين فى تفويض الحكم الأموى والأخذ للعلويين بثأرهم الذى كان مهدرا وأعلن بلسان الخليفة أنه رحيم بهم شفيق عليهم لما يربطه بهم من وشائج القربى، وأن من رجع منهم عن غيه وتاب قبل منه توبته وأسدل عليه نعمه.
وكان الهادى منذ ولاية أبيه يقعد للشعراء ويمدحونه (١)، وفى مقدمتهم مروان ابن أبى حفصة وسلم الخاسر ومطيع بن إياس وأبو الخطاب البهدلىّ. وخلفه سريعا هرون الرشيد، وظل فى الخلافة نحو اثنين وعشرين عاما، ويقول الرواة إنه لم يجتمع بباب أحد ما اجتمع ببابه من الشعراء (٢)، ومن مدّاحه أبو الشّيص والعمانى وابن مناذر وعمر بن سلمة ومروان بن أبى حفصة وسلم الخاسر وأبو نواس وأبو العتاهية ومسلم بن الوليد وأشجع السّلمى والسيد الحميرى ومنصور النّمرى وأبو الغول الطّهوى، وله يذكر عقده العهد لابنيه الأمين والمأمون (٣):
بنيت لعبد الله بعد محمّد ... ذرا قبّة الإسلام فاخضرّ عودها
هما طنباها-بارك الله فيهما- ... وأنت-أمير المؤمنين-عمودها
ومن مدّاحه أيضا ربيعة الرّقىّ ونصيب الأصغر، ونراه يردّد له أن خلافته ميراث ورثه عن رسول الله ﷺ (٤)، كما نرى الشعراء يحيطونه بهالة من التقديس حتى ليقول النّمرى (٥):
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلّك الله منها حيث تتسع
إذا رفعت امرءا فالله يرفعه ... ومن وضعت من الأقوام متّضع
ويقال إنه كان لا يرى بأسا فى أن يمدح بما تمدح به الأنبياء (٦)! . وكانت له انتصارات مدوية على الخوارج والروم، فتغنى بها الشعراء طويلا.
وولى بعده الأمين، وكان فيه لهو ومجون فلزمه أبو نواس، ومن مدّاحه أبو الشيص وعبد الله بن أيوب التيمى، وكان يكثر فى مديحه له من التنديد بأخيه
стр. 1197
المأمون حين خلع طاعته على شاكلة قوله (١):
خلافة الله قد توارثها ... آباؤه فى سوالف الكتب
فهى له دونكم مورّثة ... عن خاتم الأنبياء فى الحقب
وقوله (٢):
من رأى الناس له الفض ... ل عليهم حسدوه
مثل ما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه
وكان المأمون ممدّحا مثل أبيه الرشيد، ومن مدّاحه-وهو لا يزال ولىّ عهد- منصور النّمرى وأشجع السّلمىّ وأبو محمد اليزيدى مؤدبه، وممن تغنّوا بمديحه فى خلافته أبو تمام وإبراهيم بن المهدى عمه ودعبل وعبد الله بن أيوب التيمى ومحمد بن عبد الملك الزيات وابن البواب ومحمد بن وهيب، ومدائحهم فيه مبثوثة فى أخبارهم بكتاب الأغانى. ومرّ بنا فى الفصل السالف تنويه أبى تمام بالمعتصم وانتصاراته المدوية، ومن مدّاحه ابن الزيات ومحمد بن وهيب والحسين بن الضحاك ومخلد بن بكار الموصلى وخالد الكاتب. وممن نوهوا بالواثق أبو تمام وله فيه قصائد بديعة. ولعل من الخير أن نقف قليلا عند نفر من مداح هؤلاء الخلفاء، هم أبو دلامة ومروان بن أبى حفصة وسلم الخاسر.
أبو دلامة (٣)
هو زند بن الجون، كوفى أسود، من موالى بنى أسد، كان أبوه عبدا فأعتقه رجل منهم، وهو من مخضرمى الدولتين الأموية والعباسية، ولم يكن له فى أيام الدولة الأولى شأن يذكر، غير أن الدولة العباسية لم تكد تظله حتى أخذ نجمه
стр. 1198
يتألّق إذ قرّبه منه السفّاح، وكانت فيه دعابة جعلته خفيف الظل على قلبه فاتخذه هو ومن وليه من الخلفاء نديما لهم يطرفهم بنوادره. ويقول أبو الفرج: «كان فاسد الدين ردئ المذهب مرتكبا للمحارم مضيعا للفروض مجاهرا بذلك، وكان يعلم هذا منه ويعرف به فيتجافى عنه للطف محله». ولعل أبا الفرج بنى هذا الحكم على ما ساقه من أخباره إذ ذكر أن المنصور بلغه أنه معتكف على الخمر ولا يحضر صلاة ولا مسجدا، فأمره بلزوم الجماعة فى مسجد قصره، وطال عليه ذلك فاستعفاه بقصيدة يقول له فيها:
ألم تعلما أن الخليفة لزّنى ... بمسجده والقصر مالى وللقصر!
وما ضرّه والله يغفر ذنبه ... لو أنّ ذنوب العالمين على ظهرى
وضحك المنصور حين قرأ القصيدة وأعفاه من الحضور معه. وروى أبو الفرج فى موضع ثان أن المنصور أمره بالقيام معه فى ليالى شهر رمضان. وأنه شقّ عليه ذلك فكتب إلى ريطة زوجة ابنه المهدى شعرا يضحكها به ويستشفعها عند عمها المنصور. وفى خبر ثالث أن المنصور سجنه لسكره. وقد يكون فيه لهو وميل للمجون. أما أن يكون فاسد الدين مخلا بالفروض للخبرين الأولين وما يشبههما فإن ذلك يكون مبالغة فى الحكم إذ كان يذهب بذلك إلى الدعابة شأنه فى دعاباته الأخرى التى رواها أبو الفرج وغيره.
ويروى أنه انقطع فى بعض أيامه إلى روح بن حاتم بن قبيصة المهلبى. أما فى عامة أيامه فكان ملازما للخلفاء إذ كانوا يتخذونه نديما لهم يضحكهم بنوادره.
ويقال إنه لم يصل إلى أحد من الشعراء ما وصل إليه من المنصور خاصة، وكان أول ما جعله يسنى له الجوائز داليّته التى مدحه بها حين قتل أبا مسلم الخراسانى وفيها يقول:
أبا مجرم ما غيّر الله نعمة ... على عبده حتى يغيّرها العبد
أفى دولة المهدىّ حاولت غدرة ... ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد
وواضح أنه يلقب المنصور فى البيت الأخير بالمهدى، مستعيرا ذلك من الشيعة وما يردّدونه فى آثارهم عن صفاته وأنه المنقذ الذى يخلّص الناس من بلاياهم
стр. 1199
ويملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما ويهدى الناس إلى الطريق السّوىّ المستقيم، وتذهب بعض الروايات السنية إلى أن الاسم الحقيقى للمهدى إنما هو محمد، ولعل المنصور لاحظ ذلك حين لقب ابنه محمدا بالمهدى، وكأنه كان يريد أن يوحى للناس بأنه المهدى المنتظر. على أن من الشعراء من مضى مثل أبى دلامة يلقبه هو نفسه بهذا اللقب، وكان ما يزال يرفع من شأنه هو وأسرته درجات فوق العالمين على شاكلة قوله:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عبّاس
ثم ارتقوا فى شعاع الشمس وارتفعوا ... إلى السماء فأنتم سادة الناس
وكان يجيد الرثاء كما يجيد المديح وقد بكى السفاح طويلا. ولما توفى المنصور رثاه بقصيدة جيدة جمع فيها بين الحزن عليه والفرحة بتولية المهدى، والطريف أنه جمع المعنيين فى كل بيت من أبياتها على نحو ما نرى فى قوله:
عينان: واحدة ترى مسرورة ... بإمامها جذلى وأخرى تذرف
تبكى وتضحك مرة ويسوءها ... ما أبصرت ويسرّها ما تعرف
وله نوادر كثيرة ترويها كتب الأدب، منها ما يتصل بالخلفاء ونسائهم، ومنها ما يتصل بزوجته وبأولاده، وكان يعرف كيف يحيل بعض نوادره شعرا، إذ كان الشعر يتدفق على لسانه تدفقا، ويروى أنه بشّر ببنت له، فقال توّا مداعبا ومتفكها:
فما ولدتك مريم أمّ عيسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمّك أمّ سوء ... إلى لبّاتها وأب لئيم
وله بجانب ذلك أشعار فى وصف الشراب والرياض، وانقطع بعد المنصور إلى المهدى فكان يصله بالجوائز السنية ويستطيب مجالسته ونوادره إلى أن توفى سنة ١٦١ للهجرة.
