إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم فى المنزل الخشن
وهو أحد من برعوا لعصره فى علم الشعر ونقده، مما جعله يؤلف فى أخبار الشعراء كتابا نفيسا طالما استقى منه القدماء فى كتاباتهم.
ديك (١) الجن
هو عبد السلام بن رغبان، اشتهر بلقبه ديك الجن ، وهو من سلالة شخص يسمى تميما من أهل مؤتة بالشام أنعم الله عليه بالإسلام على يد مولاه حبيب بن مسلمة الفهرى صاحب معاوية. ويقول الجهشيارى إن جدّ ديك الجن حبيب ابن عبد الله كان يتقلد ديوان الإعطاء لأبى جعفر المنصور. وولد ديك الجن لأبيه بحمص سنة ١٦١ للهجرة، ويقول أبو الفرج «إنه لم يبرح نواحى الشام ولا وفد إلى العراق ولا إلى غيره منتجعا بشعره ولا متصديا لأحد، وكان يتشيع تشيعا حسنا، وله مراث كثيرة فى الحسين بن على منها قصيدته:
يا عين لا للغضا ولا الكثب ... بكا الرّزايا سوى بكا الطّرب
وهى مشهورة عند الخاص والعام ويناح بها، وله عدة أشعار فى هذا المعنى.
ويقول أبو الفرج أيضا إنه كان يكثر المقام عند أحمد بن على الهاشمى وأخيه جعفر فى سلمية (من أعمال حمص) وكان يمدحهما كثيرا، وقد برّح به الحزن حين توفى أحمد وأبنّه فى قصيدة طويلة معزّيا بها أخاه جعفرا، وقيل بل معزيا له عن زوجته، وهى تصور غلوه فى التشيع إذ نراه يتمثله وكأنه إمام كبير من أئمة الشيعة، ومن ثمّ يخلع عليه بعض صفاتهم القدسية فى رأى شيعتهم من مثل قوله:
نحن نعزّيك ومنك الهدى ... مستخرج والنور مستقبل
نقول بالعقل وأنت الذى ... تأوى إليه وبه نعقل
стр. 1227
وأنت علاّم غيوب النّثا ... يوما إذا نسأل أو نسأل (١)
نحن فداء لك من أمّة ... والأرض والآخر والأوّل
فهو يجعله مصدر الهدى والنور ومعقل العقل وعلام الغيوب، وكأنه يرى فيه ما يراه الشيعة الغالون فى أئمتهم. ولم يلبث جعفر أن توفى فبكاه بكاء حارّا.
وكان يضمّ إلى هذا التشيع شعوبية شديدة على العرب وعكوفا على اللذات وشكوكا فى الدين، حتى ليبدو أحيانا شاكّا فى البعث والنشور. ولم يبق من شعوبيته إلا آثار قليلة، كقوله فى شعر له يخاطب به بعض أجواد العرب:
إن كان عرفك مذخورا لذى نسب ... فاضمم يديك فإنى لست بالعربى (٢)
إنى امرؤ بازل فى ذروتى شرف ... لقيصر ولكسرى محتدى وأبى (٣)
أما لهوه وعكوفه على الخمر فواضحان فى أشعاره، ويقال إنه كان له ابن عم فيه تقوى، فكان لا يزال ينهاه، وهو لا يرعوى ولا يزدجر، ومن طريف نعته للخمر وساقيتها قوله:
تسقيك كأس مدامة من كفّها ... ورديّة ومدامة من ثغرها
وقد ضاع أكثر شعره، ولم يبق منه إلا أطراف قليلة، وإلا ما دار حول قصته مع زوجته «ورد» وكانت نصرانية من أهل بلدته، فشغف بها حبّا، وأكثر فيها من غزله، وبادلته حبّا بحب، وأسلمت واقترنت به، وعاشا مدة هانئين، وهو سادر فى مجونه وغوايته. وكان ذلك-فيما يقال-يؤذى ابن عمه، فرأى أن يعكر عليه صفو حياته، وسولت له نفسه أن يرصد له فى إحدى أوباته من سلمية من يرمى عنده زوجته بالسوء، ولا ندرى كيف صدّق ذلك، وقد مضى قالة السوء يزيدون فى وهمه، حتى سارع يضربها بسيفه، فقضت نحبها، ثم عرف براءتها فعاش يبكيها ويندبها، ندب قلب مزّقه الألم والندم، بمثل قوله:
روّيت من دمها الثّرى ولطالما ... روّى الهوى شفتىّ من شفتيها
стр. 1228
وقوله:
كنت زين الأحياء إذ كنت فيهم ... ثم قد صرت زين أهل القبور
وقوله:
قمر أنا استخرجته من دجنه ... لبليّتى وجلوته من خدره
عهدى به ميتا كأحسن نائم ... والحزن يسفح عبرتى فى نحره
وكان يتعلّق غلاما وينظم فيه بعض أشعاره، فجمعت الكتب المتأخرة بين الزوجة والغلام، وجعلته مصدر شكه واتهامه، ثم توسعت فى القصة، فجعلته يراهما فجأة فى بعض الأيام متعانقين تحت إزار واحد، فقتلهما وأحرق جسديهما وصنع من رماد كل منهما كوزا يحتسى به الخمر، وتزعم القصة أنه كان إذا أخذ فى الشرب تناول هذا تارة وذاك تارة ثانية، مقبّلا لهما، ثم أخذ يصبّ الخمر وهو يصبّ دموعه منشدا مراثيه فيهما وقلبه يتقطع حزنا وكمدا.
وواضح مما أنشدناه له أنه كان يعنى بشعره ويروّى فيه، ويقول أبو الفرج إنه يذهب مذهب الشاميين فى أشعاره، وكأنه يريد أن يقرنه بأبى تمام والبحترى ومن كانوا يعنون فى شعرهم بالبديع. وليس من شك فى أن أروع أشعاره ما نظمه فى بكاء صاحبته، متفجعا متحسرا نادما كما لم يندم أحد، وما زال يردّد ذلك حتى توفّى سنة ٢٣٥ للهجرة.
٣ - شعراء البرامكة
مرّ بنا فى الفصل الأول أن البرامكة يتحدرون من أسرة كانت تضطلع بسدانة معبد النوبهار البوذى فى بلخ، وقد تألق اسم خالد بن برمك فى قيادته لبعض الجيوش الخراسانية التى قوّضت حكم بنى أمية. ونرى السفاح يتخذه وزيرا له ويقيمه على بعض الدواوين، كما نرى المنصور وابنه المهدى يقربانه منهما ويوليّانه الولايات والأعمال الجليلة. . وما زال عندهما فى حظوة حتى توفّى سنة ١٦٦ الهجرة. وعرف
стр. 1229
المنصور فضل ابنه يحيى، فولاه ولايات مختلفة فى إيران وأذربيجان. ويظهر أن علاقة وثيقة مبكرة انعقدت بين زوجة يحيى والخيزران زوجة المهدى، فإن زوجة يحيى حين ولدت ابنها الفضل فى ذى الحجة لسنة ١٤٧ وولدت الخيزران ابنها الرشيد فى شهر المحرم التالى أرضعت كل منهما ابن صاحبتها، فكانا أخوين فى الرضاع. ولا تكاد توافى السنة الثالثة من خلافة المهدى أى سنة ١٦١ حتى يتخذ يحيى مؤدّبا لابنه الرشيد، ويصبح منذ سنة ١٦٣ القيم على ديوان رسائله، فكان يلزمه ويدبر شئونه، حتى إذا توفى المهدى وخلفه الهادى وفكر فى تنحية الرشيد عن ولاية العهد عرف كيف يصرفه عن عزمه، فعظمت منزلته عند صاحبه، وتطورت الأمور سريعا، فتوفى الهادى وخلفه الرشيد لسنة ١٧٠ فاتخذ يحيى وزيرا له، وأطلق يده فى جميع شئون الدولة وسلّمه خاتم الخلافة، فأصبح كأنه الحاكم الحقيقى، وقد أقام ابنه الفضل على المشرق كله من النهروان إلى بلاد الترك وأقام ابنه جعفرا على المغرب كله من الأنبار إلى أقاصى إفريقية.
