الواثق ووزيره ابن الزيات وكاتبه الحسن بن وهب، وولاّه الأخير بريد الموصل وسرعان ما وافته منيته. وشعره يفيض بثقافات عصره العربية والأجنبية وخاصة الثقافة الفلسفية والكلامية، واشتهر بأنه صاحب مذهب جديد، يقوم على التدقيق فى المعانى والأخيلة والتعمق فيها تعمقا قد يفضى إلى الغموض، كما يقوم على استخدام ألوان البديع، حتى لا يكاد يخلو منها بيت من أبياته، بل حتى لتتوهج فيها توهجا.
وكثر حينئذ شعراء السياسة والمديج والهجاء، فكان هناك شعراء الدعوة العباسية الذين ينافحون عن العباسيين زاعمين أنهم أصحاب الخلافة الشرعيون، ومن أشهرهم أبو دلامة نديم السفاح وغيره من الخلفاء، ومروان بن أبى حفصة وسلم الخاسر اللذان وجها شعرهما نحو الدفاع عن حق العباسيين فى الخلافة وإنكار حق العلويين فيها والرد عليهم ردّا عنيفا. وكان شعراء الشيعة يدافعون بدورهم عن حق العلويين فى الخلافة، يجهرون بذلك كلما سنحت لهم الفرصة ويخفونه كلما أشفقوا على أنفسهم من العباسيين، ومن أشهرهم السيد الحميرى وكان كيسانى العقيدة لا يرى بأسا فى مديح الخلفاء العباسيين، كما كان لا يخفى حبه للعلويين، وأكثر من تغنيه بمناقب على بن أبى طالب وذمّ قاتلى الحسين وثلبهم.
ومثله منصور النمرى الشيعى الإمامى، وكان يمدح العباسيين ويأخذ جوائزهم ويتفجع على قتلى آل البيت وحقوقهم المهدرة فى الخلافة. ومثلهما دعبل، وكان يعلن تشيعه إعلانا صريحا، وتشكك أبو العلاء المعرى فى صدقه وقال إنه كان يريد التكسب بإعلان تشيعه. وكان ديك الجن مخلصا فى تشيعه، غير أن ما أثر من شعره الشيعى قليل. وكان البرامكة بحورا فياضة، فنظم الشعراء فيهم كثيرا من المدائح، وفى مقدمتهم أبان بن عبد الحميد اللاحقى مترجم كليلة ودمنة شعرا، وأشجع بن عمرو السّلمى، وله قصائد طنانة فيهم وفى انتصارات الرشيد على نقفور إمبراطور بيزنطة. وكان كثير من الوزراء والقواد والولاة يجزلون العطاء للشعراء. فدبّجوا مدائح كثيرة فيهم، على نحو ما يلقانا عند أبى الشيص شاعر عقبة بن جعفر الخزاعى والى الرّقّة بالموصل، وعبد الله بن أيوب التّيمى شاعر يزيد بن مزيد قائد الرشيد، وعلى بن جبلة شاعر أبى دلف العجلى قائد
стр. 1472
المأمون، والخريمى شاعر عثمان بن خريم المرّى والى أرمينية. وبرع فى الهجاء شعراء كثيرون من أمثال أبى عيينة المهلبى وكان يكثر فى هجائه من الإقذاع الشديد، وعلى شاكلته عبد الصمد بن المعذّل وكان هجاء شكسا حديد اللسان.
