← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

والإباضية الحشويّة، وهو اسم كان يطلقه المعتزلة على خصومهم من المجسمة والمشبهة ومن كانوا لا يؤولون آيات التشبيه فى القرآن وإن قالوا إن الله لا يشبه شيئا من المخلوقات، وفى ذلك يقول: لست إباضيّا غبيّا ولا ... كرافضىّ غرّه الجفر كما يغرّ الآل فى سبسب ... سفرا فأودى عنده السّفر (١) لسنا من الحشو الجفاة الأولى ... عابوا الذى عابوا ولم يدروا لا تنجع الحكمة فيهم كما ... ينبو عن الجرولة القطر (٢) أولئك الدّاء العضال الذى ... أعيا لديه الصّاب والمقر (٣) وفى هجومه على الشيعة القائلين بكتاب الجفر ما يدل دلالة قاطعة على أنه لم يكن يعتنق مذهب الإمامية كما أشرنا إلى ذلك فى الفصل السادس، وقد استظهرنا هناك أنه ربما كان زيدى الهوى. وهو فى القصيدة الثانية يتحدث أيضا عن غرائب الخلق فى أوابد الوحش والحشرات والطير السابح فى الهواء، مستنبطا كثيرا من العظات، ومنوها بالعقل وساطع نوره الذى نكتشف به مثل هذه العجائب والعبر ونفصل بين الخير والشر والنافع والضار، ويعرض فى أثناء ذلك لأهل المقالات والنحل من غير المعتزلة، فيقول: قد غمر التقليد أحلامهم ... فناصبوا القيّاس ذا السّبر فهو يأخذ عليهم أنهم يلغون عقولهم وأنهم لا يحكمون المنطق والقياس العقلى السديد الذى به تقاس الأشياء ويستبشر ويعرف غورها ومقدار ما فيها من الخطأ والصواب. وعلى هذا النحو ظل بشر مشغولا فى شعره التعليمى بالرد على خصوم المعتزلة وبيان عجائب الخلق الربانى حتى وافاه القدر فى سنة عشر ومائتين.

стр. 1332

النظام (١) هو إبراهيم بن سيار بن هانئ، ولد ونشأ بالبصرة، وكان يحترف نظم الخرز فى سوقها لأول حياته فلقّب بالنظّام، والمظنون أن ولادته كانت حول سنة ١٦٠ للهجرة فقد روى أنه تتلمذ للخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٥ للهجرة وربما كانت ولادته تسبق التاريخ الذى ظنناه، إذ نجده يناظر ويحاور أهل الكلام فى مجالس البرامكة، ومعروف أنهم نكبوا سنة ١٨٧ فلا بد أن يكون قد نضج ولمع اسمه قبل هذا التاريخ مما يؤكد أن ولادته ربما سبقت سنة ١٦٠. وهو ابن أخت أبى الهذيل العلاف شيخ المعتزلة بالبصرة ورئيسهم بعد عمرو بن عبيد، ولعل ذلك ما جعله يشغف بالاعتزال منذ نشأته ويظهر أن خاله عنى به وبتثقيفه عناية كبيرة، وهى عناية صادفت فيه عقلا خصبا وذكاء نادرا. وقد مضى يستوعب كل ما يمكن من كتب الاعتزال والفلسفة والتفسير والحديث والفقه والكيمياء والفلك وعلوم اللغة وكتب الأشعار والأدب وكتب الملل والنحل الإسلامية وكان خاله بارعا فى المناظرة وقطع الخصوم بالحجج الساطعة، فتلقن ذلك عنه، بل لعله بذه فيه، وقد مرّ بنا فى ترجمتنا لصالح بن عبد القدوس كيف تعرّض له وهو حدث، فإذا هو يلقمه بمحاورته له حجرا، فلا يستطيع أن ينبس ببنت شفة، وكان كثيرا ما يظفر بخاله. وقد وقف نفسه على مناظرة الدهريين وأصحاب الملل والنحل المختلفة فى عصره، وطارت شهرته فى هذا الباب، لإفحامه دائما لهم وعلوه عليهم بالأدلة الناصعة والبراهين القاطعة، حتى ليقول الجاحظ فى حيوانه: «لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوام من جميع النّحل، فإن لم أقل ولولا أصحاب إبراهيم

стр. 1333

وإبراهيم (النظام) لهلكت العوام من المعتزلة فإنى أقول إنه قد أنهج لهم سبلا وفتق لهم أمورا واختصر لهم أبوابا ظهرت فيها المنفعة وشملتهم بها النعمة (١)». وقد كان كثير التردد على بغداد منذ عصر الرشيد، حتى إذا كانت سنة ٢٢٠ اختارها دار مقام له، وعقد لنفسه بمسجدها الكبير حلقة للمحاضرة قرر فيها مذهبه الاعتزالى الذى نسب إليه، فتبعه-كما يقول ابن تغرى بردى-خلق كثير، مما جعل اسمه يشيع فى العامة ويدور على كل لسان. ومرّت بنا فى الفصل الثالث كلمة موجزة عن نظريته الاعتزالية، وهى نظرية كانت تقوم على أصول المعتزلة الخمسة التى تحدثنا عنها فى غير هذا الموضع وقد مزج فى قوة بين كلام الفلسفة وأفكار المعتزلة ومال فى آرائه إلى كلام الطبيعيين من الفلاسفة خاصة وانفرد من نظرائه بكثير من الآراء كقوله بأن الله لا يقدر على فعل الشر وإنه إنما يفعل الأصلح لعباده، وقوله بنفى الجوهر الفرد أو الجزء الذى لا يتجزّأ، وقوله إن الله خلق الكائنات دفعة واحدة معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا، غير أن الله أكمن بعضها فى بعض، فآدم لا يتقدم خلقه على خلق أولاده، وهو ما ما يعرف عنده بنظرية الكمون، ومن ذلك قوله إن الجوهر مؤلف من أعراض اجتمعت. وكان يعلى سلطان العقل إعلاء شديدا، ولعل ذلك هو الذى أدّاه إلى إنكار حجية الإجماع والقياس وكأنه خشى فى الأخير إلى نقص الأصل الذى يقاس عليه، ونرى تلميذه الجاحظ المفتون به يعيبه هو نفسه بأنه كان قليل التثبت من صحة المقدمات فى أقيسته، وهو دائم الإشادة بفطنته وغوصه على الدقائق ولطف مداخله إلى أعماق الحقائق. وله شعر كثير يدور فى كتب التراجم، وهو مطبوع بطوابع المتكلمين والمعتزلة منهم خاصة، إذ نراه يمزجه باصطلاحاتهم نافذا إلى أغوار المعانى، متصرفا فيها تصرف الحاذق الفطن، وملائما بينها إلى أبعد حدود الملاءمة يعينه فى ذلك حسّ دقيق مرهف وشعور رقيق حاد من مثل قوله: وشادن ينطق بالظّرف ... يقصر عنه منتهى الوصف

стр. 1334

رقّ فلو بزّت سرابيله ... علّقه الجوّ من اللّطف (١) يجرحه اللّحظ بتكراره ... ويشتكى الإيماء بالطّرف وكلمة اللطف فى الأبيات لا تفهم بدقة إلا إذا عرفنا أن النظام كان يرى أن روح الإنسان جسم لطيف وما الجسد إلا آلتها وما الإنسان إلا الجسم اللطيف الذى يحتويه. وفى البيت الأخير مبالغة واضحة يستتم بها مبالغة البيت الذى يسبقه وقد عاد إلى توضيح هذه المبالغة ودعم صورتها، فقال: توهّمه طرفى فآلم خدّه ... فكان مكان الوهم من نظرى أثر وصافحه قلبى فآلم كفّه ... فمن صفح قلبى فى أنامله عقر (٢) ومرّ بقلبى خاطرا فجرحته ... ولم أر خلقا قطّ يجرحه الفكر يمرّ فمن لين وحسن تعطّف ... يقال به سكر وليس به سكر وهو وهم بعيد لا يقع فى عقل شخص إلا أن يكون من المعتزلة الذين يبعدون فى تصور الأشياء، بل إلا أن يكون من عقل النظام الذى كان يؤمن بأن الأعراض كامنة فى الجوهر وأن حركات الإنسان كامنة فى نفسه وأن حركات النفس أجسام مستترة، وبذلك نفذ إلى هذا التجسيم الغريب فى الأبيات. ويستلهم رأيه فى أن النور سمائى علوى، يعلو فوق الأشياء ولا يعلو شئ عليه، فيقول: أفرغ من نور سمائىّ ... مصوّر فى جسم إنسىّ وافتقر الحسن إلى حسنه ... فجلّ عن تحديد كيفىّ أبدعه الخالق واختاره ... من مازج الأنوار علوىّ فكلّ من أغرق فى وصفه ... أصبح منسوبا إلى العىّ وتختلط فى الأبيات فكرته عن النور بفكرته عن الأجسام وأنها أعراض متجمعة. ويتضح فيها لحن المعتزلة أو لحنه هو إذ يتحدث عن الكيف وتحديده

стр. 1335

أو بعبارة أخرى عن العرض، وهو عنده جسم. وبذلك كان يعرف كيف يتحول بالغزل إلى ضروب من الوهم المسرف فى الخيال، وكذلك كان يصنع بكل ما يمسه عقله ووجدانه من أغراض الشعر كقوله يصف احتساءه للخمر من بعض الدّنان: ما زلت آخذ روح الزّقّ فى لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح حتى انثنيت ولى روحان فى جسدى ... والزّقّ مطرح جسم بلا روح وهو هنا أيضا ينظم بعقله الاعتزالى وما كان يذهب إليه من أن الروح جسم لطيف مشابك للبدن بأجزائه تشابك المائية للورد، وهى صاحبة القوة والاستطاعة والحياة والمشيئة. وله فى تلميذه الجاحظ عمرو بن بحر الذى كان يبادله إعجابا بإعجاب وودّا بود: حبى لعمرو جوهر ثابت ... وحبّه لى عرض زائل به جهاتى الستّ مشغولة ... وهو إلى غيرى بها مائل وواضح تشبثه بلغة المتكلمين وآرائهم فى الجوهر والعرض والجهات الست. ولم يكن هناك غرض ينظم فيه إلا ويدخل فيه لغة الاعتزال وما يدفع إليه من التجريد البعيد الذى يرفع الإنسان من عالم الحس إلى عالم الوهم والخيال كقوله يمدح الأمين: ألا يا خير من رأت العيون ... نظيرك لا يحسّ ولا يكون وفضلك لا يحدّ ولا يجارى ... ولا تحوى حيازته الظنون خلقت بلا مشاكلة لشئ ... فأنت الفوق والثقلان دون كأن الملك لم يك قبل شيئا ... إلى أن قام بالملك الأمين وهى مبالغة مسرفة، وكأن النظام كان أحد من ثبّتوا مثل هذه المبالغة فى المديح، وهى مبالغة نفذت إليه من إغراقه فى الوهم واستيحائه لغة المتكلمين. وقد

стр. 1336

اختلف القدماء فى السنة التى توفى فيها، فقيل سنة إحدى وعشرين ومائتين وقيل بل سنة إحدى وثلاثين، وأكبر الظن أن حياته لم تمتد إلى السنة الأخيرة. ٥ - شعراء النزعات الشعبية لعلنا لا نغلو إذا قلنا إن الشعر العباسى كان يصدر فى جمهوره عن روح الشعب، فقد كانت كثرة الشعراء من الطبقة العامة، وكانوا يحملون فى صدورهم أحاسيسها ومشاعرها وإذا كان بدا فى مديحهم للخلفاء والوزراء أنهم ينفصلون عنها فإنه انفصال فى الظاهر، إذ كانوا ما يزالون يضعون نصب أعينهم مثالية الحاكم التى تتطلبها الأمة والتى رسمها لها الدين الحنيف. وكانوا فى جوانب من هذا المديح ونقصد مديح القواد المظفرين يعبرون عن الحماسة المشتعلة فى صدور الشباب للقضاء على أعدائهم من البيزنطيين وغير البيزنطيين. فحتى المديح لم يبعد عن روح الشعب، وكان الهجاء يصدر فى وضوح عن هذه الروح، إذ مثل الشعراء فيه الخصال السيئة التى ينبغى أن يتطهر منها المجتمع، سواء فى الأفراد العاديين أو فى الحكام، ولعل ذلك هو الذى كان يشيعه على جميع الألسنة. وخذ الصورتين الأساسيين للمجتمع صورة الترف وما يطوى فيه من مجون وصورة الشظف وعيشة الكفاف وما يطوى فيها من زهد فستجدهما مجسمتين أقوى ما يكون من تجسيم، فحياة الحانات والقيان والأديرة وكل ما فى المجتمع من لهو ومواسم للهو، ونقصد الأعياد الإسلامية والمسيحية والمجوسية، كل ذلك مصور فى شعر الشعراء، وبالمثل حياة الزهد والتقوى والعمل الصالح وكانت أكثر شيوعا من حياة اللهو والمجون، مما جعل أشعار الزهد تجرى على كل لسان، وفى الأغانى خبر يصور ذلك أدق تصوير، إذ يروى أن الملاحين فى دجلة كانوا يتغنون فى نزهة للرشيد بقطعة زاهدة لأبى العتاهية تمثلنا ببعض أبياتها فى غير هذا الموضع وفيها يقول (١):