وكان يحيى عاقلا حصيفا يحسن السياسة وتدبير الحكم والنهوض بشئون الثقافة، فمضى كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع يصبغ نظم الدولة السياسية والإدارية بالصبغة الساسانية كما مضى يعنى بشئون الطب والترجمة، فأنشأ المارستان واستدعى له غير طبيب من الهنود وغيرهم، وشجع على الترجمة لكنوز الثقافات الهندية واليونانية والفارسية، وبعث نهضة فكرية واسعة. وفتح أبوابه للشعراء والمغنين وأسبغ عليهم هو وابناه الفضل وجعفر العطايا الجزيلة، حتى لتروى فى ذلك روايات تشبه الأقاصيص، وهى تدل على أنهم كانوا بحورا فياضة وغيوثا منهلّة. جود سيال توارثوه عن أبيهم خالد ممدوح بشار، وهو جود جعل صلاتهم لا تنقطع عن الشعراء، فإذا كثيرون منهم ينقطعون لهم، وإذا هم يشركون الرشيد فى جميع شعرائه، وقلما وجد شاعر لعصرهم فى بغداد إلا ودبّج فيهم بعض مدائحه، ومرت بنا أطراف من ذلك عند سلم الخاسر ومروان بن أبى حفصة ومسلم بن الوليد، وممن كان يختص بهم نصيب الأصغر، وله فى يحيى كلمة طارت أبياتها فى الآفاق من مثل قوله (١):
عند الملوك مضرّة ومنافع ... وأرى البرامك لا تضرّ، وتنفع
стр. 1230
وكان ابن مناذر كثير المديح ليحيى، وله فيه قصيدة كانت فاكهة أهل الأدب لجودة ألفاظها ومعانيها، وفيها يقول مشيدا به وبابنيه الفضل وجعفر (١):
أتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فياطيب أخبار ويا حسن منظر
لهم رحلة فى كل عام إلى العدا ... وأخرى إلى البيت العتيق المستّر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلا لجود أكفّهم ... وأقدامهم إلا لأعواد منبر
إذا رام يحيى الأمر ذلّت صعابه ... وناهيك من داع له ومدبّر
وممن لهج بمديح يحيى وابنيه أبو قابوس الحيرى النصرانى، وفى يحيى يقول مصورا برّه وجوده ووفاءه بوعوده وعهوده (٢):
رأيت يحيى أتمّ الله نعمته ... عليه يأتى الذى لم يأته أحد
ينسى الذى كان من معروفه أبدا ... إلى الرجال ولا ينسى الذى يعد
وكان الأصمعى يألف جعفر بن يحيى ويخصّ به، وله فيه مدائح كثيرة وتقريظ وتفضيل، ومن طريف ما له فيه (٣):
إذا قيل: من للنّدى والعلا ... من الناس قيل الفتى جعفر
وما إن مدحت فتى قبله ... ولكن بنو برمك جوهر
وفيه تقول عنان جارية الناطفى (٤):
بديهته وفكرته سواء ... إذا التبست على الناس الأمور
وكان أخوه الفضل أكثر منه جودا وأندى راحة، فتكاثر الشعراء على بابه، وتكاثرت مدائحهم فيه، وصوّر ذلك بعض الشعراء فقال (٥):
ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... ترك الناس كلّهم شعراء
стр. 1231
علّم المفحمين أن ينظموا الأش ... عار منّا والباحلين السّخاء
وممن أكثر من مديحه نصيب الأصغر وفيه يقول واصفا جوده الغدق (١):
جاد الربيع الذى كنّا نؤمّله ... فكلّنا بربيع الفضل مرتبع
وفيه يقول سعيد بن وهب (٢):
مدح الفضل نفسه بالفعال ... فعلا عن مديحنا بالمقال
ويقول إسحق الموصلى من أبيات فيه عمل فيها لحنا وغنّاه بها، فطرب طربا شديدا (٣):
لو كان بينى وبين الفضل معرفة ... فضل بن يحيى لأعدانى على الزّمن
هو الفتى الماجد الميمون طائره ... والمشترى الحمد بالغالى من الثمن
وكان أخوه جعفر يجفو أبا نواس فصبّ عليه شواظا من هجائه، أما هو فأدناه منه وعظم نائله إليه، مما جعله يلهج بالثناء عليه، وفيه يقول (٤):
أوحده الله فما مثله ... لطالب ذاك ولا ناشد
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد
وممن كان ينقطع إليه أبو النّضير أحد الشعراء المغنين، وفيه وفى آله يقول (٥):
إذا كنت من بغداد منقطع النّدى ... وجدت نسيم الجود من آل برمك
وما زال الشعراء يتناشدون مدائح الفضل وأخيه وأبيه منذ أسلم الرشيد يحيى مقاليد الخلافة فى سنة ١٧٠ حتى أول صفر سنة ١٨٧ إذ نكبهم الرشيد نكبته المشهورة آمرا بقتل جعفر وصلب أجزاء جسده وحبس أبيه وأخيه، وظلا فى الحبس إلى أن ماتا، أما يحيى فمات فى سنة ١٩٠ ومات الفضل فى سنة ١٩٢.
وكان طبيعيّا أن يبكيهم الشعراء وأن يذرفوا عليهم الدموع مدرارا، لما أغدقوا عليهم من النعم والصلات السنية، ومن طرائف مراثيهم قول منصور النمرى (٦):
стр. 1232
أيدى بنى برمك لدينا ... تبكى عليهم بكلّ واد
كانت بهم برهة عروسا ... فأضحت الأرض فى حداد
وكان الفضل بن عبد الصمد الرّقاشى منقطعا إليهم، وطالما نوّهوا باسمه وأجزلوا فى عطائه، فلما صلب جسد جعفر على الجسر اجتاز به وهو على الجذع فوقف يبكى أحرّ بكاء، ثم أنشأ يقول (١):
أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام
وما أبصرت قبلك يا بن يحيى ... حساما حتفه السيف الحسام
على اللذات والدنيا جميعا ... ودولة آل برمك السلام
وأخذ يتحسر عليهم ويتفجع فى مراث كثيرة، ونحن نقف قليلا عند شاعرين من أهم شعرائهما: أبان بن عبد الحميد اللاحقى وأشجع بن عمرو السّلمىّ.
أبان (٢) بن عبد الحميد (٣) اللاحقى
من موالى البصرة، وبها منشؤه ومرباه، وقد تفتحت شاعريته مبكرة وأخذ يتجه بها نحو الهجاء، وسرعان ما اصطدم بالمعذّل بن غيلان، واستطار بينهما الشّرّ، ونرى المعذّل فى هجائه يتهمه بأنه مانوى (٤) زنديق، وهى تهمة ظلت عالقة به، مما يدلّ على أن لها أساسا فى حياته، وسنرى الجاحظ لا ينفيها عنه، بل يثبتها متعجبا، ويظهر أنه كان يضم إلى هذه الزندقة شيئا من العكوف على اللهو والمجون شأن أخدانه من الشعراء. وممن هجاهم أيضا فى باكورة حياته بعض
стр. 1233
قضاة البصرة، ومن طريف ما يروى من هجائه أنه كان فى جواره بالبصرة رجل من ثقيف يقال له محمد بن خالد كان شديد العداوة له، فتزوج ثقفية يقال لها عمّارة بنت عبد الرحمن، كانت موفورة الثراء، فقال أبان يهجوها ويحذرها منه:
لما رأيت البزّ والشّاره ... والفرش قد ضاقت به الحاره
واللّوز والسّكّر يرمى به ... من فوق ذى الدار وذى الداره
وأحضروا الملهين لم يتركوا ... طبلا ولا صاحب زمّاره
قلت لماذا؟ قيل أعجوبة ... محمد زوّج عمّاره
لا عمّر الله بها بيته ... ولا رأته مدركا ثاره
ماذا رأت فيه؟ وماذا رجت؟ ... وهى من النسوان مختاره
أسود كالسّفّود ينسى لدى التّ ... نّور بل محراك قيّاره
يجرى على أولاده خمسة ... أرغفة كالرّيش طيّاره
وأهله-فى الأرض من خوفه ... إن أفرطوا فى الأكل-سيّاره
وما كادت عمارة تسمع هذا الهجاء حتى فرّت على وجهها، وهو هجاء يدل على ما وراءه من ظرف. ولا يكاد يظلّ الناس عصر الرشيد والبرامكة الأجواد حتى نراه يهاجر من موطنه إلى بغداد، متجها توّا إلى الفضل (١). يحيى، ومدبجا فيه قصيدة طويلة صوّر فيها نفسه مثالا للنديم وأوصافه التى كانت تشترط لهذا العصر فى الندماء، يقول:
أنا من بغية الأمير وكنز ... من كنوز الأمير ذو أرباح
كاتب حاسب أديب خطيب ... ناصح راجح على النّصّاح
شاعر مفلق أخفّ من الري ... شة مما تكون تحت الجناح
وظريف الحديث من كلّ فنّ ... وبصير بترّهات الملاح
كم وكم قد خبأت عندى حديثا ... هو عند الملوك كالتّفّاح
стр. 1234
ومضى فى القصيدة يصف أخذه من كل علم بطرف وبصره بالصيد وشئونه وأنه ليس قصيرا ولا مفرط الطول، مع صباحة الوجه ولطافة المزاج. فوصله الفضل وخفّ على نفسه ونفس أبيه يحيى وأخيه جعفر، وقرب من قلوبهم جميعا حتى صار صاحبهم وحظيّهم. وقد نوّه بالفضل طويلا حين قضى على ثورة يحيى ابن عبد الله العلوى بالديلم لسنة ١٧٥ للهجرة وجاء به إلى بغداد، وكان قد طلب الصلح حقنا للدماء، وفى ذلك يقول أبان مخاطبا الرشيد:
هنيئا أمير المؤمنين لك الظّفر ... فقد تمّت النّعمى وقد ساعد القدر
أتاك بيحيى الفضل سلما يقوده ... مقرّا ولولا يمن جدّك ما أقرّ
ويظهر أنه كان يتشيع للعلويين تشيعا يستره ولا يظهره، ففى أخباره أنه عتب على البرامكة أنهم لا يصلونه بالرشيد، ذاكرا لهم أمنيته فى أن يحظى من جوائزه السنية ما يحظى به مروان بن أبى حفصة، فقالوا له إنه إنما يحظى بتلك الجوائز لدفاعه عن حق البيت العباسى فى الخلافة ورده على العلويين ردّا عنيفا، فاسلك طريقه إن شئت، فقال: لا أستحلّ ذلك. ثم حليت فى عينه صلات الرشيد، فراجع نفسه ونظم فيه مدحة طويلة يقول فى تضاعيفها:
نشدت بحقّ الله من كان مسلما ... أعمّ بما قد قلته العحم والعرب
أعمّ رسول الله أقرب زلفة ... لديه أم ابن العمّ فى رتبة النّسب
وأيهما أولى به وبعهده ... ومن ذا له حقّ التراث بما وجب؟
فإن كان عباس أحقّ بتلكم ... وكان علىّ بعد ذاك على سبب
فأبناء عباس هم يرثونه ... كما العمّ لابن العمّ فى الإرث قد حجب
ولم يكد يفرغ من إنشاد القصيدة بين يدى الرشيد حتى أمر له بعشرين ألف درهم واتصل مدحه به. وبلغ من عظم قدره عند يحيى بن خالد أن قلّده ديوان الشعر فكان الشعراء يرفعون إليه أشعاره فى البرامكة، فيسقط منها ما يرى إسقاطه ويعرض ما يرى أنه خليق بالعرض، مميزا بينهم مقدرا لكل منهم المكافأة التى يستحقها جزاء إحسانه. وحدث أن تقدم إليه أبو نواس بقصيدة مع طائفة
стр. 1235
من الشعراء، فأمر له بدرهم ناقص، وفى رواية أنه أسقط قصيدته، فاغتاظ غيظا شديدا، وهجاه وتبادلا الهجاء طويلا. ويقال إن الهجاء بينهما إنما اندلعت تارة لأن يحيى بن خالد كان قد تقدّم إلى أبى نواس بنظم كليلة ودمنة فزيّن له أبان أن يستعفى يحيى من النهوض بهذا العمل المضنى، ثم حبس نفسه فى بيته لا يخرج منه حتى فرغ من نقلها إلى الشعر فى أربعة أشهر بالغا بها أربعة (١) عشر ألف بيت. وحمل نقله إلى يحيى بن خالد، فأعطاه عليه مائة ألف درهم، وفى رواية أنه أعطاه عليه عشرة آلاف دينار وأعطاه الفضل خمسة آلاف. فحزن أبو نواس ووجد عليه وجدا شديدا، وأخذ يقتصّ منه بهجاء مرير، وردّ عليه أبان، فاشتعلت بينهما معركة هجاء عنيفة، كان أبو نواس دائما هو الذى يكثر فيها من السهام المسمومة.