وتكاثر شعراء الغزل بنوعيه النقى العفيف والمادى الصريح، وكان النوع الثانى أكثر شيوعا لكثرة الجوارى والإماء، وخير من يصور النوع الأول العباس بن الأحنف الذى عاش يتغنى بالغزل العذرى الطاهر. أما النوع الثانى فخير من يصوره ربيعة الرّقى وغزله يسيل عذوبة. وكان شعراء المجون والزندقة كثيرين كثرة مفرطة لما شاع من فساد الأخلاق وكثرة النحل والمقالات والمذاهب الدينية والفلسفية ومن أشهرهم حماد عجرد، وكان يخلط مجونه بزندقة أشربتها روحه. ومنهم مطيع ابن إياس وهو من أكثر الشعراء مجاهرة بالفسق والعصيان. ومنهم صالح بن عبد القدوس ولم يكن ماجنا، ولكنه كان زنديقا كبيرا، إذ كان يعتنق عقيدة الثنوية المانوية مجاهرا بها، ومجادلا مناظرا إلى أن أمر الرشيد بضرب عنقه، وجمهور شعره أمثال وحكم. وكان غير شاعر يأخذ نفسه بحياة زاهدة ناسكة على نحو ما نجد عند عبد الله بن المبارك ودعوته إلى الجهاد فى سبيل الله وإلى التقوى واجتناب الآثام، وعند محمد بن كناسة الكوفى وتغنيه طويلا برفض الدنيا ومتاعها الزائل، وعند محمود الوراق ودعوته إلى طاعة الله والرضا بقضائه والتوكل عليه والقناعة بكفاف العيش مع التفكير الدائم فى الموت والفناء. وشارك المعتزلة فى الشعر وفنونه، وكان منهم من ينظم فى نفس الأغراض التى ينظم فيها الشعراء من حوله مثل العتّانى الذى يروع قارئه بمعانيه الطريفة، ومثل النظّام الذى يصبغ أشعاره فى الغزل وغير الغزل بصبغة كلامية واضحة. ومنهم من كان ينظم فى حوار أهل الملل والنحل مثل بشر بن المعتمر وكان يكثر من الحديث عن عجائب الله فى خلفه. وصوّر نفر من الشعراء فى أشعارهم النزعات الشعبية صادرين عن روح العامة وأحاسيسها، وخير من يمثلهم أبو الشمقمق وكان يستخدم فى شعره أحيانا ألفاظ العامة، مجسما فقره وبؤسه ومسغبته وأسماله البالية، وكثيرا ما يعرض ذلك فى صورة فكهة.
وتطور النثر فى هذا العصر وتنوّع وكثرت فنونه بما ملأ أوانيه اللفظية من
стр. 1473
الثقافات اليونانية والفارسية والهندية وما استوعبه من صنوف العلوم وذخائر الفلسفة، وقد انبرى المتكلمون معتزلة وغير معتزلة يبحثون فى الأسس التى تقوم عليها براعة القول وبلاغته، واقتبسوا كثيرا مما سجلته الأمم القديمة من أصول البيان، وعنى كتّاب الدواوين هم الآخرون بفصاحة الكلام وبلاغة القول، مما جعلهم يتحولون بدواوينهم إلى ما يشبه مدارس بيانية كبيرة. وحقّا ضعف شأن الخطابة السياسية والحفلية، غير أن الخطابة الدينية وما اتصل بها من وعظ ووعّاظ وقصص وقصّاص ازدهرت ازدهارا عظيما، كما ازدهرت المناظرات وخاصة فى بيئة المعتزلة إذ كانوا يكثرون من حوار زعماء الفرق والنّحل فى المساجد ومجالس البرامكة ومجالس المأمون، مثيرين ما لا يحصى من دقائق المعانى وخفيات الأدلة، وبلغ من إتقانهم للجدل وقدرتهم على الإقناع وإفحام الخصوم أن نفذوا كثيرا-بقصد إظهار المهارة الجدلية-إلى تقبيح الأشياء المستحسنة وتحسين الأشياء المستقبحة، مما هيأ لظهور كتب المحاسن والمساوى. واتسع نقل الآداب الفارسية وكل ما اتصل بها من عهود ملوك الفرس ووزرائهم ورسائلهم إلى العمال ووصاياهم وتوقيعاتهم، وكان لذلك أثر بعيد فيما كان يصدر عن الخلفاء والوزراء ويدبّجه الكتاب من رسائل وعهود ووصايا وتوقيعات. وكان الكتّاب يحرصون فى هذا النبر الديوانى الرسمى على بلاغة القول والتفنن فى الأفكار والمعانى، ويلقانا فى عصر كل خليفة كتّاب ذاع صيتهم وطارت شهرتهم كل مطار. وازدهرت حينئذ الرسائل الإخوانية، إذ تناول كثير من الكتاب الأغراض التى كان ينظم فيها الشعراء من ثناء وشكر وهجاء وذم وعتاب واعتذار واستعطاف وتهنئة وتعزية، وأخذوا يحبّرون فيها رسائل شخصية مفتنّين فى أساليبها البيانية وما يصوّرون بها من عواطفهم وأهوائهم. ونفذ نفر منهم إلى كتابة رسائل أدبية طريفة تتناول النفس الإنسانية وعواطفها وسلوكها وحياتها العاملة وما يهديها سبيل الرشاد. وأخذ بعض الكتّاب البارعين يحاكون ما نقله ابن المقفع وغيره إلى العربية من القصص الحيوانى والرسائل السياسية الفارسية.
