← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

مسلوكا، ألتمس بذلك جزيل الثواب وكريم المآب ورضا الملك والزلفة عنده، فعاد ما عملته هباء، ولم أجد منه شيئا مشكورا، وما يقعقع لمثلى بالشّنان (١) وإنى لألوى بعيد المستمرّ (٢) فإن يستتم الملك صنيعته ويربّ (٣) نعمته فأنا بين العصا ولحائها (٤)، وإلا فسيجدنى جذل حكاك (٥) إذا نكأت (٦) قرحة أدميتها، أحمر (٧)، ضرابا بالسيف، والسلام». فلما قرأ النمر الرسالة عرف أنه عزم على الانتقاض عليه فجمع وزراءه، وكانوا ثلاثة، فاستشارهم فى أمره، فأشار الأول بالكتابة إليه فى إيجاز لتبيّن دخيلة أمره وحقيقة موقفه إن سلما فسلم وإن حربا فحرب، وأشار الثانى بالصفح عن زلّته، فإن الحرب سجال، وهى حتى على الظافر خسارة فى الأموال والرجال، وأشار الثالث بمحاربته قبل استفحال أمره وحتى لا يظن غيره من الولاة أن بالنمر ضعفا، فيحاكوه ويسقطوا عن ظهورهم فرائض السلطان وخراجه، وأخذ النمر بقول الوزير الأول، فكتب إلى الذئب رسالة، نسختها: «بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد النبى الكريم، أما بعد فإنى رأيتك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا نظرت فى كتابى هذا فاعتمد على أيهما شئت فإن كنت سلما فأقبل وإلا فأذن بحرب، والسلام». ولجّ الذئب فى عصيانه، ونشبت بينه وبين النمر معارك حامية الوطيس، انتهت بمقتله والقبض على الثعلب وزيره ومدبر أموره، وكاد أن يقتل لولا ما لا حظ النمر من ذكائه ودقة تفكيره، مما جعله يعده أن يبقى على حياته إن هو أحسن الإجابة على ما يلقى عليه من أسئلة. وتتوالى الأسئلة فى الإنسان والعقل وحظ العقلاء منه وتفاضلهم فيه وفى مكانة العقل من العلم وأثره فى سلوك الإنسان وشيمه الخلقية وما يصيبه من خير أو شر. وتلقانا فى هذه الإجابات طرافة تفكير سهل

стр. 1437

ودقته وتعمقه، ومن خير ما يصور ذلك حديثه عن تفاضل العقول والعقلاء ونزولهم فى درجات متفاوتة تفاوتا بعيدا، ومع ذلك يطلق عليهم جميعا اسم واحد، يقول موردا السؤال والإجابة، ومنتهيا إلى أن العقل الكامل من صفات الله وحده. «أخبرنى عن العقل أهو شئ إذا نال الإنسان أدناه فقد بلغ أقصاه أم الناس فى نيله مستوون أم متفاضلون؟ قال: بل متفاضلون. قال: فكيف دعى ذو الحظ اليسير منه باسم ذى الحظ الكبير، فقيل لهما عاقلان وهما فى العقل متباينان؟ فهل يقع اللقب الواحد على ذوى الدرجات الشتى؟ قال: نعم، وليس ذلك بخطأ من القائل، لأن هذه الدرجات الشتى من جنس واحد، واللغة تضيق عن هذا وما أشبهه أن يدعى كل ذى درجة من درجات الجنس الواحد بلقب غير لقب الآخر، ولو كلّفت اللغة ذلك لطال الكلام. . . لتوزع المعنى المستوجب للاسم ولكنها شملتها كلها باللقب الواحد ودعت المختلفين فيه باسم واحد. قال: فكيف يعرف الناقص من الزائد وقد جمعهما اسم واحد؟ . قال: بالتمييز وكشف المعرفة، ومثل ذلك فى اللغة ما يدعى به أهل صناعة من الاسم الواحد وهم فى تلك الصناعة متباينون فى التفاوت، إذ يقال: بناة ونجّارون وتجار وخياطون، ولكل منهم على صاحبه فضل أو عليه له فضل. فالناس كلهم مستوون فيما يلحقهم من النقص فى العقل، وهم فيما أتوا منه متفاضلون، أحدهم فيه أكثر حظّا منه. قال: كيف مدّت هذه الغاية ومنع ذوو العقل بلوغها؟ قال: لأن الغاية كمال، والكمال صفة لا تصح إلا للخالق، ولا يستوى الخالق والمخلوق فى صفته، تعالى الله عن ذلك». وواضح ما أودعه سهل هذه القصة الحيوانية من تصوير لحكم الملوك المتجبرين والولاة المتمردين وحيل الوزراء الدهاة، مستخلصا فى ثنايا ذلك كثيرا من العظات وناثرا كثيرا من الحكم والأمثال. وهو يبتغى بذلك نفس الغاية التى ابتغاها واضع كليلة ودمنة من نصح الملوك والحكام عن طريق ما يجرى على ألسنة الحيوان من مقت الظلم والبغى وسوء السيرة ومحبة العدل والإنصاف. وهو يتعمق أكثر مما تعمق صانع كليلة ودمنة، إذ يعرض للعلم والجهل والعقل وإرشاده الإنسان إلى الخير وصرفه عن طريق الشر. والقصة مشوفة لا بما فيها من حوار فحسب، بل بطرافة الحوار

стр. 1438

وما يجرى فيه من حيل وأفكار دقيقة نادرة. وفى أسماء كتب سهل التى ذكرناها آنفا ما يدل على أنه أجرى بعض قصصه على ألسنة الإنسان مباشرة على نحو ما يدل على ذلك اسم كتابه «المخزومى والهذلية» واسم كتابه الثانى: «الوامق والعذراء». واحتفظ الجاحظ فى أول كتابه البخلاء برسالة طويلة له يحتج فيها للبخل وينصره على الكرم، ومرّ بنا ما يقال من أنه كتبها شعوبية على العرب، إذ حاول فيها أن يهدم فضيلة الكرم العربية هدما. ويذكر الرواة أنه قدمها إلى الحسن ابن سهل يرجو مكافأته عليها، فكتب له على ظهرها: «وصلت رسالتك ووقفنا على نصيحتك وقد جعلنا المكافأة عنها القبول منك والتصديق لك». ونراه فى فاتحتها يتوجّه بالحديث فيها إلى بنى عمه، وظن القدماء أنه يريد بنى عمه الحقيقيين من آل راهبون، وأغلب الظن أنه يقصد العرب. وقد مضى يذكر أنه إنما يقصد هدايتهم وأنه إن أخطأه سبيل إرشادهم فلن يخطئه سبيل حسن النية، ثم أخذ يورد دفاعه عن البخل ومحاسنه، مستعينا بقدرته على الجدل وصنع الحجج المنطقية وبما حفظ من بعض أقوال الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، وهم إنما كانوا يريدون الاقتصاد وعدم الشطط فى الإسراف، أما البخل فلا يرضاه التابعون ولا الصحابة فضلا عن الرسول الكريم الذى حضّ على البذل والإيثار والسخاء بكل ما فى اليد، كما حضّ القرآن الكريم لا على الصدقات فحسب، بلى على الاتساع بالإطعام وتقديم الماعون، وصوّر المثل الأعلى فى ذلك فقال جلّ شأنه: (﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)﴾. وكل ذلك كان يعرفه سهل معرفة دقيقة، غير أنه كان يريد الدفاع عن البخل، فاختار من أقوال الرسول صلى الله عليه والصحابة والتابعين ما قد يشهد له، وهو إنما يشهد على زهادتهم فى الدنيا وصغر متاعها فى أعينهم حتى بعد إقبالها عليهم، وفرق بين الزهد والبخل والحرص والشح، ونحن نسوق قطعة من هذه الرسالة، لنطلع من جهة على قدرته فى الجدل والحجاج، ومن جهة ثانية على قدرته البيانية، يقول: «وعبتمونى حين ختمت على سدّ (١) عظيم وفيه شئ ثمين من فاكهة نفيسة

стр. 1439

ومن رطبة (١) غريبة على عبد نهم (٢) وصبى جشع وأمة لكعاء (٣) وزوجة خرقاء (٤). وليس من أصل الأدب ولا فى ترتيب الحكم ولا فى عادات القادة ولا فى تدبير السّادة أن يستوى فى نفيس المأكول وغريب المشروب وثمين الملبوس وخطير المركوب والناعم من كل فن واللباب من كل شكل التابع والمتبوع والسيد والمسود كما لا تستوى مواضعهم فى المجالس ومواقع أسمائهم فى العنوانات وما يستقبلون به من التحيات. . وعبتمونى بخصف (٥) النعال وبتصدير (٦) القميص، وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى وأوطأ (٧) وأقوى وأنفى للكبر وأشبه بالنّسك، وأن الترقيع من الحزم، وأن الاجتماع مع الحفظ. وأن التفرق مع التضييع. وقد كان النبى ﷺ يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويقول: «لو أتيت بذراع لأكلت، ولو دعيت إلى كراع (٨) لأجبت» ولقد لفقت (٩) سعدى بنت عوف إزار طلحة (١٠) وهو جواد قريش، وهو طلحة الفياض، وكان فى ثوب عمر رقاع أدم وقال: من لم يستحى من الحلال خفّت مؤونته وقلّ كبره، وقالت الحكماء: لا جديد لمن لم يلبس الخلق (١١). . فترقيع الثوب يجمع مع الإصلاح التواضع، وخلاف ذلك يجمع مع الإسراف التكبر، وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكسبين، كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين. . وعبتمونى حين قلت: لا يغترّنّ أحدكم بطول عمره وتقوس ظهره ورقة عظمه ووهن قوته وأن يرى أكرومته (١٢) فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يديه وتحويله إلى ملك غيره وإلى تحكيم السّرف فيه وتسليط الشهوات عليه فلعله أن يكون معمّرا وهو لا يدرى، وممدودا له فى السنّ وهو لا يشعر، ولعله أن يرزق الولد على اليأس أو يحدث عليه بعض مخبّآت الدهور، مما لا يخطر على البال ولا تدركه العقول فيسترده ممن لا يرده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرسمه أضعف ما كان عن

стр. 1440

الطلب، وأقبح ما يكون به الكسب، فعبتمونى بذلك وقد قال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا. . وعبتمونى حين زعمت أنى أقدّم المال على العلم، لأن المال به يقاد العلم، وبه تقوم النفوس قبل أن تعرف فضل العلم، فهو أصل والأصل أحق بالتفضيل من الفرع، وأنى قلت: إن كنا نستبين الأمور بالنفوس فإنا بالكفاية نستبين وبالخلة (١) نعمى (٢). وقلتم: كيف تقول هذا وقد قيل لرئيس الحكماء ومقدّم الأدباء: العلماء أفضل أم الأغنياء؟ قال: بل العلماء، قيل: فما بال العلماء يأتون باب الأغنياء أكثر مما يأتى الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى ولجهل الأغنياء بفضل العلم. فقلت: حالهما هى الفاصلة بينهما، وكيف يستوى شئ ترى حاجة الجميع إليه وشئ يغنى بعضهم فيه عن بعض. . وعبتمونى حين قلت إن فضل الغنى على القوت إنما هو كفضل الآلة تكون فى الدار، إن احتيج إليها استعملت، وإن استغنى عنها كانت عدّة. . وقال بعض الحكماء: عليك بطلب الغنى فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عزّ فى قلبك وذلّ فى قلب عدوك لكان الحظ فيه جسيما والنفع فيه عظيما. ولسنا ندع سيرة الأنبياء وتعليم الخلفاء وتأديب الحكماء لأصحاب الأهواء». وبمثل هذه الحجج دافع سهل عن البخل، وهى حجج يستمد فيها من المأثور عن الرسول ﷺ والصحابة والتابعين وعن حكماء الأمم القديمة وخاصة حكماء أمته الفارسية، مما يدل على اتساع ثقافته. وليس هذا ما يلفتنا وحده فى تلك الحجج فإنه يلفتنا فيها أيضا قدرته المنطقية التى تتضح فى إيراد الأقسام المتقابلة إيرادا مستقصيا، كما تتضح فى استخدام الأقيسة وتصحيح الأدلة استخداما دقيقا، وفى تضاعيف ذلك تتضح غزارة فكره وكأنه يستمد من معين لا ينضب، كما يتضح إلحاحه على المعانى حتى لكأنه يريد أن يحصرها ويحيط بكل دقائقها، وتأمل فى رده على من يستحثّ الهرم على إنفاق ماله على الناس وفى الملذات، وفى الوجوه التى وضعها تحت عينه مخوّفا له ومحذرا من تضييع ماله، فستراه يجمع هذه الوجوه فى استقصاء وتفصيل دقيق، فهو قد يعمّر، وقد يرزق الولد، وقد

