← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

توجد فى الشمائل وصاحبه جواد لا يصغو (يميل) إلى داعية المنع ولا يسنح به (يصرفه) نازع العذل. وقال إبراهيم النظام بن يسار المعتزلى: العشق أرق من الشراب، وأدب من الشباب، وهو من طينة عطرة عجنت فى إناء من الحلى، حلو المجتنى ما اقتصد، فإذا أفرط عاد صلاّ قاتلا، وفسادا معضلا، لا يطمع فى إصلاحه. له سحابة غزيرة على القلوب، فتعشب شغفا وتثمر كلفا. وصريعه دائم اللوعة ضيق المتنفّس طويل الفكر إذا جنّه الليل أرق وإذا أوضحه النهار قلق، صومه البلوى، وإفطاره الشكوى. ثم قال الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر ومن يليهم، حتى طال الكلام فى العشق بألفاظ مختلفة ومعان تتقارب وتتناسب، وفيما مرّ دليل عليه». وكنا نتمنى لو أن المسعودى أورد كل ما قاله هؤلاء المتحاورون إذن لورثنا عن العباسيين مأدبة فى العشق تقابل مأدبة أفلاطون. والذى لا شك فيه-كما أسلفنا-أن هذه المأدبة كانت تحت أعين معاصريهم كما كانت تحت بصر من جاءوا بعدهم مثل المسعودى، وأن الشعراء استمدوا منها كثيرا من معانيهم فى العشق والغزل. ومضى المسعودى يذكر بعض ما أثر عن الفلاسفة والأطباء في العشق، مما يقطع بأن العباسيين إن لم يعرفوا مأدبة أفلاطون فقد سقطت إليهم آراء يونانية مختلفة فى الحب والهوى. وواضح ما فى هذا الحوار عن العشق من دقة فى المعانى ومن حسن سبك وأداء، حتى ليعنى بعض المتحاورين بأن يكون كلامه مسجوعا، مما يدل دلالة بينة على أن المتناظرين كانوا لا يزالون يتعهدون كلامهم ويصوغونه صياغة باهرة، وبذلك أعدوا لتطور النثر تطورا واسعا فى مضامينه الجديدة التى لم يكن للعربية بها عهد وفى أساليبه وما شفعوها به من حسن السبك وجمال الصياغة والأداء. وليس ذلك فحسب كل ما قدمه فن المناظرة للنثر فى هذا العصر، فقد جعل المتكلمون والمتناظرون وفى مقدمتهم المعتزلة يبحثون فى بلاغة القول ويكثرون من ملاحظاتهم فى هذا الاتجاه على نحو ما صوّرنا ذلك فى غير هذا الموضع، مما أعدّ لوضع أصول البلاغة العربية.

стр. 1367

٤ - الرسائل الديوانية والعهود والوصايا والتوقيعات تحدثنا فى الفصل الأول عن تعقد الدواوين فى هذا العصر وتنوعها، فدواوين للخراج ودواوين للنفقات ودواوين للجيش ودواوين للحروب ودواوين للرسائل ودواوين للخاتم ودواوين لشرقىّ الدولة ودواوين لغربيها. ولكل ولاية ديوان. وفوق هذه الدواوين ما يسمّى ديوان الزمام الذى ينظر فى ضبط كل ديوان على حدة. وبجانب هذه الدواوين العامة فى بغداد دواوين فى الولايات للخراج والرسائل ودواوين أخرى لأولياء العهد وللأمراء وللوزراء وكبار القواد. ومن لم يتخذ من هؤلاء ديوانا كبيرا كان له كاتب يكتب عنه وينظر فى تدبير أمواله ونفقاته وضياعه. وحتى نساء الخلفاء كن يتخذن الكتاب، وكذلك كان يتخذهم بعض القضاة والعلماء للكتابة عنهم. وبذلك نشطت الكتابة فى هذا العصر نشاطا واسعا، فقد توفر عليها مئات من أصحاب الأقلام يحدوهم فى ذلك ما كانت تدرّه عليهم من أرزاق واسعة. وكان من يظهر منهم مهارة فى دواوين الخلافة سرعان ما يرقى إلى رياسة الديوان الذى يعمل فيه. وقد تقبل عليه الدنيا فيصبح رئيسا لمجموعة من الدواوين، وقد يصبح وزيرا للخليفة يسوس الدولة ويدبر أمورها وشئونها، فإن لم يصبح وزيرا. أصبح واليا لإقليم من الأقاليم مثل الحسن بن البحباح البلخى الذى كتب للمهدى والهادى والبرامكة وقد ولى مصر فى عصر الهادى والأمين. ومثل الحسن بن رجاء كاتب المأمون الذى ولى فارس ومثل عمر بن مهران كاتب الخيزران أم الرشيد وقد ولاه مصر فى بعض السنين. وكثير من الولاة والقواد كانوا يحسنون الكتابة إلى أبعد غاية مثل جعفر بن محمد بن الأشعث والى خراسان للرشيد ومثل طاهر بن الحسين قائد المأمون وواليه على خراسان وابنه عبد الله بن طاهر والى مصر والشام والجزيرة ثم والى خراسان ومثل أبى دلف العجلى قائد المأمون المشهور. وعلى هذا النحو كانت الكتابة فى هذا العصر الجسر الذى يصل الشخص إلى أرفع المناصب، وكان من يتقنها من الوزراء والقواد والولاة يلقى الإكبار

стр. 1368

والإعجاب فى كل مكان، وقد أخذ يسيل لها لعاب كل من أحسّ فى نفسه قدرة عليها، حتى يحظى بما يكفل له العيش فضلا عما قد يصيب من رغد ونعيم، ومن أجل ذلك كثر الوافدون على أبواب الدواوين وخاصة من الناشئة ذوى المطامح البعيدة، وكانوا يعرضون أنفسهم، فيمتحنبون امتحانا عسيرا، تبحث فيه مهارتهم الأدبية والعقلية، ومن جاز الامتحان أمرهم رؤساء الدواوين بملازمتهم، ثم ضموهم إلى دواوينهم وترقوا بهم من حال إلى حال، على قدر مهاراتهم حتى بلغوا بهم المنزلة التى يستحقونها، وربما ألحقوهم ببعض الولاة والقواد أو جعلوا لهم التصرف فى بعض الأعمال أو فى بعض دواوين الخراج. ولم يكن نجاح الكاتب الناشئ هينا، فقد كان لا بدّ له من إحسان صناعة الكتابة، وهو إحسان جعله يتوفر على مادتها اللغوية والأسلوبية، حتى يتقنها الإتقان المنشود من حيث الوضوح والجمال الفنى، أما الوضوح فلأنه كان يكتب غالبا إلى الرعية ولا بد للرعية أن تفهم عنه، وأما من حيث الجمال الفنى فلأنه كان يكتب عن الخلفاء والوزراء والولاة والقواد، ولا بد أن يروعهم ببيانه وبلاغته، وقد توقّف الجاحظ مرارا فى كتاباته يشيد ببراعتهم فى القول وعذوبة آدائهم وطلاوة صياغاتهم من مثل قوله: «إنهم لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة والمعانى المنتخبة وعلى المخارج السهلة والديباجة الكريمة وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد وعلى كل كلام له ماء ورونق وعلى المعانى التى إذا صارت فى الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم وفتحت للسان باب البلاغة ودلّت الأقلام على مدافن الألفاظ وأشارت إلى حسان المعانى (١)». وكان لا بد لهم بجانب هذه القدرة البلاغية من أن يتقنوا طائفة من المعارف وفى مقدمتها علوم اللسان العربى وعلم الفقه، وكان العلم الأخير ضروريّا لهم، لأنهم كانوا يكتبون فى شئون الخراج وفيما يجب على أهل الذمة أن يؤدوه من أموال، وكذلك كان علم الحساب من الضرورة لهم بمكان. وكانوا يلمون بكل علم مثل الكيمياء والطب والنجوم، وأكبوا على الفلسفة والمنطق ليدعموا عقولهم. ولم يكن ذلك كل ثقافة الكاتب، فقد مضى يقرأ كل ما ترجم من الحكمة اليونانية ومأثور

стр. 1369

ما تبادله الإسكندر المقدونى وأرسطو من رسائل وما نقل عن الفلاسفة اليونانيين من أقوال وكذلك ما نقل عن الهنود من حكم وقصص يتصل بتدبير الملك وخاصة كتاب كليلة ودمنة. ومرّ بنا مدى إعجاب يحيى البرمكى بهذا الكتاب مما جعله يطلب إلى أبان بن عبد الحميد أن ينقله شعرا حتى يسهل حفظه، وكان قد نقله ابن المقفع قبل ذلك نثرا، ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أنه نقل كثيرا من سير ملوك الفرس وأنظمتهم فى الملك وتدبيرهم فى السياسة والحكم وأن مما نقله «خداى نامه» فى سير ملوكهم و «آيين نامه» فى أنظمتهم و «التاج» فى سيرة كسرى أنوشروان و «الأدب الكبير» و «اليتيمة» و «الصحابة». وأكبّ الكاتب العباسى على هذه الكتب وغيرها مما عرضنا له فى الفصل الثالث كأمثال بزرجمهر وكتاب «جاويدان خرد» فى الآداب والأخلاق و «عهد أردشير بن بابك إلى ابنه سابور». ولعلنا لا نبالغ إذ قلنا إن المادة الفارسية السياسية والأخلاقية المترجمة كانت من أهم المؤثرات فى رقى الكتابة الديوانية وتطورها، وحقّا أن هذا التأثير بدأ منذ عبد الحميد الكاتب ولكنه لم يبلغ أشده إلا فى هذا العصر إذ اتّسع نقل الآداب الفارسية وكل ما أثر عن ملوك الفرس ووزرائهم من عهود ووصايا ورسائل إلى العمال والولاة، مما سالت مادته الغزيرة فى كتابات الكاتب العباسى، ولعل ذلك ما جعل الجهشيارى يقدم لكتابه الوزراء والكتاب بتمهيد واسع عرض فيه لتدوين الفرس للدواوين ونظمها المختلفة، متحدثا فى ثنايا ذلك عن كتب الأكاسرة إلى عمالهم ومقتبسا فصولا عن سابور إلى ابنه ومر كلام أردشير وكلام أبرويز إلى وزرائه ووصيته لابنه شيرويه ووصية أردشير لوزرائه واستشارة سابور لوزيرين نابهين. وعرض الجهشيارى لبعض رسائل أرسطو للإسكندر، ولبعض وصايا الهند وحكمهم. وفى ذلك كله الدلالة الواضحة على مدى ما كان يأخذ به الكاتب العباسى نفسه من ثقافة سياسية، وخاصة ما كتبه الفرس فى وصاياهم وعهودهم. وكان لا بد له من إلمام واسع بأخبار العرب وأشعارهم وكل ما يتصل بهم وبخلفائهم. وكان أحيانا يحسن نظم الشعر ورصفه. ويستشهد به فى رسائله وكلامه، وكذلك كان يحفظ القرآن الكريم ويقتبس منه أحيانا، وأحيانا يحاول مجاراة

стр. 1370

أساليبه وما يجرى فيها من حسن التأليف والتئام الكلم وجودة المقاطع وحلاوة البيان وعذوبته. وحتى الخطّ كان لا بد للكاتب العباسى من إجادته. ومن ينظر نظرة عامة فى موضوعات الرسائل الديوانية لهذا العصر يلاحظ أنها كانت تتناول تصريف أعمال الدولة وما يتصل بها من تولية الولاة، وأخذ البيعة للخلفاء وولاة العهود، ومن الفتوح والجهاد ومواسم الحج والأعياد والأمان وأخبار الولايات وأحوالها فى المطر والخصيب والجدب، وعهود الخلفاء لأبنائهم، ووصاياهم ووصايا الوزراء والحكام فى تدبير السياسة والحكم. وأيضا فإنها أخذت تتناول بعض الأغراض التى كان يتناولها الشعر من تهنئات وتعزيات وشكر مما سنعرض له فى الرسائل الإخوانية التى تصور عواطف الأفراد، وقد تفننوا حينئذ طويلا فى التحميدات التى تصدّر بها الرسائل، وتنسب إلى الرشيد أنه أول من أمر أن تبتدئ مكاتباته بعد البسملة بالصلاة على النبى ﷺ (١). وفى رواية ثانية أن يحيى البرمكى وزيره أول من زاد فى الرسائل: «وأسأله أن يصلى على محمد عبده ورسوله» وأنه أنشأ فى ذلك كتابا ذكر فيه فضل الأنبياء ﵈ (٢). ونحن نقف بعد طائفة من الكتاب النابهين مرتبين لهم على عهود الخلفاء وأول كاتب لمع اسمه فى مطالع العصر عمارة بن حمزة كاتب السفاح والمنصور وقد ولاه الأخير فى سنة ١٥٦ على كور دجلة والأهواز وفارس ثم ولاه المهدى خراج البصرة، وعاش حتى سنة ١٩٩ للهجرة (٣)، وكان المهدى يجلّه، وكان جوادا غير أنه كان فيه تيه شديد حتى ضرب المثل بتيهه، فقيل أتيه من عمارة، وتروى له فى التيه والكرم حكايات كثيرة. وهو أحد الكتاب البلغاء وقد اشتهر بتدبيجه لأول رسالة من رسائل الخميس، وهى رسالة كانت تكتب فى عهد كل خليفة عباسى، وكان موضوعها تأييد الدعوة العباسية وتأييد الخليفة الحاضر وتعداد مناقبه وبيان مآثره وأنه أحق أهل بيته بالخلافة. واشتهر أيضا برسالة

