← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وواضح أن اللفظ البارع كان يسند دائما معانيه وأشعاره، فلا تجد فيه عوجا ولا انحرافا، بل تجد دائما المتانة والسهولة، ويروى أنه سئل: ما بال شعرك لا يسمعه أحد إلا استحسنه وقبلته طبيعته؟ قال: لأنى أجاذب الكلام إلى أن يساهلنى عفوا، فإذا سمعه إنسان سهل عليه استحسانه. وقد توفى سنة ٢١٤ للهجرة. ٥ - شعراء الهجاء مرّ بنا فى غير هذا الموضع أن شعر الهجاء المنبعث عن العصبيات القبلية خفت حدّته فى هذا العصر، حتى كاد يتلاشى، إلا بقايا قليلة تمثلت فى نقائض ابن قنبر ومسلم بن الوليد، كما تمثلت فى نقائض دعبل وأبى سعد المخزومى، ومرجع ذلك إلى تطور واسع فى الحياة، جعل الفخر الجنسى يحل محل الفخر القبلى، مما دفع إلى ظهور الشعوبية، وحقّا بقيت أسراب من هذا الفخر عند القبائل ومواليها، على نحو ما نجد عند بكر بن النطاح الحنفى فى مثل قوله مفتخرا بقبيلته بكر (١): ومن يفتقر منا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل وكان أبو نواس-كما مرّ بنا-يفتخر بمواليه القحطانيين افتخارا حادّا، ولكن الدولة كانت له ولبكر وأمثالهما بالمرصاد فقد حبس الرشيد أبا نواس بسبب إحيائه لهذه العصبية، وطلب بكرا وهرب منه. وعلى هذا النحو لم تعد تحتدم العصبيات وبالتالى خبت نار النقائض التى كانت مشتعلة فى عصر بنى أمية. وليس معنى ذلك أن الهجاء انطفأ لهيبه، بل لقد تعالت نيرانه واضطرمت اضطراما، إذ ظل الشعراء يسارعون إليه كلما حجبهم وزير أو وال أو قائد أو قصّر فى عطائهم، وقد يهجون بعض الخلفاء على نحو ما أسلفنا عند دعبل. وهو جانب أوسع من أن يستقصى لكثرة ما قيل فيه من أشعار، ولذلك سنكتفى هنا بالحديث عن تهاجى الشعراء بعضهم مع بعض، وقد ذكرنا قبلا تهاجى حماد عجرد وبشار

стр. 1262

وكانت فى حماد رعونة شديدة جعلته يتبادل الهجاء حتى مع أصدقائه مثل مطيع بن إياس، وكان مبعث تهاجيهما تنافسهما على بعض القيان. ولعل شاعرا لم يهج فى هذا العصر كما هجى أبان بن عبد الحميد، وقد عرضنا لتهاجيه مع أبى نواس، وممن أكثر من تبادل الهجاء معه المعذّل بن غيلان، وفيه يقول (١): صحّفت أمّك إذ سمّ ... تك بالمهد أبانا قد علمنا ما أرادت ... لم ترد إلا أتانا صيّرت باء مكان التّ ... اء والله عيانا قطع الله وشيكا ... من مسمّيك اللّسانا وكان أبو نواس كثير التعابث فأكثر من هجاء زملائه، وسلقوه بألسنة حداد، وفى مقدمتهم الفضل بن عبد الصمد الرقاشى، وكان كثيرا ما يهجوه بأنه ليس عربيّا وأنه دعىّ فى ولائه لبنى سعد العشيرة القحطانيين، مما جعله يرد عليه بمثل قوله (٢). وجدنا الفضل أبعد من رقاش ... من الأتن ادّعت فيها الفيول وجدنا الفضل أكرم من رقاش ... لأن الفضل مولاه الرسول يشير بذلك إلى قول الرسول ﷺ : «أنا مولى من لا مولى له». قد مرّ بنا تهاجى أبى العتاهية ووالبة، وكيف انتصر عليه أبو العتاهية انتصارا حاسما حتى فرّ منه راجعا إلى الكوفة وخمل ذكره. واصطدم أبو العتاهية بسلم الخاسر، فتبادلا الهجاء على نحو ما صورنا ذلك فى ترجمتنا لأولهما، وكان سلم يرميه بأنه كاذب فى زهده ويرميه أبو العتاهية بشحّ نفسه وما يجره ذلك عليه من الذل. وممن اصطدم به مروان بن أبى حفصة وأبو الشمقمق وشاعر يسمى الجنّىّ وله يقول (٣): غدا اللّؤم يبغى مطرحا لرحاله ... فنقّب فى برّ البلاد وفى البحر

стр. 1263

فلما أتى مروان خيّم عنده ... وفال رضينا بالمقام إلى الحشر وليست لمروان على العرس غيرة ... ولكنّ مروانا يغار على القدر وكان دعبل كثير الهجاء لكل من يظن أنه ارتفع على مرتبته من الشعراء حتى أستاذه مسلم بن الوليد لم يسلم منه، وربما كان أهمّ شاعر حسده أبا تمام، حتى كان لا يكتفى بهجائه، بل يدعى عليه أنه سرق قصائد برمتها من الشعراء السابقين وفيه يقول (١): أدعبل إن تطاولت الليالى ... عليك فإن شعرى سمّ ساعه وما وفد المشيب عليك إلا ... بأخلاق الدناءة والوضاعه ووجهك إن رضيت به نديما ... فأنت نسيج وحدك فى الرّقاعه ولو بدّلته وجها بوجه ... لما صلّيت يوما فى جماعه وكانت صلات أبى تمام فى كل بيئة ينزل بها سببا فى كثرة من هجوه، وقد صورنا ذلك من بعض الوجوه فى حديثنا عنه. ونحن نخص بالحديث هجّاءين كبيرين هما أبو عيينة المهلّبى وعبد الصمد بن المعذّل. أبو عيينة (٢) المهلبى هو أبو عيينة بن محمد بن أبى عيينة، من سلالة المهلب بن أبى صفرة، مولده ومنشؤه وحياته فى البصرة، إذ لم يفارقها إلا لماما، وكان أبوه يولّى الرى لأبى جعفر المنصور، ثم قبض عليه وحبسه وغرّمه. وكان لأبى عيينة أخوان شاعران هما عبد الله وداود. ومن الغريب أنهم جميعا كانوا هجائين، أما عبد الله فقصد ابن طاهر ومدحه، ثم هجاه هجاء مرّا، وأما داود فتعلق بهجاء آل سليمان بن على والى البصرة، وقد تولاها من أبنائه غير واحد، وفيهم يقول: قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب فى الدار

стр. 1264

لا يقبس الجار منهم فصل نارهم ... ولا تكفّ يد عن حرمة الجار وأبو عيينة أشعر الثلاثة، ويقول ابن المعتز إنه «أحد المطبوعين الذين لم ير فى الجاهلية والإسلام أطبع منهم، وهم بشّار وأبو العتاهية والسيد الحميرى وأبو عيينة». وقد استغل موهبته فى فنين هما الهجاء والغزل، وأكثر هجائه فى ابن عمه خالد ابن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب إذ صحبه معه فى جنده حين توجّه إلى جرجان واليا عليها للمهدى وكان خالد قد أوسع له فى الأمانى وأنه سيغدق عليه ويوليه بعض الولايات، ولما نزل جرجان جفاه وتنكّر له، فبسط لسانه فيه وذكره بكل قبيح عند أهل عمله ووجوه رعيته. وعبثا حاول أبو عيينة أن يتخلص منه ومن الجندية، فشكاه إلى الهادى وكان قد ولى الخلافة بعد أبيه، فأمر له بصلة وأقفله من جيش خالد، فعاد وهو يهتف بهجائه، وأكثر منه كثرة تدل على قوة طبعه وخصبه، ومن قوله فيه: لقد خزيت قحطان طرّا بخالد ... فهل لك فيه-يخزك الله-يا مضر دنئ به عن كل خير بلادة ... لكلّ قبيح عن ذراعيه قد حسر له منظر معمى العيون سماجة ... وإن يختبر يوما فيا سوء مختبر أبوك لنا غيث نعيش بوبله ... وأنت جراد ليس يبقى ولا يذر له أثر فى المكرمات يسرّنا ... وأنت تعفّى دائما ذلك الأثر تسيئ وتمضى فى الإساءة دائبا ... فلا أنت تستحيى ولا أنت تعتذر ويقال إن الرشيد أنشد البيت الأول، فقال: بل الخزى موفّر على قحطان. وقد عرف كيف يخزه وخز الإبر لا بما صور فيه خزيه الذى عمّ به عشيرته وأخلاقه السيئة وغباوته، بل أيضا بموازنته بينه وبين أبيه جامعا فى البيت الواحد بين المديح والهجاء. وهو يكثر فى هجائه من الاستخفاف به والسخرية سخرية شديدة، مع الإقذاع ومع الغمز واللمز، ومن طريف ماله فيه قوله: خالد لولا أبوه ... كان والكلب سواء لو كما ينقص يزدا ... د إذن نال السماء

стр. 1265

وقوله: وإذا تطاولت الرّءو ... س فغطّ رأسك ثم طاطه ويروى أنه (١) قصد ابن عمه ربيعة بن قبيصة بن روح بن حاتم المهلبى واستماحه فلم يجد عنده ما قدّره فيه، فولّى عنه مغاضبا وعرف ذلك داود بن يزيد بن حاتم ابن قبيصة المهلبى، فترضاه بصلة سنية جعلته بمدحه مدحا رائعا هاجيا فى تضاعيفه قبيصة هجاء كله سموم من مثل قوله: داود محمود وأنت مذمّم ... عجبا لذاك وأنتما من عود ولربّ عود قد يشقّ، لمسجد ... نصف، وسائره لحشّ يهود فالحشّ أنت له وذاك لمسجد ... كم بين موضع مسلح وسجود داود يفتح كلّ باب مغلق ... بندى يديه وأنت قفل حديد وكأنما كان موكلا بهجاء أبناء أعمامه، وأيضا ببناتهم، فقد روى صاحب الأغانى أن ابن عمه سعيد بن المهلب تزوح بنت سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب، وكانت قد تزوجت قبله رجلين ماتا عنها، فكتب أبو عيينة إليه، يعنّفه على اختياره لها وأنه إنما اختارها بسبب مالها، يقول: رأيت أثاثها فطمعت فيه ... وكم نصبت لغيرك من أثاث فصيّر أمرها بيدى أبيها ... وسرّح من حبالك بالثّلاث (٢) وإلا فالسلام عليك منى ... سأبدا من غد لك بالمراثى وكانت فاطمة بنت عمه عمر بن حفص المهلبى قد شغفته حبّا، وتصادف أن اقترنت بعيسى بن سليمان بن على العباسى، فكاد يجنّ جنونه ويطير صوابه، وظل يدور حولها وينظم فيها أشعاره، غير أنه كان يخشى زوجها وآله، فعمد إلى التكنية عنها بمولاة لها تسمى دنيا، وفى ذلك يقول: وكتمت اسمها حذارا من النا ... س ومن شرهم وفى الناس شرّ

