← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وما أصبحت أمنيتى إلا فى لقائك، فليت حجاب النأى هتك بينى وبينك، ورقعتى هذه وقد دارت زجاجات أوقعت بعقلى ولم تتحيّفه، وبعثت نشاط حركتى للكتاب، فرأيك فى إمطارى سرورا بسارّ خبرك، إذ حرمت السرور بمطر هذا اليوم موفقا إن شاء الله». وعلى نحو ما أكثروا فى طلب الزيارة من الكتب والرسائل أكثروا منها أيضا مع الهدايا التى كانوا يرسلون بها إلى أصدقائهم أو إلى بعض الوزراء وأصحاب السلطان، وكانوا يختارون لها عادة مناسبة مثل عيد من الأعياد أو ختان بعض الأولاد، من ذلك ما يروى من أن يحيى البرمكى عزم على ختان أحد أولاده، فأهدى إليه وجوه الدولة كل منهم بحسب حاله وقدرته، وتظرّف بعض من كانوا من أسبابه، للدلالة على قصور همته، فملأ وعاء من أدم ملحا مطيبا ووعاء ثانيا سعدا (١) معطّرا وكتب معهما هذه الرقعة (٢): «لو تمت الإرادة، لأسعفت العادة، ولو ساعدت القدرة، على بلوغ النعمة، لتقدمت السابقين إلى خدمتك، وأتعبت المجتهدين فى كرامتك، لكن قعدت بى القدرة، عن مساواة أهل النعمة، وقصّرت بى الجدة (٣) عن مباهاة أهل المكنة (٤)، وخشيت أن تطوى صحيفة البرّ، وليس لى فيها ذكر، فأنفذت المفتتح بيمنه وبركته وهو الملح، والمختتم بطيبه ونظافته وهو السّعد، باسطا يد المعذرة، صابرا على ألم التقصير، متجرعا غصص الاقتصار على اليسير، والقائم بعذرى فى ذلك: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج). والمهدى ضارع فى الامتنان عليه بقبول معذرته، والإحسان إليه بالإعراض عن جراءته». وعرضت الهدية على يحيى، فلما قرأ الرقعة أمر أن يفرغ الإناءان ويملأ أحدهما دنانير والآخر دراهم، إعجابا بتلطف صاحبهما وبلاغته وحسن بيانه. وكانت أكثر هداياهم طيبا وعطرا وتحفا ثمينة، وربما أهدوا السيوف والخيل، ويروى أن عبد الله بن طاهر أهدى المأمون فرسا وكتب إليه (٥):

стр. 1402

«قد بعثت إلى أمير المؤمنين بفرس، يلحق الأرانب فى الصّعداء (١)، ويجاور الظّباء فى الاستواء، ويسبق فى الحدور (٢) جرى الماء، فهو كما قال تأبّط شرّا: ويسبق وفد الريح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شدّة المتدارك (٣)» وأكثروا من التهانى مع كل مناسبة، فهم يهنئون الخلفاء حين جلوسهم على أريكة الخلافة، وهم يهنئون الوزراء حين استيلائهم على مقاليد الحكم، وهم يهنئون بالزواج وعقد القران، وهم يهنئون بإنجاب الأولاد، وهم يهنئون بحكم الولايات، وهم يهنئون بنعمة الحج وقضاء مناسكه، وهم يهنئون بالظفر على الأعداء، ولإبراهيم بن المهدى من رسالة هنأ فيها المعتصم بخروجه عن أرض الروم بعد فتحه لعمورية (٤): «الحمد لله الذى تمّم لأمير المؤمنين غزوته، فأذلّ بها رقاب المشركين وشفى بها صدور قوم مؤمنين، ثم سهل الله له الأوبة سالما غانما. . . وليهنئه ما كتب الله له مما أحصاه فلا ينساه، ليقفه به موقفا يرضاه، فإنه يقول: (﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).﴾ فطوى الله لأمير المؤمنين نازح البعد برّا وبحرا، ووقاه وصب السفر سهلا ووعرا، وحاطه بحراسته كالئا، ودافع عنه بحفظه راعيا، حتى يؤدّيه إلى المحل من داره، والوطن من قراره، وجزاه عن الإسلام خاصة ورعيته كافة». وعلى هذا النحو لم يترك الكتاب فنا من فنون الشعر إلا كتبوا فيه وعبروا عنه بكتاباتهم موجزين تارة ومطنبين تارة أخرى، محاولين بكل ما استطاعوا أن يظهروا القارئ على براعتهم وتفننهم فى الأداء، وقد مضوا مثل الشعراء يعرضون لوصف

стр. 1403

الطبيعة أحيانا، ولجبل بن يزيد رسالة جيدة فى وصف الأمطار عقب سنة مجدبة أهلكت الحرث والضرع حتى استيأس الناس، وهى تمضى على هذه الشاكلة (١): «عادت لنا من لله عائدة رحمة بولى (٢) مطر أنزله الله بأحسن ما رأينا من المطر، وابلا جودا (٣)، لا يفتر غزيره، ولا يرعوى جوده إلا إلى ديمة (٤) عن ديمة، يتراخى إليها يسيرا ريثما تعود، فأقامت علينا سماؤه مستهلّة (٥) بذلك إلى غروب الشمس، ثم انقطع مطرها بسكون من الريح وفتور من القرّ (٦) وفضل من الله عظيم ينشر به رحمته، ويبسط به رزقه، فأسبغ النعمة، وأوسع البركة، وأوثق (٧) بحمد الله معارف الخصب. والله محمود على آلائه (٨)، مشكور على بلائه (٩)، وما أنزل من سقياه ورحمته بعد الذى أقبلت به السّنة البرّيّة (١٠)، والقحط وعدم الإمطار، وشدة ما بلغ الناس من القنوط (١١) وسوء الظنون». ومرّ بنا فى حديثنا عن الشعر أن الشعراء كانوا أحيانا يصفون روعة شعرهم وقدرتهم على استنباط الدرر واللآلئ الشعرية، ومعروف ان من أكثرهم ترديدا لهذا الوصف أبا تمام، ونرى صديقه الحسن بن وهب يكتب إليه رسالة بديعة يجعل موضوعها وصف شعره الرائع الذى كان يخصّه أحيانا ببعض منظوماته مشيدا ببلاغته، على نحو ما أشاد ببلاغة ابن الزيات فى وصفه لقلمه المشهور، وكأن الحسن بن وهب رأى أن يجاريه فى هذا المضمار نثرا لا شعرا، فكتب إليه هذه الرسالة (١٢): «أنت-حفظك الله-تحتذى من البيان فى النّظام، مثل ما يقصد بحر من الدرر فى الأفهام، والفضل لك-أعزك الله-إذ كنت تأتى به فى غاية الاقتدار، على غاية الاقتصار، فى منظوم الأشعار، فتحلّ متعقّده،

стр. 1404

وتربط متشرده، وتنظم أشطاره، وتجلو أنواره، وتفصّله فى حدوده، وتخرجه فى قيوده. ثم لا تأتى به مهما اقتبسته مشتركا فيلبس، ولا متعقّدا فيطول، ولا متكلفا فيحول، فهو كالمعجزة تضرب بها الأمثال، ويشرح فيها المقال، فلا أعدمنا الله هداياك واردة وفرائدك وافدة». وهذه الرسائل الإخوانية التى كانوا يصورون بها عواطفهم ومشاعرهم من ثناء أو هجاء أو استمناح أو استعطاف أو عتاب أو عزاء أو تهنئة أو تهاد دفعهم تفننهم فى بعضها إلى أن يتحولوا بها إلى ما يشبه الرسائل الأدبية الخالصة، وهى التى تتناول خصال النفس الإنسانية وتصور أهواءها وأخلاقها وتوضح لها طريقها إلى الخير، حتى لا تسقط فى مهاوى الشر. ومن خير ما يصور ذلك رسالة يحيى بن زياد التى ردّ بها على رسالة لابن المقفع طلب إليه فيها أن تنعقد بينهما أسباب الأخوة والوداد، وهو يستهلها على هذه الشاكلة (١): «أما بعد فإنا لما رأينا موضع الإخاء ممن يحتمله فى تأنيسه من الوحشة وتقريبه لذى البعدة ومشاركته بين ذوى الأرحام فى القربة لم نرض بمعرفة عينه دون معرفة نسبته، فنسبنا الإخاء فوجدناه فى نسبته لا يستحق اسم الإخاء إلا بالوفاء، فلما انتقلنا عنه إلى الوفاء فنسبناه انتسب لنا إلى البرّ، فوجدناه محتويا على الكرم والنّجدة والصدق والحياء والنّجابة والزّكانة (٢) وسائر ما لا يأتى عليه العدد من المحامد، ثم انحدرنا فيما أصعدنا فيه من هذا النسب، فعدنا إلى الإخاء، فوجدناه لا يقوم به إلا من هذه الخصال كلها أخلاقه. ولما استوجب الإخاء مسالك المحمدة كلها رأينا أن نتخير له المواضع فى صواب التروّى وإحكام التقدير، وعلمنا أن الاحتباس به أحسن من الندم بعد بذله، واستوجب-إذ كان جماع المحامد-أن نتخيّر له محامله التى يحمل عليها، وكان الناس فيما احتسبنا به عنهم من الإخاء على صنفين، فصنف عذرونا بالتحبس للخير إذ كان التخير من شأنهم، وصنف هم ذوو سرعة إلى الإخاء، وسرعة فى الانتهاء، فقدّموا اللائمة، واستعجلوا بالمودة، وتركوا باب التّروية، واستحلوا عاجل المحبة،

стр. 1405

ولهوا عن آجل الثقة، فكانوا بذلك أهل لائمة، ولم يجد المعذرون (١) إلا الصبر على تلك والاستعمال للرأى والاستعداد بالعذر عند المحاجّة». وواضح أن يحيى بن زياد لا يتحدث هنا عن إخائه لابن المقفع ووداده له، إنما يحدث حديثا عامّا عن الإخاء، فهو ينظر فيه نظرة عامة، أو قل ينظر إليه من حيث هو نظرة كلية يرتفع فيها إلى الحديث عن حقيقته المجرّدة وما ينبغى أن يكفل له من الوفاء. ويراه يقوم على البر، ويتغلغل فى بحث جوهره، فيراه يحتوى مجموعة من الخصال النبيلة لا يتمّ كيانه بدونها وفى مقدمتها الكرم الذى يجعل الأخ يبذل لأخيه ماله، والنجدة التى تجعل الأخ يبذل لأخيه دمه، والصدق الذى يدل على صدق القلب وإخلاص السريرة، والحياء الذى يكفّ صاحبه عن التطاول وسوء الأدب وسورة الغضب، والنجابة التى تحوط صاحبها بحسن الرأى وتبين حقيقة الأمر، والزكانة أو صدق الحسّ الذى يكفل لصاحبه صواب القول والرأى. ويقول يحيى بن زياد لما كان يتطلب الإخاء التحلى بجميع الخصال الحميدة كان على كل شخص أن يتأنّى فى اختيار أخيه وأن يتحبّس حتى لا يتورط فى الأخ السوء، وهو ما يأخذ نفسه به. ومن حوله من الناس صنفان: صنف يعذرونه لأنهم ممن يرون رأيه فى تخير الإخوان، وصنف لا يعذرونه لأنهم يتسرعون إلى بذل إخائهم إلى من يستحقه ومن لا يستحقه، ولذلك سرعان ما ينتقض إخاؤهم وتذوى صداقتهم إذ لا يصيبون بها مواضعها الصحيحة من الإخوان الجديرين بالأخوة. ومن الرسائل التى نحت هذا النحو من التجريد والنظر من أعلى إلى الموضوع الذى تتحدث فيه رسالة غسّان بن عبد الحميد فى العتاب، وهو يفتتحها على هذه الصورة (٢): «أما بعد فإن الله جعل العباد أطوارا فى أخلاقهم، كما جعلهم أطوارا فى صورهم وجعل بينهم أمورا يتآلفون عليها ويعملون أحلامهم فيها: من حرم يتجاملون بها، وحقوق يتنازعونها، ومودّة يتعاطونها، وأخوّة يتداولونها ترعى