وقد أتاه كثيرا من ثغرة زندقته، وروى له الجاحظ فى حيوانه هجائية من هذا اللون، وهو يتهمه فيها بأنه مانوى وأنه يتشبه بمطيع بن إياس ووالبة وحماد عجرد وغيرهم من المجان، ولا ينفى الجاحظ تهمة الزندقة عن أبان غير أنه ينفى أن يوضع مع مطيع وأمثاله فى كفة واحدة، يقول: «ولقد كان أبان وهو سكران أصحّ عقلا من هؤلاء وهم صحاة». ويقول ابن المعتز موازنا بينه وبين أبى نواس: «كان فى جميع أحواله أرفع طبقة من أبى نواس، وقد هجاه أبو نواس بشعر كثير فما سار له فيه شئ على شهرة شعره، ولم يقل فى أبى نواس غير ثلاثة أبيات، وقد سارت فى الدنيا، وهى هذه:
أبو نواس بن هانى ... وأمّه جلّبان (٢)
والناس أفطن شئ ... إلى حروف المعانى
إن زدت بيتا على ذى ... ما عشت فاقطع لسانى
وهى أبيات لاذعة. ويروى الرواة أنه كان له جار يعاديه، فاعتلّ علة طويلة، وأرجف أبان بموته، ثم صحّ من علته، وخرج فجلس على بابه، وإذا أبان ينشده أهجية، فلم يلبث أن أرعد منها واضطرب، ودخل منزله فما خرج منه حتى
стр. 1236
مات. وكان يحسن الرثاء، ومرثيته التى رواها الصولى فى سوار بن عبد الله قاضى البصرة من أجود المراثى، وهى طويلة طولا مسرفا.
وأهم ما نهض به أبان فى الشعر نظمه لكليلة ودمنة، وقد نظم بجانبها-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-أرجوزة مزدوجة فى الصوم والزكاة ومزدوجات أخرى فى التاريخ الفارسى وقصيدة فى نشأة الخلق وعلم المنطق. وبذلك مكّن لشيوع الشعر التعليمى فى العربية، ونكتفى هنا بقطعة من هذا الشعر افتتح بها باب الأسد والثور فى كليلة ودمنة، وهى تمضى على هذه الشاكلة:
وإن من كان دنى النّفس ... يرضى من الأرفع بالأخسّ
كمثل الكلب الشقّى البائس ... يفرح بالعظم العتيق اليابس
وإن أهل الفضل لا يرضيهم ... شئ إذا ما كان لا يعنيهم
كالأسد الذى يصيد الأرنبا ... ثم يرى العير المجدّ هربا (١)
فيرسل الأرنب من أظفاره ... ويتبع العير على أدباره
وتطّرد أرجوزته فى كليلة ودمنة وفى كثير من الموضوعات التعليمية التى عنى بالنظم فيها على هذا النمط المزدوج الذى اصطفى له لغة جزلة متينة طالما راعت معاصريه ومن تلاهم، حتى ليقول ابن المعتز فى التعريف به: «كان شاعرا أديبا، عالما ظريفا، منطيقا، مطبوعا على الشعر مقتدرا عليه. . وهو الذى نقل كليلة ودمنة شعرا بتلك الألفاظ الحسنة العجيبة. . ولم يقدر أحد من الناس أن يتعلق عليه بخطأ فى نقله، ولا أن يقول: ترك من لفظ الكتاب أو معناه». وترجم الصولى لأخيه عبد الله وابنه حمدان وحفيده أبان. ونظن ظنّا أنه ظل مشغولا بعد البرامكة بشعره التعليمى، حتى توفى سنة ٢٠٠ للهجرة، فإنه لم يؤثر له شعر فى مديح الأمين ولا فى مديح المأمون وقواده ووزرائه.
стр. 1237
أشجع (١) بن عمرو السّلمى
من بنى الشريد السّلمييّن، كان أبوه ينزل البصرة، وتعلق بامرأة من أهل اليمامة، فشخص معها إلى موطنها وتزوجها، فولدت له بموطنها أشجع حيث قضى السنوات الأولى من حياته. ومات أبوه فقدمت به أمه إلى البصرة تطلب ميراث أبيه، وكانت قد رزقت منه أيضا ولديها أحمد وحريثا. وأكمل أشجع نشأته ومرباه بالبصرة، وتفتحت مواهبه الشعرية فابتهجت به قبيلته وأخواتها من القبائل القيسية، وكان الشعر يومئذ فى ربيعة واليمن، ولم يكن لقيس شاعر معدود، فلما نجم أشجع ولمع اسمه افتخرت به قيس، وبادلها فخرا بفخر من مثل قوله:
إذا افتخرت قيس بطيب العناصر ... على الناس طاطا رأسه كلّ فاخر
ولم يلبث أن شد رحاله إلى بغداد لأواخر عهد المنصور (١٣٦ - ١٥٨ هـ) فمدح ابنه جعفرا، ويقال إن الذى وصله به عوف بن أحمد بن يزيد السّلمى، وله فيه وفى أبيه أحمد وعمه محمد مدائح مختلفة. ولم يكد يبزغ عصر الرشيد حتى وصلته به زوجه زبيدة بنت جعفر بعد وفاة أبيها ممدوحه، فأسنى جوائزه، ويقال: بل الذى وصله به جعفر بن يحيى البرمكى. وتؤكد بعض الروايات أن أول اتصاله به إنما كان فى الرّقّة حين انتقل اليها من بغداد سنة ١٨٠ لينفر منها سريعا إلى حرب الروم حين يدعو الداعى، ومن أجل ذلك استوطنها مدة.
ونظن أن اتصاله بالرشيد يسبق هذا التاريخ، فقد روى صاحب الأغانى عنه أنه قال: «دخلت على محمد الأمين حين أجلس مجلس الأدب للتعليم وهو ابن أربع سنين، وكان يجلس فيه ساعة ثم يقوم، فأنشدت:
ملك أبوه وأمّه من نبعة ... منها سراج الأمة الوهّاج (٢)
стр. 1238
شربت بمكة فى ربى بطحائها ... ماء النبوة ليس فيه مزاج (١)
فأمرت له أمه زبيدة بمائة ألف درهم، ويقال إنه لم يتولّ الخلافة أحد أبوه وأمه من بنى هاشم إلا على بن أبى طالب ومحمد الأمين». ومعروف أن الأمين ولد سنة ١٧٠ ومعنى ذلك أن دخول أشجع عليه ومدحه كانا فى سنة ١٧٤ وفى ابن المعتز ما يدل على أن البيتين من قصيدة مدح بها الرشيد. وسنراه يكثر من مدحه فى حربه لنقفور، وقد مضى يوثق عهده للمأمون بولايته العهد بعد أخيه الأمين توثيقا شديدا بقوله:
بيعة المأمون آخذة ... بعنان الحقّ فى أفقه
لن يفكّ المرء ربقتها ... أو يفك الدين من عنقه
وله من وجه والده ... صورة تمت ومن خلقه
وكتب الرشيد لولديه كتابا بهذا العهد، وعلّقه فى سقف الكعبة سنة ١٨٢ فانبرى أشجع يصوب رأيه ويؤكّده فى قصيدة طرب لها الرشيد.