стр. 1266

ويقولون بح لنا باسم دنيا ... واسم دنيا سر على الناس ذخر وهو يكثر فى أشعاره لها من تصوير ذكرياته معها، وزياراته، التى كانت متصلة لها قبل زواجها وكيف كانت تبادله ودّا بود وحبّا بحب، وكيف كانا يجتمعان فى قصرها الفخم وما حوله من رياض رائعة، وكيف كانا يلعبان ويعيشان منذ صغرهما، يقول: وملعبنا فى النهر والماء زاخر ... قرينين كالغصنين فرعين فى أصل ومن حولنا الريحان غضّا وفوقنا ... ظلال من الكرم المعرّش والنّخل إذا شئت مالت بى إليها كأننى ... إلى غصن بان بين دعصين من رمل (١) فيا طيب طعم العيش إذ هى جارة ... وإذ نفسها نفسى وإذ أهلها أهلى وإذ هى لا تعتلّ عنى برقبة ... ولا خوف عين من وشاة ولا بعل فقد عفّت الآثار بينى وبينها ... وقد أوحشت منى إلى دارها سبلى وكانت سيدة فاضلة، فكانت لا ترد عليه رسائله وكانت تنتهر رسله، بينما هو يصطلى بنار الحب المحرقة ويتعذب كما لم يتعذب أحد، ملوّحا لها بأنه سيموت فى سبيلها وأن أحدا لن يحزن عليه حزنها لجامعة القرابة والحب القديم، يقول: ولأنت إن متّ المصابة بى ... فتجنبّى قتلى بلا وتر فلئن هلكت لتلطمن جزعا ... خدّيك قائمة على قبرى وعلى هذا النحو ظل حبها قويّا حارّا فى قلبه، وظلت ترده عنها فى عنف تارة وفى رفق تارة ثانية، وهو يذكّرها عهودهما القديمة وكيف أنه يفى لها وفاء شديدا، بينما هى تدافعه وتقاومه قاطعة لكل عهد وسبب بينها وبينه، وهو كل يوم يزداد بها كلفا وغراما وحبّا ما فوقه حب، وفى ذلك يقول: أرى عهدها كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد وعهدى لها كالآس حسنا وبهجة ... له نضرة تبقى إذا ما انقضى الورد

стр. 1267

وما وجد العذرىّ إذ طال وجده ... بعفراء حتى سل مهجته الوجد كوجدى غداة البين عند التفاتها ... وقد شفّ عنها دون أترابها البرد فقلت لأصحابى هى الشمس ضوءها ... قريب ولكن فى تناولها بعد وفى أشعاره ما يدل على أنه فارق البصرة مع ابن عمه خالد بن يزيد طلبا للسّلوى عنها، ولكنه ظل هناك يذكرها ويذكر حبها متغنيّا به وبها، وعاد يدور حول بيتها لا يستطيع كظم حبه، بل يعلنه إعلانا ويكرر هذا الإعلان مازجا له بكثير من التضرع والاستعطاف. وصاحبته لا تعنى به ولا تكترث، هو يزداد بها شغفا وهياما ناظما فيها أشعاره البديعة من مثل قوله: ضيّعت عهد فتى لعهدك حافظ ... فى حفظه عجب وفى تضييعك ونأيت عنه فماله من حيلة ... إلا الوقوف إلى أوان رجوعك متخشّعا يذرى عليك دموعه ... أسفا ويعجب من جمود دموعك إن تفتنيه وتذهبى بفؤاده ... فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك وأكبر الظن أنه ظل يذكرها ويتغنى بها حتى الأنفاس الأخيرة من حياته، وقد جرّته غيرته من زوجها إلى لمزه ببعض هجائه. وكانت له نظرات وتأملات دقيقة فى الحياة جعلت الحكمة تجرى أحيانا على لسانه، ومن رائع ما يروى له فى تصوير القدر والحظوظ: ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... أبدا وما هو كائن فيكون سيكون ما هو كائن فى وقته ... وأخو الجهالة متعب محزون يسعى القوىّ فلا ينال بسعيه ... حظّا ويحظى عاجز ومهين وواضح من كل ما قدمنا أنه كان نبعا غزيرا من ينابيع الشعر العباسى: ويقول ابن المعتز إن «شعره أنقى من الراحة، ليس فيه عيب ولا بيت يسقط». ويقول أبو الفرج: «كان أبو عيينه من أطبع الناس وأقربهم مأخذا. . وكان يقرب البعيد ويحذف الفضول ويقلّ التكلف». وفى حديث ابن المعتز عنه ما يدل على أنه لحق خلافة المأمون ويظهر أنها لم تظلّله طويلا.

стр. 1268

عبد الصمد (١) بن المعذّل من قبيلة عبد القيس، ومولده ومنشؤه بالبصرة، وهو من بيت شعر، كان جده غيلان بن الحكم شاعرا، ويروى أن محمد بن سليمان العباسى كان يستخدمه فى ولايته البصرة على بعض أعشارها، فظهرت منه خيانة فعزله وأخذ ما خانه فيه، فقال حماد عجرد يهجوه بهذين البيتين اللذين أنشدناهما فى غير هذا الموضع: ظهر الأمير عليك يا غيلان ... إذ خنته إن الأمير معان أمع الدّمامة قد جمعت خيانة ... قبح الدّميم الفاجر الخوّان وكان ابنه المعذل شاعرا مجيدا، وقد أسلفنا ما نشب بينه وبين أبان بن عبد الحميد من هجاء كانا يتعابثان به، ومن طريف ما ينسب إليه من شعر قوله: وإنى لصبّار على ما ينوبنى ... وحسبك أن الله أثنى على الصّبر وأم عبد الصمد أم ولد يقال لها الزرقاء، وكان له أخ يسمى أحمد كان شاعرا أيضا، يقول أبو الفرج: «كان عفيفا ذا مروءة ودين وتقدم فى المعتزلة». وفى أشعار عبد الصمد ما يدل على أنه كان يختلف إلى حلقات الرواة واللغويين إذ يقول: لن تلبسوا منطقى بمشكلة ... إلا عن الأصمعىّ أو خلف (٢) يريد خلفا الأحمر. وكان على عكس أخيه أحمد فيه لهو ومجون وتعابث، وكان هجّاء خبيث اللسان حتى ليصبح الهجاء عنده كأنه غريزة، فإذا هو يتناول به أخاه، وكان له جاه واسع فى بلدته وعند حكامه لا يقاربه عبد الصمد

стр. 1269

فيه فكان يحسده ويهجوه فيحلم عنه، وحدث أن قدم على بعض الخلفاء فأكرمه وخلع عليه ووصله بمال كثير، ورجع إلى البصرة، فاستقبله جلّتها استقبالا حافلا، أما عبد الصمد فاستقبله بقوله: ولما أن أتته دريهمات ... من السلطان باع بهنّ ربّه كسبت أبا الفضول لنا معابا ... وعارا قد شملت به وسبّه وفكر أحمد فى أن يجاور فى الثغور ويجاهد فى جيش إسحق بن إبراهيم المصعبى صاحب بغداد وحاكمها ولم يكد يلقاه حتى أنشده شعرا مدحه به، فأمر له بخمسمائة دينار. وبدا لأحمد أن يعود إلى البصرة، فتلقاه عبد الصمد بقوله: يرى الغزاة بأن الله همّته ... وإنما كان يغزو كيس إسحاق فباع زهدا ثوابا لا نفادله ... وابتاع عاجل رفد القوم بالباقى (١) وكان لا يخفّ على نفسه أحد أبناء أخيه، ويقال إنه كان فيه تيه وعجب، فتولاه كما تولى أباه بأهاج كثيرة من مثل قوله: يا أبغض الناس فى عسر وميسرة ... وأقذر الناس فى دنيا وفى دين لو شاء ربى لأضحى واهبا لأخى ... بمرّ ثكلك أجرا غير ممنون إن القلوب لتطوى منك يابن أخى ... إذا رأتك على مثل السّكاكين وطبيعى وهذا شأنه فى أهله أن يعظم شره على من حوله من الشعراء، وأن يقود معهم معارك هجاء كثيرة، وهى معارك كثرت فيها السهام المسمومة. على نحو ما نجد فى أهاجى حمدان بن أبان له، إذ قذف أمه الزرقاء طويلا، وكان كثيرا ما يأتى هو نفسه الشعراء من هذه الجهة لا يتورّع، من مثل قوله فى أبى رهم: لو جاد بالمال أبو رهم ... كجوده بالأخت والأمّ أضحى وما يعرف مثل له ... وقيل أسخى العرب والعجم واشتبك مع الجمّاز ابن أخت سلم الخاسر، وكان لا يقلّ عنه خبثا فى

стр. 1270

هجائه ولا شرّا، وكان مما صبّه الجماز على رأسه قوله: ابن المعذّل من هو ... ومن أبوه المعذل سألت وهبان عنه ... فقال: بيص محوّل (١) وكان وهبان رجلا يبيع الحمام، فجمع طائفة من أصحابه وجيرانه وجعل يغشى المجالس ويحلف أنه ما قال: عبد الصمد بيض محوّل ويسألهم أن يعتذروا إليه، فلم يبق خاصّ ولا عام إلا رواهما، وردّ عليه عبد الصمد قائلا: نسب الجمّاز مقصو ... ر إليه منتهاه ليس يدرى من أبو الجمّ ... از إلا من يراه غير أن شعره فيه لم يشع على الألسنة، لأن فهمه يحتاج إلى شئ من الفطنة. ووقع بينه وبين يزيد بن محمد المهلبى الشاعر تباعد، فهجاه يزيد ونسبه إلى الشؤم، فكال له الصاع صاعين، ونراه يتعرض لأبى تمام حين اجتمع به فى مجلس مزريا على تكسبه بشعره، قائلا له: أنت بين اثنتين تبرز للنا ... س وكلتاهما بوجه مذال (٢) لست تنفكّ طالبا لوصال ... من حبيب أو طالبا لنوال أىّ ماء لحرّ وجهك يبقى ... بين ذلّ الهوى وذلّ السّؤال وفكر أبو تمام فى إفحامه، ثم أنشد: أفىّ تنظم قول الزّور والفسد ... وأنت أنزر من لا شئ فى العدد (٣) أشرجت قلبك من بغضى على حرق ... كأنها حركات الروح فى الجسد (٤) وكان لا يزال يصب سياط هجائه على جيرانه ومن يختلط بهم من القيان اللائى يعرضن عنه وأصحابهم من المقينين، وله مرثية كلها هجو فى أحد الطفيليين وقد صوّر فيها نهمه وموته من هذا النهم، استهلها بقوله:

стр. 1271

أحزان نفسى عليه غير منصرمه ... وأدمعى من جفونى الدهر منسجمه وله أشعار مختلفة فى الغلمان وقصيدة بديعة يصور فيها عشق جارية مغنية لشاب كان كاتبا عند مولاها ابن الجوهرى وكان شيخا همّا قبيح الوجه، وكيف أنها هربت إليه فى جنح الليل، وفيها يقول: خرجت والليل معتكر ... لم يهلها أيّة سلكت وعيون الناس قد هجعت ... ودجى الظلماء قد حلكت لم تخف وجدا بعاشقها ... حرمة الشّهر الذى انتهكت ورأت لما شفت كمدا ... أنها فى دينها نسكت وكان يحسن تصوير ما يصفه، وهو إحسان جعله يبرع فى تصوير الطبيعة، ويظهر أنه كان يشغف بمناظرها شغفا شديدا على نحو ما نرى فى تصويره لبستانه، وكان بستانا غاصّا بالأشجار والرياحين وفيه يقول: إذا لم يزرنى ندمانيه ... خلوت فنادمت بستانيه فنادمته خضرا مونقا ... يهيّج لى ذكر أشجانيه يقرّب لى فرحة المستلذّ ... ويبعد همى وأحزانيه أرى فيه مثل مدارى الظّباء ... تظلّ لأطلائها حانيه (١) ونور أقاح شتيت النبات ... كما ابتسمت عجبا غانيه ونرجسه مثل عين الفتاة ... إلى وجد عاشقها رانبه وقد مرت بنا فى حديثنا عن ازدهار الشعر قطعة طويلة من قصيدته الرائعة فى تصوير حمّى أصابته تصويرا يدل على دقته فى الوصف وإحاطته بتفاصيل ما يصفه. ومما لا شك فيه أنه كان شاعرا بارعا خصب القريحة، وأنه كان يحرص على الألفاظ المألوفة، ولكن مع المتانة والرصانة، وكانت وفاته سنة ٢٤٠ للهجرة.

