← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

نشأته يختلف إلى حلقات الوعاظ والمتكلمين ولم يلبث عقله أن تشوش بما كان يسمع فى تلك الحلقات من مناقشات أصحاب الملل والنحل، فإذا هو يعتنق الثنوية المانوية مذهب آبائه ونحلتهم، وما كانت تقول به من أن العالم نشأ عن أصلين هما النور والظلمة، ولكل منهما إلهه الخاص، وأن مصدر بلاء العالم امتزاج هذين العنصرين، ومن أجل ذلك دعت إلى الزهد فى الحياة ونعيمها الزائل. ونراه فى عصر بنى أمية يكثر من الاجتماع بواصل بن عطاء رأس المعتزلة، مشاركا فيما كان يدور فى مجلسه من مخاصمات كلاميّة ودينية (١)، ونظن ظنّا أنه لم يظهر حقيقة عقيدته حينئذ، وإلا لهتف به واصل، كما هتف ببشار طالبا من أصحابه قتله (٢)، وفى بعض شعره أنه كان يستر نحلته خشية الحبس والعقاب والتنكيل به، يقول: ربّ سرّ كتمته فكأنى ... أخرس أو ثنى لسانى خبل ولو أنى أبديت للناس علمى ... لم يكن لى فى غير حبسى أكل وتوفّى واصل سنة ١٣١ للهجرة، ولم تلبث الثورة العباسية أن اندلعت تسندها حراب الفرس والخراسانيين وسرعان ما انتصرت فأحسّ صالح كأن الحياة واتته، وأخذ يعلن عقيدته ويجاهر بها حينا، وحينا يسترها حين يخاف بعض الحكام، حتى ليصلى صلاة المسلمين حين تحين الصلاة، ويعجب من صلاته بعض من يعرف مذهبه، ويسأله فى ذلك متعجبا، فيقول: «سنة البلد وعادة الجسد وسلامة الأهل والولد». ونمضى فى العصر العباسى ويكثر الزنادقة والمتزندقون على نحو ما صورنا ذلك فى غير هذا الموضع، ويعلن صالح زندقته ولا يواريها، أو بعبارة أدق يعلن مانويته وثنويته، حتى ليؤلف-كما يقول ابن النديم-كتبا فى نصرة عقيدته (٣). وتبلغ به الجرأة أن يحاضر ويجادل فيها بمسجد البصرة، ويتعرض له غير متكلم من المعتزلة وغيرهم وخاصة أبا هذيل العلاف، ويروى أنه ناظره فى الامتزاج الذى يدعيه المانوية بين النور والظلمة فى الجوهر والطبع والفعل والمكان والأبدان والأرواح، وأنه أفحمه وقطعه، فقال:

стр. 1297

أبا الهذيل هداك الله يا رجل ... فأنت حقّا لعمرى معضل جدل وناظره أبو الهذيل مرة أخرى فى أصل عقيدته وما يؤمن به من إلهى النور والظلمة، وبدا منه كأنه يهجر ضلاله وغيه، فسأله أبو الهذيل: على أى شئ تعزم يا صالح؟ فقال: أستخير الله وأقول بالاثنين. وكأن المسألة تحوّلت عنده من الأخذ بالمنطق إلى باب الهوى وتقليد الآباء، ويظهر أن ذلك أفضى عنده إلى شكوك واسعة لا فى الديانات فحسب، بل فى حقيقة كل شئ، ولعله اطلع على مباحث السوفسطائيين اليونانيين وما آمنوا به من أن الأشياء لا حقيقة لها فى نفسها، ويدل على ذلك ما يقال من أنه ألف كتابا سماه كتاب الشكوك، ويروى إنه مات له ولد، فلقيه أبو الهذيل العلاف ومعه النظام، فوجده جزعا على ابنه، فقال له: لا أعرف لجزعك وجها إذا كان الناس عندك كالزرع! فقال صالح: يا أبا الهذيل إنما أجزع عليه لأنه لم يقرأ كتاب الشكوك، فقال أبو الهذيل: وما كتاب الشكوك؟ قال: كتاب وضعته، من قرأه شك فيما كان حتى يتوهم أنه لم يكن وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان، فقال له النظام: فشكّ أنت فى موت ابنك واعمل على أنه لم يمت وإن مات. وشكّ أيضا فى أنه قرأ هذا الكتاب وإن لم يكن قرأه، فحصر صالح. وفى أشعاره ما يدل على أنه عمى فى آخر عمره، إذ يقول: عزاءك أيها العين السّكوب ... ودمعك إنها نوب تنوب على الدّنيا السلام فما لشيخ ... ضرير العين فى الدّنيا نصيب إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإن البعض من بعض قريب وتدخل سنة ١٦٦ للهجرة ويشدد المهدى فى تعقب الزنادقة، وينصب لهم ديوانا لمحاكمتهم ومن تثبت عليه الزندقة يصلب لتوه، حينئذ يفر صالح من البصرة إلى دمشق ويظل مستترا بها مدة، ثم يقبض عليه ويلقى به فى غياهب السجون ببغداد انتظارا لمحاكمته، ويصور مشاعره وهو فى السجن تصويرا دقيقا بمثل قوله: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى طوى دوننا الأخبار سجن ممنّع ... له حارس تهدا العيون ولا يهدا

стр. 1298

قبرنا ولم ندفن فنحن بمعزل ... من الناس لا نخشى فنغشى ولا تغشى ألا أحد يأوى لأهل محلّة ... مقيمين فى الدنيا وقد فارقوا الدنيا كأنهم لم يعرفوا غير دارهم ... ولم يعرفوا غير التضايق والبلوى ويختلف الرواة فى زمن هذه المحاكمة والخليفة الذى تولاها، فمن قائل إنه المهدى ومن قائل إنه هرون الرشيد، وقد ضعّف ابن المعتز القول الأول، وقال الصحيح أن الذى حاكمه وناظره فى زندقته الرشيد، وكان قد أنهى إليه أبيات يهجو بها الرسول-كبرت كلمة تخرج من فمه-لزواجه من زينب بنت جحش بعد فراق مولاه زيد لها (١)، وهى طعن صريح فى الرسول الكريم والذكر الحكيم، ولا بد أنه أنهى إليه كل شئ عن زندقته وإثنينيته ومانويته، فأمر بالقبض عليه، وزج به فى السجن، ثم عقد له يوم لمحاكمته، وتولّى الرشيد المحاكمة بنفسه، غير أنه حاول التبرؤ من كل ما نسب إليه، ويقال إنه ظل يستعطف الرشيد طويلا حتى رقّ له، ولكنه لم يلبث أن استنشده سينيته التى يقول فيها: لا يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى فى ثرى رمسه (٢) إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذى الضّنا عاد إلى نكسه (٣) وإن من أدّبته فى الصّبا ... كالعود يسقى الماء فى غرسه حتى تراه مورقا ناضرا ... من بعد ما أبصرت من يبسه فتلا عليه الرشيد البيت الثانى، وقال له: نحن نتمثل وصيتك وما شهدت به على نفسك من أنك لا تترك الزندقة ولا تحول عنها أبدا، وأمر فضربت عنقه وصلب على الجسر ببغداد عقابا له وتنكيلا. وكثير من أشعاره يدور على التنفير من الدنيا ومتاعها الزائل وذكر الموت والفناء، والحث على مكارم الأخلاق وطاعة الله، ولعله يريد إله النور والخير، وقد جعل

стр. 1299

شيوع ذلك فى أشعاره ابن المعتز يشك فيما نسب إليه من الزندقة مستشهدا بقوله: وليس بعجز المرء إخطاؤه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه ولكنه قبض الإله وبسطه ... فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه يقول ابن المعتز: «فيا عجبا كيف يمكن أن يقول زنديق مثل هذا القول؟ وكيف يكون قائله زنديقا؟ . وكأنما أحس أنه يصدر فى البيت الثانى عما جاء فى الذكر الحكيم مرارا من أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أى يضيقه ويجعله بقدر قليل. ونراه يتمثل فى شعره أحيانا بعض الأحاديث كقوله: ولله فى عرض السموات جنّة ... ولكنهما محفوفة بالمكاره والشطر الأول واضح الصلة بقوله ﵎: (﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾) أما الشطر الثانى فواضح الصلة بقول الرسول ﷺ : «حفّت الجنة بالمكارة وحفّت النار بالشهوات». واستمداد ابن عبد القدوس أحيانا من الحديث النبوى أو من القرآن أو من بعض وعاظ المسلمين مثل الحسن البصرى لا يخرجه من دائرة الزنادقة المانويين، فقد كان يصنع صنيعه أبو العتاهية كما مر بنا فى ترجمته، وزندقته عند ابن المعتز لا يشوبها ريب. أما دعوة ابن عبد القدوس إلى الزهد فى الدنيا الفانية فهى دعوة كان يلتقى فيها المانوية بزهد الإسلام على نحو ما صورنا ذلك فى حديثنا عنهم وعن أبى العتاهية فى غير هذا الموضع، مما جعل بعض القدماء يتشككون فى زندقة أبى العتاهية على نحو ما يتشكك ابن المعتز الآن فى زندقة ابن عبد القدوس. ومما لا شك فيه أنه كان زنديقا مانويّا كبيرا، بل لقد كان رأس المانوية والمجادل عن عقيدتهم فى البصرة حقبا متطاولة. ويكاد يذهب شعر ابن عبد القدوس كله فى تقرير محاسن الأخلاق والشيم، ناظرا فيها نظرة تجريدية، وهى نظرة دفعته إلى تعقب حكمة العرب والعجم، حتى قالوا إن فى ديوانه ألف مثل للعرب وألف مثل للعجم (١)، وكأنه رصد نفسه لنظم الشعر فى الفضائل وتجارب الأفراد والأمم، ومن خير ما يمثل ذلك عنده

стр. 1300

قصيدته الزينبية التى تغزل فى مطلعها فيمن تسمى زينب، ثم استرسل يسوق الحكم من مثل قوله: احذر مصاحبة اللئيم فإنه ... يعدى كما يعدى الصحيح الأجرب يلقاك يحلف أنه بك واثق ... وإذا توارى عنك فهو العقرب يعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ منك كما يروغ الثّعلب واختر قرينك واصطفيه تفاخرا ... إن القرين إلى المقارن ينسب واحفظ لسانك واحترس من لفظه ... فالمرء يسلم باللسان ويعطب والسّرّ فاكتمه ولا تنطق به ... إن الزّجاجة كسرها لا يشعب (١) ومن تمط هذه القصيدة الحكمية قصيدة له قافية استوعب فيها كثيرا من النصائح الخلقية التهذيبية، وفيها يقول: المرء يجمع والزمان يفرّق ... ويظل يرقع والخطوب تمزّق ولأن يعادى عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقا ... إن الصديق على الصديق مصدّق وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدى عقول ذوى العقول المنطق وعلى هذه الشاكلة تجرى أشعاره فى صورة تقريرية خالية من العاطفة وقلما شفعت بخيال أو تصوير، ولعل ذلك ما جعل شعره يسقط من أيدى الأجيال التالية، إلا قليلا، وتنبّه لذلك الجاحظ، فقال لو أن حكمه كانت مفرقة فى قصائد مختلفة لسارت فى الآفاق «ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالا لم تسر ولم تجر مجرى النوادر، ومتى لم يخرج السامع من شئ إلى شئ لم يكن لذلك عنده موقع (٢)» على أن كتب الأدب ظلت تحتفظ ببعض أبياته الحكمية وظلت تدور فيها من مثل قوله فى العزاء: إن يكن ما به أصبت جليلا ... فلفقد العزاء فيه أجلّ