стр. 1441

تنزل به بعض الكوارث، وحينئذ إما أن يحاول استرداد ماله من بعض من أعطاه لهم. ويردّ خائبا محسورا. وإما أن يشكو إلى بعض الناس قلته ولكن لن يرحموه، وفى الحالين يكون قد ضعف عن الكسب وطلب الرزق وبذلك ضيّق سهل الأبواب على من يتسع فى العطاء والإنفاق حين تتقدم به السن، بل لقد أغلقها إغلاقا إلا بابا واحدا فتحه على مصاريعه هو باب الشح. وتؤديه غزارة معانيه وأفكاره وحججه وأدلته إلى أن يثير موضوعا طريفا، هو الموازنة بين العلم والمال وأيهما أفضل من صاحبه، ويورد من الأدلة ما يجعل المال يفضل العلم، ويقتبس من الفقهاء حديثهم عن الأصول والفروع، فيجعل المال الأصل والعلم والفرع، ولا يستوى فرع وأصل. وسهل فى ذلك كله يرينا تطور العقل فى العصر العباسى ومدى ما أصابه من رقى ومن نمو ومن ثراء ومن قدرة على الحجاج وبسط الأدلة، حتى ليتحول الكاتب بإزاء بعض الموضوعات إلى ما يشبه مناظرا جدلا، لا يزال يورد من الحجج والأدلة المنطقية ما يحاول به أن يفحم خصمه ويقهره. ويظهر أن هذه الطريقة استقرّت فى نفس سهل بتأثير المتناظرين من المتكلمين فى عصره وكثرة مناظراتهم فى كل شئ، فى العقيدة وغير العقيدة، وكان يرى الناس من حوله يعجبون بالظافر المنتصر على خصمه، وخاصة حين يدافع عن رأى ضعيف، فينصره نصرا مؤزرا، على نحو ما نصر البخل على الكرم، ومن أجل ذلك نفتح الباب للظن بأنه ربّما لم ينصره شعوبية على العرب، وإنما نصره إظهارا لقوة جدله ومقدرته فى صوغ الأدلة وتأليف الحجج والبراهين، أو على الأقل كان بيان قدرته على الدفاع عن البخل الأثيم أقوى فى نفسه من الطعن على فضيلة الكرم العربية. ومما يوضع هذا الجانب عنده أن نراه يفضل الزجاج على الذهب فى رسالة طويلة وكان سبب كتابته لها أن رأى النظّام يذم الزجاج، كما رأى شدادا الحارثى يطنب فى وصف الذهب، فكتب هذه الرسالة معارضة لهما ونصرة للزجاج الضعيف، وقد سقطت من يد الزمن إلا قطعة منها رواها صاحب سرح العيون، وهى تمضى على هذا النمط: «الزجاج مجلوّ نورى، والذهب متاع سائر، والشراب فى الزجاج أحسن منه فى كل معدن، ولا يفقد معه وجه النديم، ولا يثقل اليد، ولا يرتفع فى

стр. 1442

السّوم (١) واسم الذهب يتطيّر منه، ومن لؤمه سرعته إلى اللئام، وهو فاتن فانك (٢) لمن ضانه، وهو أيضا من مصايد إبليس، ولذلك قالوا: أهلك الرجال الأحمران (٣). والزجاج لا يحمل الوضر (٤)، ولا يداخله الغمر (٥) ومتى غسل بالماء وحده عاد جديدا، وهو أشبه شئ بالماء، وصفته عجيبة، وصناعته أعجب» ولسهل بجانب رسائله الأدبية الطويلة رسائل إخوانية يتضح فيها جمال التعبير ودقة التفكير على نحو ما نرى فى الرسالة التالية (٦)، وقد كتب بها إلى صديق تماثل للشفاء من مرض: «بلغنى خبر الفترة (٧) فى إلمامها وانحسارها، والشّكاة فى حلولها وارتحالها، فكاد يشغل القلق بأوله، عن السكون لآخره، وتذهل الحيرة فى ابتدائه، عن المسرة فى انتهائه. وكان تعيرى فى الحالين بقدرهما ارتياعا للأولى وارتياحا للأخرى». وواضح ما فى هذه الرسالة الموجزة من الغوص على المعانى، فهو يقابل بين خبر المرض وخبر الشفاء، وكيف شغلته حركة القلق مع الخبر الأول عن السكون وراحته مع الخبر الثانى، وكيف أذهلته الحيرة وكربها أولا عن المسرة ومتعتها ثانيا. ويقول إن ما دخله من تغير فى الحالين يقاس بارتياعه مع بدء العلة وارتياحه مع انحسارها. وهو فى جميع جوانب كتاباته شديد الغوص والتدقيق فى معانيه، وجاء السجع على لسانه فى أكثر هذه الرسالة، وهو إنما يجئ عنده أحيانا عفوا. وليس معنى ذلك أنه لم يكن يعنى بتوفير الجمال لأساليبه فهو من هذه الناحية يتقدم ابن المقفع خطوات. إذ يعنى ببسط عباراته، حتى يجرى فيها ضروبا من التقطيعات والتوقيعات الصوتية ومن أجل ذلك يكثر عنده الترادف، حتى يصل إلى ما يريد من ازدواج وإيقاعات متقابلة، ودائما حين نقرؤه يلذ عقولنا بغزارة معانيه ودقتها كما يلذ أسماعنا بجرس كلامه وحسن أدائه وما يكفل له من تلوينات صوتية بديعة.

стр. 1443

٣ - أحمد (١) بن يوسف هو أحمد بن يوسف بن صبيح الكاتب الكوفى مولى بنى عجل، وقد ألممنا بأبيه فى الفصل الماضى وقلنا إنه كان يكتب فى دواوين الكوفة لولاة بنى أمية، ثم لما تحولت مقاليد الخلافة إلى العباسيين كتب لعبد الله بن على ثم التحق بدواوين المنضور، وظل يكتب فى دواوين المهدى والهادى، ولمع نجمه فى عصر الرشيد والبرامكة، فكان يخلف يحيى البرمكى على الدواوين فى قصره وقصر الرشيد. ولا نعرف بالضبط متى ولد له ابنه أحمد، ويغلب أن يكون ميلاده حول منتصف القرن الثانى للهجرة، ويظهر أنه عنى بتأديبه عناية واسعة، كى يصلح للعمل فى الدواوين على شاكلته، فأخذه بثقافة عربية دقيقة حتى غدا شاعرا يحسن نظم الشعر وصوغه، كما أخذه بثقافة إسلامية واسعة، حتى يعرف الحدود وأحكام أهل الذمة وأصول الدين وفروعه، وأخذه أيضا بثقافة رياضية واسعة تعينه فى الخراج وشئونه. ولا بد أن يكون قد أخذه بثقافات العجم مما يتصل بآداب السياسة وبكتب الفلسفة والحكمة، ولا بد أن يكون أيضا قد أخذه بآداب اللياقة حتى يحسن مخاطبة الخلفاء والوزراء، وحتى الخطّ نراه يوجهه إلى إتقانه مما جعله يشتهر مع فصاحته وبلاغته بحسن خطه، ويروى أن قائلا قال له يوما: ما أدرى ممّ أعجب، مما وليه الله من حسن خلقك أو مما وليته من تحسين أخلاقك. وعلى هذا النحو أعدّ أحمد بن يوسف ليكون مثالا للكاتب الحاذق النابه، وأغلب الظن أن أباه ألحقه بالدواوين معه، وأنه كتب بين يديه فى دواوين الرشيد، وأعجبت الفضل بن سهل مدبر شئون المأمون نجابته، فالتقطه وحثّه على التحول معه ومع المأمون إلى مرو حين اتخذها قاعدة لولايته على شرقى الدولة كى يكتب فى

стр. 1444

دواوينه، وأذعن لرغبته، وظل يعمل فى الدواوين هناك، حتى بعث طاهر بن الحسين فى سنة ١٩٨ إلى المأمون برأس أخيه الأمين؛ فلما رآها تأثر، وقال للفضل ابن سهل: ينبغى أن تأمر الكتّاب بكتابة رسالة عن طاهر يخبرنى فيها بهذا الخبر، مع الاحتيال للاعتذار منه، لتقرأ على الناس، فكتب الكتّاب عدة كتب لم يرضها الفضل واستطالها. ولم يلبث أحمد بن يوسف أن كتب رسالة محكمة موجزة فى شبر من قرصاس كما يقول بعض الرواة، فلما عرضها على الفضل رجّع نظره فيها مستحسنا متعجبا من بلاغته ودقة بيانه، ثم قال له: ما أنصفناك وأمر بصلات وفرش وكسى وآلات. وقال له: إذا كان الغد فاقعد فى الديوان وليقعد جميع الكتاب بين يديك، واكتب بذلك إلى الآفاق. ويدور العام، فيجعل المأمون الحسن بن سهل نائبه على بغداد، نميصطحبه معه، وكأنّ أخاه الفضل آثره به، ليعينه فى عمله، ويكتب له فى دواوينه. ويقدم المأمون إلى بغداد بعد خمس سنوات، فيصبح كاتبه على ديوان الرسائل كما يصبح أثيرا عنده قريبا من نفسه، لظرفه ورقته. وكان فيه ميل شديد إلى الترف فعاش عيشة يحفها النعيم فى الفرش وأوانى الطعام وألوانه. وشارك فى متاع عصره من الشراب والسماع للقيان، ولكن دون إغراق ومع الاحتفاظ بمروءته وكرامته. ولما توفى أحمد بن أبى خالد وزير المأمون سنة ٢١١ شاور الحسن بن سهل فيمن يخلفه على الوزارة فأشار عليه بابن يوسف، فاستوزره ورفع منزلته، فكان يعرض القصص أو رفاع الشكوى عليه، ويوقع عليها بما يلائمها من العبارات، غير أنه لم يلبث أن وافاه القدر سنة ٢١٣ للهجرة، ويقال إنه أشرف، وهو على وشك الاحتضار على بستان داره وكانت مطلة على دجلة، فظل يتأمله ويتأمل دحلة، ثم تنفس، وقال: ما أطيب العيش لولا موت صاحبه ... ففيه ما شئت من عيب لعائبه وسرعان ما التقمه الموت. ولأخيه القاسم الشاعر رثاء له يتفجع فيه تفجعا، وكانت له جارية يقال لها نسيم كانت تحظى بحبه ويشغف بها شغفا شديدا، فقالت ترثيه:

стр. 1445

ولو أن ميتا هابه الموت قبله ... لما جاءه المقدار وهو هيوب ولو أن حيّا قبله جازه الرّدى ... إذن لم يكن للأرض فيه نصيب وهو يعدّ فى الذروة من كتّاب الدواوين فى العصر العباسى الأول. لبلاغته ودقة تفكيره وحسن تأتيه فى الرسائل الديوانية السياسية والرسائل الإخوانية الشخصية، وأول ما نقف عنده رسالته التى أشرنا إليها آنفا، والتى كتبها للناس على لسان طاهر بن الحسين، وهى تجرى على هذه الصورة (١): «أما بعد، فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين فى النّسب واللّحمة (القرابة) فقد فرّق حكم الكتاب والسّنّة بينه وبينه فى الولاية والحرمة، لمفارقته عصمة الدين، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين، يقول الله فيما اقتصّ علينا من نبأ نوح وابنه: ﴿(يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ)﴾ ولا صلة لأحد فى معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة فى ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين، وقد قتل الله المخلوع وردّاه (٢) رداء نكثه، وأحصد (٣) لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظر من وعده، فالأرض بأكنافها (٤) أوطأ مهاد لطاعته، وأتبع شئ لمشيئته. . . والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين بحقه، والكائد له من خان عهده ونكث عقده، حتى ردّ به الألفة بعد فرقتها، وجمع به الأمة بعد شتاتها، وأحيا به أعلام الدين بعد دروسها (٥)، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته». ودقة التعبير واضحة فى الرسالة، وكذلك المهارة فى تصوير عصيان الأمين والربط بينه وبين عصيان ابن نوح وما وصفه به القرآن من دفعه عن بنوّة أبيه وقرابته. وبذلك لم تعد للأمين ولاية ولا حرمة، فقد خرج من أهله، وهو إنما تولى الخلافة ميراثا منهم، وقد نكث عهده فى الوفاء لأخيه بولاية العهد من بعده، هذا العهد الذى كتبه بيده وعلّقه أبوه هرون على الكعبة، حتى لا يستطيع الخروج منه، وقد نال الجزاء خيانته، وعادت الأمور إلى نصابها، فاجتمعت كلمة الأمة