стр. 1371

لقّبت باسم الماهانية وفيها يقول ابن النديم: «الكتب المجمع على جودتها عهد أردشير، كليلة ودمنة، رسالة عمارة بن حمزة الماهانية، اليتيمة لابن المقفع، رسالة الخميس لأحمد بن يوسف». ويظهر أنها كتبت لعامل كى يستشير عيسى بن ماهان فى كل ما يأخذ من الأمر ويدع، وفيها يقول له على لسان الخليفة (١): «أمير المؤمنين لا ينكر قرب الطاعة من المعصية قرب بعض الأمور من بعض، لسرعة تقلب القلوب واختلاف الحالات عند مسيل الهوى ولا ينكر جرى المقادير بغيب ذلك عن العباد واستئثار الله بعلم ما لم يأتهم إلا بغتة. بل قد علم أمير المؤمنين أن أقواما فى قلوبهم ضغائن، دونها الغدر، يظهر أسرارهم ويخرج أضغانهم، ثم يبلغ بغضبه منهم ما لم يكن فى ذلك عنده عزيزا، ولم يكن بهم امتناع. غير أنه قد أنكر أن تعجل إلى ابن ماهان-وإن كان محلا بارزا-بأمر دون مؤامرته (مشاورته) ويكره لك العجلة فإنها موكّل بها النّدم وإنه كان يقال: أصاب متأمل أو كاد. وقالت العرب: فإما ترينّ أمرا رشدا فتبيّن ثم ارعو أو أقدم وأحكم. ولحقّ ما أمر الله به من التّبيّن وما حذّر أن يصاب قوم بجهالة وما خوّف على ذلك من الندامة، فليس يبرح المرء بخير ما فرغ لقول الله واتعظ واستيقظ». وواضح حرص عمارة على التمثل بكلام العرب واستعارة ألفاظ القرآن ومعانيه، فقد حلّ فى آخر كلامه قوله جلّ شأنه: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ).﴾ ومن كتّاب المنصور مسعدة بن سعد بن صول أحد ملوك جرجان فيما يقال، وكان يكتب أولا لخالد بن برمك وزير المنصور ثم لواليه على فارس. ولما اتخذ المنصور أبا أيوب الموريانى وزيرا وقلّده الدواوين أقام مسعدة على ديوان الرسائل، ويروى ياقوت فى ترجمته لابنه عمرو أن المنصور قال يوما لكتّابه: اكتبوا لى تعظيم الإسلام، فبدر مسعدة فكتب (٢):

стр. 1372

«الحمد لله الذى عظّم الإسلام واختاره وأوضحه وأناره وأعزّه وأنافه (أعلاه) وشرّفه، وأكمله، وتمّمه، وفضّله، وأعزّه، ورفعه، وجعله دينه الذى أحبّه واجتباه (اختاره) واستخلصه وارتضاه، واختاره واصطفاه، وجعله الدين الذى تعتدّ به ملائكته وأرسل بالدعاء إليه أنبياءه وهدى له من أراد إكرامه وإسعاده من خلقه فقال جلّ من قائل: ﴿(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ)﴾ وقال جلّ وعلا: ﴿(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)﴾ وقال: ﴿(مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ)﴾. فبهذا الإسلام والدخول فيه والعلم به وأداء شرائعه والقيام بمفروضاته وصلت ملائكته ورسله إلى رضوان الله ورحمته، وجواره فى جنّته، وبه تحرّزوا من غضبه وعقوبته، وأمنوا نكال عذابه وسطوته». فقال المنصور: حسبك يا مسعدة، اجعل هذا صدر الكتاب إلى أهل الجزيرة بالإعذار والإنذار. وفى جوانب من التحميد أسجاع مما يدل على القصد إلى العناية الفنية وأن الكاتب يريد أن يأسر الأسماع بجمال الجرس والأداء. ومن كتّاب المنصور أيضا يوسف (١) بن صبيح، وكان يكتب، فى ديوان الكوفة لبنى أمية، ثم كتب لعبد الله بن على عم المنصور فى مطلع الدولة العباسية، حتى إذا أخفقت ثورته على ابن أخيه واستتر بالبصرة عند إخوته لجأ يوسف إلى أصحابه من الكتاب فى ديوان المنصور، فألحقوه به. ويظهر أنه ظل يعمل فى ديوان الخلافة، حتى إذا كان البرامكة قربوه، فكان يختلف بين دواوينهم ودواوين الرشيد، ومن مأثور ما يروى له رسالة قصيرة كتبها عن عبد الله بن على إلى ابن أخيه السفاح يعزيه عن ابن له على هذا النمط (٢): «أما بعد فإن أحق الناس بالرضا والتسليم لأمر الله جلّ وعرّ من كان إماما لخلق الله وخليفة لرسول الله ﷺ فتعزّ أمير المؤمنين بفهمك، وارجع فى وعد الله جلّ وعز من الصابرين إلى علمك». ومن الكتّاب لعصر المنصور جبل بن يزيد كاتب عمارة بن حمزة وفيه يقول صاحب الفهرست: «كان مترجما وكان من معدودى البلغاء والبرعاء (٣)» وقد

стр. 1373

احتفظ له ابن طيفور فى كتابه «اختيار المنظوم والمنثور» بطائفة بديعة من رسائله، منها رسالة كتب بها إلى المهدى يعزيه عن أبيه ويهنئه بالخلافة، ويظهر أنه كتبها عن عمارة بن حمزة وفيها يقول (١): «أعظم بالمصيبة مصيبة نزلت، وأعظم بالنعمة نعمة حدثت، وإن أحق من انتصح لله فى قضائه واعترف بوجود حسن بلائه من علم أن الفجائع أمر جرت به سنن الله بين عباده تذكيرا وتحذيرا. . ولولا ذلك لم يكن لمعزّ أن يروم تعزية أمير المؤمنين. . فعظّم الله على الحادث النازل أجره، وأحسن على الخلافة عونه، ثم لا ركله الله فى شئ من الأمور إلى نفسه، وألهمه العمل بما يرضيه ويبلغ به تأدية حقه، فيما استرعاه واستحفظه وجعله أهله وأحقّ به». ومن الكتّاب أيضا لعصر المنصور غسّان بن عبد الحميد كاتب (٢) عمه سليمان بن على واليه على البصرة لسنة ١٣٣ للهجرة، وفى الفهرست أنه كتب لابنه جعفر بن سليمان على المدينة سنة ١٤٦ للهجرة، ويقول: «كان بليغا حلو الكلام لطيف المعانى (٣)» واحتفظ له أيضا ابن طيفور بطائفة جيدة من رسائله، وأكثرها يدور فى التعزية، ويظهر أنه كان يتقنها إتقانا بعيدا على نحو ما نرى فى هذه القطعة من رسالة يعزى بها المهدىّ عن أبيه (٤): «أما بعد فإن الله ﵎ جعل المقادير علما ثابتا عنده وكتابا سابقا منه، فجرت عليه ومضت به الأمور فى قدرته، والعباد فى قبضته. وليس عبد من عبيده إلا وقد كان عمره فى الدنيا موظوفا قبل خلقه، وكان ما يصيبه منها مكتوبا عليه قبل أن ينزل به، ثم جعل أهل عبادته أهل حظوظ متكاملة فى السعادة وأهل فضائل متظاهرة فى الكرامة، فاصطفى منهم أنبياءه، وانتجب منهم خلفاءه، وألزمهم على ذلك الموت الذى لا بد منه وجعله الحياة لهم فيما عنده، فكانت وفاة من توفّى منهم له سعادة فيما يصيّرهم إليه وحياة من أحيا منهم له كرامة فيما يصنطنعهم له، فيمضى الأول منهم سعيدا ويبقى الباقى منهم مصطنعا فلا تنقطع الدنيا بماضيهم إلا إلى خير منها ولا يبقى باقيهم إلا ليزداد خيرا فيها.

стр. 1374

والماضى مفقود مستخلف منه، والباقى محمود مرضىّ به، وأمر الرعية قائم معدول فيه». وننتقل إلى عصر المهدى فنلتقى بأبى عبيد الله معاوية (١) بن عبيد الله بن يسار وكان المنصور ضمّه إليه حين أنفذه إلى الرىّ ليكتب له ويصدر عن رأيه ومشورته، فلما ولى الخلافة استوزره وفوّض إليه الدواوين، حتى إذا كانت سنة ١٦٣ صرفه عن وزارته واقتصر به على ديوان الرسائل وما زال يليه حتى سنة ١٦٧. ثم صرفه المهدى عنه أيضا، ولم يلبث أن توفى سنة ١٧٠ للهجرة. وكان غزير العلم جذاب الحديث بارعا فى القول، ومن طريف ما رواه له الجاحظ قوله: «التماس السلامة بالسكوت أولى من التماس الحظ بالكلام، وقمع نخوة الشرف أشد من قمع بطر الغنى، والصبر على حقوق النعمة أصعب من الصبر على ألم الحاجة، وذل الفقر قاهر لعز الصبر، كما أن عز الغنى مانع من الإنصاف إلا لمن كان فى غريزته فضل كرم وفى أعراقه مناسبة لعلو الهمة (٢)». وكان أهل الخراج يعذّبون بصنوف من العذاب: من السباع والزنانير والسنانير، فكتب إلى جميع العمال برفع العذاب عنهم. وقد اشتهر ببراعته فى التحميدات التى كانت تصدّر بها الرسائل والكتب من مثل قوله (٣): «الحمد لله الذى جعل الإسلام رحمة قدّمها لعباده قبل خلقه إياهم واستيجابهم إياها منه، فاصطفاه لنفسه وشرعه لهم دينا يدينون به، ثم جعل تجديد وحيه ومتابعة رسله رحمة تلافاهم بها بعد تقديمها ومنّة ظاهره، عليهم قبل استيجابهم لها، تطولا على العباد بالنعماء، وإعذارا إليهم بالحجج وتقدمة بالوعد وإنذارا إليهم عواقب سخطه فى المعاد. والحمد لله الذى ابتعث محمدا ﷺ بهداه وشرائع حقه على فترة من الرسل وطموس من معالم الحق ودروس من سبل الهدى، عند الوقت الذى بلغ فى سابق علمه ومقاديره أن يجتبى فيه لدينه الأصفياء، ويختار له لأولياء، الظاهرين بحقه القاهرين لمن ابتغى