стр. 1406

بوفاء، وتؤدّى بأمانة، وتضيّع بتقصير، وتنتقص بخيانة، ليس من أدّيت إليه فيما يحفظ منها بأسعد من المؤدّى لها فيما يأخذ به من الفضل لنفسه، وليس من ضيّعت منه بأشقى ممن ضيّعها فيما يدخل من التقصير عليه، فإن من أخطأه الوفاء من أخيه فإنما يدخل عليه تقصير غيره، ومن ضيّع الوفاء لإخوانه فقد أدخل النّقص فى خاصّة نفسه، والمرء يجد من أخيه إذا خانه بدلا، ولا يجد عن نفسه إذا قصّرت به متحوّلا، وليس نقص يستبدل به كنقص لا يستطيع مزايلته». وغسان يتحدث عما بين الناس من حرم وحقوق ومودة وأخوة، ويرى أنه لا بد للأخوة من الوفاء الذى يحفظ على الإخوان عهودهم، ولا بد لها من الأمانة التى تمنع الخيانة بين الإخوان وتحول بينهم وبين القطيعة المرذولة، ولا بد لها من النهوض بجميع متطلباتها من الصيانة والثقة وتوطين النفس على أن لا يقوم هجران بين الأخ وأخيه. ويأخذ غسان فى تصوير معنى دقيق غاية الدقة، وهو أن من يؤدى حقوق الأخوة إلى أخيه لعله أكثر منه سعادة بما يؤدى إليه منها، وكذلك من يضيع حقوقها لعله أشقى من أخيه الذى يغمّه تضييع هذه الحقوق، لأنه إنما يدخله الغم بتقصير غيره، أما صاحبه المضيّع لتلك الحقوق فإنه يدخل لغم والشقاء والنقص على نفسه بنفسه، والأول يجد من أخيه إذا خانه عوضا فى أخ آخر صادق، أما الثانى فإنه لا يخسر شخصا ولا أخا، إنما يخسر نفسه التى بين جنبيه بما أدخل عليها من كرب الخيانة، وليست خسارة يمكن تلافيها، كخسارة لا يمكن مزايلتها، ولا يجد صاحبها عنها حولا ولا منصرفا. ويمضى غسان يفصل القول فى خيانة الأخ لأخيه وتضييعه لنعمة الوفاء التى أنعم الله بها على عباده، وما يلبث أن يقول: «ليس من كانت منه فجيعة لأهل الإخاء والحرمة الذين ارتادوا ارتيادا واختار واختاروا فوقع رأيه عليهم، ووقع رأيهم عليه، وارتضوه لأنفسهم، وارتضاهم لنفسه، واقتصروا عليه بمودتهم، واقتصر عليهم بمودته، فحمّلوه أخوتهم، وحملهم أخوته، واسترعوه الوفاء لهم، حتى ثبّت الله بينهم وبينه ما كان داعيا لكل رأى جميل، نافيا لكل صنيع معيب، وأمر مريب، فأىّ

стр. 1407

نقص أكثر وأىّ دناءة أبين من أن يكون امرؤ بمنزلة ثقة قد حفظت منه حرمة، واعتقدت بها عليه أمانة، فوجبت منه مصافاة، وانتظرت منه صلة، ثم ينكشف عن خيانة وغدر وقطيعة وفجيعة؟ وغسان يصور هنا مذمة قطيعة الإخوان، ويجعلها فجيعة فيمن اؤتمن فخان وعاهد فغدر، وأى غدر؟ إنه غدر بالحرمة التى قامت بينه وبين إخوانه، حرمة الوداد الصادق الذى لم يحدث فجأة، إنما حدث عن طول اختيار وتفقد وتوقف وتثبت، فإذا من وثقت فيه وملّكته زمام نفسك قد نكث كل عهوده، بل قد طعن الأخوة المفقودة الطعنة التى ليس منها برء ولا إقالة. وأطال غسان فى تصوير وقيعة واش به لصديقه وما يراه على نفسه وعلى صديقه من حقوق الأخوة وأن لا يأخذ بالظنة وأقوال الوشاة الكاذبين. والرسالة أشبه ببحث واسع فى واجبات الإخوان وحقوقهم. وعلى هذا النحو أخذ بعض الكتّاب ينمّون الرسائل الإخوانية حتى غدت رسائل أدبية بديعة، وكان ابن المقفع-كما أسلفنا-قد ترجم عن الفارسية كثيرا من الرسائل الأدبية التى تتصل بالأخلاق وسلوك الناس مع أولى الأمر فى الحياة العامة كما تتصل بالسياسة وتدبير الحكم، وأيضا فإنه ترجم قصص كليلة ودمنة، وكل ذلك أخذ بعض الكتّاب يحاكونه، من ذلك ما يذكره ابن النديم عن العتّابى من أن له رسالة فى فنون الحكم ورسالة أخرى فى الآداب (١)، ويذكر عن محمد بن الليث الكاتب أنه كتب ليحيى البرمكى كتابا فى الأدب (٢)، وأن لسعيد بن هرون أحد خزنة دار الحكمة للمأمون رسالة فى الحكمة ومنافعها (٣)، وأن للعتبى المتوفى سنة ٢٢٨ للهجرة كتابا فى الأخلاق (٤)، ومر بنا أن على ابن عبيدة الريحانى الكاتب فى دواوين المأمون صنف كتبا مختلفة فى الحكم والأمثال. وكل هذه الرسائل كان يراد بها أن ترشد الناس فى حياتهم إلى الخير بما تقدّم لهم من الأمثال وتفصّل من الحكم. وأخذ بعض الكتّاب يعنون بالكتابة فى السياسة، على هدى ترجمات ابن المقفع فيها، على نحو ما يذكر ابن النديم عن أبى دلف (٥) العجلى وسهل (٦) بن هرون، واشتهر سهل بأنه استوحى كليلة

стр. 1408

ودمنة فى كتابة قصص على شاكلتها، وسنفرد له حديثا مستقلا فى الفصل التالى. ويقول ابن النديم عن على بن داود كاتب زبيدة زوج الرشيد إنه «كان أحد البلغاء، وكان يسلك فى تصنيفاته طريقة سهل بن هرون، وله من الكتب كتاب الجرهمية وكتاب الحرة والأمة وكتاب الظّراف (١)». وفى اسم الكتاب الأخير ما يشير إلى أن الكتّاب عرفوا فى هذا العصر الرسائل الأدبية التى يقصد بها إلى التفكهة والترويح عن النفس.

стр. 1409

الفصل التاسع أعلام الكتّاب ١ - ابن (١) المقفع فارسى الأصل، اسمه روزبه بن داذويه، كان أبوه من قرية إيرانية تسمى جور، نزل البصرة، وظل على دينه مجوسيا مانويا، غير أنه استعرب سريعا، لاختلاطه بمواليه آل الأهتم التميميين، وهم يشتهرون باللسن والفصاحة والخطابة، ولم يلبث أن عمل فى دواوين الخراج للحجاج، وظهرت عليه خيانة فى أموال الدولة، فضربه الحجاج ضربا مبرّحا تقفّعت (يبست) منه يده، فسمّى من حينئذ المقفّع، ولم يسلم، بل مات على دينه، وعليه نشأ ابنه، ويظهر أنه عنى عناية شديدة بتأديبه، حتى أتقن اللغتين الفارسية والعربية، وقد مضى يتكسّب بصناعة أبيه، فاشتغل، فى دواوين العراق آخر زمن بنى أمية، إذ كتب لعمر بن هبيرة والى العراق لهشام بن عبد الملك، وكتب لابنه يزيد فى ولايته العراق لمروان بن محمد، ولابنه الثانى داود فى ولايته على كرمان بإيران وأفاد منهما أموالا كثيرة. ولما قامت الدولة العباسية كتب لسليمان بن على عم المنصور وواليه على البصرة، ولأخيه عيسى بن على والى الأهواز وعلى يديه أعلن إسلامه وتكنى بأبى محمد، ويقال إنه حين حاول اعتناق الإسلام طلب إليه عيسى أن

стр. 1410

يؤجل ذلك إلى الغد حتى يكون إعلان إسلامه فى حفل عظيم، وحدث أن حضر طعام العشاء، فلاحظ عيسى أنه يأكل ويزمزم، أو بعبارة أخرى يدعو بأدعية المجوس، فسأله عيسى: أتصنع ذلك وأنت على نية الإسلام، فأجابه: كرهت أن أبيت على غير دين. وظل بعد إعلانه الإسلام يعمل فى دواوينه. واتفق أن خرج عبد الله بن على عم المنصور وواليه على الشام، إذ أعلن ثورته عليه، غير أن جيوش المنصور هزمته، ففرّ إلى أخويه سليمان وعيسى، فطلبه المنصور منهما، فأبيا أن يسلماه إليه إلا إذا كتب له أمانا، فقبل ما عرضاه، وكلفهما كتابته، فأمرا ابن المقفع أن يكتبه، فكتبه، وتشدّد فيه تشددا أغضب المنصور وأحفظه وملأه موجدة، إذ طلب إليه أن يكتب فى أسفل الأمان هذا التوقيع (١): «وإن أنا نلت عبد الله بن على أو أحدا ممن أقدمه معه بصغير من المكروه أو كبير، أو أوصلت إلى أحد منهم ضررا سرّا أو علانية، على الوجوه والأسباب كلها، تصريحا أو كناية أو بحيلة من الحيل، فأنا نفىّ من محمد بن على ابن عبد الله، ومولود لغير رشدة، وقد حلّ لجميع أمة محمد خلعى وحكمى والبراءة منى، ولا بيعة لى فى رقاب المسلمين ولا عهد ولا ذمة، وقد وجب عليهم الخروج من طاعتى وإعانة من ناوأنى من جميع الخلق، ولا موالاة بينى وبين أحد من المسلمين. وهو متبرئ من الحول والقوة، ومدّع إن كان، أنه كافر بجميع الأديان، ولقى ربه على غير دين ولا شريعة، محرّم المأكل والمشرب والمناكح والمركب والرّق والملك والملبس على الوجوه والأسباب كلها. وكتبت بخطّى، ولا نية لى سواه، ولا يقبل الله منى إلا إياه، والوفاء به». واحتدم المنصور غيظا حين قرأ هذا الأمان وسأل عن كاتبه، فقيل له ابن المقفع كاتب عيسى بن على عمك، فقال: أما أحد يكفينيه؟ وأوعز إلى سفيان بن معاوية المهلبى عامله على البصرة حينئذ أن يقتله، وتصادف أن كان يضطغن عليه، فانتهز فرصة قدومه إليه ذات مرة، وأمر بتنّور، فملئ وقودا

стр. 1411

حتى إذا حميت ناره أخذ يقطعه جزءا جزءا ويرمى بكل جزء فى التنور حتى أتى عليه. ويقال إن المنصور إنما أمر بقتله لما ثبت عنده من زندقته وكيده للإسلام، ويبدو أن التعليل الأول لمقتله هو الصحيح، لما صعّب فى صيغة الأمان على المنصور تصعيبا امتهن فيه كرامته ووطئها بالأقدام، إذ طلب إليه أن يكتب بخط يده أنه إن غدر بعمه أو بأحد ممن معه فنساؤه طوالق وعبيده أحرار ودوابّه محرمة عليه والمسلمون فى حل من بيعته بل عليهم أن يحاربوه حتى يعطى عن يد وهو صاغر، وأيضا فإنه إن فعل يكون كافرا خارجا من جميع الأديان. فكان طبيعيّا أن يثور المنصور لكرامته وأن يوعز إلى سفيان بقتله، ويقول الجاحظ إن ابن المقفع أغرى عبد الله بن على بالمنصور، ففطن له وقتل، وأغلب الظن أنه لا يريد بإغرائه لعبد الله بن على سوى صيغة هذا الأمان المشئوم، واختار الرواة فى السنة التى قتل فيها، فقيل سنة ١٤٢ وقيل سنة ١٤٣ وقيل سنة ١٤٥ للهجرة. وليس معنى استظهارنا أن يكون الأمان السالف هو السبب الحقيقى فى قتل ابن المقفع أننا ننفى عنه الزندقة، فقد شهد بها كثيرون من معاصريه ومن جاءوا بعده، وكان المهدى يقول: «ما وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع» (١) ويقول المسعودى: «أمعن المهدى فى قتل الملحدين. . لما انتشر من كتب مانى وابن ديصان ومرقيون مما نقله عبد الله بن المقفع وغيره ويترجم من الفارسية والفهلوية إلى العربية» (٢) ويقال إنه مرّ ببيت نار للمجوس بعد إسلامه، فلما رآه أحسّ بحنين شديد إلى دينه المانوى القديم، وأنشد بيتى الأحوص (٣): يا بيت عاتكة الذى أتعزّل ... حذر العدا وبك كّل إنى لأمنحك الصدود وإننى ... قسما إليك مع الصدود لا ميل وقد يكون فى ذلك ما يشير إلى أنه ظل على اعتقاده المانوى القديم فهو يظهر الإسلام ويضمر مانويته، وقد مضى ينقل ديانات قومه المجوسية ومذاهب الملحدين