стр. 1446

بعد فرقتها وردّ صولجان الحكم إلى صاحبه تحوطه عناية الله ورعايته. وكان توفيق أحمد بن يوسف فى هذه الرسالة دافعا لأن يطلب منه المأمون والفضل بن سهل أن يكتب رسالة الخميس، وهى الرسالة التى كان يوجهها خلفاء العصر العباسى الأول بمجرد توليهم الخلافة إلى أهل خراسان مادّة جيوشهم وغيرهم يبسطون فيها حقّهم فى الخلافة واستحقاق الخليفة القائم لها لما امتاز به من مناقب حميدة وما ينبغى على أهل خراسان من الولاء له. وأحكم ابن يوسف الرسالة إحكاما دقيقا، وطال فيها نفسه حتى بلغت نحو خمس عشرة صحيفة، وأعجب بها معاصروه إعجابا شديدا مما جعل ابن النديم يقول: «الكتب المجمع على جودتها: عهد أردشير، كليلة ودمنة، رسالة عمارة بن حمزة الماهانية، اليتيمة لابن المقفع، رسالة الخميس لأحمد بن يوسف، وقد استهلّها بتحميد طويل طريف على هذا النمط (١): «من عبد الله الإمام المأمون أمير المؤمنين إلى المبايعين على الحق والناصرين للدين، من أهل خراسان وغيرهم من أهل الإسلام: سلام عليكم فإن أمير المؤمنين يحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلى على محمد عبده ورسوله، أما بعد فالحمد لله القادر، القاهر، الباعث، الوارث، ذى العزّ والسلطان، والنور والبرهان، فاطر (٢) السموات والأرض وما بينهما، والمتقدم بالمنّ والطّول (٣) على أهلهما، قبل استحقاقهم لمثوبته، بالمحافظة على شرائع طاعته. الذى جعل ما أودع عباده من نعمته، دليلا هاديا لهم إلى معرفته، بما أفادهم من الألباب (٤)، التى يفهمون بها فصل الخطاب، حتى أقيموا على موارد الاختبار، وتعقّبوا مصادر الاعتبار، وحكموا على ما بطن بما ظهر، وعلى ما غاب بما حضر، واستدلوا بما أراهم من بالغ حكمته، ومتقن صنعته، وحاجة متزايل (٥) خلقه ومتواصله إلى القوم (٦) بما يلمّه ويصلحه، على أن له بارئا (٧) هو أنشأه، وابتدأه، ويسّر بعضه لبعض، فكان أقرب وجودهم ما يباشرون من أنفسهم فى تصرّف أحوالهم، وفنون انتقالهم، وما يظهرون (٨) عليه من العجز عن التأتّى (٩) لما تكاملت

стр. 1447

به قواهم، وتمت به أدواتهم، مع أثر تدبير الله وتقديره فيهم، حتى صاروا إلى الخلقة المحكمة، والصورة المعجبة، ليس لهم فى شئ منها تلطّف يتيمّمونه، ولا مقصد يعتمدونه من أنفسهم، فإنه قال تعالى ذكره: ﴿(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ).﴾ ثم ما يتفكّرون فيه من خلق السموات، وما يجرى فيها من الشمس والقمر والنجوم مسخرات، على مسير من تصاريف الأزمنة التى بها صلاح الحرث والنّسل وإحياء الأرض ولقاح النبات والأشجار، وتعاور (١) الليل والنهار، ومرّ الأيام والشهور والسنين التى تحصى بها الأوقات. ثم ما يوجد من دلائل التركيب فى طبقات السقف (٢) المرفوع، والمهاد (٣) الموضوع، باتساق أجزائه والتئامها، وخرق الأنهار وإرساء الجبال. ومن البيان الساهد على ما أخبر الله به من إنشائه الخلق حدوثه بعد أن لم يكن، مترقيا فى النماء، وثباته إلى أجله فى البقاء، ثم محاره (٤) منقضيا إلى غاية الفناء. ولو لم يكن له مفتتح عدد، ولا منقطع أمد، ما ازداد بنشوء ولا تحيّفه نقصان، ولا تفاوت على الأزمان. ثم ما يوجد عليه منفعته من ثبات بعضه لبعض وقوام كل شئ منه بما يسّر له فى بدء استمداده، إلى منتهى نفاده، كما احتج الله على خلقه، فقال: ﴿(أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً)﴾ وقال : ﴿(كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ).﴾ وكل ما تقدّم من الإخبار عن آيات الله ودلالاته فى سمواته التى بنى، وأطباق الأرض التى دحا (٥)، وآثار صنعه فيما برأ، وذرأ (٦)، ثابت فى فطر العقول حتى يستجرّ أولى الزّيغ ما يدخلون على أنفسهم من الشّبهة فيما يجعلون له من الأضداد، والأنداد، جل عما يشركون. ولولا توحّده بالتدبير، عن كل معين وظهير، لكان الشركاء جدراء أن تختلف بهم إراداتهم فى الخلق، ولأمكن التخلف فيه من إثبات وإزالة فيخلو من أحد وجهيه، وأيهما كان فيه فالعجز والنقص فيما ذرأه وبرأه، جلّ البديع خالق الخلق ومالك الأمر عن ذلك، وتعالى

стр. 1448

علوّا كبيرا، كما قال سبحانه: ﴿(مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ)﴾». وواضح أن أحمد بن يوسف تحوّل بهذا التحميد إلى ما يشبه مقالة من مقالات المتكلمين، فهو يورد فيه الحجج على وجود الله الذى أنشأ العالم وخلق الإنسان فى صورة مقدرة محكمة، وقد أعطاه من العقل ما يجعله إذا فكر فى خلق السموات والأرض يؤمن بأن للعالم إلها، لما يجرى فى أفلاكه من نظام دقيق لا بد له من منظم، أحكم تصاريف الأوقات التى يتم بها صلاح كل حى فى الأرض من إنسان وحيوان ونبات كما أحكم صنعة الكون فى عالم السماء وعالم الأرض بما مهد فيه من سهول وخطّ من أنهار وأرسى من جبال. ويتعمق فى الدلالة على وجود الخالق البارئ وإنشائه للخلق أنهم يحدثون بعد أن كانوا معدومين وأنهم لا يزالون يرقّون فى النمو حتى تمتد لهم يد الفناء، فلا بد من محدث لهم، وفرق واضح بينه وبين الحادث، فالحادث له أول وله آخر، أو كما يقول: «مفتتح عدد، ومنقطع أمد» أما المحدث فلا أول له فى الزمن ولا آخر. وهو مصدر الوجود وقوامه، وهو مدبّره ومصرّفه. ويقول إن كل ما ذكره من دلالات على وجود الله ثابت فى فطر العقول السليمة، وثابت معه أنه واحد أحد لا شريك له، إلا عند من زاغت عقولهم ممن يجعلون له الأضداد والأنداد كمجوس الفرس الذين آمنوا بأن للعالم إلهين: إلها للخير وإلها للشر، وكغيرهم ممن جعلوا له ندّين أو أكثر، ولو صح ذلك لتفاوتت إرادة الآلهة فى الخلق واختلفوا فيه بين الإثبات والإزالة، وبذلك يخلو الخلق من أحد وجهيه، ويتم العجز والنقص على الله فيما برأه عليه من الحدوث ثم العدم أو من الإثبات ثم الإزالة. وعلى هذا النحو يتطور التحميد عند أحمد بن يوسف فى رسالة الخميس إلى ما يشبه مبحثا كلاميّا فى الدلالة على وجود الله ووحدانيته وحدوث الخلق وفناء العالم. ونلاحظ أيضا فى هذا التحميد أن أحمد بن يوسف يحاول أن ينمق فيه ما وسعه التنميق وجرّه ذلك إلى الاتساع باستخدام السجع فيه، وهو لا يطّرد فى كل صياغات التحميد ولا فى بقية الرسالة، ولكنه يكثر، ونحسّ كأن ابن يوسف يقصد إليه قصدا، وخاصة حين نراه يسجع بين كلمة وكلمة. ويمضى فيتحدث عن نعمة الله على خلقه

стр. 1449

بإرسال أنبيائه وتعاقبهم بالنور الساطع والبرهان القاطع مبشرين ومنذرين حتى ختمهم بالرسول ﷺ ، ويصور جهاده فى سبيل دعوته ورسالته حتى أعزّ الله كلمته واستقام دينه ودخل الناس فيه أفواجا. ويتحدث عن حق العباسيين فى الخلافة، إذ ورثوها بحكم قرابتهم للرسول صلوات الله عليه، وكانوا أحق بميراثها من جميع آله، وبذلك يخوض فى تأييد الدعوة العباسية. وينتقل من ذلك إلى تأييد الدعوة للمأمون بادئا بتقرير موقفه من الأمين ومسترسلا فيما ينبغى على شيعته الخراسانيين من مواصلتهم نصرته. ويفيض فى وعظهم وما ينبغى عليهم من مجاهدة أعدائهم وأهوائهم ومن الشكر للمأمون الذى يحوطهم برعايته لما فيه خيرهم ورشدهم والذى ينتوى جزاءهم بالحسنى وحملهم على الطريقة المثلى. وطلب إليه الحسن بن سهل حين ولاه المأمون وزارته بعد قتل أخيه الفضل سنة ٢٠٢ للهجرة أن يكتب رسالة يشكر المأمون فيها على صنعه جبرا لمصابه، فكتب رسالة ضافية (١)، استهلها بتحميد الله وذكر آلائه واصطفائه محمدا لرسالته بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وتقفيته على آثار الأئمة الراشدين بالمأمون أمير المؤمنين. وأخذ يطنب فى الثناء على عدله وما منح الرعية من عطفه، وأشاد باختياره عليّا الرضا لولاية عهده ومؤازرة الفضل بن سهل له فى رعاية رعيته والقيام بدعوته وقمع أعدائه، حتى حمّ أجله شهيدا فقيدا من إمامه ومن الخاصة والعامة. ويتجه إلى شيعته وشيعة الحسن بن سهل بتصوير حرمة الفضل عند المأمون بعد موته وإكثاره من الترحم عليه. ويشكره بلسان الحسن بن سهل على ما منحه من الوزارة وسنىّ الرتبة. ويعود إلى بيان ما خصّ به الفضل فى حياته من المنزلة الرفيعة ومن رياسة الحرب ورياسة التدبير وتقليده سيفه وخاتمه وما خصّه فى وفاته من إكرام ومن حزن ممض وعبرات سائلة ومن حفظ لأصحابه وإقرار خاصّته وقوّاده وعمّاله وكتّابه على مراتبهم وما أولى الحسن أخاه من وزارته وعطفه. ويفيض فى التنويه بالمأمون وقضائه على خصومه شرقا وغربا ورحمته بفقراء المسلمين وضعفائهم وما اقترن له من الملك والدين والقدرة والعفو، ويشكره عن الإسلام ونصرته له وعن المساجد وتأسيسها على التقوى وتلاوة القرآن وعن الرسول صلى الله

стр. 1450

عليه وسلم وحفظه لعترته وآله وعن القواد والأجناد وما رفع من منازلهم ووفّر من رواتبهم، وعن الأخلاق وما وطد من شيمها الرفيعة وعن المسلمين وما رعى من شئونهم وهزم من أعدائهم، ويختم الرسالة بالدعاء له دعاء كثيرا: أن يرأب الصدع وترتق الفتوق به وينكّل فى أعدائه. ولأحمد بن يوسف رسالة فى تهنئة عبد الله بن طاهر بقضائه على ثورة عبيد الله ابن السّرى بمصر وأخرى فى تعنيت بعض العمال على ظلم أنزله ببعض الناس، ولكنهما لا تبلغان من التنميق ما بلغته الرسائل السابقة. ومن طريف رسائله الديوانية ما كتب به عن المأمون إلى عمال النواحى فى الاستكثار من القناديل بالمساجد فى شهر رمضان، وقد جاء فيها (١): «فإن فى ذلك عمارة للمساجد، وإضاءة للمتهجدين (٢)، وأنسا للسّابلة (٣)، ونفيا لمكامن الرّيب، وتنزيها لبيوت الله عن وحشة الظّلم». وكان يكتب أحيانا إلى المأمون فى بعض الشئون، فيتلطف غاية التلطف، ومما يروى له من ذلك أن طلاّب الصّلات كثروا بباب المأمون، وتأخرت صلاتهم، فلما طال ذلك عليهم كتب إليه (٤): «إن داعى نداك، ومنادى جدواك (٥)، جمعا ببابك الوفود، يرجون نائلك (٦) المعهود، فمنهم من يمّتّ بحرمة، ومنهم من يدلى بسالف خدمة، وقد أجحف بهم المقام، وطالت عليهم الأيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسييه (٧)، ويحقق حسن ظنهم بطوله (٨)، فعل إن شاء الله» فوقع المأمون فى كتابه: الخير متبع، وأبواب الملوك مغان (٩) لطالبى الحاجات ومواطن لهم. وأمره أن يكتب أسماء من بالباب ومراتبهم ليصير لكل شخص منهم قدر استحقاقه.