стр. 1375

سبيلا غير سبيله، فعظّم حرمته ووسع حورته وصدع بأمره وجاهد عن حقه فى حومات الضلالة وظلمات الكفر بالحق المبين والسراج المنير، ثم جعله مصدقا لمن سبقه من الرسل ومجددا لما بعثوا له وهدى ورحمة» ومن البلغاء المجيدين الذين كتبوا له فى دواوينه إسماعيل بن صبيح ومطرّف (١) ابن أبى مطرف العبدى الذى كان يتقلد ديوان الخراج، ويظهر أن أبا عبيد الله كان يستعين به من حين إلى حين فى كتابة بعض الرسائل الديوانية، فمما أثر له رسالة إلى بعض العمال كلها إعذار وإنذار على هذه الشاكلة (٢): «أما بعد فإن الله حبّب إلى كل مسلم شعبة من دينه، فمنهم من حبّب إليه الصلاة فهو قانت آناء الليل ساحدا وقائما، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، ومنهم من حبّب إليه الزكاة فهو ينفق ماله بالليل والنهار سرّا وعلانية ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم، ومنهم من حبّب إليه الجهاد فهو بين المسلمين وبين عدوهم يذبّ عن حريمهم ويقاتل من دونهم وفاء بعهد الله وتسليما لبيعة الله، فأما الراسخون فى العلم ممن قد عرف سيرتك، وما أبدى لهم الله من سريرتك. . . فهم يعرضونك على الله فى أدبار السجود وعند إدبار النجوم ويسألونه بآلائه مخلصين وبأسمائه ملحفين أن يصيبك بعذاب من عنده أو بأيديهم، لما استحلّت جنودك من سفك الدماء، وأباحت رسلك من حرم النساء، ولظلمك اليتامى وافترائك على ذوى القربى وتعريضك إياهم فى فتوحك للعقاب والهلكة والخلاف والمعصية. فويل لك ولكتابك مما كتبت أيديكم وويل لكم مما تكسبون، وقد وردت كتبك-بحمد الله-من أمير المؤمنين-على حلم لا يوهنه الغضب وعلى عمل لا يغيره الكذب وعلى إيمان لا يستخفّه الذين لا يوقنون». وواضح كثرة اقتباساته من ألفاظ الذكر الحكيم، من مثل قوله تعالى: (﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً)﴾ وقوله: (﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً)﴾ وقوله: (﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ﴾

стр. 1376

﴿اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ. .)﴾ وقوله: (﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ)﴾ ﴿(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ)﴾ وقوله: (﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا)﴾ وقوله جل ذكره: (﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ).﴾ وقد توفى مطرّف سنة ١٦٤ للهجرة وكان له ابن كاتب يسمى عمر (١) تقلد ديوان المشرق للمهدى والهادى وقلّده الرشيد ديوان الأزمّة. ومن الكتاب الذين اشتهروا بالبلاغة فى عصر المهدى، وربما لحقته هذه الشهرة فى عصر المنصور محمد (٢) بن حجر كاتب ولاة أرمينية والشام، واتخذه العباس بن محمد أخو المنصور كاتبا له، ولعله تعرف عليه فى أثناء نهوضه بقيادة الجيوش فى غزو الروم، وقد كتب عنه رسالة إلى المهدى حين جعل ابنه الرشيد ولى عهده بعد أخيه الهادى سنة ١٦٣ وفيها يوثّق البيعة لولى العهد الجديد على هذا النمط (٣): «قد أتتنا بيعة هرون على حين ظمأ إليها وتطلّع نحوها، فتبادرتها أكفّنا، وأسرع إليها شاهدنا وغائبنا وبايعنا بيعة رضوان من الله بصحة من نيّاتنا وسلامة من صدورنا، مستبشرين ببيعتنا راغبين فيما صفقت (٤) عليه أيماننا، عارفين بأنها مفتتح نعمة ومقدمة فضيلة ودرجة فى الخير رفيعة مقدمين للسرور بها نصح الجيوب (٥) باذلين للرجاء فيها ثمار القلوب». ونمضى إلى عصر الرشيد، ويلقانا يحيى (٦) البرمكى، أحد من جمع جمعا رائعا بين ثقافة العرب وثقافة الفرس، وكان قلده المهدى الكتابة لابنه، منذ جعله ولىّ عهده، والقيام على نفقاته وتدبير أمر الجيوش التى كان يقودها الرشيد ضد الروم. وحسن أثره عنده إلى أقصى غاية حتى إذا ولى الخلافة قلده أمور الرعية وسلمه خاتم الخلافة يأمر وينهى كما يشاء ويستعمل على الولايات والأعمال

стр. 1377

ويعزل كما يريد، ولم يلبث الرشيد أن ولى ابنه جعفرا على المغرب كله من الأنبار إلى إفريقية وولّى ابنه الفضل على المشرق كله من النهروان إلى أقصى بلاد الترك، وسبق أن تحدثنا عن ذلك كله فى الفصل الأول من فصول هذا الجزء، ومضى ما نهض به البرامكة فى الشئون الإدارية والثقافية إلى أن نكبهم الرشيد فى سنة ١٨٧ للهجرة إذ أمر بقتل جعفر وحبس أبيه وأخيه الفضل حتى ماتا فى الحبس. وكان يحيى سيوسا حصيفا دقيق الحس مهذب الذوق رقيق الشعور. وحوّل مجلسه كما أسلفنا إلى ندوة علمية أدبية كبرى يتحاور فيها كبار العلماء من كل صنف. وكان آية فى البلاغة والإيجاز، وتوقف الجهشيارى مرارا ليروى بعض المأثور من كلامه من مثل قوله: «البلاغة أن تكلم كلّ قوم بما يفهمون» وقوله لجعفر ابنه: «يا بنى انتق من كل علم شيئا فإنه من جهل شيئا عاداه وأنا أكره أن تكون عدوّا لشئ من الأدب» وقوله: «الناس يكتبون أحسن ما يسمعون ويحفظون أحسن ما يكتبون، ويتحدثون بأحسن ما يحفظون» وقوله: «العجب للسلطان كيف يحسن، ولو أساء كل الإساءة لوجد من يزكّيه ويشهد بأنه محسن» وقوله: «لست ترى أحدا تكبّر فى إمارة إلا وقد دل على أن الذى نال فوق قدره، ولست ترى أحدا تواضع فى إمارة إلا وهو فى نفسه أكبر مما نال فى سلطانه». وكتب إلى الرشيد لما نكبه وسجنه رسالة بليغة، وفيها يقول (١): «من شخص أسلمته ذنوبه وأوثقته عيوبه، وخذله شقيقه، ورفضه صديقه. ومال به الزمان، ونزل به الحدثان (٢)، فحلّ فى الضيق بعد السعة وعالج البؤس بعد الدّعة، وافترش السخط بعد الرضا، واكتحل السهاد بعد الهجود (٣). ساعته شهر، وليلته دهر، قد عاين الموت، وشارف الفوت، جزعا لموجدتك يا أمير المؤمنين وأسفا على ما فات من قربك».

стр. 1378

وفى هذه العبارات المحبوكة المسجوعة ما يدل على عناية يحيى بتعبيره وحوكه الفنى، ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن البرامكة كانوا من أهم العوامل فى شيوع السجع فى الكتابة الديوانية، وحقا أنه لا يطرد دائما فى كتاباتهم، ولكن نحس ميلهم الواضح له هم وبعض كتابهم ومن كانوا يكتبون إليهم. وكان جعفر (١) لا يقل عن أبيه بيانا وفصاحة وبلاغة، إن لم يتقدم فى ذلك خطوات، وكان مثقفا بمعارف عصره ثقافة واسعة وضمّه أبوه إلى أبى يوسف القاضى فعلّمه وفقّهه حتى صار نادرة زمنه. وحظى عند الرشيد حظوة كبيرة لم ينلها أحد قبله، حتى قتله سنة ١٨٧ لما ثبت عنده من إطلاقه يحيى بن عبد الله العلوىّ من سجنه، على نحو ما مر بنا فى الفصل الأول. وكانت تضرب ببلاغته الأمثال ووصفه ثمامة بن أشرس فقال: «قد جمع الهدوء والتمهل والجزالة والحلاوة وإفهاما يغنيه عن الإعادة، ولو كان فى الأرض ناطق يستغنى بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفر عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة (٢)». ومن رسالة له فى العفو إلى أحد عماله (٣): «عندنا الاغتفار لما اقترفت، وتصديق كل ما قلت، واحتججت بذكره، واعتذرت بوصفه، والإسقاط لما جحدته، والإكذاب للجور الذى اقترفته، والرجوع عما أنكرته، والزيادة فيما اخترته، استدعاء لك وإن انصرفت، وحياطة لما قدمت وإن ذممت، وإيثارا للإغضاء والاحتمال فإنهما أبلغ فى الإصلاح، وأنجع فى الاستنجاح، وأسرع فى التعليم، وأكبر فى التقويم، إن احتيج إليه فى مثلك ممن تؤمن عليه قريحته، وترده إلى الاستقامة تجربته» والرساله مبنية على السجع، وكان جعفر يؤثره فى كتاباته، مبالغة منه فى التأنق والتنميق، وهو تنميق كان يطلبه فى كل ما يتصل به حتى فى ثيابه (٤). وكثير هم الكتاب البلغاء الذين كتبوا فى دواوين الرشيد والبرامكة وفى مقدمتهم

стр. 1379

إسماعيل (١) بن صبيح وكان يكتب فى أول حياته لأبى عبيد الله معاوية بن عبيد الله ابن يسار وزير المهدى ورئيس دواوينه، ولما ألحق المهدى يحيى البرمكى بابنه الرشيد اتخذه كاتبه، حتى إذا ولى الهادى توسط له عند وزيره إبراهيم الحرانى فقلده ديوان زمام الشام وما يليها، ولما صارت الأمور بيد يحيى فى عصر الرشيد قلده ديوان الخراج، ولم يلبث أن قلده ديوان الرسائل، وظلّ على هذا الديوان مدة فى عصر الأمين. ومما يؤثر له رسالة عن الرشيد إلى جميع العمال بما عقد بين ولديه الأمين والمأمون من العهد بعده وتعليق هذا العهد فى بيت الله الحرام، وفيها يقول (٢): «قد كان من نعمة الله عند أمير المؤمنين وعندك وعند عوامّ المسلمين ما تولى الله من محمد وعبد الله ابنى أمير المؤمنين من تبليغه بهما أحسن ما أمّلت الأمة ومدّت إليه أعناقها. وقذف الله لهما فى قلوب العامة من المحبة والمودة والسكون إليهما والثقة بهما لعماد دينهم، وقوام أمورهم، وجمع ألفتهم، وصلاح دهمائهم، ودفع المحذور والمكروه من الشتات والفرقة عنهم، حتى ألقوا إليهما أزمّتهم وأعطوهما بيعتهم وصفقات أيمانهم بالعهود والمواثيق ووكيد الأيمان المغلّظة عليهم، أراد الله فلم يكن له مردّ، وأمضاه فلم يقدر أحد من العباد على نقضه ولا إزالته، ولا على صرف له عن محبته ومشيئته، وما سبق فى علمه منه. وأمير المؤمنين يرجو تمام النعمة عليه وعليهما فى ذلك وعلى الأمة كافة، لا عاقب لأمر الله ولا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه». ومن الكتّاب البلغاء الذين اتصل عملهم فى الدواوين من عهد المنصور حتى هذا العهد يوسف بن صبيح، وقد عرضنا له آنفا، وفى الجهشيارى أن يحيى البرمكى أمره بالكتابة إلى الآفاق بتولية الرشيد (٣)، وفى الأوراق للصولى رسالة له عن الفضل بن يحيى فى حاجة لشخص إلى أحد العمال، وهى تجرى على هذه الشاكلة (٤).