стр. 1412

مثل ابن ديصان ومرقيون. مما جعل العرب يتنبهون إلى غايته من هذا النّقل وما كان يتصل به من ترجمة الحكم الفارسية، فقالوا إنه إنما كان يريد على الأقل ببعض ترجماته وتصنيفاته معارضة الذكر الحكيم، وعرض لذلك الباقلانى فقال: «وقد ادعى قوم أن ابن المقفع عارض القرآن، وإنما فزعوا إلى الدرة اليتيمة، وهى كتابان: أحدهما يتضمن حكما منقولة. . والآخر فى شئ من الديانات (١)» وقد ألف القاسم بن إبراهيم بن طباطبا المتوفى سنة ٢٤٦ للهجرة كتابا فى نقض زندقته سماه «كتاب الرد على الزنديق اللعين ابن المقفع عليه لعنة الله». وذكر فى أوائله أن ابن المقفع وضع كتابا عاب فيه المرسلين وافترى الكذب على رب العالمين (٢)، ولذلك تصدى له يهدم مزاعمه هدما. وشك أحمد أمين فى هذا الكتاب الذى نسبه ابن طباطبا إلى ابن المقفع، ولا ينفى هذا الشك عنه زندقته فقد شهد بها معاصروه ومن تلاهم ممن قرءوا كتاباته، وكثير منها سقط من يد الزمن. وكان-مع زندقته-نبيل الخلق وقورا يترفع عن الدّنايا ولا يجعل للهوى سلطانا على عقله، وكان يأخذ نفسه بكل ما يمكن من خصال المروءة والشعور بالكرامة، ويقول الجهشيارى إنه «كان سريّا سخيّا يطعم الطعام ويتسع على كل من احتاج إليه. . وكان يجرى على جماعات من وجوه أهل البصرة والكوفة ما بين الخمسمائة إلى الألفين فى كل شهر». وتروى عنه حكايات مأثورة تدل على كرمه الفياض، كما تروى عنه أخبار تدل على دقة حسه، من ذلك أن عيسى بن على دعاه يوما للغداء فاعتذر بأنه مزكوم، والزكمة قبيحة الحوار، مانعة من عشرة الأحرار (٣). وكان يلفت معاصريه بأدبه الجم، فسأله سائل: من أدّبك؟ فقال: نفسى! إذا رأيت من غيرى حسنا أتيته، وإن رأيت قبيحا أبيته». وكان بقدر الأخوة والصداقة حق قدرهما، وقد بنى عليهما كثيرا من حكمه ونصائحه فى الأدبين: الصغير والكبير وكان ذكيّا ذكاء مفرطا حتى قال ابن سلام: «سمعت مشايخنا يقولون: لم يكن للعرب بعد

стр. 1413

الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ولا كان فى العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع» (١). وكان يرى أن الذكاء لا يعمر القلوب ولا يثمر الثمرة المرجوة بدون العلم، وإلا كان كالأرض الطيبة الخراب. ولعله لذلك دأب على التثقف بكل ما استطاع من الآداب الفارسية وما ترجم إلى لغته من الهندية وكذلك ما ترجم إليها من اليونانية زمن كسرى أنو شروان. وبذلك كان ابن المقفع يجمع بين الثقافات العربية والإسلامية والفارسية والهندية واليونانية، وقد نقل إلى العربية عن لغته خير ما عرف من الثقافات الأخيرة، وكان للثقافة الفارسية الحظ الأكبر، فقد نقل عنها كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع كتابا فى تعاليم مزدك وكتاب «خداى نامه» وهو فى سير الملوك الإيرانيين، وعليه اعتمد الفردوسى فى نظم «الشاهنامه» وكذلك نقل كتاب التاج فى سيرة أنوشروان. ونقل عنها فى أنظمة الملك وتدبير السياسة والحكم كتاب «آيين نامه» ورسالة «تنسر» وفى عيون الأخبار منهما ومن كتاب التاج نقول مختلفة. وكان فى الفهلوية أدب أخلاقى كثير نما فى بلاط الساسانيين، وكان يراد به إلى تثقيف الفرس بما يوضح لهم سبل الحياة العامة عن طريق الأمثال وما تشفع به من الحكم، ونقل من ذلك ابن المقفع مادة غزيرة فى الأدب الصغير والأدب الكبير واليتيمة ورسالة الصحابة. وعمد إلى خير أثر فى لغته للهنود وهو كتاب كليلة ودمنة فنقله إلى العربية، كما نقل عن لغته بعض ما ترجم إليها عن اليونانية من كتب أرسطو فى المقولات والقياس المنطقى. وما نقله عن أرسطو من لغته مفقود، ولم يصلنا ما نقله عن الفهلوية من الكتب الخمسة الأولى إلا ما اقتبسه ابن قتيبة مما يتصل ببعض وصايا الفرس السياسية وأنظمتهم فى الملك والقضاء وفنون الحرب. ونحن نقف قليلا عند الأدبين الصغير والكبير واليتيمة ورسالة الصحابة. والأدب الصغير رسالة قصيرة (٢) فى نحو ثلاثين صحيفة تتضمن طائفة من

стр. 1414

الوصايا الخلقية والاجتماعية التى ترشد الناس إلى صلاح معاشهم فى أنفسهم وفى علاقاتهم بعناصر المجتمع من أهل السلطان ومن الأصدقاء ومن غيرهم، ونراه يقول فى أوائلها: «قد وضعت فى هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفا، فيها عون على عمارة القلوب وصقالها وتجلية أبصارها، وإحياء للتفكير، وإقامة للتدبير، ودليل على محامد الأمور ومكارم الأخلاق» ومن قوله فى تضاعيفها: «على العاقل أن لا يستصغر شيئا من الخطأ فى الرأى والزّلل فى العلم والإغفال فى الأمور. إن من استصغر الصغير أوشك أن يجمع إليه صغيرا وصغيرا، فإذا الصغير كبير، وإنما هى ثلم (١) يشلمها العجز والتضييع، فإذا لم تسدّ أوشكت أن تنفجر بما لا يطاق. كلام اللبيب وإن كان نزرا أدب عظيم، ومقارفة (٢) المأثم وإن كان محتقرا مصيبة جليلة. لا يمنعنّك صغر شأن امرئ من اجتباء ما رأيت من رأيه صوابا، واصطفاء ما رأيت من أخلاقه كريما، فإن اللؤلؤة الفائقة لا تهان لهوان غائصها الذى استخرجها. أعدل السّير أن تقيس الناس بنفسك، فلا تأتى إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك. حق على العاقل أن يتخذ مرآتين فينظر من إحداهما فى مساوئ نفسه فيتصاغر بها، ويصلح ما استطاع منها، وينظر من الأخرى فى محاسن الناس فيحكيهم بها، ويأخذ ما استطاع منها. عمل الرجل فيما يعلم أنه خطأ هوى، والهوى آفة العفاف. من أشد عيوب الإنسان خفاء عيوبه عليه فإنه من خفى عيبه عليه خفيت عليه محاسن غيره، ومن خفى عليه عيب نفسه ومحاسن غيره فلن يقلع عن عيبه الذى لا يعرف، ولن ينال محاسن غيره التى لا يبصرها أبدا. لا يتمّ حسن الكلام إلا بحسن العمل كالمريض الذى قد علم دواء نفسه، فإذا هو لم يتداو به لم يغنه علمه. والرجل ذو المروءة قد يكرم على غير مال كالأسد الذى يهاب وإن كان عقيرا (٣)، والرجل الذى لا مروءة له يهان وإن كثر ماله كالكلب الذى يهون على الناس وإن طوق وخلخل» (٤). وأكثر وصايا الأدب الصغير على هذا النحو من القصر وقلما يطّرد فيها

стр. 1415

السياق. أما الأدب (١) الكبير فرسالة أكثر طولا إذ تمتد إلى نحو مائة صحيفة، موزعة بين موضوعين كبيرين، هما السلطان وما يتصل به من السياسة والحكم، والصداقة وما يتصل بها من صفات الصديق الصالح. ونراه يصرح فى تقديمه لهذه الرسالة بما صرّح به فى أوائل الأدب الصغير من أنه يفيد فى وصاياها من أقوال الأسلاف القدماء، إذ يقول: «منتهى علم عالمنا فى هذا الزمان أن يأخذ من علمهم وغاية إحسان محسننا أن يقتدى بسيرتهم، وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر فى كتبهم، فيكون كأنه إياهم يحاور ومنهم يستمع. . . ولم نجدهم غادروا شيئا يجد واصف بليغ فى صفة له مقالا لم يسبقوه إليه». ويشير مع ذلك إلى أنه بقيت فى وجوه الأدب وضروب الأخلاق أشياء من لطائف الأمور تشتقها الفطن السليمة من حكم الأولين وأقوالهم، وأنه سيضمّن كتابه أو رسالته منها أطرافا. ومعنى ذلك أن وصايا الرسالة إما نقل عن القدماء ممّا قرأه فى الأدب الساسانى السياسى والأخلاقى، وإما استنباطات وصل إليها على هديهم، وهو يستهلّ رسالته بالحديث عن أصول الأدب ويريد به التهذيب الخلقى والاجتماعى والسياسى، ثم يورد بعض الوصايا لمن يتقلد شيئا من أمور السلطان وينصحه فيما يتولاه أن يرضى ربه ومن فوقه من أصحاب السلطان ومن تحته من صالحى الرعية، ويقول له: لا تلتمس رضا الناس جميعا، لأن ذلك شئ لا يدرك، إذ بينهم من رضاه الجور ومن رضاه الضلالة، فيكفيك رضا الأخيار منهم والعقلاء، ومن طريف ما يوصيه به قوله: «لا تتركنّ مباشرة جسيم أمرك، فيعود شأنك صغيرا، ولا تلزم نفسك مباشرة الصغير فيصير الكبير ضائعا، واعلم أن رأيك لا يتسع لكل شئ ففرّغه للمهم. . وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجتك وإن دأبت فيهما، وأنه ليس إلى أدائها سبيل مع حاجة جسدك إلى نصيبه من الدعة فأحسن قسمتهما (٢) بين دعتك وعملك، واعلم أنك ما شغلت من رأيك فى غير المهم أزرى بالمهم. . وما شغلت من ليلك ونهارك فى غير الحاجة أزرى بك فى الحاجة. واعلم أن من

стр. 1416

الناس ناسا كثيرا يبلغ من أحدهم الغضب إذا غضب أن يحمله ذلك على الكلوح (١) والتقطيب فى غير من أغضبه، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له، والعقوبة لمن لم يكن يهم بعقوبته، وشدّة المعاقبة باليد واللسان لمن لم يكن يريد به إلا دون ذلك. ثم يبلغ به الرضا إذا رضى أن يتبرّع بالأمر ذى الخطر (٢) لمن ليس بمنزلة ذلك عنده، ويعطى من لم يكن يريد إعطاءه ويكرم من لا حق له ولا مودة فاحذر هذا الباب الحذر كله». ويسترسل ابن المقفع فى مثل هذه الوصايا للوالى، ويتحدث عن صحبة السلطان وواجباتها وآدابها وكذلك صحبة الولاة والحكّام، ثم ينتقل إلى الصديق والصداقة، ويصور الخلال التى ينبغى أن يتصف بها فى رأيه الصديق الحق حتى ليرى من واجب الصديق على الصديق أن يبذل له ماله ودمه وأن يلقاه بالتواضع والحياء وأن يمدّ له يد العون فى الشدة. ويستطرد إلى الحديث عن جار السوء وعشير السوء وجليس السوء، كما يستطرد إلى الحديث عن العدو وما ينبغى من استعمال الدهاء معه والعمل على القضاء عليه أو اجتنابه والبعد عنه، ويفيض فى الأخلاق الحميدة والأخلاق السيئة التى تنفّر الناس من صاحبها فضلا عن الصديق، ومما يسوقه فى الطرفين قوله: «انظر من صاحبت من الناس من ذى فضل عليك بسلطان أو منزلة ومن دون ذلك من الخلصاء والأكفاء والإخوان فوطّن نفسك فى صحبته على أن تقبل منه العفو، وتسخو نفسك عما اعتاص عليك مما قبله غير معاتب ولا مستبطئ ولا مستزيد، فإن المعاتبة مقطعة للود، وإن الاستزادة من الجشع، وإن الرضا بالعفو والمسامحة فى الخلق مقرب لك كلّ ما تتوق إليه نفسك مع بقاء العرض والمودة والمروءة. . ولا تلتمس غلبة صاحبك والظفر عليه بكل كلمة ورأى، ولا تجترئن على تقريعه وتبكيته بظفرك إذا استبان وحجّتك إذا وضحت. وتعلّم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ومن حسن الاستماع إمهال المتكلم، حتى يقضى حديثه، وقلة التلفت إلى الجواب، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم، والوعى لما يقول. . واعلم أن المستشار ليس بكفيل وأن الرأى ليس بمضمون، بل