стр. 1200
مروان (١) بن أبى حفصة
أصل جده من يهود خراسان، وكان مولى لمروان بن الحكم وهبه له عثمان بن عفان، ويقال إنه أبلى فى الدفاع عنه حين حوصر فى داره وقتل، فأعتقه مروان جزاء بلائه، ولما ولى المدينة لمعاوية ولاّه على خراج اليمامة، واقترن هناك بعربية أنجب منها ابنه يحيى، وكان شاعرا متوسطا، ويقال إنه تزوج بنت زياد بن هوذة وأنجب منها فيمن أنجب ابنه سليمان وكان هو الآخر يقرض الشعر، ورزق سليمان بابنه مروان سنة ١٠٥ للهجرة. وقد نشأ فى اليمامة حيث استقرت أسرته والشعر يجرى فى أعراقه فلم يلبث أن شدا به، غير أن اسمه لم يلمع إلا فى العصر العباسى، ونراه ينقطع لمعن بن زائدة الشيبانى، وكان جوادا مقداما وبطلا مغوارا، ولاه المنصور اليمن ثم سجستان. ويقال إن مروان أخذ منه مالا كثيرا، وخاصة حين مدحه بقصيدته اللامية، وفيها يقول عنه وعن عشيرته:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها فى بطن خفّان أشبل (٢)
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السّماكين منزل
بها ليل فى الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم فى الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا فى النائبات وأجملوا
وله بجانب هذه القصيدة فيه قصائد كثيرة ملأ بها حجره من الأموال، ومن طريف مديحه فيه قوله يصور سيادته وشرفه وكرمه وشجاعته:
стр. 1201
معن بن زائدة الذى زيدت به ... شرفا إلى شرف بنو شيبان
إن عدّ أيّام الفعال فإنما ... يوماه يوم ندى ويوم طعان
وما زال يوالى مديحه له حتى توفى سنة ١٥٢ للهجرة، فأبّنه تأبينا حارّا، ومن رائع تأبينه له لاميته، وفيها يقول معبرا عن حزنه العميق وأساه:
أقمنا باليمامة بعد معن ... مقاما لا نريد له زيالا
وقلنا: أين نرحل بعد معن ... وقد ذهب النّوال فلا نوالا
ويقول من أخرى:
قل للمنية لا تبقى على أحد ... إذ مات معن فما ميت بمفقود
ولما ولى المهدى بعد أبيه المنصور وفد عليه، ولم يكد يلقى بين يديه أولى قصائده فيه حتى بهره بمديحه، ولم يكن مديحا عاديّا بالكرم والشجاعة والخلال الكريمة التى يقدرها العرب دائما، بل كان أيضا مديحا سياسيّا، إذ عمد إلى الدفاع عن حقوق العباسيين فى الخلافة والرد على العلويين وما يدعونه من هذه الحقوق، ولعل شاعرا لم يبلغ فى هذا الدفاع مبلغه، إذ كان يعرف كيف ينقضّ على العلويين بالحجة القاطعة على نحو ما نرى فى قوله:
هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفّكم أو تسترون هلالها
أو تجحدون مقالة عن ربكم ... جبريل بلّغها النبىّ فقالها
شهدت من «الأنفال» آخر آية ... بتراثهم فأردتم إبطالها
وهو يريد بآية الأنفال قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)﴾ يشير بذلك إلى حق العباسيين فى وراثة الخلافة وأنهم مقدمون فى هذا الحق على أبناء بنت الرسول ﷺ فاطمة الزهراء إذ العم مقدم على الأسباط فى الوراثة، على نحو ما هو معروف فى الشريعة الإسلامية. وبلغ من
стр. 1202
فرط إعجاب المهدى بالقصيدة أن سأل كم عدد أبياتها، فقال مروان: مائة، فأمر له بمائة ألف درهم، وكانت أول مائة ألف درهم أخذها شاعر فى أيام بنى العباس. ومضى مروان يردد فى مديحه للمهدى هذا الدفاع السياسى عن حق العباسيين فى وراثة الخلافة، وهو يغدق عليه عطاياه الجزيلة، ومن إحكامه لهذا الدفاع أبياته التالية التى يخاطب بها المهدى:
يا بن الذى ورث النبىّ محمّدا ... دون الأقارب من ذوى الأرحام
الوحى بين بنى البنات وبينكم ... قطع الخصام فلات حين خصام
ما للنساء مع الرجال فريضة ... نزلت بذلك سورة الأنعام
أنّى يكون وليس ذاك بكائن ... لبنى البنات وراثة الأعمام
وما زال يفد على المهدى حتى توفّى وخلفه ابنه الهادى فوفد عليه مع من وفدوا يهنئونه بالخلافة ويعزونه عن أبيه ودخل فأخذ بعضادتى الباب، ثم قال:
لقد أصبحت تختال فى كل بلدة ... بقبر أمير المؤمنين المقابر
ولو لم تسكّن بابنه فى مكانه ... لما برحت تبكى عليه المنابر
ومضى يفد على هرون الرشيد ويجزل له فى الصلات السنية، ووفد على البرامكة-شأنه فى ذلك شأن جميع شعراء الرشيد، إذ كانوا يجمعون بين مديحه ومديحهم-وله فى يحيى بن خالد البرمكى من قصيدة:
إذا بلّغتنا العيس يحيى بن خالد ... أخذنا بحبل اليسر وانقطع العسر
فإن نشكر النّعمى التى عمّنا بها ... فحقّ علينا-ما بقينا-له الشكر
ومن رائع قوله فى الفضل ابنه:
إذا أمّ طفل راعها جوع طفلها ... غذته بذكر الفضل فاستعصم الطّفل
ليحيى بك الإسلام إنك عزّه ... وإنك من قوم صغيرهم كهل
وليس له وراء المدح والرثاء شعر مذكور. وقد اشتهر ببخله وشدة حرصه وكان يلم ببغداد ثم يعود سريعا إلى اليمامة، ولذلك لم يتضح عنده التأثر بالحضارة العباسية
стр. 1203
وما ترجم من ثقافات أجنبية، على أنه كان يحكم صنعته إحكاما بعيدا، ويروى عنه أنه كان يحوك القصيدة فى سنة، أما فى الأشهر الأربعة الأولى فكان ينظمها، وكان فى الأربعة الأشهر الثانية يصقلها وينقحها، أما فى الأربعة الأشهر الأخيرة فكان يعرضها على الرواة والنقاد حتى إذا وثق من جودتها أنشدها ممدوحيه، وما زال فى المحل المرموق من الشعر حتى توفى سنة ١٨٢ ويقال إنه مات مقتولا بيد شيعى انتقاما منه للعلويين.
سلم (١) الخاسر
من موالى تيم عشيرة أبى بكر الصديق، ولد بالبصرة وبها نشأ، واختلف الرواة فى سبب تلقيبه بالخاسر، فقيل إن أباه عمرو بن حماد خلّف له مالا كثيرا أنفقه على الشعر وفى اللهو فلقّب بذلك، وقيل بل لأنه اشترى بمصحف ورثه من أبيه طنبورا، وقيل أيضا إنه إنما لقّب بذلك لأنه باع مصحفا واشترى بثمنه دفتر شعر. ويقول أبو الفرج: «هو راوية بشار بن برد وتلميذه وعنه أخذ ومن بحره اغترف وعلى مذهبه ونمطه قال الشعر» وروى عنه أنه قال: «هل أنا إلا جزء من محاسن بشار، وهل أنطق إلا بفضل منطقه. . إنى لأروى له تسعة آلاف بيت ما يعرف أحد غيرى منها شيئا» ويقال إنه كان من أعرف الشعراء بأشعار الجاهلية.