على أن ضلته به إنما كانت فى ثنايا صلة وثيقة بجعفر بن يحيى البرمكى وأبيه وأخيه، حتى لكأنما اقتطعوه منه، ويقال إن أنس بن أبى شيخ كاتب جعفر هو الذى وصله به، ثم انعقدت صلته بأخيه الفضل وأبيه يحيى وكان أول ما أنشده:
ذهبت مكارم جعفر وفعاله ... فى الناس مثل مذاهب الشّمس
ملك نسوس له المعالى نفسه ... والعقل خير سياسة النّفس
فأمر له بعشرة آلاف درهم، وكان جعفر حينئذ بمجلس فى أحد قصورهم بحى الصالحية. فقال له صف موضعنا، فأنشد على البديهة:
قصور الصلطانيّة كالعذارى ... لبسن ثيابهن ليوم عرس
مطلاّت على روض كسته ... أيادى الماء وشيا نسج غرس
إذا ما الطّلّ أثّر فى ثراه ... تنفّس نوره من غير نفس (٢)
стр. 1239
فتغبقه السماء بصبغ ورس ... وتصبحه بأكوس عين شمس (١)
وأعجب جعفر بحسن بديهته. وأصبح شاعره وشاعر أسرته يمدحه ويمدح أباه يحيى وأخاه الفضل، ويغدقون جميعا عليه العطايا الجزيلة، ومن قوله فى يحيى:
كفانى صروف الدهر يحيى بن خالد ... فأصبحت لا أرتاع للحدثان
كفانى-كفاه الله كلّ ملمّة- ... طلاب فلان مرّة وفلان
فأصبحت فى رغد من العيش واسع ... أقلّب فيه ناظرى ولسانى
ونراه يرافق جعفرا حين هاجت العصبية بين النزارية واليمنية فى الشام لسنة ١٨٠ وقد ظفر بجماعة ممن سعوا بالفساد وشرّد آخرين وأصلح ذات البين بين الفئتين المتناحرتين. وأكثر من مديحه حينئذ، ويقال إنه كان يجرى عليه فى كل يوم جمعة مائة دينار وأشجع يجرى عليه أشعاره من مثل قوله:
أصلحت أمر الشام محتسبا ... ورتقت ما فيها من الفتق
ما كان يدرك بالقتال ولا ... بالمال ما أدركت بالرّفق
وعزم الرشيد فى نفس السنة على تولية جعفر خراسان وسجستان وأخرج له الأمر بذلك، فابتهج وابتهج معه شاعره، ولم يلبث أن دبّج فيه إحدى روائعه وفيها يقول:
يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكنّ معروفه أوسع
وكيف ينالون غاياته ... وهم يجمعون ولا يجمع
بديهته مثل تدبيره ... متى رمته فهو مستجمع
وبدا للرشيد فرجع فى أمره وعزيمته، فأنشده شعرا طريفا يسليه به، زاعما أن الرشيد رأى حاجته إليه أمسّ من حاجة أهل خراسان. ويكثر من مديح جعفر
стр. 1240
ولا يلمّ به مرض هو أو أبوه إلا ويكثر من دعائه لهما بالشفاء وفى يحيى يقول وقد أخذته علة:
إذا ما الموت أخطأه فلسنا ... نبالى الموت حيث غدا وراحا
ولما استأذن من الرشيد أن يجاور بمكة لسنة ١٨١ ظل يردد افتقاد بغاة الخير له وحزنهم لطول غيبته من مثل قوله:
قد غاب يحيى فما أرى أحدا ... يأنس إلا بذكره الحسن
أوحشت الأرض حين فارقها ... من الأيادى العظام والمنن
لولا رجاء الإياب لا نصدعت ... قلوبنا بعده من الحزن
ويروى صاحب الأغانى أن جعفرا ولاه عملا، فرفع إليه أهله شكايات كثيرة متظلمين منه، فصرفه جعفر عنهم، فلما رجع إليه من عمله مثل بين يديه وأنشده قصيدة طويلة يقول فيها:
لقد هزّت سنان القول منى ... رجال وقيعة لم يعرفونى
أطافوا بى لديك وغبت عنهم ... ولو أدنيتنى لتجنّبونى
فوصله جعفر وخلع عليه. وظل يتغنى بجعفر وبأبيه وأسرته حتى نكبهم الرشيد، فتحسر عليهم طويلا ومن قوله فيهم:
كأنما أيامهم كلها ... كانت لأهل الأرض أعيادا
وجعلته صلته بالبرامكة يمدح كتّابهم وأصحابهم من مثل إسماعيل بن صبيح، ومن جيد قوله فيه:
له نظر لا يغمض الأمر دونه ... تكاد ستور الغيب عنه تمزّق
ولعله لم يكثر من مديح صاحب لهم كما أكثر من مديح محمد بن منصور ابن زياد. وقد مضى بعد نكبتهم يحاول القربى من الرشيد، وأوصله له حاجبه ووزيره الفضل بن الربيع قائلا له: «هو أشعر شعراء أهل الزمان وقد اقتطعه
стр. 1241
عنك البرامكة فأمر بإيصاله مع الشعراء» وقد تغنى بانتصاراته على نقفور وجنوده وفتحه لهرقلة غناء حارّا، من مثل قوله:
برقت سماؤك فى العدوّ وأمطرت ... هاما لها ظلّ السيوف غمام (١)
وعلا عدوّك يا بن عمّ محمد ... رصدان: ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبّه رعته وإذا غفا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام
ولما بلغ هذا البيت فى القصيدة اهتز الرشيد، وأمر بأن ينثر عليه الدر إعجابا واستحسانا، وله يقول من قصيدة أخرى وقد جلس للشعراء عقب هذا الفتح فى يوم عيد:
لا زلت تنشر أعيادا وتطويها ... تمضى بها لك أيّام وتمضيها
وليهنك الفتح والأيام مقبلة ... بالنصر والعزّ معقودا نواصيها
أمست هرقلة تهوى من جوانبها ... وناصر الله والإسلام يرميها
وكان الرشيد يكثر من حجه إلى البيت الحرام ومن جهاده العنيف للروم، قاسما سنيه بين حج وغزو، فصور ذلك أشجع تصويرا بديعا فى قصيدة استقبله بها فى يوم قدوم له من حج بإحدى السنوات، وفيها يقول:
ألف الحجّ والجهاد فما ين ... فكّ من سفرتين فى كل عام
سفر للجهاد نحو عدوّ ... والمطايا لسفرة الإحرام (٢)
طلب الله فهو يسعى إليه ... بالمطايا وبالجياد السّوام
فيداه يد بمكة تدعو ... هـ وأخرى فى دعوة الإسلام
وله مدائح مختلفة فى الفضل بن الربيع. وكان يجيد الرثاء كما كان يجيد المديح، إذ كان يعرف كيف يمس القلوب وكيف يستثير الحزن فى الصدور، على نحو ما يلقانا فى رثائه لمحمد بن منصور بن زياد، وفيه يقول:
стр. 1242
أنعى فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجود
أنعى فتى مصّ الثرى بعده ... بقيّة الماء من العود
فالأرض يبست أشجارها بموته. ومن مراثيه الرائعة التى رواها أبو تمام فى حماسته مرثيته فيمن يسمى ابن سعيد وفيها يقول:
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح
وما كنت أدرى ما فواضل كفّه ... على الناس حتى غيّبته الصّفائح (١)
فأصبح فى لحد من الأرض ميّتا ... وكانت به حيّا تضيق الصحاصح (٢)
سأبكيك ما فاضت دموعى فإن تغض ... فحسبك منى ما تجنّ الجوانح (٣)
وما أنا من رزء وإن جلّ جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت حىّ سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح
لئن حسنت فيك المراثى وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح
وغزله رقيق وله خمريات قليلة. وواضح مما أنشدناه له أنه كان غزير المعانى رشيق الأسلوب وأن قصائده الجياد تعد من عيون الشعر فى هذا العصر ودرره النفيسة، وقد عاش حتى شهد قتل الأمين فى سنة ١٩٨ إذ روى له الصولى قصيدة فى مديح طاهر بن الحسين الذى حاصره إلى أن ظفر به وقتل صبرا، وفى ذلك يقول مخاطبا له:
سلبت رداء الملك ظالم نفسه ... وصنت الذى ولاّك قصم الجبابر
وأكبر الظن أنه توفى بعد ذلك بقليل.
стр. 1243
٤ - شعراء الوزراء والولاة والقواد
لا يكاد يوجد فى هذا العصر وزير ولا وال ولا قائد إلا وقد مدحه الشعراء طلبا لجوائزه السنية، ولن نستطيع أن نستقصى مدائحهم، ولذلك سنكتفى بأكثرهم تداولا على ألسنة الشعراء، ولعل أنبه وزير لعصر المنصور أكثر الشعراء من مديحه خالد بن برمك. وكان يعقوب بن داود وزير المهدى ومهجو بشار ممدّحا لكثير من الشعراء، وقد وجدوا عليه وجدا شديدا حين حبسه المهدى، وصوّروا ذلك فى أشعارهم من مثل قولى أبى حنش النّميرى (١):
يعقوب لا تبعد، وجنّبت الرّدى ... فلنبكينّ زمانك الرّطب الثّرى
وقول أبى الشّيص مخاطبا المهدى (٢):
أبلغ إمام الهدى أن لست مصطنعا ... للنائبات كيعقوب بن داود
لو تبتغى مثله فى الناس كلّهم ... طلبت ما ليس فى الدّنيا بموجود
واستوزر المهدى بعده الفيض بن أبى صالح، وكان غيثا مدرارا، وممن كان ينقطع إليه أبو الأسد الحمّانى التميمى وفيه يقول (٣):
ولائمة لا متك-يا فيض-فى النّدى ... فقلت لها لن يقدح اللّوم فى البحر
أرادت لتنهى الفيض عن عادة النّدى ... ومن ذا الذى يثنى السحاب عن القطر
مواقع جود الفيض فى كل بلدة ... مواقع ماء المزن فى البلد القفر
كأنّ وفود الفيض لما تحمّلوا ... إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
ومرّت بنا مدائح الشعراء فى البرامكة، وكان الفضل بن الربيع يحجب الرشيد فى وزارتهم، ثم خلفهم على وزارته، ووزر من بعده للأمين، وقد مدحه ونوّه
стр. 1244
به كثيرون وفى مقدمتهم أبو نواس وأبو العتاهية، وفيه يقول (١):
إذا ما كنت متخذا خليلا ... فمثل الفضل فاتّخذ الخليلا
يرى الشكر القليل له عظيما ... ويعطى من مواهبه الجزيلا
أرانى حيثما يمّمت طرفى ... وجدت على مكارمه دليلا
ولإسحق الموصلى أشعار فيه لحّنها وغنّى فيها، وممن يسلك فى مدّاحه أبو نخيلة، وسلم الخاسر، وأشجع السّلمى، ومنصور النّمرى، وفيه يقول (٢):
هو الأوحد فى الفضل ... فما يعرف ثانيه
ونلتقى بعده بالفضل والحسن ابنى سهل وزيرى المأمون، وكانا جوادين ممدّحين، وقد نوّه مسلم بن الوليد بالفضل طويلا، وفيه يقول مشيرا إلى تدبيره الأمر للمأمون حتى أسقط الأمين (٣):
أقمت خلافة وأزلت أخرى ... جليل ما أقمت وما أزلتا
وقد عاش الحسن بعد الفضل طويلا، فكثرت أمداح الشعراء فيه، وفى مقدمتهم أبو تمام وأبو العميثل وأبو فرعون الساسى ومحمد بن عبد الملك الزيات ومحمد بن وهيب، وفيه يقول (٤):
به تجتدى النعمى وتستدرك المنى ... وتستكمل الحسنى وترعى الأواصر
ولما رأى الله الخلافة قد وهت ... دعاثمها والله بالأمر خابر
بنى بك أركانا عليها محيطة ... فأنت لها دون الحوادث ساتر
ولعل وزيرا بعده لم يمدح كما مدح محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم والواثق، وللحسن بن وهب كاتبه فيه أشعار كثيرة ولعل شاعرا لم ينوّه به كما نوّه أبو تمام.