стр. 1417

الرأى كله غرر (١)، لأن أمور الدنيا ليس شئ منها بثقة، ولأنه ليس شئ من أمرها يدركه الحازم إلا وقد يدركه العاجز، بل ربما أعيى الحزمة (٢) ما أمكن العجزة، فإذا أشار عليك صاحبك برأى فلم تجد عاقبته على ما كنت تأمل، فلا تجعل ذلك عليه لوما وعذلا بأن تقول: أنت فعلت هذا بى، وأنت أمرتنى، ولولا أنت لم أفعل، ولا جرم لا أطيعك فى شئ بعدها، فإن هذا كله ضجر ولؤم وخفة. وإن كنت أنت المشير، فعمل برأيك أو تركه فبدا صوابك فلا تمتنّ ولا تكثرنّ ولا تكثرنّ ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلمه عليه إن كان استبان فى تركه ضررا بأن تقول: ألم أقل، ألم أفعل، فإن هذا مجانب لأدب الحكماء. . واعلم أن من تنكّب الأمور ما يسمى حذرا، ومنه ما يسمى خورا فإن استطعت أن يكون تجنّبك من الأمر قبل مواقعتك إياه فافعل، فإن ذلك هو الحذر، ولا تنغمس فيه ثم تتهيبه، فإن ذلك هو الخور، وإن الحكيم لا يخوض نهرا، حتى يعلم مقدار قعره». وردّد محمد كرد على فى نشرته للأدب الكبير بكتابه رسائل البلغاء بين هذا العنوان وعنوان ثان هو الدرة اليتيمة، وهما كتابان لا كتاب واحد، كما يشهد بذلك كلام الباقلانى عن اليتيمة الذى سبق أن نقلناه عنه، وفيه أنها قسمان قسم فى الحكم المنقولة، وقسم فى شئ من الديانات، وليس فى الأدب الكبير حديث عن الديانات، إنما هو حديث كما رأينا عن السلطان والصداقة. ومما يقطع بأن الدرة اليتيمة ليست هى الأدب الكبير أن ابن طيفور احتفظ فى كتابه «اختيار المنظوم والمنثور» بقطعة طويلة من صدرها لا توجد فى الأدب الكبير، ونرى ابن المقفع يذكر فيها أن الناس قد سألوه أسئلة، وأنه سيجيبهم عما سألوا، واحتفظت القطعة بالسؤال الأول، وهو يدور على الزمان، وقد أجابهم بأن الزمان الناس، وهم رجلان، وال ومولّى عليه. وقسم الأزمنة على أساس الوالى والرعية أربعة أقسام: قسم هو خير الأزمنة لصلاح الحاكم والمحكومين، وقسم ثان يليه وفيه يصلح الحاكم ويفسد المحكومون، وقسم ثالث يصلح فيه المحكومون ويفسد الحاكم،

стр. 1418

وقسم رابع هو شر الأزمنة لفساد الحاكم والمحكومين جميعا، وفى الأول يقول (١): «خيار الأزمنة ما اجتمع فيه صلاح الراعى والرعية، فكان الإمام مؤدّيا إلى الرعية حقهم: فى الرد عنهم والغيظ على عدوهم، والجهاد من وراء بيضتهم (٢) والاختيار لحكّامهم، وتولية صلحائهم، والتوسعة عليهم فى معايشهم، وإفاضة الأمن فيهم، والمتابعة فى الحق لهم، والعدل فى القسمة بينهم، والتقويم لأودهم (٣) والأخذ لهم بحقوق الله عليهم. وكانت الرعية مؤدية إلى الإمام حقه فى المودة والمناصحة والمخالطة وترك المنازعة فى أمره، والصبر عند مكروه طاعته، والمعونة على أنفسهم، والشدة على من أخلّ بحقه وخالف أمره، غير مؤثرين فى ذلك آباءهم ولا أبناءهم، ولا لابسين (٤) عليه أحدا. فإذا اجتمع ذلك فى الإمام والرعية تمّ صلاح الزمان، وبنعمة الله تتمّ الصالحات» ويظهر أن الأسئلة الأولى فى الرسالة كانت تخوض فى السياسة، وتلتها أسئلة كانت تخوض فى شئون الديانات، ولعل ذلك هو الذى جعل الدرة اليتيمة تسقط من يد الزمن، وكأن الناس تحاموا تداولها. أما رسالة الصحابة (٥) فهى فى صحابة السلطان وبطانته ومن يستعين بهم فى حكمه من جنده وما ينبغى له فى سياسته إزاء رعيته، كتب بها إلى المنصور، وكأنه يضع له دستورا للحكم، وقد استهلّها بمدحه وبيان فضله على خلفاء بنى أمية وما تحلّى به من تشجيع ذوى النصح والرأى على الإدلاء بنصائحهم وآرائهم فيما يعود على الأمة بالنفع والخير. ثم أخذ فى تصوير الدستور الذى يريد من المنصور اتباعه فى حكمه، واصفا حسن سياسته، إذ اقتلع الولاة والأعوان المفسدين، واجتمعت حوله قلوب الرعية لما اشتمل عليه من حسن العفو واللين. ولم يلبث أن تحدث عن الجند، ومعروف أن الجند حينئذ كانوا خراسانيين فى جمهورهم، ومن ثمّ أخذ يشيد بجند خراسان وأنه لم يدرك مثلهم فى الإسلام لما امتازوا به من الطاعة والفضل والعفاف والكف عن الفساد والإعطاء عن يد للولاة والحكام، ومن أجل ذلك كانت تجب العناية

стр. 1419

بهم بوضع قانون لهم، يوضح فى دقة واجباتهم وما ينبغى أن يفعلوه وما ينبغى أن يذروه ويتجنبوه، وأن مثلهم مثل الخليفة ينبغى أن يطيعوا الدين وأوامره ونواهيه، كما يطيعون الخليفة فى الأحداث المتجددة من إعلان حرب أو مهادنة أو تنظيم أمور حادثة. ومما ينظر فيه لصلاح الجند أن لا يولّى أحد منهم على شئ من الخراج فإن ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة، إذ يخرجهم عن وظيفتهم الحربية، ويشغلهم بأمور المال والدراهم والدنانير. ولفت المنصور إلى أن من عليهم من هم خير من قادتهم. ولذلك ينبغى أن يعيد النظر فيمن جعلهم منهم قادة، فيردّ بعضهم عن القيادة ويوليها الكفء المجهول من الجند. وطلب إليه أن يعنى بتعليمهم القرآن والتفقه فى السنة وأن يتحلوا بالأخلاق الفاضلة من الأمانة والعفاف والتواضع والبعد عن الهوى وأن يجتنبوا الترف فى المطعم والملبس، كما طلب إليه تعيين مواقيت محددة لأرزاقهم ورواتبهم وأن يتفصّى أحوالهم بثقات لا يكتمون عنه منها شيئا. وانتقل ابن المقفع من الجند إلى أهل العراق عامة وأهل البصرة والكوفة خاصة، لأنهم شيعة العباسيين. وتحدث عن تفوق أهل العراق على غيرهم فى الفقه والعفاف والعقول والفصاحة، وهم لذلك خير من يستعين بهم المنصور فى دولته، وكان الأمويون قد حرموهم من تدبير الحكم مع أنهم أهله ومستحقوه. وأوصاه-كما أوصاه فى الجند-أن يتتبع خيارهم من المجاهيل عنده، فيسند إليهم شئون الدولة، ويردّ عنها من وقع فيهم الخطأ ومن اختيروا دون تثبت وفحص كاف. وسرعان ما يعرض لفوضى القضاء الناشئة عن كثرة الاختلافات بين الفقهاء، حتى ليحكم فى القضية الواحدة بحكمين مختلفين أو أحكام مختلفة لا فى البلاد المتباعدة بل فى البلد الواحد، واقترح لدرء هذه الفوضى أن يضع المنصور قانونا يلتزمه القضاة على اختلاف منازعهم الفقهية، سواء أكانوا ممن يقدّمون الرأى ويعتدّون به أو كانوا ممن يقدمون السنة ويعتدّون بها، ويسخر من الأخيرين، إذ تمادوا فى الأخذ عن التابعين وخلفاء بنى أمية مسمّين ذلك سنّة، مما دفع إلى هذا الاضطراب الواسع فى الأقضية، يقول: «ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين (البصرة والكوفة) وغيرهما من الأمصار والنواحى اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التى قد بلغ اختلافها

стр. 1420

أمرا عظيما فى الدماء والفروج والأموال، فيستحلّ الدم والفرج بالحيرة، وهما يحرّمان بالكوفة، ويكون مثل ذلك الاختلاف فى جوف الكوفة، فيستحلّ فى ناحية منها ما يحرّم فى ناحية أخرى. غير أنه على كثرة ألوانه نافذ على المسلمين فى دمائهم وحرمهم، يقضى به قضاة جائز أمرهم وحكمهم، مع أنه ليس ممن ينظر فى ذلك من أهل العراق وأهل الحجاز فريق إلا قد لجّ بهم العجب مما فى أيديهم والاستخفاف بمن سواهم، فأقحمهم ذلك فى الأمور التى يتبيّغ (١) بها من سمعها من ذوى الألباب. أما من يدّعى لزوم السنة منهم فيجعل ما ليس له سنّتة سنّة، حتى يبلغ ذلك به إلى أن يسفك الدم بغير بينة ولا حجّة على الأمر الذى يزعم أنه سنة، وإذا سئل عن ذلك لم يستطع أن يقول: هريق (٢) فيه دم على عهد رسول الله ﷺ أو أئمة الهدى من بعده، وإذا قيل له: أىّ دم سفك على هذه السنة التى تزعمون؟ قالوا: فعل ذلك عبد الملك ابن مروان أو أمير من بعض أولئك الأمراء. وربما يأخذ بالرأى، فيبلغ به الاعتزام على رأيه أن يقول فى الأمر الجسيم من أمر المسلمين قولا، لا يوافقه عليه أحد من المسلمين، ثم لا يستوحش لانفراده بذلك وإمضائه الحكم عليه، وهو مقرّ بأنه رأى منه، لا يحتجّ بكتاب ولا سنّة. فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسنن المختلفة فترفع إليه فى كتاب، ويرفع معها ما يحتجّ به كل قوم من سنّة أو قياس، ثم نظر فى ذلك أمير المؤمنين وأمضى فى كل قضية رأيه الذى يلهمه الله، ويعزم عليه عزما، وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب بذلك كتابا جامعا لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا، ورجونا أن يكون اجتماع السّنن قرينة لاجتماع الأمر برأى أمير المؤمنين وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من إمام آخر، آخر الدهر، إن شاء الله». ومضى ابن المقفع يذكر أن اختلاف الأحكام إذا كان يرجع إلى سنن مأثورة غير مجمع عليها فينبغى الأخذ بما هو أشبه بالعدل، وإذا كان يرجع إلى استخدام الرأى والقياس، فإن القياس قد يخطئ، وليس المدار على القياس فى حد ذاته،

стр. 1421

وإنما المدار على ما يقود إليه فإن قاد إلى حسن أخذ به وإن قاد إلى قبيح ترك، إذ المراد ليس عين القياس، وإنما المراد إحقاق الحق لأهله. ولعل هذه الدعوة إلى إصلاح التشريع وجمع السنن والأحكام والأقضية ووضع قانون عام للقضاء هى التى دفعت المنصور ليطلب إلى مالك أن يؤلف فى الفقه كتابه «الموطأ» قد قال له: إنى أريد أن ترسل لى به لأكتب منه نسخا يرجع إليها الناس فى الأمصار، غير أن مالكا لم يرتض الفكرة، لأن المسلمين فى كل بلد رووا من السنة النبوية ما دانوا به، غير أنه ألف «الموطأ» وذاعت أحكامه الفقهية فى الحجاز، وفى كثير من الأمصار وخاصة فى مصر والمغرب والأندلس. ويدعو ابن المقفع بعد ذلك المنصور إلى العطف على أهل الشام مع ما يكنّونه للدولة من عداوة، لسلبها السلطان منهم، وأن يصطنع خيارهم، فيتبعهم فى محبة الدولة غيرهم، وتأخذ دائرة هذه المحبة فى الاتساع. ويطلب إليه أن يردّ عليهم فيئهم، حتى يذعنوا للدولة عن رضا، وحتى تهدأ نفوسهم فلا تكون منهم وثبات ولا ثورات. ويتحول ابن المقفع إلى بطانة الخليفة ورجال دولته ويطلب إليه أن يعيد النظر فيهم، فإن بينهم كثيرين ليسوا بذوى بلاء ولا فيهم غناء، بل بينهم من اشتهروا بالفجور والأعمال القبيحة، مع أن منهم من يصرّف أمور الدولة ومن يعمل فى دواوينها. . وحرى بالخليفة أن يجعل أساس اختياره لحاشيته الأمانة، والعدالة وجودة الرأى وأن لا يقرّب منه إلا من صنع مكرمة عظيمة أو أبلى بلاء حسنا، أو عرف بأصالة رأيه وحصافته أو كان عالما ينتفع الناس بعلمه، وعليه أن يجعل لكل منهم اختصاصا فى عمله لا يتعداه. ونصحه بأن يستخدم أهل بيته ويسند إليهم جسام الأمور والأعمال. ثم وقف عند الخراج أو بعبارة أخرى الضرائب المفروضة على الأراضى والضياع فى الدولة، ولفت المنصور إلى ما فيها من فوضى، إذ ليست هناك قواعد مقررة، وكل عامل يفرض الضريبة حسب مشيئته، ودعاه إلى وضع وظائف ثابتة على كل أرض وكل ضيعة، وبذلك يقف ظلم العمال ويأمن الزراع على عمارة ضياعهم وأراضيهم، كما دعاه إلى تخير عمّال الخراج وتفقّدهم واستبدال من تظهر عليه خيانة. وتحدث عن أهل الجزيرة العربية من الحجاز واليمن ومن وراءهم من البدو، وطلب إلى