стр. 1380

«فلان قد استغنى باصطناعك إياه عن تحريكى لك بأمره، لأن الصنيعة حرّمة المصطنع ووسيلة إلى مصطنعه سيّما عند من يحسن الصنيعة ويستتمها، مستثبتا للشكر عليها والثناء الجميل بها، بسط الله بالخير يديك، ووصل به أسبابك وأعانك عليه وجعلك من أهله». ومن الكتاب المفوّهين حينئذ محمد بن الليث، وفيه يقول صاحب الفهرست: «كتب ليحيى بن خالد. . ويعرف بالفقيه وكان بليغا مترسلا كاتبا فقيها متكلما بارعا (١)». ومن أروع ما أثر عنه رسالته (٢) التى كتبها للرشيد إلى قسطنطين السادس إمبراطور بيزنطة، وهى تمتد إلى نحو سبعين صحيفة، وفيها يدعوه الرشيد إلى الإسلام، وقد أفاض ابن الليث فى وصف رسالة الرسول ﷺ وما طوى فيها من الهدى للبشر وإنقاذهم من ظلمة الضلال، كما أفاض فى وحدانية الله ورسالات الأنبياء وهيمنة الإسلام وسلطانه على تلك الرسالات والرسالة أشبه بدفاع قوى عن الإسلام وشريعته، وكأن ابن الليث استمد فيها كثيرا مما كان يجادل به المتكلمون النصارى وأصحاب الملل والنحل من حوله. وهو تارة يجادل بالمنطق وتارة يجادل بآيات الرسالة الباهرة، ناقضا ما يردده الرهبان من أن عيسى ابن الله وما يكررونه من نظرية الأب والابن والروح القدس، مناقشا فى ثنايا ذلك آيات من الإنجيل ومن العهد القديم، وملوّحا بما سينزله الرشيد فى ديارهم من خراب ودمار، وأن الروم لو تابعوه لعمّ مساكينهم وزرّاعهم وفقراءهم وضعفاءهم من العدل ما يجعلهم يعيشون فى أمن وسلام، ولذاقوا لذة الخفض ودعة الحال ورفاهية العيش والرخاء، ولاستقاموا على الشريعة الصحيحة والتوحيد القويم. ويروى الرواة أن جعفر بن يحيى كتب إلى محمد بن الليث يستوصفه الحطّ، فكتب إليه رسالة بديعة فى الخط والقلم على هذا النمط (٣): «أما بعد فليكن قلمك بحريّا، لا متينا ولا رقيقا ما بين الرقة والغلظ، ضيق الثقب، وابره بريا مستويا كمنقار الحمامة، واعطف بطنه ورقّق شفتيه، وليكن مدادك فارسيّا خفيفا إذا وزنته، وانقعه ليلة، ثم صفّه فى

стр. 1381

الدّواة، وليكن قرطاسك رقيقا مستوى النّسج، تخرج السّحاة (١) مستوية من أحد الطرفين إلى آخره، فليست تستقيم السطور إلا فيما كان كذلك، وليكن أكثر تمطيطك فى طرف القرطاس الذى فى يسارك، وأقله فى الوسط، ولا تمطّ فى الطرف الآخر، ولا تمط كلمة ثلاثة أحرف ولا أربعة، ولا تترك الأخرى بغير مطّ، فإنك إذا قرنت القليل كان قبيحا، وإذا جمعت الكثير كان سمجا. ثم ابتدئ الألف برأس القلم كله واخططه بعرضه واختمه بأسفله. واكتب الياء والتاء والسين والشين والمطّة العليا من الصاد والضاد والطاء والظاء والكاف والعين والغين ورأس كل مرسل برأس القلم. واكتب الجيم والحاء والخاء والدال والذال والراء والمطة السفلى من الصاد والضاد والطاء والظاء والكاف والعين والغين بالسن السفلى من القلم. وامطط بعرض القلم، والمط نصف الخط، ولا يقوى عليه إلا العاقل، ولا أحسب العاقل يقوى عليه أيضا إلا بالنظر إلى اليد فى استعمالها الحركة، والسلام». وإنما نقلنا هذه الرسالة بطولها، لندل على مدى احتفال الكتاب باختيار الأقلام وبجودة الخط، حتى تجرى الأقلام فى القراطيس جريان لماء، وحتى يروع الخط برونقه وبهائه، وحتى الحروف ومطاتها العليا والسفلى، كل ذلك يكتب بقسطاس. ولا بد من أن تكون السطور معتدلة متناسقة، وقطع القراطيس مقطوعة بانتظام، حسنة النسج والهندام، ولا بد للكاتب من أن يراعى مواضع سنّ القلم من كتابة الحروف، ولا بد من أن يراعى التوازن فى مدات هذه الحروف ومطاتها. وبأيدى محمد بن الليث وغيره من الكتاب فى العصر العباسى تطوّر الخط العربى وارتقت صناعته رقيا بعيدا، وهو رقى كان يرافق احتفالهم بألفاظهم وأساليبهم ومعانيهم حتى تصبح الكتابة كأنها وشى خالص، وشى فى العين، ووشى فى السمع، ووشى فى العقل والذهن. وكان يكتب لجعفر بن يحيى البرمكى أنس بن أبى شيخ، وقد سلكه ابن النديم فى البلغاء العشرة الأول فى العصر، وفيه يقول الجاحظ: «كان زكيا فهما نفى الألفاظ جيد المعانى حسن البلاغة (٢)» وعدّه الرشيد شريك جعفر

стр. 1382

فى إثمه، فلماذا أذاقه نفس المصير وصلبه. ويؤثر من تحميداته قوله (١): «الحمد لله الذى بالقلوب معرفته، وبالعقول حجّته، الذى بعث محمدا صلى الله عليه أمينا فوفّى له، ومبلّغا فأدّى عنه، فحجّ به المنكر، وتألّف به المدبر، وثبّت به المستبصر، إلى أن توفّاه على منهاج طاعته، وشريعة دينه ثم أورثكم عهده، وخصّكم بكلمة التقوى، وجعلكم الأمة الوسطى». والسجع واضح فى هذا التحميد، ولعل فى ذلك ما يؤكد من بعض الوجوه ما قلنا من أن البرامكة أشاعوا فى كتّاب دواوينهم ذوق التسجيع، وإن لم يطّرد فى جميع رسائلهم وآثارهم، لكنه على كل حال أخذ يشيع فى كتاباتهم، وقد عمل فى دواوينهم ودواوين الرشيد كثير من الكتّاب الذين لمعت أسماؤهم فيما بعد مثل الفضل بن سهل وأخيه الحسن ومثل سهل بن هرون وعمرو بن مسعدة. ومن الكتاب الذين اشتهروا فى عهد الرشيد قمامة بن أبى يزيد، وكان يكتب أولا لصالح (٢) بن على، ثم أصبح كاتبا للقاسم (٣) بن الرشيد، ثم اختص بعبد الملك بن صالح والى الرشيد على الجزيرة والشام ومصر. وسعى على عبد الملك إلى الرشيد وثبت كذبه فقتله صبرا سنة ١٧٨ للهجرة. وكان لسنا فصيحا بليغا، ومما أثر له قوله من رسالة وجهها-فيما يبدو-عن عبد الملك بن صالح إلى الرشيد (٤): «كل ما قبلنا وما يتناهى إلينا من ثغور أمير المؤمنين وأطرافه وبلاده أقصاها وأدناها فى صلاح ذلك كله واستقامته وهدوئه على أفضل ما عوّد الله أمير المؤمنين فيه العلوّ والعافية، وأنا أحتذى فيه من أمير المؤمنين أمرين: إما تقدمة عرّفنى فيها رأيه فأنا ألزمها ولا أعدل عنها، وأما أثر قد نهجه أمير المؤمنين فأنا أركبه وأتبعه ولا أفارقه. فعلى هذا-بحول الله-قوتى ومعتمدى، قد كفى الله به فى الهداية، وأعطى فيه الخير والمنّ والسعادة، فله الحمد والشكر». وممن عرفوا لعصر الرشيد بالكتابة البليغة جعفر بن محمد بن الأشعث، وكان

стр. 1383

الرشيد جعل ابنه الأمين فى حجره ثم جعله فى حجر الفضل (١) بن يحيى البرمكى، وولاه على خراسان ثم صرفه عنها سنة ١٧٣ للهجرة (٢)، ولعله لذلك كله كان يضطغن على يحيى البرمكى ويروى أن يحيى حاول أن يسند إليه بعض الأعمال فكتب إليه يستعفيه برسالة يقول فيها (٣): «شكرى لك على ما أسألك الخروج منه شكر من نال الدخول فيه، فأما عذرى فى تطويل الكتاب إليك فلم يذهب. على أن وجوه الحوائج قد يكثر الكلام فيها وتشتد قراءتها، وإن من الحق على الراغب الاكتفاء ببعض ما بلغ، وإن نفسى جاشت بعظم حاجتها». ومن الكتّاب لعصر الرشيد أيضا عمر بن مهران كاتب (٤) الخيزران أم الرشيد، وقد ولاه الرشيد على خراج مصر سنة ١٧٦ للهجرة وكان بعض أهلها قد اعتادوا المطل بالخراج وكسره، فأحضر عمر أشدهم مدافعة وإلطاطا (٥) فاستمهله مدة، فأمهله، ثم طالبه ثانية، فأقسم عمر أن لا يؤديه إلا ببغداد. وسرعان ما قدم له الخراج فلم يقبله منه، وحمله إلى بغداد فأدّى الخراج بها، وخاف الماطلون، فأدّوا خراجهم، وكتب عمر مع الرجل إلى الرشيد (٦): «إنى دعوت بفلان وطالبته بما عليه من الخراج فلوانى واستنظرنى (٧)، فأنظرته ثم دعوته فدافع ومال إلى طاط؟ ؟ ؟ ، فآليت أن لا يؤديه إلا فى بيت المال بمدينة السلام، وجملة ما عليه كذا وكذا وقد أنفذته مع فلان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إلىّ بوصوله فعل إن شاء الله». ونخرج إلى عصر الأمين، ويتولى وزارته ورياسة دواوينه الفضل بن الربيع، ويظل إسماعيل بن صبيح على ديوان الرسائل، ويروى الطبرى أنه لما عزم الأمين على خلع المأمون أشار عليه إسماعيل أن يكتب إليه بحاجته له للاستعانة برأيه ويسأله القدوم عليه، فقال الفضل للأمين: القول ما قال يا أمير المؤمنين، قال

стр. 1384

الأمين فليكتب بما رأى، فكتب إليه الرسالة التالية (١): «من عند الأمين محمد أمير المؤمنين إلى عبد الله بن هرون أمير المؤمنين، أما بعد فإن أمير المؤمنين روّى (٢) فى أمرك والموضع الذى أنت فيه من ثغرك وما يؤمل فى قربك من المعاونة والمكانفة (٣) على ما حمّله الله وقلّده من أمور عباده وبلاده، وفكر فيما كان أمير المؤمنين الرشيد أوجب لك من الولاية وأمر به من إقرارك على ما تصيّر إليك منها. ورجا أمير المؤمنين أن لا يدخل عليه وكف (٤) فى دينه، ولا نكث فى يمينه إذ كان إشخاصه إياك فيما يعود على المسلمين نفعه، ويصل إلى عامتهم صلاحه وفضله. وعلم أمير المؤمنين أن مكانك بالقرب منه أسدّ للثغور، وأصلح للجنود، وآكد للفيئ، وأردّ على العامة، من مقامك ببلاد خراسان، منقطعا عن أهل بيتك، متغيبا عن أمير المؤمنين وما يجب الاستمتاع به من رأيك وتدبيرك. . فاقدم على أمير المؤمنين على بركة الله وعونه، بأبسط أمل، وأفسح رجاء، وأحمد عاقبة، وأنفذ بصيرة، فإنك أولى من استعان به أمير المؤمنين على أموره، واحتمل عنه النّصب فيما فيه صلاح أهل بيته وذمته، والسلام. والرسالة تحمل خصائص إسماعيل وما كان يعنى به فى كتابته من إجادة القول وإتقانه، وهى إجادة تردّ إلى دقته فى اختيار الألفاظ والصياغات بحيث تصبح مظهرا للجمال الفنى الأدبى، وبحيث يجد فيها السامع من لذة الكلام ما يمتعه ويروعه. ومن الكتّاب البلغاء الذين عملوا فى دواوين الأمين موسى (٥) بن عيسى بن يزدانيروذ، وقد احتفظ ابن طيفور برسالة له إلى الأمين يتحدث فيها عن موسم الحج وسلامته ودعته، وهى تجرى على هذا النمط (٦) «أما بعد فإن الله بحمده ومنّه هو ولىّ أمير المؤمنين وولىّ النعمة عليه فيما حمّله واستحفظه، وجعله القائم به والمحافظ عليه، من ولاية دينه ورعاية أهله،