стр. 1272

الفصل السّابع طوائف من الشعراء ١ - شعراء الغزل كثر الغزل فى هذا العصر كثرة مفرطة، حتى ليمكن أن يقال إن جميع الشعراء عنوا بالنظم فيه، وهى عناية أعدّته لكى يزدهر ازدهارا واسعا، إذ تداوله أفذاذ الشعراء، وصاغوه بعقلياتهم الخصبة الحديثة وما أوتوه من قدرة على التوليد فى المعانى القديمة واستنباط كثير من الخواطر والأخيلة الجديدة. وقد مضوا يتسعون بكل صوره القديمة حتى النسيب ووصف الأطلال والديار الدارسة، فقد استبقوا هذا الوصف، وحاولوا أن يبثوا فيه طوابع فكرهم الدقيق وإحساسهم الحضرى المرهف، على نحو ما مرّ بنا فى الفصل الرابع. وقد مضى الغزل يجرى فى نفس التيارين اللذين اندفع فيهما منذ عصر بنى أمية، ونقصد تيارى الغزل الصريح والغزل العفيف، وكان التيار الأول أكثر حدة وعنفا، بسبب انتشار دور النخاسة وما كانت تموج به من إماء وقيان روميات وخراسانيات وغير خراسانيات وروميات، إماء وقيان من كل جنس، وقد أخذن يتسلطن على الحياة العباسية ويشعن فيها كثيرا من صور التحلل الخلقى، مستبدات بمكان الحرائر القديم من الشعراء. ونفس الشعراء كانت كثرتهم من الموالى الذين نبذوا التقاليد الخلقية الإسلامية والعربية، إما بعامل الزندقة والشعوبية، وإما بعامل الترف وما ينتشر معه من فساد الأخلاق. وشتان بين الغزل للصريح فى هذا العصر عند مطيع ابن إياس وأبى نواس وأضرابهما وبينه فى العصر الأموى عند عمر بن أبى ربيعة والأحوص وأمثالهما، إذ كانوا يحتفظون بغير قليل من الوقار والحشمة، أما مطيع وأبو نواس وبشار ونظراؤهم العباسيون فقد خرجوا عن كل حشمة ووقار خروجا؟ ؟ ؟ ، يكون ثورة، بل هو ثورة حقيقية، فهم يتحدثون فى غزلهم عن غرائزهم

стр. 1273

النوعية فى غير تعفف ولا حياء ولا كرامة، وقد استحدث كثيرون منهم-باستثناء بشار-ضربا جديدا من هذا الغزل الصريح، وهو الغزل بالغلمان، وهو يصور ما انتهت إليه حياتهم من الفساد، لكثرة الرقيق، وقد أطلقوا لأنفسهم فيه العنان لا يرعوون ولا يستحون. وكان يجرى بجانب هذا التيار تيار الغزل العفيف، ولكن مجراه أخذ يضيق ضيقا شديدا بالقياس إلى عصر بنى أمية إذ كان يتسع حتى يشمل بوادى الحجاز وحتى تجرى أسراب منه فى مكة عند أمثال عبد الرحمن الجشمىّ الملقب بالقسّ لنسكه وفى المدينة عند أمثال عروة بن أذينة. ومن أعلامه فى البوادى قيس بن ذريح وجميل بن معمر العذرى، حيث نجد الحب النقى الطاهر الذى يملك على الشاعر كل عواطفه وأهوائه، حتى ليصبح ضربا من الهيام القوى الحادّ الذى يدفع الشاعر إلى التغنى بمحبوبته فى شعر عذب لا يخدش حياء، شعر يموج بالحرمان وحرارة العشق وشدة الظمأ الذى لا ينتهى. وطبيعى أن يضعف هذا التيار فى العصر العباسى الأول الذى قلما عرف فيه الشعراء العفة والطهر، ومع ذلك فقد بقيت له بقية عند العباس بن الأحنف وعند بعض الشعراء الذين هاموا ببعض الجوارى ثم بعن وضرب بينهم وبينهن حجاب صفيق، فعاشوا يتعذبون بالحب، وعاش الحب فى قلوبهم قويّا حادّا، ومن خير من يصور ذلك على بن أديم الكوفى الذى أحب جارية تسمى «منهلة» منذ صغرها، حتى إذا أدركت باعها أهلها لبعض الهاشميين، فطار لبه، وبكاها بكاء حارّا بمثل قوله (١): صاحوا الرحيل وحثّنى صحبى ... قالوا الرواح فطيّروا لبّى لا صبر لى عند الفراق على ... فقد الحبيب ولوعة الحبّ ويقول أبو الفرج: «له حديث طويل معها فى كتاب مفرد مشهور صنعه أهل الكوفة لهما، فيه ذكر قصصهما وقتا وقتا وما قال فيها من الأشعار، وأمرهما متعالم عند العامة» وفيها يقول (٢): يا نصب عينى لا أرى ... حيث التفتّ سواك شيّا

стр. 1274

إنى لميت إن صدد ... ت وإن وصلت رجعت حيّا وعلى شاكلته محمد بن أمية، وكان يهوى جارية تسمى خداع رآها تغنّى ببعض دور النخاسة، فشغف بها شغفا شديدا واتصلت زياراته لها، وبادلته حبّا بحب، ولقيته، ولكنها ظلت تدافعه عن نفسها، وكثيرا ما كانت تعده الزيارة ولا تزوره. وهو يقول لها دائما إنى أحبك إنى أنتظرك، من مثل قوله (١): ربّ وعد منك لا أنساه لى ... أوجب الشكر وإن لم تفعلى أقطع الدهر بظنّ حسن ... وأجلّى غمرة ما تنجلى كلما أمّلت يوما صالحا ... عرض المكروه لى فى أملى وأرى الأيام لا تدنى الذى ... أرتجى منك وتدنى أجلى وبينما هو يمى نفسه باقتطاف ثمرة الحب اشتراها بعض ولد المهدى. فحجبت عنه وانقطع ما بينهما إلا مكاتبة ومراسلة. واستقر حبها فى قلبه وملك عليه كل شئ من أمره، فمضى يتغبى بها طويلا، وكان خلاّنه يلومونه ويقولون له: إنها تبخل عليك بودّها، فدعها إلى غيرها، فينشدهم مثل قوله (٢): أأن حجبت عنى أجود لغيرها ... بودّى وهل يغرى المحبّ سوى البخل أسرّ بأن قالوا تضنّ بودّها ... عليك ومن ذا سرّ بالبخل من قبلى وبون بعيد بين حرارة هذا الغزل العفيف والغزل المماثل له فى عصر بنى أمية الذى نقرؤه عند قيس بن ذريح وأضرابه، فإن غزلهم يصور حبّا جامحا، وكأن فى صدورهم شواظ نار، فهم يألمون كما لم يألم أحد، ألما تعجز النفوس العادية عن احتماله، ألما يعصف بهم كالسيل المندفع الذى لا يترك لهم رويّة ولا أناة، إنما يترك لهم الحزن الممض والدموع الغزار. ومن أجل ذلك نقول: إن الغزل العذرى فى العصر العباسى الأول قد أخذ يضيق مجراه. لأنه لا يبلغ من التأثير فى النفس والقلب ما يبلغه الغزل العفيف الأموى، وكأنما أفسدت الحضارة هذا الفن، فإذا هو يجرى فيه التكلف ولا يكاد يؤثر فى العاطفة والشعور إلا قليلا. على أنه من الخطأ أن نصع حدّا فاصلا فى هذا العصريين الغزل العفيف والغزل

стр. 1275

الصريح فإنه تلقانا عند المصرحين الذين لا يحتشمون ولا يتوقّرون، والذين يعبرون عن الحب الجسدى حب الغرائز الذى لا يخلو من الفسوق والإثم أسراب مختلفة من الحب المبرّح تجعلهم يقتربون أحيانا من أصحاب الحب العفيف، واقرأ فى بشار مثلا فستجد عنده كثيرا من الغزل الآثم، وستجد بجانبه غزلا، فيه لوعة. وفيه ألم وسهاد، وفيه صبوة يسودها غير قليل من الاحتشام، على نحو ما يلقانا فى أشعاره لصاحبته عبدة، ومثله أبو نواس فى أشعاره لجنان جارية الثقفين، وقد ظلت تحلق بعيدا عنه وراء السحب. والحب يضنيه ويبرّح به، ونضرب مثلا من شعر هؤلاء الخليعين الماجنين يصور كيف كان الحب أحيانا يستأثر بكل ما فى قلوبهم من هوى وعاطفة، وكيف كانوا يتعمقون فى دقائقه تعمقا يفضى إلى كثير من السعة والجمال، وهو هذه القطعة التى أنشدها صاحب الأغانى لآدم حفيد عمر ابن عبد العزيز، وكان خليعا ماجنا فى أول أمره، وفيها يقول لصاحبة له (١): أحبّك حبّين: لى واحد ... وآخر أنّك أهل لذاك فأما الذى هو حبّ الطّباع ... فشئ خصصت به عن سواك وأما الذى هو حبّ الجمال ... فلست أرى ذاك حتى أراك ولست أمنّ بهذا عليك ... لك المنّ فى ذا وهذا وذاك وقد أدخلت رابعة العدوية تعديلا قليلا على هذه القطعة، فأصبحت أمّا للشعر الصوفى كله على نحو ما سنرى فى حديثنا عن شعراء الزهد. وفى الأغانى حشد هائل من أشعار عباسية تتخلص من المادة وأدرانها وتصور جحيم الحب ونعيمه، كانت تجرى على ألسنة المجان وأشباههم. ومرّ بنا فى الفصل الرابع أن شعراء هذا العصر استخرجوا كثيرا من دفائن المعانى فى غزلهم، فقد كان عقلهم خصبا يقتدر على تشعيب المعانى وتحليلها واستنباط كثير من دقائقها. وكثير من غزلهم لا يصور ذلك فحسب، بل يصور أيضا حسهم المترف الدقيق وشعورهم الرقيق المرهف، وقد صورنا ذلك من بعض الوجوه فى حديثنا عن أعلامهم فى الفصل الخامس. وظاهرة ثالثة هى كثرة العبارات اللينة