ونراه فى مطالع حياته يمدح معن بن زائدة وعمر بن العلاء والى طبرستان وممدوح أستاذه بشار، وله يقول:
كم كربة قد مسّنى ضرّها ... ناديت فيها عمر بن العلاء
ورثى معنا حين توفى رثاء حارّا، وبنفس اللوعة رثى أبا جعفر المنصور، وفيه يقول:
عجبا للذى نعى الناعيان ... كيف فاهت بموته الشفتان
стр. 1204
ليت كفّا حثت عليه ترابا ... لم تعد فى يمينها ببنان
وتفتح له أبواب الخلافة منذ عصر المهدى، إذ كان يعطيه هو ومروان بن أبى حفصة عطية واحدة. ويقول ابن المعتز إنه كان يذهب به فى مديحه إلى أنه المهدى الذى وصفه الرسول ﷺ فى بعض ما نسب إليه من آثار، وله يقول فى بعض قصائده:
وإلى أمير المؤمن ... ين محمد خير الأنام
فضل الملوك محمد ... فضل الحلال على الحرام
ويقول:
ومهدى أمتّنا والذى ... حماها وأدرك أوتارها
له شيمة عند بذل العطا ... ء لا يعرف الناس مقدارها
وكان يقف بجانبه فى كل مناسبة، من ذلك أن نراه ينبرى حين اتخذ يعقوب ابن داود وزيرا له قائلا منوها به وبوزيره:
قل للإمام الذى جاءت خلافته ... تهدى إليه بحقّ غير مردود
نعم المعين على التقوى أعنت به ... أخوك فى الله يعقوب بن داود
ولما ماتت ابنته «البانوكة» حزن عليها هو وأمها الخيزران حزنا شديدا، وإذا بشاعره يقف بين يديه معزيا بل نادبا باكيا بمثل قوله:
أودى ببانوكة ريب الزمان ... مؤنسة المهدىّ والخيزران
بانوك يا بنت إمام الهدى ... أصبحت من زينة أهل الجنان
بكت لك الأرص وسكّانها ... فى كلّ أفق بين إنس وجان
ويقال إنه بلغ المهدى أنه مدح بعض العلويين فتوعده وهمّ به، ولكنه استطاع أن يسلّ منه سخيمته بقصيدة بالغ فيها فى تصوير اعتذاره بمثل قوله:
وأنت كالدهر مبثوثا حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب
стр. 1205
والحق أنه كان خالصا للعباسيين، وقد مضى يمدح الهادى بعد المهدى مضفيا عليه نفس صفات القدسية والجلال من مثل قوله:
وجدناك فى كتب الأوّلي ... ن محيى النفوس وقتّالها
لقد جعل الله فى راحتيك ... حياة النفوس وآجالها
وله يقول من أخرى:
لولا هداكم وفضل أولكم ... لم تدر ما أصل دينها العرب
ولم يكد الهادى يسمع منه هذا البيت حتى استخفه الطرب، وأمر له بثلاثمائة ألف درهم. وولى بعده الرشيد فوالى فيه سلم مدائحه، ووالى عليه هرون عطاياه الجزيلة، ومن قوله فيه حين جعل ولاية العهد فى ابنه الأمين:
قد بايع الثقلان فى مهدى الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر
ويقال إن زبيدة وصلته من أجل هذه القصيدة بمائة ألف درهم. ولم يلبث الرشيد أن عقد العهد من بعد الأمين للمأمون فنوّه به كما نوّه بأخيه. وجذبه البرامكة إليهم، فأشاد بهم طويلا، ومن رائع قصائده فيهم لاميته التى مدح بها يحيى ابن خالد وفيه يقول:
بلوت الناس من عجم وعرب ... فما أحد يسير كما تسير
فكلّ الأمر من قول وفعل ... إذا علقت يداك به صغير
وفى كفّيك مدرجة المنايا ... ومن جدواهما الغيث المطير
وأكثر من مديح الفضل بن يحيى، حتى كاد ينقطع له، ومن بارع مديحه فيه قوله مصورا شجاعته وكرمه:
له يومان: يوم ندى وبأس ... كأن الدهر بينهما أسير
وقوله:
أقام الندى والجود فى كل منزل ... أقام به الفضل بن يحيى بن خالد
стр. 1206
وكان يمدح أيضا الفضل بن الربيع وزير الرشيد. ويظهر أن الفضل البرمكى أكثر من برّه ونواله عليه حتى حسده الشعراء وفى مقدمتهم صديقه أبو العتاهية، مما جعل كلا منهما يلمز صاحبه بعض اللمز، أما أبو العتاهية فوصفه بالحرص والشح فى بيته الذى أنشدناه فى الفصل السابق:
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذلّ الحرص أعناق الرجال
وأما سلم فاتهمه بأنه كاذب منافق فى زهده وتقشفه، وكان قد تحول إلى الزهد على نحو ما أسلفنا، ومع ذلك كان لا يزال يمدح ويستجدى وفى ذلك يقول له سلم:
ما أقبح التّزهيد من واعظ ... يزهّد الناس ولا يزهد
لو كان فى تزهيده صادقا ... أضحى وأمسى بيته المسجد
وفى أخباره ما يدل على أنه كان يهاجى والبة بن الحباب، غير أنه لم يكن يحسن الهجاء. ويظهر أنه كان يلم بشئ من اللهو والمجون فى مطالع حياته، غير أنه لم تتقدم به السّنّ حتى التزم جانب الوقار. وشعره يؤكد أن المديح لم يترك فيه بقية لفن آخر سواه. ولم يكن شحيحا كما وصفه أبو العتاهية، بل كان كريما سمحا إذ يقول ابن المعتز إنه كان ينفق ما يأخذه من الأموال على إخوانه وغيرهم من أهل الأدب. وفى أخباره ما يدل على أنه كان يتأنق تأنقا شديدا فى ملبسه ومظهره وأنه كان يحيا حياة مترفة ناعمة. وأشعاره مليئة بالرشاقة والعذوبة والنعومة، وله فى الهادى مدحة اشتهرت فى عصره وبعد عصره، إذ بنى شطورها من تفعيلة واحدة على هذا النمط:
موسى المطر عدل السّير
وقد جعلها على فافيه واحدة. وهى تفيض بالخفة والرشاقة، ومن حكمه البديعة:
لا تسأل المرء عن خلائقه ... فى وجهه شاهد عن الخبر
وما زالت حياته تجرى رخاء حتى توفى سنة ١٨٦ للهجرة.
стр. 1207
[٢ - ]
شعراء الشيعة
كان استيلاء العباسيين على مقاليد الخلافة مفاجأة لكثير من العلويين وأنصارهم من فرق الشيعة، وربما كانت الفرقة الوحيدة التى لم تجد فى ذلك غضاضة هى فرقة الكيسانية من أصحاب أبى هاشم بن محمد بن الحنفية، فإنه تنازل لهم، كما أسلفنا، عن الخلافة، ولعل ذلك ما جعل شعراءها، من أمثال السيد الحميرى، يقفون فى صفوف العباسيين مادحين مثنين. أما شعراء الفرق الأخرى فقد عمتهم الفرحة حين انتصرت الثورة العباسية، ظانين أن العباسيين سيشركون أبناء عمهم العلويين فى الحكم معهم، حتى إذا انبلجت الحقيقة نفضوا أيديهم منهم، وخاصة شعراء الزيدية. أما شعراء الإمامية فقد وجدوا أمامهم فسحة كى ينافقوا العباسيين، وكى يظهروا غير ما يبطنون، لمبدأ التقية المشهور الذى كان يأخذ به الشيعة الإمامية جميعا من اثنى عشرية وإسماعيلية، ومن ثمّ رأيناهم يمدحون خلفاء بنى العباس، يسترون بذلك حقائقهم، على نحو ما هو معروف عن منصور النّمرى. وخير من يمثل شعراء الزيدية فى أوائل هذا العصر سديف وهرون بن سعد العجلىّ. أما سديف فاشتهر بتحريضه السفّاح لأول خلافته على الثأر من بنى أمية بمثل قوله (١):
أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بنى العباس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس (٢)
ومضى يستثيره على الفتك بهم حتى استشاط موجدة وحنقا، فدعاهم إلى مأدبة كبيرة، حتى إذا قدموا وتهيؤا للطعام وقف سديف ينشده (٣):
لا يغرّنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويّا
فضع السيف وارفع السّوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا
стр. 1208
ووضع أبو العباس السفاح السيف فيهم حتى أتى عليهم، ويقال: بل شدخوا بالأعمدة. وصنع صنيعه بجموعهم فى الشام والحجاز والبصرة أعمامه: عبد الله وداود وسليمان. وتوفى السفاح وخلفه المنصور فاستقر فى نفوس زعماء العلويين أن الخلافة قد أفلتت من أيديهم وأن العباسيين لن يدعوا لهم منها شيئا. وما توافى سنة ١٤٥ للهجرة حتى يثور بالمدينة محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية. وهى-كما أسلفنا فى الفصل الأول-أول ثورة للزيدية، ونرى سديفا يقف مع أخيه إبراهيم بن عبد الله حين ثار بالبصرة، ناظما كثيرا من الأشعار ضد المنصور، مما يؤكد أنه كان يعتنق مذهب الزيدية، ومن قوله فى بعض تلك الأشعار، مخاطبا النفس الزكية (١):
إنا لنأمل أن ترتدّ ألفتنا ... بعد التباعد والشحناء والإحن
وتنقضى دولة أحكام قادتها ... فينا كأحكام قوم عابدى وثن
فانهض ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بنى الحسن
وطبيعى أن يذيقه المنصور وبال تحريضه على الثورة، إذ يقال إنه أمر بدفنه حيّا. ومن شعراء الزيدية وهذه الثورة هرون بن سعد العجلى، وقد ولاّه إبراهيم ابن عبد الله فى أثنائها واسطا، وبمجرد قضاء المنصور عليها توفى وهو يهم بدخول البصرة (٢)، وفى عيون الأخبار له قصيدة يرد فيها على غالية الشيعة من الإمامية ردّا عنيفا، ناقضا ما زعمه رافضتهم من غلو فى تصور جعفر الصادق إمامهم، حتى ليجعله بعضهم إلها وبعضهم رسولا، مع ما ينحلونه من علم الغيب وأنه دوّن كل ما يحتاج إليه من هذا العلم فى جلد يسمونه جفرا، يقول فى تضاعيف قصيدته (٣):
ألم تر أن الرّافضين تفرّقوا ... فكلّهم فى جعفر قال منكرا
فطائفة قالوا إله ومنهم ... طوائف سمّته النبىّ المطهّرا
فإن كان يرضى ما يقولون جعفر ... فإنى إلى ربّى أفارق جعفرا
стр. 1209
ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم ... برئت إلى الرحمن ممن تجفّرا
وكانت البصرة بيئة هذه النحلة، ولعل ذلك ما جعل بعض المعتزلة يعتنقها، من مثل بشر بن المعتمر، وربما كان أكبر دليل على زيديته أننا نراه يهاجم غالية الإمامية على نحو ما هاجمهم هرون بن سعد العجلى (١). ومن شعراء الزيدية غالب ابن عثمان الهمدانى، وله مراث فى النفس الزكية وأخيه إبراهيم تقطر أسى وحزنا عميقا (٢). وثار، كما مر بنا فى الفصل الأول، لعهد الهادى الحسين بن على الحسنى فى مكة ونازله جيش عباسى فى «فخ» فقتل هو وكثيرون من أهله وتركوا فى العراء للسباع والعقبان، مما جعل الشعراء من الزيدية يندبونهم آحرّ ندب وأشجاه (٣). ويتحول نشاط هذه النحلة إلى خراسان والطالقان (٤)، ويتكاثر الثائرون والمقتولون من أئمتها فى تلك البلاد النائية. ومن أهم ثورات الزيدية ثورة (٥) ابن طباطبا بالكوفة لأول خلافة المأمون، ويقضى عليها قضاء مبرما وطبيعى أن يكثر شعراء الزيدية من رثاء المقتولين فى هذه الثورات والتفجع عليهم، مما نقرؤه فى كتاب مقاتل الطالبين لأبى الفرج الأصبهانى مفصلا أوسع تفصيل.