стр. 1301

وقوله: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع وقوله: وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم (١) وواضح فيما أنشدناه من أشعاره أنه كان يعنى باللفظ الجزل الرصين والبناء القوى المحكم، كما كان يعنى بالتدليل والتعليل ودقة القياس. ٣ - شعراء الزهد هذه الصفحة التى صورناها من شعر المجون والزندقة كانت تقابلها صفحة رائعة من شعر الزهد، فقد كانت المساجد مكتظة بالوعاظ والنساك وأهل الحديث والفقه والورع، ومن حولهم العامة، وقد صدقت كثرتهم ربها مخافة وعيده، مؤمنة بأن القيامة موعدها وموقفها مع ذى الجلال وأن العمر وإن طال قصير وأن الدنيا ينبغى أن تكون دار زاد لدار المعاد. وما بنى الوعاظ والنساك من المحدثين يزجرونهم عن التعلق بمتاعها الزائل واضعين نصب أعينهم الموت وتبعات الحياة الموبقة وأن العاقل من عرف أن الناس سفر وعما قليل راحلون فإما عذاب مستديم وإما نعيم مقيم، فأسرع يغتنم بقية أجله بخير عمله مقدما كل ما يستطيع من الباقيات الصالحات. ويبدو أن كثيرين من القصاص والوعاظ كانوا ما يزالون ينشدون فى وعظهم وقصصهم أبياتا وأشعارا كثيرة منها ما يروونه عن القدماء ممن سبقوهم، ومنها ما ينشئونه إنشاء، فمن ذلك ما يروى عن صالح المرى القاصّ العابد من أنه كان كثيرا ما ينشد فى قصصه ومواعظه:

стр. 1302

فبات يروّى أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرّجل (١) وكان مالك بن دينار المحدث الناسك لا يزال يتحدث فى مجالسه عن الموت، حتى لتكاد تخنقه العبرات، وله أشعار مختلفة يتحدث فيها عن القبور وأهلها وأنه أجل محدود ونفس معدود، وعما قليل يصبح الإنسان ترابا فى تراب، كمن سبقوه، فأولى له أن يتعظ ويعتبر، يقول (٢): أتيت القبور فناديته ... نّ أين المعظّم والمحتقر وأين المدلّ بسلطانه ... وأين المزكّى إذا ما افتخر تفانوا جميعا فما مخبر ... وماتوا جميعا ومات الخبر تروح وتغدو بنات الثّرى ... فتمحو محاسن تلك الصّور فيا سائلى عن أناس مضوا ... أمالك فيما ترى معتبر وممن كان يكثر من إنشاد الشعر فى مواعظه سفيان بن عيينة وسفيان الثورى. وكأن الوعاظ بذلك قدموا مادة واسعة لمعاصريهم من الشعراء كى يصوغوا على نمطها مواعظ تذكى الزهد والعمل الصالح فى نفوس الناس، وقد أقبل كثيرون ينظمون دقائق الزهد، حتى بين المجان حين كانوا يثوبون إلى أنفسهم على نحو ما مر بنا عند أبى نواس، وكما يلقانا عند محمد بن يسير، وكان ماجنا هجاء خبيثا، فقد ألم يوما بمجلس أبى محمد الزاهد صاحب الفضيل بن عياض، فأنشد (٣): ويل لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النار مثواه واغفلتا فى كل يوم مضى ... يذكرنى الموت وأنساه من طال فى الدنيا به عمره ... وعاش فالموت قصاراه كأنه قد قيل فى مجلس ... قد كنت آتيه وأغشاه محمد صار إلى ربّه ... يرحمنا الله وإياه وكان من الشعراء الخلعاء المجان من يقلع إقلاعا عن غيه، فيكثر من أشعار

стр. 1303

الزهد مكفّرا بها عما قدمت يداه من مجون وخلاعة، ومن خير من يمثل ذلك محمد ابن حازم، وكان ينغمس فى اللهو والمجون، حتى إذا بلغ الخمسين من سنّه آلى على نفسه أن لا يشرب كأسا ولا يسير فى طريق غواية، وأخذ يكثر من شعر الزهد حاضّا على القناعة وقطع الأسباب المتصلة بالقلوب من متاع الدنيا الفانى بمثل قوله (١): ومنتظر للموت فى كل ساعة ... يشيد ويبنى دائما ويحصّن له حين تبلوه حقيقة موقن ... وأفعاله أفعال من ليس يوقن وقوله الذى مرّ بنا فى الفصل الرابع: اضرع إلى الله لا تضرع إلى الناس ... واقنع بيأس فإن العزّ فى الياس واستغن عن كل ذى قربى وذى رحم ... إن الغنىّ من استغنى عن الناس وكثيرون كانوا يأخذون أنفسهم بحياة زاهدة حقيقية، فهم لا يقفون على أبواب الخليفة ولا أبواب الوزراء والأمراء والقواد، بل يكتفون من العيش بالكفاف، وإن عرضت عليهم وظيفة أبوها حرصا على دينهم ورفضا لدنياهم، وممن اشتهروا فى هذا الباب الخليل بن أحمد واضع النحو والعروض، وله فى الزهد والعظة أبيات كثيرة من مثل قوله (٢): عش ما بدا لك، قصرك الموت ... لا مهرب منه ولا فوت بينا غنى بيت وبهجته ... زال الغنى وتقوّض البيت واشتهر بأنه كان يأبى أن يصحب الخلفاء والحكام وذوى الجاه لما فى أيديهم من الدنيا، ويروى أن سليمان بن قبيصة بن يزيد بن المهلب، وكان واليا على السّند، وجّه إليه يستزيره فكتب إليه (٣): أبلغ سليمان أنى عنه فى دعة ... وفى غنى غير أنى لست ذا مال سخّى بنفسى أنى لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال

стр. 1304

الرّزق عن قدر، لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال والفقر فى النفس لا فى المال تعرفه ... ومثل ذاك الغنى فى النفس لا المال وفى كل مكان يلقانا كثيرون يفرغون للنسك والتبتل والعبادة، مما دفع لظهور مقدمات التصوف فى هذا العصر أو بعبارة أخرى إلى ظهور الحب الإلهى الذى يتجرد عن كل مادة وحسّ والذى يستغرق فيه المتصوفة مشغوفين بالحقيقة الإلهية، وما ترسله على الكون من أضواء الحق والخير والجمال المطلق، ومن أروع ما يصوّر ذلك أبيات رابعة العدوية المشهورة (١): أحبّك حبّين: حبّ الهوى ... وحبّا لأنك أهل لذاكا فأما الذى هو حبّ الهوى ... فشغلى بذكرك عمن سواكا وأما الذى أنت أهل له ... فكشفك لى الحجب حتى أراكا فلا الحمد فيذا ولا ذاك لى ... ولكن لك الحمد فى ذا وذاكا وهى تميز بين حبين: حب الله شكرا لإنعامه المتواصل على الإنسان فى دنياه، وحبه لجماله وجلاله القدسى الذى رفعت الحجب والأستار بينها وبينه، وهو الحب الصوفى المحرد الذى يفنى فيه المتصوفة فناء يحقق لهم السعادة. ومن المحقق أن التصوف لا يزدهر فى هذا العصر، إنما يزدهر الزهد، ومن أجل ذلك نقف عند ثلاثة من كبار الزهاد، لتتضح لنا المعانى التى كانوا يرددونها فى أشعارهم، وهم عبد الله بن المبارك ومحمد بن كناسة ومحمود الوراق. عبد الله (٢) بن المبارك هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح التميمى ولاء، التركى

стр. 1305

المروزى أبا، الخوارزمى أمّا، ولد سنة ثمانى عشرة ومائة للهجرة، ورحل فى طلب الحديث والعلم سنة إحدى وأربعين ومائة، فلقى المحدثين، وروى عن جماعة كثيرة وروى عنه خلائق لا تحصى، وهو يعدّ من كبار الحفاظ فى عصره وأحد من كانت تشدّ إليه الرحال للنهل من معين علمه وفضله، وكان يجمع بين حفظ الحديث والفقه على مذهب أبى حنيفة والأدب والنحو واللغة والشعر والفصاحة. واشتهر شهرة مدوية بنسكه وزهده، حتى قال سفيان الثورى: «لو جهدت جهدى أن أكون فى السنة ثلاثة أيام على ما عليه ابن المبارك لم أقدر». وكان يخرج مع الجيوش الغازية للروم يجاهد فى سبيل الله من جهة، ومن جهة ثانية يعظ الجنود ويحمسهم للقتال ويلقى على الناس الحديث فى الثغور من مثل طرسوس. وهو بذلك يصحح فكرة شاعت عن زهاد المسلمين وعبادهم هى أنهم كانوا سلبيين لا يشاركون فى الواجبات الوطنية وهى إحدى الأفكار التى أشاعها المستشرقون ظانين أن زهد المسلمين كان يفصلهم عن الحياة على شاكلة زهد الديانة المسيحية وما ارتبط بها من رهبانية، وهو ظن واهم فإن زهاد المسلمين-وخاصة الأولين-لم ينفصلوا عن الحياة بل كانوا يتصلون بها، ليكسبوا قوتهم، ويعيشوا من كسبهم، لا مما يلقى إليهم من فتات الموائد، ولذلك كنا نجدهم يتجرون ويحترفون حرفا كثيرة على نحو ما سنرى عند محمود الوراق فإنه كان يحترف النخاسة وبيع الجوارى والإماء، وكان عبد الله بن المبارك يتجر ليكسب معاشه. وكانوا يلبون دائما نداء الوطن ويتقدمون الصفوف المجاهدة طلبا للاستشهاد فى سبيل الله. وكانوا يعدون هذا الجهاد أروع وأعظم عند الله من نسك النساك، ويقدم لنا ابن المبارك نفسه وثيقة طريفة توضح ذلك أتم توضيح، فقد روى الرواة أنه أملى وهو بطرسوس رسالة شعرية وجّه بها إلى الفضيل ابن عياض الناسك المشهور فى سنة سبع وسبعين ومائة، وكان مجاورا بمكة: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك فى العبادة تلعب من كان يخضب جيده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضّب أو كان يتعب خيله فى باطل ... فخيولنا يوم الصّبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... وهج السّنابك والغبار الأطيب