وإذا تركنا الوزراء إلى الولاة وجدنا بينهم كثيرين من الأجواد الممدّحين
стр. 1245
وفى طليعتهم معن بن زائدة الشيبانى والى اليمن للمنصور هم سجستان، وهو ممدوح مروان بن أبى حفصة كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، ومن مدّاحه مطيع بن إياس والحسين بن مطير، وله فيه حين توفى مرثية بديعة أنشدنا قطعة منها فى غير هذا الموضع. وطبيعى أن يكثر فى هذا العصر مديح ولاة البصرة والكوفة. ويتردّد مديح الأولين فى ديوان بشار حتى وفاته، كما يتردّد الثانون فى أشعار الكوفيين ترددا أوسع من أن يحصى ويستقصى. وكان فى كل ولاية شعراء من أهلها لا يزالون يمدحون ولاتها، وكان كثير من شعراء العراق يفدون عليهم لأخذ جوائزهم، ويكفى لتصوير ذلك أن نرجع إلى مصر فسنرى بها شعراء من الطبقة الثانية لا يزالون يمدحون من يتولى عليها على نحو ما يصور لنا ذلك كتاب الولاة والقضاة للكندى. وقد رحل إليها غير شاعر مقدّما مدائحه لولاتها الذين اشتهروا بجودهم، ظافرا منهم بالصلات السنية، ومن ولاتها الأجواد لعهد المنصور يزيد بن حاتم بن قبيصة المهلبى ممدوح بشار وربيعة الرّقّى، وقد قدم عليه فى ولايته ابن المولى ومدحه بقصائد كثيرة من مثل قوله:
يا واحد العرب الذى ... أضحى وليس له نظير
لو كان مثلك آخر ... ما كان فى الدنيا فقير
ويقال إنه أعطاه فى هذه القصيدة عشرين ألف دينار (١). غير ما أعطاه فى قصائده الأخرى. وقد عرضنا فى حديثنا عن أبى نواس لرحلته إلى الخصيب صاحب خراجها وما أغدق عليه من برّه، كما عرضنا فى حديثنا عن أبى تمام لرحلته إلى عياش بن لهيعة الحضرمى. وما كان من اتصاله بولاتها المختلفين، وصوّرنا من بعض الوجوه مدائحه لبعض ولاة دمشق والموصل وديار ربيعة وأذربيجان والثغور.
ومرّت بنا أيضا مدائح دعبل للمطلب الخزاعى حين ولى مصر وكيف أشاد به أولا ثم هجاه.
وليس من شك فى أن طاهر بن الحسين وابنه عبد الله هما أهم ولاة تغنّى بهما الشعراء، إذ جذبا إلى ولايتهما فى خراسان غير شاعر، ومن مدّاح طاهر الرقاشى وأبو العميثل والشاعر الملقب بالصينى، على نحو ما يصوّر لنا ذلك ابن المعتز،
стр. 1246
ويقول فى ترجمة عوف بن محلّم الخزاعى: «كان معدودا من الشعراء الظرفاء المحدّثين وكان طاهر بن الحسين قد استخصّه واختاره لمنادمته، فكان لا يفارقه فى سفر ولا حضر. . ومما سار له فى الدنيا قوله له إذ وقف على الجسر فى حرّاقة (١) ينحدر إلى دار الخليفة، فقال رافعا صوته:
عجبت لحرّاقة ابن الحس ... ين كيف تسير ولا تغرق
وبحران: من تحتها واحد ... وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها ... وقد مسّها كيف لا تورق
وكان ابنه عبد الله على مثاله جودا وشجاعة وسماحة، ويقال إنه لما ولاه المأمون مصر لسنة ٢١١ أعطاه مالها لعام: خراجها وضياعها، فوهبه كله وفرّقه فى الناس، وقد لهج الشعراء فيها بمديحه وفى مقدّمتهم معلّى الطائى وله يقول (٢):
لو أصبح النّيل يجرى ماؤه ذهبا ... لما أشرت إلى خزن بمثقال
تفكّ باليسر كفّ العسر من زمن ... إذا استطال على قوم بإقلال
وما بثثت رعيل الخيل فى بلد ... إلا عصفن بأرزاق وآجال
وقد لزمه فى ولايته على خراسان كثير من الشعراء أمثال أبى العميثل وعوف بن محلم الخزاعى شاعرى أبيه، وله يقول عوف من قصيدة طويلة (٣):
يا بن الذى دان له المشرقان ... وألبس الأمن به المغربان
وهو ممدوح على بن جبلة وأبى تمام والعتّابى، وله يقول (٤):
ودّك يكفينيك فى حاجتى ... ورؤيتى كافية عن سؤال
وكيف أخشى الفقر ما عشت لى ... وإنما كفّاك لى بيت مال
وعلى نحو ما مدح الشعراء الولاة ونوّهوا بهم طويلا مدحوا القواد أمداحا رائعة، ومدائح بشار وأبى العتاهية فى عمر بن العلاء الذى قضى على المحمرة بجرجان لعهد المهدى
стр. 1247
مشهورة. ولعل قائدا لم يمدح فى عصر الرشيد كما مدح يزيد بن مزيد الشيبانى ممدوح مسلم بن الوليد، وفيه يقول منصور النمرىّ (١):
لا تقربنّ يزيدا عند صولته ... لكن إذا ما احتبى للجود فاقترب
ومن مداحه على بن الخليل وعبد الله بن أيوب التيمى. ومن كبار القواد لعهد المأمون والمعتصم أبود لف العجلى، يقول أبو الفرج فى ترجمته له: «محله فى الشجاعة وعلوّ المحل عند الخلفاء وعظم الغناء فى المشاهد وحسن الأدب وجودة الشعر محل ليس لكبير آخر من نظرائه (٢)» وكانت غيوث كرمه لا نزال تنهلّ على الشعراء، مما جعل ألسنتهم تلهج بمديحه، وممن كان ينقطع إليه على بن جبلة وأبو الأسد الحمّانى التميمى وبكر بن النطاح، وفيه يقول مصوّرا شجاعته (٣):
قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم اللقاء ولا يراه جليلا
لا تعجبوا لو أن طول قناته ... ميل إذن نظم الفوارس ملا
وله يقول (٤):
فكفّك قوس والنّدى وتر لها ... وسهمك فيه اليسر على به عسرى
ويقول أيضا فيه:
ولقد طلبنا فى البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم يسب
وهو من مدّاح أبى تمام ومحمد بن وهيب وغيرهما. وقد جلّى فى حروب المأمون والمعتصم مع بابك والروم قواد كثيرون فى مقدمتهم الأفشين وخالد ابن يزيد بن مزيد وأبو سعيد محمد بن يوسف الثغرى ولأبى تمام فيهم أمداح رائعة صوّرنا أطرافا منها فى ترجمته. ونحن نقف قليلا عند أربعة من شعراء هؤلاء القواد ومن سبقهم من الولاة والوزراء وهم: أبو الشيص وعبد الله بن أيوب التّيمى وعلى ابن جبلة والخريمى.
стр. 1248
أبو الشيّص (١)
غلب عليه لقبه أبو الشّيص واسمه محمد بن عبد الله بن رزين وهو ابن عم دعبل، ويقول أبو الفرج «كان متوسط المحل فى شعراء عصره غير نابه الذكر لوقوعه بين مسلم بن الوليد وأشجع وأبى نواس، فخمل وانقطع إلى عقبة بن جعفر ابن الأشعث الخزاعى أمير الرّقّة فمدحه بأكثر شعره، فقلما يروى له فى غيره، وكان عقبة جوادا فأغناه عن سواه» ومن مختار شعره فيه قوله مستطردا من وصف الإبل إلى مديحه:
إن الأمان من الزمان وريبه ... يا عقب شطّا بحرك الفيّاض
بحر يلوذ المعتفون بنيله ... فعم الجداول مترع الأحواض (٢)
ثبت المقام إذا التوى بعدّوه ... لم يخش من زلل ولا إدحاض (٣)
غيث توشحت الرياض عهاده ... ليث يطوف بغابة وغياض (٤)
ومشمّر للموت ذيل قميصه ... قانى القناة إلى الرّدى خوّاص
ويقول ابن المعتز إنه مدح الرشيد مدائح كثيرة، ولما مات أكثر من رثائه ومدح الأمين وله فى ذلك بدائع كثيرة من مثل قوله:
جرت جوار بالسّعد والنّحس ... فنحن فى وحشة وفى أنس
العين تبكى والسّنّ ضاحكة ... فنحن فى مأتم وفى عرس
يضحكنا القائم الأمين وتب ... كينا وفاة الإمام بالأمس
بدران: بدر أضحى ببغداد فى ال ... خلد وبدر بطوس فى الرّمس (٥)
стр. 1249
وله فيه مرثية طويلة عجيبة يقول فيها مستغلا وفاته بطوس فى المشرق:
غربت فى المشرق الشم ... س فقل للعين تدمع
ما رأينا قطّ شمسا ... غربت من حيث تطلع
ومن رائع مراثيه قوله يبكى بعض الأبطال وقد سقط صريعا فى ميدان القتال مصورا بأسه وشجاعته:
ختلته المنون بعد اختيال ... بين صفّين من قنا ونصال
فى رداء من الصفيح صقيل ... وقميص من الحديد مذال (١)
وهو أحد من برعوا فى الغزل ووصف الخمر، وله فيهما أشعار كثيرة طارت فى الدنيا وسارت بها الركبان من مثل قوله فى الغزل:
مهاة ترتمى الألبا ... ب عن قوس من السّحر
لها طرف يشوب الخ ... مر للنّدمان بالخمر
عفيف اللّحظ والإغضا ... ء فى الصّحو وفى السّكر
وقوله فى الخمر:
وعذراء لم تفترعها السّقاة ... ولا استامها الشّرب فى بيت حانى (٢)
ولم تزل الشمس مشغولة ... بصنعتها فى بطون الدّنان
ترشّحها لأثام الرّجال ... إلى أن تصدّى لها الساقيان
عجوز غذا المسك أصداغها ... مضمّخة الجلد بالزّعفران
يطوف علينا بها أحور ... يداه من الكأس مخضوبتان
وله فى المشيب وبكاء الشباب كثير من الأشعار الرائعة التى يطرف فيها تارة بالصور والأخيلة البديعة، وتارة بالمعانى التى تمس المشاعر والقلوب من مثل قوله:
стр. 1250
أبدى الزمان به ندوب عضاض ... ورمى سواد قرونه ببياض (١)
وقوله:
خلع الصّبا عن منكبيه مشيب ... وطوى الذوائب رأسه المخضوب
نشر البلى فى عارضيه عقاربا ... بيصا لهنّ على القرون دبيب
وقوله يذكر الشباب:
فهل لك يا عيش من رجعة ... بأيامك المونقات الحسان
وهيهات يا عيش من رجعة ... بأغصانك المائلات الدّوانى
لقد صدع الشيب ما بيننا ... وبينك صدع الرّداء اليمانى
وعمى بأخرة من حياته، فحزن حزنا عميقا، ومضى يرثى عينيه ويبكيهما بأبيات مؤثرة، تصور التياعه التياعه التياعا شديدا من مثل قوله:
يا نفس بكّى بأدمع هتن ... وواكف كالجمان فى سنن (٢)
على دليلى وقائدى ويدى ... ونور وجهى وسائس البدن
أبكى عليها بها مخافة أن ... تقرنى والظلام فى قرن
ولعل فى ذلك كله ما يصور براعه فى الشعر وكيف كان يحسن نسيجه نافذا إلى كثير من دقائق المعانى ورائع الصور والأخيله. ويقال إن بعض الغلمان قتله وهو ثمل بالخمر سنة ١٩٦ للهجرة.