стр. 1276

فى غزلهم، وهو شئ طبيعى مردّه إلى حياتهم المتحضرة وأنهم كانوا يتجهون بأكثر غزلهم إلى الجوارى المغنيات، ولم يكنّ متبدّيات إنما كن متحضرات، فكانوا يختارون لهن اللفظ السهل البسيط الذى يلمس القلوب لمسا بدون أى حجاب. وظاهرة رابعة هى شيوع الأوزان المجزوءة والقصيرة فى هذا الغزل، وقد أوضحنا فى كتاباتنا عن عصر بنى أمية نشوء هذه الظاهرة فى شعر الغزل الأموى بسبب معانقته لنظرية الغناء التى استحدثها الموالى الأجانب، وكيف أن هذه النظرية دفعت الشعراء دفعا إلى الملاءمة الدقيقة بين غزلهم وأصوات الغناء، ووضعه بحيث يؤدّى ما يريدونه من مدّ أصواتهم بالألحان والهمس بها، وهى غاية أحدثت فى الأوزان القديمة كثيرا من التجزئة وكثيرا من صور الزحافات، وما زالت هذه الصور تتسع حتى استكشف الوليد بن يزيد وزن المجتث. وقد بسطنا فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» كيف أن هذه الظاهرة نمت فى غزل العباسيين بنمو الغناء، وكيف دفعت إلى ظهور أوزان جديدة، هى أوزان المقتضب والمضارع والمتدارك. وفى الفصل الرابع من هذا الكتاب تصوير موجز لذلك. وينبغى أن ننبّه هنا إلى أن الغزل هو الذى دفع الشعراء دفعا إلى التحوير فى الأوزان القديمة تحويرا نفذوا منه إلى كثير من صور التجديد فيها وفى القوافى. وظاهرة خامسة تقترن بالجوارى اللائى كان ينظم فيهن الشعراء، وذلك أن كثيرا منهن كن مثقفات يحسنّ صوغ الشعر ونظمه، فكان الشعراء يراسلونهن، وكانوا أحيانا يفضون إليهن ويتطارحون معهن شعر الغزل. ومن أشهرهن فى هذا الباب عريب جارية المأمون ومتيم جارية على بن هشام ودنانير جارية البرامكة وقد عقد ابن المعتز فى آخر كتابه «طبقات الشعراء» فصولا لطائفة منهن، على رأسهن عنان جارية الناطفى، ويقول ابن الجراح: «كانت تجلس للشعراء ويجتمعون إليها، فيلقى عليها كل رجل منهم الأبيات الغريبة والمعانى النادرة فتجيبه بديها (١)» ويروى بعض محاوراتها مع أبى نواس، من ذلك أنه دخل عليها فوجد الناطفى مولاها قد ضربها وهى تبكى فقال:

стр. 1277

بكت عنان فجرى دمعها ... كالدرّ قد توبع فى خيطه فقالت، والعبرة فى حلقها: فليت من يضربها ظالما ... تجفّ يمناه على سوطه ويروى ابن الجراح أن شخصا وجد بيتا فى كتاب، أعجبه، فطلب من يجيزه وعزّ عليه الطلب، فلجأ إليها، وأنشدها البيت: وما زال يشكو الحب حتى سمعته ... تنفّس من أحشائه أو تكلّما فما لبثت أن قالت: ويبكى فأبكى رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعا بكيت له دما وقد أشاع هؤلاء الجوارى الشواعر كثيرا من الظرف والرقة فى الغزل العباسى، إذ كن يعجبن باللمحة الدالة والخاطرة الدقيقة. وغيرهن من الجوارى كن يشاركنهم فى تذوق الشعر، وكن يكتبن ما يستحسنّ منه على عصائبهن ومراوحهن كما مرّ بنا فى الفصل الثانى. وكل ذلك عمل على ازدهار الغزل فى هذا العصر ازدهارا واسعا ونحن نقف عند شاعرين من شعرائه؛ أحدهما من أصحاب الغزل العفيف، وثانيهما من أصحاب الغزل الصريح، ولكن دون نبو على الذوق ودون ما يؤذى النفوس المهذبة، وهما العباس بن الأحنف وربيعة الرّقّى. العباس بن الأحنف (١) عربى من بنى حنيفة، كان آباؤه ينزلون فى خراسان، واتصلوا بالعباسيين ولمع منهم عمه حاجب إذ انتظم بين رجال الدولة، ومنشأ العباس ومرباه ببغداد، ويظهر أنه نشأ فى نعمة وثراء، جعلاه ينصرف عن شعر المديح الذى كان يجذب إليه عامة الشعراء طلبا للنوال والعطاء. وقد أخذ يعيش حياة مترفة، يختلط فيها بالشعراء من

стр. 1278

أمثال أبى نواس وغير أبى نواس، ولكن دون أن يتردّى فى خلاعتهم ومجونهم. وقد يحضر مجالس الأنس والشراب ولكن دون تعمق ودون إثم، وفى ذلك يقول ابن المعتز: «كان يتعاطى الفتوة على ستر وعفة وله مع ذلك كرم ومحاسن أخلاق وفضل من نفسه، وكان جوادا لا يليق درهما ولا يحبس ما يملك». وفى أشعاره وصف للكرة والصولجان يدل على أنه كان يمارس هذه الرياضة. ويقولون إنه كان فيه ظرف. وكأنه كان مثال العربى البغدادى المهذب فى عصره الذى أخذ بأسباب الترف والنعيم أخذا كان له أثره فى ذوقه المضفى المهذب وشعوره الرقيق المرهف. وقد مضى ينفق حياته فى التغنى بعواطفه وحبه، وفى ذلك يقول أبو الفرج: «كان العباس شاعرا غزلا ظريفا مطبوعا. . وله مذهب حسن ولديباجة شعره رونق ولمعانيه عذوبة ولطف ولم يكن يتجاوز الغزل إلى مديح ولا هجاء ولا يتصرف فى شئ من هذه المعانى، وقدّمه أبو العباس المبرد فى كتاب الروضة على نظرائه وأطنب فى وصفه. وقال: رأيت جماعة من الرواة الشعر يقدمونه، وقال: كان العباس من الظرفاء، ولم يكن من الخلعاء، وكان غزلا ولم يكن فاسقا، وكان ظاهر النعمة ملوكى المذهب شديد الترف، وذلك بيّن فى شعره، وكان قصد الغزل وشغله النسيب، وكان حلوا مقبولا غزلا غزير الفكر واسع الكلام كثير التصرف فى الغزل وحده، ولم يكن هجاء ولا مداحا». وقد فتح اشتهاره بالغزل باب قصر الرشيد أمامه، حتى أصبح من ندمائه، وحتى صحبه فى غزواته بأرمينية وأذربيجان، ذلك أنه كان إذا غاضب إحدى جواريه أو أدلّت عليه أمره بصنع أبيات يغنّى فيها إبراهيم الموصلى، فتعود صاحبته إليه، ويتصل بينهما ما انقطع، من ذلك أنه غاضب ماردة أم المعتصم، وتوقع أن تبدأه بالترضى، فلم تفعل حتى أقلقته وأرّقته، وصار بأمرّ عيش، وعرف ذلك جعفر البرمكى، وقيل الفضل بن الربيع، فأعلم العباس القصة وطلب إليه أن يقول فى ذلك شيئا، فلم يلبث أن قال: العاشقان كلاهما متجنّب ... وكلاهما متعتّب متغضّب صدّت مغاضبة وصدّ مغاضبا ... وكلاهما مما يعالج متعب

стр. 1279

راجع أحبّتك الذين هجرتهم ... إن المتيّم قلما يتجنّب إن التجنّب إن تطاول منكما ... دبّ السّلوّ له فعزّ المطلب وألقاها إلى إبراهيم الموصلى فغنّى بها الرشيد، فلما سمعها بادر إلى ماردة فترضّاها. ويقال إنها أمرت للعباس وإبراهيم بعشرين ألف درهم مناصفة وأمر لهما الرشيد بأربعين ألفا. وانعقدت الصلة بينه وبين محمد بن منصور بن زياد الملقب بفتى العسكر، وتصادف أن رأى عنده جارية جميلة تسمى فوز، فوقعت فى قلبه، وأخذ يكثر من زياراته، وهو إنما يريدها، وعرفت حبه، فكانت تصدّ عنه. وهو يزداد حبّا وشكوى من أنها لا تقبل عليه، وأكثر من تصوير إعراضها عنه بمثل قوله: قالت ظلوم سميّة الظّلم ... مالى رأيتك ناحل الجسم يا من رمى قلبى فأقصده ... أنت العليم بموضع السّهم (١) أخذ يكثر من شكواه وتضرعه مصورا سهاده وما دلعته من نيران العشق فى قلبه وغدا مستهاما بها يحبها كل الحب ويفتن بها كل الفتون، حتى لكأنها غدت ليلى وغدا المجون، فهو دائما يصف صبابته بها ووجده وجدا لم يجده أحد، وجدا يتعمقه حتى ليصطلى بناره المحرقة، وقد مضى يصور ذلك لا فى قصيدة أو قصائد معدودة وإنما فى ديوان رائع، تجد فيه النفوس غذاء روحيّا ممتعا، لأنه يرتفع عن الحس والمادة ارتفاع الشعر العذرى الأموى، بما يصف من حب لا يخمد أواره، من مثل قوله: الحبّ أول ما يكون لجاجة ... تأتى به وتسوقه الأقدار حتى إذا سلك الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار من ذا يعيرك عينه تبكى بها ... أرأيت عينا للبكاء تعار

стр. 1280

وقوله: أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به انعاشقون من عشقوا صرت كأنى ذبالة نصبت ... تضيئ للناس وهى تحترق وكانت تكثر بينه وبينها المراسلات، وربما زارته زورة قصيرة ومضت، مخلّفة وراءها حسراته وآلامه وعذابه، وربما اضطرت إلى أن تهجره طويلا أو قصيرا أو أن تزورّ عنه فى بعض زياراته لها، فكان يجزع أشد الجزع ويبكى أحر البكاء بمثل قوله: أبكى الذين أذاقونى مودّتهم ... حتى إذا أيقظونى للهوى رقدوا جاروا علىّ ولم يوفوا بعهدهم ... قد كنت أحسبهم يوفون إن عهدوا لأخرجنّ من الدنيا وحبّكم ... بين الجوانح لم يشعر به أحد وقوله: لما رأيت الليل سدّ طريقه ... عنى وعذّبنى الظلام الرّاكد والنّجم فى كبد السماء كأنه ... أعمى تحيّر مالديه قائد ناديت من طرد الرقاد بسدّه ... مما أعالج وهو خلو هاجد ألقيت بين جفون عينى حرقة ... فإلى متى أنا ساهر يا رافد وفى قصيدة هذه المقطوعة يقول: والله لو أن القلوب كقلبها ... ما رقّ للولد الصغير الوالد وخرجت من ملك محمد بن منصور إلى ملك بعض أمراء البيت العباسى وحجّ بها، فمضى يبكيها بدموع غزار مصورا حبه لها وهيامه فى أشعار كثيرة من مثل قوله من رسالة شعرية أرسل بها إليها: أزين نساء العالمين أجيبى ... دعاء مشوق بالعراق غريب كتبت كتابى ما أقيم حروفه ... لشدة إعوالى وطول نحيبى