стр. 1422

المنصور أن تسخو نفسه عن أموالهم من الصدقات وغيرها مما يجبى منهم، وكأنه نظر فى ذلك إلى فقر بلادهم وجدبها وأنهم كانوا مادة الإسلام والفتوح. ودعاه إلى أن يولى عليهم الخيار من أهل بيته. وطلب إليه أخيرا أن يعين فى الأمصار طائفة من الفقهاء والمحدثين النابهين تكون مهمتهم تأديب العامة وتبصيرها الخطأ ومنعها من البدع والفتن، وبذلك رشّح ابن المقفع لقيام وظيفة المحتسب فى الدولة العباسية، وكان يعهد إليه بمراقبة الأسواق والحكم فيما ينشأ فيها من منازعات وجنايات وما يكون من خطأ فى البيع والشراء أو نقص فى المكاييل والموازين. وقد يكون ابن المقفع تأثر فى هذه الرسالة ببعض أنظمة الحكم الساسانية وبما سمعه عن قانون جوستنيان الرومانى ولكن من المحقق أنه صدر فيها عن فطنة وقوة ملاحظة لأحوال الدولة الإسلامية فى عصره وما حذقه من شئون السياسة التى استوحاها مما قرأه عند الأوائل. ودائما لا نستطيع أن نخليه فى كتاباته من التأثر بالثقافات الأجنبية إذ كان أكبر من اطلعوا عليها فى عصره، وكان ذهنه من الخصب، بحيث يستنبط كثيرا من الآراء والأفكار وخاصة ما يتصل بالإصلاح الاجتماعى والسياسى. ولعل هذا الإصلاح الذى كان ينشده للدولة العباسية هو الذى دفعه إلى ترجمة القصص الخيالى الهندى، أو بعبارة أخرى ترجمة كليلة ودمنة، ويقال إنها نقلت فى عهد كسرى أنو شروان من الهندية إلى الفهلوية، وقد عثر الباحثون على بعض أصولها الهندية، من مثل «بنج تانترا» ومثل «هتو بادشا» ووجدوا منها بعض أصول فى «المهابهارتا» مما يؤكد أنها هندية الأصول، بل يثبته إثباتا قاطعا (١). ورجّح كثير من الباحثين أن ابن المقفع زاد فى الكتاب بعض الفصول والقصص، ولكن ربما زاد ذلك بعض من جاء بعده، إذ ترجم الكتاب مرارا، شعرا ونثرا، وأكبر الظن أن ابن المقفع لم يزد إلا الفصل الذى وضعه بين يدى القصص وسماه «عرض الكتاب» وذكر البيرونى قديما أنه زاد أيضا باب برزويه «قاصدا تشكيك ضعفى العقائد فى الدين وكسرهم للدعوة إلى مذهب المنانية، وإذا كان متهما فيما زاد لم يخل عن مثله فيما نقل (٢)»

стр. 1423

غير أن أبحاث المحدثين أثبتت أن هذا الفصل كان موجودا فى الأصل الفارسى مما يجعلنا نظن أن أصحاب الدعوة المانوية من الفرس استغلّوا الكتاب قبل نقله إلى العربية فى الدعوة لمذهبهم المانوى. ومثل ابن المقفع فى ترجمة هذا الكتاب مثله فى ترجمة الحكم والآداب الفارسية السياسية والاجتماعية والخلقية يصبّ فى دقة المعنى الذى يترجمه فى القوالب العربية التى تلائمه وتلائم الذوق العربى، بحيث خيّل إلى كثير من القدماء أن كل تلك الترجمات من تأليفه وتصنيفه، إذ لم يجدوا أى فارق فى الصياغة بين ما يترجمه وينشئه. وحقّا حمل عليه الجاحظ فى ترجمته لمنطق أرسطو، إذ لا حظ فى ألفاظه قصورا أحيانا عن أداء المعانى المنطقية (١)، وهو قصور منشؤه صعوبة أداء هذه المعانى لأول مرة فى العربية، ومهما يكن فلو فضل الرائد. وهو إن فاته التوفيق فى نقل المنطق الأرسططاليسى فإنه لم يفته فى بقية ترجماته، وأمامنا كليلة ودمنة التى لا تعدّ آية من آيات بلاغته فحسب بل تعد آية من آيات البلاغة العباسية على الإطلاق. وفى رأينا أن غضّ الجاحظ من ترجمته لمنطق أرسطو هو الذى دفع طه حسين فى كتابه «من حديث الشعر والنثر» إلى التشكك فى مقدرته على أداء المعانى الدقيقة العميقة حتى ليقول عنه: «له عبارات من أجود ما تقرأ فى العربية وبنوع خاص فى الأدب الكبير وفى كليلة ودمنة، ولكنه عند ما يتناول المعانى الضيقة التى تحتاج إلى الدقة فى التعبير يضعف، فيكلف نفسه مشقة ويكلف اللغة مشقة» (٢) ويبلغ من إزرائه عليه أن يقول إنه «كان مستشرقا كغيره من المستشرقين يحسن اللغة العربية فهما، وربما أعياه الأداء فيها» ويستشهد لذلك بأمثلة من رسالة الصحابة والأدب الكبير، كل ما يلاحظ عليها اضطراب فى بعض الضمائر، وكأنه نسى أن الرسالتين تداولتهما أيدى النساخ بعد ابن المقفع وأنه ربما دخلها هذا الارتباك من أيديهم. والحق أنه أسرف فى إزرائه عليه وفى عده مستشرقا كالمستشرقين الغربيين فى عصرنا، فهؤلاء لا ينشأون فى بيئات عربية كبيئة البصرة التى نشأ فيها ابن المقفع، وهم لا ينقلون إلى العربية آثار قومهم الأدبية على نحو ما كان ينقل ابن المقفع عن

стр. 1424

الفارسية، ثم هم لم يوظّفوا فى الدواوين العربية ولم يعملوا فيها كتّابا يكتبون الرسائل السياسية الرسمية، على نحو ما وظّف ابن المقفع. ولم يكن كاتبا فحسب بل كان أيضا يحسن صوغ الشعر العربى، وقد أجمع معاصروه على أنه كان آية فى البلاغة، وجعلوه على رأس البلغاء العشرة الذين سمّوهم فى هذا العصر (١)، وبلغ من إعجابهم به أنهم كانوا يكثرون من أسئلته عن البلاغة، على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، ونفس الجاحظ يقول فى بعض رسائله إن الكتاب الناشئين كانوا يتدارسون آثاره ليحذقوا البيان وليلقحوا عقولهم وألسنتهم بخير لقاح (٢). ولم يكن ابن المقفع بليغا فحسب، بل كان أكبر بلغاء عصره، إذ استطاع أن يملأ أوانى العربية بمادة أجنبية غزيرة، دون أن يحدث فيها انحرافا من شأنه أن يجرّ ضربا من الازدواج اللغوى، إذ من المعروف أن لكل لغة صياغتها وأنماطها الخاصة فى التعبير، ولها أيضا صورها وأخيلتها التى قد تستعصى على الأداء فى لغة أخرى. وشئ من ذلك لا يصادفنا عند ابن المقفع، فقد استطاع أن يحتفظ للعربية فى ترجماته بمقوماتها الأصيلة، كما استطاع الملاءمة بين الأخيلة والصور الفارسية وذوق اللغة العربية، بحيث لا نحسّ عنده نبوّا ولا انحرافا، مما يشهد له بقدرته البيانية وأنه استطاع أن يحوز لنفسه السليقة العربية التامة بكل شاراتها وسماتها اللغوية. والحق أنه كان آية فى البلاغة وجزالة القول ورصانته مع سهولته، وقد نصح مرة لبعض الأدباء، فقال له: «إياك والتتبع لوحشىّ الكلام طمعا فى نيل البلاغة فإن ذلك هو العىّ الأكبر». ولعل خير ما يصف بلاغته إجابته لسائل سأله عن البلاغة فقال: «هى التى إذا سمعها الجاهل ظنّ أنه يحسن مثلها». والمسألة لا تقف عند وصفه بالبلاغة، فهى أوسع من ذلك وأبعد مدى، إذ كان من أوائل من ثبّتوا الأسلوب الكتابىّ العباسىّ المولّد، وهو أسلوب يقوم على الوضوح وأن تشفّ الألفاظ عن معانيها وأن تخلو من كل غريب وحشىّ ومبتذل

стр. 1425

عامى. ولم يقصر ابن المقفع هذا الأسلوب على ما ينشئه من رسائل ديوانية أو إخوانية، بل عممه فى ترجماته، وبذلك وطّده أقوى توطيد ومكّن له أوسع تمكين، إذ جعله أسلوب النثر العام فى العصر مهما اختلفت فنونه. وكانت غزارة معانيه سببا فى أن يتميز هذا الأسلوب عنده بالإيجاز والاقتصاد الشديد، فالألفاظ بقدر المعانى لا تنقص ولا تزيد، والمعانى تؤدّى أداء فصيحا رصينا، دون قصد إلى الجمال التعبيرى من سجع أو ترادف صوتى. ويظهر أنه على الرغم من زندقته كان يبهره جمال القرآن وصياغاته فاستعار من ألفاظه وأساليبه كثيرا فى جوانب كتاباته حتى فى القصص الحيوانى قصص كليلة ودمنة، وطبيعى أن تبلغ هذه الاستعارة عنده الغاية فى تحميداته التى كان يفتتح بها الرسائل السياسية الرسمية والتى كان يعظّم فيها الدين الحنيف على نحو ما نرى فى هذا التحميد (١): «الحمد لله ذى العظمة القاهرة، والآلاء الظاهرة، الذى لا يعجزه شئ ولا يمتنع منه، ولا يدفع قضاؤه ولا أمره: (﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).﴾ والحمد لله الذى خلق الخلق بعلمه، ودبّر الأمور بحكمه، وأنفذ فيما اختار واصطفى منها عزمه بقدرة منه عليها وملكة (٢) منه لها ﴿(لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)﴾ ولا شريك له فى شئ من الأمور ﴿(يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ)﴾ وما كان للناس الخيرة فى شئ من أمورهم (﴿سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ)﴾. والحمد لله الذى جعل صفوة ما اختار من الأمور دينه الذى ارتضى لنفسه ولمن أراد كرامته من عباده، فقام به ملائكته المقرّبون، يعظّمون جلاله ويقدسون أسماءه ويذكرون آلاءه لا يستحسرون (٣) عن عبادته ولا يستكبرون (﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ)﴾ وقام به من اختار من أنبيائه وخلفائه وأوليائه فى أرضه يطيعون أمره ويذبّون عن محارمه، ويصدّقون بوعده، ويوفون بعهده ويأخذون بحقه ويجاهدون عدوّه. وكان لهم عند ما وعدهم من تصديقه قولهم وإفلاجه (٤) حجّتهم وإعزازه دينهم وإظهاره حقهم وتمكينه لهم، وكان لعدوه وعدوهم عند ما أوعدهم من خزيه وإحلاله بأسه، وانتقامه منهم وغضبه عليهم. مضى على ذلك أمره ونفذ فيه قضاؤه