ولم يكن الإمامية بفرقهم المختلفة يشهرون السيوف فى وجوه بنى العباس، فقد جعلوا جميعا التقية مبدأ أساسيّا فى نحلهم المختلفة، واتخذوا الدعوة السرية وسيلتهم فى جمع الناس من حولهم بالكوفة، واجتمع حولهم فعلا خلق كثير يبطنون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يعلنون، وكأنهم كانوا يؤمنون جميعا بأن الثورة على العباسيين لم يحن موعدها. وقد تفرقوا شيعا كثيرة، ومرّ بنا فى الفصل السابق أن لمعدان الأعمى قصيدة صنف فيها طوائف الإمامية الرافضة والغالية وطوائف الزيدية وعقائدهم جميعا، مقدما عليها نحلة فرقته الشّميطية الغالية، ونراه ياوم زيد بن على زين العابدين لعدم أخذه بمبدأ التقية، إذ سنّ لأصحابه من بعده إعلان ثورتهم وامتشاقهم للحسام فى وجه الحكام مما جعل الخلفاء العباسيين يوالون فيهم قتلهم
стр. 1210
وسفك دمائهم، يقول فى قصيدته (١):
سنّ ظلم الإمام فى القوم زيد ... إن ظلم الإمام ذو عقّال (٢)
والمهم أن مبدأ التقية أتاح لكثيرين من شعراء الإمامية أن لا يجاهروا الناس فضلا عن الخلفاء بحقيقة نحلهم، وقد مضى كثير منهم يعلنون موالاتهم لبنى العباس، مادحين لهم، بل إن منهم من سخّر شعره للدفاع عن حقهم فى الخلافة مبالغة فى الستر والتقية على نحو ما سنرى عند منصور النمرى. وربما كان الشاعر الإمامىّ الوحيد الذى جاهر بنحلته دعبلا، إن صح أنه كان متشيعا حقّا فضلا عن إماميته. ومن شعرائهم القاسم بن يوسف أخو أحمد بن يوسف، وقد مرّ بنا فى الفصل السابق أنه سخّر كثيرا من شعره فى رثاء الحيوان والطير، وقد عمل فى خلافة المأمون فكانت إليه جباية السواد، ونرى الصولى يروى له فى كتاب الأوراق أشعارا شيعية مختلفة فى مديح بنى هاشم وبيان فضائل على بن أبى طالب وفى رثاء الحسين وندبه ندبا حارّا، ملوحا بيده فى وجه أبى بكر وعمر وفى وجوه خصوم الإمامية، مشيرا إلى مهدّيهم الذى سيأخذ بثأرهم، يقول (٣):
إنى لأرجو أن تنالهم ... منى يد تشفى جوى الصّدر
بالقائم المهدى إن عاجلا ... أو آجلا إن مدّ فى عمرى
ومثله محمد بن وهيب كان يفد على وزراء بنى العباس وخلفائهم، وهو غال فى تشيعه وإماميته، ويروى الرواة، أنه تردّد على مجالس تذكر فيها فضائل أبى بكر وعمر وعثمان، ولا يذكر فيها شئ من فضائل على، فتولّى حنقا، وهو يقول (٤):
أغدو إلى عصبة صمّت مسامعهم ... عن الهدى بين زنديق ومأفون
لا يذكرون عليّا فى مشاهدهم ... ولا بنيه بنى البيض الميامين
لو يستطيعون من ذكرى أبا حسن ... وفضله قطّعونى بالسّكاكين
стр. 1211
ولست أترك تفضيلى له أبدا ... حتى الممات على رغم الملاعين
وكثر فى هذا العصر بين شعراء الشيعة الحديث عن على بن أبى طالب وفضائله، ومرّ بنا فى الفصل الرابع أن لبشر بن المعتمر مزدوجة صوّر فيها منزلته وكيف أنه يرتفع فوق خصومه من الخوارج درجات. وينبغى أن نشير هنا إلى ما كان من محاولة المأمون عقد البيعة من بعده لعلى الرضا الإمام السابع عند الشيعة الإثنى عشرية، وأن أسرته ثارت عليه فى بغداد، وأن عليّا الرضا توفّى سريعا، فانصرف عن فكرته، وقد ظل يوالى العلويين على الرغم من قيامهم ببعض ثورات فى خلافته، إذ نراه-كما أسلفنا فى غير هذا الموضع-يكتب إلى الآفاق فى سنة ١١٢ للهجرة بتفضيل على بن أبى طالب على جميع الصحابة، مما جعل شعراء الشيعة يطمئنون إليه، ونفذ بعض الشعراء من غيرهم مثل أبى تمام إلى النظم فى فضائل على إرضاء للدولة. وأيضا ينبغى أن نشير هنا إلى كثرة الانقسامات بين الشيعة وما جرّ إليه ذلك من أشعار انتصر فيها الشعراء لما اعتنقوه من بعض المذاهب الشيعية وفى كتاب الفرق بين الفرق للبغدادى منثورات مختلفة من تلك الأشعار. وجدير بنا أن نعرض لأبرز شعراء الشيعة فى العصر، وهم السيد الحميرى ومنصور النّمرى ودعبل وديك الجن.
السيد (١) الحميرى
هو إسماعيل بن محمد حفيد يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميرى الذى ترجمنا له فى الجزء الثانى من هذه السلسلة، وقد تشككنا هناك فى نسبه من حمير واستظهرنا أنه يرجع إلى أصول إيرانية لما عرف عنه من إتقانه الفارسية. على أننا نجد السيد
стр. 1212
يفتخر بحميريته، وكانت أمه من الأزد اليمنيين، ومن ثمّ يقول:
إنى امرؤ حميرىّ غير مؤتشب ... جدّى رعين وأخوالى ذوويزن (١)
وقد ولد لأبويه فى البصرة سنة ١٠٥ للهجرة، وكانا من إباضيّة الخوارج، فنشأ يسمع منهما سبّ على بن أبى طالب، بل تكفيره وتكفير بعض الصحابة، وعبثا كان يراجعهما. ولم يلبث أن أوغل فى التشيع لعلى وآله، ويظهر أنه وقع لبعض أصحاب مذهب الكيسانية القائلين بإمامة محمد بن الحنيفية والمعتنقين لنظرية الغيبة والرجعة، فإذا هو يصبح كيسانيّا لحما وروحا، ولا ندرى هل حدث له ذلك فى البصرة أو حدث فى الكوفة فقد أقام بها ردحا من الزمن. وأيّا كان فقد اعتنق المذهب مبكرا وأصبح شيعة لأصحابه منذ أواخر عصر بنى أمية، حتى إذا أظلّه العصر العباسى تمشت فى نفسه الفرحة لانتصار الهاشميين وتقويض حكم الأمويين، وأخذ يستبشر بقيام الدولة العباسية، وكأنه رأى فيها انتصارا لمذهبه الشيعى، إذ كان أبو هاشم بن محمد بن الحنفية قد أوصى من بعده، كما مرّ بنا، لمحمد بن على العباسى، وأوصى محمد للسفاح ومن ثمّ كانت إمامته وخلافته هو ومن تلاه من العباسيين صحيحة فى نظر الكيسانية أو على الأقل جمهورهم الذى كان يتبع فرقة أبى هاشم. وطبيعى لذلك أن نجد السيد الحميرى الكيسانى يهلل لانتصار العباسيين حتى ليبادر أبا العباس السفاح حين خطب فى الكوفة خطبته المشهورة التى أخذ على إثرها البيعة من الناس قائلا:
دونكموها يا بنى هاشم ... فجدّدوا من عهدها الدّارسا
قد ساسها قبلكم ساسة ... لم يتركوا رطبا ولا يابسا
ولست من أن تملكوها إلى ... مهبط عيسى فيكم آيسا
وواضح أنه يهنئه بالخلافة لامزا الأمويين الذين ملأوا الأرض ظلما وجورا، ويقول إنها لن تزال فيهم إلى هبوط عيسى بأخرة من الدنيا، فهو لا يفكر فى زوالها عنهم، بل هو يراها لهم خالصة حتى تفنى الأرض ومن عليها، وتوفّى السفاح
стр. 1213
وخلفه المنصور، فأغدق عليه من صلاته السّنية وأغدق عليه السيد الحميرى من مدحه بمثل قوله:
إن الإله الذى لا شئ يشبهه ... أعطاكم الملك للدّنيا وللدّين
أعطاكم الله ملكا لا زوال له ... حتى يقاد إليكم صاحب الصين
وصاحب الهند مأخوذا برمّته ... وصاحب التّرك محبوسا على هون
ومدح من بعده ابنه المهدى وظن طه حسين أن السيد الحميرى كان فى هذا المدح منافقا، فهو لا يستحلّ أن يظهر غير ما يضمر وأن يمدح بنى العباس بلسانه ويلعنهم فى قلبه، فيظفر بمالهم ويتقى شرهم، كان يستحلّ ذلك كما كانت تستحلّه عامة الشيعة الذين كانوا يقولون بمذهب التقية (١)». ولا تقية ولا نفاق، وإنما شاعر كيسانى بمدح أوصياء عقيدته الكيسانية الذين أدالوا من بنى أمية وسلطانهم الجائر، وهو بعد ذلك مخلص فى كيسانيته إخلاصا بعيدا حتى ليؤمن بأن محمد ابن الحنفية حىّ وأنه راجع يوما يقول:
حتى متى؟ وإلى متى؟ ومتى المدى؟ ... يا بن الوصىّ وأنت حىّ ترزق
ويروى أن شيطان الطاق محمد بن على بن النعمان أحد متكلمى مذهب الشيعة الإمامية ناظره يوما فى عقيدته الكيسانية يريد أن يجذبه إلى عقيدته، وغلبه فى مناظرته، غير أن السيد لم يلبث أن أنشأ قصيدة أدارها على أبيات كثيّر سلفه الكيسانى فى العصر الأموى التى تجرى على هذا النمط:
ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحقّ أربعة سواء
علىّ والثلاثة من بنيه ... هم أسباطه والأوصياء