стр. 1385

والمرجوّ لإتمام ذلك بمنّه ورحمته. وإنى كتبت إلى أمير المؤمنين يوم النّفر الأول، وقد قضى الله مناسكنا، وتمّم حجّنا، وأرانا فى مواقفنا وإفاضتنا ومن حضر الحج معنا من رعيّة أمير المؤمنين أفضل ما لم يزل يبلى (١) الله أمير المؤمنين ويعوّده ويبلى الرعية فى خلافته من السلامة والعافية والتوفيق والكفاية، والله المحمود. ولم أر موسما كان أعمّ عافية وسلامة، وأحسن هديا ودعة، وأكثر داعيا لأمير المؤمنين وولىّ عهده بطول البقاء من موسم الناس فى عامهم هذا بنعمة الله وفضله. أحببت الكتاب إلى أمير المؤمنين لمعرفتى بعنايته وتطلعه إلى عمله، ليسسرّ به، ويحمد الله عليه ويشكره، فإنه يحب الشاكرين». وسرعان ما يخلف المأمون الأمين، وفى عصره تبلغ الكتابة الديوانية الذروه المنشودة، فقد تكاثر الكتاب البارعون وتكاثرت آثارهم، واتضح فيها نزعة قوية إلى العناية بالجمال الفنى والتدقيق فى المعانى أشد التدقيق. وأول من نلقاه من هؤلاء الكتاب البارعين الفضل بن سهل وأخوه الحسن وزيرا المأمون، وكان سهل مجوسيّا وأسلم على يد يحيى البرمكى وأصبح من أتباعه، فأحضر له ابنيه الفضل والحسن، فأعجب بهما يحيى وطلب إلى الفضل أن ينقل له كتابا من الفارسية إلى العربية فأعجب بنقله وجودة عبارته ووصله بابنه جعفر ووصل الحسن بابنه الفضل (٢)، ولم يلبث جعفر أن ضمّ الفضل إلى المأمون، فأسلم على يديه وغلب عليه بحصافة رأيه وسعة عقله وبلاغته، حتى إذا أنفذه أبوه إلى مرو أصبح أمر المأمون كله بيده. ولما احتدم النزاع بينه وبين الأمين وخلعه من ولاية العهد قام على تدبير أموره خير قيام، من تنظيم للجيوش بقيادة طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين، ومن حسن سياسة ودقة تصريف لشئون المأمون فى ولايته حتى تم له القضاء على أخيه وصوت له الخلافة. وقد عقد له المأمون فى سنة ١٩٦ والنزاع بينه وبين أخيه على أشده على الشرق طولا وعرضا ولقّبه ذا الرياستين: رياسة السيف ورياسة القلم والتدبير، ويظهر أنه كانت فيه ميول شيعية فقد

стр. 1386

دفع المأمون فى سنة ٢٠١ إلى البيعة بولاية العهد من بعده لعلوى كان يعظمه المأمون ويبجله ويتخذه رفيقا، هو على الرضا، وكتب بذلك إلى الآفاق. فغضب آله العباسيون ببغداد، وبايعوا إبراهيم بن المهدى بالخلافة، فعزم المأمون على المبادرة إلى بغداد، وفى طريقه إليها قتل الفضل بسرخس، وفتك المأمون بقتله، ولم يلبث على الرضا أن توفّى بطوس، وعادت ولاية العهد إلى العباسيين. وتروى للفضل كلمات كثيرة مأثورة، ومما روى له من رسائله الرسالة التالية وقد وجّه بها مع جائزة منحها لبعض خاصّته، وفيها يقول (١): «قد وجهت إليك بجائزة لا أعظمها تكثرا، ولا أقلّلها تجبرا، ولا أقطع لك بعدها رجاء، ولا أستثيبك عليها ثناء». أما الحسن (٢) أخوه فقد ولاه المأمون دواوين الخراج فى سنة ١٩٦ للهجرة، وفى سنة ١٩٩ جعله نائبه فى بغداد، فقدم إليها وفرق عمّاله على البلاد، ولما مات أخوه الفضل اتخذه وزيرا له بعده، حتى إذا تزوج ابنته بوران سنة ٢٠٧ طلب منه أن يعتزل الوزارة، فأعفاه. وظل وافر الحرمة حتى توفى بسرخس سنة ٢٣٦ للهجرة. وكان لا يقلّ عن أخيه لسنا وبلاغة، وله رسالة بديعة كتب بها إلى محمد بن سماعة قاضى بغداد فى اختيار شخص يتولّى بعض أموره وقد وصف له فيها الخصال التى ينبغى أن يشتمل عليها، وهى تجرى فى هذه الصورة (٣): «أما بعد فإنى احتجت لبعض أمورى إلى رجل جامع لخصال الخير ذى عفّة ونزاهة طعمة (٤)، قد هذبته الآداب وأحكمته التجارب، ليس بظنين فى رأيه، ولا بمطعون فى حسبه، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلّد مهمّا من الأمور أجزأ (٥) فيه، له سنّ مع أدب ولسان، تقعده الرزانة، ويسكّنه الحلم، قد فرّ (٦) عن ذكاء وفطنة، وعضّ على قارحة (٧) من الكمال، تكفيه

стр. 1387

اللحظة، وترشده السكتة، قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها وقام فى أمورهم فحمد فيها. له أناة الوزراء، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب الرجال بحلاوة لسانه وحسن بيانه، دلائل الفضل عليه لائحة، وأمارات العلم له شاهدة، مضطلعا (١) بما استنهض، مستقلا (٢) بما حمل. وقد آثرتك بطلبه، وحبوتك بارتياده، ثقة بفضل اختيارك، ومعرفة بحسن تأتّيك». وتلك الخصال فى الواقع كانت حينئذ الخصال المنشودة فيمن يتولّون أعمال الدواوين، وخدمة الوززاء والخلفاء، وهى ترينا ما كان يطلب فى الكاتب من ثقافة واسعة ومن حصافة وتهذيب فى الذوق وحلم وأناة وذكاء وقدرة على تصريف الأمور وإحسان للجواب ولباقة فى الخطاب وبلاغة فى الكلام بحيث يجذب القلوب والأسماع إليه، بل بحيث يسترق أفئدة الرجال ويستولى على عقولهم استيلاء. ومن الكتّاب الذين طارت شهرتهم فى دواوين المأمون أحمد بن يوسف وعمرو بن مسعدة، وسنتحدث عنهما فى الفصل التالى، وكان وراءهما كثيرون لم يبلغوا مبلغهما فى الشهرة، منهم محمد بن يزداد «وكان بليغا مترسلا شاعرا» وله رسائل مجموعة (٣)، ومنهم محمد (٤) بن سعيد، ومنهم على بن عبيدة الريحانى الكاتب وكان أديبا فصيحا بليغا صنّف الكتب فى الحكم والأمثال واختصّ بالمأمون (٥). وفى مقدمة القواد والولاة الذين اشتهروا بالكتابة البليغة فى عصر المأمون طاهر (٦) بن الحسين، وهو الذى قاد جيوش المأمون ضد أخيه الأمين وحاصره ببغداد حتى ظفر به وقتله فى سنة ١٩٨ للهجرة. وولاه المأمون خراسان والمشرق سنة ٢٠٥ ولم يلبث أن توفى سنة ٢٠٧، وله وصية طويلة كتب بها إلى ابنه عبد الله حين ولاه المأمون الرّقة سنة ٢٠٦ وهى أشبه بدستور للحكم القويم والحاكم الرشيد، وقد وزعها بين ما يجب على الحاكم فى دينه وخلقه وما يجب عليه فى

стр. 1388

سيرته مع حاشيته وخاصته ومع الجند والرعية، استهلها بحديثه عما ينبغى على ابنه من تقوى الله وطاعته والأخذ بسنة رسوله واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده، ثم نصحه بالاقتصاد فى أموره وعدم الريبة فى عماله مع المسألة عن شئونهم، وأمره بالحياطة للرعية وإقامة حدود الله، والنظر فى استصلاح العامة وعمارة ديارهم وبلادهم وانتظام معايشهم، كما أمره بتفقد الجند ورواتبهم والعناية بهم وبالقضاء الذى به يستقيم العدل والأمن، والعناية بالخراج وعدم الشطط فى تقديره، والعناية بأمور الفقراء والمساكين بتعاهد ذوى البؤس منهم واتخاذ دور يأوى إليها فقراؤهم وأطباء يعالجون أسقامهم، مع العمل بشريعة الله، ومع تصفح الأعمال والعمّال وما ينبغى أن يكونوا عليه من العون فى سياسة أمير المؤمنين، ومن قوله فى تضاعيفها (١): «اعلم أنك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا، وإنما سمّى أهل عملك ورعيتك لأنك راعيهم وقيّمهم تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم وتنفقه فى قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم، فاستعمل عليهم فى كور عملك ذوى الرأى والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالرياسة والعفاف ووسّع عليهم فى الرزق فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت وأسند إليك، ولا يشغلنّك عنه شاغل، ولا يصرفنّك عنه صارف، فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة فى عملك واحترزت النّصحة من رعيتك وأعنت على الصلاح فدرّت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب فى كورك، فكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك على ارتباط جندك وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم عن نفسك وكنت محمود السياسة مرضىّ العدل. . واستعمل الحزم فى كل ما أردت، وباشر بعد عون الله بالقوة، وأكثر استخارة ربك فى جميع أمورك وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك، وأكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذى أخرت، واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، فإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك حتى تعرض عنه،

стр. 1389

فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك وأحكمت أمور سلطانك» وشاعت هذه الوصية فى الناس، فكتبوها وتدارسوها، وسمع بها المأمون، فطلبها، ولما قرأها قال ما أبقى طاهر شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأى والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه وأوصى به. وأمر أن تكتب منها نسخ وترسل إلى جميع العمال فى نواحى الأعمال. وكان ابنه عبد الله (١) بارع الآداب حسن الشعر، وقد عنى بتأديبه فى صغره، واختلافه إلى حلقات المحدثين والفقهاء، وكانت فيه نزعة قوية إلى الفنون، فلم يكتف بالشعر، بل حذق بجانبه الموسيقى، وروى أبو الفرج أصواتا تؤثر له. وقلده المأمون الأعمال الجليلة، فجلّى فيها، وكان أول ما قلّده الجزيرة والرقة، فقمع المفسدين فيهما، ثم ولاه مصر سنة إحدى عشرة ومائتين فلمّ ما كان بها من شعث ومهّدها ورتب شئونها، حتى إذا انتظمت أمورها غادرها سنة اثنتى عشرة ومائتين مستخلفا عليها عيسى بن يزيد الجلودى. وتوفى أخوه طلحة والى خراسان فولاه المأمون عليها سنة ٢١٣ وظلت له ولايتها حتى توفى سنة ٢٣٠. وكان بحرا فياضا، كما كان كاتبا بارعا، وله أمان طريف (٢) كتبه فى ولايته على الجزيرة لنصر بن شبث حين ضيّق عليه وعاذ بالأمان وطلبه، ويقال إنه لم يطلبه إلا بعد أن كتب إليه وقد اعتصم منه بأحد الحصون (٣) «اعتصامك بالقلال (٤)، قيّد عزمك عن القتال، والتجاؤك إلى الحصون، ليس ينجيك من المنون، ولست بمفلت من أمير المؤمنين فإما فارس مطاعن أو راجل مستأمن». فلما قرأ هذه الرسالة حصره الرعب عن الجواب، فلم يلبث أن طلب الأمان وخرج من حصنه إلى عبد الله بن طاهر مستأمنا صاغرا، فوجّه به إلى بغداد. ونمضى إلى عصر المعتصم والواثق، وفيه يتألق فى الكتابة البليغة اسم ابن

стр. 1390

الزيات وزيرهما، وسنخصه بحديث مفصل فى الفصل التالى، وممن اشتهر ببلاغته حينئذ إبراهيم بن العباس الصولى، وقد عمل فى دواوين المأمون ووزيره الحسن بن سهل، وتولى الأهواز حينا من الزمن وعزله عنها ابن الزيات، فوجّه إليه باستعطافات طريفة، ونحن نؤخر الحديث عنه إلى العصر العباسى الثانى، إذ تولى ديوان الرسائل فيه للمتوكل وكتب عنه كثيرا، مما يجعله أحق بوضعه فيه. وقد تولى ابن الزيات وزارة المعتصم وعلى ديوان الرسائل عبد الله بن الحسن الأصبهانى ويروى صاحب (١) الأغانى أنه كتب عن المعتصم إلى قائده وواليه على أرمينية خالد ابن يزيد بن مزيد: «إن المعتصم أمير المؤمنين ينفخ منك فى غير فحم، ويخاطب امرءا غير ذى فهم». فقال محمد بن عبد الملك الزيات: هذا كلام ساقط سخيف جعل أمير المؤمنين ينفخ بالزّق كأنه حدّاد. وأبطل الكتاب. ثم كتب محمد بن عبد الملك إلى عبد الله بن طاهر: «وأنت تجرى أمرك على الأربح فالاربح، والأرجح فالأرجح، لا تسعى بنقصان، ولا تميل برجحان» فقال عبد الله الأصبهانى: الحمد لله! قد أظهر من سخافة اللفظ ما دل على رجوعه إلى صناعته من التجارة (٢)، بذكره ربح السلع ورجحان الميزان ونقصان الكيل والخسران من رأس المال. فضحك المعتصم وقال: ما أسرع ما انتصف الأصبهانى من محمد، وحقدها عليه ابن الزيات حتى نكبه». واستخدم ابن الزيات بعده على ديوان الرسائل الحسن (٣) بن وهب، وهو من بيت قديم فى الكتابة إذ خدم أجداده فى دواوين الأمويين، جدّا بعد جد، حتى إذا آلت الخلافة إلى العباسيين توالى أجداده يعملون فى دواوينهم. وقد كتب جده سعيد وأبوه وهب للبرامكة، وعمل وهب فى دواوين الفضل بن سهل