стр. 1451

وكان كثيرا ما يهدى إلى المأمون هدايا فى أيام النيروز (١)، ويرفقها برسالة رقيقة، تحمل سطرا أو سطرين من النثر وبعض أبيات من الشعر، فمن ذلك أن أهداه مرة-فيما يقول الرواة-سفط ذهب فيه قطعة عود هندى فى طوله وعرضه، وكتب معه (٢): «هذا يوم جرت فيه العادة، بإتحاف الناس السادة، وقد قلت: على المرء حقّ وهو لا شك فاعله ... وإن عظم المولى وجلّت فواضله (٣) ألم ترنا نهدى إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذاغنى فهو قابله ولو كان يهدى للجليل بقدره ... لقصّر عنه البحر يوما وساحله ولكننا نهدى إلى من نجلّه ... وإن لم يكن فى وسعنا ما يشاكله» وروت كتب الأدب كثيرا من الرسائل الإخوانية لأحمد بن يوسف، وهو فيها يتروّى ويتأنق فى اختيار لفظه، مع حسن البيان ورصانة القول، من ذلك ما كتب به إلى بعض إخوانه يهنئه بمولود له (٤): «بارك الله فى مولودك الذى أتاك وهنأك نعمته بعطيته، وملاّك (٥) كرامته بفائدته، وأدام سرورك بزيادته، وجعله بارّا تقيّا، ميمونا مباركا زكيّا، ممدودا له فى البقاء مبلغا غاية الأمل مشدودا به عضدك، مكثرا به ولدك، مداما به سرورك، مدفوعا به الآفات عنك، مشفوعا بأكثر العدد، من طيّب الولد». وهو دائما فى التهنئة بالمواليد يتحدث عن أنها نعمة من الله وهبة، ويدعو للأب أن تقر عينه بابنه، وأن يبارك الله له فيه، ويجعله بارّا بأبويه، تقيّا زكيّا ميمونا سعيدا، وأن يشدّ به أزر الوالد ويكثر من أحفاده: أولاد هذا الولد الصالح. وله من تهنئة لأحد إخوانه بإبلاله من مرضه (٦): «قد أذهب الله وصب العلة ونصبها (٧)، ووفّر أجرها وثوابها،

стр. 1452

وجعل فيها إرغام العدو بعقباها (١)، أضعاف ما كان عنده من السرور بقبح أولاها». وتأنقه فى العبارة واضح لا بما يجرى فيها من سجع فحسب، بل بما يوفر أيضا فى أوائلها من ترادف النصب مع الوصب والثواب مع الأجر، ليستتمّ الجمال الصوتى. ومن رسائله فى الشكر (٢): «من اتسع فى الأفضال (٣)، اتسعت به الأقوال من شاكر مثن، ومادح مطر، ولسنا نصفك بما يعنّ لنا، ويذلّ على ألسننا، مما يتقرّب به ذو الرغبة، ويضرع به ذو الرّهبة، لاستنزال مرغوب، أو استنجاز مطلوب، ولكننا ننطق عن سيرتك بإفصاح، ونبين عنها بإيضاح، فنكفّ شغب الكائد، ونطيل نفس الحاسد». وسجعه المطرد فى هذه الرسالة ليس معناه أنه كان يسجع دائما، فهو يسجع حينا، وحينا لا يسجع، ولكنه يعنى كما قلنا بالترادف بين الألفاظ والعبارات، على نحو ما نرى فى هذه الرسالة إذ تلا كلمة «شاكر مثن» بكلمة «مادح مطر» وهى بنفس معناها، ليحكم لتعبيره التلاؤم الصوتى والتعادل الموسيقى، وهو ما كان يسميه القدماء بالازدواج، ودائما تتردد أساليبه بينه وبين السجع على شاكلة قوله فى المديح (٤): «لقد أحلك الله من الشرف أعلى ذروته، وبلّغك من الفضل أبعد غايته، فالآمال إليك مصروفة، والأعناق إليك معطوفة. عندك تنتهى الهمم السامية، وعليك تقف الظنون الحسنة، وبك تشنى (٥) الخناصر، وتستفتح أغلاق المطالب، ولا يستريث (٦) النّجح من رجاك، ولا تعروه النوائب فى ذراك (٧)». وعلى نحو ما كان يتفنن فى المدح والثناء كان يتفنن فى الذم والهجاء، وكان أحيانا يخز فيه وخز الإبر وأحيانا يطعن طعنات مدمية، من ذلك ما كتب به إلى آل سعيد بن سلم (٨):

стр. 1453

«لولا أن الله ختم نبوته بمحمد ﷺ وكتبه بالقرآن لبعث لكم نبىّ نقمة، وأنزل فيكم قرآن غدر، وما عسيت أن أقول فى قوم: محاسنهم مساوى السّفلة، ومساويهم فضائح الأمم، وألسنتهم معقولة بالعىّ، وأيديهم معقودة بالبخل، وأعراضهم أغراض للذم، وهم كما قال الشاعر: لا يكثرون وإن طالت حياتهم ... ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا» وله معاتبات واعتذارات كثيرة، وكان يعرف فى الأولى كيف يتحدث عن رعاية حق الصديق، كما كان يعرف فى الثانية كيف يتسع بالحجة والفكرة اللبقة، حتى يستلّ من صاحبه عفوه ورضاه، من ذلك ما كتب به إلى أحد أصدقائه (١): «أتيتك وافدا بذنوبى على عفوك، واثقا لعقوقى ببرّك، لا مستظهرا عليك بشفيع قدّمته، خلا تطوّلك (٢) بالعفو عن الإخوان، وتفضلك عليهم بالإحسان، فإن تعاقب فقد حكمت بالمعدلة (٣) بعقوبتك على نفسى، وإن تجاف عن ذلك فإن الله يعلم أن قلبى لم يصرّ لك على قطيعة، وكلّ ذنب كان أصله الاستبطاء لدالّة الحرمة، والاستعطاف بماتّة (٤) الخدمة، فهو مما يعدّ فى الحسنات، لا السيئات». وتدور فى كتب الأدب له توقيعات طريفة كان يوقّع بها على رقاع الشكوى. وكتب بعض العمال ورسائل الاستماحة وبذل المعروف، فمن ذلك ما حكى الرواة من أن رجلا غصب آخر ضيعة فى أثناء غيابه واستغلّها سنوات معدودة، فلما قدم طالبه بضيعته، فاشتكاه قائلا: الضيعة لى وفى يدى، واطّلع ابن يوسف على الشكوى، فوقّع عليها بقوله (٥): «الحق لا تخلق جدّته، وإن تطاولت بالباطل مدّته، فإن أنطقت حجّتك بإفصاح، وأزلت مشكلها بإيضاح-غير. «لى وفى يدى» فكثيرا ما أراها ذريعة الغاصب، وحجّة المغالب-وفّر حقك عليك، وسيق بلا كدّ إليك، وإن ركنت من البيان إليها، ووقفت عن الاحتجاج عليها كانت حجته بالبيّنة

стр. 1454

أعلى، وكان بما يدّعيه أولى، إن شاء الله». ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور بلاغة أحمد بن يوسف وكيف أنها كانت تعتمد على غزارة فى الفكر وبراعة فى الأداء وهى براعة يتقدم بها من سبقوه من كتّاب الدواوين فى القرن الثانى الهجرى تقدما واسعا وخاصة فى الرسائل السياسية، إذ تأنق فى ألفاظها وعباراتها تأنقا جعله يتخللها بالسجع، فإن لم يواته تخلّلها بالازدواج والترادف الصوتى، وبذلك أسبغ عليها ضروبا من الجمال الموسيقى لم تكن مألوفة قبله إلا فى بعض الرسائل الإخوانية وبعض التوقيعات، على نحو ما مرّ بنا فى الفصل السابق عند ابن سيابة وجعفر بن يحيى البرمكى. ولا ننسى سهل بن هرون، فقد كان يعنى مثله بالازدواج والترادف والموسيقى غير أن ابن يوسف هو الذى أعدّ هذا الأسلوب وما طوى فيه من سجع ليشيع فى الكتابات الديوانية. ٤ - عمرو (١) بن مسعدة كان جده الأعلى صول أحد ملوك جرجان، وكان من الترك الذين اعتنقوا المجوسية وتشبهوا بالفرس، وقد اعتنق الإسلام فى زمن بنى أمية، ودخل ابنه سعيد فى الدعوة العباسية، فلما نجحت صارت له منزلة فى الدولة إذ كان من دعاتها النابهين، ولم يلبث خالد البرمكى أن استخلص ابنه مسعدة للكتابة بين يديه فى وزارته للسفاح والمنصور، وظل يعمل فى دواوين الأخير حتى قلده وزيره أبو أيوب الموريانى رياسة ديوان الرسائل، ويولد له ابنه عمرو، فيعنى بتأديبه حتى يصلح للكتابة فى دواوين الدولة. ويظهر أنه مضى يتثقف ثقافة عربية وإسلامية واسعة، حتى غدا لسنا فصيحا، بل لقد غدا شاعرا ينظم الشعر، كما غدا يحسن شئون الفقه مما يتصل بالخراج، ووقف على العلوم الرياضية، وما يتصل بها من الحساب مما كان يشقفه الكتاب، كما وقف على آداب الفرس وكتاباتهم فى السياسة والأخلاق وتدبير الحكم، وربما وقف أيضا على شئ من

стр. 1455

الفلسفة اليونانية والحكمة الهندية. وكل تلك كانت أدوات ترشح الشخص لكى يعمل فى الدواوين لعصره، ويتقن العمل فيها، ويظفر بما يزيد من الإعجاب والترقى فى المراتب السنية. وما نصل إلى زمن الرشيد والبرامكة حتى نجد جعفر بن يحيى البرمكى يستخلص عمرا لنفسه، ويتخذه كاتبا للتوقيع بين يديه، إذ حدّث عن نفسه قائلا: «كنت أوقّع بين يدى جعفر بن يحيى فرفع إليه غلمانه ورقة يستزيدونه فى رواتبهم، فرمى بها إلىّ، وقال: أجب عنها، فكتبت: قليل دائم خير من كثير منقطع. فضرب بيده على ظهرى وقال: أىّ وزير فى جلدك! ». وأفاده عمله مع جعفر فى التوقيعات إفادة واسعة، إذ كان جعفر يعنى-كما قدمنا- بتنميق عباراته والاقتصاد فيها أشد ما يكون الاقتصاد، فطبع بطوابعه البلاغية على نحو ما سنرى عما قليل. ونراه بعد ذلك متصلا بالفضل بن سهل القائم على تدبير شئون المأمون حين كان يحكم من مرو الولايات الشرقية، وقد اتخذه كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع وزيرا له وأسلم إليه مقاليد الحكم، فما زال بالأمين حتى قضى عليه كما قدمنا، وبايع الناس المأمون بالخلافة، وظلاّ جميعا بمرو حتى سنة ٢٠٢ للهجرة، فبارحاها قاصدين إلى بغداد، وقتل الفضل فى الطريق، كما أسلفنا. وإنما ذكرنا ذلك لما نظنه من أن عمرو بن مسعدة إذا كان عمل فى دواوين الفضل فلا بد أن يكون عمل بها فى مرو، مثله مثل أحمد بن يوسف، وكأن الفضل أعجب به، فأدناه منه واصطحبه معه هناك. وعاد إلى بغداد، فعمل فى دواوين أخيه الحسن وزير المأمون أو بعبارة أدق عمل فى دواوين الخلافة، ووقع من نفس المأمون موقعا حسنا فعهد إليه أحيانا تفتيش الولايات، وما زال يعجب به وببلاغته، حتى إذا رفع أحمد بن يوسف إلى مرتبة الوزارة أقامه على ديوان الرسائل، وكان يأنس له ويستطيب حديثه، فلما أخذ فى غزو الروم كان يستصحبه فى غزواته. ولعظم منزلته عنده ظن بعض الشعراء أنه استوزره، وذكر ذلك فى بعض مديحه له، إذ يقول: لقد أسعد الله الوزير ابن مسعده ... وبثّ له فى الناس شكرا ومحمده

стр. 1456

وكان جوادا ممدّحا، كما كان فاضلا نبيلا حميد العشرة محببا إلى معاصريه، وما توافى سنة ٢١٧ للهجرة حتى يلبّى نداء ربه بأذنة فى غزوة مع المأمون. ويروى أنه لما مات رفعت إلى المأمون رقعة فيها أنه خلّف ثمانين ألف ألف درهم، فوقّع فى ظهرها: «هذا قليل لمن اتصل بنا، وطالت خدمته لنا، فبارك الله لولده فيما خلّف وأحسن لهم النظر فيما ترك». وكان عمرو بن مسعدة يروع معاصريه ببلاغته، وهى تعدّ امتدادا لبلاغة جعفر بن يحيى البرمكى، تتصف نصفتين أساسيتين بارزتين هما الإيجاز الدقيق والوضوح البالغ، وهما نفس الصفتين اللتين امتازت بهما بلاغة ابن مسعدة، أما الإيجاز فقد بلغ منه أنه كان يضرب به المثل فيه، كما كان يضرب بجعفر بن يحيى من قبله، وكان يقول للكتّاب: إذا استطعتم أن تجعلوا كتبكم كلها توقيعات فافعلوا. وكأنما استقر ذلك فى نفس عمرو فإذا هو يحيل كتبه فى مختلف الأغراض إلى ما يشبه التوقيعات اختصارا واقتصادا فى القول. وأما الوضوح فقد كان جعفر شديد الكلف به، وكثيرا ما كان يوصى به الكتّاب من حوله، ومرّ بنا فى الفصل الماضى وصف ثمامة بن أشرس المعتزلى لبلاغته ومدى ما كان يجرى فيها من بيان ووضوح وإيجاز شديد، ويروى أن الفضل ابن سهل وصف بلاغة ابن مسعدة فقال: «هو أبلغ الناس، ومن بلاغته أن كل أحد إذا سمع كلامه ظن أنه يكتب مثل كتبه فإذا رامها تعذرت عليه (١)». وهذا كما قيل لجعفر بن يحيى: ما حدّ البلاغة؟ فقال: التى إذا سمعها الجاهل ظن أنه يقدر على مثلها، فإذا رامها استصعبت عليه. وليس هذا كل ما أخذه عمرو عن جعفر، فقد كان جعفر يتأنق فى اختيار لفظه، حتى لينمقه أحيانا بالسجع الرشيق، فحاكاه عمرو فى تنميقه وتأنقه وإشاعة السجع أحيانا فى كلامه، وخاصة إذا كان موجزا وطال نظره فيه، إذ كان لا يزال يبحث عن اللفظة الملائمة التى تروق فى السمع، كما يبحث عن المعنى الدقيق، فالكتابة عنده وخاصة إذا اتجه بها إلى الحسن بن سهل أو إلى المأمون أو كلّفاه بالكتابة عنهما لم تعد شيئا يجرى عفو الخاطر، بل أصبحت بحثا بأدق