فسبط سبط إيمان وحلم ... وسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللّواء
والسبط الأول الحسن والثانى الحسين المقتول بكربلاء. والثالث إمامه محمد بن الحنفية، وكثيّر يقول إنه لا يزال حيّا لم يذق الموت وأنه سيعود فى جيش لجب
стр. 1214
وكان السيد الحميرى فى القرن الثانى لا يزال يؤمن مثله برجعته. وزعم بعض الرواة أنه رجع بأخرة من حياته عن كيسانيته واعتنق مذهب الإمامية أصحاب جعفر الصادق، وأجروا على لسانه:
تجعفرت باسم الله والله أكبر ... وأيقنت أن الله يعفو ويغفر
غير أن أبا الفرج ردّ ذلك قائلا هو ورواته إنه ظل على كيسانيته حتى الأنفاس الأخيرة من حياته. ولعلنا لا نغلو إذا قلنا إنه كان أكثر شعراء القرن الثانى تمجيدا لعلى وبنيه، فقد أنفق حياته فى نظم أخبارهم ومناقبهم، ويقول ابن المعتز إنه لم يترك فضيلة معروفة لعلى بن أبى طالب إلا نقلها إلى الشعر، وقد كرّر طويلا ما تدّعيه الشيعة من أن الرسول ﷺ أوصى له بالخلافة من بعده عند غدير خمّ بين مكة والمدينة، وفيه يقول:
أقسم بالله وآلائه ... والمرء عما قال مسئول
إن على بن أبى طالب ... على التّقى والبرّ مجبول
ولعل أطول قصائده الشيعية قصيدته التى تسمى المذهبة، وقد عنى بها الشيعة وشرحوها مرارا، وهو يستهلها بذكر الأمويين ومسير عائشة رضى الله عنها إلى البصرة مع طلحة والزبير، يقول:
أين التطرّف بالولاء وبالهوى ... أإلى الكواذب من بروق الخلّب
أإلى أمية أم إلى الشّيع التى ... جاءت على الجمل الخدبّ الشّوقب
تهوى من البلد الحرام فنبّهت ... بعد الهدوّ كلاب أهل الحوأب
وهو يشير إلى أن كلابا نبحت أم المؤمنين عند بئر الحوأب، وكان يفرط فى سبّها وسب طلحة والزبير وأبى بكر الصديق وعمر وكثير من الصحابة لا يرعوى ولا يزدجر، وكان يستطيع أن يسجّل لعلى ما شاء من فضائله، دون أن يزج بنفسه فى هذه المضايق الوعرة غير مراع لجلة الصحابة وأمهات المؤمنين، أى حرمة، ولبئس ما قال فى عائشة وصاحبيها:
стр. 1215
جاءت مع الأشقين فى هودج ... تزجى إلى البصرة أجنادها
كأنها فى فعلها هرّة ... تريد أن تأكل أولادها
ويروى أن المهدى جلس يوما يعطى قريشا صلاتها وهو ولى عهد، فبدأ بينى هاشم ثم سائر قريش، ولم يلبث السيد أن وفد عليه بقصيدة يذم فيها عشيرتى عمر وأبى بكر الصديق وينهاه أن يعطى أحدا منهما صلته، ولبّاه المهدى. وقد روى أبو الفرج قطعة منها، وقال إنه حذف باقيها لقبح ما جاء فيها من السبّ والشتم.
ولعل فى ذلك ما يدلّ على أن السيد الحميرى كان غاليا فى تشيعه غلوّا قبيحا، ولو أنه لم يشب مديحه لعلى وبنيه بهذا السبّ المنكر لتداول شعره الرواة، إذ كان شاعرا بارعا، ومن مستحسن شعره فيهم قوله ناظما ما روى من أن الحسن والحسين، أتيا الرسول فوجداه ساجدا فركبا على ظهره، فقال عمر: نعم المطىّ مطيكما:
أنى حسنا والحسين الرسول ... وقد برزا ضحوة يلعبان
فضمّهما ثم فدّاهما ... وكانا لديه بذاك المكان
وراحا وتحتهما عاتقاه ... فنعم المطيّة والراكبان
وكان يكثر من رثاء الحسين رثاء يستنرف الدمع ويذيب القلب حسرات، ويقال إنه استأذن يوما على جعفر الصادق فأذن له وأقعد حرمه خلف ستر، فدخل، فأنشده قوله:
امرر على جدث الحس ... ين فقل لأعظمه الزّكيّه
آأعظما لا زلت من ... وطفاء ساكبة رويّة (١)
وإذا مررت بقبره ... فأطل به وقف المطيّه
وابك المطهّر للمطهّ ... ر والمطهّرة النّقيّه
стр. 1216
كبكاء معولة أتت ... يوما لواحدها المنيّه
فسالت دموع جعفر على خديه مدرارا وارتفع النشيج والصراخ فى داره فأمره بالإمساك فأمسك.
وللسيد وراء تشيعه ومدائحه للعباسيين مدائح فى بعض ولاة البصرة والأهواز، وله أهاج فى المرجئة وفى عبد الله بن سوار قاضى البصرة الذى ردّ شهادته لقذفه فى الصحابة، وقد شكاه للمنصور فانتصف له منه. ويقال إنه كان يعكف على الخمر، وليس له فيها أشعار مذكورة. وفى الحق أنه عاش للتشيع ينفق فيه أيامه وقصيده، وكان يعرف كيف يوازن بين جزالته وعذوبته، مع الرونق والحلاوة، ولعل ذلك ما جعله يتحامى فيه الغريب واللفظ الآبد، حتى يلذّ الأسماع والأفئدة وحتى يسير على الشفاه والألسنة. وما زال هذا دأبه حتى توفى سنة ١٧٣ للهجرة.
منصور (١) النّمرى
هو منصور بن الزبرقان بن سلمة (٢) من قبيلة النّمر بن قاسط من أهل الجزيرة وهو تلميذ العتابى المتكلم وراويته وعنه أخذ ومن بحره استقى وتشبّه كما يقول أبو الفرج، ويقال إنه وصفه للفضل بن يحيى بن خالد البرمكي ونوّه به وقرّظه، فاستقدمه من الجزيرة، فأنشده بعض مدائحه فيه، وحظى عنده، ولم يلبث أن وصله بالرشيد، ووقع من نفسه خير موقع، إذ مضى يمدحه على طريقة مروان بن أبى حفصة بنفى الإمامة عن أبناء على بن أبى طالب وبيان أنها حق خالص للعباسيين، وأنهم لا يزالون يطوّقون رقابهم بالمنن، وهم يجحدونها، فيثورون، وكثيرا ما يتلقون ثوراتهم بالعفو عنهم على نحو ما صنع الرشيد بيحيى بن عبد الله، فإنه اكتفى بسجنه، ولم يقتله، وفى ذلك يقول:
بنى حسن وقل لبنى حسين ... عليكم بالسداد من الأمور
стр. 1217
أميطوا عنكم كذب الأمانى ... وأحلاما يعدن عدات زور
مننت على ابن عبد الله يحيى ... وكان من الحتوف على شفير
يد لك فى رقاب بنى علىّ ... ومنّ ليس بالمنّ الصغير
وإنك حين تبلغهم أذاة ... -وإن ظلموا-لمحزون الضمير
فإن شكروا فقد أنعمت فيهم ... وإلا فالنّدامة للكفور
وإن قالوا بنو بنت فحقّ ... وردّوا ما يناسب للذكور
وما لبنى بنات من تراث ... مع الأعمام فى ورق الزّبور
ويقال إنه استخفّ الرشيد حين أنشده هذه القصيدة، فإذا هو يأمر الفضل ابن الربيع أن يدخله بيت المال ويدعه يأخذ ما يشاء، فأخذ سبعا وعشرين بدرة.
ومن روائع قصائده فيه قصيدته العينية، ويقول ابن المعتز إنه أقام القيامة بحديثه فى مطلعها عن الشباب إذ يقول:
ما تنقضى حسرة منى ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
بان الشباب وفاتتنى بلذّته ... صروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أوفى شبابى كنه غرّته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
إن كنت لم تطعمى ثكل الشباب ولم ... تشجى بغصته فالعذر لا يقع
ويقال إن الرشيد حين سمع منه هذا المطلع قال له: أحسنت والله، لا يتهنّأ أحد بعيش حتى يخطر فى رداء الشباب، وخرج إلى المديح ملوحا فى وجه العلويين بمثل قوله:
يا ابن الأئمة من بعد النبىّ ويا اب ... ن الأوصياء أقرّ الناس أو دفعوا
وما لآل علىّ فى إمارتكم ... حقّ وما لهم فى إرثكم طمع
العمّ أولى من ابن العمّ فاستمعوا ... قول النّصيح فإن الحقّ يستمع
وهو يشير إلى أن العباس عمّ الرسول ﷺ يحجب على بن أبى طالب ابن أخيه كما تقضى بذلك فريضة الإرث فى الإسلام. وكان لا يزال يحيط
стр. 1218
هرون بهالة من القدسية حتى ليرفعه على آل الرسول جميعا، وحتى ليجعل من يشتمل عليه سخطه لا ينتفع بدينه ولا بصلواته، يقول فى القصيدة السالفة:
أىّ امرئ بات من هرون فى سخط ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع
ويقول فى قصيدة ثانية:
يا خير ماض وخير باق ... بعد النبيين فى الأنام
ومن قصيدة له ثالثة:
آل الرسول خيار الناس كلّهم ... وخير آل رسول الله هرون
ولم يكن منصور فى كل هذه الأشعار مخلصا، بل كان يظهر غير ما يضمر، إذ كان شيعيّا إماميّا، وكأنه كان يتخذ تلك الأشعار متجرأ، ليعيش آمنا، ولينال ما يريد من طيبات الحياة ومتاعها معتمدا على ما يؤمن به الإمامية من التقية.