стр. 1391

وأخيه الحسن وتوفّى قبل دخول المأمون بغداد، وعمل ابنه سليمان فى دواوين المأمون. ولا نشك فى أن الحسن أخاه هو الآخر اشتغل فى تلك الدواوين، وعرف ابن الزيات حذقه فى الكتابة فأسند إليه ديوان الرسائل، ونهض به خير نهوض، ويقول ابن النديم: «كان شاعرا مترسلا فصيحا وأحد ظرفاء الكتاب، وله ديوان كتاب رسائله». وقد عاش شطرا فى العصر العباسى الثانى، ولكنه أبعد عن الديوان منذ نكبة ابن الزيات لأول عصر المتوكل، ولذلك لم نؤخره إلى هذا العصر، فنشاطه الكتابى إنما كان فى وزارة ابن الزيات وعصر المعتصم والواثق. ومع ذلك ليس بين أيدينا رسائل ديوانية له، سوى ما تبادله مع ابن الزيات فى المودة والتزاور والشكر، وهما تارة يتكاتبان شعرا وتارة يتكاتبان نثرا، وله بجانب ذلك بعض رسائل فى التعزية، ونحن نسوق له رسالة فى الشكر لندل بها على مقدار بلاغته وحسن بيانه، وهى تجرى على هذا النمط (١): «من شكرك على درجة رفعته إليها، أو ثروة أفدته إياها، فإن شكرى لك على مهجة أحييتها وحشاشة (٢) أبقيتها، ورمق أمسكت به وقمت بين التلف وبينه، فلكل نعمة من نعم الدنيا حد ينتهى إليه، ومدى يوقف عنده، وغاية من الشكر يسمو إليها الطرف، خلا هذه النعمة التى قد فاقت الوصف، وطالت الشكر وتجاوزت كل قدر، وأنت من وراء كل غاية. رددت عنا كيد العدو، وأرغمت أنف الحسود، فنحن نلجأ منك إلى ظل ظليل وكنف كريم، فكيف يشكر الشاكر وأنّى يبلغ جهد المجتهد». ولم نتحدث حتى الآن عن التوقيعات، وهى عبارات موجزة بليغة، تعودّ ملوك الفرس ووزراؤهم أن يوقّعوا بها على ما يقدّم إليهم من تظلمات الأفراد فى الرعية وشكاواهم، وحاكاهم خلفاء بنى العباس ووزراؤهم فى هذا الصنيع، وكانت تشيع فى الناس ويكتبها الكتّاب ويتحفظونها، وقد سموا الشكاوى والظلامات بالقصص لما تحكى من قصة الشاكى وظلامته، وسموها بالرقاع تشبيها لها برقاع الثياب. ودارت فى الكتب الأدبية توقيعات كثيرة أثرت لكل خليفة عباسى وكل وزير خطير، من ذلك توقيع السفاح فى كتاب جماعة من

стр. 1392

بطانته يشكون احتباس أرزاقهم: «من صبر فى الشدة شارك فى النعمة (١)، وتوقيع المنصور على شكوى لأهل الكوفة من عاملهم «كما تكونون يؤمّر عليكم (٢)» وتوقيع المهدى لشاعر: «أسرفت فى مديحك فقصّرنا فى حبائك (٣)» وتوقيع الرشيد على رسالة لوالى خراسان: «داو جرحك لا يتسع (٤)» وتوقيع المأمون على قصة متظلم: «ليس بين الحق والباطل قرابة (٥)». ولعل وزيرا لم يبرع فى التوقيعات براعة جعفر بن يحيى البرمكى «وكان إذا وقّع نسخت توقيعاته وتدورست بلاغاته» وحكى على بن عيسى بن يزدانيروذ أنه جلس للمظالم فوقّع فى ألف قصة ونيف، ثم أخرجت فعرضت على العمال والقضاة والكتّاب وكتّاب الدواوين فما وجد فيها شئ مكرر ولا شئ يخالف الحق (٦)» وقال ابن خلدون: «كان جعفر بن يحيى يوقّع فى القصص بين يدى الرشيد ويرمى بالقصة إلى صاحبها، فكانت توقيعاته يتنافس البلغاء فى تحصيلها للوقوف فيها على أساليب البلاغة وفنونها، حتى قيل إنها كانت تباع كل قصة منها بدينار (٧)» ومما رواه له الجهشيارى من توقيعاته (٨) توقيعه على رقعة لمجوس متظلم من حبسه: «العدوان أوبقه، والتوبة تطلقه» وتوقيعه على كتاب لعلى بن عيسى ابن ماهان يعتذر فيه عن أشياء بلغته عنه: «حبّست إلينا الوفاء الذى أبغضته، وبغّض الغدر الذى أحببته، فما جزاء الأيام أن تحسن ظنك بها وقد رأيت غدراتها ورقعاتها عيانا وإخبارا». واشتهر الفضل بن سهل ذو الرياستين بتوقيعاته البليغة المحكمة، فمن ذلك توقيعه على قصة مظلوم «كفى بالله للمظلوم ناصرا (٩)» وتوقيعه على كتاب لتميم بن خزيمة بن خازم: «الأمور بتمامها والأعمال بخواتيمها والصنائع باستدامتها، وإلى الغاية جرى الجواد، فهناك كشفت الخبرة قناع الشك فحمد السابق وذمّ الساقط (١٠)». وكثيرا ما كانوا يوقعون بآية من الذكر الحكيم أو ببيت من الشعر أو بمثل من الأمثال.

стр. 1393

٥ - الرسائل الإخوانية والأدبية نمت الرسائل الإخوانية فى هذا العصر نموّا واسعا، ونقصد الرسائل التى تصور عواطف الأفراد ومشاعرهم، من رغبة ورهبة ومن مديح وهجاء ومن عتاب واعتذار واستعطاف، ومن تهنئة واستمناح ورثاء أو تعزية، وكانت هذه العواطف تؤدّى فى العصر الأموى بالشعر، وكان من النادر أن تؤدى بالنثر، أما فى هذا العصر فقد زاحم فيها النثر الشعر بمنكب ضخم، وأتاح له ذلك أمران: أولا ظهور طبقة ممتازة من الكتّاب الذين يجيدون فيه إجادة رائعة، وخاصة من كان منهم يكتب فى الدواوين، إذ كانوا يأخذون أنفسهم بثقافة واسعة وكانوا يعنون بتحبير كلامهم وتجويده وحشد كل ما يمكن فيه من عناية فنية، على نحو ما مر بنا آنفا. والأمر الثانى مرونة النثر ويسر تعابيره وقدرته على تصوير المعانى بجميع تفاريعها قدرة لا تتاح للشعر لارتباطه بقواعد موسيقية معقدة من وزن وقافية. وقد طوّع هؤلاء الكتاب الديوانيون أو السياسيون أساليبه ومرّنوها على أن تحمل كثيرا من المعانى الجديدة غير المألوفة. وبذلك كله ثبت النثر للشعر فى التعبير عن العواطف التى طالما عبّر عنها، بل لقد أظهر فى ذلك طواعية لعلها لم تكن تتاح حتى لكبار الشعراء، ومن أجل ذلك رأينا منهم كثيرين يتخذون النثر أداة للتعبير عن مشاعرهم على نحو ما سنرى عند العتّابىّ وأبى العتاهية، وكأنهم وجدوا فيه يسرا فى التعبير وفسحة لعرض بعض المعانى التى يلموّن بها بجميع دقائقها مما لا يستطيع الشعر أداءه. وتدور فى كتب الأدب رسائل إخوانية كثيرة مما دبّجه كتّاب الدواوين والشعراء وغيرهم من الأدباء، فقد تعاور عليها كثيرون، وكل منهم يتأنق فيما يكتب منها ويحاول الإطراف بمعانيه وصياغاته وما يبثّ فيها من مهارته الفنية. وممن كان يعنى بها عناية واسعة فى أوائل هذا العصر ابن المقفع وسنفرد له بعض الصحف فى الفصل التالى، ومنهم محمد بن زياد الحارثى، وهو أخو يحيى بن

стр. 1394

زياد الحارثى رفيق مطيع بن إياس وجيله، وفيه يقول ابن النديم «شاعر مترسل بليغ (١)» وله فى الشكر (٢): «قد يجب على من يتقلب فى ظل كرامتك، ويأوى إلى كنف نعمتك، أن يقول بما هو أولى ويخبر عما هو به مرتهن من شكر بلائك (٣)، وحق نعمتك، فنحن الذين سبقت نعمتك عليهم، وعظمت منتك لديهم، فيما أبليت وأوليت من جميل رأيك، وحسن أثرك، بعطفك وتحنّنك، واستخلاصك إياه مقة وأنسا. . . فى أياد من أياديك عظمت فلا تجحد، ونعم من نعمك شهرت فلا تنكر، ولا يحصى عددها وإن اجتهدنا فى حفظها، ولا نبلغ فى شكرها، وإن دأبنا فى بلوغ تأديته، فقد اعتقدتها منّة علينا، ويدا عندنا، فنحن لك صنيعة ما بقينا وبقى الخلف منا». وكانت ترجمة ابن المقفع للأدب الكبير وما جاء فى كتاباته من حديث عن الإخاء والمودة مادة غزيرة للكتّاب كى يستمدوا منها كل ما يريدون من تصوير الأخوة الحقة والصداقة الصادقة، ويصور ذلك من بعض الوجوه رسالة لجبل بن يزيد إلى بعض إخوانه وهى تجرى على هذا النمط (٤): «اعلم أنى إليك مشوق وأن صلة الإخوان كرم، وخير الصلات ما لم يكن لها وجه إلا الرجاء والحفظ وتجديد المودة وتصحيح الإخاء، فإن الذى يكاتب إخوانه على حال الرغبة. . . إن أحبّ مال به إلى الصحة، وإن شاء وضعه للرغبة، والرغبة أملكهما به. والذى يكاتب إخوانه على حال الضرورة فقد يستقطع الصلة عند الحدث مخافة الملامة من الناس على القطيعة الشّنعاء المشهورة لإخوانه، فإن الذى لا مودة له قد يصل ذلك فى تلك القطيعة بأهل البلاء. والكتاب على مثل حالنا وحالك اليوم شاهد على أن ذلك ليس إلا صحة الإخاء والشوق إلى المحادثة بالكتاب حين لا يلومك اللائمون لمنزلة البلاء تلك اللائمة على التقصير ولا توضع منك الرغبة فى الإطماع. إياك أن تعتلّ بالأشغال أن كنت فى خاصة نفسك، فإن أداء الحق وصلة الأخوان أعظم الخاصة بك خاصة،

стр. 1395

وإنما أمرنا فى كل هذا كأمرك فى الذى تستغنى به من خاصتك تلك التى لنا، فإن لنا مالك، وهذه التى لنا لك، أليس ما سرّنا سرّك، والله يوفقنا وإياك». وواضح أنه يتسع فى تصوير صحة الإخاء، وهو يجعل المتودّدين الملحفين فى الأخوة أصنافا، فمنهم من يطلبها للرغبة، وإخاؤه لذلك مشوب، ومنهم من يطلبها للضرورة وإخاؤه بذلك موقوت، بحيث إذا ألمّ بصاحبه مكروه قطعه القطيعة الشنيعة. ويقول إن إخاءه ليس من هذين الضربين الممقوتين، بل هو إخاء سليم صحيح، ويدعوه أن لا يعتل بشغل عنه بخاصة نفسه وانصرافه إلى بعض شئونه فالإخاء الصادق أخص ما ينبغى له أن يشغل صاحبه ويصرفه عن كل شئ سواه. ومما أكثروا فيه التعازى، وعادة يتحدثون فيها عن نواب المنكوب ببعض أهله على حسن صبره وما ينبغى عليه من التسليم لأمر الله والرضا بقضائه، وقد يعرضون لذم الدنيا وأنها دائما تكدر الصفاء وتنغص السرور، ويروى أن المهدى جزع جزعا شديدا حين ماتت ابنته البانوقة، فأكثر الناس من تعازيه، وكان ممن عزاه إبراهيم بن أبى يحيى الأسلمى بهذه الرسالة الموجزة (١): «أما بعد فإن أحقّ من عرف حق الله عليه فيما أخذ منه من عظّم حق الله عليه فيما أبقى له. واعلم أن الماضى قبلك هو الباقى لك، وأن الباقى بعدك هو المأجور فيك، وأن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه». وكثيرا ما تعاتبوا عتابا رقيقا، وقد يعنفون فى عتابهم، ولكن عنف المتحضر المهذب الذى قد يمسّ ولكنه لا يخدش، ومن رسائلهم الطريفة فى العتاب التى تدل بوضوح على دقة الحس ورهافة الشعور رسالة يوسف بن صبيح إلى محمد بن زياد الحارثى، وفيها يقول (٢): «حفظك الله وحاطك، رأيتك-أكرمك الله-فى خرجتك هذه رغبت عن مواصلتنا بكتبك، وإبلاغنا خبرك، وقطعتنا قطع ذى السّلوة أو أخى الملة (٣)،