стр. 1457

ما تدل عليه كلمة بحث، بحثا فى استقطار المعانى، بحيث لا يفوت المعنى على إيجازه الدلالة الواضحة البينة عن طائفة واسعة من الأفكار، وبحيث لا يفوت الألفاظ حمل المعنى وأداءه أداء يخلب الألباب. ولعل من الخير أن نسوق طائفة من رسائله نستشفّ منها خصائصه البلاغية، فمن ذلك ما كتب به إلى الحسن ابن سهل يستتم صنائعه عنده (١): «أما بعد فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسّس بنى، ليستتم تشييد أسسه، ويجتنى ثمار غرسه، وبناؤك عندى قد شارف الدّروس (٢)، وغرسك مشف (٣) على اليبوس، فتدارك بناء ما أسست، وسقى ما غرست، إن شاء الله». وواضح تأنقه فى الكتاب وتنميقه، حتى ليبنيه على السجع، وواضح أيضا تدقيقه فى اختيار الألفاظ، وأنه لا يعمد إلى الإطناب، إنما يعمد إلى الاقتصاد، مؤديا بصورتين كل ما فى نفسه، فصنائع الحسن عنده تشبه بناء، وضع أساسه، ولا بد من متابعة الإنفاق عليه حتى يرتفع فى الجو وتقوم أركانه، أو هى تشبه غرسا، لا بد له من تعهد بالماء والتربية حتى يشتد ويؤتى ثماره. ويقول إن الأساس قد أشرف على الامحاء والغرس قد أشرف على الذبول فلا تضن بالنفقة والتعهد عليهما حتى لا يضيع ما أنفقت وتعهدت أولا. أرأيت كيف أننا حين نعمد إلى فهم كلام ابن مسعدة نضطرّ إلى شئ من البسط والإطناب، وكأننا بإزاء صياغة تشبه صياغة الشعر الغنائى المركزة التى يشقلها ما تحمل من معان كثيرة فى عبارات مسرفة فى الإيجاز. ومع ذلك فالألفاظ واضحة غاية الوضوح، ولكنها مع وضوحها تحمل معانى غزيرة، مع قلة عدد الحروف والكلمات ومع سهولة الألفاظ وخفتها فى النطق. وقال أحمد (٤) بن يوسف: «دخلت على المأمون وفى يده كتاب، وهو يعاود قراءته مرة بعد مرة، ويصعّد فيه بصره ويصوّبه، فالتفت إلىّ وقد لحظنى فى أثناء قراءته للكتاب، وقال: يا أحمد أراك متفكرا فيما تراه منى! قلت: نعم، وقى الله أمير المؤمنين من المكاره وأعاذه من المخاوف، قال: لا مكروه إن شاء الله، ولكنى أقرأ كتابا وجدته نظير ما سمعت الرشيد يقوله فى البلاغة،

стр. 1458

فإنى سمعته يقول: البلاغة التباعد من الإطالة والتقرب من البغية والدلالة بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى. وما كنت أتوهم أن أحدا يقدر على هذه البلاغة حتى قرأت هذا الكتاب من عمرو بن مسعدة إلينا، ورمى به إلىّ وقرأته، فإذا فيه: «كتابى إلى أمير المؤمنين، ومن قبلى من قوّاده وسائر أجناده فى الانقياد والطاعة على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخّرت أرزاقهم، وانقياد كفاة تراخت أعطياتهم، واختلّت لذلك أحوالهم، والتاثت (١) معه أمورهم». فلما قرأته قال: إن استحسانى إياه بعثنى أن أمرت للجند قبله بعطائهم لسبعة أشهر، وأنا على مجازاة الكاتب بما يستحقه من حلّ محله فى صناعته. وفى رواية أخرى أنه قال لابن يوسف: لله درّ عمرو ما أبلغه! ألا ترى إلى إدماجه المسألة فى الإخبار، وإعفائه سلطانه من الإكثار». ولا ريب فى أن عمرا تعب طويلا فى كتابة هذا الكتاب الموجز، حتى يقع على العبارات القليلة التى تؤدى إلى المأمون امتعاض القواد والجند من تأخّر رواتبهم، وقد أخذ يحتال لإنبائه بهذا الخبر بحيث لا يضيق بهم وبحيث لا يظن أنهم عمدوا إلى شغب أو ما يشبه الشغب، فذكر أولا أنهم مذللّون له منقادون، وأنهم مستمسكون بعرى طاعته استمساكا يستغرق قلوبهم كأحسن ما يكون استمساك جيش بطاعة خليفته، ثم أتبع ذلك بتأخر أرزاقهم ورواتبهم حتى أجهدهم ما تحملوه من هذا التأخر وحتى اضطربت أمورهم، ومثلهم-مع طاعتهم وانقيادهم- حرى أن يسدّ اختلالهم وأن يرعى لهم وفاؤهم، فتعجّل رواتبهم وأرزاقهم. وكان للكتاب أثر بالغ فى نفس المأمون إذ أمر أن تصرف للجند والقادة فى الحال أعطياتهم، لا لشهر ولا لشهرين بل لسبعة أشهر متتابعة. ويقال إنه أمر بأن يعطى لعمرو أيضا راتبه لثمانية أشهر جزاء وفاقا لحسن عرضه للمسألة ودقة تلطفه فى إيرادها وتصويرها. ويروى صاحب (٢) زهر الآداب أنه قدم على المأمون رجل من أهل الشام على عدة سلفت له منه بتوليته بلده، فطال على الرجل انتظار خروج أمر المأمون بما وعده به، فقصد عمرو بن مسعدة، وعرض عليه المسألة، وسأله

стр. 1459

إيصال رقعة إلى المأمون بها، فقال له: اكتب بما شئت، فإنى موصله، فتوسل إليه أن يتولى هو كتابة الرقعة عنه، حتى يكون له فضلان، فكتب عمرو: «إن رأى أمير المؤمنين أن يفكّ أسر عدته من ربقة (١) المطل بقضاء حاجة عبده، والإذن له بالانصراف إلى بلده، فعل موفّقا». فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عمرا، فأطلعه عليها وجعل يعجب من حسن لفظها وإيجاز المراد فيها، فقال له عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتابة له فى هذا الوقت بما سأل، لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه، وبجائزة تفى دناءة المطل». وأكبر الظن أن المأمون لم يستحسن كلام الرقعة لدقة إيجازها وتعبيرها السريع عن مقصودها فحسب، بل استحسنها أيضا للصورة المبثوثة فيها، وكان ابن مسعدة كثيرا ما يعنى بالتصوير فى كتابته على نحو ما مرّ بنا فى رسالته للحسن ابن سهل. وبذلك تحوّل فن الرسائل عنده إلى عبارة موجزة كعبارات التوقيعات وإلى صور نادرة تستهوى القلوب بطرافتها ودقتها فى التعبير عن المعنى الذى يريد تجسيمه. وكان يضيف إلى ذلك رقة فى الشعور، هى رقة الكاتب المتحضر الذى أرهف ذوقه، والذى عوّدته آداب اللياقة الاحتياط فيما يورده على سمع الخليفة والوزير، بحيث ينال إعجابه واستحسانه. ويروى صاحب المثل السائر (٢) أن رجلا من بنى ضبّة ضرع إليه أن يشفع له عند المأمون فى الزيادة لمنزلته وراتبه المقدّر له، فكتب إلى المأمون مستشفعا له: «أما بعد فقد استشفع بى فلان يا أمير المؤمنين-لتطوّلك (٣) علىّ-فى إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون به، وأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلنى فى مراتب المستشفعين، وفى ابتدائه بذلك تعدّى طاعته، والسلام». وأعجب المأمون بدقة عرضه لشفاعته وإخراجه لها فى معرض التعريض، تلطفا، وإشارة من طرف خفى إلى حرمته منه، وما يختصه بالعطف والحظوة عنده. وبذلك كانت أوكد وسيلة وأوثق ذريعة لإجابة طلبه وشفاعته، مما جعل

стр. 1460

المأمون يوقّع على الكتاب بقوله: «قد عرفنا توطئتك له، وتعريضك لنفسك، وأجبناك إليهما، ووافقناك عليهما». وكان إيجازه المفرط مع دقته فى أداء المعانى يروع المأمون روعة شديدة، ويروى أنه أحبّ يوما أن يرى مدى مقدرته فى هذا الإيجاز، فأمره أن يكتب إلى بعض العمال فى العناية بشخص والاهتمام بأمره، وأن يوجز كتابه ما أمكنه، بحيث لا يتجاوز ما يكتبه سطرا واحدا، فكتب (١): «كتابى إليك كتاب واثق بمن كتب إليه، معنى بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقاية والعناية حامله. والسلام». ولا ريب فى أن هذا الكتاب القصير-بل المفرط فى القصر-يصور مدى ما كان يبذل ابن مسعدة من جهد عنيف فى جمع المعانى الكثيرة وتركيزها فى معنى يؤديها أجمل ما يكون الأداء، سواء بما يختار من لفظ أنيق أو صورة بديعة، وكأنه لا يصوغ كلاما، وإنما يقطّر من الكلام شذى فائحا شديد التأثير فى قارئه وسامعه. وعلى هذا النحو تحوّلت الكتب عند ابن مسعدة إلى كلمات قصار، ككلمات التوقيعات، بل لعلها أشد قصرا، وأقوى منها حدة. وما نشك فى أنه تأثر فى هذا الاتجاه بالحكم الكثيرة التى ترجمت فى عصره، على نحو ما نرى فى الأدب الصغير والكبير لابن المقفع، وكأنه أراد أن يجعل كتبه أو على الأقل طائفة منها حكما وأمثالا تدور على ألسنة الكتّاب والأدباء. وروى له ابن خلكان رسالة طويلة مسجوعة كتب بها إلى بعض الرؤساء، وقد أهمّه وأحزنه زواج أمه، لينفّس عنه، وما إن قرأها حتى سحره بيانه واعتذاره عن أمه وذهب عنه الهم والحزن. وشكّ ابن خلكان فى الرسالة وقال إنها تنسب إلى ابن العميد، وهو محق فى شكه، لسبب بسيط، هو طولها الذى لا نألفه عند ابن مسعدة، فقد كان يقبض يده عنه ولا يبسطها إلا على حروف معدودة محكمة.

стр. 1461

٥ - ابن (١) الزيات هو محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة، اشتهر بابن الزيات، لأن جده أبانا كان يجلب الزيت من مواطنه إلى بغداد متجرا فيه، وأصله من مقاطعة جيل جنوبى بغداد ومن قرية تسمى الدسكرة. وقد دفع ابنه عبد الملك إلى احتراف التجارة، وجدّ فيها حتى صار من تجار الكرخ (٢) المياسير، وولد له محمد سنة ١٧٣ ونشأ يحب الأدب، فأقبل ينهل منه، كما ينهل من علوم اللغة ومن ينابيع الآداب الأجنبية الشائعة فى عصره، حتى شدا الشعر ونبغ فيه كما نبغ فى النثر. وحاول أبوه أن يصرفه عن هذا الاتجاه إلى التجارة المربحة فكان يصدّه، ويلزم الأدب وطلبه، ويلازم الدواوين محاولا أن يلفت من فيها إلى مهارته الأدبية، وقال له أبوه يوما: «والله ما أرى ما أنت ملازمه ينفعك وليضرّنك، لأنك تدع عاجل المنفعة وما أنت فيه مكفّى، ولك ولأبيك فيه مال وجاه، وتطلب الآجل الذى لا تدرى كيف تكون فيه، فقال: والله لتعلمنّ أينا ينتفع بما هو فيه: أنا أم أنت، ثم شخص إلى الحسن بن سهل، فامتدحه بقصيدة، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فعاد بها إلى أبيه فقال له أبوه: لا ألومك بعدها على ما أنت فيه». ويقال إنه لما مدح ابن سهل ووصله بالدراهم المذكورة مثل بين يديه، وأنشده: لم أمتدحك رجاء المال أطلبه ... لكن لتلبسنى التّحجيل والغررا (٣) وليس ذلك إلا أننى رجل ... لا أطلب الورد حتى أعرف الصّدرا (٤) يشير بذلك إلى مأربه من مديحه، وأنه لم يمدحه طلبا للمال، وإنما مدحه طلبا لتعيينه كاتبا بالدواوين، وعيّنه الحسن بن سهل، فحقّق له أملا طالما كان يراوده.