وأعلام الكتاب فى العصر ابن المقفع وسهل بن هرون وأحمد بن يوسف وعمرو بن مسعدة وابن الزيات. أما ابن المقفع فكان فارسى الأصل ونشأ بالبصرة
стр. 1474
فى ولاء آل الأهتم، وهم بيت فصاحة وخطابة، فحذق العربية، وعمل فى دواوين العراق آخر زمن بنى أمية، ثم فى دواوين سليمان بن على وعيسى بن على عمى المنصور، وكان لا يزال مجوسيّا فأسلم على يد الأخير. وأغرى به المنصور سفيان بن معاوية والى البصرة، فقتله. وقد اشتهر بترجمته عن لغته بعض كتب الأدب الفارسى وكتاب كليلة ودمنة الهندى الأصل وبعض منطق أرسططاليس. وكان آية فى البلاغة وحسن الأداء وفصاحته. على نحو ما يتضح فى الأدب الصغير والأدب الكبير وكتاب اليتيمة ورسالة الصحابة، وهى جميعا تفيض بالوصايا السياسية والاجتماعية والخلفية. وتعدّ ترجمته لكليلة ودمنة من روائعه الفذة. وله رسائل إخوانية وأدبية بديعة. وكان سهل بن هرون مثله فارسى الأصل، وعكف على الآداب الأجنبية، وشارك فى الترجمة عن لغته الأصلية، ويقال إنه كانت فيه نزعة شعوبية، وكان فيه ميل إلى التندر، وظّفه الرشيد بخزانة الحكمة التى أنشأها، وقرّبه المأمون وجعله خازنا لبعض أقسامها. وكان من أفراد عصره فى البلاغة والبيان وصحة المنطق، وعنى بتأليف قصص حيوانى على شاكلة كليلة ودمنة، وهو يملؤه بالتربية السياسية والاجتماعية والحكم والأمثال على شاكلة كتابه «النمر والثعلب». ومن رسائله الأدبية الطريفة رسالته فى الاحتجاج للبخل. ورسالته الأخرى فى نصرة الزجاج على الذهب. وله رسائل شخصية بديعة. ومن أهم ما يميزه عنايته بدقة معانيه وتوفير الازدواج والجمال الصوتى لألفاظه وأساليبه. أما أحمد بن يوسف فكان من بيت كتابة، إذ كان أبوه يوسف بن صبيح ممن ذاع صيتهم فى دواوين القرن الثانى، وقد عنى بتأديب ابنه وإعداده للعمل فى الدواوين. وسرعان ما استخلصه الفضل بن سهل للمأمون، فجعله على ديوان الرسائل، ثم اختاره وزيرا له، وظل على وزارته حتى توفى. وكان واحد زمانه فى الكتابة الديوانية، ومن أروع رسائله السياسية رسالة الخميس التى كتبها فى تأييد الدعوة العباسية، وثقافته الكلامية واضحة فى تحميدها إذ تحول به إلى ما يشبه مبحثا كلاميّا فى الدلالة على وجود الله ووحدانيته وحدوث الخلق وفناء العالم. وله رسائل شخصية يتضح فيها ما يتضح فى رسائله الديوانية من تأنق التعبير. حتى ليمكن أن يقال إنه هو الذى أعدّ فى قوة لأن يشيع فى النثر الديوانى الرسمى أسلوب الازدواج والترادف الصوتى وما يجرى فيه أحيانا من السجع. وكان عمرو بن مسعدة مثله من بيت كتابة،
стр. 1475
إذ كان أبوه مسعدة يلى ديوان الرسائل للمنصور، وقد أحكم تأديبه وتثقيفه، وتلقفه جعفر بن يحيى البرمكى، فاتخذه كاتبا للتوقيع بين يديه، وغرس فيه شغفه بالإيجاز والتأنق فى التعبير، حتى أصبح ذلك جزءا لا يتجزأ من جوهر نفسه.