стр. 1306

ولقد أتانا من مقال نبيّنا ... قول صحيح صادق لا يكذب لا تستوى أغبار خيل الله فى ... أنف امرئ ودخان نار تلهب (١) هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميّت لا يكذب وواضح أن ابن المبارك يرفع الجهاد فوق العبادة درجات، حتى ليدعوها بالقياس إليه ضربا من اللعب. وهو يصور الهوة التى تفصل بينهما، فالناسك يقدم لربه دموعه والمجاهد يقدم دماءه، متخذا الخيل العاديات لا فى لهو وإنما فى التضحية والاستشهاد طلبا لرضوان الله، متطيبا بطيب أكثر شذى وعطرا من الطيب الحقيقى، طيب غبار الحرب وسنابك الخيل وهى تقدح الأرض قدحا. ويقول إن الإسلام أعلى الجهاد على النسك والعبادة مشيرا إلى قول الرسول ﷺ : «لا يجتمع غبار فى سبيل الله ودخان جهنم فى جوف عبد أبدا» كما يشير إلى ما جاء فى الذكر الحكيم من أن شهيد الجهاد لا يموت، بل يظل حيا عند ربه حيّاة خالدة: (ولا تحسبنّ الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) وفى موضع آخر من التنزيل: (ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون). وهى ميزة خصّ بها الله سبحانه المستشهدين فى سبيله دون سائر المؤمنين من نساك وغير نساك، إذ جعلهم يحيون فى قبورهم حياة برزخية خاصة لا يعلم حقيقتها سواه. ولابن المبارك موقف ثان يصور كيف كان الزهاد من العلماء والمحدثين يتعففون فى مثل هذا العصر عن الوظائف ومناصب الدولة خوفا على أنفسهم من أن تغرهم الدنيا فينحرفوا عن الجادّة، فقد ذكروا أن أحد أصحابه وهو إسماعيل بن عليّة ولى الصدقات بالبصرة، فكتب إليه يذكر ذلك ويقول له: أحب أن تبعث إلىّ إخواننا من القرّاء لنشغلهم، فأجابه: القرّاء ضربان: قوم طلبوا هذا الأمر (أى قراءة القرآن) لله فأولئك لا حاجة لهم فى لقائك، وقوم طلبوه للدنيا فأولئك أضرّ على الناس من الشّرط، وألحق بجوابه هذه الأبيات:

стр. 1307

يا جاعل الدين له بازيا ... يصطاد أموال المساكين احتلت للدنيا ولذّاتها ... بحيلة تذهب بالدين وصرت مجنونا بها بعد ما ... كنت دواء للمجانين أين رواياتك فيما مضى ... عن ابن عون وابن سيرين أين رواياتك فى سردها ... فى ترك أبواب السّلاطين إن قلت أكرهت فذا باطل ... زلّ حمار العلم فى الطّين وكان كثيرا ما يستشهد بقول المسيح ﵇: «كما ترك لكم الملوك الحكمة فاتركوا لهم الدنيا»، ونظم ذلك شعرا قائلا: أرى أناسا بأدنى الدين قدقنعوا ... ولا أراهم رضوا بالعيش بالدّون فاستغن بالدّين عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدين وهو كثير التنفير من الدنيا ومتاعها الذى يزول وتبقى تبعاته، بل إنه ليحمل بين طيّاته من السموم ما يجعل العاقل يرى فيه حيّة ليّنا مسّها قاتلا سمّها: حلاوة دنياك مسمومة ... فما تأكل الشّهد إلا بسمّ وهى خدّاعة غرور، لا يكاد يطمئن شخص فيها إلى سرور حتى يهجم عليه حزن مفجع أو مصيبة موجعة، فمن جرّعته يوما حلاوتها جرّعته أياما مرارتها: دنيا تداولها العباد ذميمة ... شيبت بأكره من نقيع الحنظل وبنات دهر لا تزال ملمّة ... فيها فجائع مثل وقع الجندل وإنه لواجب على كل إنسان أن يعصى هوى نفسه، فانها إمارة بالسوء، وإن هو أطاعها حملته ما لا يطيق من الذنوب والآثام، عاصفة منه بسلطان العقل موردة له موارد الهلاك: رأيت الذنوب تميت القلوب ... ويخترم العقل إدمانها يبيع الفتى نفسه فى رداه ... وأسلم للنفس عصيانها

стр. 1308

وعلى هذا النحو كان ابن المبارك يكثر من النظم فى الدعوة إلى التقوى واجتناب الآثام والشهوات كما كان يكثر من الدعوة إلى الزهد وذم الدنيا فإنها لا تمس أحدا بفرح حتى تملأه بترح، والحازم من تزود من يومه لغده ومن حياته لآخرته. وقد لبى نداء ربه سنة احدى وثمانين ومائة للهجرة. محمد (١) بن كناسة كناسة لقب أبيه واسمه عبد الله بن عبد الأعلى من بنى أسد، وقد ولد ونشأ بالكوفة فى بيت صلاح وتقوى، إذ كان خاله إبراهيم بن أدهم أحد من تذكر أسماؤهم فى نشأة التصوف. ونراه يختلف إلى حلقات المحدثين اختلافا أتاح له أن يحمل الحديث عنه، وأن يعدّ فى رجاله. ويظهر أن موهبته الشعرية تفتحت مبكرة، غير أنه كان-كما يقول أبو الفرج-امرءا صالحا فلم يتصدّ لأحد بمدح ولا هجاء، بل قصر شعره على الزهد وما يتصل به من رياضة النفس على ترك الهوى والاتعاظ بالدنيا وفناء لذاتها وبقاء تبعاتها، فنعمها دائما زائلة ونقمها نازلة، ومهما طال عمر الإنسان فيها فإلى بلى وفناء وإلى كوارث وفواجع، فكلنا يجرى إلى غاية ينتهى عندها أجله، ومن عجب أن تتعلق قلوبنا بها، ونحن كل يوم نقطع مسافة إلى تلك الغاية المحتمة، بل إن منا من يضل طريق الرشاد فيتبع نفسه وهواها، وكان حريّا به أن يقهرها ويدفع عن نفسه بادرة سطوتها حتى يصون دينه، يقول: ومن عجب الدّنيا تبقّيك للبلى ... وأنك فيها للبقاء مريد وأىّ بنى الأيام إلا وعنده ... من الدهر ذنب طارف وتليد ومن يأمن الأيام أما اتّساعها ... فخطر وأما فجعها فعتيد (٢) إذا اعتادت النفس الرضاع من الهوى ... فإن فطام النفس عنه شديد

стр. 1309

وهو يكرر الحديث عن فطام النفس من الشهوات واللذائذ وأنه ثقيل وأن السعيد من عصى هواه فى طاعة ربه، فاجتنب المحارم والماثم، ويلاحظ أن من الناس من يلوك الأحاديث فى عواقب اتباع الهوى، وكأنه يقول بفمه ما ليس له ظل فى قلبه، أو كأنه يعظ ولا يتعظ، وفى ذلك يقول: ما من روى أدبا ولم يعمل به ... ويكفّ عن زيغ الهوى بأديب حتى يكون بما تعلّم عاملا ... من صالح فيكون غير معيب ولقلما تغنى إصابة قائل ... أفعاله أفعال غير مصيب فالكلمة إن لم تصدر من القلب لم يكن لها تأثير فى القلوب، وعظة الواعظ إن لم تشفع يعمله كان هو أول من لا ينتفع بها، وكانت كالسراج يضئ الدار ويحرق نفسه. وكان أصدقاؤه من طلاب الدنيا لا يزالون يتلومونه على قعوده عن أبواب الحكام والأمراء، بينما هو يحسن نظم الشعر، ونظراؤه يكسبون به الألوف المؤلفة، وهو يعيش فى كفاف وبلغ وصبابة، فكان يردهم ردّا منكرا، إذ أعرض عن الدنيا مصمما، غير راغب فى متاعها، فحسبه متاع الآخرة الذى ينتظره والذى يحفظ على نفسه من أجله ماء وجهه ويصون كرامته، فلا يبتذلها لمخلوق، فضلا عن أن يمدحه ويداهنه ويطلب منه ما ينبغى أن لا يتجاوز فى طلبه ربه. إنه إن فعل طعن وجهه وحياءه طعنة نجلاء، بل طعن زهده وتقواه، إذ يصبح من طلاب الدنيا لا من طلاب الآخرة ومن يؤثرون نعيم العاجلة على نعيم الباقية، يقول مجيبا بعض لائميه: تؤنّبنى-أن صنت عرضى-عصابة ... لها بين أطناب اللئام بصيص (١) يقولون لو غمّضت لازددت رفعة ... فقلت لهم إنى إذن لحريص (٢) أتكلم وجهى-لا أبا لأبيكم- ... مطامع عنها للكرام محيص (٣) معاشى دوين القوت، والعرض وافر ... وبطنى عن جدوى اللشام خميص (٤)

стр. 1310

سألقى المنايا لم أخالط دنيّة ... ولم تسر بى فى المخزيات قلوص (١) وكانت له جارية شاعرة مغنية تسمى دنانير وكان ذوو المروءة من أهل الأدب يقصدونها للمحادثة والمساجلة فى الشعر، وكان يقدرها لظرفها وسعة ثقافتها وقدرتها على المشاركة فى كل الأحاديث، واختطفها منه الموت، فحزن حزنا عميقا، صوّره فى قوله يرثيها، وقد استسلم لأمر ربه: الحمد لله لا شريك له ... يا ليت ما كان منك لم يكن إن يكن القول قلّ فيك فما ... أفحمنى غير شدّة الحزن وله مرثية طريفة فى خاله إبراهيم بن أدهم، وهى ترسم صورة العابد الناسك فى العصر العباسى الأول وكيف كان يعيش على الكفاف قانعا به، مزدريا الدنيا ومتاعها، مقبلا على عبادة ربه، قامعا لدواعى الهوى فى نفسه، متحليا بالفضائل الرفيعة، لا يعرف الغضب ولا الطيش، إنما يعرف الحلم والمثل الخلقية العليا، يعيش صامتا مفكرا فى ملكوت ربه الأعلى، حتى إذا نطق استولى على القلوب والأفئدة ببيانه الرائع. وهو دائما مستكين خاضع لربه متواضع أروع ما يكون التواضع الذى لا يخدش مروءة ولا كرامة، حتى إذا رعدت الكتيبة بصواعق الموت تقدم الصفوف يناضل مناضلة الليوث الكواسر. وفى ذلك كله يقول مخاطبا بعض من لا يزالون يستزيدون من الغنى والثراء: رأيتك ما يكفيك ما دونه الغنى ... وقد كان يكفى دون ذاك ابن أدهما وكان يرى الدنيا صغيرا عظيمها ... وكان لحقّ الله فيها معظّما أمات الهوى حتى تجنّبه الهوى ... كما اجتنب الجانى الدّم الطالب الدّما وللحلم سلطان على الجهل عنده ... فما يستطيع الجهل أن يترمرما (٢) وأكثر ما تلقاه فى القوم صامتا ... وإن قال بذّ القائلين وأحكما يرى مستكينا خاضعا متواضعا ... وليثا إذا لاقى الكتيبة ضيغما