وقد زعم المرتضى فى أماليه أنه «كان ينافق الرشيد ويذكر هرون فى شعره ويريه أنه من وجوه شيعته وباطنه ومراده بذلك أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵇ لقول النبى، صلى الله عليه وآله، له: أنت منى بمنزلة هرون من موسى» ونراه يكثر من مدح آل الرسول والتنديد بالأمويين والعباسيين، ومن خير ما يصور ذلك لا ميته وفيها يقول:
شاء من الناس راتع هامل ... يعلّلون النفوس بالباطل (١)
تقتل ذريّة النبىّ وير ... جون جنان الخلود للقاتل
ويلك يا قاتل الحسين لقد ... بؤت بحمل ينوء بالحامل
ما الشك عندى فى كفر قاتله ... لكننى قد أشك فى الخاذل
وعاذلى أننى أحبّ بنى ... أحمد فالتّرب فى فم العاذل
قد دنت ما دينكم عليه فما ... وصلت من دينكم إلى طائل
دينكم جفوة النبىّ وما ال ... جافى لآل النبىّ كالواصل
стр. 1219
وقد مضى فى القصيدة ينكر موقف أبى بكر وعمر من دعوى فاطمة إرث «فدك» زاعما أنهما ظلماها، ومطالبا بمن يثأر لها من ظلمتها، يقول:
مظلومة والنبىّ والدها ... تدير أرجاء مقلة حافل
ألا مساعير يغضبون لها ... بسلّة البيض والقنا الذابل (١)
وكانت قد حدثت جفوة بينه وبين أستاذه العتابى، فأسخط الرشيد عليه، غير أنه عاد فعفا عنه وأوسع له فى مجالسه، وانتهز العتابى منه يوما فرصة، فذكر له حقيقة النمرى وأنه شيعى غال فى تشيعه، وأنشده اللامية الآنفة وأشعارا أخرى من مثل قوله:
آل الرسول ومن يحبّهم ... يتطامنون مخافة القتل
أمن النصارى واليهود وهم ... من أمّة التوحيد فى أزل (٢)
فاستشاط الرشيد غضبا، وبعث إلى الرّقة، وكان مقيما بها، من يقتله، غير أن رسوله وجد جنازته تستقبله، فانكفأ راجعا إلى الرشيد، فأعلمه خبره.
وممن مدحهم وأشاد بهم يزيد بن مزيد الشيبانى، وكان من مدّاح الفضل ابن يحيى البرمكى كما مرّ بنا، وقد بكاه حين نكبه الرشيد هو وأباه وأخاه جعفرا لسنة ١٨٧، وفى ذلك ما يدل على أن وفاته كانت بعد نكبتهم. وواضح مما أنشدناه من أشعاره أنه كان يعنى عناية شديدة بانتخاب ألفاظه وانتقاء معانيه، وكان ما يزال يجهد فكره وخياله حتى يأتى بالطرائف النادرة من مثل قوله:
ولقد تبيت أناملى ... يجنين رمّان النّحور
ومن المحقق أنه لم يكن يتعلق بلهو ولا مجون ولا خمر شأن كثير من معاصريه، وأنه كان يكتفى من ملاهى عصره بالسماع إلى الغناء واجدا فيه ما يبتغى من لذة ومتاع.
стр. 1220
دعبل (١)
هو دعبل بن على بن رزين، وقيل دعبل لقبه، واختلفوا فى اسمه هل هو محمد أو الحسن أو عبد الرحمن، وهو من خزاعة صليبة لاولاء (٢)، ومن بيت شعر، فقد كان أبوه شاعرا متوسطا، وكذلك عمه عبد الله وأخواه على ورزين وولداه الحسين وعلى وابن عمه محمد بن عبد الله المشهور باسم أبى الشيص. وقد ولد دعبل بالكوفة سنة ١٤٨ للهجرة ويظهر أنه اختلف مبكرا إلى حلقات الدرس.
على أننا نجده فى شبابه يصحب الشّطّار ويشترك معهم فى مغامراتهم، مما يؤكد أنه كان فيه نزعة متأصلة إلى الشر وارتكاب الجنايات، وقد دفعته فيما بعد إلى أن يصبح أكبر هجاء فى عصره، وأن يعمّ بهجائه الخلفاء وكل من قدّموا له صنيعا.
ويظهر أن مواهبه الشعرية تفحت مبكرة، فمضى يختلط بالشعراء، وانعقدت بينه وبين مواطنه مسلم بن الوليد مودة كان لها أثر عميق فى شعره إذ عنى فيه على شاكلة مسلم بالبديع وبالجزالة ونصاعة القول، ويرمز الرواة لذلك بأن مسلما صنع قوله:
مستعبر يبكى على دمنة ... ورأسه يضحك فيه المشيب
فما زال دعبل يدير البيت فى نفسه، محاولا أن يبنى على معناه قطعة فى الغزل حتى صنع قطعته التى فتحت له باب الشهرة على مصاريعه، إذ قال فى بكاء الشباب ووقوعه فى شباك الهوى:
أين الشباب؟ وأيّة سلكا؟ ... لا، أين يطلب؟ ضلّ بل هلكا
стр. 1221
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
يا ليت شعرى كيف نومكما ... يا صاحبىّ إذا دمى سفكا
لا تأخذا بظلامتى أحدا ... قلبى وطرفى فى دمى اشتركا
وغنى بالأبيات بعض المغنين بين يدى الرشيد، فطرب، وسأل عن ناظمها، فقيل له دعبل، فأمر بإحضاره وأرسل إليه بعشرة آلاف درهم وخلعة من الثياب، وسار دعبل إليه، وأنشده بعض شعره فاستحسنه وأجرى عليه رزقا سيّا، ولم يلبث أن ارتحل إلى خراسان وواليها العباس بن جعفر الخزاعى (١٧٣ - ١٧٥ هـ) فأكرمه وولاه على سمنجان إحدى بلاد طبرستان. وعاد إلى بغداد ونزل الكرخ حيث اللهو والقصف، منشدا مثل قوله:
إنما العيش خلال خمسة ... حبّذا تلك خلالا حبّذا
خدمة الضيف وكأس لذّة ... ونديم وفتاة وغنا
وتؤثر له فى الخمر بعض الأشعار، وله بجانبها غزليات قليلة، وهو يعنى فيها ببعض فنون البديع على شاكلة قوله مطابقا:
دموع عينى لها انبساط ... ونوم عينى به انقباض
وليس فى ديوانه مديح للرشيد ولا للبرامكة مما يدل على أنه ظل بعيدا عن القصر وأهله ووزرائه، وحقّا تروى له بعض أبيات فى البرامكة حين نكبهم الرشيد، ولكنها لا تدخل فى باب الرثاء إنما تدخل فى باب العظمة والاعتبار. وقد ظل لا يلم بالقصر فى عصر الأمين، ونراه يخرج إلى الحج فى سنة ١٩٨ للهجرة، ولا يعود إلى بغداد، بل يرتحل إلى مصر وواليها المطلب بن عبد الله الخزاعى (١٩٨ - ٢٠٠ هـ) وفيه يقول:
زمنى بمطّلب سقيت زمانا ... ما كنت إلا روضة وجنانا
كلّ النّدى إلا نداك تكلّف ... لم أرض غيرك كائنا من كانا
أصلحتنى بالبرّ بل أفسدتنى ... وتركتنى أتسخّط الإحسانا
ولم يكتف المطلب بما أغدق عليه من البر والنوال، فقد ولاّه على أسوان،
стр. 1222
وسرعان ما شعر فى هذا البلد البعيد عن بغداد بوحشة شديدة، وعبث حنينه إليها بقلبه، فإذا هو ينظم أبياته المشهورة فى الحنين إلى الوطن وقد أنشدناها فى الفصل الرابع.
ولم تلبث الأمور أن فسدت بينه وبين المطلب، فإذا هو يهجوه هجاء مقذعا، كافرا يده عنده، وكان قد ولى الموصل قبل ولايته على مصر، فقال فى بعض هجائه له:
تعلّق مصر بك المخزيات ... وتبصق فى وجهك الموصل
وأخذ يكثر من هجائه، موليا وجهه نحو بغداد، وتبعه المطلب معزولا عن مصر، وتلطّف له فكفّ لسانه عنه.
وأتاه نبأ عهد المأمون لعلى الرضا بالخلافة من بعده لسنة ٢٠١ وكان المأمون لا يزال بخراسان فارتحل إليهما ولم يكد يمثل بين أيديهما حتى أنشد تائيته المشهورة.