стр. 1281

أخطّ وأمحو ما أخطّ بعبرة ... تسحّ على القرطاس سحّ ذنوب (١) أيا فوز لو أبصرتنى ما عرفتنى ... لطول نحولى بعدكم وشحوبى وأنت من الدنيا نصيبى فإن أمت ... فليتك من حور الجنان نصيبى أرى البين يشكوه المحبون كلهم ... فياربّ قرّب دار كلّ حبيب وعادت، وعاد له عذابه بها كما لم يتعذب أحد، وقد ظل يهتف باسمها وحبها حتى وافته منيته سنة مائة واثنتين وتسعين. ويقال إنه خرج مع غلام له إلى بعض الرياض، وقد اعتراه ضعف شديد، فاستلقى تحت شجرة ورفع طرفه، وهو لا يكاد يرفعه ضعفا، وأنشأ يقول: يا سقيم الجسم من محنه ... مفردا يبكى على شجنه كلما جدّ البكاء به ... دبّت الأسقام فى بدنه ثم أغمى عليه، وأقبل طائر فوقع على الشجرة، وجعل يغرّد، فسمع تغريده، وفتح عينيه، وقال: ولقد زاد الفؤاد شجى ... طائر يبكى على فننه شفّه ما شفّنى فبكى ... كلّنا يبكى على سكنه ثم تنفس تنفسا مديدا فاضت فيه نفسه. وواضح من كل ما قدمنا أن غزل العباس عذرى طاهر نقى وأنه يمتاز بجزالة اللفظ مع عذوبته كما يمتاز بغزارة المعانى والخواطر حتى لكأنما يستمد من معين فى نفسه لا ينضب. وكان يعمد أحيانا إلى شئ من صور البديع، غير أنها تأتى عفوا، ولا تؤثر أى تأثير فى قوة العاطفة وانطلاقها كالسيل المندفع. ربيعة الرّقى (٢) هو ربيعة بن ثابت، من أهل الرّقّة، بها مولده ومنشؤه، وكان ضريرا، وتفتحت شاعريته مبكرة، فأخذ شعره يشيع، حتى رقى إلى سمع المهدى،

стр. 1282

فأشخصه إليه، فمدحه بعدة قصائد، وأثابه عليها عطاء جزيلا. غير أنه حنّ إلى موطنه، فعاد إليه، وكان لا يبرحه إلا قليلا، مما كان سببا فى إخمال ذكره، لبعده عن بلاط الخلفاء ومخالطة الشعراء فى بغداد. ولم ترو له كتب الأدب شيئا من مديحه فى المهدى إنما روت له مقطوعة من قصيدة بديعة قالها فى العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس صفىّ الرشيد، وفيها يقول: لو قيل للعباس يا بن محمّد ... قل: لا، وأنت مخلّد، ما قالها ما إن أعدّ من المكارم خصلة ... إلا وجدتك عمّها أو خالها وإذا الملوك تسايروا فى بلدة ... كانوا كواكبها وكنت هلالها وجزاه جزاء بخسا إذ بعث إليه بدينارين، فجنّ غيظا، وهجاه هجاء مريرا. وعلم الرشيد القصة فغضب على العباس، وأمر لربيعة بثلاثين ألف درهم وخلعة. وممن صلى هجاءه لنقص عطائه معن بن زائدة، ومنهم يزيد بن أسيد السّلمى، وكان قد ردّه ردّا غير جميل، بينما أوسع له فى العطاء يزيد بن حاتم المهلبى، فمضى يقول أبياته السائرة: لشتّان ما بين اليزيدين فى النّدى ... يزيد سليم والأغرّ ابن حاتم يزيد سليم سالم المال والفتى ... أخو الأزد للأموال غير مسالم فهمّ الفتى الأزدىّ إتلاف ماله ... وهمّ الفتى القيسىّ جمع الدراهم فلا يحسب التّمتام أنى هجوته ... ولكننى فضّلت أهل المكارم وقد تعلق بغير جارية، مما جعله ينظم غزلا كثيرا، ويقول ابن المعتز: أما شعره فى الغزل فإنه أشعر أهل زمانه جميعا، وما أجد أطبع ولا أصحّ غزلا منه، ويقول أيضا: «كان ربيعة أشعر غزلا من أبى نواس لأن فى غزل أبى نواس بردا كثيرا وغزل هذا سليم سهل عذب». وغزله يسلك فى الغزل الصريح إذ كان فيه لهو حتى لقّب بالغاوى، وممن كان يهواهن جارية يقال لها «عشمة» كانت أمة لرجل من أهل قرقيسياء، وقعت فى قلبه، فظل يتغنى بها على شاكلة قوله:

стр. 1283

أعثمة أطلقى العلق الرّهينا ... بعيشك وارحمى الصّبّ الحزينا (١) تعلّق زائرا لك فاوحميه ... فقد أورثت زائرك الجنونا ولما أن رآك الناس قالوا ... تعالى الله ربّ العالمينا فقد أعطاك ربّك فاشكريه ... جمالا فوق وصف الواصفينا إذا أقبلت رعت الناس حسنا ... وإن أدبرت قيّدت العيونا وله فيها أشعار كثيرة، ويظهر أنها أول جارية شغف بها، وقد شغف من بعدها بجارية من جوارى الكرخ ببغداد تسمّى «رخاص» كما شغف بأخرى تسمّى داحا، وفيها يقول: صاح إنى غير صاحى ... أبدا من حبّ داح أنا والله قتيل ... لك من غير جراح لا بسيف قتلتنى ... لا، ولا سمر الرّماح أنت للناس قتول ... بالهوى لا بالسّلاح وبشكل وبدلّ ... وبحسن ومزاح وبعينين صيودي ... ن وثغر كالأقاحى ليتنى كنت حماما ... لك مقصوص الجناح وله فى جارية تسمى «سعاد» أشعار كثيرة أيضا يصور فيها حبه وهيامه وما كانت تراسله به من رسائل، وفى إحدى قصائده فيها يقول: الحبّ داء عياء لا دواء له ... إلا نسيم حبيب طيّب النّسم أو قبلة من فم نيلت مخالسة ... وما حرام فم ألصقته بفم ويظهر أن غزله كان يذيع فى عصره وينتشر على كل لسان، حتى ليقال إن جوارى المهدى هن اللائى دفعنه ليحضره من الرقة حتى يستمعن منه إلى شعره. ويتصل بهذا الانتشار ما يروى من أن صانعى البسط كانوا يكتبون أشعاره

стр. 1284

عليها، فقد حدث بعض العباسيين أنه رأى فى دور بساط قديم من بسط دار الخلافة هذه الأبيات: وتزعم أنى قد تبدّلت خلّة ... سواها وهذا الباطل المتقوّل لحا الله من باع الصديق بغيره ... فقالت نعم حاشاك إن كنت تفعل ستصرم إنسانا إذا ما صرمتنى ... يحبك فانظر بعده من تبدّل وشعر ربيعة كله على هذا النحو المصقول، الذى يروع بسلاسته وجمال ديباجته ونصاعة ألفاظه، مع الطبع المتدفق والمعانى اللطيفة. ويقال إنه توفى سنة ١٩٨ للهجرة. ٢ - شعراء المجون والزندقة كثر شعراء المجون وما يرتبط به من وصف الخمر فى هذا العصر كثرة مفرطة، وقد عملت على ذلك أسباب مختلفة، فإن كثرة الشعراء كانت من الفرس، وكان كثير منهم يظهر الإسلام ويبطن الزندقة والإلحاد، وساعد على اضطراب النفوس وتسلط الشك على العقول كثرة المقالات والنحل الدينية وشيوع المذاهب الفلسفية مما جعل كثيرين يستهترون بقيم المجتمع الإسلامية، بل لقد كان من بينهم من يريد تحطيمها تحطيما. وسبب ثان يرجع إلى كثرة الرقيق ودور النخاسة التى كأنما كانت أسواقا للعبث. وهو عبث صحبه غير قليل من الفجور، حتى ليمتد إلى الغزل بالغلمان غزلا يصور-عند أبى نواس وأضرابه-انحطاطا خلقيّا شنيعا. وسبب ثالث هو كثرة اتخاذهم للجوارى والإماء، مما أدّى إلى انحلال الروابط الاجتماعية لتسلطهن على الحياة المنزلية، إذ أخذن مكان المرأة العربية الحرة، وكن مختلفات الأجناس، وكثيرات منهن كنّ قد نشّئن على اللهو والمجون والابتذال والخلاعة تنشئة لم تكن تعرفها المرأة العربية المحصنة. وطبيعى لذلك كله أن تنتشر موجة حادة من المجون، ومن غير شك تعد الدولة

стр. 1285

مسئولة منذ المهدى عن انتشار هذه الموجة، ومعروف أنه اتخذ ديوانا للزنادقة وكان حريّا به أن يتخذ ديوانا آخر للمجون، ولكنه لم يصنع. وأخذت الموجة تبلغ حدتها العنيفة منذ عصر الرشيد ولكنه لم يحرك ساكنا لا هو ولا من تلاه من الخلفاء، بل لقد أسهم فيها ابنه الأمين إسهاما واسعا، حتى غدا القصر كأنه حانة، إن صح ما يرويه الرواة. ونفس الفقهاء والمتكلمين مسئولون إلى أبعد حد عن شيوع هذا الفسق والفساد وقد مضوا يشغلون عن المجتمع بمباحثهم الخاصة مهملين ما يدعو إليه الدين من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ومضى الشعراء من حولهم فى الكوفة والبصرة وبغداد يمعنون فى المجون والفجور، وحقّا صرخ شيوخ البصرة من أمثال واصل ومالك بن دينار فى وجه بشار وغزله المادى الصريح الذى يفسد به نساء البصرة وشبانها، وارتفع صياحهم إلى سمع المهدى، فنهاه عن هذا الغزل، وانتهى على كره ومضض، غير أن شيوخ الكوفة وبغداد لم يرتفع لهما صوت. ونفس شيوخ البصرة بعد عصر بشار لزموا الصمت الطويل، مع اشتداد الفسق والغزل المفحش بالإماء والغلمان، فقد كان لا يعرف الغزل الأخير، وكان لا يبلغ من الإفحاش فى غزل الإماء ما بلغه الجيل التالى له. والذى لا شك فيه أن الكوفة سبقت البصرة وبغداد جميعا لهذا العصر فى الفسق والمجون، إذ غرقت فيهما إلى أذنيها، وكان مما أعدّ لذلك دار نخاسة كبيرة قامت بها منذ أواخر عصر بنى أمية، وهى دار ابن رامين، وكان قد جلب إليها كثيرات من قيان الحجاز وإمائه المغنيات أمثال سعدة وربيحة وسلامة الزرقاء، وتولع بهن كثير من شباب الكوفة وغيرهم أمثال إسماعيل بن عمار ومحمد بن الأشعث وشراعة بن الزّندبوذ، ونظموا فيهن كثيرا من الأشعار المادية التى لا تخلو أحيانا من الفحش (١). ولم تلبث أن ظهرت جماعة كبيرة من المجان الخلعاء أمثال والبة ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد. وكان والبة شيطانا مريدا، فهو يسرف فى المجون والخلاعة والغزل الشاذ بالغلمان وكان ينتسب فى قبيلة أسد (٢)، وهى والعرب جميعا برآء منه ومن فحشه