والتحق بدواوين المأمون، حتى إذا رفع أحمد بن يوسف إلى الوزارة أقامه مقامه على ديوان الرسائل وظل يليه إلى وفاته. وتتميز كتابته الديوانية بالاقتصاد المسرف حتى كان يضرب به المثل فى الإيجاز، وهو يضيف إليه ميلا شديدا إلى التأنق والتنميق. وكان ابن الزيات من بيت تجارة، غير أنه نشأ محبّا للأدب، فأقبل على التزود بعلوم اللغة وكنوز الآداب الأجنبية والعربية، حتى برع فى الشعر والكتابة جميعا، وسرعان ما التحق بدواوين المأمون، وما زال نجمه فى صعود، حتى استوزره المعتصم، وظل وزيرا فى عهد ابتيه الواثق والمتوكل إلى أن نكبه الأخير نكبته المشهورة. وكان لسنا بليغا ولم يكن يصدر فى بلاغته ولسنه عن تكلف، وإنما كان يصدر عن طبع مهذب دون قصد إلى التأنق المسرف أو التنميق المفرط، وكان يحرص دائما على فصاحة اللفظ وحسن الأداء مع الجزالة والنّصاعة.
стр. 1476
كتب للمؤلف مطبوعة بالدار
فى الدراسات القرآنية
*سورة الرحمن وسور قصار عرض ودراسة.
الطبعة الثانية ٤٠٤ صفحات
فى تاريخ الأدب العربى *العصر الجاهلى
الطبعة العاشرة ٤٣٦ صفحة
*العصر الاسلامى
الطبعة التاسعة ٤٦١ صفحة
*العصر العباسى الأول
الطبعة الثامنة ٥٧٦ صفحة
*العصر العباسى الثانى
الطبعة الرابعة ٦٥٧ صفحة
*عصر الدول والامارات
الجزيرة العربية-العراق-إيران
الطبعة الأولى ٦٨٨ صفحة
فى مكتبة الدراسات الأدبية
*الفن ومذاهبه فى الشعر العربى
الطبعة العاشرة ٥٢٤ صفحة
*الفن ومذاهبه فى النثر العربى
الطبعة التاسعة ٤٠٠ صفحة
*التطور والتجديد فى الشعر الأموى
الطبعة السابعة ٣٤٠ صفحة
*دراسات فى الشعر العربى المعاصر
الطبعة السابعة ٤٩٢ صفحة
*شوقى شاعر العصر الحديث
الطبعة الثامنة ٢٨٦ صفحة
*الأدب العربى المعاصر فى مصر
الطبعة السابعة ٣٠٨ صفحات
*البارودى رائد الشعر الحديث
الطبعة الثالثة ٢٣٢ صفحة
*الشعر والغناء فى المدينة ومكة لعصر بنى أمية
الطبعة الرابعة ٣٣٦ صفحة
*البحث الأدبى: طبيعته، ومناهجه، أصوله، مصادره
الطبعة الرابعة ٢٧٨ صفحة
*الشعر وطوابعه الشعبية على مر العصور
الطبعة الأولى ٢٥٦ صفحة
فى الدراسات النقدية
*فى النقد الأدبى
الطبعة السادسة ٢٥٠ صفحة
*فصول فى الشعر ونقده
الطبعة الثانية ٣٦٨ صفحة
فى الدراسات البلاغية واللغوية
*البلاغة: تطور وتاريخ
الطبعة الخامسة ٣٨٠ صفحة
стр. 1477
*المدارس النحوية
الطبعة الرابعة ٣٧٦ صفحة
فى مجموعة نوابغ الفكر العربى
*ابن زيدون
الطبعة الحادية عشرة ١٢٤ صفحة
فى مجموعة فنون الأدب العربى
*الرثاء
الطبعة الثالثة ١٠٨ صفحات
*المقامة
الطبعة الرابعة ١١٢ صفحة
*النقد
الطبعة الرابعة ١١٢ صفحة
*الترجمة الشخصية
الطبعة الثالثة ١٢٨ صفحة
*الرحلات
الطبعة الثالثة ١٢٨ صفحة
فى التراث المحقق
*المغرب فى حلى المغرب لابن سعيد الجزء الأول-الطبعة الثالثة ٤٦٨ صفحة
الجزء الثانى-الطبعة الثالثة ٥٧٢ صفحة
*كتاب السبعة فى القراءات لأبن مجاهد
الطبعة الثانية ٧٨٨ صفحة
فى سلسلة اقرأ
*العقاد
الطبعة الثالثة
*البطولة فى الشعر العربى
*معى
стр. 1478
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا الجزء الرابع من تاريخ الأدب العربى خاص ب العصر العباسى الثانى ، وقد تناولت فيه الحياة السياسية وما حدث فيها من تحوّل مقاليد الحكم من أيدى الفرس إلى أيدى الترك. ولم يكونوا أصحاب ثقافة ولا حضارة، ولا كان لهم معرفة بإدارة ولا بنظم سياسية، ففسدت الأداة الحكومية فسادا شديدا. وكانت هناك طبقة تغرق فى الترف والنعيم، وكان جمهور الشعب يعيش فى الضّنك والبؤس. وظلت الحياة العقلية مزدهرة بما نقل-وما كان ينقل-من الثقافات الأجنبية. مما هيّأ لظهور فلاسفة عظام وعلماء بارعين فى جميع العلوم اللغوية والبلاغية والنقدية والتاريخية والإسلامية والكلامية.