عبد الله (٣) بن أيوب التيمى
كان يكنى أبا محمد وهو من موالى بنى تبسم ومن أهل الكوفة، وقد تركها إلى بغداد طلبا لجوائز الخلفاء والوزراء والقواد، وبها انعقدت صلة وثيقة بينه وبين
стр. 1251
إبراهيم الموصلى وابنه إسحق، ثم اتصل بالرشيد والبرامكة ومدحهم جميعا ونال جوائزهم، ويقال إنه أخذ من يحيى البرمكى وبنيه مائة ألف درهم، وقد جلّى فى حادثة مشهورة، ذلك أن الرشيد هزم نقفور صاحب بيزنطة هزيمة ساحقة جعلته يركع على قدميه ويؤدى له الجزية التى افترضها صاغرا. ورجع الرشيد إلى الرقة.
فلما سقط الثلج وأمن نقفور أن يغزى نقض الصلح المعقود، وحار وزراء الرشيد كيف يخبرونه، ثم رأوا أن يخبره بذلك بعض الشعراء، وسرعان ما دبّج التيمى قصيدة حماسية رائعة ضمّنها الخبر. ودخل على الرشيد فأنشدها بين يديه قائلا:
نقض الذى أعطاكه نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنّه ... فتح أتاك الإله كبير
نقفور! إنك حين تغدر أن نأى ... عنك الإمام لحاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنك مفلت ... هبلتك أمّك ما ظننت عرور
أبقاك حينك فى زواخر بحره ... فطمت عليك من الإمام بحور (١)
واهتز الرشيد طربا بشعره ونشر عليه الدرّ. وزحف جيوشه حتى أناخ على هرقلة، فافتتحها عنوة، وذلّ نقفور وذلّت الروم.
ويقول صاحب الأغانى إن التيمى اتصل بيزيد بن مريد، فلم يزل منقطعا إليه حتى مات، وليس بين أيدينا ما يصوّر مدائحه له، وقد بكى فيه بطولته وذياده عن حياض الدولة وفتكه بأعدائها فتكا ذريعا حين اختطفه الموت، وفى ذلك يقول من مرثية رائعة تعد من أجود مراثى العصر:
أحقّ أنه أودى يزيد ... تبين أيها الناعى المشيد (٢)
أتدرى من نعيت وكيف فاهت ... به شفتاك؟ ! كان بك الصّعيد (٣)
أحامى المجد والإسلام أودى ... فما للأرض ويحك لا تميد (٤)
تأمّل هل ترى الإسلام مالت ... دعائمه وهل ساف الولد
стр. 1252
وهل شيمت سيوف بنى نزار ... وهل وضعت عن الخيل اللّبود (١)
وهل تسقى البلاد عشار مزن ... بدرّتها وهل يخضرّ عود (٢)
أبعد يزيد تختزن البواكى ... دموعا أو تصان لها خدود
ومن عجب قصدن له المنايا ... على عمد وهنّ له جنود
لقد عزّى ربيعة أنّ يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
ويقال إن الرشيد كان حين يسمع هذه المرثية فى قائده يبكى بدموع غزار حتى لو كان بين يديه كأس لملأه بدموعه.
ونرى التيمى بعد عصر الرشيد يصل حباله بالأمين ويلجّج معه فى نقضه لعهد أخيه المأمون، وله فى ذلك قصيدة يقال إن الأمين أعطاه عليها مائة ألف درهم.
ولما تطورت الحوادث وانتصر المأمون على أخيه أخذ ينقض ما صاغه فى الأمين بمثل قوله:
نصر المأمون عبد اللّ ... هـ لما ظلموه
نقضوا العهد الذى كا ... نوا قديما أكّدوه
لم يعامله أخوه ... بالذى أوصى أبوه
وعفا عنه المأمون ووصله، واتصل بقواده ووزرائه من مثل طاهر بن الحسين والفضل بن سهل، وفيه يقول (٣):
لعمرك ما الأشراف فى كل بلدة ... وإن عظموا إلا لفضل صنائع
ترى عظماء الناس للفضل خشّعا ... إذا ما دنا والفضل لله خاشع
وهو يعدّ فى الخلعاء المجّان، غير أن أشعاره فى الخمر متوسطة، ويظهر أنه كفّ عنها بأخرة من حياته، وحسنت سيرته، وحسن إيمانه، يشهد لذلك مثل قوله:
стр. 1253
لا تخضعنّ لمخلوق على طمع ... فإن ذاك مضرّ منك بالدين
وارغب إلى الله مما فى خزائنه ... فإنما هو بين الكاف والنّون
وواضح أنه كان شديد أسر الشعر، وأنه كان يعرف كيف يصطفى اللفظ، سواء أراد الأسلوب الجزل الرصين أو الأسلوب العذب الرقيق. وقد توفى سنة ٢٠٩ للهجرة.
على (١) بن جبلة
اشتهر بلقبه العكوّك، ومعناه القصير السمين، وهو من أبناء شيعة العباسيين الخراسانيين، ولد سنة ١٦٠ للهجرة بحىّ الحربية فى بغداد، وكان ضريرا، وفى بعض الروايات أنه ولد أكمه لا يبصر، وفى روايات أخرى أنه فقد بصره فى صباه. وجعلته هذه العاهة يتجه إلى الدرس والتعلم ورواية الشعر وحفظه، وسرعان ما استبانت فيه موهبته الشعرية، فأخذ ينظم الشعر متكسبا به. ولم تطمح نفسه إلى مديح الخلفاء، وإن كان يقال إنه مدح المأمون، ولكن على كل حال ليس بين أيدينا شئ من هذا المديح. ونراه يمدح وزيره الحسن بن سهل بمثل قوله:
أعطيتنى يا ولىّ الحق مبتدئا ... عطيّة كافأت مدحى ولم ترنى
ماشمت برقك حتى نلت ريّقه ... كأنما كنت بالجدوى تبادرنى (٢)
وأهم ممدوحيه حميد بن عبد الحميد الطوسى وأبو دلف العجلى، وله فى أولهما قصيدتان يقال إنه أعطاه فى كل منهما مائة ألف درهم، وقد أنشده أولاهما فى يوم عيد والثانية فى يوم نيروز، وفيها يقول:
حميد يا قاسم الدنيا بنائله ... وسيفه بين أهل النّكث والدين
стр. 1254
أنت الزمان الذى يجرى تصرّفه ... على الأنام بتشديد وتليين
لو لم تكن كانت الأيام قد فنيت ... بالمكرمات ومات المجد مذحين
صوّرك الله من مجد ومن كرم ... وصوّر الناس من ماء ومن طين
وله فيه مدائح كثيرة، ومن بديع مديحه فيه قوله وكان يلقب بأبى غانم كناية عن بطولاته وانتصاراته المدوية فى الحروب:
دجلة تسقى وأبو غانم ... يطعم من تسقى من الناس
والناس جسم وإمام الهدى ... رأس وأنت العين فى الرّأس
وقوله:
إنما الدّنيا حميد ... وأياديه الجسام
فإذا ولّى حميد ... فعلى الدنيا السلام
وعثر القدر بمحمد بن حميد فى حروبه مع بابك، فخرّ صريعا فى ساحة البطولة والجهاد لأول سنة ٢١٤ للهجرة ووجدت عليه بغداد والعالم الإسلامى وجدا شديدا، ورثاه أبو تمام بمراث رائعة عرضنا لها فى حديثنا عنه، ولعلى بن جبلة مرثية بديعة فيه ويقال بل هى فى أبيه حميد، ويقول أبو الفرج إن البحترى وأبا تمام سلخا فى مراثيهما أكثر معانيها وفيها يقول:
أللدهر تبكى أم على الدهر تجزع ... وما صاحب الأيام إلا مفجّع
أصبنا بيوم فى حميد لو انّه ... أصاب عروش الدهر ظلت تضعضع
وكنت أراه كالرزايا رزئتها ... ولم أدر أن الخلق تبكيه أجمع
نعاء حميدا للسرايا إذ عدت ... تذاد بأطراف الرماح وتوزع (١)
كأن حميدا لم يقد جيش عسكر ... إلى عسكر أشياعه لا تروّع
ولم يبعث الخيل المغيرة بالصحى ... مراحا ولم يرجع بها وهى ظلّع (٢)
стр. 1255
رواجع يحملن النّهاب ولم تكن ... كتائبه إلا على النهب ترجع
هوى جبل الدنيا المنيع وغيثها ال ... مريع وحاميها الكمىّ المشيّع (١)
واستنفد أبو دلف بعطاياه السنية أكثر مدائحه حتى لم يكد يبقى فيه شيئا لغيره، إلا ما كان من حميد الطوسى، ومدائحه فيه أبدع وأروع، وقد طار منها كثير على كل لسان من مثل قوله فيه:
ملك تندى أنامله ... كانبلاج النّوء عن مطره (٢)
مستهلّ عن مواهبه ... كابتسام الروض عن زهره
إنما الدّنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدنيا على أثره
وقوله وقد أسرف فى المبالغة:
أنت الذى تنزل الأيّام منزلها ... وتنقل الدّهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال
ويقال إنه كان يثير المأمون بمثل هذا الشعر فى أبى دلف وشعره الآخر فى ابن حميد، فطلبه وهرب منه إلى الجزيرة، وحمل إليه فأمر بإخراج لسانه من قفاه ثم قتله. وقد رفض ابن المعتز وأبو الفرج هذه الرواية الكاذبة على المأمون المعروف باتساع أفقه وسماحة نفسه وكرم سجاياه، وقالا إنه مات حتف أنفه. وقال بعض من ترجموا له إنه مات سنة ٢١٣ وفى أخباره أنه رحل إلى عبد الله بن طاهر فى ولايته على خراسان ومدحه فأجزل صلته واستأذنه فى الرجوع، فسأله أن يقيم واتصل برّه به، فلما طال مقامه اشتاق إلى أهله، فدخل إليه وأنشده من قصيدة تأذنا فى القفول إلى موطنه:
ملك عزمه الزما ... ن وأفعاله الدّول
стр. 1256
ليته حين جاد لى ... بالغنى جاد بالقفل
وأذن له مغدقا عليه من نواله. وعبد الله بن طاهر إنما أقام فى خراسان منذ سنة ٢١٤. وفى ذلك دليل على أن وفاة على بن جبلة تأخرت على الأقل إلى هذه السنة، وواضح أنه كان يجيد المديح إلى أبعد حد، وكان يعرف كيف يتصوف بمعانيه، مع الألفاظ الرشيقة العذبة، ومن طريف معانيه قوله:
يأسو الذى يجرح أعداؤه ... وما لما يجرحه آس
وقوله:
كأنهم والرماح شابكة ... أسد عليها أظلّت الأجم
وقوله فى مديح أبى دلف:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصغرى أجلّ من الدهر
ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور براعته فى صنع الشعر وأنه كان يعمد إلى لغة سهلة عذبة مونقة، ودفعه مزاجه الفارسى الحاد إلى الإكثار من المبالغة فى نعت ممدوحيه، حتى ليفرط فى ذلك إفراطا شديدا.