стр. 1337

سيصير المرء يوما ... جسدا ما فيه روح كلنا فى غفلة وال ... موت يغدو ويروح لتموتنّ وإن عمّ ... رت ما عمّر نوح ومرت بنا فى ترجمة أبى العتاهية قطعة يشكو فيها لبعض الخلفاء من ارتفاع الأسعار، وهو يعبر فيها عما كانت تعيش فيه طبقات الشعب الدنيا من ضنك وبؤس، وكانت الأموال حينئذ موزعة توزيعا غير عادل، فالخلفاء والوزراء وحواشيهما يعيشون فى الحلية والزينة وكل ما يمكن من أسباب الترف ووسائل النعيم، ويمدون من حولهم ومن يحفون بهم من المغنين والشعراء والعلماء والأتباع بكثير من هذه الوسائل والأسباب، ويثرى بعض التجار ثراء فاحشا. وتجثم فى البؤس والمسغبة كثرة الشعب التى كانت لا تجد يدا تمتد إليها وتخمد نار الفقر والضنك المشتعلة بين طبقاتها ولا من يبرد جوانحها، ويطعم الجائع فيها ويكسو العارى ويسقى الظمآن. وتلقانا أحاسيس هذه الطبقات التعسة مصورة عند شعراء الكدية الذين كانوا يشبهون طوائف الأدباتية التى كانت تنبثّ عندنا لأواخر القرن الماضى فى المواسم والموالد والاحتفالات العامة، ومن خير من يمثلهم أبو فرعون الساسى، وقد أنشدنا له قطعة يصور فيها بؤسه وبؤس أولاده فى الفصل الرابع وكيف يعيشون عراة جائعين، ولا من مشفق ولا رحيم، وله يصور بؤسه وفقره (١): ليس إغلاقى لبابى أنّ لى ... فيه ما أخشى عليه السّرقا إنما أغلقه كى لا يرى ... سوء حالى من يجوب الطّرقا منزل أوطنه الفقر فلو ... دخل السارق فيه سرقا ومن الشعراء الذين عاشوا فى ضنك وحرمان أبو المخفّف وكان فى أيام المأمون. وكان يدور فى بغداد يسأل الناس رغيفا أو كسرة خبز، وله أشعار مختلفة فى وصف الرغيف وكيف كان كلّ همه من الحياة وهم أمثاله من البؤساء الذين يعيشون على الكسر اليابسة يتبلّغون بها، وهو لذلك يجعله موضع شعره من مثل قوله (٢):

стр. 1338

دع عنك رسم الدّيار ... ودع صفات القفار وعدّ عن ذكر قوم ... قد أكثروا فى العقار (١) ودع صفات الزناني ... ر فى خصور العذارى (٢) وصف رغيفا سريّا ... حكته شمس النهار أو صورة البدر لما اس ... تتمّ فى الاستدار فليس تحسن إلا ... فى وصفه أشعارى وذاك أنى قديما ... خلعت فيه عذارى فهو إنما يتدلّه فى الرغيف ويمتلئ به قلبه المحروم حبا وصبابة. وكان وراءه كثيرون متعففون لا يمدون أيديهم للسؤال، وربما فقدوا حتى الرغيف ولم يجدوه. ولعل شاعرا لم يصف مشاعر هذه الطبقات البائسة على نحو ما وصفها أبو الشمقمق ولذلك كان ينبغى أن نقف عنده قليلا. أبو الشمقمق (٣) هو مروان بن محمد بصرى المنشأ والمربى، خراسانى الأصل، من موالى الأمويين، ومعنى الشمقمق الطويل، ويقال إنه كان قبيح المنظر وأضاف إلى قبح شكله خبث لسانه، فتحاماه الناس وازوروا عنه، فلم يفتحوا له أبوابهم إلا قليلا، وسرعان ما كان الباب الذى يفتح فى وجهه يغلق من دونه، فعاش فقيرا محروما إلا من بعض ما كان يسقط إليه من قائد أو أمير أو من بعض زملائه الشعراء، فى الحين الطويل بعد الحين. وقدم بغداد فى أيام الرشيد والبرامكة غير أن أبوابهما لم تفتح له، ولعل ذلك ما جعله يهجو الفضل بن يحيى

стр. 1339

البرمكى كما هجا منصور بن زياد كاتب الرشيد. وممن فتحوا له أبوابهم حينئذ يزيد بن مزيد الشيبانى قائد الرشيد المشهور ممدوح مسلم بن الوليد، ومالك بن على الخزاعى أحد رجال الدولة البارزين ومحمد بن منصور بن زياد الملقب بفتى العسكر، ولعلهم خشوا معرة لسانه. ونراه يولى وجهه نحو بعض بلدان فارس يمدح عمالها، ويقصد أبا دهمان حين ولاه يحيى بن خالد البرمكى سابور، فيحسن إليه ويمدحه ببعض شعره، ويقصد جميل بن محفوظ والى أرّجان، فيلقاه لقاء سيئا، ويتولاه بهجاء مرير، ويقصد الأهواز حيث كان يتولى عمر ابن مساور الكاتب بعض أعمالها، ويعرض عنه، فيصب عليه شواظا من هجائه ويعود إلى بغداد كسيرا، فلا يجد من يقبل عليه حتى من الشعراء رفاقه، ويسلقهم بلسانه، فيعطونه النزر القليل الذى لا يكاد يسد رمقه. ويحس أنه يعيش مضيعا، ويزيده ضياعا أنه لم يكن فيه ما يتنافس الناس بسببه فى اصطحابه ومنادمته إذ كانت العيون تقتحمه كما أسلفنا، وكانت فيه خشونة وجفوة، مع نزق وطول لسان وتعجل فى اللوم والهجاء، فساءت حاله واشتد ضيقا وبرما بالناس، وعاش يتجرع الفاقة والبؤس حتى قالوا إنه كان يلزم بيته فى أطمار بالية وثياب خلقة متواريا عن الناس إلا من أنس إليه. وأشعاره تسودها روح شعبية قوية حتى فى المديح، فإننا نجده لا يعنى فيه بالجزالة والرصانة التى كانت تشيع حينئذ فى شعر المديح، وأيضا فإنه لا يعنى بمعانيه وأخيلته، وكأنه ينظمه عفو الخاطر، غير متأن ولا متكلف. وإذا كان مديحه يسقط عن مديح نظرائه فإن أهاجيه لا تقل عن أهاجيهم إقذاعا، بل لعل شاعرا معاصرا لم يبلغ من إقذاعه ما بلغه، إذ ملأ أهاجيه بالفحش والألفاظ البذيئة، حتى لنرى شاعرا مثل بشار المعروف بخبث لسانه يخشاه خشية شديدة، حتى ليرتّب له فى كل سنة مائتى درهم رجاء أن يكف عنه لسانه، وأتاه فى بعض السنين، فحاول أن يرده، فما هو إلا أن تمتم بشطور مقذعة حتى فزع بشار ودفع إليه المائتى درهم وقال له: لا يسمعنّ هذا منك الصبيان، وأتاه مرة أخرى، فلم يسرع له بالضريبة، وما إن قال: سبع جوزات وتينه ... فتحوا باب المدينه

стр. 1340

إن بشار بن برد ... تيس أعمى فى سفينه حتى رمى له بشار بالدراهم. وذكر بشار للصبيان يدل على شعبية أبى الشمقمق وأنه كان يشتق شعره من ألفاظ العامة، ولذلك كان سرعان ما يدور على ألسنة الغلمان. ومن طريف هجائه قوله فى بخيل: كفّاه قفل ضاع مفتاحه ... قد يئس الحدّاد من فتحه وقوله فى بعض الثقلاء: أسمج الناس جميعا كلّهم ... كذباب ساقط فى مرقه ولعل أشعارا له لم تمس قلوب الشعب كما مستها أشعاره التى صوّر فيها فقره وبؤسه، ويروى بأن بعض إخوانه دخل عليه يوما فرأى سوء حاله، فأراد أن يخفف عنه ما هو فيه، فقال له أبشر أبا الشمقمق فانه روى فى بعض الحديث أن العارين فى الدنيا هم الكاسون يوم القيامة، فقال ساخرا: إن كان والله ما تقول حقا لأكونن بزّازّا يوم القيامة، ثم أنشأ يقول: أنا فى حال تعالى الل ... ربّى أىّ حال ليس لى شئ إذا قي ... ل لمن ذا؟ قلت: ذا لى ولقد أهزلت حتى ... محت الشمس خيالى ولقد أفلست حتى ... حلّ أكلى لعيالى وله أشعار كثيرة يصور فيها فقره وإقلاله وأنه لا يقتنى حتى ما يكسو به السرير الذى ينام عليه وأنه لا يملك من المتاع شيئا إلا حصيرة وبعض السمار والأطمار الخلقة، يقول: لو قد رأيت سريرى كنت ترحمنى ... الله يعلم مالى فيه تلبيس (١) والله يعلم مالى فيه شابكة ... إلا الحصيرة والأطمار والدّيس (٢)

стр. 1341

ويقف مرارا ليصور سوء حظه وأنه أينما اتجه لم يكسب شيئا، بل يقعد به العدم الذى تعوّده ويقعد به سوء البخت الذى يلازمه فى حلّه وترحاله، حتى ليجفّ البحر الذى يخوضه، وحتى ليستحيل الدر فى يده حصى وزجاجا والماء العذب ملحا لا يسوغ شرابه، وفى ذلك يقول: لو ركبت البحار صارت فجاجا ... لا نرى فى متونها أمواجا ولو أنى وضعت ياقوتة حم ... راء فى راحتى لصارت زجاجا ولو أنى وردت عذبا فراتا ... عاد لا شك فيه ملحا أجاجا ويصور لنا مسغبة عياله، وهو فى الواقع إنما يصور مسغبة الطبقة العامة فى بغداد التى كانت تكدح لتملأ الطبقة المترفة بطونها، بينما تعيش هى فى الضنك والشقاء، متمنية أن تجد الخبز والإدام، بل قد تعدم الإدام والخبز جميعا، ومن طريف تصويره لذلك قوله: ما جمع الناس لدنياهم ... أنفع فى البيت من الخبز والخبز باللّحم إذا نلته ... فأنت فى أمن من التّرز (١) وقد دنا الفطر وصبياننا ... ليسوا بذى تمر ولا أرز كانت لهم عنز فأودى بها ... وأجدبوا من لبن العنز (٢) فلو رأوا خبزا على شاهق ... لأسرعوا للخبز بالجمز (٣) ولو أطاقوا القفز ما فاتهم ... وكيف للجائع بالقفز ويكثر من حديثه عن البراغيث ولذعها لجسده، كما يكثر من حديثه عن خلو داره من الطعام، حتى لتعبث بها الجرذان وابن عرس، بل إنها لتدرج من حوله وتعبث ببعض جسده، وتيأس منه ومن طعامه، فتفر على وجهها تبحث عن غذائها، ولا يبقى معه فى البيت سوى السنور أو الهرّ، وإنه ليبكى

стр. 1342

حاله، إذ لا يجد الفأر الذى تعوّد أن يصيده، فيفارقه إلى غير مآب، ومن بعض قوله فى ذلك: ولقد قلت حين أجحرنى البر ... د كما تجحر الكلاب ثعاله (١) فى بييت من النضارة قفر ... ليس فيه إلا النّوى والنّخاله (٢) فارقته الجرذان من قلّة الخي ... ر وطار الذباب نحو زباله (٣) هاربات منه إلى كل خصب ... حين لم يرتجين منه بلاله (٤) وأقام السّنّور فيه بشرّ ... يسأل الله ذا العلا والجلاله أن يرى فأرة فلم ير شيئا ... ناكسا رأسه لطول الملاله قلت صبرا يا ناز رأس السّنا ... نير وعلّلته بحسن مقاله (٥) قال: لا صبر لى وكيف مقامى ... فى قفار كمثل بيد تباله (٦) ثم ولّى كأنه شيخ سوء ... أخرجوه من محبس بكفاله وعلى هذا النحو كان أبو الشمقمق يخلط تصوير تعاسته وتعاسة أمثاله من أفراد الشعب بالفكاهة، وكان ما بنى يصور أحاسيس الفقر وضيق ذات اليد، وكان الناس يقبلون على شعره إقبالا شديدا، حتى ليروى الجاحظ فى الجزء الأول من حيوانه أن منهم من كان ينفق على كتابته نفقة واسعة، متخذا له الجلود الكوفية الثمينة. وفى طبقات الشعراء لابن المعتز أن أبا الشمقمق توفّى فى حدود الثمانين ومائة، ولعل الخبر الذى ساقه عنه والذى يدل على أنه لحق عصر المأمون منحول عليه.