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحى مقفر العرصات
وقد صور فيها ما نزل بالعلويين من كوارث فى «كربلاء» و «فخ» نائحا على قتلاهم وخاصة الحسين نواحا مؤثرا ويفيض فى حرمانهم من الاستمتاع بحقهم فى الخلافة آملا فى خروج مهديهم المنتظر الذى يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا، وفيها يقول:
ملامك فى آل النبىّ فإنهم ... أحبّاى ما عاشوا وأهل ثقاتى
فيا ربّ زدنى من يقينى بصيرة ... وزد حبّهم يا ربّ فى حسناتى
ألم تر أنى من ثلاثين حجّة ... أروح وأغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم فى غيرهم متقسّما ... وأيديهم من فيئهم صفرات (١)
ولولا الذى أرجوه فى اليوم أو غد ... تقطّع قلبى إثرهم حسرات
خروج إمام لا محالة خارج ... يقوم على اسم الله والبركات
стр. 1223
يميّز فينا كلّ حقّ وباطل ... ويجزى على النّعماء والنّقمات
وأعجب بالقصيدة المأمون وعلى الرضا، فأعطاه أولهما عشرة آلاف درهم من دراهم كان قد ضربها باسم الرضا، أما الرضا فخلع عليه حلّة من ثيابه، ويقال إن أهل مدينة «قم» الشيعية اشتروا منه الحلة بثلاثين ألف درهم، كما اشتروا الدراهم المضروبة باسم الرضا، كل درهم بعشرة. ويقول ابن المعتز إن أهل هذه المدينة قسّطوا له كل سنة خمسين ألف درهم. وتطورت الظروف سريعا فتوفى على الرضا بطوس سنة ٢٠٣ وهو فى طريقه مع المأمون إلى بغداد، ودفن بها، بجانب قبر هرون الرشيد، ولم يكد النعى يبلغ دعبلا، حتى قال:
قبران فى طوس خير الناس كلّهم ... وقبر شرّهم هذا من العبر
ما ينفع الرّجس من قرب الزكىّ ولا ... على الزّكىّ بقرب الرّجس من ضرر
ولم يكن الرشيد رجسا كما يقول، فقد كان طهرا، إذ كان يحج سنة ويغزو سنة على نحو ما هو معروف فى تاريخه، وقد أنزل بالروم هزائم ساحقة، وليس ذلك فحسب، فإن له يدا على دعبل إذ استقدمه من موطنه وفرض له راتبا سنيّا كما مرّ بنا، ولكن كأنما ينطوى دعبل على جحود غريب، حتى ليطعن كل من قدم له صنيعا. وله شعر شيعى كثير، وقد أكثر فيه من الحديث عن فضائل على بن أبى طالب، كما أكثر فيه من بكاء الحسين ورثائه بمثل قوله:
رأس ابن بنت محمد ووصيّه ... يا للرّجال على قناة يرفع
والمسلمون بمنظر وبمسمع ... لا جازع من ذا ولا متخشّع
وهو يبدو فى شعره الشيعى إماميّا وقد تشكك أبو العلاء فى تشيعه، فقال إنه لم يكن صادقا فيه وإنه إنما كان يريد التكسب به (١)، ولعله محق فى تشككه، لأن مثل دعبل المنطوى على كره الناس لا يمكن أن يخلص لآل البيت، إلا أن يكون وراء ذلك باعث يدفعه لأن يقول ما لا يعتقده، وكأن أموال «قم» هى التى دفعته لما كان ينظم من أشعار شيعية، كما دفعته إلى هجاء الرشيد وغيره من الخلفاء،
стр. 1224
ويقال إن المأمون كان إذا سمع هجاءه فيه أو فى بعض وزرائه ضحك، وكان ذلك يدفعه إلى التمادى حتى ليقول له مهددا وكأنه يهدده بلسان أهل قم:
إنى من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرّفتك بمقعد
وهو يشير إلى أن طاهر بن الحسين قائد المأمون وقاتل أخيه الأمين من موالى قبيلته خزاعة. على أن هذا الولاء الطاهر لم ينفعه عنده، فقد رماه بسهم لاذع من سهام هجائه التى كان ما ينى يرسلها على جميع من حوله، وكان طاهر أعور، ويلقب بذى اليمينين، فقال:
وذى يمينين وعين واحده ... نقصان عين ويمين زائده
وولىّ وجهه نحو صديقه القديم مسلم بن الوليد، وكان الحسن بن سهل ولاّه يريد جرجان، فجفاه ولم يلقه، وأثّر ذلك فى نفس دعبل، غير أنه لم يعمد إلى هجائه، خوفا من لسانه، وقد مر بنا كيف كان مسلم يقذع فى هجائه وكيف كان يريشه سهاما مصمية، وكأنما خشى دعبل معرة هجائه إن هو عرض له بالهجاء، فعاتبه عتابا رقيقا بأبياته المعروفة:
أبا مخلد كنّا عقيدى مودّة ... هوانا وقلبانا جميعا معا معا
غششت الهوى حتى تداعت أصوله ... بنا وابتذلت الوصل حتى تقطّعا
فلا تعذلنّى ليس لى فيك مطمع ... تخّرقت حتى لم أجد لك مرقعا
فهبك يمينى استأكلت فقطعتها ... وجشّمت قلبى صبرة فتشجّعا
ويقال إنه قصد عبد الله بن طاهر فى ولايته لخراسان (٢١٤ - ٢٣٠ هـ) فكان يصله فى الشهر بمائة وخمسين ألف درهم، ومع ذلك لم يسلم من لسانه.
ولعله لم يتعرض لخليفة بالهجاء كما تعرض للمعتصم، فقد صبّ عليه شواظا ملتهبا من أهاجيه كقوله:
ملوك بنى العباس فى الكتب سبعة ... ولم تأتنا عن ثامن لهم الكتب
كذلك أهل الكهف فى الكهف سبعة ... كرام إذا عدّوا وثامنهم كلب
стр. 1225
وظل يرميه بسهام هجائه حتى توفى، وخلفه ابنه الواثق، فأسرع يطلق لسانه فيه، جامعا فى هجائه بينه وبين أبيه بمثل قوله:
خليفة مات لم يحزن له أحد ... وآخر قام لم يفرح به أحد
وروى الرواة له فى المتوكل بيتا مقذعا واحدا، وفيه يهجوه باستيلاء مواليه من الجند الأتراك على الحكم حتى أصبح كأنه لعبة فى أيديهم، بل أصبح لهم عبدا، يقول:
ولست بقائل قذعا ولكن ... لأمر مّا تعبّدك العبيد
ولم يقف عند هجاء الأفراد، فقد استعاد هجاء العصبيات القديم، وكانت قصيدة الكميت الشيعى فى هجاء أصوله القحطانيين تؤذيه فعمد إلى نقضها بقصيدة نونية أودعها مثالب القبائل العدنانية. ولو أنه كان مخلصا فى تشيعه حقّا لأعلى صلة التشيع بينه وبين الكميت على العصبية القبلية، وخاصة أن الكميت كان قد مات منذ زمن بعيد. وأثار ذلك أبو سعد المخزومى فاندلعت بينهما معركة هجاء عنيفة. والحق أن الهجاء كان طبعا ركّب فى نفسه حتى لنراه يهجو بجانب كل من أسدى إليه صنيعة زوجته وأخاه رزينا وأهل مدينة «قم» بل الناس جميعا، يقول:
ما أكثر الناس، لا، بل ما أقلّهم ... والله يعلم أنى لم أقل فندا
إنى لأفتح عينى حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا
وممن هجاهم فأقذع فى هجائه مالك بن طوق التغلبى ممدوح أبى تمام، ويقال إنه وجد عليه موجدة شديدة جعلته يرسل له من اغتاله فى بعض قرى الأهواز.
واختلف الرواة فى سنة وفاته، فمنهم من جعلها فى عهد المعتصم ومنهم من تأخر بها الى سنة ٢٤٦ للهجرة. وأكبر الظن أنه لم يتأخر إلى هذا التاريخ وأنه توفى لأوائل عهد المتوكل عقب هدمه لقبور الحسين والعلويين سنة ٢٣٥.
ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور شاعريته، فقد كان شديد العناية بصياغته وكان لا يزال يغوص على المعانى الدقيقة، ومن حين إلى حين يوشى شعره بزخرف البديع، وله أبيات كثيرة دارت على الألسنة من مثل قوله:
стр. 1226
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم فى المنزل الخشن
وهو أحد من برعوا لعصره فى علم الشعر ونقده، مما جعله يؤلف فى أخبار الشعراء كتابا نفيسا طالما استقى منه القدماء فى كتاباتهم.
ديك (١) الجن
هو عبد السلام بن رغبان، اشتهر بلقبه ديك الجن ، وهو من سلالة شخص يسمى تميما من أهل مؤتة بالشام أنعم الله عليه بالإسلام على يد مولاه حبيب بن مسلمة الفهرى صاحب معاوية. ويقول الجهشيارى إن جدّ ديك الجن حبيب ابن عبد الله كان يتقلد ديوان الإعطاء لأبى جعفر المنصور. وولد ديك الجن لأبيه بحمص سنة ١٦١ للهجرة، ويقول أبو الفرج «إنه لم يبرح نواحى الشام ولا وفد إلى العراق ولا إلى غيره منتجعا بشعره ولا متصديا لأحد، وكان يتشيع تشيعا حسنا، وله مراث كثيرة فى الحسين بن على منها قصيدته:
يا عين لا للغضا ولا الكثب ... بكا الرّزايا سوى بكا الطّرب
وهى مشهورة عند الخاص والعام ويناح بها، وله عدة أشعار فى هذا المعنى.