стр. 1426

فيما مضى، وهو ممضيه ومنفذه على ذلك فيما بقى (﴿يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ)﴾ و (﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).﴾ والحمد لله الذى لا يقضى فى الأمور ولا يدبّرها غيره، ابتدأها بعلمه وأمضاها بقدرته، وهو وليّها ومنتهاها، وولىّ الخيرة فيها والإمضاء لما أحبّ أن يمضى منها (﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ).﴾ والحمد لله الفتاح العليم العزيز الحكيم، ذى المنّ والطّول (١) والقدرة والحول (٢)، الذى لا ممسك لما فتح لأوليائه من رحمته، ولا دافع لما أنزل بأعدائه من نقمته، ولا رادّ لأمره فى ذلك وقضائه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. والحمد لله المثيب بحمده ومنه ابتداؤه، والمنعم بشكره وعليه جزاؤه، والمثنى بالإيمان وهو عطاؤه». والآيات المقتبسة من الذكر الحكيم كثيرة فى هذا التحميد، وقد وضعناها بين أقواس لتتضح مواضعها، ووراءها ألفاظ كثيرة مستمدة من القرآن الكريم. وبدا عنده هنا شئ من السجع الذى يأتى عفوا سمحا، وكأنما ابتغى هنا التنميق بأكثر مما كان يبتغيه فى ترجماته. ونحن نسوق طائفة من رسائله الإخوانية ليتضح لنا ما كان يبذل فيها من جهد فنى، وأول ما نذكر منها تهنئة بمولودة لأحد أصدقائه على هذا النمط (٣): «بارك الله لكم فى الابنة المستفادة، وجعلها زينا، وأجرى لكم بها خيرا، فلا تكرهها، فإنهن الأمهات والأخوات والعمّات والخالات، ومنهن (﴿الْباقِياتُ الصّالِحاتُ)﴾ ورب غلام ساء أهله بعد مسرّتهم، وربّ جارية فرّحت أهلها بعد مساءتهم» واقتبس هنا من القرآن كلمة (﴿الْباقِياتُ الصّالِحاتُ)﴾ وعنى بالإيجاز والاقتصاد الشديد، ومما كتب به فى التعزية عن ولد (٤): «إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقّه، فلا تجمعنّ إلى ما فجعت به من ولدك الفجيعة بالأجر عليه والعوض منه، فإنها أعظم المصيبتين عليك، وأنكى المرزئتين (٥) لك، أخلف الله عليك بخير، وذخر لك جزيل الثواب».

стр. 1427

والدقة المنطقية واضحة فى هذه الرسالة مع ما يجرى فيها من طرافة التفكير، فقد جعل الجزع على الولد فجيعة لا تقل عن فجيعة فقده، بل جعلها أعظم وأنكى، إذ تحرم صاحبها الثواب. وتلطّف فدعا لصاحبه أن يعوضه الله من ولده ويخلف عليه بخير منه؛ ومن رسائله الإخوانية البديعة ما كتب به إلى بعض إخوانه يستقضيه حاجة (١): «أما بعد فإن من قضى الحوائج لإخوانه واستوجب بذلك الشكر عليهم فلنفسه عمل لا لهم. والمعروف إذا وضع عند من لا يشكره فهو زرع لا بد لزراعه من حصاده أو لعقبه من بعده. وكتبت إليك، ولحالنا التى نحن بها فيما نذكر لك حاجة، أول ما فيها معروف، تستوجب به الشكر علينا، وتدّخر به الأيادى قبلنا». ودقة التفكير واضحة فى الرسالة، فقد جعل قضاء أخ لأخيه حاجة ليس ممّا يؤديه إليه، وإنما يؤديه إلى نفسه، لقيامه بحقوق أخيه ونهوضه بواجبه نحوه. ويتحدّث عن بذل المعروف، ويتبادر إليه جحود بعض الناس، فيقول إن المعروف غرس لا بد من حصاده حتى عند من يجحدون ولا يشكرون. ومرت بنا فى الفصل السالف رسائل إخوانية تحوّل بها بعض الكتّاب إلى ما يشبه رسائل أدبية تصف الأخوة والصداقة من حيث هما مفصّلة صفاتهما وشرائطهما، ولابن المقفع قطعة أدبية بديعة فى وصف أحد إخوانه، وفى رأينا أنه لم يصف فيها أخا بعينه، إنما وصف المثل الأعلى للأخ الكامل، أو بعبارة أدق للرجل الفاضل، وهى تمضى على هذه الشاكلة (٢): «إنى مخبرك عن صاحب لى كان أعظم الناس فى عينى، وكان رأس ما عظّمه عندى صغر الدنيا فى عينه. كان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهى ما لا يجد، ولا يكنز إذا وجد. وكان خارجا من سلطان فرجه، فلا يدعو إليه ريبة، ولا يستخفّ له رأيا ولا بدنا، وكان لا يبأشر (٣) عند نعمة، ولا يستكين عند

стр. 1428

مصيبة وكان خارجا من سلطان لسانه، فلا يتكلم بما لا يعلم ولا يمارى (١) فيما علم. وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يقدم إلا على ثقة بمنفعة. وكان أكثر دهره صامتا، فإذا نطق بذّ القائلين. وكان يرى ضعيفا مستضعفا، فإذا جدّ الجدّ فهو اللّيث عاديا. وكان لا يدخل فى دعوى، ولا يشارك فى مراء، ولا يدلى بحجة، حتى يرى قاضيا فهما وشهودا عدولا. وكان لا يلوم أحدا على ما قد يكون العذر فى مثله، حتى يعلم ما اعتذاره. وكان لا يشكو وجعا إلا إلى من يرجو عنده البرء، ولا يستشير صاحبا إلا من يرجو عنده النصيحة. وكان لا يتبرّم، ولا يتسخّط، ولا يتشكّى، ولا يتشهّى. وكان لا ينقم على الولىّ ولا يغفل عن العدو، ولا يخصّ نفسه دون إخوانه بشئ من اهتمامه وحيلته وقوته. فعليك بهذه الأخلاق إن أطقتها، ولن تطيق، ولكنّ أخذ القليل خير من ترك الجميع». وواضح أن هذا الوصف للرجل الكامل وخصاله يعد درة ثمينة من درر البلاغة العباسية، ومن الخطأ البين أن يقال عن صاحبه وصاحب النصوص التى أسلفناها إنه كان كأحد المستشرقين يتعثر فى أساليبه وتضطرب لغته، ويعييه أحيانا الأداء السليم ويستعصى عليه استعصاء، فقد كانت اللغة العربية تستقيم له، وكان أعجوبة زمانه فى البيان والبلاغة مع الجزالة والنصاعة حينا، وحينا آخر مع العذوبة والرشاقة. ٢ - سهل بن (٢) هرون هو سهل بن هرون بن راهبونى كما جاء فى البيان والتبيين، وفى كتاب البخلاء

стр. 1429

«راهبون» وفى الفهرست «رامنوى» وفى حياة الحيوان للدميرى «راهويه». وهو فارسى الأصل، وعلى نحو ما اختلف الرواة فى اسم جده اختلفوا فى مسقط رأسه، فقيل إنه من أهل دستميسان، وهى كورة بين البصرة وواسط والأهواز، وقيل إنه من أهل ميسان قرية بتلك الكورة، وقيل إنه من أهل نيسابور. ولا يعرف تاريخ مولده، وأغلب الظن أنه ولد حوالى منتصف القرن الثانى الهجرى، وقد ترك مسقط رأسه مبكرا إلى البصرة، وأقبل على التزود من ينابيع الثقافة التى كانت منبثّة بها، وخاصة علم الكلام وما نقل عن الأجانب من مختلف الترجمات فارسية ويونانية وهندية، وأخذ هو نفسه يشارك فى ترجمة بعض الرسائل عن لغته الأصلية. وتجذبه بغداد إليها آملا أن ينال بها شيئا من المجد والشهرة، وسرعان ما يقرّبه يحيى البرمكى وزير الرشيد منه، فيلحقه بالدواوين، حتى إذا أسس الرشيد دار الحكمة عين بها للإشراف على بعض الكتب وبعض ما كان يترجم فيها من الآداب الأجنبية، إذ كان أحد النقلة النابهين من لسانه الفارسى إلى العربية. وفى أثناء صلته بالبرامكة وبعد نكبتهم سنة ١٨٧ للهجرة انعقدت صداقة وثيقة بينه وبين الفضل بن سهل مدبر شئون المأمون ومستشاره وكاتبه، فقدّمه إلى المأمون، فأعجب ببلاغته وصحة منطقه وذكائه، حتى إذا تحوّلت الخلافة إليه وأخذ يعنى بشئون دار الحكمة عنايته الواسعة المعروفة، إذ حولها إلى ما يشبه أكاديمية ضخمة، جعله قيّما على خزائن كتب الفلسفة التى جلبت من قبرص، ليشرف على نقلها إلى العربية. وكان يلزم المأمون فى مجالسه وندواته التى كان يعقدها لكبار العلماء والمتكلمين. وما زال خازنا بدار الحكمة حتى توفى سنة ٢١٥ للهجرة. واشتهر سهل فى زمانه بالحكمة والبلاغة حتى سماه معاصروه بزرجمهر الإسلام، إشارة إلى أنه يحل فى العربية محل بزرجمهر فى الفارسية وما أثر عنه من حكم وأمثال كثيرة، ووصفه الجاحظ فقال: «كان سهل سهلا فى نفسه عتيق الوجه (١)، حسن الشارة، بعيدا من الفدامة (٢)، تقضى له بالحكمة قبل الخبرة

стр. 1430

وبرقة الذهن قبل المخاطبة وبدقة المذهب قبل الامتحان، وبالنبل قبل التكشف (١)» ووصفه الحسن بن سهل وزير المأمون فقال: «وازن العلم، واسع الحلم، إن حودث لم يكذب، وإن موزح لم يغضب، كالغيث أين وقع، وكالشمس حيث أولت، أحيت، وكالأرض ما حمّلتها حملت، وكالماء طهور لملتمسه وناقع لغلّة من حرّ (٢) إليه، وكالهواء الذى تقطف منه الحياة بالتنسم، وكالنار التى يعيش بها المقرور، وكالسماء التى قد حسنت بأصناف النور». ويقول ابن النديم إنه كان «شعوبى المذهب، شديد العصبية على العرب، وله فى ذلك كتب كثيرة ورسائل فى البخل» وكأنه أراد بتلك الرسائل أن ينقض فضيلة الكرم العربية. وكان البخل سجية وطبعا ركّب فيه، ورويت عنه فى ذلك نوادر كثيرة، منها أن شخصا لقيه، فقال له: هب لى ما لا ضرربه عليك، فقال: وما هو يا أخى، قال: درهم، فقال سهل: لقد هوّنت الدرهم، وهو طائع الله فى أرضه لا يعصى، وهو عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف دية المسلم، ألا ترى إلى أين انتهى الدرهم الذى هوّنته، وهل بيوت الأموال إلا درهم على درهم. فانصرف الرجل، ولولا انصرافه لم يسكت سهل. ومن حكاياته العجيبة فى البخل ما حكاه دعبل، قال: «كنا عنده يوما، فأطلنا القعود ولم نبرح، حتى كاد يموت جوعا، فلما اضطررناه قال: يا غلام ويلك غدّنا، فأتاه بصحفة فيها مرق تحته ديك هرم لا تحزّ فيه السكين ولا تؤثر فيه الأضراس، فاطّلع فى الصحفة وقلّب بصره فيها، ثم أخذ قطعة خبز يابس، فقلّب جميع ما فى القصعة، حتى فقد الرأس من الديك. فبقى مطرقا ساعة، ثم رفع رأسه إلى الغلام، فقال: أين الرأس؟ فقال: رميت به، قال سهل: ولم رميت به؟ قال: لم أظنك تأكله، قال: ولأى شئ ظننت أنى لا آكله؟ فو الله إنى لأمقت من يرمى برجليه، فكيف من يرمى برأسه، ثم قال له: لو لم أكره ما صنعته إلا للّطيرة (التشاؤم) والفأل لكرهته، الرأس رئيس وفيه الحواس الخمس، ومنه يصبح الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه فرقه الذى يتبرّك به، وعينه التى يضرب بها المثل، يقال شراب