стр. 1462

ومضى ابن الزيات يختلف إلى الدواوين وهو يتابع مدارسته لعلوم اللغة والنحو، ويظهر أنه تزوّد منها زادا وافرا، فقد ذكر الرواة أن أبا عثمان المازنى حين قدم بغداد كان أصحابه وجلساؤه يخوضون بين يديه فى مسائل علم النحو، فإذا اختلفوا فى مسألة يقع فيها الشك قال لهم: ابعثوا إلى هذا الفتى الكاتب-يعنى ابن الزيات-واسألوه واعرفوا جوابه، وكانوا يفعلون، ويعرضون ما يجيب به على المازنى، فيرى أنه الصواب الذى يرتضيه، ويشرحه لهم ويقفهم عليه. وعلى نحو ما كان عالما باللغة والنحو كان شاعرا بارعا، ومرّت بنا فى حديثنا عن الشعر مرثية لزوجه، وهى من روائع المراثى، وله وراءها مراث أخرى فيها وأشعار كثيرة، كوّنت له ديوانا نشر فى القاهرة، ومن يرجع إليه يجد شاعريته فياضة، كما يجد الشعر مذللا له فى المواقف المختلفة التى قد يصعب فيها على غيره ولا يسلس قياده. ويقال إنه لما وثب إبراهيم بن المهدى على الخلافة حين عقد المأمون لعلى الرضا البيعة بولايد العهد، وتطورت الظروف على نحو ما قدمنا ولم يتم أمره استتر خوفا من المأمون وانتقامه، وظل مستخفيا سنوات لا يعرف موضعه، حتى إذا ظهر وعفا عنه المأمون طالبه التجار بأموالهم التى كان قد اقترضها منهم فكان يقول: إنما أخذتها للمسلمين وأردت قضاءها من فيئهم والأمر الآن إلى غيرى، وكان قد اقترض من عبد الملك بن أبان عشرة آلاف درهم، وكان إذا طالبه بماله لقيه بنفس الجواب، فنظم ابنه محمد قصيدة يصور فيها ثورته على المأمون مقارنا بينها وبين ثورة الأمين وما ناله من القتل جزاء غدره ونكثه، حتى يوغر صدر المأمون عليه، ويطير به طيرة بطيئا سقوطها. ومضى بالقصيدة إلى ابن المهدى، فأنشدها له، وقال: والله لئن لم تعطنى المال الذى اقترضته من أبى لأوصلنّ هذه القصيدة إلى المأمون، ففزع إبراهيم وجزع، وقال له متوسلا: خذ منى الآن بعض المال، واجعل الباقى أقساطا، ولا تظهر القصيدة، ووفى كل منهما لصاحبه. وما زال ابن الزيات يعمل فى الدواوين حتى ولى مقاليد الخلافة المعتصم، فقرّبه منه ولم يلبث أن استوزره، ويقال إنه طلب حينئذ أن لا يلبس القباء (١) على

стр. 1463

عادة الوزراء وأن يلبس الدّرّاعة (١) ويتقلّد عليها سيفا بحمائل، فأجيب إلى طلبه، ويحسّ بإقبال الدنيا عليه، فيفتح أبوابه للشعراء، ويجزل لهم فى العطاء، ومن أهم مدّاحه كما مرّ بنا أبو تمام، وأنشدنا فى غير هذا الموضع بعض أبيات من قصيدته التى وصف فيها قلمه وبلاغته. وكانت قد انعقدت أيام عمله فى الدواوين صلة وثيقة بينه وبين الحسن بن وهب، فلما ولى الوزارة قلّده ديوان الرسائل، وربما كان الجاحظ أهم أديب توثقت به صلته فى وزارته. وتوفّى المعتصم وولى ابنه الواثق، فظل وزيرا له، ولعل من الغريب أن نجده فى وزارته لهما جميعا يعادى أحمد بن أبى دؤاد المعتزلى المشهور، وكان المعتصم جعله قاضى القضاة واتخذه كما اتخذه ابنه الواثق ناصحا ومشيرا، ودبّ التنافس بينه وبين ابن الزيات، حتى انقلب إلى عداوة وتهاج بالشعر، وكان ابن أبى دؤاد يحرّض الشعراء على هجائه ويصلهم، ويقال إنّ بعض الشعراء هجاه بقصيدة عدة أبياتها سبعون بيتا، فبلغ خبرها ابن أبى دؤاد، فقال: أحسن من سبعين بيتا سدى ... جمعك إياهن فى بيت ما أحوج الناس إلى مطرة ... تذهب عنهم وضر الزيت وكان ابن الزيات لبراعته فى الشعر يكيل له الصاع صاعين، فاضطرمت العداوة بينهما اضطراما. وكانت فى ابن الزيات قسوة شديدة قلما تؤلف فى أمثاله من الأدباء الذين رزقوا دقة فى الحس، ورهافة فى الشعور، ويؤثر عنه أنه كان يقول: «الرحمة خور فى الطبيعة وضعف فى المنّة (٢)، ما رحمت شيئا قط». وبلغ من قسوته أن اتخذ تنّورا من حديد، وجعل فيه مسامير، ليعذّب به المطالبين بالأموال من أرباب الدواوين. وكان فى وزارته للواثق، يتجهم للمتوكل، وحاول أن يصرف الخلافة عنه إلى ابن الواثق، وطمح إلى إنفاذ ذلك بعد وفاته، بينما تحمس ابن أبى دؤاد للمتوكل، فلما ولى الخلافة استوزر ابن الزيات أربعين يوما ليطمئن، وظل ابن أبى دؤاد يغريه به لينكبه، حتى أصاخ له وقبض عليه وطالبه بالأموال، ولم يلبث أن أدخله التّنّور الذى صنعه، وقيّده فيه بخمسة عشر رطلا من حديد، وظل به أربعين يوما يعذّب عذابا شديدا،

стр. 1464

حتى مات، وكان موته فى آخر ربيع لسنة ٢٣٣ للهجرة. ولم تدر لابن الزيات رسائل كثيرة فى كتب الأدب، مع كثرة ما يدور فيها من رسائل موجهة إليه، ويظهر أنه وكل فى وزارته للحسن بن وهب كتابة الرسائل الديوانية والرد عليها، ومن القليل الذى احتفظت به تلك الكتب العهد للواثق على مكة، وقد كتبه بحضرة المعتصم على هذه الصورة (١): «أما بعد، فإن أمير المؤمنين قد قلّدك مكة وزمزم، تراث أبيك (٢) الأقدم، وجدّك (٣) الأكرم، وركضة جبريل، وسقيا إسماعيل وحفر عبد المطلب، وسقاية العباس، فعليك بتقوى الله تعالى والتوسعة على أهل بيته». وابن الزيات يشير فى هذا العهد المقتضب إلى قصة هاجر زوج إبراهيم ﵇ حين ولدت ابنها إسماعيل منه، وغارت زوجه الثانية سارة، واضطرته أن ينزلهما منزلا بعيدا عنها، فأنزلهما بوادى مكة الجدب، وذكر ذلك القرآن الكريم فى قوله جلّ شأنه على لسان إبراهيم: ﴿(رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)﴾. وأعياهما أن يجدا ماء يستقيان منه، وبينما هاجر قد أخذها اليأس من وجوده إذا جبريل يهبط راكضا على موضع، لا تلبث بئر أن تتفجّر منه، هى بئر زمزم، فتستقى منه هاجر وإسماعيل. وتمر الأيام فتطمر البئر وتمحى معالمها وتظل مطمورة، حتى يلقى فى روع عبد المطلب جد الرسول ﷺ أن يحفرها، وما إن ضرب بمعوله فيها حتى فاض الماء، واتخذها لسقاية الحجيج، وورث ابنه أبو طالب شرف هذه السقاية بعده وورثها عنه العباس أخوه جد العباسيين. وإلى كل هذه القصة يشير ابن الزيات فى عهد الواثق، وكأننا نلتقى عنده بأسلوب ابن مسعدة المبنى على الإيجاز والاقتصاد فى القول من جهة، وعلى التأنق فى التعبير من جهة ثانية، تأنقا يجره إلى السجع ويظهر أن ابن الزيات لم يكن يعمد إلى السجع دائما، وكأنما كان يرى فيه مبالغة فى التكلف، فقد احتفظ له ابن عبد ربه برسالة إلى أحد العمال تخلو من السجع، وهى تجرى على هذا النمط (٤):

стр. 1465

«أما بعد فقد انتهى إلى أمير المؤمنين (كذا) فأنكره، ولا تخلو من إحدى منزلتين، ليس فى واحدة منهما عذر يوجب حجة ولا يزيل لأئمة (١): إما تقصير فى عملك دعاك للإخلال بالحزم والتفريط فى الواجب، وإما مظاهرة (٢) لأهل الفساد ومداهنة لأهل الرّيب، وأيّه هاتين كانت منك محلّة النّكر بك وموجبة العقوبة عليك، لولا ما يلقاك به أمير المؤمنين من الأناة والنّظرة (٣) والأخذ بالحجة والتقدم فى الإعذار والإنذار، وعلى حسب ما أقلت (٤) من عظيم العشرة يجب اجتهادك فى تلافى التقصير والإضاعة، والسلام». والقصد إلى الإيجاز واضح فى الرسالة ولكنه إيجاز من درجة ثانية غير درجة الإيجاز عند ابن مسعدة، فإيجاز ابن الزيات لا يتحول إلى ما يشبه التوقيعات والحكم والأمثال، إنما هو ضرب من الاقتصاد فى التعبير، مع الاتساع فى المعنى وبسط أطرافه قليلا، ليحيط بكل ما يدور فى نفس الكاتب، ومع الوفاء برصانة اللفظ وجزالته ومتانته، ومع الدقة فى انتخابه واختياره، دون تكلف لجمال صوتى يجرّ إلى السجع أو إلى الازدواج الذى كان يستخدمه أحمد بن يوسف وسهل بن هرون وأضرابهما من الكتّاب، ومما يصور ذلك عنده ما احتفظ به ابن عبد ربه من بعض فصوله مثل قوله (٥): «إن الله أوجب لخلفائه على عباده حق الطاعة والنصيحة، ولعبيده على خلفائه بسط العدل والرأفة وإحياء السنن الصالحة. فإذا أدّى كلّ إلى كلّ حقه كان ذلك سببا لتمام المعونة واتصال الزيادة واتساق الكلمة ودوام الألفة». فالفكرة تؤدّى فى عبارة موجزة تلمّ بأطراف المعنى ولكن دون إسهاب أو إطناب، ودون محاولة لتحقيق اللذة الفنية عن طريق السجع والازدواج وما ينحو نحوهما، على شاكلة قوله فى فصل آخر (٦): «إن أعظم الحقّ حقّ الدين، وأوجب الحرمة حرمة المسلمين، فحقيق لمن راعى ذلك الحق وحفظ تلك الحرمة أن يراعى له حسب ما رعاه الله به، ويحفظ له حسب ما حفظ الله على يديه».

стр. 1466

والرغبة فى الإيجاز والاقتصاد فى القول واضحة فى هذا الفصل وخاصة فى كلماته الأخيرة. ولم تؤثر لابن الزيات رسائل شخصية نثرية، وكأنه كان يقدم الشعر على النثر فى هذه الرسائل، لمطاوعته له وسهولته عليه، إذ تروى له كتب الأدب بعض رسائل إخوانية شعرية كان يتبادلها مع بعض أصدقائه وخاصة الحسن بن وهب، وقلما تجاوزت أبياته فيها عدد أصابع اليدين. ويروى أن ابن وهب مرض أياما ولم يأته رسوله ولا تعرّف خبره، فكتب إليه رسالة شعرية يعاتبه فيها، وردّ عليه ابن الزيات برسالة شعرية أيضا، يعتذر إليه متنصلا من علمه بمرضه، وطالبا إليه التفضل بصفحه والتطوّل بعفوه، على هذه الشاكلة (١): دفع الله عنك نائبة الدّه ... ر، وحاشاك أن تكون عليلا أشهد الله ما علمت وماذا ... ك من العذر جائزا مقبولا ولعمرى أن لو علمت فلا زم ... تك حولا لكان عندى قليلا فاجعلن لى إلى التعلق بالعذ ... ر سبيلا إن لم أجد لى سبيلا فقديما ما جاد بالصفح والعف ... وو ما سامح الخليل الخليلا ويقول صاحب الأغانى إنه كان بليغا حسن اللفظ إذا تكلم وإذا كتب، ويسوق شاهدا على ذلك أنه «جلس يوما للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا، فقال له: ألك حاجة؟ قال الرجل: نعم تدنينى إليك، فإنى مظلوم، فأدناه، فقال: أبا مظلوم، وقد أعوزنى الإنصاف، قال: ومن ظلمك؟ . قال: أنت، ولست أصل إليك فأذكر حاجتى، قال: ومن يحجبك عنى وقد ترى مجلسى مبذولا؟ قال الرجل: يحجبنى عنك هيبتى لك وطول لسانك وفصاحتك واطراد حجتك، قال: ففيم ظلمتك؟ قال الرجل: ضيعتى الفلانية أخذها وكيلك غصبا بغير ثمن، فإذا وجب عليها خراج أدّيته باسمى لئلا يثبت لك اسم فى ملكها، فيبطل ملكى، فوكيلك يأخذ غلّتها وأنا أؤدى خراجها». وتمضى القصة فتذكر أن ابن الزيات ردّ على الرجل ضيعته ووهبه بعض المال ليستعين على عمارتها. وأبو الفرج إنما ساق القصة ليدل على ما شاع عند معاصرى ابن الزيات من فصاحته وبلاغته ولسنه وقوة حجته.