وصوّرت نشاط الشعر حينئذ وكيف تمثّل الشعراء خصائص العربية ودقائقها الجمالية والموسيقية تمثلا تامّا. وكيف أودعوا أشعارهم ذخائر فكرية غزيرة، مما جعلهم يجدّدون فى الموضوعات القديمة والأخرى المستحدثة فى العصر العباسى الأول صورا مختلفة من التجديد، تحفل بما لا يكاد يحصى أو يستقصى من الأفكار المبتكرة والأخيلة المبتدعة. وظلوا ينمّون الشعر التعليمى وينظمون فيه التاريخ وغير التاريخ من صنوف المعرفة.
وبحثت بحثا تحليليّا تاريخيّا أعلام الشعراء فى العصر، وهم على بن الجهم والبحترى وابن الرومى وابن المعتز والصّنوبرى، أما ابن الجهم فكان داعية للمتوكل يصيح مهللا مع كل عمل له، وأروع أشعاره ما نظمه فى الاستعطاف وفى تصوير صلابة نفسه حين ادلهمّت له الخطوب ونزلت به الكوارث. وكان البحترىّ الشاعر الرسمىّ فى بلاط الخلفاء من زمن المتوكل إلى زمن المعتمد، وأشعاره تمثل النزعة المحافظة التى سادت حينئذ فى الشعر ونقده وتذوقه. مع ما سخّر
стр. 1479
له فيها من تلاوين الجمال الموسيقى الآسر وأنغامه وألحانه الرائعة، ومع مهارته فى وصف المعارك البحرية ومظاهر الحضارة والعمران. وكان يقابله ابن الرومى ممثل النزعة التجديدية فى الشعر وموضوعاته وأساليبه ومعانيه، وقد نفذ بعبقريته النادرة إلى لون جديد من شعر الطبيعة الرائع ولون جديد آخر من الهجاء الساخر، غير أفكار وخواطر وتصويرات لم تخطر لمعاصريه ولا لسابقيه على بال. وتبرز حياة ابن المعتز وبيئته المترفة ومأساة أبيه وجده فى أشعاره، وهى تزخر بالصور والأخيلة. وكان الصنوبرى يعنى بصنعته الشعرية، وهو من شعراء الطبيعة، ويعدّ أول ناظم الثلجيات فى العربية.
وعرضت لكثيرين وراء هؤلاء الأعلام، ووزّعتهم على طوائف متقابلة، فشعراء للسياسة مع الخلفاء العباسيين أو مع الشيعة أو مع بعض الثوّار، وشعراء لبعض الوزراء والولاة والقواد، وشعراء هجاء عادىّ أو مرير، وشعراء غزل عفيف أو مادّىّ صريح. وشعراء لهو ومجون، وشعراء زهد وتصوف، وشعراء شعبيون.
وحاولت أن أتحدث فى كل طائفة عن خير من يمثّلونها، مع تصوير موجز لشخصياتهم الأدبية.