стр. 1343

الفصل الثامن تطور النثر وفنونه ١ - تطور النثر كان العصر العباسى الأول عصرا خطيرا حقا فى تطور النثر العربى، إذ تحولت إليه الثقافات اليونانية والفارسية والهندية وكل معارف الشعوب التى أظلتها الدولة العباسية، بحيث تدخّل جميع ذلك فى تركيبه وائتلف مع نسيجه، وتولد منه جديد تلو جديد. وتم هذا التحول-كما مرّ بنا فى الفصل الثالث-عن طريقين: طريق النقل والترجمة، وهو طريق عنى به الخلفاء العباسيون-ووزراؤهم وخاصة البرامكة- إلى أبعد حد ممكن، كما عنى به أفراد مختلفون مثل ابن المقفع آل نوبخت. وطريق ثان لعله كان أوسع مجرى، هو تعرب شعوب الشرق الاوسط وانتقالهم إلى العربية بكل ما ورثوه وثقفوه من فنون المعرفة. ولم ينتقلوا بمعارفهم فقط، بل انتقلوا أيضا بعاداتهم وتقاليدهم وطرائقهم فى المعيشة مما هيأ لتفاعل واسع بين العرب والشعوب المستعربة، بل مما هيأ لظهور المدنية العربية فى تلك الأقاليم التى دانت بالإسلام، وهى مدنية قوامها مزيج من التعاليم الإسلامية الروحية والخلقية ومن الأدب العربى بشعره ونثره ومن صور الحياة العقلية والمادية فى المحيط العربى الجديد. وعلى سنن من طبائع الحياة أخذ النثر يتطور تطورا واسعا، إذ حمل خلاصة هذه المدنية وملئت أوانيه بشرابها الجديد الذى اختلفت ألوانه باختلاف ينابيعه الكثيرة، مما عرضنا له فى غير هذا الموضع. وقد أظهر النثر العربى مرونة واسعة إذ استطاع أن يحتوى كل هذه الينابيع وأن يتسع لها صدره، بل لقد غدا كمجرى نهر كبير ترفده جداول من ثقافات متنوعة تنوعا لا يكاد يحدّ أو يحصى،

стр. 1344

وكل جدول يذوب فى النهر بمجرد دخوله فيه، إذ يتحول عربيّا، ويتحول معه كل ما يحمل من سيول المعارف، حتى الفلسفة والعلوم فإنهما لم يستعصيا على هذا التحول، إذ سرعان ما صبّا فى قوالب عربية ملائمة. وكان ذلك إيذانا بتعدد شعب النثر العربى وفروعه، فقد أصبح فيه النثر العلمى والنثر الفلسفى، وأصبح فيه أيضا النثر التاريخى، على شاكلة ما كان عند الأمم القديمة، وحتى النثر الأدبى الخالص أخذ يتأثر بملكات اللغات الأجنبية وخاصة اللغة الفارسية على نحو ما هو معروف عن ابن المقفع وترجمته عن هذه اللغة لقصص كليلة ودمنة الهندى الأصل ونقله لكثير من آداب الفرس الاجتماعية والأخلاقية ونظمهم فى السياسة والحكم، مما كان له أعمق الأثر فى الرسائل الديوانية وفى نشوء الرسائل الأدبية التى تعنى بالكتابة فى موضوع محدود، مما نسميه اليوم باسم المقالات، إذ يعالج الكاتب موضوعا فى طائفة من الصحف. ولم يقف النثر العربى عند حمل المضامين العلمية والفلسفية الجديدة التى جاءته من لدن الأجانب، فقد انبرت العبقرية العربية فى هذا العصر تضع العلوم اللغوية والشرعية، وهو وضع كان واسع الأثر فى تمهيد اللغة وتيسيرها وجعلها لغة علمية محدّدة الألفاظ والاصطلاحات التى ترسم المعانى رسما دقيقا. وقد مضت هذه اللغة تركض ركضا لا فى مجال العلوم الإسلامية والعربية الخالصة فحسب، بل أيضا فى مجال العلوم الطبيعية والكونية، فإذا لنا علماء كيماويون ورياضيون مختلفون، لهم مصنفاتهم ومباحثهم المبتكرة. وعلى نحو ما أثمرت العقلية العربية فى المجال العلمى أثمرت فى المجال الفلسفى وخاصة فى بيئات المتكلمين، إذ مدّوا مباحثهم فى العقائد الإيمانية إلى كل شعب الفلسفة، واستطاعوا-وخاصة المعتزلة منهم-بأنظارهم العقلية أن يدلوا فى جميع هذه الشعب بآراء جديدة طريفة على نحو ما يفصّل ذلك الشهرستانى فى كتابه «الملل والنحل» حين يعرض لمذاهب المعتزلة المختلفة وما يقولونه فى الأجسام والأعراض والجواهر والحركة والسكون والكمون والتولد والطفرة والوجود والعدم والروح والنفس والعقل وإدراك الحواس والكم والكيف والألوان والخير والشر. وكل ذلك كان له آثار بعيدة فى النثر العربى، لا من حيث الألفاظ

стр. 1345

والمصطلحات الجديدة فحسب، بل أيضا من حيث ذخائر الفكر الفلسفى اليونانى والعربى التى التقت فى أوعيته وأوانيه والتى جعلته يعرف صورا من تحليل الأفكار وتركيبها لا عهد له بها، كما جعلته يعرف القياس المنطقى الصحيح وطرق الاستدلال والتعليل ودقائق المعانى وفرق ما بين السبب والمسبب وما بين الجنس والنوع والفصل والخاصة وما بين الحجة والشبهة والممكن والمحال والمعقول والموهوم والبرهان الجلىّ والبرهان الخفى، مما جعل الفكر العربى يتحول إلى ما يشبه كنزا سائلا وبما لا يخصى ولا يستقصى من الخواطر والمعانى. ومن المؤكد أن التعبير عن كثير من هذه المعانى والخواطر لم يكن مألوفا للعربية، غير أنه قيّض لها من نابهى المتكلمين والكتّاب والمترجمين من مدّ طاقتها وجعلها تسيغ تلك الخواطر والمعانى دون دخول أى ضيم عليها من شأنه أن يمحو طوابعها أو يجور على خصائصها ومقوماتها، بل لقد أخذت تونق فى أثناء هذا التحول العقلى والحضارى وما صحبه من تراكيب وصيغ مستحدثة لا عهد لها بها سواء فى المجال العلمى والفلسفى أو فى المجال الأدبى الخالص. ولم تقف المسألة عند احتفاظها بالقوالب العربية وأوضاعها اللغوية وتيسير هذه القوالب والأوضاع وتذليلها للمعانى العلمية والفلسفية العميقة وأدائها بخفيات حدودها ورسمها رسما محددا دقيقا، بل امتدت إلى استحداث أسلوب مولد جديد، أسلوب يحتفظ للغة بكل مقوماتها، كما يحتفظ بالوضوح والتجافى عن الألفاظ الغامضة والمعانى المبهمة، بل إنه ليحرص على الأداء البليغ، بحيث يروق المتكلم والكاتب والمترجم والسامع بعذوبة منطقه، بل بحيث يلذّ الآذان حين تستمع إليه كما يلذ العقول والقلوب. وهو أسلوب قام على هجر كثير من الألفاظ البدوية الحوشية الجافية التى تنبو على ذوق أهل الحاضرة كما قام على الارتفاع عن الألفاظ العامية المبتذلة، مع العناية بفصاحة اللفظ وجزالته ورصانته والملاءمة الدقيقة بين الكلمة والكلمة فى الجرس الصوتى. وبذلك لم يقف عند الأداء الفصيح فحسب، إذ اتخذ لنفسه أصولا بيانية تشيع فيه الرونق والجمال، مما جعل جهابذته يتساءلون طويلا عن البلاغة، وهو سؤال يلقانا فى جميع البيئات وتلقانا معه أجوبة كثيرة.

стр. 1346

والطريف أنهم لم يكتفوا فى ذلك بما قد يكشفونه ببصائرهم الحاذقة، إذ مضوا يطلبون ما عند الأمم الأجنبية من وصايا فى البيان والبلاغة سواء الفرس أو اليونان أو الرومان (١)، وحتى الهنود، إذ نجد معمّرا صاحب فرقة المعمرية من المعتزلة يتعرض لبهلة الطبيب الهندى فى عصر البرامكة يسأله عن رأى أمته فى البلاغة، فيعطيه فى ذلك صحيفة مكتوبة بالسنسكريتية، ويقول له إننى لا أحسن ترجمتها لك، لأننى لم أعالج صناعة البلاغة فأثق من نفسى بالقيام بأداء معانيها وخصائصها على الوجه الصحيح، ويلقى معمر بالصحيفة التراجمة الذين يحسنون النقل من السنسكريتية إلى العربية فينقلونها له، وقد احتفظ بها الجاحظ فى البيان (٢) والتبيين، وهى تطلب إلى الخطيب أن يلائم بين كلامه ومستمعيه وأن يحرص على الوضوح ويتجافى عن الألفاظ الوعرة والأخرى الغامضة وأن لا ينقح ألفاظه كل التنقيح إلا لمن حاز قسطا من الحكمة والفلسفة ممن خبروا الكلام والمعانى، وأن يحرص على استخدام الألفاظ المحددة البينة التى تفى بمعانيها وتؤديها أداء سليما دون زيادة أو نقص. ومن المحقق أن المعتزلة والمتكلمين بعامة عنوا فى هذا العصر عناية واسعة بمعرفة الأصول التى تقوم عليها براعة القول، إذ كانت صناعتهم تقوم على إحسان فن الكلام، أو بعبارة أخرى فن المناظرة فى المسائل الدينية والعقيدية وما يتصل بها من بعض المعانى الفلسفية. ونستطيع أن نجد مقدماتهم فى العصر الأموى وفى مساجد البصرة والكوفة حيث كان يجتمع ممثلو الأحزاب السياسية فيتحاورون فى مسائلهم وما يتفرع عنها من المسائل الدينية ويحاول هذا أو ذاك إقناع خصمه أو قهره والغلبة عليه بالحجة القاطعة والبيان الخلاب. وما نصل إلى العصر العباسى، بل إلى أواخر العصر الأموى، حتى نجدهم يقيمون المناظرات، ويجتمع الناس من حولهم ليروا من يظفر بخصمه ويقطعه عن الكلام قطعا. وطبيعى أن يدفع ذلك المتكلمين ومن حولهم إلى التساؤل عن البراعة فى القول والأسس التى تقوم عليها وأن ينثر المتكلمون الحاذقون فى ذلك بعض ملاحظات عن البيان والبلاغة، ومن هنا لا نعجب إذا وجدنا سائلا يتعرض لمعتزلى كبير فى