ويقول أبو الفرج أيضا إنه كان يكثر المقام عند أحمد بن على الهاشمى وأخيه جعفر فى سلمية (من أعمال حمص) وكان يمدحهما كثيرا، وقد برّح به الحزن حين توفى أحمد وأبنّه فى قصيدة طويلة معزّيا بها أخاه جعفرا، وقيل بل معزيا له عن زوجته، وهى تصور غلوه فى التشيع إذ نراه يتمثله وكأنه إمام كبير من أئمة الشيعة، ومن ثمّ يخلع عليه بعض صفاتهم القدسية فى رأى شيعتهم من مثل قوله:
نحن نعزّيك ومنك الهدى ... مستخرج والنور مستقبل
نقول بالعقل وأنت الذى ... تأوى إليه وبه نعقل
стр. 1227
وأنت علاّم غيوب النّثا ... يوما إذا نسأل أو نسأل (١)
نحن فداء لك من أمّة ... والأرض والآخر والأوّل
فهو يجعله مصدر الهدى والنور ومعقل العقل وعلام الغيوب، وكأنه يرى فيه ما يراه الشيعة الغالون فى أئمتهم. ولم يلبث جعفر أن توفى فبكاه بكاء حارّا.
وكان يضمّ إلى هذا التشيع شعوبية شديدة على العرب وعكوفا على اللذات وشكوكا فى الدين، حتى ليبدو أحيانا شاكّا فى البعث والنشور. ولم يبق من شعوبيته إلا آثار قليلة، كقوله فى شعر له يخاطب به بعض أجواد العرب:
إن كان عرفك مذخورا لذى نسب ... فاضمم يديك فإنى لست بالعربى (٢)
إنى امرؤ بازل فى ذروتى شرف ... لقيصر ولكسرى محتدى وأبى (٣)
أما لهوه وعكوفه على الخمر فواضحان فى أشعاره، ويقال إنه كان له ابن عم فيه تقوى، فكان لا يزال ينهاه، وهو لا يرعوى ولا يزدجر، ومن طريف نعته للخمر وساقيتها قوله:
تسقيك كأس مدامة من كفّها ... ورديّة ومدامة من ثغرها
وقد ضاع أكثر شعره، ولم يبق منه إلا أطراف قليلة، وإلا ما دار حول قصته مع زوجته «ورد» وكانت نصرانية من أهل بلدته، فشغف بها حبّا، وأكثر فيها من غزله، وبادلته حبّا بحب، وأسلمت واقترنت به، وعاشا مدة هانئين، وهو سادر فى مجونه وغوايته. وكان ذلك-فيما يقال-يؤذى ابن عمه، فرأى أن يعكر عليه صفو حياته، وسولت له نفسه أن يرصد له فى إحدى أوباته من سلمية من يرمى عنده زوجته بالسوء، ولا ندرى كيف صدّق ذلك، وقد مضى قالة السوء يزيدون فى وهمه، حتى سارع يضربها بسيفه، فقضت نحبها، ثم عرف براءتها فعاش يبكيها ويندبها، ندب قلب مزّقه الألم والندم، بمثل قوله:
روّيت من دمها الثّرى ولطالما ... روّى الهوى شفتىّ من شفتيها
стр. 1228
وقوله:
كنت زين الأحياء إذ كنت فيهم ... ثم قد صرت زين أهل القبور
وقوله:
قمر أنا استخرجته من دجنه ... لبليّتى وجلوته من خدره
عهدى به ميتا كأحسن نائم ... والحزن يسفح عبرتى فى نحره
وكان يتعلّق غلاما وينظم فيه بعض أشعاره، فجمعت الكتب المتأخرة بين الزوجة والغلام، وجعلته مصدر شكه واتهامه، ثم توسعت فى القصة، فجعلته يراهما فجأة فى بعض الأيام متعانقين تحت إزار واحد، فقتلهما وأحرق جسديهما وصنع من رماد كل منهما كوزا يحتسى به الخمر، وتزعم القصة أنه كان إذا أخذ فى الشرب تناول هذا تارة وذاك تارة ثانية، مقبّلا لهما، ثم أخذ يصبّ الخمر وهو يصبّ دموعه منشدا مراثيه فيهما وقلبه يتقطع حزنا وكمدا.
وواضح مما أنشدناه له أنه كان يعنى بشعره ويروّى فيه، ويقول أبو الفرج إنه يذهب مذهب الشاميين فى أشعاره، وكأنه يريد أن يقرنه بأبى تمام والبحترى ومن كانوا يعنون فى شعرهم بالبديع. وليس من شك فى أن أروع أشعاره ما نظمه فى بكاء صاحبته، متفجعا متحسرا نادما كما لم يندم أحد، وما زال يردّد ذلك حتى توفّى سنة ٢٣٥ للهجرة.
٣ - شعراء البرامكة
مرّ بنا فى الفصل الأول أن البرامكة يتحدرون من أسرة كانت تضطلع بسدانة معبد النوبهار البوذى فى بلخ، وقد تألق اسم خالد بن برمك فى قيادته لبعض الجيوش الخراسانية التى قوّضت حكم بنى أمية. ونرى السفاح يتخذه وزيرا له ويقيمه على بعض الدواوين، كما نرى المنصور وابنه المهدى يقربانه منهما ويوليّانه الولايات والأعمال الجليلة. . وما زال عندهما فى حظوة حتى توفّى سنة ١٦٦ الهجرة. وعرف
стр. 1229
المنصور فضل ابنه يحيى، فولاه ولايات مختلفة فى إيران وأذربيجان. ويظهر أن علاقة وثيقة مبكرة انعقدت بين زوجة يحيى والخيزران زوجة المهدى، فإن زوجة يحيى حين ولدت ابنها الفضل فى ذى الحجة لسنة ١٤٧ وولدت الخيزران ابنها الرشيد فى شهر المحرم التالى أرضعت كل منهما ابن صاحبتها، فكانا أخوين فى الرضاع. ولا تكاد توافى السنة الثالثة من خلافة المهدى أى سنة ١٦١ حتى يتخذ يحيى مؤدّبا لابنه الرشيد، ويصبح منذ سنة ١٦٣ القيم على ديوان رسائله، فكان يلزمه ويدبر شئونه، حتى إذا توفى المهدى وخلفه الهادى وفكر فى تنحية الرشيد عن ولاية العهد عرف كيف يصرفه عن عزمه، فعظمت منزلته عند صاحبه، وتطورت الأمور سريعا، فتوفى الهادى وخلفه الرشيد لسنة ١٧٠ فاتخذ يحيى وزيرا له، وأطلق يده فى جميع شئون الدولة وسلّمه خاتم الخلافة، فأصبح كأنه الحاكم الحقيقى، وقد أقام ابنه الفضل على المشرق كله من النهروان إلى بلاد الترك وأقام ابنه جعفرا على المغرب كله من الأنبار إلى أقاصى إفريقية.
وكان يحيى عاقلا حصيفا يحسن السياسة وتدبير الحكم والنهوض بشئون الثقافة، فمضى كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع يصبغ نظم الدولة السياسية والإدارية بالصبغة الساسانية كما مضى يعنى بشئون الطب والترجمة، فأنشأ المارستان واستدعى له غير طبيب من الهنود وغيرهم، وشجع على الترجمة لكنوز الثقافات الهندية واليونانية والفارسية، وبعث نهضة فكرية واسعة. وفتح أبوابه للشعراء والمغنين وأسبغ عليهم هو وابناه الفضل وجعفر العطايا الجزيلة، حتى لتروى فى ذلك روايات تشبه الأقاصيص، وهى تدل على أنهم كانوا بحورا فياضة وغيوثا منهلّة. جود سيال توارثوه عن أبيهم خالد ممدوح بشار، وهو جود جعل صلاتهم لا تنقطع عن الشعراء، فإذا كثيرون منهم ينقطعون لهم، وإذا هم يشركون الرشيد فى جميع شعرائه، وقلما وجد شاعر لعصرهم فى بغداد إلا ودبّج فيهم بعض مدائحه، ومرت بنا أطراف من ذلك عند سلم الخاسر ومروان بن أبى حفصة ومسلم بن الوليد، وممن كان يختص بهم نصيب الأصغر، وله فى يحيى كلمة طارت أبياتها فى الآفاق من مثل قوله (١):
عند الملوك مضرّة ومنافع ... وأرى البرامك لا تضرّ، وتنفع
стр. 1230
وكان ابن مناذر كثير المديح ليحيى، وله فيه قصيدة كانت فاكهة أهل الأدب لجودة ألفاظها ومعانيها، وفيها يقول مشيدا به وبابنيه الفضل وجعفر (١):
أتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فياطيب أخبار ويا حسن منظر
لهم رحلة فى كل عام إلى العدا ... وأخرى إلى البيت العتيق المستّر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلا لجود أكفّهم ... وأقدامهم إلا لأعواد منبر
إذا رام يحيى الأمر ذلّت صعابه ... وناهيك من داع له ومدبّر
وممن لهج بمديح يحيى وابنيه أبو قابوس الحيرى النصرانى، وفى يحيى يقول مصورا برّه وجوده ووفاءه بوعوده وعهوده (٢):
رأيت يحيى أتمّ الله نعمته ... عليه يأتى الذى لم يأته أحد
ينسى الذى كان من معروفه أبدا ... إلى الرجال ولا ينسى الذى يعد
وكان الأصمعى يألف جعفر بن يحيى ويخصّ به، وله فيه مدائح كثيرة وتقريظ وتفضيل، ومن طريف ما له فيه (٣):
إذا قيل: من للنّدى والعلا ... من الناس قيل الفتى جعفر
وما إن مدحت فتى قبله ... ولكن بنو برمك جوهر
وفيه تقول عنان جارية الناطفى (٤):
بديهته وفكرته سواء ... إذا التبست على الناس الأمور
وكان أخوه الفضل أكثر منه جودا وأندى راحة، فتكاثر الشعراء على بابه، وتكاثرت مدائحهم فيه، وصوّر ذلك بعض الشعراء فقال (٥):
ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... ترك الناس كلّهم شعراء