ومضيت أبحث النثر والتحام الفلسفة فيه بالعبارة الأدبية مصوّرا كيف تعاونت بيئات مختلفة فى وضع مقاييسه البلاغية، وكانت الخطابة قد ضعفت، ولكن الوعظ نشط نشاطا واسعا، وتحوّل من مواعظ زهدية إلى مواعظ صوفيّة، وأخذ ينشأ نثر صوفىّ شعبىّ يعتمد على القصّ والحكاية بأسلوب بسيط تفهمه العامّة. وتكثر المناظرات فى جميع البيئات العلمية، وتصبح من طوابع الكتابات الأدبية. وتجمع أقاصيص كثيرة عربية وغير عربية فى صور متقابلة من القدح والمدح. وتظل الرسائل الديوانية مزدهرة بفضل كتّابها النابهين.
وتنشط الرسائل الإخوانية، ويساعد ضيق رقعتها على أن يتكاثر فيها التأنق والتنميق. ويكتب ابن المعتز رسالة أدبية يملؤها بسجع كثير، ولا نصل إلى عصر الخليفة المقتدر حتى يصبح السجع اللغة العامة للنثر الأدبى جميعه.
وبحثت أعلام الكتّاب حينئذ، وهم إبراهيم بن العباس الصّولىّ، والجاحظ، وابن قتيبة. وسعيد بن حميد. وأبو العباس بن ثوابة. وكان الصولى أول رئيس
стр. 1480
لديوان الرسائل فى العصر، وعنه كانت تصدر الكتابات الديوانية من منشورات وغير منشورات، وهو يعنى بدقة ألفاظه واصطفاء كلماته وحسن جرسها فى الأداء. والجاحظ أكبر كتّاب العصر غير منازع، وكتاباته مرآة صافية لعصره بجميع طبقاته، مع ما يسرى فيها من الاستطراد ومن روح الدعابة، ومع ما تموج به من أسلوب الازدواج الرائع. وقد عرضت خمسة ألوان من فنه النّشرى، هى المناظرة، والرسائل الإخوانية، والرسائل الأدبية، والقصص، والنوادر. وابن قتيبة أكبر مؤلف أدبى بعده، وهو يمزج فى كتابه: «عيون الأخبار» بين الثقافات العربية والإسلامية والفارسية والهندية واليونانية وكذلك ثقافة أهل الكتاب. وبذلك ألغى الحواجز بين تلك الثقافات مثبتا أنها أقواس وهمية، فقد استحالت جميعها فى كتابه ثقافة عربية، ولم يعد يرتفع صوت للشعوبية. ويتشبّه ابن قتيبة كثيرا بالجاحظ فى تمسكه بالواقع ومزج الهزل بالجدّ وفى استخدامه لأسلوب الازدواج من حين إلى حين. وما زال سعيد بن حميد يرقى فى الدواوين، حتى أسند له ديوان الرسائل، وكان يعنى بالتدقيق فى ألفاظه ومعانيه، نافذا من خلال حيل عقلية كثيرة إلى أفكار مبتكرة طريفة، مع تقطيعات صوتية تضفى على أسلوبه جمالا. ويلمع اسم أبى العباس بن ثوابة، وكان بدوره من رؤساء ديوان الرسائل، وكان يكثر من التأنق والتكلف فى كتابته. مما جعله يستخدم فيها أحيانا السجع، مع العناية بالتصوير، ومع وزن الكلام بمعيار بيانىّ دقيق.
والله ولىّ الهدى والتّوفيق.
القاهرة فى أول مايو سنة ١٩٧٣ م.
شوقى ضيف
стр. 1481
الفصل الأوّل:
الحياة السياسية
١ - استيلاء الترك على مقاليد الحكم
مرّ بنا فى العصر العباسى الأول كيف هيّأ العباسيون لقيام دولتهم عن طريق الدعوة السريّة لإمام هاشمى يخلّص الموالى فرسا وغير فرس من حكم بنى أمية الجائر، محقّقا لهم المساواة المشروعة-بحكم الإسلام-بينهم وبين العرب فى جميع الحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وسرعان ما أقبلت الجيوش الخراسانية مكتسحة كل ما لقيها من مقاومة للدولة الأموية حتى قضت عليها قضاء مبرما.