стр. 1347

أوائل هذا العصر، هو عمرو بن عبيد، فيسأله عن البلاغة وقطبها الذى تدور عليه، ويجيبه بأنها «تخير اللفظ فى حسن الإفهام وتزيين المعانى بالألفاظ المستحسنة فى الآذان المقبولة عند الأذهان (١)». ويدور السؤال طوال العصر وتتعدد إجابات المعتزلة عليه من مثل قول العتّابى لسائل سأله عن البليغ والبلاغة، فقال له (٢): «كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حبسة ولا استغاثة فهو بليغ، فإن أردت اللسان الذى يروق الألسنة ويفوق كل خطيب فإظهار ما غمض من الحق وتصوير الباطل فى صورة الحق. فقال له السائل: قد عرفت الإعادة والحبسة، فما الاستعانة؟ قال: أما تراه إذا تحدث قال عند مقاطع كلامه: يا هناه، ويا هذا، ويا هيه، واسمع منى، واستمع إلىّ، وافهم عنى، أو لست تفهم؟ أو لست تعقل؟ فهذا كله وما أشبهه عىّ وفساد» وواضح أن العتابى يجعل البلاغة فى التدفق البيانى دون إعادة وتكرار ودون حصر وعىّ، ودون استعانة بحشو يؤذى الذوق الحضرىّ المهذب. وتلك هى البلاغة العادية، أما البلاغة الرفيعة فهى التى ترفع الحجاب عن غوامض المعانى، وهى التى تبلغ من الحذق ما تعرض به الباطل فى صورة الحق معتمدة على خلابة اللسان وتزيين المعانى فى القلوب، والاحتيال على ذلك والتلطف له حتى يرى كأنه الحق الذى لا حق وراءه. وهو يستوحى ذلك من قدرة المتكلمين حوله فى مناظرة خصومهم وإفحامهم بالحجج الصحيحة تارة، وتارة بالحجج غير الصحيحة التى يستطيع البليغ التام الذى يتقن أبنية الأدلة والكلام أن يموهها على السامع حتى يظن أنها صحيحة صحة تامة. ولا نبالغ إذا قلنا إن صحيفة بشر بن المعتمر فى البلاغة التى احتفظ بها الجاحظ فى بيانه (٣) هى أروع ما أثر عن المعتزلة فى هذا العصر بصدد الأصول البلاغية العامة، وهو يستهلها بأن الأديب سواء كان خطيبا أو كاتبا أو شاعرا ينبغى أن يلاحظ نفسه فلا يقدم على الكلام إلا إذا كان مستعدا متهيئا تمام التهيؤ، فارغ البال ناشطا له تمام النشاط. وينصحه

стр. 1348

باختيار ألفاظه وتفصيلها على المعانى بحيث تكون بقدرها لا فاضلة عنها ولا مقصّرة، كما ينصحه بأن تخلو ألفاظه من كل غريب وكل تعقيد، وأن تؤدى دلالتها أداء واضحا مهما كانت دقيقة عسيرة وأن تتلاءم معها بحيث تؤديها أداء تاما يحيط بدقائقها إن كانت من الدلالات الغامضة، وفى الوقت نفسه تلقى عليها كل ما يمكن من أضواء تكشفها من جميع أطرافها، مع تذليلها وتيسيرها وعرضها فى لغة متوسطة بين لغة العامة المبتذلة ولغة الأعراب الخشنة المملوءة بالغريب. وينصح من لا تواتيهم طبائعهم بالرصف الحسن للألفاظ ووضعها فى مواضعها الصحيحة دون نبو أو شذوذ أن يكفّوا أنفسهم عن صناعة البيان والكلام البليغ، وأولى منهم بهذا الكف والهجران لتلك الصناعة من تقعد بهم طبائعهم مهما أجهدوا أنفسهم عن الإتيان بشئ من الكلام له روعة أو ما يشبه الروعة. ولا يكفى للبليغ أن يلائم بين كلامه ومعانيه أو بعبارة أخرى بين كلامه والموضوع الذى يتحدث عنه، بل لا بد له من ضميمة ثانية هى إحسانه الملاءمة بين كلامه والمستمعين وأحوالهم النفسية والعقلية، بحيث يجدون فى كلامه اللذة والمتاع، ومن هنا يطلب إلى المتكلم إذا خاطب أوساط الناس أن لا يرتفع عن مداركهم بما يورد عليهم من اصطلاحات المتكلمين، حتى لا تنقطع الصلة بينه وبينهم، أما إذا خاطب المتكلمين فلا بأس من إيراده لهذه المصطلحات التى يفهمونها فهما حسنا، والتى قد يجدون فيها شيئا من المتاع. وملاحظات كثيرة أخرى كان يلاحظها المتكلمون معتزلة وغير معتزلة فى شئون البيان والبلاغة، وهى متناثرة فى كتاب البيان والتبيين للجاحظ، ولا بد أن ملاحظات أخرى سقطت منه ولم يسجلها. ولم يكن المتكلمون وحدهم الذين يتعمقون فى معرفة أصول البيان والبلاغة، فقد كان يشركهم فى ذلك كتّاب الدواوين والمترجمون، ومن خير من يمثلهم فى مطالع العصر ابن المقفع، ويروى أنه سئل عن البلاغة وتفسيرها، فقال (١): «البلاغة اسم جامع لمعان تجرى فى وجوه كثيرة، فمنها ما يكون فى السكوت، ومنها ما يكون فى الاستماع، ومنها ما يكون فى الإشارة، ومنها ما يكون فى الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون شعرا ومنها ما يكون سجعا

стр. 1349

وخطبا، ومنها ما يكون رسائل. فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحى فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة. فأما الخطب بين السّماطين وفى إصلاح ذات البين فالإكثار فى غير خطل والإطالة فى غير إملال. وليكن فى صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذى إذا سمعت صدره عرفت قافيته. فقيل له: فإن ملّ السامع الإطالة التى ذكرت أنها حقّ ذلك؟ قال: إذا أعطيت كل مقام حقه وقمت بالذى يجب من سياسة ذلك المقام وأرضيت من يعرف حقوق الكلام فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدوّ فإنه لا يرضيهما شئ، وأما الجاهل فلست منه وليس منك، ورضا جميع الناس شئ لا تناله، وقد كان يقال: رضا الناس شئ لا ينال». وابن المقفع يذكر كل فنون الكلام ويطلب فيها الإيجاز والتركيز الدقيق، ويلتفت إلى خطب المحافل والصلح ويطلب فيها الإطناب فى غير خطل ولا إملال. ويضع قاعدة مهمة أن يكون فى صدر الكلام ما يدل على غرضه، وهو ما سماه البلاغيون، فيما بعد، باسم براعة الاستهلال، كما يضع للشعر قاعدة ثانية هى أن يتلاءم صدر البيت مع قافيته حتى لكأنه يستدعيها استدعاء وهو ما سماه البلاغيون باسم ردّ الأعجاز على الصدور. ويلاحظ ملاحظة تامة أن لكل من الإيجاز والإطناب فى الكلام مقامه، وأنه ينبغى دائما أن يستوفى الكلام حقوقه من النصاعة والبلاغة والبيان. وقد تحولت الدواوين الكثيرة المعقدة التى عرضنا لها فى الفصل الأول إلى ما يشبه مدارس بيانية كبيرة، إذ كان لا بد للشبان الذين يعملون فيها من إتقانهم لصياغة الكلام بحيث لا يدخله ضعف ولا ابتذال وبحيث لا يعلو على أفهام العامة الذين كانوا يوجّهون إليهم منشورات دار الخلافة. وكان هؤلاء الشبان يقيمون أولا بأبواب الدواوين متعرضين لامتحان قاس، فمن أظهر كفاءته فيما طلب إليه من بعض الرسائل رفع أمره إلى رؤساء الديوان، فوظفوه، وإن لم يحسن ما طلب إليه ردّوه. وجعلهم ذلك يتساءلون عن البلاغة ومتى يصبح الكلام بليغا وما العيوب التى تعوق بلاغته، ودارت هذه الأسئلة بين رؤساء الدواوين وبلغائها، المفوهين، وكانوا يمثلون الذوق الحضارى المترف فى أدق صوره فدقّقوا فى كلامهم

стр. 1350

إلى أبعد حد ممكن، وعبّروا فيه عن دقة مزاج ورهافة حس بالغة، حتى ليقول الجاحظ: «أما أنا فلم أرقط أمثل فى طريقة البلاغة من الكتاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوّعرا وحشيّا ولا ساقطا سوقيّا (١)» وكل ذلك معناه أن النثر تهيأت له أسباب كثيرة فى هذا العصر لكى ينمو ويزدهر، فقد أخذ يمتدّ ليستوعب العلوم والفلسفة، كما يستوعب مادة عقلية عميقة حتى فى المجال الأدبى، إذ أخذت تغذوه آداب الفرس السياسية والاجتماعية كما أخذت تغذوه الثقافات الأجنبية وكل ما اتصل بها من الفكر اليونانى، ومضى يتفاسرا مع ذلك كله محتفظا بمقوماته وطوابعه العربية الأصيلة، بحيث لم يحدث أىّ ازدواج فى اللغة يعرّضها للضياع، بل لقد أينعت الفروع الجديدة فى شجرتها الكبيرة، وأخذت تتكوّن فيها أزهار ذاكية الشّذى وثمار حلوة يانعة بفضل كبار الكتاب والمترجمين والمتكلمين الذين احتفظوا لها بأصولها وأوضاعها وأغنوها ونمّوها حتى فى مجال الأساليب الخالصة، إذ عرفوا كيف يستخلصون رحيقها البلاغى الذى يغذّى العقول ويشفى القلوب والأفئدة. ٢ - الخطب والوعظ والقصص نشطت الخطابة السياسية فى مطالع هذا العصر، إذ اتخذتها الثورة العباسية أداتها فى بيان حق العباسيين فى الحكم، وكانوا يحسّون منذ أول الأمر بأن أبناء عمهم العلويين يضطغنون عليهم استئثارهم بالخلافة من دونهم، فمضوا يؤكدرن فى خطابتهم أنهم أصحاب هذا الحق، فهم الذين أدالوا للشعب من بنى أمية وهم الذين قوّضوا حكمهم وحطموه حطما، وقدانهالوا عليهم بالتجريح والطعن العنيف، على نحو ما يتضح فى خطبة (٢) أبى العباس السفاح حين بويع بالخلافة فى الكوفة، وفيها نراه يتحدث عن رحمهم وقرابتهم للرسول ﷺ تاليا من القرآن الحكيم بعض الآيات الخاصة بأهل بيت النبوة من مثل (إنما يريد

стр. 1351

الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وما يلبث أن يعرض للسبئية من الشيعة الغالية قائلا: «وزعمت السبئية الضّلاّل أن غيرنا أحقّ بالرياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم، بم ولم أيها الناس، وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم وبصّرهم بعد جهالتهم وأنقذهم بعد هلكتهم. . وجمع الفرقة حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبرّ». ويتحدث عن الأمويين وظلمهم للرعية وكيف تداركها الله بهم وردّ عليها حقوقها المسلوبة. وخطب عمه داود بن على بنفس اللحن، ويشيد الجاحظ ببيانه وفصاحته قائلا إنه «كان أنطق الناس وأجودهم ارتجالا واقتضابا للقول. وله كلام كثير معروف محفوظ». ويروى من ذلك خطبته فى أهل مكة حين وليها لابن أخيه، وهى تمضى على هذا النمط (١): «شكرا شكرا. أما والله ما خرجنا لنحتفر فيكم نهرا ولا لنبنى قصرا، أظنّ عدوّ الله أن لن نظفر به إذ أرخى له فى ذمامه، حتى عثر فى فضل خطامه. فالآن عاد الأمر فى نصابه، وطلعت الشمس من مطلعها، والآن أخذ القوس باريها، وعادت النّبل إلى النّزعة (٢)، ورجع الحق إلى مستقره فى أهل بيت نبيكم: أهل بيت الرأفة والرحمة». ويموت السفاح سريعا، ويخلفه أبو جعفر المنصور، ولم يكن فى العباسيين أبين منه ولا أخطب، وفى عهده تندلع ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن العلوى الملقب بالنفس الزكية بالمدينة، لسنة ١٤٥ للهجرة، ويتكاتبان كما مر بنا فى الفصل الأول، وكل منهما يؤكد حقه فى الخلافة وإرثها عن الرسول الكريم. ويشهر كل منهما السلاح فى وجه صاحبه، كما يشهران الخطب ويرسلان سهام القول، وكان محمد بن عبد الله لا يقل عنه لسنا وفصاحة، ومن قوله فى بعض خطبه (٣): «إن أحق الناس بالقيام فى هذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين. اللهم إنهم قد أحلوا حرامك وحرّموا حلالك وعملوا بغير كتابك وغيّروا عهد نبيك ﷺ وآمنوا من أخفت وأخافوا من آمنت، فأحصهم عددا، واقتلهم بددا (٤)، ولا تبق على الأرض منهم أحدا». ولم يلبث المنصور أن قضى على هذه الثورة قضاء مبرما، ولم يعد العلويون