стр. 1286

وشذوذه، وقد أعفاهم منه أبو العتاهية، إذ نسبه فى الروم (١)، وهو الذى أدّب أبا نواس وأفسده فيما يقول الرواة، ويقول أبو الفرج إنه كان خبيث الدين. وقد ذهب شعره إلا أطرافا رواها أبو الفرج وابن المعتز، وهى تصور كيف كان يجاهر بالفسق والمعصية. وممن خلفوا أبانا وجماعته على هذه المجاهرة بكر بن خارجة مولى بنى أسد، وكان ورّاقا ضيق العيش مقتصرا على التكسب من الوراقة وصرف أكثر ما يكسبه إلى النبيذ، وكان معاقرا للشراب فى منازل الخمارين وحاناتهم وتعشق غلاما نصرانيّا يقال له عيسى بن البراء العبادى الصيرفى، وله فيه قصيدة مزدوجة ذكر فيها النصارى وشرائعهم وأعيادهم وأديرتهم، وفيه يقول (٢): زنّاره فى خصره معقود ... كأنه من كبدى مقدود ولم يلبث كثير من شعراء البصرة أن أمعنوا وراء شعراء الكوفة فى هذا الفساد الخلقى، يقودهم الخاركىّ، وفيه يقول أبو نواس: «ما مجنت ولا خلعت العذار حتى عاشرت الخاركى فجاهر بذلك ولم يحتشم فامتثلنا نحن ما أتى به وسلكنا مسلكه، ونحن ومن يذهب مذهبنا عيال عليه» (٣). وكان طبيعيّا أن ينقل شعراء البصرة والكوفة هذا الفساد والتحلل الخلقى إلى بغداد منذ أخذوا يفدون عليها ويقيمون بها فى عهد المهدى ومن تلاه من الخلفاء، يتقدمهم أبو نواس. ومن مجّانها المشهورين الرّقاشى، يقول أبو الفرج: «كان ماجنا متهاونا بمروءته ودينه، وقصيدته التى يوصى فيها بالخلاعة والمجون مشهورة سائرة فى الناس، مبتذلة فى أيدى الخاصة والعامة وهى التى أولها: أوصى الرقاشىّ إلى إخوانه ... وصيّة المحمود فى ندمانه» (٤) ويقول ابن المعتز إنها كانت فى الغلمان وشرب الخمر والقمار والهراش بين الديكة والكلاب (٥). وقد اتسعوا فى الحديث عن الخمر ورائحتها ونفحتها ودنانها وسقاتها وحاناتها وأديرنها. وتعرضوا طويلا للرهبان والراهبات وزنانيرهم. ونرى أبا الفرج حينما يتحدث عن كثير من هؤلاء الخلعاء الماجنين ينصّ على

стр. 1287

حبت دينهم أو على زندقتهم ومروقهم من الإسلام وشريعته الغرّاء على نحو ما نرى فى حديثه عن حماد الرواية وحماد عجرد ومطيع بن إياس، وكأنهم كانوا على مذهب مزدك الذى يدعو إلى اللذات واقتراف الكبائر. وكان من الزنادقة نفر أشربوا حبّ مذهب مانى وما فيه من الزهد والانصراف عن متع الحياة وخير من بمثلهم صالح بن عبد القدوس الأزدى. على أنه ينبغى أن نلاحظ أن كثيرين ممن تورطوا حينئذ فى الخمر والمجون لأوائل حياتهم عادوا وتابوا إلى ربهم وأنابوا، ومن خير من يمثل هذا الفريق آدم ابن عبد العزيز حفيد عمر بن عبد العزيز، يقول أبو الفرج: «كان فى أول أمره خليعا ماجا منهمكا فى الشراب، ثم نسك بعد ما عمّر ومات على طريقة محمودة» ويروى أن المهدى شهد على أنه زنديق، فأمر بضربه ثلاثمائة سوط على أن يقرّ بالزندقة، فقال: والله ما أشركت بالله طرفة عين، فقال له المهدى: فأين قولك: اسقنى واسق خليلى ... فى مدى الليل الطويل قهوة فى ظل كرم ... سبيت من نهر بيل (١) فى لسان المرء منها ... مثل طعم الزّنجبيل قل لمن يلحاك فيها ... من فقيه أو نبيل (٢) أنت دعها وارج أخرى ... من رحيق السّلسبيل (٣) تعطش اليوم وتسقى ... فى غد نعت الطّلول فقال للمهدى: كنت فتى من فتيان قريش، أشرب النبيذ، وأقول ما قلت على سبيل المجون. والله ما كفرت بالله قط، ولا شككت فيه، فخلّى سبيله ورقّ له (٤). وأمثال آدم كانوا كثيرين. ونحن نقف عند ثلاثة من أبرز شعراء الزندقة والمجون وهم حماد عجرد ومطيع بن إياس وصالح بن عبد القدوس.

стр. 1288

حماد (١) عجرد من الموالى، أصله ومنشؤه بالكوفة، كان أبوه نبّالا يبرى النّبل، ويظهر أنه وجهه إلى الدرس والتعلم مبكرا، ويقال إنه لقب بعجرد لأن أعرابيّا مرّ به فى يوم شديد البرد وهو عريان يلعب مع الصبيان، فقال له: تعجردت يا غلام أى قعرّبت فسمى عجردا. وظل عاكفا على التعلم والتأدب، حتى أتقن العربية وانتظم فى سلك المعلمين المؤدبين، غير أنه مضى يفرغ للهو والمجون مع صاحبيه: حماد الراوية وحماد بن الزبرقان، يقول ابن المعتز: «كان بالكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون: حماد عجرد وحماد بن الزبرقان وحماد الراوية يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار ويتعاشرون أجمل عشرة، وكانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا جميعا يرمون بالزندقة». فهو لم يكن ماجنا فحسب، بل أشربت روحه الزندقة كما أشربت المجون، وقد مر بنا فى الفصل الرابع ما قاله أبو نواس من أنه كان يظن أن حمادا رمى بالزندقة لعكوفه على المجون، حتى إذا حبس فى سجن الزنادقة وجدهم يقرءون فى صلاتهم شعرا مزاوجا له، فعرف أنه كان إماما من أئمتهم. وعلى نحو ما كان يتواصل مع حماد الراوية وحماد بن الزبرقان كان يتواصل مع مجان موطنه المتزندقة من أمثال مطيع بن إياس ويحيى ابن زياد. وهو يسلك فى مخضرمى الدولتين الأموية والعباسية، ويظهر أن مجونه قديم إذ يقال إنه كان من ندماء الوليد بن يزيد وأنه ظل إلى أن قتل سنة ١٢٦ للهجرة فعاد إلى موطنه، وأخذ يعيش معيشة مجون وفجر وفسق لا يرعوى ولا يزدجر، بل يصرح بذلك تصريحا عاريا مكشوفا، كما يصرح بزندقته مجاهرا، حتى ليقول فيه مساور الوراق: لو أن مانى وديصانا وعصبتهم ... جاءوا إليك لما قلناك زنديق

стр. 1289

أنت العبادة والتوحيد مذ خلقا ... وذا التزندق نيرنج مخاريق فهو يفوق-فى رأيه-مانى وديصان وأضرابهما من رءوس الزنادقة. ويعابثه صديقه حماد بن الزبرقان شاهدا عليه بزندقته ومجونه قائلا: نعم الفتى لو كان يعرف قدره ... ويقيم وقت صلاته حمّاد هدلت مشافره الدّنان فأنفه ... مثل القدوم يسنّها الحدّاد وابيضّ من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد وكأنما كان عريه فى صباه ولقبه عجرد الذى لزمه إرهاصا لما أخذ فيه بعد من الإباحة وطلب اللذات. وكان يطلبها فى الحانات وفى الأديرة وفى البساتين، متغزلا فى الإماء والغلمان غزلا مكشوفا كان يتبادله مع مطيع بن إياس وغيره ممن كانوا يمعنون معه فى المجون هازئين بالإسلام ودعوته التى تحرم الإباحة واقتراف المنكرات، حتى لينحازوا إلى الزندقة التى تفتح لهم الأبواب إلى الفسوق والفجر الفاجر. ويرتفع ما كان فيه من فسق ومجون إلى سمع المنصور، فيستخدمه أداة للنّيل من محمد بن أخيه السفاح، حتى يسقط فى أعين الرعية ويرتفع عندها ابنه المهدى، ذلك أنه كان قد اتصل به من قبل وأدّبه، وترك فيه أثرا سيئا، إذ جعله يميل إلى اللهو وشئ من المجون. ورأى المنصور أن يهتك ستر ابن أخيه فولاه البصرة بعد ثورة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وأصحبه حمادا، فأكمل إغواءه له، وكشف للناس مجونه، وله فيه مدائح مختلفة من مثل قوله: أرجوك بعد أبى العباس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقا وأغصانا لو مجّ عود على قوم عصارته ... لمجّ عودك فينا المسك والبانا وحدث أن خطب محمد حين ولى البصرة ابنة عم أبيه زينب بنت سليمان العباسى وكان يهواها، فلم يزوجوها له لنقص كانوا يرونه فى عقله، ورأى أن يؤذيهم فطلب إلى حماد أن ينظم فيها غزلا على لسانه، فنظم وأكثر مما أحفظ عليه أخاها محمد ابن سليمان وأهلها، ولم يلبث محمد أن توفى لأوائل سنة مائة وخمسين للهجرة،

стр. 1290

فبكاه حماد بكاء حارّا بمثل قوله: صرت للدهر خاشعا مستكينا ... بعد ما كنت قد قهرت الدهورا ليتنى متّ حين موتك، لا بل ... ليتنى كنت قبلك المقبورا ولم يجرّ عليه نزوله البصرة غضب محمد بن سليمان فحسب، بل لقد جرّ عليه أيضا معركة هجاء حامية الوطيس نشبت بينه وبين بشار شاعر البصرة، ذلك أنه أفسد عليه بعض من كانوا يثيبونه، فهجاه والتحم بينهما الهجاء، وشغف بعض معاصريهما بالتحريش بينهما، فكان ينقل إلى كل منهما ما يقوله فى صاحبه، فيثور ويحاول أن يقذفه بحجر مدم، وتكاثرت الأحجار. وكان بشار -مع زندقته-يكثر من هجائه بالزندقة، وردّ عليه بنفس السهام وبسهام أخرى لم تكن أقل إيذاء، إذ كان يهجوه بعماه وقبح خلقته ودنسه وقذارته مهوّنا منه أشد التهوين ومستخفّا به أشد الاستخفاف، وقد أنشدنا فى الفصل الرابع أطرافا من هذا الهجاء المصمى، وأكثرا جميعا من هجو الأمهات والزوجات. ومن المحقق أن حمادا كان يستعلى عليه فى تلك المعركة، إذ كان يشيع فى هجائه له سخرية مرة من مثل قوله: إن تاه بشار عليكم فقد ... أمكنت بشارا من التيه وذاك إذ سمّيته باسمه ... ولم يكن حرّ يسمّيه لم أهج بشارا ولكننى ... هجوت نفسى بهجائيه ونراه فى بعض عبثه ولهوه مع مطيع بن إياس يلمزه بعض اللمز، ولكنهما لا يندفعان فى الهجاء، فقد كانا صديقين متوادّين. واتصلت صداقته مع يحيى ابن زياد، وكان مثله خليعا ماجنا متّهما بالزندقة، ويقال إنه تاب وأناب بأخرة وهجا حمادا وأشباهه وإنه كان إذا ذكر عنده ثلبه وحكى تهتكه ومجونه، فكتب إليه حماد من قصيدة: إن كان نسكك لا يت ... م بغير شتمى وانتقاصى فعليك فاشتم آمنا ... كلّ الأمان من القصاص