الخريمىّ (١)
هو أبو يعقوب إسحق بن حسان بن قوهى الخريمى، من صغد الترك من مرو وهو جزرى نزل بغداد، وكان له ولاء فى غطفان جعله يلزم عثمان بن خريم المرّى الغطفانى فى ولايته على أرمينية، وظلّ وفيّا له، فنسب إليه، وفيه يقول:
جزى الله عثمان الخريمّى خير ما ... جزى صاحبا جزل المواهب مفضلا
стр. 1257
كفى جفوة الإخوان طول حياته ... وأورث مما كان أعطى وخوّلا (١)
وفى أخباره ما يدل على أنه كان يكثر من الاختلاف فى بغداد إلى مجالس الأدب، ويظهر أيضا أنه كان يختلف إلى مجالس المتكلمين إذ يكثر الجاحظ فى بيانه من النقل عنه. وقد تألق نجمه فى عصر الرشيد والبرامكة، وفيه يقول ابن المعتز: «كان يمدح الخلفاء والوزراء والأشراف فيعطى الكثير»، ومن شعره فى يحيى البرمكى:
يا راعى السلطان غير مفرّط ... فى لين مختبط وطيب شمام (٢)
حتى تنخنخ ضاربا بجرانه ... ورست مراسيه بدار سلام (٣)
وأكثر مدائحه فى صاحبه عثمان المرى وفى محمد بن منصور بن زياد كاتب البرامكة الملقب بفتى العسكر لقيامه على ديوان الجيش، وفيه يقول:
زاد معروفك عندى عظما ... أنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور خطير
ويظهر أن صلة وثيقة انعقدت بينه وبين الحسن بن البحباح البلخى كاتب الفضل بن يحيى البرمكى، إذ نراه يكتب له قصيدة بديعة حين ولى مصر للرشيد سنة ١٩٣ يعبر فيها عن شدة شوقه إليه، ومدى ما كان يتوثق بينهما من مودة وصداقة، وفيها يقول:
إلى صاحب لا يخلق النّأى عهده ... لناء ولا يشقى به من يصاقبه (٤)
هو الشهد سلما والذّعاف عداوة ... وبحر على الورّاد تجرى غواربه (٥)
فيا حسن الحسن الذى عمّ فضله ... وتمّت أياديه وجمّت مناقبه (٦)
إليك على بعد المزار وصعبه ... نوازع شوق ما تردّ عوازبه (٧)
стр. 1258
فهل يرجعن عيشى وعيشك مرة ... ببغداد دهر منصف لا نعاتبه
عسى ولعل الله يجمع بيننا ... كما لاءمت صدع الإناء مشاعبه
وممن مدحهم المأمون وأبو دلف قائده، وكان أبو دلف شاعرا بليغا محكم القول، ولعل ذلك ما جعله يصف شعره له فى بعض مديحه بقوله:
له كلم فيك معقولة ... إزاء القلوب كركب وقوف
وهو تصوير دقيق. ولاحظ بعض معاصريه أن مدائحه التى دبّجها فى ممدوحيه أحسن من مراثيهم فيهم وأجود، وسأله فى ذلك، فقال: كنا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء وبينهما بون بعيد! ومن بديع رثائه قوله:
وأعددته ذخرا لكل مصيبة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع
ولو شئت أن أبكى دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
وله فى بغداد حين رماها طاهر بن الحسين بالمجانيق فى فتنة الأمين، فأحرق كثيرا من قصورها، وهدم بعض أحيائها، مرثية طويلة امتدت إلى مائة وخمسة وثلاثين بيتا، بكاها فيها، وندبها ندبا حارّا، موازنا ماضيها وحاضرها ومصورا ما كان فيها من مجون وإثم وما صارت إليه أحياؤها من هذا الدمار الذى صبه الله عليها جزاء طغيانها وفسوقها، وفيها يقول:
يا بوس بغداد دار مملكة ... دارت على أهلها دوائرها
أمهلها الله ثم عاقبها ... لما أحاطت بها كبائرها
رقّ بها الدّين واستخفّ بذى ال ... فضل وعزّ النّسّاك فاجرها
وصار ربّ الجيران فاسقهم ... وابتزّ أمر الدروب شاطرها
وهو فى القصيدة ينتصر للمأمون. ونراه يتعرض بالهجاء إلى أبى دلف العجلى ويظهر أنه لم يثبه بما كان يبتغيه منه، فتحول يهجوه بمثل قوله:
إنى وجدت أخى أبادلف ... عند الفعال مولّد الشّرف
стр. 1259
وممن تولع بهجائهم على بن الهيم أحد كتاب الدواوين، وكان يتقعر فى كلامه، حتى ليؤذى من يجالسونه بكثرة ما يورد عليهم من غريب، وله يقول:
لا تشادق إذا تكلمت واعلم ... أن للناس كلّهم أشداقا
وحدث فى أثناء رفقته لعثمان بن خريم فى ولايته على أرمينية أن عقد له فى بعض حروبه للترك على أشراف ممن معه، فكرهوا ذلك، وما زالوا به، حتى عزله، وأثاره هذا الحادث، فنظم قصيدة فخر فيها بآبائه من الصّغد، وفيها يقول:
أبالصّغد بأس إذ تعيّرنى جمل ... سفاها ومن أخلاق جارتى الجهل
فإن تفخرى يا جمل أو تتجمّلى ... فلا فخر إلا فوقه الدين والعقل
أرى الناس شرعا فى الحياة ولا يرى ... لقبر على قبر علاء ولا فضل (١)
وما ضرّنى أن لم تلدنى يحابر ... ولم تستمل جرم علىّ ولا عكل (٢)
وقد سلكه بعض الباحثين من العرب والمستشرقين فى أصحاب نظرية الشعوبية لجريان هذا الفخر على لسانه، وهو لا يستمد فيه من شعوبية، إنما يستمد من نظرية الإسلام التى تسوى بين الناس عربا وموالى، فلا فضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى. وفى أشعاره ما يدل على حسن تدينه وأنه لم ينغمس فيما انغمس فيه بعض معاصريه من مجون أو زندقة يقول داعيا إلى الزهد والتقوى والعمل الصالح:
تزوّد من الدنيا متاعا لغيرها ... فقد شمّرت حذّاء وانصرم الحبل (٣)
وهل أنت إلا هامة اليوم أو غد ... لكل أناس من طوارقها الثّكل
وفى الأغانى بترجمة حماد الراوية خبر يدل على معاشرته للمجان، ولعله مكذوب، لتأخر عصره عن عصر حماد، وقد رويت له أشعار قليلة فى الغزل، وقيل إن أول ما نظمه قوله:
بقلبى سقام لست أحسن وصفه ... على أنه ما كان فهو شديد
تمرّ به الأيام تسحب ذيلها ... فتبلى به الأيام وهو جديد
стр. 1260
ونرى القدماء يلقبونه تارة بالأعور وتارة بالأعمى، ويظهر أنه فقد إحدى عينيه مبكرا، ثم فقد الأخرى بعد ما أسنّ، وله أشعار كثيرة، يبكى فيها عينه وبصره، أنشدنا منها قطعة فى الفصل الرابع، ومن طريف ما نسوقه له هنا قوله:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإن البعض من بعض قريب
يمنّينى الطبيب شفاء عينى ... وهل غير الإله لها طبيب
وقوله:
كفى حزنا أن لا أزور أحبّتى ... من القرب إلا بالتكلف والجهد
وأنى إذا حيّيت ناجيت قائدى ... ليعدلنى قبل الإجابة فى الرّدّ
وفى أشعاره نزعة واضحة إلى التدقيق فى المعانى، وهو تدقيق أداه إلى الوقوف عند الطباع وتحليلها تسعفه فى ذلك ملاحظات نافذة وقدرة على النظرة الكلية فى الأشياء، ومن خير ما يمثل ذلك عنده قوله:
الناس أخلاقهم شتّى وإن جبلوا ... على تشابه أرواح وأجساد
للخير والشر أهل وكّلوا بهما ... كلّ له من دواعى نفسه هاد
وقوله:
ودون النّدى فى كلّ قلب ثنيّة ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل
وودّ الفتى فى كل نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أن نائله جزل
ونراه يصور الكرم تصويرا بديعا، إذ يجعله فى بشر المضيف وحسن استقباله لا فى طعامه وكثرة ذبائحه، يقول:
أضاحك ضيفى قبل إنزال رحله ... ويخصب عندى والمحلّ جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب
ومما يجرى هذا المجرى من دقة التفكير وطرافته قوله السائر فى الآفاق:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر
стр. 1261
وواضح أن اللفظ البارع كان يسند دائما معانيه وأشعاره، فلا تجد فيه عوجا ولا انحرافا، بل تجد دائما المتانة والسهولة، ويروى أنه سئل: ما بال شعرك لا يسمعه أحد إلا استحسنه وقبلته طبيعته؟ قال: لأنى أجاذب الكلام إلى أن يساهلنى عفوا، فإذا سمعه إنسان سهل عليه استحسانه. وقد توفى سنة ٢١٤ للهجرة.