стр. 1352

كما أسلفنا فى غير هذا الموضع-يحاولون الثورة جهارا على أبناء عمهم، بل عمدوا إلى السرية خوفا من بطشهم وما عوّدوه الناس من إقناعهم بالسيف دون اللسان. وتضاءلت حينئذ-كما قدمنا-حركات الخوارج، فلم يكن هناك إلا السيف أو الإذعان. وبذلك كمّمت الأفواه، وضعفت الخطابة السياسية فى هذا العصر ضعفا شديدا، لأنها إنما تزدهر حين تكفل للناس حرياتهم السياسية على نحو ما كان الشأن فى عصر بنى أمية، أما فى هذا العصر فقد أخذ العباسيون الناس بالشدة فضعفت الأحزاب السياسية وفنيت أو ذابت حريتهم فى سلطانهم الباطش بكل من حدثته نفسه بخروج عليهم بل بخلاف أو ما يشبه الخلاف، وحقا عادت الخطابة السياسية إلى الظهور فى فتنة الأمين وحروبه مع أخيه المأمون، ولكن لم تعد لها قوتها القديمة فى العصر الأموى وما كانت تمتاز به من روعة تجذب الناس إلى الاستماع لكلام الخطيب والفتنة بأساليبه. وعلى نحو ما ضعفت الخطابة السياسية ضعفت الخطابة الحفلية التى كنا نعهدها فى عصر بنى أمية لسبب طبيعى، وهو أن وفود العرب لم تعد تفد على قصور الخلفاء، وبالتالى لم يعد خطباؤها يفدون عليهم، فقد أسدلت الحجب بين الخليفة والرعية، ولم يعد يلقى وفودها ولا خطباءها المفوّهين. واقتصرت الخطابة الحفلية حينئذ على بعض مناسبات كأن يموت للخليفة ابن أو بنت فيقف بعض الخطباء لتعزيته، وكأن يموت خليفة ويتولى خليفة جديد فيجمع بعض الخطباء بين التعزية والتهنئة، من مثل قول ابن عتبة للمهدى يهنئه بالخلافة ويعزيه فى أبيه المنصور (١): «آجر الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله، وبارك لأمير المؤمنين فيما خلفه له أمير المؤمنين بعده، فلا مصيبة أعظم من فقد أمير المؤمنين، ولا عقبى أفضل من وراثة مقام أمير المؤمنين، فاقبل يا أمير المؤمنين من الله أفضل العطية، واحتسب عنده أعظم الرزيّة». وكان يعقد لبيعة الخليفة حفل عام يحضره القواد وكبار رجال الدولة، وعادة يقف بعض الكتاب النابهين خطيبا بين يدى الخليفة الجديد منوّها بجلال الخلافة وإرث الخليفة لها وما له على القواد ورجال الدولة والناس من الطاعة علويين

стр. 1353

وغير علويين، على نحو ما يلقانا عند يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب فى خطبته بين يدى الرشيد حين جلس بين القواد والأمراء والوزراء لأخذ البيعة له، وهو يستهلها على هذا النمط بعد حمد الله والصلاة على رسوله (١): «إن الله بمنّه ولطفه منّ عليكم معاشر أهل بيت نبيه، بيت الخلافه ومعدن الرسالة، وإياكم أهل الطاعة من أنصار الدولة وأعوان الدعوة من نعمه التى لا تحصى بالعدد، ولا تنقضى مدى الأبد. وأياديه التامة أن جمع ألفتكم وأعلى أمركم، وشدّ عضدكم وأوهن عدوكم وأظهر كلمة الحق وكنتم أولى بها وأهلها، فأعزّكم الله وكان الله قويّا عزيزا، فكنتم أنصار دين الله المرتضى والذّابّين بسيفه المنتضى عن أهل بيت نبيه ﷺ ، وبكم استنقذهم من أيدى الظّلمة أئمة الجور والناقضين عهد الله والسافكين الدّم الحرام والآكلين الفسئ (٢) والمستأثرين به». وعلى هذا النحو أصبحت الخطابة الحفلية شيئا نادرا يقال فى الحين الطويل بعد الحين، وبذلك تضاءلت كما تضاءلت الخطابة السياسية ولم يعد لها شأن يذكر. وقد ظل للخطابة الدينية وما اتصل بها من وعظ ازدهارها فى هذا العصر، وعلى نحو ما كان الخلفاء والولاة يشاركون فيها لعصر بنى أمية كانوا يشاركون فيها أيضا لهذا العهد، إذ نجد للمهدى خطبة بارعة مأثورة (٣)، كما نجد للرشيد خطبة أخرى رائعة، وفيها يقول (٤): «عباد الله إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى، حصّنوا إيمانكم بالأمانة ودينكم بالورع وصلاتكم بالزكاة، فقد جاء فى الخبر أن النبى ﷺ قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ولا صلاة لمن لا زكاة له». إنكم سفر (٥) مجتازون وأنتم عن قريب تنتقلون من دار فناء إلى دار بقاء، فسارعوا إلى المغفرة بالتوبة وإلى الرحمة بالتقوى وإلى الهدى بالإنابة

стр. 1354

فإن الله، تعالى ذكره، أوجب رحمته للمتقين ومغفرته للتائبين وهداه للمنيبين». على أننا نجد الرشيد يستنّ سنّة كانت سببا فى أن تضعف هذه الخطابة على ألسنة الخلفاء، إذ طلب إلى الأصمعى أن يعدّ لابنه الأمين خطبة يخطب بها يوم الجمعة (١)، كما طلب إلى إسماعيل اليزيدى وابن أخيه أحمد أن يعدّا خطبة مماثلة يخطب بها المأمون (٢)، وبذلك سنّ للخلفاء أن يخطبوا بكلام غيرهم، وكان المأمون معروفا بالفصاحة والجهارة وحلاوة اللفظ وجودة اللهجة والطلاوة (٣)، وقد روى له ابن قتيبة ثلاث خطب (٤): أولاها فى يوم جمعة وثانيتها فى يوم الأضحى وثالثتها فى عيد الفطر وفيها يقول: «اتّقوا الله عباد الله وبادروا الأمر الذى اعتدل فيه يقينكم ولم يحتضر الشك فيه أحدا منكم، وهو الموت المكتوب عليكم، فإنه لا تستقال بعده عشرة ولا تحظر قبله توبة، واعلموا أنه لا شئ قبله إلا دونه، ولا شئ بعده إلا فوقه. . ولا يعين على القبر وظلمته وضيقه ووحشته وهول مطلعه ومسألة ملائكته إلا العمل الصالح الذى أمر الله به فمن زلّت عند الموت قدمه فقد ظهرت ندامته وفاتته استقالته ودعا من الرّجعة إلى ما لا يجاب إليه وبذل من الفدية ما لا يقبل منه». ومعروف أن الولاة كانوا يجمعون بين الولاية والصلاة، ويظهر أنهم أخذوا مع مر الزمن يخطبون بكلام غيرهم، وقد يندبون من قوم مقامهم فى الصلاة والخطابة، ويذكر الجاحظ عن محمد بن سليمان الباسى والى البصرة والكوفة لعهد المنصور والمهدى أنه كانت له خطبة يوم الجمعة لا يغيّرها، وهى خطبة قصيرة (٥) ولكن إذا كانت الخطابة الدينية أخذت تضعف على لسان الولاة والخلفاء فإنها أينعت فى بيئة الوعاظ والنساك ممن كانت تزخر بهم مساجد بغداد والبصرة والكوفة، وكانوا أخلاطا من الزهاد والفقهاء والمحدّثين والمتكلمين، وكان بعضهم يلمّ بمجالس الخلفاء لوعظهم، وأحيانا كانوا يستقدمونهم، فيعظونهم حتى يبكوهم،

стр. 1355

بما يوقعون فى نفوسهم من خشية عقاب الله وبما يصورون لهم من زفير جهنم، وهم فى تضاعيف ذلك يزجرونهم عن ظلم الرعية واقتراف المعاصى والسيئات. ومن كبارهم الذين عرفوا بمقاماتهم المحمودة بين أيدى الخلفاء ثلاثة هم عمرو بن عبيد المعتزلى الزاهد المشهور واعظ المنصور وصالح بن عبد الجليل واعظ المهدى وابن السماك واعظ الرشيد، ويروى عن أولهم أنه دخل على المنصور يوما فقال له: عظنى، فقال (١): «إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاستر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تمخّض عن يوم لا ليلة بعده. فوجم أبو جعفر من قوله، فقال له الربيع (٢): يا عمرو غممت أمير المؤمنين. فقال عمرو: إن هذا صحبك عشرين سنة لم ير لك عليه أن ينصحك يوما واحدا، وما عمل وراء بابك بشئ من كتاب الله ولا سنّة نبيه قال أبو جعفر: فما أصنع؟ ! قد قلت لك: خاتمى فى يدك فتعال وأصحابك (٣)، فاكفنى. قال عمرو: ادعنا بعد لك تسخ أنفسنا بعونك. ببابك ألف مظلمة اردد منها شيئا نعلم أنك صادق». وكان صالح بن عبد الجليل ناسكا مفوّها، وكان يلمّ بمجالس المهدى ويعظه، ويطيل فى وعظه له حتى يبكيه وحتى يذرف الدمع مدرارا، ويروى أنه دخل عليه يوما فسأله أن يأذن له فى الكلام، فقال له تكلّم، ومن بعض كلامه حينئذ (٤): «كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من حجب الله عنه العلم عذّبه به على الجهل، وأشدّ منه عذابا من أقبل إليه العلم وأدبر عنه، ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به، فقد رغب عن هدية الله وقصّر بها، فاقبل ما أهدى الله إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل لا قبول سمعة ورياء فإنه لا يعدمك منا إعلام لما تجهل أو مواطأة على ما تعلم أو تذكير من غفلة، فقد وطّن الله نبيّه ﵇ على نزولها تعزية عما فات وتحصينا من التمادى ودلالة على المخرج فقال: ﴿(وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾

стр. 1356

﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ)﴾ فأطلع الله على قلبك بما ينوّره من إيثار الحق ومنابذة الأهواء، ولا حول ولا قوة إلا بالله». وكان ابن السماك محدثا وواعظا مؤثرا، روى عنه أحمد بن حنبل وغيره، وله كلام ومواقف بين يدى الرشيد تدور فى كتب التاريخ والأدب، ومما يؤثر عنه أنه دخل عليه يوما، فقال له الرشيد: عظنى، فقال (١): «يا أمير المؤمنين: اتّق الله وحده لا شريك له، واعلم أنك واقف غدا بين يدى الله ربك ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما جنة أو نار. فبكى هرون حتى اخضلّت لحيته (٢)». وكان هؤلاء الوعاظ يستمدون دائما من الذكر الحكيم وأحاديث الرسول الكريم وأقوال أصحابه ومن سبقوهم إلى الوعظ فى العصر الأموى من مثل الحسن البصرى، ودائما تبهرنا مواعظهم لما أشاعوا فيها من إيمان شديد بالدين وثقة وطيدة بأن ما عند الله خير وأبقى مما فى أيدى الناس من متاع الحياة الزائل. وكثير من الوعّاظ كانوا يمزجون وعظهم بالقصص الدينى وتفسير بعض آى القرآن؛ وهو مزج قديم منذ الصدر الأول للإسلام. وكثر هؤلاء القصاص الوعاظ فى عصر بنى أمية مما جعل الجاحظ يعقد لهم فصلا (٣) طريفا فى كتابه البيان والتبيين، وفيه يقول عن قصّاص العصر العباسى الأول: «ومن القصّاص موسى بن سيار الأسوارى وكان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية فى وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس فى مجلسه المشهور به، فتقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يدرى بأى لسان هو أبين. واللغتان إذا التقتا فى اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما الضّيم على صاحبتها إلا ما ذكرنا من لسان موسى بن سيار الأسوارى. ولم يكن فى هذه الأمة بعد أبى موسى الأشعرى أقرأ فى محراب من موسى بن سيّار ثم عثمان بن سعيد بن أسعد ثم يونس النحوى ثم المعلّى. ثم