стр. 1291

فلطالما زكّيتنى ... وأنا المقيم على المعاصى أيام أنت إذا ذكر ... ت مناضل عنى مناصى (١) وأنا وأنت على ارتكا ... ب الموبقات من الحراص وله معاتبات بديعة كثيرة لأصدقائه يتحدث فيها عن واجب الصديق للصديق حديثا كله برّ وعطف، على شاكلة قوله: لقد حزت من قلبى مكانا ممنّعا ... أرى لك فيه أن أريق لك الدّما سأشرب كأسيك اللتين سقيتنى ... وإن كانتا والله صابا وعلقما وأدخل كفّى إثر كفّك فى الذى ... عراك ولو أدخلتها ثقب أرقما (٢) وبلغه توعد محمد بن سليمان العباسى بعد وفاة محمد بن السفاح لما كان يردّده من الغزل بلسان ابن عمه فى أخته على نحو ما أسلفنا فمدحه أمداحا مختلفة غير أن محمد بن سليمان ظل حنقا عليه وجدّ فى طلبه، فمضى إلى قبر أبيه سليمان بن على فاستجار به، وبلغ ذلك محمدا فقال: والله لأبلّنّ قبر أبى من دمه، فهرب حماد إلى بغداد فعاذ بجعفر بن المنصور، فأجاره، ويقال إنه طلب إليه هجاء محمد بن سليمان وكان واليا على البصرة فلبّاه وهجاه هجاء مقذعا بمثل قوله: له حزم برغوث وعقل مكاتب ... وغلمة سنّور بليل تولول (٣) وبلغ هجاؤه ابن سليمان فأهدر دمه، ويقال بل قتله لزندقته، وقال: والله لا يفلتنى أبدا، وعرف أنه استتر منه بالأهواز، فأرسل إليه بعض مواليه وأمره أن يفتك به، فلم يزل يطلبه حتى وقف عليه فقتله غيلة سنة ١٦١ للهجرة. مطيع (٤) بن إياس كان أبوه إياس بن مسلم شاعرا، وكان من أهل فلسطين الذين أمدّ بهم

стр. 1292

عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف فى حروبه ضد الثوار، وقد أقام بالكوفة وتزوّج بها فولد له مطيع، وبها كان منشؤه ومرباه. وقد نسبه أبو الفرج إلى كنانة، ثم عاد فتشكك فى هذا النسب محسّا أنه من صنع الرواة. وكل شئ فيه يؤكد أنه لم يكن عربيّا إنما كان من الموالى، فقد كان متحلل الأخلاق مجاهرا بالفسق والعصيان والزندقة والإلحاد، ومضى فى مطالع شبابه يمدح الغمر بن يزيد بن عبد الملك ويظفر بجوائزه السنية، ووصله بأخيه الوليد، فسلكه فى ندمائه وعاد مع حماد عجرد بعد وفاة الوليد بن يزيد إلى الكوفة، وغرقا فى اللهو والمجون والفسق والعصيان مع يحيى بن زياد وغيره من الخلعاء والمجان. واتصل بعبد الله ابن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ونادمه، ورافقه فى ثورته على الأمويين حتى إذا قتل عاد إلى الكوفة يحتسى كئوس الخمر حتى الثمالة. وليست هناك سوءة من سوءات العصر إلا وتضاف إليه. وكان فيه ظرف ودعابة، مما جعله محبّبا إلى رفاقه، وله معهم نوادر كثيرة، من ذلك أن صديقه يحيى بن زياد قال له يوما: انطلق بنا إلى فلانة المغنية صديقتى فإن بينى وبينها مغاضبة، لعلك تصلح بيننا فدخلا إليها، وأقبل يحيى يعاتبها ومطيع ساكت، حتى إذا أكثر يحيى قال لمطيع: ما يسكتك؟ فتوجه إليها مطيع قائلا: أنت معتلّة عليه ومازا ... ل مهينا لنفسه فى رضاك فأعجب يحيى ما سمع، وهشّ له مطيع، ثم قال: فدعيه وواصلى ابن إياس ... جعلت نفسى الغداة فداك وأغربت الجارية فى الضحك. وفى كتاب الأغانى أشعار له كثيرة كان يدعو بها رفاقه إلى اللهو والقصف فى داره وفى البساتين والأديار. وغزله فى الغلمان قليل، ولكن لا شك فى أنه من أوائل من أشاعوا هذا الغزل المزرى، وله غزل كثير فى القيان الكوفيات وخاصة فى جوهر، وفيها يقول: أنت يا جوهر عندى جوهره ... فى قياس الدّرر المشتهره أو كشمس أشرقت فى بيتها ... قذفت فى كل قلب شرره

стр. 1293

وفى أخباره أنه صحب سلم بن قتيبة حين ولى مدينة الرّىّ للمنصور سنة ١٤٥ وهناك عشق امرأة من بنات الدهاقين كان نازلا بجوار دارها، ولم يلبث المنصور أن استدعى سلما فى نفس السنة، فاضطرّ مطيع إلى الرحيل معه، وألمّ فى طريقه بمدينة حلوان وجلس يستريح بجوار نخلتين وتذكر معشوقته، فخنقته العبرات وقال أبياته المشهورة التى أنشدناها فى الفصل الرابع والتى يخاطب فيها نخلتى حلوان خطابا مؤثرا شاكيا لهما فراقه الأحباء والخلان. ومن الأجواد الذين فزع إليهم فى تلك الفترة يستميحهم بمدائحه معن بن زائدة الشيبانى، ويروى أنه لما أنشده مدحته التى يقول فيها مصورا كرمه وبأسه وحلمه وحصافته: فتى نزار وكهلها وأخو ال ... جود حوى غايتيه من كثب ترى له الحلم والنّهى خلقا ... فى صولة مثل جاحم اللهب قال له معن مداعبا: إن شئت مدحناك كما مدحتنا، وإن شئت أثبناك، فاستحيى مطيع من إيثار الثواب على المديح، وهو محتاج إلى الثواب، فأنشأ يقول بديهة: ثناء من أمير خير كسب ... لصاحب فاقة وأخى ثراء ولكن الزمان برى عظامى ... وما مثل الدراهم من دواء فقال معن: لقد لطفت حتى تخلصت، وصدقت لعمرى ما مثل الدراهم من دواء، وأمر له بثلاثين ألف درهم وخلعة سنية. وجذبته بغداد على نحو ما جذبت غيره من الشعراء، فولّى وجهه نحوها، وربما كان من أسباب ذلك خروج رفيقيه حماد عجرد ويحيى بن زياد إلى محمد ابن العباس السفاح بالبصرة. ويظهر أن الدواء الذى وصفه له معن بن زائدة عزّ عليه فى أول مقامه ببغداد، مما جعله يقول: زاد هذا الزمان عسرا وشرّا ... عندنا إذ أحلّنا بغداذا بلدة تمطر التراب على النا ... س كما تمطر السماء الرّذاذا

стр. 1294

ولم يلبث ظرفه أن فتح له أبواب القصر العباسى، فتحها له جعفر بن المنصور. وكان فيه خبث، فانتهز فرصة إعلان المنصور بيعته لابنه المهدى بولاية العهد من بعده، وتقدم عقب فراغ الخطباء والشعراء من إشادتهم بالمهدى، فروى حديثا مصنوعا لتوّه زاعما أن الرسول ﷺ قال: «المهدى منا محمد بن عبد الله وأمه من غيرنا، يملؤها عدلا كما ملئت جورا». وسرّ من صنيعه المنصور، وحفظ ذلك له المهدى. ويقال إنه ارتفع إلى المنصور أنه ماجن زنديق فهمّ بإنزال عقاب صارم به غير أن ابنه المهدى تشفع فيه فعفا عنه، وبذل له المهدى مائتى دينار، وأوصى به والى البصرة فولاه أعمال الصدقات. وربما كانت هذه الولاية غير صحيحة، ولكن من المؤكد أن المهدى ظل راضيا عنه، ولعل هذا الرضا هو الذى جعله يفلت من عقابه حين شدّد فى تعقب الزنادقة سنة ١٦٦ للهجرة وأطاح يرءوس كثيرين منهم. ومما يؤكد زندقته ما يقال من أن الرشيد أتى ببنت له فى الزنادقة، فأقرت بزندقتها وتوبتها قائلة: هذا دين علّمنيه أبى وتبت منه. فقيل الرشيد توبتها وردّها إلى أهلها. ومضى مطيع يعيش لعهد المهدى منهمكا فى المجون والخلاعة والشراب والانطراح فى مواضع اللذات، ونظم فى تلك الحياة الفاجرة كثيرا من الأشعار يصف فيها الخمر أو يتغزل ببعض القيان. وله بجانب ذلك معاتبات لرفاقه تفيض حنانا وعطفا وبرّا، وخاصة مع صديقه يحيى بن زياد، ويقول ابن المعتز: «كان لا يفارقه ليلا ولا نهارا، ويرى كل واحد منهما بصاحبه الدنيا مودة ومحبة». وحدث أن تهاجرا ولم يطق مطيع الصبر على هجره فكتب إليه يعاتبه ويستعطفه مصورا ما كان منعقدا بينهما من ود متصل بمثل قوله: كنت ويحيى كيدى واحد ... نرمى جميعا وترينا معا إن عضّنى الدهر فقد عضّه ... يوجعنا ما بعضنا أوجعا أو نام نامت أعين أربع ... منا وإن أسهر فلن يهجعا حتى إذا ما الشيب فى مفرقى ... لاح وفى عارضه أسرعا سعى وشاة فمشوا بيننا ... فكاد حبل الودّ أن يقطعا

стр. 1295

حتى إذا استمكن من عثرة ... أوقد نيران القلى مسرعا فلم ألم يحيى على فعله ... ولم أقل ملّ ولا ضيّعا وهو عتاب يدل على حس مرهف دقيق. وسرعان ما عاد بينهما الصفاء ومضيا يعبّان من دنان اللهو والمجون حتى كفّ يحيى بأخرة فيما يقال. ولم يلبث أن توفى فبكاه مطيع بكاء حارا، ومن قوله يرثيه ويتفجع عليه: يا أهلى ابكوا لقلبى القرح ... وللدّموع السواكب السّفح (١) راحوا بيحيى ولو تطاوعنى ال ... أقدار لم يبتكر ولم يرح (٢) يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم ومن كان أمس للمدح قد ظفر الحزن بالسرور وقد ... أديل مكروهنا من الفرح (٣) وواضح أن مطيعا كان يتقن جميع الفنون الشعرية وأنه يمتاز فى أشعاره بالسلاسة والعذوبة. ولعل ذلك ما جعله يميل فى كثير من نظمه إلى وزن المجتث والأوزان المجزوءة. وكأنما كان يريد أن يوفر لأشعاره كل ما يمكن من خفة ورقة ورشاقة، حتى تجرى على أفواه الناس، وحتى تلذّ آذانهم، ويقول صاحب الأغانى إن حكما الوادى المغنى تغنّى فى قطعة له، فلم يبق سقّاء ولا طحّان ولا مكار إلا غنّى فيها. وقد ظل مطيع سادرا فى غيه ومجونه حتى توفى سنة ١٦٩ وقيل بل فى سنة ١٧٠ للهجرة لأول خلافة الرشيد. صالح (٤) بن عبد القدوس بصرى من موالى الأزد، وأكبر الظن أنه فارسى الأصل، وكان فى صدر