стр. 1431

كعين الديك فى الصفاء، ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم أر عظما قط أهش تحت الأسنان من عظم رأسه، فهلا إذ ظننت أنى لا آكله ظننت أن العيال يأكلونه؟ وإن كان بلغ من نبلك أنك لا تأكله فإن عندنا من يأكله، أما علمت أنه خير من طرف الجناح ومن الساق والعنق؟ انظر أين هو؟ قال: والله ما أدرى أين رميت به، قال سهل: لكنى أدرى أنك رميت به فى بطنك، والله حسيبك». ولعل فى هذه النادرة وسابقتها ما يدل على ظرفه، وهو ظرف كان يشوبه بالفكاهة الحلوة أحيانا، وأحيانا بالسخرية المرة، من ذلك أنهم قصّوا عنه أنه حدّث بعض الأمراء، فقال له كذبت، فأجابه على البديهة: إن وجه الكذاب لا يقابلك، يعنى أن الأمير هو الكذاب، لأن وجه الإنسان لا يقابله. وطلب إليه أبو الهذيل العلاّف المتكلم المشهور أن يكتب له رسالة إلى الحسن بن سهل يوصيه فيها به، فلبّى طلبه، ولما تقدم بها إلى الحسن وفضّها وقرأ ما فيها أغرب فى الضحك، إذ وجد سهلا ينهاه عن أن يمدّ لأبى الهذيل العون بأبيات تتحيّفه وتقبض يد قارئها عن مساعدته، استهلّها بقوله: إن الضمير-إذا سألتك حاجة ... لأبى الهذيل-خلاف ما أبدى فامنحه روح اليأس ثم امدد له ... حبل الرّجاء بمخلف الوعد حتى إذا طالت شقاوة جدّه ... وعنائه فاجبهه بالرّدّ وقال الحسن: هذه صفته لا صفتنا، وأمر لأبى الهذيل بمال، فعاد إليه، وعاتبه، فقال سهل: ترى أين عزب عنك الفهم، أما سمعت قولى: «إن الضمير خلاف ما أبدى، فلو لم يكن ضميرى الخير ما قلت هذا. وهى مغالطة واضحة، غير أنها تدل على قدرته العقلية فى الإتيان بالحجة الصحيحة تارة، والحجة المدخولة تارة ثانية. وكان سهل يحسن القول نثرا وشعرا، وفيه يقول الجاحظ: «ومن الخطباء الشعراء الذين جمعوا الشعر والخطب والرسائل الطوال والقصار والكتب الكبار المجلدة والسّير الحسان المدّونة والأخبار المولّدة سهل بن هرون بن راهبونى الكاتب صاحب كتاب ثعلة وعفراء فى معارضة كتاب كليلة ودمنة، وكتاب الإخوان وكتاب المسائل

стр. 1432

وكتاب المخزومى والهذلية وغير ذلك من الكتب». وذكر ابن النديم من كتبه أيضا «كتاب النّمر والثعلب، وكتاب الوامق والعذراء، وكتاب ندود وودود ولدود وكتاب الضربين وكتاب الغزالين وكتاب أدب أسل بن أسل وكتاب إلى عيسى ابن أبان فى القضاء وكتاب تدبير الملك والسياسة». وذكر ابن نباتة كتابا له فى سيرة المأمون. ويظهر أنه عنى فى كثير من كتبه بالقصص على ألسنة الحيوان، مشاكلة لكتاب كليلة ودمنة، وكان من أهم ما وضعه فى ذلك كتاباه: «ثعلة وعفراء» و «النمر والثعلب» وقد أشاد المسعودى بأولهما وقال إنه يزيد على كليلة ودمنة بحسن نظمه. وقد اتخذ من الحيوان وسيلة للعظة والتربية الاجتماعية والسياسية بما يفصّل من الكلام وضرب الحكم والأمثال بالضبط كما صنع واضع كليلة ودمنة، ولم يبق لنا من كتاب ثعلة وعفراء سوى هذه النصيحة: «اجعلوا أداء ما يجب عليكم من الحقوق مقدّما قبل الذى تجودون به من تفضلكم، فإن تقديم النافلة مع الإبطاء عن الفريضة مظاهر على وهن العقيدة وتقصير الرويّة، ومضر بالتدبير ومخلّ بالاختيار، وليس فى نفع تحمد به عوض من فساد المروءة ولزوم النقيصة». ويقول الحصرى بعد ذكره لهذه النصيحة: إن هذا الكتاب مملوء حكما وعلما. وعثر السيد عبد القادر المهيرى حديثا على كتاب النمر والثعلب، ونشر مقتطفات منه مع مقدمة فى العدد الأول من حولية الجامعة التونسية، والكتاب، أو بعبارة أدق القصة تدور على ثلاث شخصيات هى الثعلب الحكيم والذئب الجحود والنمر الطاغى، وتتسلسل القصة تسلسلا دقيقا، فالثعلب كان يعيش مع زوجه فى واد غبر عليه زمان فيه وهو حسن الحال رخى البال، ومر به ثعلب آخر، فأنكر موضع جحره من الوادى ونصحه أن يتحول عنه، مخافة أن يهجم عليه السيل، واستشار زوجه، فأبت عليه التحول، ولم يلبث أن جاء طوفان من السّيل حمله وحده إلى جزيرة لم يسمع بها حسيسا، ولم ير أنيسا، فبات ليلته طاويا حتى أصبح، وبينما يتلفت من حوله إذا ذئب يمرّ به، فتعارفا، وسرعان ما عرف منه أن الجزيرة تمتلئ بالظباء وبقر الوحش غير أنه لا يستطيع أن يصيدها ولا أن

стр. 1433

يقربها ولا أن يتجاوز موضعه، لخضوع الجزيرة وكل ما بها من وحش لملك طاغ باغ هو النمر الذى تجبّر وتكبر. وقال له: إننى لا أكلمك الآن إلا فزعا مرتعبا خشية أن يرانا، فلننصرف، ولنلتق غدا فى مكان خفىّ، فالتقيا، وأشار عليه الثعلب أن يقدم على النمر فيتلطف له ويطلب منه ولاية فى الجزيرة يقوم على حكمها ويشاطره خيراتها، ويتخذ منه وزيرا يعينه على إدارتها. ويبدى الذئب خوفه من لقاء الملك الباطش، وما يزال يشجّعه حتى يلقاه. ويعجبه حديثه وما عرض عليه، فيعيّنه واليا على مناهل الظباء. ونحن نسوق هذه القطعة من القصة لندل على أسلوب سهل وطريقته فى هذا القصص الحيوانى الخيالى، وهى تحكى ما حدث بعد لقاء الثعلب للذئب فجأة واتفاقهما على اللقاء، وما كان بينهما من حوار فى هذا اللقاء، وما أثمر الحوار للذئب من الولاية وللثعلب من الوزارة: «انصرف الثعلب حزينا مغتمّا لما حزره من عداوة النمور وعدم القوت، ثم فكر فقال: إنما يعرف فضل عقل المرء فى شدائد الأمور ونوازل الخطوب، فأما عند الرخاء فما أقرب الجاهل من العالم والأحمق من العاقل، وذلك أن مساعدة الدنيا للجاهل ساترة لنقصه عن زيادة العاقل وحاجبة عن التمييز بينه وبين اللبيب وليس لمثلى قوة على صيد الظباء وبقر الوحش، وإنما يصيد كل امرئ [على] قدره، وليس ههنا إلا طلب الحيلة. فلما أصبح الصبح قصد المكان الذى وعد الذئب فيه والتقيا هنالك عن رقبة (تحفظ) من النمر، فقال له الثعلب» يا أبا الفرّاء كنت مهموما بنفسى، فزادنى اهتماما ما أبثثتنى من حديثك وألقيت إلىّ من سوء حالك، وههنا تدبير إن أعنتنى عليه بهمة صادقة، فلعله أن يعود إلى صلاح، فقال الذئب: وما هو؟ قال الثعلب: ائت النمر، فسله أن يوليك ولاية تردّ عليك نفعا وتردّ لك ذكرا وتكسبك حمدا، قال الذئب: فأين ما أخبرتك عن بخله وشراسة خلقه، وإنه لكما قال القائل: سواء هو والعدم، قال الثعلب: فأعلمه أنك لا تفيد شيئا إلا بعثت إليه بشطره فإن لك فيما يبقى منتفعا وصلاحا، فإن أجابك فلن تعدم منى معونة حسنة وقاما بالذى يجب، وكن كما قال الشاعر: وليس الرزق عن طلب له حثيث ... ولكن ألق دلوك فى الدّلاء

стр. 1434

تجئك بملثها طورا وطورا ... تجئ بحمأة وقليل ماء (١) قال الذئب: يا أبا الصّباح إنه كان يقال: اتقوا مقارفة (٢) الحريص الغادر، فإنه إن رآك فى القوة رأى منك أخبث حالاتك. وإن رآك فى الفضول (٣) لم يدعك وفضولك، قال الثعلب: يا أبا الفراء: إنه ليس الرأى. . من عاش غير خامل الذكر والمنزلة إذا أفضل على نفسه وأصحابه فهو وإن قلّ عمره طويل العمر، ومن كان عيشه فى ضيق وقلّ خيره على نفسه وعلى الناس فهو وإن طال عمره قصير العمر. قال الذئب: إنه كان يقال: أمور ثلاثة لا يجترئ عليها إلا أهوج ولا يسلم منها إلا قليل: صحبة السلطان وائتمان النساء على الأسرار وشرب السمّ على التجربة. قال الثعلب: قد يبلغ الخضم بالقضم (٤)، ويركب الصعب من لا ذلول له. وليس يواظب على باب السلطان أحد، فيلقى عن نفسه الأنفة ويتحمل الأذى ويكظم الغيظ ويرفق بالناس إلا خلص إلى حاجته من السلطان. قال الذئب: إنه كان يقال: لا تغتبط بسلطان من غير عدل، ولا بغنى من غير فضل، ولا ببلاغة من غير صدق، ولا بجود من غير إصابة، ولا بحسن عمل من غير خشية. قال الثعلب: إنه ينبغى للعاقل أن يدارى الزمان مداراة الرجل السابح فى الماء الجارى، وقال المتمثل: أرضى من المركب بالتعلق. قال الذئب: السبب الذى يدرك به العاجز حاجته هو السبب الذى يحول بين الحازم وطلبته. قال الثعلب: المال زيادة فى القوت والرأى، وليس الإخوان والأهل والأعوان إلا مع المال، ولا يظهر المروءة إلا المال، لأن من لا مال له إذا أراد أن يتناول أمرا قعد به العدم فقصّر عنه. قال الذئب: إنّ للسلطان سكرات، فمنها الرضا عن بعض من يستوجب السخط، والسخط عمن يستوجب الرضا، ولذلك قيل: قد خاطر من لجّج فى البحر، وأشدّ منه مخاطرة من صاحب السلطان. قال الثعلب: من لم يركب الأهوال على صعوبتها لم ينل الرغائب، ومن ترك الأمر الذى لعله أن يبلغ فيه حاجته مخافة ما لعله يوقّاه فليس ينال

стр. 1435

جسيما، وقد كان يقال: أعمال ثلاثة لا أحد يستطيعها إلا بمعونة ارتفاع همة وعظم خطر: صحبة الملوك وتجارة البحر ومناجزة العدو. فأعجب الذئب كلامه، فأتى النمر، فشكر له، وأقام بين يديه، وكان لا يعرفه بمثل هذه الذلة. فافتتح الكلام، فقال: أيها الملك إنى لما أنا عليه من المناصحة والموالاة تأملت باب الملك فوجدته خاليا من صالحى الأعوان وثقات الخدم، ولما رأيت الملك كثير الكلف عظيم المؤن رحب الفناء جزل العطاء، وليس له من عبيده من يعينه على مئونته ويكفيه المهم من عمله ندبت نفسى للذى رأيتنى أقوى عليه من حسن السياسة وضبط الناحية التى أتولاها وردّ المنفعة على الملك منها، فأعجب النمر كلامه وطمع فيما وعده، فقال له: صدقت وبررت، وأنا مستكفيك ومقلّدك، فأنظر كيف يكون ضبطك وكفايتك وغناؤك ووفاؤك بما شرطت على نفسك. اكتب له يا غلام عهده على مناهل الظباء، واجمع له أعمال ما هنالك، فخرج الذئب إلى عمله، واستخلف الثعلب وأحلّه محل الوزير الكاتب». ومضى الذئب إلى ولايته مستصحبا وزيره، حتى إذا دانت له رعيته واستتبّ أمره وتمكن سلطانه أمسك بما كان يرسله للنمر من الخيرات والطيبات، وراسله النمر وذكّره بعهوده ووعوده، ولكنه ظل سادرا فى غيّه، فكتب إليه يحذره وينذره بالعقاب والنكال، وكان الذئب قد صمم على التمرد ونقض الطاعة، فردّ على النمر بهذه الرسالة العنيفة: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد النبى الكريم، أما بعد فإن كتاب الملك-أمتع الله به-وصل إلىّ بما حذّر فيه وأنذر، وقدّم وأخّر، وفهمته، وقد كان الملك-حفظه الله-أسند إلىّ أمر هذا الثغر المخوف على حين انتشار من العدوّ به، وانقطاع من سبله، واختلاف من الكلمة بين أهله وتفرق من الأهواء فيه، فرأبت (١) صدع الآفة، وجمعت شمل الطاعة وكشفت دجية (٢) الفتنة وأسغت الريق بعد الشّجا (٣)، وقمعت أولى العداوة والبغضاء، وأقمت حقّا كان معلمه (٤) متروكا، ودمغت ضلالة كان طريقها