стр. 1311

على الجدث الغربىّ من آل وائل ... سلام وبرّ، ما أبرّ وأكرما (١) ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور كيف كان ابن كناسة يصفى قلبه وعقله للزهد وكيف كان يمزجه بنفسه، وكيف كان يعيش له وبه مؤمنا بأنه الغاية العليا التى ينبغى أن يطمح إليها الإنسان ويقصر عليها حياته، حتى يفوز برضوان ربه، وقد لبّى نداءه لسنة سبع ومائتين للهجرة. محمود (٢) الوراق ليس بين أيدينا أخبار كثيرة توضح حياة محمود، ويقال إنه كان نخاسا ببغداد يبيع الرقيق، ويبدو أنه كان فى فاتحة حياته يأخذ بحظ من اللهو، ثم كفّ نفسه وردعها، وأخلص وجهه لربه. وفى أخباره ما يدل على حسن عشرته لجواريه وأنهن كن لا يؤثرن عليه أحدا، وكانت جاريته سكن من بينهن من أحسن قريناتها وجها، وكانت تتقن الغناء وتنظم الشعر البارع، فملكت عليه لبّه وقلبه، وحدث أن رقّت حاله واختلت حياته، فرأى أن يبيعها حتى يوفّر لها خفض العيش عند غيره، وتنافس الناس فى اقتنائها، وعرض فيها أحد الطاهريين مائة ألف درهم، فمال محمود إلى بيعها، ولما عرض عليها ذلك بكت وذرفت الدموع، وقالت له إنى أختار عيشة الفقر معك، فرقّ لها وحرّرها وأصدقها داره، وكانت كل ما يملك. ومن طريف ما يروى من أخبار جواريه اللائى كن ينعمن بعطفه أن المتوكل عرض له فى إحداهن من عشرة آلاف دينار، فأبى، فلما توفى اشتراها فى ميراثه بخمسة آلاف دينار. وذكر لها المتوكل ما كان من أمر محمود معه، فقالت: يا أمير المؤمنين إذا كانت الخلفاء تتربّص بلذاتها المواريث فسنشترى بأرخص مما اشتريت. ولعل العصر العباسى الأول لم يعرف شاعرا أكثر من الحديث عن الزهد واعظا مذكرا كما أكثر محمود، وهو يتخذ لذلك مواقف متعددة، منها موقف وجوب الطاعة لله ولأوامره ونواهيه، فالمسلم الصحيح ينبغى أن لا يقترف إثما ولا يرتكب معصية. وإلا أوثقته ذنوبه ولم يجد من يخلصه من عذاب الله ووعيده، وحرى

стр. 1312

بمن ألهته الدنيا، وتراكمت عليه الذنوب، أن لا يؤمل فى جنة ولا ثواب، فقد أستحق العقاب، يقول: يا غافلا ترنو بعيى راقد ... ومشاهدا للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى ... درك الجنان بها وفوز العابد ونسيت أن الله أخرج آدما ... منها إلى الدّنيا بذنب واحد لا بد للمسلم إذن أن يبادر إلى العمل الصالح وأن يجافى الذنوب والآثام حتى يكون حقّا مطيعا لربه، وهى طاعة لاتتم معرفة الله وشكر نعمه بدونها، بل لا تتم محبته محبة صحيحة إلا إذا ألحّ الإنسان فى التماسها وابتغى إليها كل وسائل العبادة متحاميا المعاصى وكل ما يجر إلى العصيان، منقطعا إلى الله متبتلا له، يقول: تعصى الإله وأنت تظهر حبّه ... هذا محال فى القياس بديع لو كنت تضمر حبّه لأطعته ... إن المحبّ لمن أحبّ مطيع فى كل يوم يبتليك بنعمة ... منه وأنت لشكر ذاك مضيع وموقف ثان هو موقف الرضا بقضاء الله، وهو موقف يملأ نفس الزاهد طمأنينة وراحة، بل تفاؤلا وأمنا، فلا يخشى شيئا، إذ لا يتمنى غير ما يحدث، وكل ما ينزل به يتقبله بنفس راضية، يقول: قدر الله كائن ... حين يقضى وروده قد مضى فيك علمه ... وانتهى ما يريده وموقف ثالث هو التوكل الحق على الله والثقة به، والاعتماد عليه دون سواه من الناس، فهو الكافل والضامن، وهو الذى يقدّر ما يصيب الإنسان، ولن يستطيع الوصول إليه قبل موعده المقدور ولو طلبه بقوة السماء والأرض، وقد كفل له رزقه وضمن له حياته، فنعم الضامن الكفيل، يقول: أتطلب رزق الله من عند غيره ... وتصبح من خوف العواقب آمنا وترضى بعرّاف (١) ... وإن كان مشركا ضمينا ولا ترضى بربّك ضامنا

стр. 1313

ويقول: أما عجب أن يكفل الناس بعضهم ... ببعض فيرضى بالكفيل المطالب وقد كفل الله الوفىّ بعهده ... فلم يرض والإنسان فيه عجائب عليم بأن الله موف بوعده ... وفى قلبه شكّ على القلب دائب وهذا الموقف أدّاه إلى موقف رابع هو القناعة، أو بعبارة أخرى أن يقنع الإنسان بما عند الله وما ادّخره له فى يومه وغده، وأن يقلع عن الطمع وإلا أصبح ما يكفيه لا يكفيه وإن أقبلت عليه الدنيا بحذافيرها، بل إن شدة الطمع تؤدى بصاحبها إلى أن يصبح أشد ضنكا من الفقير المحتاج، والغنى الحقيقى هو غنىّ النفس القانع لا غنىّ الثراء الجشع، وفى ذلك يقول: من كان ذا مال كثير ولم ... يقنع فذاك الموسر المعسر وكلّ من كان قنوعا وإن ... كان مقلاّ فهو المكثر الفقر فى النفس وفيها الغنى ... وفى غنى النفس الغنى الأكبر ويكثر محمود من تقريع غنىّ المال فقير النفس، مصورا جشعه فى جمع الدراهم والدنانير وإلحاحه فى طلبها، واسترقاقها له، بل عبادته لها وهيامه بها الذى لا يقف عند حد، إذ فتنته عن نفسه وعن دينه وعن ربه. وكان يعجب عجبا شديدا كيف يجمع عبدة المال بينه وبين عبادة ربهم وهو قد استأثر بقاوبهم وعواطفهم وأهوائهم وملك عليهم كل شئ من أمرهم، يقول: أظهروا للناس دينا ... وعلى الدينار داروا وله صاموا وصلّوا ... وله حجّوا وزاروا لو بدا فوق الثّريّا ... ولهم ريش لطاروا ودائما يقول ألا تبّا للغنى الذى يتملك الإنسان ويستعبده، ومرحى بالفقر وعيشة الكفاف التى يعيشها الزهاد، غير ملتمسين شيئا فوق ما يسد رمقهم ويدفع الحاجة عنهم، ويكفى فقر الزهاد سموا أنك لا تجد فقيرا يعصى الله ليفتقر، بينما يفتح الثراء على

стр. 1314

أصحابه أبواب الحرص والطمع، بل إنهم يخوضون إليه أحيانا أبواب المعاصى ومن ورائها أبواب سقر، وفى ذلك يقول هذه الأبيات التى أنشدناها فى الفصل الرابع: يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحّ منك النّظر أنك تعصى كى تنال الغنى ... وليس تعصى الله كى تفتقر وموقف خامس هو الصبر عند فواجع الزمان فإن من حسنت عقيدته استقبل الكارثة كما يستقبل النعمة ولم تذهب نفسه حسرات إزاء صروف الدهر، بل تدرّع بالصبر الجميل درع العباد الناسكين الذين خبروا الحياة وعرفوا أنها همّ تلو همّ وأن كل شئ فيها إلى فناء، يقول: يمثّل ذو الّلبّ فى نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا فإن نزلت بغتة لم ترعه ... لما كان فى نفسه مثّلا رأى الهمّ يفضى إلى آخر ... فصيّر آخره أولا وذو الجهل يأمن أيّامه ... وينسى مصارع من قد خلا فإن بدهته صروف الزمان ... ببعض مصائبه أعولا ولو قدّم الحزم فى أمره ... لعلّمه الصّبر عند البلا (١) وموقف سادس هو اتخاذه من الشيب نذيرا للموت، وأنه إذا دبّ السواد خلال البياض كان حريّا بالإنسان أن يقلع عن غيّه ويتزود لآخرته، فقد دقت أجراس الموت وملأت الفضاء من حوله، وجدير به أن يبكى ويتفجع على نفسه، فالحياة توشك أن تنقضى ويوشك ظلّها أن ينحسر عنه إلى غير مآب، كما انحسر عن الأفراد والأمم، يقول: بكيت لقرب الأجل ... وبعد فوات الأمل

стр. 1315

ووافد شيب طرا ... بعقب شباب رحل شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل طواك بشير البقاء ... وحلّ بشير الأجل طوى صاحب صاحبا ... كذاك اختلاف الدّول وموقف سابع هو العفو عن الظالم، فهو لا يلقى الإساءة بالإساءة إذ يجد فى ذلك وقودا لتهييجها، وإنما يلقاها بالعفو والرفق والبر والرحمة مطفئا نار الجهل بالحلم وموجدة الغضب بالصفح. وهى خصلة من خصال الإسلام الرفيعة حث عليها الذكر الحكيم بمثل قوله: ﴿(وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ)﴾ وقوله: ﴿(فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ)﴾ وقوله: ﴿(وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)﴾. وإنما أراد الإسلام بذلك أن يزرع البرّ والمحبة فى قلوب المسلمين بعفو بعضهم عن بعض، مع وعده لهم على هذا الصنيع بالأجر والمثوبة الحسنة. وعن كل ذلك صدر محمود فى تصوير عفوه عن بعض ظالميه قائلا: إنى وهبت لظالمى ظلمى ... وغفرت ذاك له على علم ورأيته أسدى إلىّ يدا ... لما أبان بجهله حلمى رجعت إساءته عليه وإح ... سانى إلىّ مضاعف الغنم وغدوت ذا أجر ومحمدة ... وغدا بكسب الظلم والإثم وكأنما الإحسان كان له ... وأنا المسئ إليه فى الحكم ما زال يظلمنى وأرحمه ... حتى رثيت له من الظّلم وهذه المواقف الزهدية المختلفة لمحمود توضح غزارة فكره وأنه كان يستمد من معين عقلى وروحى لا ينضب، فهو تارة يرغب فى محاسن الأخلاق والشيم وتارة يعظ ويذكر ناصبا الموت أمام أعين الناس حاثّا لهم على الإعراض عن الدنيا ومتاعها الفانى والتوكل على الله والرضا بقضائه واتخاذ العدة للقائه، وقد توفى فى حدود المائتين والثلاثين أو بعدها بقليل.