стр. 1296

نشأته يختلف إلى حلقات الوعاظ والمتكلمين ولم يلبث عقله أن تشوش بما كان يسمع فى تلك الحلقات من مناقشات أصحاب الملل والنحل، فإذا هو يعتنق الثنوية المانوية مذهب آبائه ونحلتهم، وما كانت تقول به من أن العالم نشأ عن أصلين هما النور والظلمة، ولكل منهما إلهه الخاص، وأن مصدر بلاء العالم امتزاج هذين العنصرين، ومن أجل ذلك دعت إلى الزهد فى الحياة ونعيمها الزائل. ونراه فى عصر بنى أمية يكثر من الاجتماع بواصل بن عطاء رأس المعتزلة، مشاركا فيما كان يدور فى مجلسه من مخاصمات كلاميّة ودينية (١)، ونظن ظنّا أنه لم يظهر حقيقة عقيدته حينئذ، وإلا لهتف به واصل، كما هتف ببشار طالبا من أصحابه قتله (٢)، وفى بعض شعره أنه كان يستر نحلته خشية الحبس والعقاب والتنكيل به، يقول: ربّ سرّ كتمته فكأنى ... أخرس أو ثنى لسانى خبل ولو أنى أبديت للناس علمى ... لم يكن لى فى غير حبسى أكل وتوفّى واصل سنة ١٣١ للهجرة، ولم تلبث الثورة العباسية أن اندلعت تسندها حراب الفرس والخراسانيين وسرعان ما انتصرت فأحسّ صالح كأن الحياة واتته، وأخذ يعلن عقيدته ويجاهر بها حينا، وحينا يسترها حين يخاف بعض الحكام، حتى ليصلى صلاة المسلمين حين تحين الصلاة، ويعجب من صلاته بعض من يعرف مذهبه، ويسأله فى ذلك متعجبا، فيقول: «سنة البلد وعادة الجسد وسلامة الأهل والولد». ونمضى فى العصر العباسى ويكثر الزنادقة والمتزندقون على نحو ما صورنا ذلك فى غير هذا الموضع، ويعلن صالح زندقته ولا يواريها، أو بعبارة أدق يعلن مانويته وثنويته، حتى ليؤلف-كما يقول ابن النديم-كتبا فى نصرة عقيدته (٣). وتبلغ به الجرأة أن يحاضر ويجادل فيها بمسجد البصرة، ويتعرض له غير متكلم من المعتزلة وغيرهم وخاصة أبا هذيل العلاف، ويروى أنه ناظره فى الامتزاج الذى يدعيه المانوية بين النور والظلمة فى الجوهر والطبع والفعل والمكان والأبدان والأرواح، وأنه أفحمه وقطعه، فقال:

стр. 1297

أبا الهذيل هداك الله يا رجل ... فأنت حقّا لعمرى معضل جدل وناظره أبو الهذيل مرة أخرى فى أصل عقيدته وما يؤمن به من إلهى النور والظلمة، وبدا منه كأنه يهجر ضلاله وغيه، فسأله أبو الهذيل: على أى شئ تعزم يا صالح؟ فقال: أستخير الله وأقول بالاثنين. وكأن المسألة تحوّلت عنده من الأخذ بالمنطق إلى باب الهوى وتقليد الآباء، ويظهر أن ذلك أفضى عنده إلى شكوك واسعة لا فى الديانات فحسب، بل فى حقيقة كل شئ، ولعله اطلع على مباحث السوفسطائيين اليونانيين وما آمنوا به من أن الأشياء لا حقيقة لها فى نفسها، ويدل على ذلك ما يقال من أنه ألف كتابا سماه كتاب الشكوك، ويروى إنه مات له ولد، فلقيه أبو الهذيل العلاف ومعه النظام، فوجده جزعا على ابنه، فقال له: لا أعرف لجزعك وجها إذا كان الناس عندك كالزرع! فقال صالح: يا أبا الهذيل إنما أجزع عليه لأنه لم يقرأ كتاب الشكوك، فقال أبو الهذيل: وما كتاب الشكوك؟ قال: كتاب وضعته، من قرأه شك فيما كان حتى يتوهم أنه لم يكن وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان، فقال له النظام: فشكّ أنت فى موت ابنك واعمل على أنه لم يمت وإن مات. وشكّ أيضا فى أنه قرأ هذا الكتاب وإن لم يكن قرأه، فحصر صالح. وفى أشعاره ما يدل على أنه عمى فى آخر عمره، إذ يقول: عزاءك أيها العين السّكوب ... ودمعك إنها نوب تنوب على الدّنيا السلام فما لشيخ ... ضرير العين فى الدّنيا نصيب إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإن البعض من بعض قريب وتدخل سنة ١٦٦ للهجرة ويشدد المهدى فى تعقب الزنادقة، وينصب لهم ديوانا لمحاكمتهم ومن تثبت عليه الزندقة يصلب لتوه، حينئذ يفر صالح من البصرة إلى دمشق ويظل مستترا بها مدة، ثم يقبض عليه ويلقى به فى غياهب السجون ببغداد انتظارا لمحاكمته، ويصور مشاعره وهو فى السجن تصويرا دقيقا بمثل قوله: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى طوى دوننا الأخبار سجن ممنّع ... له حارس تهدا العيون ولا يهدا

стр. 1298

قبرنا ولم ندفن فنحن بمعزل ... من الناس لا نخشى فنغشى ولا تغشى ألا أحد يأوى لأهل محلّة ... مقيمين فى الدنيا وقد فارقوا الدنيا كأنهم لم يعرفوا غير دارهم ... ولم يعرفوا غير التضايق والبلوى ويختلف الرواة فى زمن هذه المحاكمة والخليفة الذى تولاها، فمن قائل إنه المهدى ومن قائل إنه هرون الرشيد، وقد ضعّف ابن المعتز القول الأول، وقال الصحيح أن الذى حاكمه وناظره فى زندقته الرشيد، وكان قد أنهى إليه أبيات يهجو بها الرسول-كبرت كلمة تخرج من فمه-لزواجه من زينب بنت جحش بعد فراق مولاه زيد لها (١)، وهى طعن صريح فى الرسول الكريم والذكر الحكيم، ولا بد أنه أنهى إليه كل شئ عن زندقته وإثنينيته ومانويته، فأمر بالقبض عليه، وزج به فى السجن، ثم عقد له يوم لمحاكمته، وتولّى الرشيد المحاكمة بنفسه، غير أنه حاول التبرؤ من كل ما نسب إليه، ويقال إنه ظل يستعطف الرشيد طويلا حتى رقّ له، ولكنه لم يلبث أن استنشده سينيته التى يقول فيها: لا يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى فى ثرى رمسه (٢) إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذى الضّنا عاد إلى نكسه (٣) وإن من أدّبته فى الصّبا ... كالعود يسقى الماء فى غرسه حتى تراه مورقا ناضرا ... من بعد ما أبصرت من يبسه فتلا عليه الرشيد البيت الثانى، وقال له: نحن نتمثل وصيتك وما شهدت به على نفسك من أنك لا تترك الزندقة ولا تحول عنها أبدا، وأمر فضربت عنقه وصلب على الجسر ببغداد عقابا له وتنكيلا. وكثير من أشعاره يدور على التنفير من الدنيا ومتاعها الزائل وذكر الموت والفناء، والحث على مكارم الأخلاق وطاعة الله، ولعله يريد إله النور والخير، وقد جعل

стр. 1299

شيوع ذلك فى أشعاره ابن المعتز يشك فيما نسب إليه من الزندقة مستشهدا بقوله: وليس بعجز المرء إخطاؤه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه ولكنه قبض الإله وبسطه ... فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه يقول ابن المعتز: «فيا عجبا كيف يمكن أن يقول زنديق مثل هذا القول؟ وكيف يكون قائله زنديقا؟ . وكأنما أحس أنه يصدر فى البيت الثانى عما جاء فى الذكر الحكيم مرارا من أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أى يضيقه ويجعله بقدر قليل. ونراه يتمثل فى شعره أحيانا بعض الأحاديث كقوله: ولله فى عرض السموات جنّة ... ولكنهما محفوفة بالمكاره والشطر الأول واضح الصلة بقوله ﵎: (﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾) أما الشطر الثانى فواضح الصلة بقول الرسول ﷺ : «حفّت الجنة بالمكارة وحفّت النار بالشهوات». واستمداد ابن عبد القدوس أحيانا من الحديث النبوى أو من القرآن أو من بعض وعاظ المسلمين مثل الحسن البصرى لا يخرجه من دائرة الزنادقة المانويين، فقد كان يصنع صنيعه أبو العتاهية كما مر بنا فى ترجمته، وزندقته عند ابن المعتز لا يشوبها ريب. أما دعوة ابن عبد القدوس إلى الزهد فى الدنيا الفانية فهى دعوة كان يلتقى فيها المانوية بزهد الإسلام على نحو ما صورنا ذلك فى حديثنا عنهم وعن أبى العتاهية فى غير هذا الموضع، مما جعل بعض القدماء يتشككون فى زندقة أبى العتاهية على نحو ما يتشكك ابن المعتز الآن فى زندقة ابن عبد القدوس. ومما لا شك فيه أنه كان زنديقا مانويّا كبيرا، بل لقد كان رأس المانوية والمجادل عن عقيدتهم فى البصرة حقبا متطاولة. ويكاد يذهب شعر ابن عبد القدوس كله فى تقرير محاسن الأخلاق والشيم، ناظرا فيها نظرة تجريدية، وهى نظرة دفعته إلى تعقب حكمة العرب والعجم، حتى قالوا إن فى ديوانه ألف مثل للعرب وألف مثل للعجم (١)، وكأنه رصد نفسه لنظم الشعر فى الفضائل وتجارب الأفراد والأمم، ومن خير ما يمثل ذلك عنده

стр. 1300

قصيدته الزينبية التى تغزل فى مطلعها فيمن تسمى زينب، ثم استرسل يسوق الحكم من مثل قوله: احذر مصاحبة اللئيم فإنه ... يعدى كما يعدى الصحيح الأجرب يلقاك يحلف أنه بك واثق ... وإذا توارى عنك فهو العقرب يعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ منك كما يروغ الثّعلب واختر قرينك واصطفيه تفاخرا ... إن القرين إلى المقارن ينسب واحفظ لسانك واحترس من لفظه ... فالمرء يسلم باللسان ويعطب والسّرّ فاكتمه ولا تنطق به ... إن الزّجاجة كسرها لا يشعب (١) ومن تمط هذه القصيدة الحكمية قصيدة له قافية استوعب فيها كثيرا من النصائح الخلقية التهذيبية، وفيها يقول: المرء يجمع والزمان يفرّق ... ويظل يرقع والخطوب تمزّق ولأن يعادى عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقا ... إن الصديق على الصديق مصدّق وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدى عقول ذوى العقول المنطق وعلى هذه الشاكلة تجرى أشعاره فى صورة تقريرية خالية من العاطفة وقلما شفعت بخيال أو تصوير، ولعل ذلك ما جعل شعره يسقط من أيدى الأجيال التالية، إلا قليلا، وتنبّه لذلك الجاحظ، فقال لو أن حكمه كانت مفرقة فى قصائد مختلفة لسارت فى الآفاق «ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالا لم تسر ولم تجر مجرى النوادر، ومتى لم يخرج السامع من شئ إلى شئ لم يكن لذلك عنده موقع (٢)» على أن كتب الأدب ظلت تحتفظ ببعض أبياته الحكمية وظلت تدور فيها من مثل قوله فى العزاء: إن يكن ما به أصبت جليلا ... فلفقد العزاء فيه أجلّ
следующие страницы →