стр. 1467

خاتمة تحدثت فى هذا الجزء الخاص بتاريخ الأدب العربى فى العصر العباسى الأول عن الحياة السياسية وما اتصل بها من قيام الدولة العباسية وبناء بغداد وسامرّاء واتخاذهما حاضرتين متعاقبتين، كما تحدثت عن غلبة الطوابع الإيرانية على نظم الحكم وما ارتبط بها من دواوين ووزراء وتقاليد مختلفة. وقد مضى العلويون يقاومون أبناء عمهم العباسيين سرّا وجهرا، بينما ضعف شأن الخوارج ضعفا شديدا. ويعدّ أبو جعفر المنصور المؤسس الحقيقى لدولة بنى العباس، ويخلفه المهدى فيقضى على ثورات الخرمية وترتعد فرائص البيزنطيين أمام جيوشه فى غير موقعة. ويعقبه ابنه الهادى لمدة قصيرة. ويتولى مقاليد الخلافة بعده أخوه هرون الرشيد، وعصره يعد أزهى عصور الخلافة العباسية، بما شاع فيه من رخاء، وقد محقت جيوشه الخوارج محقا وسحقت البيزنطيين سحقا. ويخلفه ابنه الأمين لسنوات قصيرة، ويتولى بعده المأمون، ويقود حركة عقلية واسعة ينتصر فيها للمعتزلة وقولهم بأن القرآن مخلوق، بينما يقضى قواده على كثير من الثورات، ويقلم أظافر البيزنطيين مرارا، ويخلفه أخوه المعتصم فيقضى على ثورة بابك الخرمى، ويدق أعناق البيزنطيين دقّا فى عمورية وغير عمورية، ويعقبه ابنه الواثق، وبه يختم العصر العباسى الأول. وكانت بغداد وسامرّاء تحفل بالقصور الباذخة وتكتظ بالثراء، وصبّت سيول منه فى حجور المغنين والشعراء والعلماء، مما أعدّ لنهضة واسعة فى الفنون والآداب والعلوم، وشاع الترف فى الملابس والمطاعم والمشارب كما شاعت أدوات مختلفة للترويح عن النفوس، وكثر الرقيق والجوارى وشغف الناس بالغناء وبضروب مختلفة من الظّرف وتورط كثيرون فى الخمر والمجون. وكان انتصار العنصر الفارسى على العنصر العربى فى الثورة العباسية سببا فى أن تبرز موجة حادة من الشعوبية، ورافقتها موجة حادة من الزندقة، جعلت المهدى ينصب ديوانا لتعقب الزنادقة ومحاكمتهم، ويبعث العلماء للرد على بهتانهم. وتغنّى كثيرون بالزهد ورفض

стр. 1468

الدنيا ومتاعها الزائل، وتعالت أصوات الوعّاظ والقصّاص وأخذت تظهر مقدمات التصوف. وقد حدث امتزاج جنسى ولغوى وثقافى واسع بين الشعب العربى والشعوب المستعربة، إذ امتزجت به فى السكنى والتزاوج وفى الأخلاق والعادات، واتخذت لغته لسانا لها نترجم به عن ضميرها ومشاعرها وذات نفسها، وسرعان ما استوعبت تلك اللغة الثقافات التى كانت مبثوثة فى هذا المحيط الجديد سواء أكانت هندية أم فارسية أم يونانية أم دينية خالصة. ونشطت الحركة العلمية نشاطا واسعا، فشاع التعليم فى الكتاتيب والمساجد وكثر العلماء فى كل فن، وانتشر اقتناء الكتب والمكتبات الخاصة، وترجمت علوم الأوائل إلى العربية من هندية وفارسية ويونانية، وأنشأ الرشيد للترجمة دارا كبيرة هى دار الحكمة وألحق بها المأمون مرصدا فلكيّا ضخما. وأخذت توضع منذ أوائل العصر العلوم اللغوية: علوم النحو والتصريف والعروض ووضع أول معجم للعربية، وهو معجم العين المشهور. ونمت المصنفات التاريخية. وصّنفت فى الحديث النبوى كتب جامعة. وكثرت المصنفات فى تفسير القرآن الكريم. ووضعت مذاهب الفقه الأساسية: مذهب أبى حنيفة ومذهب مالك ومذهب الشافعى ومذهب ابن حنبل. وأحكم المتكلمون أصولهم العقيدية وخاصة المعتزلة الذين تعمقوا فى المباحث الفلسفية. وازدهر الشعر، وحذق الشعراء الموالى لغته، واستوعبوا مقوّماتها وخصائصها نافذين إلى أسلوب مولّد جديد، اعتمدوا فيه على الألفاظ الواسطة بين لغة العامة المبتذلة ولغة البدو الجافية، أسلوب يموج بالجزالة والرصانة حينا، وحينا بالعذوبة والنعومة. واصطبغ شعرهم ومعانيه بحكم رقيهم الفكرى بطوابع عقلية دقيقة، وقد مكن لها المعتزلة بمباحثهم العميقة وطرقهم فى الاستدلال وتوليدات المعانى وتفريعاتها المتشعبة. وظل الشعراء ينظمون فى موضوعات الشعر العربى القديمة متطورين بها قليلا أو كثيرا، وبذلك حافظوا على شخصيته الموروثة، مع الوصل بينه وبين حياتهم الاجتماعية والعقلية والحضارية. وقد اضطرم المديح اضطراما بما صوروا فيه من المثالية الخلقية والبطولات العربية والأحداث الكبيرة، وبما أضافوا إلى عناصره البدوية القديمة من عناصر حياتهم الحضارية وملكاتهم العقلية وتطور

стр. 1469

الهجاء بما أشاعوا فيه من روح الاستخفاف والسخرية المريرة والفكاهة السامّة. وتحولوا بالفخر القبلى إلى فخر شعوبى محتدم. واتسعوا بالرثاء. فرئوا المدن المنكوبة والحيوان والطير. وتفننوا فى الغزل بنوعيه الإباحى والعفيف. وتبذلوا فى شعر المجون والخمر. ونظموا كثيرا فى الزهد. ونفذوا إلى موضوعات جديدة، إذ أفردوا قصائد لتصوير بعض المثل الخلقية أو تصوير الرياض ومظاهر الحضارة العباسية أو بكاء البصر والتفجع على فقده أو وصف بعض الغرائز كغريزة الغيرة أو وصف حياة الشظف والبؤس والمسغبة أو نظم بعض الفكاهات والنوادر. واستحدثوا فن الشعر التعليمى ونظموا فيه كثيرا من التاريخ والقصص والمعارف والنحل المختلفة. وأكثروا من النظم على الأوزان القصيرة والمجزوءة ونفذوا إلى اكتشاف أوزان المضارع والمقتضب والمتدارك أو الخبب، وإلى أوزان أخرى لم يستخدمها العرب قبلهم، غير أنه لم يكتب لها الشيوع لنقص أنغامها بالقياس إلى الأوزان الموروثة. وعرفوا وزنا شعبيّا هو وزن المواليا. وجددوا تجديدا واسعا فى القوافى ونمط القصيدة، فاستحدثوا المزدوجات والرباعيات والمسمطات. ونظموا صورة تعدّ أمّا للموشحات مما يدل على أنها ترجع إلى أصول سياسية. وأعلام الشعراء فى العصر بشار وأبو نواس وأبو العتاهية ومسلم بن الوليد وأبو تمام، فأما بشار فكان فارسى الأب رومى الأم، وكان أكمه، وولد على الرّقّ، ونشأ فى البصرة نشأة عربية خالصة، فحذق اللغة وبرع فى الشعر، وكان يجالس المتكلمين وأصحاب المقالات الدينية، فاضطرب بين هذه المقالات وصار إلى الشك ثم إلى الزندقة، واستظهر شعوبية آثمة. وهو يعدّ زعيم الشعراء المحدثين بما رسم لهم من التمسك بأصول الشعر التقليدية والملاءمة بينها وبين العصر ومجتمعه وحضارته وثقافته. وقد أكثر من الفخر الشعوبى الذميم، وأثر فقده لبصره واضح فى غزله فهو فى أكثره غزل حسى يصدر فيه عن الغريزة النوعية صدورا يزرى بمروءة الرجل الحر الكريم مما جعل الوعاظ يذمونه ذمّا شديدا. وأكثر أيضا من وصف مجالس الخمر والغناء دون رادع من خلق أو دين إذ كان زنديقا وقتل على الزندقة. وكان أبو نواس فارسى الأب والأم، ونشأ مثل بشار فى البصرة، وتحول عنها إلى الكوفة مع شيطان كبير نفث فيه من غيّه ومجونه

стр. 1470

وإثمه هو والبة، ورحل إلى البادية يتزود من ينابيع اللغة الأصيلة وعاد إلى البصرة ولزم مجالس اللغويين والمتكلمين والقصّاص والمحدّثين وعبّ من الثقافات الأجنبية عبّا. ونزل بغداد وامتدح الرشيد والبرامكة، ورحل إلى مصر وعاد إلى بغداد فاتصل بالأمين. وشعره يجرى فى اتجاهين: اتجاه تقليدى فى المديح والرثاء واتجاه تجديدى فى الهجاء والغزل والمجون والطّرديات، وهو أكثر شعراء عصره مجونا وإفحاشا فيه. ومع إكثاره من الجهر بالفسق والمعصية يردد اعتماده على عفو الله ومغفرته، وهو-غير منازع-شاعر الخمرية على توالى العصور العربية بما ابتكر فى صورها ومعانيها وما أشاع فيها من حيوية دافقة. أما أبو العتاهية فكان نبطيّا ونشأ بالكوفة لأب يشتغل بالحجامة، وكان سيئ السيرة فى صباه إذ انتظم فى سلك المخنّثين، وعمل مع أخ له فى بيع الجرار وصنعها، واختلف إلى بيئات الرواة واللغويين والعلماء والمتكلمين، ولم يلبث أن أتقن العربية وبرع فى الشعر فرحل إلى بغداد ومدح المهدى وتعلق بجارية من جوارى قصره تسمى عتبة ونظم فيها غزلا كثيرا، ومدح ابنيه الهادى والرشيد، ويقبل على الخمر والمجون مفرطا فيهما. ويحدث انقلاب فى حياته، فيتزهد ويلبس الصوف، ويظل متصلا بالخلفاء والحسن بن سهل وزير المأمون حتى يبرح دنياه. وأشعاره تمثل حياته وما حدث بها من انقلاب فهو فى جانب منها يمدح ويتغزل ويصف الخمر، وفى جانب يتزهد وينثر الحكم مع التفنن فى المراثى، وتشيع فى أساليبه سهولة وليونة مفرطة. وكان يعاصره مسلم بن الوليد، وهو أيضا ينتظم فى عداد الموالى، وقد نشأ بالكوفة ثم انتقل إلى البصرة، وأكبّ على الشعر القديم وشعر بشار خاصة، حتى إذا لمع اسمه بين الشعراء المجيدين رحل إلى بغداد فمدح الرشيد وقواد الدولة ووزراءها وعمّالها وولاّه بأخرة الفضل بن سهل وزير المأمون بريد جرجان فظلّ بها حتى وفاته. واشتهر بتجويده لشعره والتدقيق فى معافيه والعناية برصانة اللفظ وجزالته ونصاعته والإكثار من ألوان البديع. وأبو تمام الطائى خاتمة هؤلاء الأعلام. وقد ولد بجاسم، وهى قرية من قرى دمشق، وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، فرحل إلى حمص، ثم إلى الفسطاط، وعاد إلى الشام وتردّد بينها وبين الرّقة والموصل، ثم هبط بغداد، ورحل عنها إلى خراسان، ثم عاد إليها، وتحوّل عنها مع المعتصم إلى سرّ من رأى» ولزم بابه وأبواب وزرائه وكبار رجال الدولة، وظل وثيق الصلة بابنه