стр. 1396

حتى كأنك كنت إلى مفارقتنا مشتاقا، وإلى البعد منا توّاقا، فوقع بعدك بحيث تحبّ من جهتين: إحداهما حلاوة الولاية، والأخرى لذة الراحة منا، فإن يكن ذلك كما رجّيناه قاطعناك مجملين، أو لبسناك على يقين. . وما أدرى ما أقول فى اختيارك ترك الكتب المحدثة عن العتب بالأسرار المفهومة، حتى كأنها محادثة الحضور، على تنائى الدور، والقلوب بها مشاهدة، وإن كانت الأبدان متباعدة، ولئن كذب فيك الرجاء، لقديما عزّ الوفاء، وقد أصبتك من مرارة العتاب بما لا تقيم بعده على قطيعة ولا جفاء، ولا تتوهمن أنى أردت، إعناتك بإعتابى، ولا أن أزرى عليك بكتابى، فإن وصلت فمشكور، وإن قطعت فمعذور، والسلام» وتأنق يوسف وتنميقه ودقته فى التعبير واضح فى تلك الرسالة، وقد تفنّن الكتاب طويلا حينئذ فى صور الاعتذار، ومن رسالة لمحمد بن الليث فى اعتذاره لشخص ظنّ به بعض الظنون الخاطئة دون تبين ولا روية (١): «كيف يسعك أن تأخذنى بظن لو كنت فيه على حقيقة علم لما وسعك أخذى ولا عقابى عليه، ولو كانت العقوبة على الذنب الكامن فى سويداء القلب واسعة لك فى حكم الرّب لكان فيما حجبت الغيوب عن العمل ما ينتقل فى القلوب التى لا تثبت على حال، إلا ريثما يتبعها انتقال ما يدعوك إلى أن تمسك عنى، وتقف، حتى تعرف أيمضى رأى أم ينصرف». وهو يشير إلى معنى نفسى دقيق، وهو أن الخواطر التى تام بالإنسان لا تثبت على حال، ومن أجل ذلك كان الإنسان يتنقل بين لحظات وخواطر متناقضة، ولا يصح أخذ الإنسان بخاطر إلا إذا ثبت فيه وعاش طويلا، فقد يمر به خاطر سريع ويمضى دون أوبة ولا رجعة. ولعل رسالة استعطاف لم تشتهر فى هذا العصر كما اشتهرت رسالة إبراهيم (٢) بن سيابة الشاعر التى استعطف بها يحيى بن خالد البرمكى، وكان قد أنكر منه شيئا، فكتب إليه يترضاه على هذه الشاكله (٣).

стр. 1397

«للأصيد (١) الجواد، الوارى الزناد (٢)، الماجد الأجداد، الوزير الفاضل، الأشمّ (٣) الباذل، اللّباب الحلاحل (٤)، من المستكين المستجير، البائس الضرير فإنى أحمد الله ذا العزة القدير، إليك وإلى الصغير والكبير، بالرحمة العامة، والبركة التامة. أما بعد فاغنم واسلم، واعلم إن كنت تعلم، أنه من يرحم يرحم، ومن يحرم يحرم، ومن يحسن يغنم، ومن يصنع المعروف لا يعدم (٥)، وقد سبق إلىّ، تغضّيك علىّ، واطراحك لى، وغفلتك عنى، بما لا أقوم، له ولا أقعد، ولا أنتبه ولا أرقد، فلست بحىّ صحيح، ولا بميت مستريح، فررت بعد الله منك إليك، وتحملت بك عليك، ولذلك قلت: أسرعت بى حثّا إليك خطائى ... فأناخت بمذنب ذى رجاء (٦) راغب راهب إليك يرجّى ... منك عفوا عنه وفضل عطاء ولعمرى ما من أصرّ ومن تا ... ب مقرّا بذنبه بسواء فإن-رأيت-أراك الله ما تحبّ، وأبقاك فى خير-أن لا تزهد فيما ترى من تضرّعى، وتخشّعى، وتذللى، وتضعّفى، فإن ذلك ليس منى بنحيزة (٧)، ولا طبيعة، ولا على وجه تصيّد تصنّع، وتخدّع (٨)، ولكنه تذلل، وتخشع، وتضرع من غير ضارع (٩) ولا مهين ولا خاشع لمن لا يستحق ذلك إلا لمن التضرع له عزّ ورفعة وشرف» وما إن تلاها يحيى حتى عفا عن جرمه، ورضى عنه ووصله. ويقول الجاحظ إن عامة أهل بغداد كانوا يحفظون هذه الرسالة، إعجابا ببلاغتها، وهى بلاغة تردّ إلى ما أجرى فيها ابن سيابة من هذا السجع الرشيق الذى يدل بوضوح على أن العبارات كانت طيعة على لسانه، بحيث يتصرف فيها كما يريد دون أن

стр. 1398

يستعصى عليه منها شئ، حتى مع ما اختاره لها من ممرّات السجع ودروبه الضيقة. ومن الشعراء الذين جمعوا بين براعتهم فى الشعر والكتابة الإخوانية العتّابى، وقد ترجمنا له بين شعراء العصر النابهين وكانت قدرته فى الكتابة لا تقل عن قدرته فى الشعر، وكان يعمد فيهما جميعا إلى الإيجاز وأن يروع السامع بمعانيه كما يروعه بأساليبه، ومما يصوّر ذلك فى كتابته ما كتب به إلى صديق انتجعه فى أيام شحيحة مجدبة، على هذه الشاكلة (١) «أما بعد أطال الله بقاءك وجعله يمتدّ بك إلى رضوانه والجنة، فإنك كنت عندنا روضة من رياض الكرم تبتهج النفوس بها، وتستريح القلوب إليها، وكنا نعفيها من النّجعة (٢) استتماما لزهرتها، وشفقة على خضرتها، وادخارا لثمرتها، حتى أصابتنا سنة كانت عندى قطعة من سنى يوسف، اشتدّ علينا كلبها (٣)، وغابت قطّتها (٤)، وكذبتنا غيومها، وأخلفتنا بررقها، وفقدنا صالح الإخوان فيها، فانتجعتك (٥)، وأنا بانتجاعى إياك شديد الشفقة عليك، مع علمى بأنك موضع الرائد (٦)، وأنك تغطّى عين الحاسد. والله يعلم أنى ما أعدّك إلا فى حومة (٧) الأهل. واعلم أن الكريم إذا استحيى من إعطاء القليل ولم يمكنه الكثير لم يعرف جوده ولم تظهر همته، وأنا أقول فى ذلك: إذا تكرّهت من بذل القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود بثّ النّوال ولا تمنعك قلّته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود» ويقال إنه بلغ من تأثيره فى صديقه حين قرأ هذه الرسالة الرقيقة أن شاطره ماله حتى أعطاه إحدى نعليه ونصف قيمة خاتمه. وعلى نحو ما كان يقصد فى أشعاره إلى المعانى الدقيقة الطريفة يصوغها فى مقطوعات قلما تجاوزت بيتين

стр. 1399

كان يصنع برسائله، فهو يصوغها غالبا فى عبارات قليلة قد لا تتجاوز سطرين أو ثلاثة، ولكنها مع قلتها تحمل من المعانى والصور النادرة ما يجعلها آية من آيات البلاغة العباسية، فمن ذلك ما كتب به إلى بعض أصحاب السلطان (١). «أما بعد فإن سحائب وعدك قد أبرقت، فليكن وبلها (٢) سالما من علل المطل، والسلام» وهى صورة طريفة عرف كيف يستتمها وكيف يرسمها فى عبارات موجزة رسما يبهر قارئها ويجعله يكرر النظر فيها. ومن ذلك ما كتب به إلى بعض إخوانه يسأله مواصلة مودته بعد جفوة حادثة (٣): «لو اعتصم شوقى إليك بمثل سلوّك عنى لم أبذل وجه الرغبة إليك، ولم أتجشّم مرارة تماديك، ولكن استخفّتنا صبابتنا، فاحتملنا قسوتك، لعظيم قدر مودّتك، وأنت أحق من اقتصّ لصلتنا من جفائه، ولشوقنا من إبطائه». واتسع استخدام الكتّاب للنثر فى كل فنون الشعر، حتى فن الهجاء، بل إن بعض الشعراء كانوا يستخدمونه ويؤثرونه أحيانا على الشعر كما رأينا عند العتّابى وابن سيابة، وكانوا يسلكون فيما يكتبون أحيانا بعض أبيات الشعر من نظمهم أو نظم سواهم، وقد ينثرون معناها قبلها، على نحو ما مرّ بنا آنفا فى رسالة العتّابى. ومن خير ما يصور ذلك رسالة لأبى العتاهية فى هجاء الفضل بن معن بن زائدة، وكان قد استرفده وطلب نواله ببعض شعره، فردّه ردّا غير جميل، مما أغضبه وجعله يكتب إليه بهذه الرسالة (٤): «أما بعد فإنى توسلت إليك فى طلب نائلك (٥) بأسباب الأمل وذرائع الحمد فرارا من الفقر ورجاء للغنى، فازددت بهما بعدا مما فيه تقربت، وقربا مما فيه تبعّدت. وقد قسمت اللائمة (٦) بينى وبينك، لأنى أخطأت فى سؤالك وأخطأت فى منعى، أمرت باليأس من أهل البخل فسألتهم، ونهيت عن منع أهل الرغبة، فمنعتهم، وفى ذلك أقول:

стр. 1400

فررت من الفقر الذى هو مدركى ... إلى بخل محظور النّوال منوع فأعقبنى الحرمان غبّ مطامعى ... كذلك من تلقاه غير قنوع وغير بديع منع ذى البخل ماله ... كما بذل أهل الفضل غير بديع إذا أنت كشّفت الرجال وجدتهم ... لأغراضهم من حافظ ومذيع» ومن يقرن هذه الأبيات الأربعة إلى ما قبلها من النثر يجده أشد لذعا، وأكثر مرونة على أداء الهجاء الذى كان يريده أبو العتاهية، ومرّ بنا أن الشعر كان يسيل على لسانه سيلانا لم يعرف لشاعر فى عصره وأنه لم يكن يجد فيه مشقة ولا جهدا، ومع ذلك فهو لا ينهض عنده بالمعانى العاطفية التى يستطيع النثر أداءها فى يسر وسهولة، مما يدل دلالة واضحة، على أنه رقى فى هذا العصر رقيا واسعا، حتى فى المجال العاطفى الخالص الذى طالما مرنت اللغة على أدائه شعرا، وهو رقى تتزاوج فيه اللذة العقلية بما استنبط الكتّاب من دقائق المعانى، واللذة الشعورية بما استنبطوا من دقائق الأحاسيس والصور وما بثوا فى ألفاظهم من حسن الاختيار للصيغ ومن جمال التقابل بين العبارات والجمل، حتى ليحاول بعض الكتّاب أن يسجع فى كلامه، حتى يصوغه صياغة موسيقية تامة. ومما أكثر الكتاب من الكتابة فيه الدعوة إلى الزيارة لقضاء بعض الوقت فى اللهو أو فى الشراب أو فى سماع المغنين والقيان أو فى المسامرة المستحبة، ومما يصور ذلك من بعض الوجوه دعوة الحسن بن سهل لبعض أصدقائه كى يصطبح (١) معه فى يوم دجن غامت فيه السماء ولم تمطر (٢): «أما ترى تكافؤ الطمع واليأس فى يومنا هذا بقرب المطر وبعده كأنه قول كثيّر: وإنى وتهيامى بعزّة بعد ما ... تخلّيت مما بيننا وتخلّت لكالمرتجى ظلّ الغمامة كلما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت (٣)