стр. 1357

قصّ فى مسجده أبو على الأسوارىّ وهو عمرو بن فائد ستا وثلاثين سنة، فابتدأ لهم فى تفسير سورة البقرة، فما ختم القرآن حتى مات، لأنه كان حافظا للسير ولوجوه التأويلات، فكان ربما فسّر آية واحدة فى عدة أسابيع. . وكان هو يحفظ مما يجوز أن يلحق فى ذلك من الأحاديث كثيرا، وكان يقصّ فى فنون من القصص ويجعل للقرآن نصيبا من ذلك. . ثم قصّ بعده القاسم بن يحيى، وهو أبو العباس الضرير، لم يدرك فى القصّاص مثله. وكان يقصّ معهما وبعدهما مالك بن عبد الحميد المكفوف. . فأما صالح المرّى فكان يكنى أبا بشر، وكان صحيح الكلام رقيق المجلس. وسمعه سفيان بن حبيب (أحد كبار المحدثين) فقال ليس هذا قاصّا، هذا نذير». ووقف الجاحظ فى بيانه مرارا عند صالح المرّى حاكيا بعض كلامه، أو بعض ما كان يردّده من شعر فى قصصه، من ذلك قوله عنه: «كان صالح المرى القاص العابد البليغ كثيرا ما ينشد فى قصصه وفى مواعظه هذا البيت الذى أنشدناه فى غير هذا الموضع: فبات يروّى أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرّجل» (١) ومن ذلك ما يذكر من أنه مات ابن لعبيد الله بن الحسن قاضى البصرة. فعزّاه صالح المرى، فقال: «إن كانت مصيبتك فى ابنك أحدثت لك عظة فى نفسك، فنعم المصيبة مصيبتك، وإن لم تكن أحدثت لك عظة فى نفسك فمصيبتك فى نفسك أعظم من مصيبتك فى ابنك (٢)». وعزّى رجلا فى أخيه فقال: «إن تكن مصيبتك فى أخيك أحدثت لك خشية فنعم المصيبة مصيبتك، وإن تكن مصيبتك بأخيك أحدثت لك جزعا فبئس المصيبة مصيبتك (٣)». ويذكر الجاحظ أنه كان كثيرا ما يردد فى مجلسه: «أعوذ بك من الخسف والمسخ والرّجفة والزلزلة والصاعقة والريح المهلكة، وأعوذ بك من جهد البلاء ومن شماتة الأعداء». وكان يقول: أعوذ بك من التّعب والتعذر والحسيبة وسوء المنقلب. اللهم من أرادنى بخير فيسّر لى خيره، ومن أرادنى بشر فاكفنى شرّه. اللهم إنى

стр. 1358

أسألك خصب الرّحل (١)، وصلاح الأهل (٢)». وروى الجاحظ من بعض وعظه فى كتابه الحيوان قوله: «تغدو الطير خماصا وتروح شباعا، واثقة بأن لها فى كل غدوة رزقا لا يفوتها. والذى نفسى بيده أن لو غدوتم على أسواقكم على مثل إخلاصها لرحتم وبطونكم أبطن من بطون الحوامل (٣)». وواضح مما روينا من كلام صالح المرّىّ وغيره من القصّاص والوعاظ أنهم ارتقوا بصناعة النثر فى المعانى التى كانوا يرددونها رقيا بعيدا، إذ شعّبوا وفرّعوا فى تلك المعانى طويلا، واستنبطوا فيها كثيرا من الدقائق التى تمسّ القلوب والعقول. وأضافوا إلى ذلك عناية واسعة بأساليبهم، وهى عناية تقوم على الدقة فى اختيار اللفظ والإحساس المرهف بجمال السبك والصياغة. وأدّاهم ذلك فى بعض الأحيان إلى استخدام السجع، بل كان منهم من أكثر من استخدامه مثل الفضل ابن عيسى الرقاشى وفيه يقول الجاحظ كان سجّاعا فى قصصه (٤)، وكان من أخطب الناس وكان متكلما قاصّا مجيدا (٥)، ويروى من وعظه: «سل الأرض فقل من شقّ أنهارك وغرس أشجارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا (٦)» ويقول الجاحظ: «كان يتلو الآية التى فيها ذكر الجنة والنار والموت والحشر (٧)» ثم يفيض فى الوعظ. وكان ابنه عبد الصمد قاصّا مثله، وكان أغزر منه وأبين وأعجب وأخطب (٨)، وقيل له: «لم تؤثر السجع على المنثور وتلزم نفسك القوافى (أى روىّ الأسجاع) وإقامة الوزن؟ قال: إن كلامى لو كنت لا آمل فيه إلا سماع المشاهد لقلّ خلافى عليك، ولكنى أريد الغائب والحاضر والراهن والغابر، فالحفظ إليه أسرع، والآذان لسماعه أنشط، وهو أحق بالتقييد وبقلة التفلّت (٩)».

стр. 1359

٣ - المناظرات قلما عنى مؤرخو الأدب العباسى بالحديث عن المناظرات التى احتدمت بين المتكلمين والفقهاء وأصحاب الملل والنحل لهذا العصر مع أنها كانت من أهم الفنون النثرية وكانت تشغل الناس على اختلاف طبقاتهم، لسبب بسيط وهو أنها كثيرا ما كانت تنعقد فى المساجد، وقد مرّ بنا أن مجالس البرامكة والمأمون كانت تكتظ بهذه المناظرات، وأنه كان وراء مجالسهما مجالس صغرى كثيرة، يجتمع فيها المتناظرون من الشيعة والزنادقة والمتكلمين، ويتحاورون فى المسائل العقيدية وغير العقيدية، وقد يخوضون فى بعض المسائل الفلسفية، على نحو ما كانت تخوض مجالس البرامكة، وبالمثل كان يتناظر الفقهاء، ومناظرة الشافعى ومحمد بن الحسن الشيبانى مشهورة. والمعتزلة أهمّ طوائف المتناظرين حينئذ، فقد وقفوا أنفسهم على جدال طوائف المتكلمين من مخالفيهم فى أصولهم الخمسة التى تحدثنا عنها فى غير هذا الموضع وجدال من كانوا يعتنقون التشيع الغالى مثل شيطان الطاق وهشام بن الحكم وجادلوا جدالا عنيفا أرباب الملل السماوية والنحل غير السماوية من الدهرية والمانوية، ومن أشهرهم فى الجدال والمناظرة أبو الهذيل العلاف المتوفى فى حوالى سنة ٢٣٠ للهجرة، وفيه يقول ابن خلكان: «كان حسن الجدال قوى الحجة كثير الاستعمال للأدلة والإلزامات». وروى الخطيب (١) البغدادى والمرتضى (٢) فى أماليه وبعض المراجع القديمة طائفة من مناظراته. من ذلك مناظرته فى حداثته ليهودى ورد البصرة، وتعرّض لمتكلميها يقول لهم ألا تقرّون بنبوة موسى ﵇؟ حتى إذا اعترفوا بها قال: نحن على ما اتفقنا عليه إلى أن نجتمع على ما تدّعونه. فتقدم إليه، وقال له: أسألك أم تسألنى؟ فقال له اليهودى: بل أسألك فقال: ذاك إليك، فقال اليهودى: أتعترف بأن موسى نبىّ صادق أم تنكر ذلك فتخالف صاحبك، فقال له أبو الهذيل: إن كان موسى الذى تسألنى عنه هو الذى بشّر بنبيىّ

стр. 1360

عليه السلام وشهد بنبوته وصدّقه فهو نبى صادق، وإن كان غير من وصفت فذلك شيطان لا أعترف بنبوته. فورد على اليهودى ما لم يكن فى حسبانه. ولم يلبث أن سأل أبا الهذيل: أتقول إن التوراة حق؟ فقال: هذه المسألة تجرى مجرى الأول، إن كانت هذه التوراة التى تسألنى عنها هى التى تتضمن البشارة بنبى ﵇ فتلك حق، وإن لم تكن كذلك فليست بحق ولا أقرّ بها. فبهت اليهودى وأفحم ولم يدر ما يقول. وناظر يوما مجوسيّا فسأله ما تقول فى النار؟ قال: بنت الله، قال فالبقر؟ قال: ملائكة الله قصّ أجنحتها وحطّها إلى الأرض يحرث عليها، قال: فالماء؟ قال: نور الله، قال أبو الهذيل فما الجوع والعطش؟ قال: فقر الشيطان وفاقته، قال أبو الهذيل: فمن يحمل الأرض؟ قال: بهمن الملك. حينئذ قال أبو الهذيل: فما فى الدنيا شر من المجوس أخذوا ملائكة الله فذبحوها، ثم غسلوها بنور الله ثم شووها ببنت الله، ثم دفعوها إلى فقر الشيطان وفاقته، ثم سلخوها على رأس بهمن الملك أعز ملائكة الله. فانقطع المجوسى وخجل مما لزمه. وقال له المعذّل بن غيلان يوما إن فى نفسى شيئا من القول بالاستطاعة وأن الإنسان حرّ حرية مطلقة فى أعماله فبيّن لى ما يذهب الريب عنى، فقال له: خبّرنى عن قول الله تعالى: (﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ)﴾ هل يخلو من أن يكون أكذبهم لأنهم مستطيعون الخروج وهم تاركون له، فلاستطاعة الخروج فيهم وليسوا يخرجون قال ﴿(إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ)﴾ أى هم يستطيعون الخروج وهم يكذبون فيقولون: لسنا نستطيع، ولو استطعنا لخرجنا، فأكذبهم الله على هذا الوجه. أو يكون على وجه آخر يقول: ﴿(إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ)﴾ أى إن أعطيتهم الاستطاعة لم يخرجوا، فتكون معهم الاستطاعة على الخروج ولا يخرجون. وعلى كل حال قد كانت الاستطاعة على الخروج ثابتة لهم. ولا يعقل للآية معنى ثالث غير الوجهين اللذين وصفنا. وبذلك أقام الحجة القاطعة على الاستطاعة من لفظ القرآن الكريم، حتى ينقض ما يستشهد به أصحاب الجبر وتعطيل إرادة الإنسان وحريته من بعض آيه التى لا تعطيهم الدلالة البينة الملزمة. وكان يتعمق ببعض مناظراته فى مسائل فلسفية كقوله إن حركات أهل

стр. 1361

الجنة والنار لا تبقى بل تنقلب إلى سكون دائم. تجتمع فيه اللذات لأهل الجنة ويجتمع العذاب لأهل النار، إلى غير ذلك من الآراء، المبسوطة فى الملل والنحل للشهرستانى وفى مقالات الإسلاميين للأشعرى. وكان ابن أخته النظام لا يقل عنه قوة فى الجدل والإقناع وإفحام الخصوم، ومرّ بنا فى غير هذا الموضع كيف أفحم أبا شمر الجبرى المرجئ وقطعه بالبراهين الساطعة، حتى زحف إليه وأمسك بيديه ليسكت. ويقول ابن النديم إنه ما زال يناظر الحسين النجار فى الجبر وحرية الإرادة، حتى انصرف محموما مغموما وكان ذلك سبب علته التى مات فيها (١). وهو يعدّ أكبر من جادلوا الدهرية والمانوية وغيرهما من أصحاب النحل غير الإسلامية لعصره، حتى ليقول الجاحظ على نحو ما مر بنا فى ترجمتنا له بين الشعراء: «لولا مكان المتكلمين لهلكت العوامّ من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوام من جميع النحل، فإن لم أقل ولولا أصحاب إبراهيم (النظام) وإبراهيم لهلكت العوام من المعتزلة، فإنى أقول إنه قد أنهج لهم سبلا وفتق لهم أمورا واختصر لهم أبوابا ظهرت فيها المنفعة وشملتهم بها النعمة (٢)». وحكى الجاحظ كثيرا من جداله وروده على الدهرية والمنّانية والدّيصانية، وفى الجزء الخامس من كتاب الحيوان مادة من ذلك كثيرة، نراه فيها يرد على من يقولون بأن أصل العالم ضياء وظلام وأن الحرارة والبرودة واللون والطعم والصوت والرائحة إنما هى نتائج على قدر امتزاجها، ويلاحظ أنهم يقفون عند حاسّة اللمس فقط دون غيرها من الحواس. ويبحث مباحث واسعة فى النار وأنها حر وضياء وأن الضياء ليس بلون لأنه إذا سقط على الألوان المختلفة كان عمله فيها واحدا. ويفيض فى ردود كثيرة على المجوس، واحتفظ أبو الحسين الخياط هو الآخر بكثير من هذه الردود، من ذلك قول المنانية بالنور والظلمة وأن النور هو مصدر كل خير والظلمة مصدر كل شر، فالصدق خير لأنه من النور والكذب شر لأنه من الظلمة، مما جعله يقول لهم: «حدثونا عن إنسان قال قولا كذب فيه من الكاذب؟ قالوا الظلمة، قال: فإن ندم بعد ذلك على ما فعل من الكذب، وقال: قد كذبت وقد أسأت، من القائل: قد كذبت؟ فاختلطوا عند ذلك ولم يدروا ما يقولون، فقال لهم إبراهيم: إن زعمتم أن النور هو