стр. 1436

مسلوكا، ألتمس بذلك جزيل الثواب وكريم المآب ورضا الملك والزلفة عنده، فعاد ما عملته هباء، ولم أجد منه شيئا مشكورا، وما يقعقع لمثلى بالشّنان (١) وإنى لألوى بعيد المستمرّ (٢) فإن يستتم الملك صنيعته ويربّ (٣) نعمته فأنا بين العصا ولحائها (٤)، وإلا فسيجدنى جذل حكاك (٥) إذا نكأت (٦) قرحة أدميتها، أحمر (٧)، ضرابا بالسيف، والسلام». فلما قرأ النمر الرسالة عرف أنه عزم على الانتقاض عليه فجمع وزراءه، وكانوا ثلاثة، فاستشارهم فى أمره، فأشار الأول بالكتابة إليه فى إيجاز لتبيّن دخيلة أمره وحقيقة موقفه إن سلما فسلم وإن حربا فحرب، وأشار الثانى بالصفح عن زلّته، فإن الحرب سجال، وهى حتى على الظافر خسارة فى الأموال والرجال، وأشار الثالث بمحاربته قبل استفحال أمره وحتى لا يظن غيره من الولاة أن بالنمر ضعفا، فيحاكوه ويسقطوا عن ظهورهم فرائض السلطان وخراجه، وأخذ النمر بقول الوزير الأول، فكتب إلى الذئب رسالة، نسختها: «بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد النبى الكريم، أما بعد فإنى رأيتك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا نظرت فى كتابى هذا فاعتمد على أيهما شئت فإن كنت سلما فأقبل وإلا فأذن بحرب، والسلام». ولجّ الذئب فى عصيانه، ونشبت بينه وبين النمر معارك حامية الوطيس، انتهت بمقتله والقبض على الثعلب وزيره ومدبر أموره، وكاد أن يقتل لولا ما لا حظ النمر من ذكائه ودقة تفكيره، مما جعله يعده أن يبقى على حياته إن هو أحسن الإجابة على ما يلقى عليه من أسئلة. وتتوالى الأسئلة فى الإنسان والعقل وحظ العقلاء منه وتفاضلهم فيه وفى مكانة العقل من العلم وأثره فى سلوك الإنسان وشيمه الخلقية وما يصيبه من خير أو شر. وتلقانا فى هذه الإجابات طرافة تفكير سهل

стр. 1437

ودقته وتعمقه، ومن خير ما يصور ذلك حديثه عن تفاضل العقول والعقلاء ونزولهم فى درجات متفاوتة تفاوتا بعيدا، ومع ذلك يطلق عليهم جميعا اسم واحد، يقول موردا السؤال والإجابة، ومنتهيا إلى أن العقل الكامل من صفات الله وحده. «أخبرنى عن العقل أهو شئ إذا نال الإنسان أدناه فقد بلغ أقصاه أم الناس فى نيله مستوون أم متفاضلون؟ قال: بل متفاضلون. قال: فكيف دعى ذو الحظ اليسير منه باسم ذى الحظ الكبير، فقيل لهما عاقلان وهما فى العقل متباينان؟ فهل يقع اللقب الواحد على ذوى الدرجات الشتى؟ قال: نعم، وليس ذلك بخطأ من القائل، لأن هذه الدرجات الشتى من جنس واحد، واللغة تضيق عن هذا وما أشبهه أن يدعى كل ذى درجة من درجات الجنس الواحد بلقب غير لقب الآخر، ولو كلّفت اللغة ذلك لطال الكلام. . . لتوزع المعنى المستوجب للاسم ولكنها شملتها كلها باللقب الواحد ودعت المختلفين فيه باسم واحد. قال: فكيف يعرف الناقص من الزائد وقد جمعهما اسم واحد؟ . قال: بالتمييز وكشف المعرفة، ومثل ذلك فى اللغة ما يدعى به أهل صناعة من الاسم الواحد وهم فى تلك الصناعة متباينون فى التفاوت، إذ يقال: بناة ونجّارون وتجار وخياطون، ولكل منهم على صاحبه فضل أو عليه له فضل. فالناس كلهم مستوون فيما يلحقهم من النقص فى العقل، وهم فيما أتوا منه متفاضلون، أحدهم فيه أكثر حظّا منه. قال: كيف مدّت هذه الغاية ومنع ذوو العقل بلوغها؟ قال: لأن الغاية كمال، والكمال صفة لا تصح إلا للخالق، ولا يستوى الخالق والمخلوق فى صفته، تعالى الله عن ذلك». وواضح ما أودعه سهل هذه القصة الحيوانية من تصوير لحكم الملوك المتجبرين والولاة المتمردين وحيل الوزراء الدهاة، مستخلصا فى ثنايا ذلك كثيرا من العظات وناثرا كثيرا من الحكم والأمثال. وهو يبتغى بذلك نفس الغاية التى ابتغاها واضع كليلة ودمنة من نصح الملوك والحكام عن طريق ما يجرى على ألسنة الحيوان من مقت الظلم والبغى وسوء السيرة ومحبة العدل والإنصاف. وهو يتعمق أكثر مما تعمق صانع كليلة ودمنة، إذ يعرض للعلم والجهل والعقل وإرشاده الإنسان إلى الخير وصرفه عن طريق الشر. والقصة مشوفة لا بما فيها من حوار فحسب، بل بطرافة الحوار

стр. 1438

وما يجرى فيه من حيل وأفكار دقيقة نادرة. وفى أسماء كتب سهل التى ذكرناها آنفا ما يدل على أنه أجرى بعض قصصه على ألسنة الإنسان مباشرة على نحو ما يدل على ذلك اسم كتابه «المخزومى والهذلية» واسم كتابه الثانى: «الوامق والعذراء». واحتفظ الجاحظ فى أول كتابه البخلاء برسالة طويلة له يحتج فيها للبخل وينصره على الكرم، ومرّ بنا ما يقال من أنه كتبها شعوبية على العرب، إذ حاول فيها أن يهدم فضيلة الكرم العربية هدما. ويذكر الرواة أنه قدمها إلى الحسن ابن سهل يرجو مكافأته عليها، فكتب له على ظهرها: «وصلت رسالتك ووقفنا على نصيحتك وقد جعلنا المكافأة عنها القبول منك والتصديق لك». ونراه فى فاتحتها يتوجّه بالحديث فيها إلى بنى عمه، وظن القدماء أنه يريد بنى عمه الحقيقيين من آل راهبون، وأغلب الظن أنه يقصد العرب. وقد مضى يذكر أنه إنما يقصد هدايتهم وأنه إن أخطأه سبيل إرشادهم فلن يخطئه سبيل حسن النية، ثم أخذ يورد دفاعه عن البخل ومحاسنه، مستعينا بقدرته على الجدل وصنع الحجج المنطقية وبما حفظ من بعض أقوال الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، وهم إنما كانوا يريدون الاقتصاد وعدم الشطط فى الإسراف، أما البخل فلا يرضاه التابعون ولا الصحابة فضلا عن الرسول الكريم الذى حضّ على البذل والإيثار والسخاء بكل ما فى اليد، كما حضّ القرآن الكريم لا على الصدقات فحسب، بلى على الاتساع بالإطعام وتقديم الماعون، وصوّر المثل الأعلى فى ذلك فقال جلّ شأنه: (﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)﴾. وكل ذلك كان يعرفه سهل معرفة دقيقة، غير أنه كان يريد الدفاع عن البخل، فاختار من أقوال الرسول صلى الله عليه والصحابة والتابعين ما قد يشهد له، وهو إنما يشهد على زهادتهم فى الدنيا وصغر متاعها فى أعينهم حتى بعد إقبالها عليهم، وفرق بين الزهد والبخل والحرص والشح، ونحن نسوق قطعة من هذه الرسالة، لنطلع من جهة على قدرته فى الجدل والحجاج، ومن جهة ثانية على قدرته البيانية، يقول: «وعبتمونى حين ختمت على سدّ (١) عظيم وفيه شئ ثمين من فاكهة نفيسة

стр. 1439

ومن رطبة (١) غريبة على عبد نهم (٢) وصبى جشع وأمة لكعاء (٣) وزوجة خرقاء (٤). وليس من أصل الأدب ولا فى ترتيب الحكم ولا فى عادات القادة ولا فى تدبير السّادة أن يستوى فى نفيس المأكول وغريب المشروب وثمين الملبوس وخطير المركوب والناعم من كل فن واللباب من كل شكل التابع والمتبوع والسيد والمسود كما لا تستوى مواضعهم فى المجالس ومواقع أسمائهم فى العنوانات وما يستقبلون به من التحيات. . وعبتمونى بخصف (٥) النعال وبتصدير (٦) القميص، وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى وأوطأ (٧) وأقوى وأنفى للكبر وأشبه بالنّسك، وأن الترقيع من الحزم، وأن الاجتماع مع الحفظ. وأن التفرق مع التضييع. وقد كان النبى ﷺ يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويقول: «لو أتيت بذراع لأكلت، ولو دعيت إلى كراع (٨) لأجبت» ولقد لفقت (٩) سعدى بنت عوف إزار طلحة (١٠) وهو جواد قريش، وهو طلحة الفياض، وكان فى ثوب عمر رقاع أدم وقال: من لم يستحى من الحلال خفّت مؤونته وقلّ كبره، وقالت الحكماء: لا جديد لمن لم يلبس الخلق (١١). . فترقيع الثوب يجمع مع الإصلاح التواضع، وخلاف ذلك يجمع مع الإسراف التكبر، وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكسبين، كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين. . وعبتمونى حين قلت: لا يغترّنّ أحدكم بطول عمره وتقوس ظهره ورقة عظمه ووهن قوته وأن يرى أكرومته (١٢) فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يديه وتحويله إلى ملك غيره وإلى تحكيم السّرف فيه وتسليط الشهوات عليه فلعله أن يكون معمّرا وهو لا يدرى، وممدودا له فى السنّ وهو لا يشعر، ولعله أن يرزق الولد على اليأس أو يحدث عليه بعض مخبّآت الدهور، مما لا يخطر على البال ولا تدركه العقول فيسترده ممن لا يرده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرسمه أضعف ما كان عن

стр. 1440

الطلب، وأقبح ما يكون به الكسب، فعبتمونى بذلك وقد قال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا. . وعبتمونى حين زعمت أنى أقدّم المال على العلم، لأن المال به يقاد العلم، وبه تقوم النفوس قبل أن تعرف فضل العلم، فهو أصل والأصل أحق بالتفضيل من الفرع، وأنى قلت: إن كنا نستبين الأمور بالنفوس فإنا بالكفاية نستبين وبالخلة (١) نعمى (٢). وقلتم: كيف تقول هذا وقد قيل لرئيس الحكماء ومقدّم الأدباء: العلماء أفضل أم الأغنياء؟ قال: بل العلماء، قيل: فما بال العلماء يأتون باب الأغنياء أكثر مما يأتى الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى ولجهل الأغنياء بفضل العلم. فقلت: حالهما هى الفاصلة بينهما، وكيف يستوى شئ ترى حاجة الجميع إليه وشئ يغنى بعضهم فيه عن بعض. . وعبتمونى حين قلت إن فضل الغنى على القوت إنما هو كفضل الآلة تكون فى الدار، إن احتيج إليها استعملت، وإن استغنى عنها كانت عدّة. . وقال بعض الحكماء: عليك بطلب الغنى فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عزّ فى قلبك وذلّ فى قلب عدوك لكان الحظ فيه جسيما والنفع فيه عظيما. ولسنا ندع سيرة الأنبياء وتعليم الخلفاء وتأديب الحكماء لأصحاب الأهواء». وبمثل هذه الحجج دافع سهل عن البخل، وهى حجج يستمد فيها من المأثور عن الرسول ﷺ والصحابة والتابعين وعن حكماء الأمم القديمة وخاصة حكماء أمته الفارسية، مما يدل على اتساع ثقافته. وليس هذا ما يلفتنا وحده فى تلك الحجج فإنه يلفتنا فيها أيضا قدرته المنطقية التى تتضح فى إيراد الأقسام المتقابلة إيرادا مستقصيا، كما تتضح فى استخدام الأقيسة وتصحيح الأدلة استخداما دقيقا، وفى تضاعيف ذلك تتضح غزارة فكره وكأنه يستمد من معين لا ينضب، كما يتضح إلحاحه على المعانى حتى لكأنه يريد أن يحصرها ويحيط بكل دقائقها، وتأمل فى رده على من يستحثّ الهرم على إنفاق ماله على الناس وفى الملذات، وفى الوجوه التى وضعها تحت عينه مخوّفا له ومحذرا من تضييع ماله، فستراه يجمع هذه الوجوه فى استقصاء وتفصيل دقيق، فهو قد يعمّر، وقد يرزق الولد، وقد
следующие страницы →