стр. 1316

٤ - شعراء الاعتزال تحدثنا فى الفصل الثالث عن كثرة الفرق الكلامية فى هذا العصر، وقلنا إن فرقة المعتزلة كانت أهم هذه الفرق، حتى ليمكن أن نسمى هذا العصر عصر الاعتزال، وقد ملئوا مساجد البصرة بجدالهم العنيف مع أهل النحل والملل المختلفة، واستمالوا كثرة الشباب إلى عقيدتهم بما أوتوا من قوة اللسن والفصاحة وما سلحوا به عقولهم من المنطق والفلسفة، بل لقد استمالوا الخلفاء منذ عصر المأمون، فإذا هو يعلن رأيهم فى أن القرآن مخلوق عقيدة رسمية للدولة. وكانوا-كما أسلفنا-يعلون النظر العقلى إعلاء كبيرا، حتى ليحيط بشر بن المعتمر العقل-كما مرّ بنا فى الفصل الرابع-بهالة قدسية، وهو إعلاء جعلهم يقولون بأن إرادة الإنسان حرة يفعل ما يشاء بمحض اختياره، حتى يوجبوا عليه التكليف وثمرته من الثواب والعقاب حسب عمله، وأدّاهم ذلك إلى البحث فى العلاقة لا بين الله والإنسان فحسب، بل أيضا بين الله والطبيعة، ففيها علل ثانوية فعّالة تقابل حرية الإرادة عند الإنسان، وإذا كان الله يتصف بالعدل إزاء الإنسان وثوابه وعقابه فإنه يتصف بالحكمة إزاء الطبيعة وكل ما خلقه فيها وبثّه حتى من عناصر الشر. وبلغ من تمجيدهم العقل أن قالوا إن الإنسان يستطيع به حتى لو لم تصله الشرائع أن يعرف أن للعالم إلها واحدا خالقا حكيما، يعرف ذلك عن طريق مصنوعاته، وأفضى بهم ذلك إلى مباحث واسعة فى الطبيعة. وقد نزهوا الله عن التشبيه والزمان والمكان والحركة، وقالوا إن صفاته عين ذاته. وأفاضوا فى هذه المباحث وما يماثلها إفاضة بحيث أصبح لكثير منهم مذاهب اعتزالية متميزة على نحو ما صورنا ذلك فى الفصل الثالث من بعض الوجوه ولا يكاد يلم القارئ بآرائهم ومذاهبهم فى كتاب مثل كتاب الملل والنحل للشهرستانى حتى يهوله ما امتازت به عقولهم من خصب وامتياز، فقد استطاعوا أن ينفذوا من خلال كل ما قرءوا من ثقافات وفلسفة مترجمة إلى فلسفة إسلامية حقيقية، بحيث لا نغلو إذا قلنا إنهم فلاسفة العرب الأولون، إذ لم يقفوا بمباحثهم عند العقيدة

стр. 1317

الإيمانية، بل بسطوها حتى وسعت كل ما خاض فيه اليونان وغير اليونان من مسائل الإلهيات والطبيعيات مما يتصل بمبادئ الموجودات والجسمانيات والروحانيات التى وراء الطبيعة والعناصر المكونة للمحسوسات وكل ما تنبعث عنه الحركات فى الكون والنفس الإنسانية. وبذلك تحوّل الاعتزال فى هذا العصر إلى ما يشبه كنزا فلسفيّا سائلا ما يزال يرفد الفكر العربى بدرره وجواهره، وتحوّل شباب الشعراء وغيرهم يستمدون منه عتادا لعقولهم ومادة خصبة لخواطرهم، مما جعل أبا نواس وغيره يلوكون بعض مصطلحاتهم. وكان من المعتزلة أنفسهم شعراء كثيرون شاركوا فى مجال الشعر، ومشاركتهم فيه تأخذ وجهتين: وجهة عامة فهم ينظمون فيما ينظم فيه غيرهم من موضوعات الشعر وأغراضه، ووجهة خاصة فهم ينظمون فى الاحتجاج لآرائهم الكلامية وفيما يتصل بها من بعض المباحث فى الطبيعة، وكثيرا ما يردّون على خصومهم من أصحاب النحل المختلفة. وأقدم شاعر منهم يلقانا فى فاتحة هذا العصر صفوان الأنصارى تلميذ واصل بن عطاء ونراه يتصدّى لبشار حين عرف فيه أستاذه إلحاده ونادى فى الناس أن يقتلوه، لقوله بالرجعة ولتفضيله النار على الطين وبالنالى إبليس على آدم معتذرا له عن عصيانه لربه حين طلب إليه السجود له، فأبى وآب بالكفر والعصيان والخذلان. ولصفوان فى تصديه لبشار موقفان: موقف يمدح فيه واصلا ويتحدث عن أتباعه وذبّهم عن الدين وحرماته وما أوتوا من الفصاحة واللدد فى الخصومة، وكيف يضربون فى أقطار الأرض داعين للإسلام ولعقيدتهم، مستطردا إلى وصف سيمائهم ونسكهم وتقشفهم، وفيهم وفى أستاذهم يقول: تلقّب بالغزّال واحد عصره ... فمن لليتامى والقبيل المكاثر (١) ومن لحرورىّ وآخر رافض ... وآخر مرجىّ وآخر جائر وأمر بمعروف وإنكار منكر ... وتحصين دين الله من كلّ كافر له خلف شعب الصّين فى كل ثغرة ... إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر

стр. 1318

رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم ... تهكّم جبّار ولا كيد ماكر وأوتاد أرض الله فى كل بلدة ... وموضع فتياها وعلم التشاجر وموقف ثان سبق أن عرضنا له فى ترجمتنا لبشار، ينقض فيه تفضيله النار على الأرض ونفوذه من ذلك إلى تصويب رأى إبليس فى رفضه أمر ربه له بالسجود لآدم، كما ينقض مزاعمه فى الرجعة والتناسخ وتكفيره لجميع الأمة، وخير ما يصور ذلك داليته التى أنشدها الجاحظ، وهو فيها يسهب فى بيان فضائل الأرض، بادئا بأنها تحمل فيما تحمل النار، على نحو ما هو معروف فى الحجارة والزند، ثم يفيض فى بيان طرائفها المبثوثة فى البحار من لآلئ وغير لآلئ، ومن عنبر وغير عنبر، مع ما تحمل من السمك السابح، إلى طرائف لا تكاد تحصى فى الجبال والحرار وظاهر الأرضين من الأحجار الكريمة والذهب والفضة والمعادن النفيسة، بالإضافة إلى الأماكن المقدسة، مما يدل دلالة ناصعة على عظمة الخالق، ومن قوله فى ذلك (١): زعمت بأن النار أكرم عنصرا ... وفى الأرض تحيا بالحجارة والزّند وتخلق فى أرحامها وأرومها ... أعاجيب لا تحصى بخطّ ولا عقد (٢) وفى القعر من لجّ البحار منافع ... من اللؤلؤ المكنون والعنبر الورد (٣) وفى قلل الأجبال خلف مقطّم ... زبرجد أملاك الورى ساعة الحشد (٤) وفى الحرّة الرّجلاء تلفى معادن ... لهنّ مغارات تبجّس بالنّقد (٥) من الذهب الإبريز والفضة التى ... تروق وتصبى ذا القناعة والزّهد وكل فلزّ من نحاس وآنك ... ومن زئبق حىّ ونوشاذر يسدى (٦) وكلّ يواقيت الأنام وحليها ... من الأرض والأحجار فاخرة المجد

стр. 1319

وفيها مقام الخلّ والرّكن والصّفا ... ومستلم الحجّاج من جنّة الخلد ويأخذ صفوان بعد ذلك فى بيان حقيقة بشار ويظهر أنه كان حينئذ يردّد آراء فرقة الكاملية إحدى فرق الشيعة الغالية، وقد أكفر صاحبهم أبو كامل جميع الصحابة لتركهم بيعة على وطعن فى على لقبوله التحكيم ولأنه قعد فى عهد الخلفاء الثلاثة الأول عن المطالبة بحقه، وكان يرى أن الإمامة نور يتناسخ من شخص إلى شخص. ويظهر أيضا أنه كان يردد بعض ما قاله ديصان ومانى عن النور والظلمة وأنه كان لا يزال يلوك أسماء غالية الشيعة من مثل ليلى الناعظية وأبى منصور العجلى وابن عمه المغيرة بن سعيد وغيرهم، ويسجّل ذلك كله صفوان عليه، يقول: أتجعل عمرا والنّطاسىّ واصلا ... كأتباع ديصان وهم قمش المدّ (١) فيا ابن حليف الطّين واللوم والعمى ... وأبعد خلق الله من طرق الرّشد (٢) أتهجو أبا بكر وتخلع بعده ... عليّا وتعزو كلّ ذاك إلى برد (٣) كأنك غضبان على الدين كلّه ... وطالب ذحل لا يبيت على حقد أتجعل ليلى الناعظيّة نحلة ... وكلّ عريق فى التناسخ والرّدّ وقد خلص بشار بعد ذلك للمذاهب المجوسية وعبادة إلهى النور والظلمة. ولم يصلنا لصفوان ردود على الملحدة وأصحاب النحل والأهواء المختلفة. راء هذا الرد على بشار، وأغلب الظن أنه كان يرد عليهم كثيرا وأن القدماء لم يثبتوا ردوده. وسنرى بشر بن المعتمر يسير على هديه فى هذا الاتجاه. ومثله العطوى الذى نلقاه بأخرة من هذا العصر، وقد أنشد له القالى قصيدة يرد فيها على هشام بن الحكم الرافضى أحد متكلمى الشيعة الغالين وما كان يزعمه من التشبيه على الله وأنه فى صورة إنسان وله نفس الحواس الخمس، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، وله يقول العطوى فى بعض ردّه (٤): جلّ ربّ الأعراض والأجسام ... عن صفات الأعراض والأجسام

стр. 1320

جلّ ربّى عن كل ما اكتنفته ... لحظات الأبصار والأوهام برىّ الله من هشام وممن ... قال فى الله مثل قول هشام قل لمن قال قوله ورآه ... خير مسترشد وخير إمام لم أنكرت قول من عبد الشّم ... س وصلّى للأنجم الأعلام ما الدليل المبين عن حدث العا ... لم أفصح به لدى الأقوام لا دليل فلا ترمه وقد قل ... ت كبعض الأنام ربّ الأنام لم ترد غير قدمة الخلق فاقصد ... قصده دع مناقضات الكلام وواضح أن العطوى يرى فى التشبيه على الذات الإلهية تعطيلا للألوهية، فالله بنصّ القرآن ليس كمثله شئ وهو منزه عن كل تجسيد وتجسيم، ولو أشبهته المخلوقات لأصبح العالم قديما مثله، ولكان هناك قديمان: الله والعالم، ومن أجل ذلك حارب المعتزلة القائلين بهذا القول من فلاسفة اليونان ومن بعض المتكلمين أمثال هشام حربا عنيفة. فالله وحده هو القديم، أما العالم فحادث، خلقه الله وأحدثه، والدلالة على حدوثه وخلقه قائمة فى بنيته وتركيبه. وكان العطوى ينظم فى أغراض الشعر المختلفة صابغا كثيرا من معانيه بأصباغ المعتزلة، ونقصد القدرة على توليد الأفكار واستنباط خبيثاتها، وفى ذلك يقول بعض القدماء «كان له فن من الشعر لم يسبق إليه، ذهب فيه إلى مذهب أصحاب الكلام ففارق جميع نظرائه وخفّ شعره على كل لسان وروى واستعمله الكتاب واحتذوا معانيه وجعلوه إماما». وقد أنشد له أبو الفرج فى أغانيه طائفة من الأشعار فى أغراض مختلفة، وهى تصور كيف كان يطلب الإطراف فى المعنى والخيال من مثل قوله يرثى أحمد بن أبى دؤاد شيخ المعتزلة فى عصره ومقدّمهم عند المعتصم والواثق (١): أحنطته يا نصر بالكافور ... وزففته للمنزل المهجور (٢)