стр. 1362

القائل: قد كذبت وأسأت فقد كذب لأنه لم يكن الكذب منه ولا قاله والكذب شر، فقد كان من النور شر وهو هدم قولكم، وإن قلتم إن الظلمة قالت: قد كذبت وأسأت فقد صدقت، والصدق خير، فقد كان من الظلمة صدق وكذب، وهما عندكم مختلفان، فقد كان من الشئ الواحد شيئان مختلفان: خير وشر على حكمكم، وهذا هدم قولكم بقدم الاثنين (١)» أى الخير والشر وإلهيهما اللذين يؤمنون بهما. وعلى نحو ما كان يناظر المنانية ويقطعهم كان يناظر الدهرية القائلين بالدهر وخلوده وأن حركات الأفلاك لا تتناهى، ويفحمهم بمنطقه وقوة نسجه للأدلة، من ذلك أنه تعرّض لهم يوما يجادلهم فيما يزعمون من عدم التناهى فى حركات الأفلاك، وكان مما قاله لهم: «ليس تخلو الكواكب من أن تكون متساوية الحركة، لا فضل لبعضها على بعض فى السبر والقطع أو بعضها أسرع قطعا وسيرا من بعض، فإن كانت متساوية القطع فقطع بعضها أقل من قطع جميعها، وإذا أضيف قطع بعضها إلى قطع البعض الآخر كان قطع الجميع أكثر من قطع الواحد، وإن كان بعضها أسرع من بعض قطعا، فقد دخلته القلة والكثرة وما دخلته القلة والكثرة متناه (٢)» وهو تناه يدل على حدوث الحركة. وكان يكثر من مناظرة خاله أبى الهذيل ويعلو عليه بقوة حججه، مما جعله يراوغه كثيرا ويعتلّ عليه، حتى قال له بعض مستمعيهما: «إنك إذا راوغت واعتلك وأنت تكلم النظام فأحسن حالاتك أن يشك الناس فيك وفيه، فقال: خمسون شكّا خير من يقين واحد (٣)». ومر بنا فى غير هذا الموضع بعض آرائه الفلسفية وفى الحق أنه هو وخاله وغيرهما من المعتزلة غمسوا آراءهم وتفكيرهم فى الفلسفة غمسا. ونراه يحوّل كل شئ إلى المناظرة، فهو يناظر فى الآراء العقيدية وفى الآراء الفلسفية مما ذكرناه فى ترجمته السابقة كما يناظر فى المسائل الطبيعية وفى الحيوان. ومناظرته لمعبد فى مساوئ الديك ومحاسنه ومنافع الكلب ومضاره مشهورة وقد شغلت نحو مجلد ونصف من كتاب الحيوان للجاحظ، إذ استقصيا جميع الجوانب المتصلة بذلك استقصاء يدل على مدى الرقى الفكرى الذى رقيه العقل العربى فى العصر

стр. 1363

العباسى. وهى وما يماثلها لم تكن تراد لنفسها وإنما كانت تراد للبرهنة على عجائب تدبير الله ﷻ فى خلقه وما أودعه فيه من ذخائر الحكمة، كما كانت تراه للفرق بين مذاهب الدهرية ومذاهب الموحدين لا فى بحث عجائب الكون فى الحيوان فقط بل فى بحث كل صور الوجود أيضا وما يتصل بذلك من الآراء الفلسفية العميقة، ومن أجل ذلك آثر المعتزلة هذا الجدال العقلى على النسك والعبادة وجعلوه فوق الحج والجهاد (١). وفى الحق أنهم بسطوا بهذا الجدال وما اتصل به من مناظرة العقل العربىّ إلى أبعد غاية، فقد أمدّوه بسيول من دقائق المعانى وخفيات البراهين، وجعلوه عقلا جدلا ما يزال ينقب عن خبيئات الأفكار، وما يزال يجلب من أعمق الأعماق دررها الباهرة. وقد تعاوروا على الأشياء المشهورة يصحّحونها ويسددونها، وتعاور معهم كثير من معاصريهم الذين مضوا يتقنون على شاكلتهم الحوار فى كل شئ. ومن طريف ما يصوّر ذلك أن نجد الجاحظ يذكر أن شخصا يسمى جعفر بن سعيد كان يفضل الديك على الطاووس، كأنه يريد أن يعكس ما شاع عند الناس من جمال الطواويس، ويسوق الجاحظ ما كان يقوله فى ذلك على هذا النمط (٢): «كان جعفر بن سعيد يزعم أن الديك أحمد من الطاووس وأنه مع جماله وانتصابه واعتداله وتقلعه (٣) إذا مشى سليم من مقابح الطاووس ومن موقه (٤) وقبح صورته! ومن تشاؤم أهل الدار به ومن قبح رجليه ونذالة مرآته. وزعم أنه لو ملك طاووسا لألبس رجليه خفّا. وكان يقول: وإنما يفخر له بالتلاوين وبتلك التعاريج والتهاويل التى لألوان ريشه، وربما رأيت الديك النّبطى وفيه شبيه بذلك إلا أن الديك أجمل لمكان الاعتدال والانتصاب والإشراف وأسلم من العيوب من الطاووس. وكان يقول: ولو كان الطاووس أحسن من الديك النبطى فى تلاوين ريشه فقط لكان فضل الديك عليه بفضل القدّ والخرط وبفضل حسن الانتصاب وجودة الإشراف أكثر من مقدار فضل حسن ألوانه على ألوان الديك ولكان السليم من العيوب فى العين أجمل لاعتراض تلك الخصال القبيحة على حسن الطاووس

стр. 1364

فى عين الناظر إليه. وأول منازل الحمد السلامة من الذم. . والعامة لا تبصر الجمال، ولفرس رائع كريم أحسن من كل طاووس فى الأرض، وكذلك الرجل والمرأة. وإنما ذهبوا من حسنه إلى حسن ريشه فقط، ولم يذهبوا إلى حسن تركيبه وتنصّبه كحسن البازى وانتصابه، ولم يذهبوا إلى الأعضاء والجوارح وإلى الشيات والهيئة والرأس والوجه الذى فيه. وكان جعفر يقول: لما لم يكن فى الطاووس إلا حسنه فى ألوانه ولم يكن فيه من المحاسن ما يزاحم ذلك ويجاذبه وينازعه ويشغل عنه ذكر وتبين وظهر. وخصال الديك كثيرة وهى متكافئة فى الجمال». وواضح أن هذه قدرة بارعة فى الجدل وفى تأليف الحجج والأدلة، وهى تدل على ما أصاب العقل العربى حينئذ من رقى جعله يستقصى ما يتحدث عنه أحسن استقصاء وأدقه، استقصاء يحرص فيه المتكلم على التدقيق والتعمق كأشد ما يكون التعمق والتدقيق وكان يصحب ذلك بكثير من الظرف ومن السفسطة التى تدل على ترف العقل وارتفاعه عن الآراء الشائعة، ويصوّر ذلك من بعض الوجوه ما حكاه الجاحظ فى فاتحة كتابه البخلاء عن مذهب من يسمّى باسم الجهجاه «فى تحسين الكذب فى مواضع وفى تقبيح الصدق فى مواضع وفى إلحاق الكذب بمرتبة الصدق وفى حطّ الصدق إلى موضع الكذب وأن الناس يظلمون الكذب بتناسى مناقبه وتذكّر مثالبه ويحابون الصدق بتذكّر منافعه وبتناسى مضاره وأنهم لو وازنوا بين مرافقهما وعدّلوا بين خصالهما لما فرّقوا بينهما هذا التفريق ولما رأوهما بهذه العيون». ويتلو الجاحظ هذا المذهب بمذهب من يسمّى باسم صحصح «فى تفضيل النسيان على كثير من الذكر وأن الغباء فى الجملة أنفع من الفطنة فى الجملة وأن عيش البهائم أحسن موقعا فى النفوس من عيش العقلاء وأنك لو أسمنت بهيمة ورجلا ذا مروءة أو امرأة ذات عقل وهمة وأخرى ذات غباء وغفلة لكان الشحم إلى البهيمة أسرع وعن ذات العقل والهمة أبطأ، ولأن العقل مقرون بالحذر والاهتمام ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن، فلذلك البهيمة تقنو شحما فى الأيام اليسيرة، ولا تجد ذلك لذى الهمة البعيدة، ومتوقّع البلاء فى البلاء وإن سلم منه، والغافل فى الرجاء إلى أن يدركه البلاء». وقد يقال إن هذا التقبيح للأشياء المستحسنة والتحسين للأشياء المستقبحة عرف

стр. 1365

فى الأدب الفهلوى القديم، وأن العباسيين تأثروا فى هذا الاتجاه بما كان منه فى هذا الأدب، ونحن لا ننفى ذلك، وإنما نلاحظ أنه حتى إن صح فإن العباسيين توسعوا فى هذا الاتجاه بتأثير مناظرات المتكلمين وما داخلها من سفسطة أحيانا، بحيث أصبح هذا التحسين والتقبيح نمطا من أنماط التفكير العباسى، وبحيث عمّ فى كل شئ، مما هيأ فيما بعد هذا العصر لظهور كتب المحاسن والمساوى. ونضيف أن المتكلمين تأثروا أيضا فى مناظراتهم بما كان فى التراث الفلسفى اليونانى من جدال وحوار، وبخاصة فى المسائل الفلسفية الخالصة، ومعروف أن أفلاطون كان يدير كثيرا من رسائله على الحوار والجدل بين نفر من الفلاسفة، على نحو ما هو معروف فى رسالته أو كتابه الذى سماه المأدبة وفيه جلب سقراط وبعض المتفلسفة ليتحاوروا فى عاطفة الحب، ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أن يحيى البرمكى دعا من كانوا يتناظرون بمجالسه فى المسائل الفلسفية والكلامية إلى الحديث عن العشق، وكان حديثا طويلا تبادل هؤلاء المتناظرون آراءهم فيه، وأكبر الظن أنهم سمعوا بمأدبة أفلاطون إن لم يكن بعضهم قد اطلع عليها مترجمة، ولم ينقل لنا جميع هذا الحديث الطريف، إنما نقل بعض ما تحدّث به من شاركوا فى هذه المحاورة البديعة، نقله المسعودى فى كتابه مروج الذهب على هذه الشاكلة (١): «قال على بن ميثم (المتكلم الشيعى): العشق ثمر المشاكلة وهو دليل على تمازج الروحين، وهو من بحر اللطافة ورقة الطبيعة وصفاء الجوهر، والزيادة فيه نقصان من الجسد. وقال أبو مالك الحضرمى وهو خارجى المذهب: العشق نفث السحر، وهو أخفى وأحر من الجمر، ولا يكون إلا بازدواج الطبعين وامتزاج الشكلين، وله نفوذ فى القلب كنفوذ صيّب المزن فى خلل الرّمل تنقاد له العقول وتستكين له الآراء. وقال أبو الهذيل العلاف المعتزلى: العشق يختم على النواظر ويطبع على الأفئدة مرتقى فى الأجساد ومسرعة فى الأكباد، وصاحبه منصرف الظنون متغير الأوهام لا يصفو له موجود، ولا يسلم له موعود، تسرع إليه النوائب. وهو جرعة من نقيع الموت، وبقية من حياض الثكل، غير أنه من أريحية تكون فى الطبع وطلاوة

стр. 1366

توجد فى الشمائل وصاحبه جواد لا يصغو (يميل) إلى داعية المنع ولا يسنح به (يصرفه) نازع العذل. وقال إبراهيم النظام بن يسار المعتزلى: العشق أرق من الشراب، وأدب من الشباب، وهو من طينة عطرة عجنت فى إناء من الحلى، حلو المجتنى ما اقتصد، فإذا أفرط عاد صلاّ قاتلا، وفسادا معضلا، لا يطمع فى إصلاحه. له سحابة غزيرة على القلوب، فتعشب شغفا وتثمر كلفا. وصريعه دائم اللوعة ضيق المتنفّس طويل الفكر إذا جنّه الليل أرق وإذا أوضحه النهار قلق، صومه البلوى، وإفطاره الشكوى. ثم قال الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر ومن يليهم، حتى طال الكلام فى العشق بألفاظ مختلفة ومعان تتقارب وتتناسب، وفيما مرّ دليل عليه». وكنا نتمنى لو أن المسعودى أورد كل ما قاله هؤلاء المتحاورون إذن لورثنا عن العباسيين مأدبة فى العشق تقابل مأدبة أفلاطون. والذى لا شك فيه-كما أسلفنا-أن هذه المأدبة كانت تحت أعين معاصريهم كما كانت تحت بصر من جاءوا بعدهم مثل المسعودى، وأن الشعراء استمدوا منها كثيرا من معانيهم فى العشق والغزل. ومضى المسعودى يذكر بعض ما أثر عن الفلاسفة والأطباء في العشق، مما يقطع بأن العباسيين إن لم يعرفوا مأدبة أفلاطون فقد سقطت إليهم آراء يونانية مختلفة فى الحب والهوى. وواضح ما فى هذا الحوار عن العشق من دقة فى المعانى ومن حسن سبك وأداء، حتى ليعنى بعض المتحاورين بأن يكون كلامه مسجوعا، مما يدل دلالة بينة على أن المتناظرين كانوا لا يزالون يتعهدون كلامهم ويصوغونه صياغة باهرة، وبذلك أعدوا لتطور النثر تطورا واسعا فى مضامينه الجديدة التى لم يكن للعربية بها عهد وفى أساليبه وما شفعوها به من حسن السبك وجمال الصياغة والأداء. وليس ذلك فحسب كل ما قدمه فن المناظرة للنثر فى هذا العصر، فقد جعل المتكلمون والمتناظرون وفى مقدمتهم المعتزلة يبحثون فى بلاغة القول ويكثرون من ملاحظاتهم فى هذا الاتجاه على نحو ما صوّرنا ذلك فى غير هذا الموضع، مما أعدّ لوضع أصول البلاغة العربية.