٥ - شعراء الهجاء
مرّ بنا فى غير هذا الموضع أن شعر الهجاء المنبعث عن العصبيات القبلية خفت حدّته فى هذا العصر، حتى كاد يتلاشى، إلا بقايا قليلة تمثلت فى نقائض ابن قنبر ومسلم بن الوليد، كما تمثلت فى نقائض دعبل وأبى سعد المخزومى، ومرجع ذلك إلى تطور واسع فى الحياة، جعل الفخر الجنسى يحل محل الفخر القبلى، مما دفع إلى ظهور الشعوبية، وحقّا بقيت أسراب من هذا الفخر عند القبائل ومواليها، على نحو ما نجد عند بكر بن النطاح الحنفى فى مثل قوله مفتخرا بقبيلته بكر (١):
ومن يفتقر منا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
وكان أبو نواس-كما مرّ بنا-يفتخر بمواليه القحطانيين افتخارا حادّا، ولكن الدولة كانت له ولبكر وأمثالهما بالمرصاد فقد حبس الرشيد أبا نواس بسبب إحيائه لهذه العصبية، وطلب بكرا وهرب منه. وعلى هذا النحو لم تعد تحتدم العصبيات وبالتالى خبت نار النقائض التى كانت مشتعلة فى عصر بنى أمية.
وليس معنى ذلك أن الهجاء انطفأ لهيبه، بل لقد تعالت نيرانه واضطرمت اضطراما، إذ ظل الشعراء يسارعون إليه كلما حجبهم وزير أو وال أو قائد أو قصّر فى عطائهم، وقد يهجون بعض الخلفاء على نحو ما أسلفنا عند دعبل. وهو جانب أوسع من أن يستقصى لكثرة ما قيل فيه من أشعار، ولذلك سنكتفى هنا بالحديث عن تهاجى الشعراء بعضهم مع بعض، وقد ذكرنا قبلا تهاجى حماد عجرد وبشار
стр. 1262
وكانت فى حماد رعونة شديدة جعلته يتبادل الهجاء حتى مع أصدقائه مثل مطيع بن إياس، وكان مبعث تهاجيهما تنافسهما على بعض القيان. ولعل شاعرا لم يهج فى هذا العصر كما هجى أبان بن عبد الحميد، وقد عرضنا لتهاجيه مع أبى نواس، وممن أكثر من تبادل الهجاء معه المعذّل بن غيلان، وفيه يقول (١):
صحّفت أمّك إذ سمّ ... تك بالمهد أبانا
قد علمنا ما أرادت ... لم ترد إلا أتانا
صيّرت باء مكان التّ ... اء والله عيانا
قطع الله وشيكا ... من مسمّيك اللّسانا
وكان أبو نواس كثير التعابث فأكثر من هجاء زملائه، وسلقوه بألسنة حداد، وفى مقدمتهم الفضل بن عبد الصمد الرقاشى، وكان كثيرا ما يهجوه بأنه ليس عربيّا وأنه دعىّ فى ولائه لبنى سعد العشيرة القحطانيين، مما جعله يرد عليه بمثل قوله (٢).
وجدنا الفضل أبعد من رقاش ... من الأتن ادّعت فيها الفيول
وجدنا الفضل أكرم من رقاش ... لأن الفضل مولاه الرسول
يشير بذلك إلى قول الرسول ﷺ : «أنا مولى من لا مولى له».
قد مرّ بنا تهاجى أبى العتاهية ووالبة، وكيف انتصر عليه أبو العتاهية انتصارا حاسما حتى فرّ منه راجعا إلى الكوفة وخمل ذكره. واصطدم أبو العتاهية بسلم الخاسر، فتبادلا الهجاء على نحو ما صورنا ذلك فى ترجمتنا لأولهما، وكان سلم يرميه بأنه كاذب فى زهده ويرميه أبو العتاهية بشحّ نفسه وما يجره ذلك عليه من الذل. وممن اصطدم به مروان بن أبى حفصة وأبو الشمقمق وشاعر يسمى الجنّىّ وله يقول (٣):
غدا اللّؤم يبغى مطرحا لرحاله ... فنقّب فى برّ البلاد وفى البحر
стр. 1263
فلما أتى مروان خيّم عنده ... وفال رضينا بالمقام إلى الحشر
وليست لمروان على العرس غيرة ... ولكنّ مروانا يغار على القدر
وكان دعبل كثير الهجاء لكل من يظن أنه ارتفع على مرتبته من الشعراء حتى أستاذه مسلم بن الوليد لم يسلم منه، وربما كان أهمّ شاعر حسده أبا تمام، حتى كان لا يكتفى بهجائه، بل يدعى عليه أنه سرق قصائد برمتها من الشعراء السابقين وفيه يقول (١):
أدعبل إن تطاولت الليالى ... عليك فإن شعرى سمّ ساعه
وما وفد المشيب عليك إلا ... بأخلاق الدناءة والوضاعه
ووجهك إن رضيت به نديما ... فأنت نسيج وحدك فى الرّقاعه
ولو بدّلته وجها بوجه ... لما صلّيت يوما فى جماعه
وكانت صلات أبى تمام فى كل بيئة ينزل بها سببا فى كثرة من هجوه، وقد صورنا ذلك من بعض الوجوه فى حديثنا عنه. ونحن نخص بالحديث هجّاءين كبيرين هما أبو عيينة المهلّبى وعبد الصمد بن المعذّل.
أبو عيينة (٢) المهلبى
هو أبو عيينة بن محمد بن أبى عيينة، من سلالة المهلب بن أبى صفرة، مولده ومنشؤه وحياته فى البصرة، إذ لم يفارقها إلا لماما، وكان أبوه يولّى الرى لأبى جعفر المنصور، ثم قبض عليه وحبسه وغرّمه. وكان لأبى عيينة أخوان شاعران هما عبد الله وداود. ومن الغريب أنهم جميعا كانوا هجائين، أما عبد الله فقصد ابن طاهر ومدحه، ثم هجاه هجاء مرّا، وأما داود فتعلق بهجاء آل سليمان بن على والى البصرة، وقد تولاها من أبنائه غير واحد، وفيهم يقول:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب فى الدار
стр. 1264
لا يقبس الجار منهم فصل نارهم ... ولا تكفّ يد عن حرمة الجار
وأبو عيينة أشعر الثلاثة، ويقول ابن المعتز إنه «أحد المطبوعين الذين لم ير فى الجاهلية والإسلام أطبع منهم، وهم بشّار وأبو العتاهية والسيد الحميرى وأبو عيينة».
وقد استغل موهبته فى فنين هما الهجاء والغزل، وأكثر هجائه فى ابن عمه خالد ابن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب إذ صحبه معه فى جنده حين توجّه إلى جرجان واليا عليها للمهدى وكان خالد قد أوسع له فى الأمانى وأنه سيغدق عليه ويوليه بعض الولايات، ولما نزل جرجان جفاه وتنكّر له، فبسط لسانه فيه وذكره بكل قبيح عند أهل عمله ووجوه رعيته. وعبثا حاول أبو عيينة أن يتخلص منه ومن الجندية، فشكاه إلى الهادى وكان قد ولى الخلافة بعد أبيه، فأمر له بصلة وأقفله من جيش خالد، فعاد وهو يهتف بهجائه، وأكثر منه كثرة تدل على قوة طبعه وخصبه، ومن قوله فيه:
لقد خزيت قحطان طرّا بخالد ... فهل لك فيه-يخزك الله-يا مضر
دنئ به عن كل خير بلادة ... لكلّ قبيح عن ذراعيه قد حسر
له منظر معمى العيون سماجة ... وإن يختبر يوما فيا سوء مختبر
أبوك لنا غيث نعيش بوبله ... وأنت جراد ليس يبقى ولا يذر
له أثر فى المكرمات يسرّنا ... وأنت تعفّى دائما ذلك الأثر
تسيئ وتمضى فى الإساءة دائبا ... فلا أنت تستحيى ولا أنت تعتذر
ويقال إن الرشيد أنشد البيت الأول، فقال: بل الخزى موفّر على قحطان.
وقد عرف كيف يخزه وخز الإبر لا بما صور فيه خزيه الذى عمّ به عشيرته وأخلاقه السيئة وغباوته، بل أيضا بموازنته بينه وبين أبيه جامعا فى البيت الواحد بين المديح والهجاء. وهو يكثر فى هجائه من الاستخفاف به والسخرية سخرية شديدة، مع الإقذاع ومع الغمز واللمز، ومن طريف ماله فيه قوله:
خالد لولا أبوه ... كان والكلب سواء
لو كما ينقص يزدا ... د إذن نال السماء
стр. 1265
وقوله:
وإذا تطاولت الرّءو ... س فغطّ رأسك ثم طاطه
ويروى أنه (١) قصد ابن عمه ربيعة بن قبيصة بن روح بن حاتم المهلبى واستماحه فلم يجد عنده ما قدّره فيه، فولّى عنه مغاضبا وعرف ذلك داود بن يزيد بن حاتم ابن قبيصة المهلبى، فترضاه بصلة سنية جعلته بمدحه مدحا رائعا هاجيا فى تضاعيفه قبيصة هجاء كله سموم من مثل قوله:
داود محمود وأنت مذمّم ... عجبا لذاك وأنتما من عود
ولربّ عود قد يشقّ، لمسجد ... نصف، وسائره لحشّ يهود
فالحشّ أنت له وذاك لمسجد ... كم بين موضع مسلح وسجود
داود يفتح كلّ باب مغلق ... بندى يديه وأنت قفل حديد
وكأنما كان موكلا بهجاء أبناء أعمامه، وأيضا ببناتهم، فقد روى صاحب الأغانى أن ابن عمه سعيد بن المهلب تزوح بنت سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب، وكانت قد تزوجت قبله رجلين ماتا عنها، فكتب أبو عيينة إليه، يعنّفه على اختياره لها وأنه إنما اختارها بسبب مالها، يقول:
رأيت أثاثها فطمعت فيه ... وكم نصبت لغيرك من أثاث
فصيّر أمرها بيدى أبيها ... وسرّح من حبالك بالثّلاث (٢)
وإلا فالسلام عليك منى ... سأبدا من غد لك بالمراثى
وكانت فاطمة بنت عمه عمر بن حفص المهلبى قد شغفته حبّا، وتصادف أن اقترنت بعيسى بن سليمان بن على العباسى، فكاد يجنّ جنونه ويطير صوابه، وظل يدور حولها وينظم فيها أشعاره، غير أنه كان يخشى زوجها وآله، فعمد إلى التكنية عنها بمولاة لها تسمى دنيا، وفى ذلك يقول:
وكتمت اسمها حذارا من النا ... س ومن شرهم وفى الناس شرّ