وأعلن العباسيون أنهم أصحاب الحق الشرعى فى الحكم والخلافة، وبذلك استأثروا بها من دون أبناء عمهم العلويين، مما جعل كثيرين منهم يثورون عليهم منوال العصر، كما جعل أنصارهم يدعون لبيتهم العلوى سرّا كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا، فى حين مضى العباسيون يعلنون أنهم أصحاب حق إلهى فى الحكم والسلطان وتمادوا فى حكم استبدادى أشد ما يكون الاستبداد محيطين أنفسهم بكثيرين من الحجّاب، أما الشعب فلم يزد فى رأيهم عن أن يكون أدوات مسخرة لجمع الخراج والضرائب الفادحة، مما دفع لقيام ثورات إيرانية مختلفة، على نحو ما صورنا ذلك فى كتاب العصر العباسى الأول. وحقّا كانت أعلى المناصب وأكثرها فى أيدى الفرس، وكان منهم أكثر الوزراء والقواد، غير أن العباسيين نكبوهم نكبات متوالية، على نحو ما هو معروف عن نكبة البرامكة ونكبة بنى سهل. ونشب من جرّاء ذلك عداء شديد بين الفرس والعرب. فالعرب يريدون استرداد مجدهم فى العصر الأموى والفرس لا يكتفون بما لهم من مجد حادث فى الدولة، وكأنهم يريدون أن يستعيدوا مجد دولتهم الساسانية القديمة ويمحقوا العرب محقّا، مما أعدّ
стр. 1482
لظهور تيار شعوبى بغيض رافقه تيار إلحاد وزندقة لا يقلّ عنه عنفا ولا محاولة لهدم الإسلام والعروبة جميعا. وفى أثناء ذلك كانت الثورات مضطرمة في شرقى الدولة، وكلما خمدت ثورة اندلعت أخرى، وكان آخرها اندلاعا ثورة بابك الخرّمى فى آذربيجان التى ظلت نحو عشرين عاما والتى كلفت الدولة كثيرا من الجيوش إلى أن سحقها المعتصم وقواده سحقا.
وقد أخذ المعتصم حينئذ يفكر فى عنصر جديد يعتمد عليه فى حروبه سوى الفرس، فثوراتهم لا تنقطع، وأمانيهم فى إحياء مجدهم القومى لا تخمد، واستظهارهم للشعوبية والزندقة لا تهدأ فورته، وهداه تفكيره إلى الاعتماد على عنصر من الرقيق اشتهر لعصره بالصبر تحت ضلال الرماح، مع حذقه بالرمى يمنة ويسرة ومقبلا ومدبرا، وهو الرقيق التركى الذى كثر توافده على بغداد والعراق، فأخذ يستكثر من شرائه وطلبه من سمرقند وفرغانة وأشروسنة إلى أن بلغت عدّته ثمانية عشر ألفا (١)، وكل يوم يزيد، حتى ضاقت به بغداد وشوارعها. وكان جمهور هذا الرقيق بدوا جفاة فكانوا يركبون الخيل ويركضونها فى الشوارع فتطأ بعض الشيوخ والأطفال والنساء، مما اضطر المعتصم أن يبنى لهم مدينة سامراء (٢) شمالى بغداد، وانتقل معهم إليها، وظلت حاضرة للخلفاء حتى أواخر عهد المعتمد سنة ٢٧٦ للهجرة.
وكان ذلك تحولا خطيرا فى تاريخ الدولة العباسية، فقد كانت تعتمد كل الاعتماد على الفرس وكانوا أصحاب مدنية وحضارة فبثّوهما فى الحياة العربية، وأعدّوا لنهضة حضارية واسعة تستقى منهم ومن موارد الإسلام والعروبة ومن الثقافات الأجنبية المختلفة، وخاصة الثقافتين اليونانية والفارسية. أما الترك فلم يكونوا أصحاب ثقافة ولا مدنية ولا حضارة، إذ كانوا بدوا لا يعرفون الصناعة ولا الزراعة ولا التجارة ولا الفنون ولا الآداب ولا قواعد الملك والسياسة، إنما هم سكان صحار وقفار وحرب وجلاد وبأس ومراس، وقد صورهم الجاحظ تصويرا دقيقا فى رسالته التى
стр. 1483
تحدث فيها عن مناقبهم قائلا: «الترك أصحاب عمد (خيام) وسكان فياف وأرباب مواش، وهم أعراب العجم. . . فحين لم تشغلهم الصناعات والتجارات والطب والفلاحة والهندسة، ولا غرس ولا بنيان ولا شقّ أنهار ولا جباية غلاّت، ولم يكن همهم غير الغزو والغارة والصّيد وركوب الخيل ومقارعة الأبطال وطلب الغنائم وتدويخ البلدان، وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة، وكانت لهذه المعانى والأسباب مسخّرة ومقصورة عليها وموصولة بها، أحكموا ذلك الأمر بأسره وأتوا على آخره، وصار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم ولذّتهم وفخرهم وحديثهم وسمرهم، فلما كانوا كذلك صاروا فى الحرب كاليونانيين فى الحكمة وأهل الصين فى الصناعات. . .