стр. 1471

الواثق ووزيره ابن الزيات وكاتبه الحسن بن وهب، وولاّه الأخير بريد الموصل وسرعان ما وافته منيته. وشعره يفيض بثقافات عصره العربية والأجنبية وخاصة الثقافة الفلسفية والكلامية، واشتهر بأنه صاحب مذهب جديد، يقوم على التدقيق فى المعانى والأخيلة والتعمق فيها تعمقا قد يفضى إلى الغموض، كما يقوم على استخدام ألوان البديع، حتى لا يكاد يخلو منها بيت من أبياته، بل حتى لتتوهج فيها توهجا. وكثر حينئذ شعراء السياسة والمديج والهجاء، فكان هناك شعراء الدعوة العباسية الذين ينافحون عن العباسيين زاعمين أنهم أصحاب الخلافة الشرعيون، ومن أشهرهم أبو دلامة نديم السفاح وغيره من الخلفاء، ومروان بن أبى حفصة وسلم الخاسر اللذان وجها شعرهما نحو الدفاع عن حق العباسيين فى الخلافة وإنكار حق العلويين فيها والرد عليهم ردّا عنيفا. وكان شعراء الشيعة يدافعون بدورهم عن حق العلويين فى الخلافة، يجهرون بذلك كلما سنحت لهم الفرصة ويخفونه كلما أشفقوا على أنفسهم من العباسيين، ومن أشهرهم السيد الحميرى وكان كيسانى العقيدة لا يرى بأسا فى مديح الخلفاء العباسيين، كما كان لا يخفى حبه للعلويين، وأكثر من تغنيه بمناقب على بن أبى طالب وذمّ قاتلى الحسين وثلبهم. ومثله منصور النمرى الشيعى الإمامى، وكان يمدح العباسيين ويأخذ جوائزهم ويتفجع على قتلى آل البيت وحقوقهم المهدرة فى الخلافة. ومثلهما دعبل، وكان يعلن تشيعه إعلانا صريحا، وتشكك أبو العلاء المعرى فى صدقه وقال إنه كان يريد التكسب بإعلان تشيعه. وكان ديك الجن مخلصا فى تشيعه، غير أن ما أثر من شعره الشيعى قليل. وكان البرامكة بحورا فياضة، فنظم الشعراء فيهم كثيرا من المدائح، وفى مقدمتهم أبان بن عبد الحميد اللاحقى مترجم كليلة ودمنة شعرا، وأشجع بن عمرو السّلمى، وله قصائد طنانة فيهم وفى انتصارات الرشيد على نقفور إمبراطور بيزنطة. وكان كثير من الوزراء والقواد والولاة يجزلون العطاء للشعراء. فدبّجوا مدائح كثيرة فيهم، على نحو ما يلقانا عند أبى الشيص شاعر عقبة بن جعفر الخزاعى والى الرّقّة بالموصل، وعبد الله بن أيوب التّيمى شاعر يزيد بن مزيد قائد الرشيد، وعلى بن جبلة شاعر أبى دلف العجلى قائد

стр. 1472

المأمون، والخريمى شاعر عثمان بن خريم المرّى والى أرمينية. وبرع فى الهجاء شعراء كثيرون من أمثال أبى عيينة المهلبى وكان يكثر فى هجائه من الإقذاع الشديد، وعلى شاكلته عبد الصمد بن المعذّل وكان هجاء شكسا حديد اللسان. وتكاثر شعراء الغزل بنوعيه النقى العفيف والمادى الصريح، وكان النوع الثانى أكثر شيوعا لكثرة الجوارى والإماء، وخير من يصور النوع الأول العباس بن الأحنف الذى عاش يتغنى بالغزل العذرى الطاهر. أما النوع الثانى فخير من يصوره ربيعة الرّقى وغزله يسيل عذوبة. وكان شعراء المجون والزندقة كثيرين كثرة مفرطة لما شاع من فساد الأخلاق وكثرة النحل والمقالات والمذاهب الدينية والفلسفية ومن أشهرهم حماد عجرد، وكان يخلط مجونه بزندقة أشربتها روحه. ومنهم مطيع ابن إياس وهو من أكثر الشعراء مجاهرة بالفسق والعصيان. ومنهم صالح بن عبد القدوس ولم يكن ماجنا، ولكنه كان زنديقا كبيرا، إذ كان يعتنق عقيدة الثنوية المانوية مجاهرا بها، ومجادلا مناظرا إلى أن أمر الرشيد بضرب عنقه، وجمهور شعره أمثال وحكم. وكان غير شاعر يأخذ نفسه بحياة زاهدة ناسكة على نحو ما نجد عند عبد الله بن المبارك ودعوته إلى الجهاد فى سبيل الله وإلى التقوى واجتناب الآثام، وعند محمد بن كناسة الكوفى وتغنيه طويلا برفض الدنيا ومتاعها الزائل، وعند محمود الوراق ودعوته إلى طاعة الله والرضا بقضائه والتوكل عليه والقناعة بكفاف العيش مع التفكير الدائم فى الموت والفناء. وشارك المعتزلة فى الشعر وفنونه، وكان منهم من ينظم فى نفس الأغراض التى ينظم فيها الشعراء من حوله مثل العتّانى الذى يروع قارئه بمعانيه الطريفة، ومثل النظّام الذى يصبغ أشعاره فى الغزل وغير الغزل بصبغة كلامية واضحة. ومنهم من كان ينظم فى حوار أهل الملل والنحل مثل بشر بن المعتمر وكان يكثر من الحديث عن عجائب الله فى خلفه. وصوّر نفر من الشعراء فى أشعارهم النزعات الشعبية صادرين عن روح العامة وأحاسيسها، وخير من يمثلهم أبو الشمقمق وكان يستخدم فى شعره أحيانا ألفاظ العامة، مجسما فقره وبؤسه ومسغبته وأسماله البالية، وكثيرا ما يعرض ذلك فى صورة فكهة. وتطور النثر فى هذا العصر وتنوّع وكثرت فنونه بما ملأ أوانيه اللفظية من

стр. 1473

الثقافات اليونانية والفارسية والهندية وما استوعبه من صنوف العلوم وذخائر الفلسفة، وقد انبرى المتكلمون معتزلة وغير معتزلة يبحثون فى الأسس التى تقوم عليها براعة القول وبلاغته، واقتبسوا كثيرا مما سجلته الأمم القديمة من أصول البيان، وعنى كتّاب الدواوين هم الآخرون بفصاحة الكلام وبلاغة القول، مما جعلهم يتحولون بدواوينهم إلى ما يشبه مدارس بيانية كبيرة. وحقّا ضعف شأن الخطابة السياسية والحفلية، غير أن الخطابة الدينية وما اتصل بها من وعظ ووعّاظ وقصص وقصّاص ازدهرت ازدهارا عظيما، كما ازدهرت المناظرات وخاصة فى بيئة المعتزلة إذ كانوا يكثرون من حوار زعماء الفرق والنّحل فى المساجد ومجالس البرامكة ومجالس المأمون، مثيرين ما لا يحصى من دقائق المعانى وخفيات الأدلة، وبلغ من إتقانهم للجدل وقدرتهم على الإقناع وإفحام الخصوم أن نفذوا كثيرا-بقصد إظهار المهارة الجدلية-إلى تقبيح الأشياء المستحسنة وتحسين الأشياء المستقبحة، مما هيأ لظهور كتب المحاسن والمساوى. واتسع نقل الآداب الفارسية وكل ما اتصل بها من عهود ملوك الفرس ووزرائهم ورسائلهم إلى العمال ووصاياهم وتوقيعاتهم، وكان لذلك أثر بعيد فيما كان يصدر عن الخلفاء والوزراء ويدبّجه الكتاب من رسائل وعهود ووصايا وتوقيعات. وكان الكتّاب يحرصون فى هذا النبر الديوانى الرسمى على بلاغة القول والتفنن فى الأفكار والمعانى، ويلقانا فى عصر كل خليفة كتّاب ذاع صيتهم وطارت شهرتهم كل مطار. وازدهرت حينئذ الرسائل الإخوانية، إذ تناول كثير من الكتاب الأغراض التى كان ينظم فيها الشعراء من ثناء وشكر وهجاء وذم وعتاب واعتذار واستعطاف وتهنئة وتعزية، وأخذوا يحبّرون فيها رسائل شخصية مفتنّين فى أساليبها البيانية وما يصوّرون بها من عواطفهم وأهوائهم. ونفذ نفر منهم إلى كتابة رسائل أدبية طريفة تتناول النفس الإنسانية وعواطفها وسلوكها وحياتها العاملة وما يهديها سبيل الرشاد. وأخذ بعض الكتّاب البارعين يحاكون ما نقله ابن المقفع وغيره إلى العربية من القصص الحيوانى والرسائل السياسية الفارسية. وأعلام الكتاب فى العصر ابن المقفع وسهل بن هرون وأحمد بن يوسف وعمرو بن مسعدة وابن الزيات. أما ابن المقفع فكان فارسى الأصل ونشأ بالبصرة

стр. 1474

فى ولاء آل الأهتم، وهم بيت فصاحة وخطابة، فحذق العربية، وعمل فى دواوين العراق آخر زمن بنى أمية، ثم فى دواوين سليمان بن على وعيسى بن على عمى المنصور، وكان لا يزال مجوسيّا فأسلم على يد الأخير. وأغرى به المنصور سفيان بن معاوية والى البصرة، فقتله. وقد اشتهر بترجمته عن لغته بعض كتب الأدب الفارسى وكتاب كليلة ودمنة الهندى الأصل وبعض منطق أرسططاليس. وكان آية فى البلاغة وحسن الأداء وفصاحته. على نحو ما يتضح فى الأدب الصغير والأدب الكبير وكتاب اليتيمة ورسالة الصحابة، وهى جميعا تفيض بالوصايا السياسية والاجتماعية والخلفية. وتعدّ ترجمته لكليلة ودمنة من روائعه الفذة. وله رسائل إخوانية وأدبية بديعة. وكان سهل بن هرون مثله فارسى الأصل، وعكف على الآداب الأجنبية، وشارك فى الترجمة عن لغته الأصلية، ويقال إنه كانت فيه نزعة شعوبية، وكان فيه ميل إلى التندر، وظّفه الرشيد بخزانة الحكمة التى أنشأها، وقرّبه المأمون وجعله خازنا لبعض أقسامها. وكان من أفراد عصره فى البلاغة والبيان وصحة المنطق، وعنى بتأليف قصص حيوانى على شاكلة كليلة ودمنة، وهو يملؤه بالتربية السياسية والاجتماعية والحكم والأمثال على شاكلة كتابه «النمر والثعلب». ومن رسائله الأدبية الطريفة رسالته فى الاحتجاج للبخل. ورسالته الأخرى فى نصرة الزجاج على الذهب. وله رسائل شخصية بديعة. ومن أهم ما يميزه عنايته بدقة معانيه وتوفير الازدواج والجمال الصوتى لألفاظه وأساليبه. أما أحمد بن يوسف فكان من بيت كتابة، إذ كان أبوه يوسف بن صبيح ممن ذاع صيتهم فى دواوين القرن الثانى، وقد عنى بتأديب ابنه وإعداده للعمل فى الدواوين. وسرعان ما استخلصه الفضل بن سهل للمأمون، فجعله على ديوان الرسائل، ثم اختاره وزيرا له، وظل على وزارته حتى توفى. وكان واحد زمانه فى الكتابة الديوانية، ومن أروع رسائله السياسية رسالة الخميس التى كتبها فى تأييد الدعوة العباسية، وثقافته الكلامية واضحة فى تحميدها إذ تحول به إلى ما يشبه مبحثا كلاميّا فى الدلالة على وجود الله ووحدانيته وحدوث الخلق وفناء العالم. وله رسائل شخصية يتضح فيها ما يتضح فى رسائله الديوانية من تأنق التعبير. حتى ليمكن أن يقال إنه هو الذى أعدّ فى قوة لأن يشيع فى النثر الديوانى الرسمى أسلوب الازدواج والترادف الصوتى وما يجرى فيه أحيانا من السجع. وكان عمرو بن مسعدة مثله من بيت كتابة،

стр. 1475

إذ كان أبوه مسعدة يلى ديوان الرسائل للمنصور، وقد أحكم تأديبه وتثقيفه، وتلقفه جعفر بن يحيى البرمكى، فاتخذه كاتبا للتوقيع بين يديه، وغرس فيه شغفه بالإيجاز والتأنق فى التعبير، حتى أصبح ذلك جزءا لا يتجزأ من جوهر نفسه. والتحق بدواوين المأمون، حتى إذا رفع أحمد بن يوسف إلى الوزارة أقامه مقامه على ديوان الرسائل وظل يليه إلى وفاته. وتتميز كتابته الديوانية بالاقتصاد المسرف حتى كان يضرب به المثل فى الإيجاز، وهو يضيف إليه ميلا شديدا إلى التأنق والتنميق. وكان ابن الزيات من بيت تجارة، غير أنه نشأ محبّا للأدب، فأقبل على التزود بعلوم اللغة وكنوز الآداب الأجنبية والعربية، حتى برع فى الشعر والكتابة جميعا، وسرعان ما التحق بدواوين المأمون، وما زال نجمه فى صعود، حتى استوزره المعتصم، وظل وزيرا فى عهد ابتيه الواثق والمتوكل إلى أن نكبه الأخير نكبته المشهورة. وكان لسنا بليغا ولم يكن يصدر فى بلاغته ولسنه عن تكلف، وإنما كان يصدر عن طبع مهذب دون قصد إلى التأنق المسرف أو التنميق المفرط، وكان يحرص دائما على فصاحة اللفظ وحسن الأداء مع الجزالة والنّصاعة.
следующие страницы →