стр. 1401

وما أصبحت أمنيتى إلا فى لقائك، فليت حجاب النأى هتك بينى وبينك، ورقعتى هذه وقد دارت زجاجات أوقعت بعقلى ولم تتحيّفه، وبعثت نشاط حركتى للكتاب، فرأيك فى إمطارى سرورا بسارّ خبرك، إذ حرمت السرور بمطر هذا اليوم موفقا إن شاء الله». وعلى نحو ما أكثروا فى طلب الزيارة من الكتب والرسائل أكثروا منها أيضا مع الهدايا التى كانوا يرسلون بها إلى أصدقائهم أو إلى بعض الوزراء وأصحاب السلطان، وكانوا يختارون لها عادة مناسبة مثل عيد من الأعياد أو ختان بعض الأولاد، من ذلك ما يروى من أن يحيى البرمكى عزم على ختان أحد أولاده، فأهدى إليه وجوه الدولة كل منهم بحسب حاله وقدرته، وتظرّف بعض من كانوا من أسبابه، للدلالة على قصور همته، فملأ وعاء من أدم ملحا مطيبا ووعاء ثانيا سعدا (١) معطّرا وكتب معهما هذه الرقعة (٢): «لو تمت الإرادة، لأسعفت العادة، ولو ساعدت القدرة، على بلوغ النعمة، لتقدمت السابقين إلى خدمتك، وأتعبت المجتهدين فى كرامتك، لكن قعدت بى القدرة، عن مساواة أهل النعمة، وقصّرت بى الجدة (٣) عن مباهاة أهل المكنة (٤)، وخشيت أن تطوى صحيفة البرّ، وليس لى فيها ذكر، فأنفذت المفتتح بيمنه وبركته وهو الملح، والمختتم بطيبه ونظافته وهو السّعد، باسطا يد المعذرة، صابرا على ألم التقصير، متجرعا غصص الاقتصار على اليسير، والقائم بعذرى فى ذلك: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج). والمهدى ضارع فى الامتنان عليه بقبول معذرته، والإحسان إليه بالإعراض عن جراءته». وعرضت الهدية على يحيى، فلما قرأ الرقعة أمر أن يفرغ الإناءان ويملأ أحدهما دنانير والآخر دراهم، إعجابا بتلطف صاحبهما وبلاغته وحسن بيانه. وكانت أكثر هداياهم طيبا وعطرا وتحفا ثمينة، وربما أهدوا السيوف والخيل، ويروى أن عبد الله بن طاهر أهدى المأمون فرسا وكتب إليه (٥):

стр. 1402

«قد بعثت إلى أمير المؤمنين بفرس، يلحق الأرانب فى الصّعداء (١)، ويجاور الظّباء فى الاستواء، ويسبق فى الحدور (٢) جرى الماء، فهو كما قال تأبّط شرّا: ويسبق وفد الريح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شدّة المتدارك (٣)» وأكثروا من التهانى مع كل مناسبة، فهم يهنئون الخلفاء حين جلوسهم على أريكة الخلافة، وهم يهنئون الوزراء حين استيلائهم على مقاليد الحكم، وهم يهنئون بالزواج وعقد القران، وهم يهنئون بإنجاب الأولاد، وهم يهنئون بحكم الولايات، وهم يهنئون بنعمة الحج وقضاء مناسكه، وهم يهنئون بالظفر على الأعداء، ولإبراهيم بن المهدى من رسالة هنأ فيها المعتصم بخروجه عن أرض الروم بعد فتحه لعمورية (٤): «الحمد لله الذى تمّم لأمير المؤمنين غزوته، فأذلّ بها رقاب المشركين وشفى بها صدور قوم مؤمنين، ثم سهل الله له الأوبة سالما غانما. . . وليهنئه ما كتب الله له مما أحصاه فلا ينساه، ليقفه به موقفا يرضاه، فإنه يقول: (﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).﴾ فطوى الله لأمير المؤمنين نازح البعد برّا وبحرا، ووقاه وصب السفر سهلا ووعرا، وحاطه بحراسته كالئا، ودافع عنه بحفظه راعيا، حتى يؤدّيه إلى المحل من داره، والوطن من قراره، وجزاه عن الإسلام خاصة ورعيته كافة». وعلى هذا النحو لم يترك الكتاب فنا من فنون الشعر إلا كتبوا فيه وعبروا عنه بكتاباتهم موجزين تارة ومطنبين تارة أخرى، محاولين بكل ما استطاعوا أن يظهروا القارئ على براعتهم وتفننهم فى الأداء، وقد مضوا مثل الشعراء يعرضون لوصف

стр. 1403

الطبيعة أحيانا، ولجبل بن يزيد رسالة جيدة فى وصف الأمطار عقب سنة مجدبة أهلكت الحرث والضرع حتى استيأس الناس، وهى تمضى على هذه الشاكلة (١): «عادت لنا من لله عائدة رحمة بولى (٢) مطر أنزله الله بأحسن ما رأينا من المطر، وابلا جودا (٣)، لا يفتر غزيره، ولا يرعوى جوده إلا إلى ديمة (٤) عن ديمة، يتراخى إليها يسيرا ريثما تعود، فأقامت علينا سماؤه مستهلّة (٥) بذلك إلى غروب الشمس، ثم انقطع مطرها بسكون من الريح وفتور من القرّ (٦) وفضل من الله عظيم ينشر به رحمته، ويبسط به رزقه، فأسبغ النعمة، وأوسع البركة، وأوثق (٧) بحمد الله معارف الخصب. والله محمود على آلائه (٨)، مشكور على بلائه (٩)، وما أنزل من سقياه ورحمته بعد الذى أقبلت به السّنة البرّيّة (١٠)، والقحط وعدم الإمطار، وشدة ما بلغ الناس من القنوط (١١) وسوء الظنون». ومرّ بنا فى حديثنا عن الشعر أن الشعراء كانوا أحيانا يصفون روعة شعرهم وقدرتهم على استنباط الدرر واللآلئ الشعرية، ومعروف ان من أكثرهم ترديدا لهذا الوصف أبا تمام، ونرى صديقه الحسن بن وهب يكتب إليه رسالة بديعة يجعل موضوعها وصف شعره الرائع الذى كان يخصّه أحيانا ببعض منظوماته مشيدا ببلاغته، على نحو ما أشاد ببلاغة ابن الزيات فى وصفه لقلمه المشهور، وكأن الحسن بن وهب رأى أن يجاريه فى هذا المضمار نثرا لا شعرا، فكتب إليه هذه الرسالة (١٢): «أنت-حفظك الله-تحتذى من البيان فى النّظام، مثل ما يقصد بحر من الدرر فى الأفهام، والفضل لك-أعزك الله-إذ كنت تأتى به فى غاية الاقتدار، على غاية الاقتصار، فى منظوم الأشعار، فتحلّ متعقّده،

стр. 1404

وتربط متشرده، وتنظم أشطاره، وتجلو أنواره، وتفصّله فى حدوده، وتخرجه فى قيوده. ثم لا تأتى به مهما اقتبسته مشتركا فيلبس، ولا متعقّدا فيطول، ولا متكلفا فيحول، فهو كالمعجزة تضرب بها الأمثال، ويشرح فيها المقال، فلا أعدمنا الله هداياك واردة وفرائدك وافدة». وهذه الرسائل الإخوانية التى كانوا يصورون بها عواطفهم ومشاعرهم من ثناء أو هجاء أو استمناح أو استعطاف أو عتاب أو عزاء أو تهنئة أو تهاد دفعهم تفننهم فى بعضها إلى أن يتحولوا بها إلى ما يشبه الرسائل الأدبية الخالصة، وهى التى تتناول خصال النفس الإنسانية وتصور أهواءها وأخلاقها وتوضح لها طريقها إلى الخير، حتى لا تسقط فى مهاوى الشر. ومن خير ما يصور ذلك رسالة يحيى بن زياد التى ردّ بها على رسالة لابن المقفع طلب إليه فيها أن تنعقد بينهما أسباب الأخوة والوداد، وهو يستهلها على هذه الشاكلة (١): «أما بعد فإنا لما رأينا موضع الإخاء ممن يحتمله فى تأنيسه من الوحشة وتقريبه لذى البعدة ومشاركته بين ذوى الأرحام فى القربة لم نرض بمعرفة عينه دون معرفة نسبته، فنسبنا الإخاء فوجدناه فى نسبته لا يستحق اسم الإخاء إلا بالوفاء، فلما انتقلنا عنه إلى الوفاء فنسبناه انتسب لنا إلى البرّ، فوجدناه محتويا على الكرم والنّجدة والصدق والحياء والنّجابة والزّكانة (٢) وسائر ما لا يأتى عليه العدد من المحامد، ثم انحدرنا فيما أصعدنا فيه من هذا النسب، فعدنا إلى الإخاء، فوجدناه لا يقوم به إلا من هذه الخصال كلها أخلاقه. ولما استوجب الإخاء مسالك المحمدة كلها رأينا أن نتخير له المواضع فى صواب التروّى وإحكام التقدير، وعلمنا أن الاحتباس به أحسن من الندم بعد بذله، واستوجب-إذ كان جماع المحامد-أن نتخيّر له محامله التى يحمل عليها، وكان الناس فيما احتسبنا به عنهم من الإخاء على صنفين، فصنف عذرونا بالتحبس للخير إذ كان التخير من شأنهم، وصنف هم ذوو سرعة إلى الإخاء، وسرعة فى الانتهاء، فقدّموا اللائمة، واستعجلوا بالمودة، وتركوا باب التّروية، واستحلوا عاجل المحبة،

стр. 1405

ولهوا عن آجل الثقة، فكانوا بذلك أهل لائمة، ولم يجد المعذرون (١) إلا الصبر على تلك والاستعمال للرأى والاستعداد بالعذر عند المحاجّة». وواضح أن يحيى بن زياد لا يتحدث هنا عن إخائه لابن المقفع ووداده له، إنما يحدث حديثا عامّا عن الإخاء، فهو ينظر فيه نظرة عامة، أو قل ينظر إليه من حيث هو نظرة كلية يرتفع فيها إلى الحديث عن حقيقته المجرّدة وما ينبغى أن يكفل له من الوفاء. ويراه يقوم على البر، ويتغلغل فى بحث جوهره، فيراه يحتوى مجموعة من الخصال النبيلة لا يتمّ كيانه بدونها وفى مقدمتها الكرم الذى يجعل الأخ يبذل لأخيه ماله، والنجدة التى تجعل الأخ يبذل لأخيه دمه، والصدق الذى يدل على صدق القلب وإخلاص السريرة، والحياء الذى يكفّ صاحبه عن التطاول وسوء الأدب وسورة الغضب، والنجابة التى تحوط صاحبها بحسن الرأى وتبين حقيقة الأمر، والزكانة أو صدق الحسّ الذى يكفل لصاحبه صواب القول والرأى. ويقول يحيى بن زياد لما كان يتطلب الإخاء التحلى بجميع الخصال الحميدة كان على كل شخص أن يتأنّى فى اختيار أخيه وأن يتحبّس حتى لا يتورط فى الأخ السوء، وهو ما يأخذ نفسه به. ومن حوله من الناس صنفان: صنف يعذرونه لأنهم ممن يرون رأيه فى تخير الإخوان، وصنف لا يعذرونه لأنهم يتسرعون إلى بذل إخائهم إلى من يستحقه ومن لا يستحقه، ولذلك سرعان ما ينتقض إخاؤهم وتذوى صداقتهم إذ لا يصيبون بها مواضعها الصحيحة من الإخوان الجديرين بالأخوة. ومن الرسائل التى نحت هذا النحو من التجريد والنظر من أعلى إلى الموضوع الذى تتحدث فيه رسالة غسّان بن عبد الحميد فى العتاب، وهو يفتتحها على هذه الصورة (٢): «أما بعد فإن الله جعل العباد أطوارا فى أخلاقهم، كما جعلهم أطوارا فى صورهم وجعل بينهم أمورا يتآلفون عليها ويعملون أحلامهم فيها: من حرم يتجاملون بها، وحقوق يتنازعونها، ومودّة يتعاطونها، وأخوّة يتداولونها ترعى
следующие страницы →