стр. 1321

هلا ببعض خصاله حنّطته ... فيضوع أفق منازل وقبور (١) وقوله فى رثائه أيضا (٢): وليس نسيم المسك ريّا حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلّف (٣) وكان منهوما بالنبيذ والشراب، وله فى وصف الصبوح وذكر الندامى والمجالس أشعار كثيرة نقع فيها على المعانى النادرة من مثل قوله: (٤) فكم قالوا تمنّ فقلت كأس ... يطوف بها قضيب من كثيب وندمان تساقطنى حديثا ... كلحظ الحبّ أو غضّ الرّقيب وعلى هذا النحو كان العطوى يتأتى لمعانيه محاولا أن يصل إلى كثير من دقائق الأخيلة والأفكار حتى يبهر معاصريه. ولعل من الخير أن نعرض بشئ من التفصيل لثلاثة من شعراء المعتزلة دوت أسماؤهم فى هذا العصر وهم العتابى وبشر بن المعتمر والنظام. العتّابى (٥) هو كلثوم بن عمرو بن أيوب التّغلبىّ، يتصل نسبه بعمرو بن كلثوم أحد أصحاب المعلقات السبع، ولد ونشأ فى قنّسرين بالشام، ثم سكن الرّقّة بالموصل، وتحول عنها إلى بغداد، واختلف إلى حلقات المتكلمين، ولم يلبث أن شغف بالمعتزلة والاعتزال، كما شغف بالآداب الفارسية شغفا أداه إلى تعلم الفهلوية من جهة، كما أداه إلى الرحلة مرارا إلى خزائن الكتب بمرو وخراسان، ليتزود منها بكنوز الأدب الفارسى، ومرّ بنا فى الفصل الرابع إكبابه على هذه الكتب ونسخه

стр. 1322

لكثير من صحفها ومعانيها، مما جعل بعض معاصريه يعجب من كثرة نسخه لها، وقد ابتدره قائلا: هل المعانى والبلاغة إلا فى كتب العجم؟ اللغة لنا والمعانى لهم. وكان طبيعيّا أن يؤديه اعتزاله إلى قراءة كتب الفلسفة، بل يظهر أنه تعمق فى قراءتها، وهو تعمق دفعه إلى أن يؤلف فى علم المنطق كتابا اشتهر فى عصره، وله بجانبه مصنفات لغوية وأدبية مختلفة منها كتاب الألفاظ وكتاب فنون الحكم، وفيه يقول المسعودى: «كان من العلم والقراءة والأدب والمعرفة والترسل وحسن النظم للكلام وكثرة الحفظ وحسن الإشارة وفصاحة اللسان وبراعة البيان والمكاتبة وحلاوة المخاطبة وجودة الحفظ وصحة القريحة على ما لم يكن لكثير من الناس فى عصره مثله» وكان إلى ذلك يتزهد فى متاع الدنيا ويلبس الصوف أسوة بالناسكين. وسمع يحيى ابن خالد البرمكى وزير الرشيد بفضله فوصله به وبمجالسه، وأخذ يضفى عليه هو وابناه الفضل وجعفر من نوالهم، وهو يضفى عليهم من مدائحه، ولم يلبثوا أن قدموه إلى الرشيد، فمدحه ونال جوائزه السنية، مع انقطاعه لهم. ويروى الرواة أن الرشيد سمع باعتزاله. ولم يكن يعجب بالاعتزال ولا بالمعتزلة، فطلبه، وخشى البرامكة مغبة طلبه، فستروه عنه مدة. وقيل إنه هرب إلى اليمن، وما زال يحيى بن خالد -وقيل ابنه جعفر-يستعطف الرشيد عليه، حتى استلّ ما فى نفسه وأمّنه. ويروى أنه غضب عليه حين ثار الوليد بن طريف الخارجى الشيبانى، لاشتراك بعض أفراد قبيلته معه، غير أنه مثل بين يديه يتنصّل من الجرم الذى جناه بعض قومه، وكان يزيد بن مزيد الشيبانى قضى على الوليد فلوح بأن يزيد غسل عن ربيعة كلها ذنبها، فرضى عنه ووصله. وما زال العتابى منقطعا إلى البرامكة حتى إذا فتك بهم الرشيد ظل يمدحه واصلا أسبابه بطاهر بن الحسين وابنه عبد الله وعلى بن هشام أحد القواد الأجواد فى العصر. ويظهر أنه كان يكثر من التردد على الرقة ورأس عين فى ديار الجزيرة شمالى العراق. ولما تحول المأمون من مرو إلى بغداد وعقد المجالس لجلّة العلماء يتناظرون ويتحاورون بين يديه أشخص العتابى إليه، ووالى بره ونواله عليه. وقد أشاد القدماء بشعر العتابى وبراعته فى الحوار فى كل ما كتب من رسائل، وفى ذلك يقول ابن المعتز: «كان العتابى مجيدا مقتدرا على الشعر عذب الكلام

стр. 1323

وكاتبا جيد الرسائل حاذقا، وقلما يجتمع هذا لأحد، وما سمعت كلاما قط لأحد من المتكلمين أحسن من كلام العتابى. . فإنه كان فحل الشعر جيد الكلام» ويقول أبو الفرج عنه: «شاعر مترسل بليغ مطبوع متصرّف فى فنون الشعر ومقدّم من شعراء الدولة العباسية». ويقول الجاحظ: «ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن كلثوم بن عمرو العتّابى، وكنيته أبو عمرو، وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله فى البديع يقول جميع من يتكلف مثل ذلك من الشعراء المولّدين كنحو منصور النمرى ومسلم بن الوليد الأنصارى وأشباههما، وكان العتابى يحتذى حذو بشار فى البديع». ويقول فى موضع آخر من بيانه: «العتابى يذهب شعره فى البديع». والجاحظ لا يقصد بالبديع المحسنات المعروفة من الجناس والطباق والتصاوير فحسب، بل يقصد أيضا المعانى الطريفة النادرة التى أتاحت للعتابى ثقافته الواسعة اجتلابها وعرضها فى معارض تمتع النفس وترضى العقل والقلب. وأول ما نقف عنده مديحه، وقد طارت له فيه قصيدة فى الرشيد نظمها حين سخط عليه لثورة الوليد بن طريف التى أشرنا إليها فيما أسلفنا، وهو يستهلها بذكر الأطلال والنسيب على هذه الشاكلة: ماذا شجاك بحوّارين من طلل ... ودمنة كشفت عنها الأعاصير (١) شجاك حتى ضمير القلب مشترك ... والعين إنسانها بالماء مغمور (٢) فى ناظرى انقباض عن جفونهما ... وفى الجفون عن الآماق تقصير لبست أردية النّوّار من طلل ... وزلت أخضر تعلوك الأزاهير (٣) وواضح ما فى هذا المطلع من دقة فى التفكير، فهو يصور شجو نفسه وحزنها حين ألم بالطلل، ويطيل فى هذا التصوير، محاولا النفوذ إلى خيال بديع على نحو ما يتضح فى البيت الثالث، وهو لا يعنى بدقة الفكر والخيال وحدهما بل يعنى أيضا بدقة الحسّ على نحو ما نرى فى دعائه الرقيق للطلل بأن يظل مكسوّا

стр. 1324

بالخضرة والأزهار والرياحين ويتحول إلى المديح بمثل قوله فى الرشيد: مستنبط عزمات القلب من فكر ... ما بينهنّ وبين الله معمور فتّ المدائح إلا أن أنفسنا ... مستنطقات بما تحوى الضّمائير ماذا عسى مادح يثنى عليك وقد ... ناداك فى الوحى تقديس وتطهير وهو دائما فى مديحه له يمزج بين تصوير حزمه وبصره بالرأى الصائب وحنكته وبين حياطته للدين والرعية وأخذها بالعدل والشفقة والرحمة، على شاكلة قوله: إمام له كفّ يضمّ بنانها ... عصا الدين ممنوعا من البرى عودها وعين محيط بالبريّة طرفها ... سواء عليه قربها وبعيدها وأصمع (١) ... يقظان يبيت مناجيا له فى الحشا مستودعات يكيدها سميع إذا ناداه فى قعر كربه ... مناد كفته دعوة لا يعيدها ونحس فى هذه الأبيات مدى ما كان يأخذ نفسه به من الأناة والجهد العنيف فى تصوير معانيه وصياغتها وكان يعرف كيف يعرض المعنى فى معارض مختلفة، يرفده فى ذلك عقله الاعتزالى الخصب الذى لا يزال يثير فى نفسه الخواطر التى تبهر السامعين من مثل قوله فى الرشيد، معيدا للمعانى السابقة فى هيآت جديدة: رعى أمّة الإسلام فهو إمامها ... وأدّى إليها الحقّ فهو أمينها ويستنتج العقماء حتى كأنما ... تغلغل فى حيث استقرّ جنينها (٢) وما كلّ موصوف له الحقّ يهتدى ... ولا كلّ من أمّ الصّوى يستبينها (٣) مقيم بمستنّ العلا حيث تلتقى ... طوارف أبكار الخطوب وعونها (٤) وهو يلاحظ ما يقيم عليه الرشيد حكمه من قواعد الدين الحنيف وما سنه فى حكم الرعية من العدالة وطرق الرشاد ويصور فطنته وحنكته فى حلّ المشاكل

стр. 1325

العسرة العقيمة حتى لكأنما يستولدها ما اكتنّ فى أعماقها وأرحامها من حلول خفية، كما يصور حزمه ونفوذه من الخطوب نفوذ السهم الصائب. وواضح ما يعنى به العتّابى من دقة فى معانيه وطرافة، ويروى أنه دخل سرّا مع المتظلمين إلى الرشيد فى بعض سخطاته عليه، فأنشده: أخضنى المقام الغمر إن كان غرّنى ... سنا خلّب أو زلّت القدمان (١) أتتركنى جدب المعيشة مقترا ... وكفّاك من ماء النّدى تكفان (٢) وتجعلنى سهم المطامع بعد ما ... بللت يمينى بالنّدى ولسانى فأعجب الرشيد قوله، وأجازه جائزة سنية. وكان جعفر البرمكى أو أبوه يحيى شفع له عند الرشيد فى موجدة له أخرى عليه، كما أشرنا إلى ذلك آنفا، فقال يمدحه: ما زلت فى غمرات الموت مطّرحا ... قد ضاق عنى فسيح الأرض من حيلى (٣) ولم تزل دائبا تسعى بلطفك لى ... حتى اختلست حياتى من يدى أجلى وهذا البحث عن المعانى النادرة أشاع فى شعر العتابى ظاهرة لم تكن مألوفة هى قصر المدائح وغير المدائح مما يلم به من أغراض الشعر حتى لتصبح بيتين أو ثلاثة فى كثير من الأحيان، وكأنما يتشبه فى ذلك بالأمثال الفارسية القصيرة التى كان يعكف عليها والتى يمثلها خير تمثيل كتاب الأدب الصّغير لابن المقفع، ومما يصوّر ذلك عنده أجمل تصوير ما يروى من أنه دخل على عبد الله بن طاهر يوما فأنشده مادحا: حسن ظنّى وحسن ما عوّد اللّ ... هـ سواى منك الغداة أتى بى أىّ شئ يكون أحسن من حس ... ن يقين حدا إليك ركابى ثم دخل عليه من الغد، فأنشده البيتين التاليين اللذين أنشدناهما فى الفصل السادس:

стр. 1326

ودّك يكفينيك فى حاجتى ... ورؤيتى كافية عن سؤال وكيف أخشى الفقر ما عشت لى ... وإنما كفّاك لى بيت مال ثم دخل فى اليوم الثالث، فأنشده: بهجات الثياب يخلقها الدّه ... ر وثوب الثناء غضّ جديد فاكسنى ما يبيد أصلحك الل ... هـ فيكسوك الله ما لا يبيد وواضح أنه حول قصيدة المديح إلى بيتين قصيرين، يحملان معنى طريفا، وهو معنى لا يصل إليه إلا بعد التدبر وبعد طول الروية وبعد النظر وطول التفكير، بل بعد التوقف وطول التنقيب. وعلى نحو ما يلقانا ذلك فى مديحه يلقانا فى عتابه من مثل قوله: رحل الرّجاء إليك مغتربا ... حشدت عليه نوائب الدّهر ردّت إليك ندامتى أملى ... وثنى إليك عنانه شكرى وجعلت عتبك عتب موعظة ... ورجاء عفوك منتهى عذرى وله غزليات تطبع بنفس الطوابع العقلية والخيالية، فهو ما يزال يحاول فيها استنباط المعانى والصور الدقيقة على شاكلة قوله: رسل الضمير إليك تترى ... بالشوق ظالعة وحسرى (١) ما جفّ للعينين بع ... دك يا قرير العين مجرى إن الصبابة لم تدع ... منى سوى عظم مبرّى (٢) ومدامع عبرى على ... كبد عليك الدّهر حرّى (٣) وأدّاه طول نظره وفحصه للمعانى إلى أن يجردها ويجسمها أحيانا، وأحيانا أخرى يتعمق فيها ويتغلغل إلى لبها، مستخرجا بعض الصور أو بعض الحكم، من مثل قوله مجسدا لشكره:

стр. 1327

فلو كان للشكر شخص يبين ... إذا ما تأمّله الناظر لمثّلته لك حتى تراه ... لتعلم أنى امرؤ شاكر وقوله فى ملامة الأصدقاء وتلقيها بالقبول الحسن: لوم يعيذك من سوء تقارفه ... أبقى لعرضك من قول يداجيكا (١) وقد رمى بك فى تيهاء مهلكة ... من بات يكتمك العيب الذى فيكا (٢) وله أشعار يتناول فيها الأخلاق والطباع، محللا لها تحليلا بديعا، من ذلك تصويره لمن اتبع هداه، فعدل عن محجّة الخلق الحميد إلى مسارب الخلق الذميم، وإنه ليعد ذلك كفرانا لنعمة الله الذى وهب الإنسان من العقل ما يميز به الخبيث من الطيب، والضار من النافع، فإذا هو يستجيب لهواه ودواعى نفسه، ولو أنه فطمها وكبح جماحها لاستتم شكره لأنعم ربه، ولكن أنّى له وفطام النفس عسير، يقول: وكم نعمة آتاكها الله جزلة ... مبرّأة من كلّ خلق يذيمها (٣) فسلّطت أخلاقا عليها ذميمة ... تعاورنها حتى تفرّى أديمها (٤) وكنت امرءا لو شئت أن تبلغ المدى ... بلغت بأدنى نعمة تستديمها ولكن فطام النفس أعسر محملا ... من الصخرة الصّمّاء حين ترومها وعلى هذا النحو كان العتابى لا يزال يلذ عقول سامعيه وقلوبهم بما يورد عليهم من نوادر الأخيلة وطرائف المعانى محتالا لذلك متالفا له بكل ما ادخره عقله واقتناه من بيئة المعتزلة وكنوزها الفكرية الغنية، وقد ظل الناس يفتنون بشعره، وهو يعرض عليهم مبتكراته فى معانيه حتى انتقل إلى جوار ربه فى سنة ثمان ومائتين.

стр. 1328

بشر (١) بن المعتمر شيخ معتزلة بغداد ورئيسهم، يقال إنه كوفى الأصل ولعله تحوّل منها أولا إلى البصرة موطن المعتزلة، ثم استوطن بغداد، وقد اتخذ النخاسة حرفة له، مثله فى ذلك مثل محمود الوراق، وكان أيضا مثله زهدا ونسكا وعبادة. ولا نعرف بالضبط متى نزل بغداد، غير أننا نجد اسمه يلمع فيها منذ عصر الرشيد والبرامكة وقد توثقت الصلة بينه وبين الأخيرين وخاصة منهم الفضل بن يحيى البرمكى، وربما كان السبب الحقيقى فى توثق هذه الصلة ما عرف عن بشر من نزعة شيعية، وكان البرامكة يتشيعون سرّا، ففسحوا له فى مجالسهم، ونصّ كثيرون على هذه النزعة، يقول النوبختى إنه كان يوافق الشيعة فى الحكم على علىّ بأنه كان مصيبا فى حربه لطلحة والزبير ومعاوية وأن جميع من قاتله كان على خطأ، وأيضا كان مصيبا فى قبوله التحكيم. ويقول ابن أبى الحديد: «كان بشر بن المعتمر من قدماء شيوخنا رحمه الله تعالى يقول بتفضيل على ﵇ (أى على أبى بكر وعمر) ويقول كان أشجعهم وأسخاهم، ومنه سرى القول بالتفضيل إلى أصحابنا (من المعتزلة) البغداديين قاطبة وفى كثير من البصريين». وقد روى له ابن لمرتضى أبياتا من أرجوزة يقول فى بعض شطورها «نبرأ من عمرو ومن معاوية» خصمى على فى صفّين، فتشيعه لا مرية فيه ولا شك يعتريه. وقد عرضنا فى الفصل الرابع للنحلة الاعتزالية التى تكونت حول آرائه، والتى سميت البشرية نسبة إليه وذكرنا أن من أهم الأصول التى كان يعتنقها نظرية التولد، وكان يذهب فيها إلى أن كل ما يتولد من أفعالنا فينا أوفى غيرنا فهو فعلنا. وذكرنا أيضا أنه كان ينكر فكرة وجوب الأصلح على الله، إذ لا نهاية لطبقات الأصلح عند الذات العلية، ومن أجل ذلك يكون الذى يجب عليه

стр. 1329

حقّا هو تمكين العبد بما أودع فيه من القدرة والاستطاعة. وكان ينصر القياس العقلى نصرة شديدة، كما كان يجل العقل إجلالا بعيدا حتى ليرفعه إلى مرتبة مقدسة، وقد مرّت بنا فى الفصل الرابع أبياته التى يشيد فيها به إشادة بالغة، لما أودع الله فيه من المعرفة الفطرية التى تجعل الإنسان يميز الشر من الخير، ويدرك الحسن فيعتنقه والقبيح فيتجنبه، ويقول لولاه لذهب الإدراك والتمييز، بل لفقد الإنسان جوهر إنسانيته. وله مصنفات مختلفة تتصل باعتزاله سجلها ابن النديم فى فهرسته. وكان حسن الجدال قوى الحجة، وهو يعدّ فى الذروة من فصحاء المتكلمين وبلغائهم، وقد جعله الجاحظ أكثر المعتزلة رواية للشعر، وروى عنه فى بيانه صحيفة طويلة فى البلاغة، تجعله واضع أصولها الأولى فى صورتها الدقيقة، وقد حللناها فى كتابنا «البلاغة (١): تطور وتاريخ». وهى تشهد له ببصره النافذ فى معرفة طبقات الكلام والملاءمة بينها وبين طبقات السامعين. ولم يكن يروى الشعر فحسب، بل كان أيضا بارعا فى نظمه، غير أنه لم ينظمه فى الأغراض الغنائية التى تعود الشعراء أن ينظموا فيها، بل نظمه فى الاتجاه التعليمى الذى كان أبان بن عبد الحميد قد برع فيه، غير أنه لم يتجه به وجهة من القصص والتاريخ والفقه والمنطق، وإنما اتجه به إلى الرد على أهل المقالات والنحل من خصوم المعتزلة، كما اتجه به إلى ذكر عجائب الله فى صنوف خلقه، مما يمكن أن يدخل فى التاريخ الطبيعى، ويذكر الجاحظ أنه لم ير أحدا أقوى منه على المخمسّ والمزدوج وأنه يفوق أبانا. وليس بين أيدينا شئ من مخمساته، أما مزدوجاته فيذكر ابن المرتضى أن له مزدوجة ردّ فيها على جميع المخالفين للمعتزلة بلغت أربعين ألف بيت، وقد اقتبس منها قطعة أعلن فيها براءته من معاوية كما أسلفنا وكذلك ابن العاص. وأكبر الظن أن القطعة التى أنشدها له صاحب الانتصار فى التبرؤ من الجهمية وصاحبهم جهم مقتبسة هى الأخرى من تلك الأرجوزة وفيها يقول: ننفيهم عنا ولسنا منهم ... ولا هم منا ولا نرضاهم

стр. 1330

إمامهم جهم وما لجهم ... وصحب عمرو ذى التقى والعلم ومعروف أن جهما كان يؤمن بالجبر وينفى استطاعة الإنسان وحرية إرادته مما كان يعتنقه المعتزلة وأساتذتهم أمثال عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، وروى الجاحظ فى الجزء الرابع من حيوانه مقطوعة من إحدى أراجيزه، وربما كانت هى الأخرى من الأرجوزة السالفة، وكذلك ما روى فى الجزء السادس من تفضيله لعلى بن أبى طالب على الخوارج، إذ يقول: ما كان فى أسلافهم أبو الحسن ... ولا ابن عبّاس ولا أهل السّنن غرّ مصابيح الدّجى مناجب ... أولئك الأعلام لا الأعارب كمثل حرقوص ومن حرقوص ... فقعة قاع حولها قصيص (١) ليس من الحنظل يشتار العسل ... ولا من البحور يصطاد الورل (٢) هيهات ما سافلة كعاليه ... ما معدن الحكمة أهل الباديه وروى له الجاحظ فى الحيوان قصيدتين طويلتين قدم لهما بقوله: «أول ما نبدأ قبل ذكر الحشرات وأصناف الحيوان والوحش بشعر بشر بن المعتمر فإن له فى هذا الباب قصيدتين قد جمع فيهما كثيرا من هذه الغرائب والفرائد، ونبّه بهذا على وجوه كثيرة من الحكمة العجيبة والموعظة البليغة. . وإذا قسمنا ما عندنا فى هذه الأصناف على بيوت هذين الشعرين وقع ذكرهما مصنّفا فيصير حينئذ آنق فى الأسماع وأشدّ فى الحفظ». وبشر يستهل القصيدة الأولى بحديثه عن طباع الإنسان وما ركب فيه من الطمع الذى يدفع الناس إلى أن يتواثبوا بعضهم على بعض تواثب الذئاب، ويفيض فى وصف الحيوان والحشرات وبعض الطير وبيان طباعها وعجائب خلقها، حتى إذا بلغ ما أراد من ذلك تحول إلى إباضية الخوارج ورافضة الشيعة ممن يؤمنون بكتاب الجفر، وهو كتاب يزعمون أنه عند أئمتهم فيه كل أصناف العلم وكل ما يكون إلى يوم القيامة، وسلك مع الرافضة