стр. 1367

٤ - الرسائل الديوانية والعهود والوصايا والتوقيعات تحدثنا فى الفصل الأول عن تعقد الدواوين فى هذا العصر وتنوعها، فدواوين للخراج ودواوين للنفقات ودواوين للجيش ودواوين للحروب ودواوين للرسائل ودواوين للخاتم ودواوين لشرقىّ الدولة ودواوين لغربيها. ولكل ولاية ديوان. وفوق هذه الدواوين ما يسمّى ديوان الزمام الذى ينظر فى ضبط كل ديوان على حدة. وبجانب هذه الدواوين العامة فى بغداد دواوين فى الولايات للخراج والرسائل ودواوين أخرى لأولياء العهد وللأمراء وللوزراء وكبار القواد. ومن لم يتخذ من هؤلاء ديوانا كبيرا كان له كاتب يكتب عنه وينظر فى تدبير أمواله ونفقاته وضياعه. وحتى نساء الخلفاء كن يتخذن الكتاب، وكذلك كان يتخذهم بعض القضاة والعلماء للكتابة عنهم. وبذلك نشطت الكتابة فى هذا العصر نشاطا واسعا، فقد توفر عليها مئات من أصحاب الأقلام يحدوهم فى ذلك ما كانت تدرّه عليهم من أرزاق واسعة. وكان من يظهر منهم مهارة فى دواوين الخلافة سرعان ما يرقى إلى رياسة الديوان الذى يعمل فيه. وقد تقبل عليه الدنيا فيصبح رئيسا لمجموعة من الدواوين، وقد يصبح وزيرا للخليفة يسوس الدولة ويدبر أمورها وشئونها، فإن لم يصبح وزيرا. أصبح واليا لإقليم من الأقاليم مثل الحسن بن البحباح البلخى الذى كتب للمهدى والهادى والبرامكة وقد ولى مصر فى عصر الهادى والأمين. ومثل الحسن بن رجاء كاتب المأمون الذى ولى فارس ومثل عمر بن مهران كاتب الخيزران أم الرشيد وقد ولاه مصر فى بعض السنين. وكثير من الولاة والقواد كانوا يحسنون الكتابة إلى أبعد غاية مثل جعفر بن محمد بن الأشعث والى خراسان للرشيد ومثل طاهر بن الحسين قائد المأمون وواليه على خراسان وابنه عبد الله بن طاهر والى مصر والشام والجزيرة ثم والى خراسان ومثل أبى دلف العجلى قائد المأمون المشهور. وعلى هذا النحو كانت الكتابة فى هذا العصر الجسر الذى يصل الشخص إلى أرفع المناصب، وكان من يتقنها من الوزراء والقواد والولاة يلقى الإكبار

стр. 1368

والإعجاب فى كل مكان، وقد أخذ يسيل لها لعاب كل من أحسّ فى نفسه قدرة عليها، حتى يحظى بما يكفل له العيش فضلا عما قد يصيب من رغد ونعيم، ومن أجل ذلك كثر الوافدون على أبواب الدواوين وخاصة من الناشئة ذوى المطامح البعيدة، وكانوا يعرضون أنفسهم، فيمتحنبون امتحانا عسيرا، تبحث فيه مهارتهم الأدبية والعقلية، ومن جاز الامتحان أمرهم رؤساء الدواوين بملازمتهم، ثم ضموهم إلى دواوينهم وترقوا بهم من حال إلى حال، على قدر مهاراتهم حتى بلغوا بهم المنزلة التى يستحقونها، وربما ألحقوهم ببعض الولاة والقواد أو جعلوا لهم التصرف فى بعض الأعمال أو فى بعض دواوين الخراج. ولم يكن نجاح الكاتب الناشئ هينا، فقد كان لا بدّ له من إحسان صناعة الكتابة، وهو إحسان جعله يتوفر على مادتها اللغوية والأسلوبية، حتى يتقنها الإتقان المنشود من حيث الوضوح والجمال الفنى، أما الوضوح فلأنه كان يكتب غالبا إلى الرعية ولا بد للرعية أن تفهم عنه، وأما من حيث الجمال الفنى فلأنه كان يكتب عن الخلفاء والوزراء والولاة والقواد، ولا بد أن يروعهم ببيانه وبلاغته، وقد توقّف الجاحظ مرارا فى كتاباته يشيد ببراعتهم فى القول وعذوبة آدائهم وطلاوة صياغاتهم من مثل قوله: «إنهم لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة والمعانى المنتخبة وعلى المخارج السهلة والديباجة الكريمة وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد وعلى كل كلام له ماء ورونق وعلى المعانى التى إذا صارت فى الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم وفتحت للسان باب البلاغة ودلّت الأقلام على مدافن الألفاظ وأشارت إلى حسان المعانى (١)». وكان لا بد لهم بجانب هذه القدرة البلاغية من أن يتقنوا طائفة من المعارف وفى مقدمتها علوم اللسان العربى وعلم الفقه، وكان العلم الأخير ضروريّا لهم، لأنهم كانوا يكتبون فى شئون الخراج وفيما يجب على أهل الذمة أن يؤدوه من أموال، وكذلك كان علم الحساب من الضرورة لهم بمكان. وكانوا يلمون بكل علم مثل الكيمياء والطب والنجوم، وأكبوا على الفلسفة والمنطق ليدعموا عقولهم. ولم يكن ذلك كل ثقافة الكاتب، فقد مضى يقرأ كل ما ترجم من الحكمة اليونانية ومأثور

стр. 1369

ما تبادله الإسكندر المقدونى وأرسطو من رسائل وما نقل عن الفلاسفة اليونانيين من أقوال وكذلك ما نقل عن الهنود من حكم وقصص يتصل بتدبير الملك وخاصة كتاب كليلة ودمنة. ومرّ بنا مدى إعجاب يحيى البرمكى بهذا الكتاب مما جعله يطلب إلى أبان بن عبد الحميد أن ينقله شعرا حتى يسهل حفظه، وكان قد نقله ابن المقفع قبل ذلك نثرا، ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أنه نقل كثيرا من سير ملوك الفرس وأنظمتهم فى الملك وتدبيرهم فى السياسة والحكم وأن مما نقله «خداى نامه» فى سير ملوكهم و «آيين نامه» فى أنظمتهم و «التاج» فى سيرة كسرى أنوشروان و «الأدب الكبير» و «اليتيمة» و «الصحابة». وأكبّ الكاتب العباسى على هذه الكتب وغيرها مما عرضنا له فى الفصل الثالث كأمثال بزرجمهر وكتاب «جاويدان خرد» فى الآداب والأخلاق و «عهد أردشير بن بابك إلى ابنه سابور». ولعلنا لا نبالغ إذ قلنا إن المادة الفارسية السياسية والأخلاقية المترجمة كانت من أهم المؤثرات فى رقى الكتابة الديوانية وتطورها، وحقّا أن هذا التأثير بدأ منذ عبد الحميد الكاتب ولكنه لم يبلغ أشده إلا فى هذا العصر إذ اتّسع نقل الآداب الفارسية وكل ما أثر عن ملوك الفرس ووزرائهم من عهود ووصايا ورسائل إلى العمال والولاة، مما سالت مادته الغزيرة فى كتابات الكاتب العباسى، ولعل ذلك ما جعل الجهشيارى يقدم لكتابه الوزراء والكتاب بتمهيد واسع عرض فيه لتدوين الفرس للدواوين ونظمها المختلفة، متحدثا فى ثنايا ذلك عن كتب الأكاسرة إلى عمالهم ومقتبسا فصولا عن سابور إلى ابنه ومر كلام أردشير وكلام أبرويز إلى وزرائه ووصيته لابنه شيرويه ووصية أردشير لوزرائه واستشارة سابور لوزيرين نابهين. وعرض الجهشيارى لبعض رسائل أرسطو للإسكندر، ولبعض وصايا الهند وحكمهم. وفى ذلك كله الدلالة الواضحة على مدى ما كان يأخذ به الكاتب العباسى نفسه من ثقافة سياسية، وخاصة ما كتبه الفرس فى وصاياهم وعهودهم. وكان لا بد له من إلمام واسع بأخبار العرب وأشعارهم وكل ما يتصل بهم وبخلفائهم. وكان أحيانا يحسن نظم الشعر ورصفه. ويستشهد به فى رسائله وكلامه، وكذلك كان يحفظ القرآن الكريم ويقتبس منه أحيانا، وأحيانا يحاول مجاراة

стр. 1370

أساليبه وما يجرى فيها من حسن التأليف والتئام الكلم وجودة المقاطع وحلاوة البيان وعذوبته. وحتى الخطّ كان لا بد للكاتب العباسى من إجادته. ومن ينظر نظرة عامة فى موضوعات الرسائل الديوانية لهذا العصر يلاحظ أنها كانت تتناول تصريف أعمال الدولة وما يتصل بها من تولية الولاة، وأخذ البيعة للخلفاء وولاة العهود، ومن الفتوح والجهاد ومواسم الحج والأعياد والأمان وأخبار الولايات وأحوالها فى المطر والخصيب والجدب، وعهود الخلفاء لأبنائهم، ووصاياهم ووصايا الوزراء والحكام فى تدبير السياسة والحكم. وأيضا فإنها أخذت تتناول بعض الأغراض التى كان يتناولها الشعر من تهنئات وتعزيات وشكر مما سنعرض له فى الرسائل الإخوانية التى تصور عواطف الأفراد، وقد تفننوا حينئذ طويلا فى التحميدات التى تصدّر بها الرسائل، وتنسب إلى الرشيد أنه أول من أمر أن تبتدئ مكاتباته بعد البسملة بالصلاة على النبى ﷺ (١). وفى رواية ثانية أن يحيى البرمكى وزيره أول من زاد فى الرسائل: «وأسأله أن يصلى على محمد عبده ورسوله» وأنه أنشأ فى ذلك كتابا ذكر فيه فضل الأنبياء ﵈ (٢). ونحن نقف بعد طائفة من الكتاب النابهين مرتبين لهم على عهود الخلفاء وأول كاتب لمع اسمه فى مطالع العصر عمارة بن حمزة كاتب السفاح والمنصور وقد ولاه الأخير فى سنة ١٥٦ على كور دجلة والأهواز وفارس ثم ولاه المهدى خراج البصرة، وعاش حتى سنة ١٩٩ للهجرة (٣)، وكان المهدى يجلّه، وكان جوادا غير أنه كان فيه تيه شديد حتى ضرب المثل بتيهه، فقيل أتيه من عمارة، وتروى له فى التيه والكرم حكايات كثيرة. وهو أحد الكتاب البلغاء وقد اشتهر بتدبيجه لأول رسالة من رسائل الخميس، وهى رسالة كانت تكتب فى عهد كل خليفة عباسى، وكان موضوعها تأييد الدعوة العباسية وتأييد الخليفة الحاضر وتعداد مناقبه وبيان مآثره وأنه أحق أهل بيته بالخلافة. واشتهر أيضا برسالة
следующие страницы →