стр. 1331

والإباضية الحشويّة، وهو اسم كان يطلقه المعتزلة على خصومهم من المجسمة والمشبهة ومن كانوا لا يؤولون آيات التشبيه فى القرآن وإن قالوا إن الله لا يشبه شيئا من المخلوقات، وفى ذلك يقول: لست إباضيّا غبيّا ولا ... كرافضىّ غرّه الجفر كما يغرّ الآل فى سبسب ... سفرا فأودى عنده السّفر (١) لسنا من الحشو الجفاة الأولى ... عابوا الذى عابوا ولم يدروا لا تنجع الحكمة فيهم كما ... ينبو عن الجرولة القطر (٢) أولئك الدّاء العضال الذى ... أعيا لديه الصّاب والمقر (٣) وفى هجومه على الشيعة القائلين بكتاب الجفر ما يدل دلالة قاطعة على أنه لم يكن يعتنق مذهب الإمامية كما أشرنا إلى ذلك فى الفصل السادس، وقد استظهرنا هناك أنه ربما كان زيدى الهوى. وهو فى القصيدة الثانية يتحدث أيضا عن غرائب الخلق فى أوابد الوحش والحشرات والطير السابح فى الهواء، مستنبطا كثيرا من العظات، ومنوها بالعقل وساطع نوره الذى نكتشف به مثل هذه العجائب والعبر ونفصل بين الخير والشر والنافع والضار، ويعرض فى أثناء ذلك لأهل المقالات والنحل من غير المعتزلة، فيقول: قد غمر التقليد أحلامهم ... فناصبوا القيّاس ذا السّبر فهو يأخذ عليهم أنهم يلغون عقولهم وأنهم لا يحكمون المنطق والقياس العقلى السديد الذى به تقاس الأشياء ويستبشر ويعرف غورها ومقدار ما فيها من الخطأ والصواب. وعلى هذا النحو ظل بشر مشغولا فى شعره التعليمى بالرد على خصوم المعتزلة وبيان عجائب الخلق الربانى حتى وافاه القدر فى سنة عشر ومائتين.

стр. 1332

النظام (١) هو إبراهيم بن سيار بن هانئ، ولد ونشأ بالبصرة، وكان يحترف نظم الخرز فى سوقها لأول حياته فلقّب بالنظّام، والمظنون أن ولادته كانت حول سنة ١٦٠ للهجرة فقد روى أنه تتلمذ للخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٥ للهجرة وربما كانت ولادته تسبق التاريخ الذى ظنناه، إذ نجده يناظر ويحاور أهل الكلام فى مجالس البرامكة، ومعروف أنهم نكبوا سنة ١٨٧ فلا بد أن يكون قد نضج ولمع اسمه قبل هذا التاريخ مما يؤكد أن ولادته ربما سبقت سنة ١٦٠. وهو ابن أخت أبى الهذيل العلاف شيخ المعتزلة بالبصرة ورئيسهم بعد عمرو بن عبيد، ولعل ذلك ما جعله يشغف بالاعتزال منذ نشأته ويظهر أن خاله عنى به وبتثقيفه عناية كبيرة، وهى عناية صادفت فيه عقلا خصبا وذكاء نادرا. وقد مضى يستوعب كل ما يمكن من كتب الاعتزال والفلسفة والتفسير والحديث والفقه والكيمياء والفلك وعلوم اللغة وكتب الأشعار والأدب وكتب الملل والنحل الإسلامية وكان خاله بارعا فى المناظرة وقطع الخصوم بالحجج الساطعة، فتلقن ذلك عنه، بل لعله بذه فيه، وقد مرّ بنا فى ترجمتنا لصالح بن عبد القدوس كيف تعرّض له وهو حدث، فإذا هو يلقمه بمحاورته له حجرا، فلا يستطيع أن ينبس ببنت شفة، وكان كثيرا ما يظفر بخاله. وقد وقف نفسه على مناظرة الدهريين وأصحاب الملل والنحل المختلفة فى عصره، وطارت شهرته فى هذا الباب، لإفحامه دائما لهم وعلوه عليهم بالأدلة الناصعة والبراهين القاطعة، حتى ليقول الجاحظ فى حيوانه: «لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوام من جميع النّحل، فإن لم أقل ولولا أصحاب إبراهيم

стр. 1333

وإبراهيم (النظام) لهلكت العوام من المعتزلة فإنى أقول إنه قد أنهج لهم سبلا وفتق لهم أمورا واختصر لهم أبوابا ظهرت فيها المنفعة وشملتهم بها النعمة (١)». وقد كان كثير التردد على بغداد منذ عصر الرشيد، حتى إذا كانت سنة ٢٢٠ اختارها دار مقام له، وعقد لنفسه بمسجدها الكبير حلقة للمحاضرة قرر فيها مذهبه الاعتزالى الذى نسب إليه، فتبعه-كما يقول ابن تغرى بردى-خلق كثير، مما جعل اسمه يشيع فى العامة ويدور على كل لسان. ومرّت بنا فى الفصل الثالث كلمة موجزة عن نظريته الاعتزالية، وهى نظرية كانت تقوم على أصول المعتزلة الخمسة التى تحدثنا عنها فى غير هذا الموضع وقد مزج فى قوة بين كلام الفلسفة وأفكار المعتزلة ومال فى آرائه إلى كلام الطبيعيين من الفلاسفة خاصة وانفرد من نظرائه بكثير من الآراء كقوله بأن الله لا يقدر على فعل الشر وإنه إنما يفعل الأصلح لعباده، وقوله بنفى الجوهر الفرد أو الجزء الذى لا يتجزّأ، وقوله إن الله خلق الكائنات دفعة واحدة معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا، غير أن الله أكمن بعضها فى بعض، فآدم لا يتقدم خلقه على خلق أولاده، وهو ما ما يعرف عنده بنظرية الكمون، ومن ذلك قوله إن الجوهر مؤلف من أعراض اجتمعت. وكان يعلى سلطان العقل إعلاء شديدا، ولعل ذلك هو الذى أدّاه إلى إنكار حجية الإجماع والقياس وكأنه خشى فى الأخير إلى نقص الأصل الذى يقاس عليه، ونرى تلميذه الجاحظ المفتون به يعيبه هو نفسه بأنه كان قليل التثبت من صحة المقدمات فى أقيسته، وهو دائم الإشادة بفطنته وغوصه على الدقائق ولطف مداخله إلى أعماق الحقائق. وله شعر كثير يدور فى كتب التراجم، وهو مطبوع بطوابع المتكلمين والمعتزلة منهم خاصة، إذ نراه يمزجه باصطلاحاتهم نافذا إلى أغوار المعانى، متصرفا فيها تصرف الحاذق الفطن، وملائما بينها إلى أبعد حدود الملاءمة يعينه فى ذلك حسّ دقيق مرهف وشعور رقيق حاد من مثل قوله: وشادن ينطق بالظّرف ... يقصر عنه منتهى الوصف

стр. 1334

رقّ فلو بزّت سرابيله ... علّقه الجوّ من اللّطف (١) يجرحه اللّحظ بتكراره ... ويشتكى الإيماء بالطّرف وكلمة اللطف فى الأبيات لا تفهم بدقة إلا إذا عرفنا أن النظام كان يرى أن روح الإنسان جسم لطيف وما الجسد إلا آلتها وما الإنسان إلا الجسم اللطيف الذى يحتويه. وفى البيت الأخير مبالغة واضحة يستتم بها مبالغة البيت الذى يسبقه وقد عاد إلى توضيح هذه المبالغة ودعم صورتها، فقال: توهّمه طرفى فآلم خدّه ... فكان مكان الوهم من نظرى أثر وصافحه قلبى فآلم كفّه ... فمن صفح قلبى فى أنامله عقر (٢) ومرّ بقلبى خاطرا فجرحته ... ولم أر خلقا قطّ يجرحه الفكر يمرّ فمن لين وحسن تعطّف ... يقال به سكر وليس به سكر وهو وهم بعيد لا يقع فى عقل شخص إلا أن يكون من المعتزلة الذين يبعدون فى تصور الأشياء، بل إلا أن يكون من عقل النظام الذى كان يؤمن بأن الأعراض كامنة فى الجوهر وأن حركات الإنسان كامنة فى نفسه وأن حركات النفس أجسام مستترة، وبذلك نفذ إلى هذا التجسيم الغريب فى الأبيات. ويستلهم رأيه فى أن النور سمائى علوى، يعلو فوق الأشياء ولا يعلو شئ عليه، فيقول: أفرغ من نور سمائىّ ... مصوّر فى جسم إنسىّ وافتقر الحسن إلى حسنه ... فجلّ عن تحديد كيفىّ أبدعه الخالق واختاره ... من مازج الأنوار علوىّ فكلّ من أغرق فى وصفه ... أصبح منسوبا إلى العىّ وتختلط فى الأبيات فكرته عن النور بفكرته عن الأجسام وأنها أعراض متجمعة. ويتضح فيها لحن المعتزلة أو لحنه هو إذ يتحدث عن الكيف وتحديده

стр. 1335

أو بعبارة أخرى عن العرض، وهو عنده جسم. وبذلك كان يعرف كيف يتحول بالغزل إلى ضروب من الوهم المسرف فى الخيال، وكذلك كان يصنع بكل ما يمسه عقله ووجدانه من أغراض الشعر كقوله يصف احتساءه للخمر من بعض الدّنان: ما زلت آخذ روح الزّقّ فى لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح حتى انثنيت ولى روحان فى جسدى ... والزّقّ مطرح جسم بلا روح وهو هنا أيضا ينظم بعقله الاعتزالى وما كان يذهب إليه من أن الروح جسم لطيف مشابك للبدن بأجزائه تشابك المائية للورد، وهى صاحبة القوة والاستطاعة والحياة والمشيئة. وله فى تلميذه الجاحظ عمرو بن بحر الذى كان يبادله إعجابا بإعجاب وودّا بود: حبى لعمرو جوهر ثابت ... وحبّه لى عرض زائل به جهاتى الستّ مشغولة ... وهو إلى غيرى بها مائل وواضح تشبثه بلغة المتكلمين وآرائهم فى الجوهر والعرض والجهات الست. ولم يكن هناك غرض ينظم فيه إلا ويدخل فيه لغة الاعتزال وما يدفع إليه من التجريد البعيد الذى يرفع الإنسان من عالم الحس إلى عالم الوهم والخيال كقوله يمدح الأمين: ألا يا خير من رأت العيون ... نظيرك لا يحسّ ولا يكون وفضلك لا يحدّ ولا يجارى ... ولا تحوى حيازته الظنون خلقت بلا مشاكلة لشئ ... فأنت الفوق والثقلان دون كأن الملك لم يك قبل شيئا ... إلى أن قام بالملك الأمين وهى مبالغة مسرفة، وكأن النظام كان أحد من ثبّتوا مثل هذه المبالغة فى المديح، وهى مبالغة نفذت إليه من إغراقه فى الوهم واستيحائه لغة المتكلمين. وقد
следующие страницы →