وكآل ساسان فى الملك والرياسة».
وهؤلاء البدو الموغلون فى البداوة الذين لم يعرفوا بحضارة ولا ثقافة ولا عرفوا بزراعة ولا صناعة ولا تجارة ولا بسلطان ولا بسياسة سرعان ما قبضوا على زمام الحكم، والمعتصم هو الذى هيّأ لهم ذلك لا بجعلهم جند الخلافة العباسية فحسب، بل أيضا باتخاذه لهم مدينة خاصة وجعلها عاصمة الدولة، فأتاح لهم الفرصة كى يخلّى بينهم فى المستقبل وبين الخلفاء، فيصبحوا مسخّرين بأيديهم يصرّفونهم كما يشاءون. وليس ذلك كل ما صنع فقد ولّى كبيرهم «إشناس» مصر وجعل له الحق فى أن يولّى عليها ولاة من قبله، فكان يدعى له فيها على المنابر (١). وبذلك فتح المعتصم الباب لقواد الترك كى يمسكوا بزمام الشئون الإدارية بجانب ما أمسكوا به من زمام الشئون العسكرية. وخلفه ابنه الواثق فزاد الطين بلّة إذ ولّى إشناس من بابه فى بغداد إلى آخر أعمال المغرب، جاعلا له أمر كل هذه البلدان يولّى عليها من شاء بدون مراجعته، واستخلفه على السلطنة وألبسه وشاحين بجوهر (٢). وليس ذلك فحسب ما أسبغه على الترك، فقد ولّى على الجانب الشرقى الدولة من كور دجلة حتى خراسان والسند «إيتاخ» (٣) حتى إذا تولّى إشناس سنة ٢٣٠ منعه مرتبته وأكثر أعماله (٤). ولم يقف تجنّى الواثق على الخلفاء من بعده عند؟ ؟ ؟ هذا الحد، فقد ارتكب خطأ خطيرا فى حقهم بانصرافه عن اتخاذ ولى عهد بعده للخلافة، وسرعان
стр. 1484
ما استغلّ قراد الترك: إيتاخ وصاحباه وصيف وبغا الكبير هذه الفرصة حين توفى سنة ٢٣٢ للهجرة، إذ حملوا رجال الدولة على البيعة للمتوكل، وكان ذلك نذير شؤم إذ أصبحت تولية الخلفاء فيما بعد بيد الترك، وعما قليل سيصبح عزلهم-كما سنرى-بأيديهم، وبذلك يتحول إليهم السلطان جميعه، ونصبح منذ خلافة المتوكل بإزاء عصر جديد هو العصر العباسى الثانى.
ويبدو أن المتوكل تنبّه-منذ استيلائه على الحكم-إلى خطورة ازدياد النفوذ التركى، مما دفعه إلى التخلص سريعا من إيتاخ، وكان قد صار إليه أمر الجيش والأتراك والمغاربة والموالى وديوان الخبر أو البريد والحجابة والقيام على دار الخلافة، وكأنه نائب للخليفة. بل لكأنما أصبح الخليفة ولا سلطان له، مما جعل المتوكل يوحى إلى بعض أوليائه أن يشيروا على إيتاخ بالاستئذان للحج، وما إن خرج من سامراء وأبعد فى الطريق إلى مكة حتى عزله المتوكل عن الحجابة وولاها وصيفا التركى (١). وهى سياسة سيتّبعها الخلفاء بعد المتوكل أن يضربوا قواد الأتراك بعضهم ببعض. وعاد إيتاخ من الحج ودخل بغداد فقبض عليه حاكمها بأمر من المتوكل وأودعه غياهب السجون مقيدا بالحديد إلى أن توفى لسنة ٢٣٥. ولكن المتوكل لم يسدّد للترك ضربة قاضية، بل أخذ يراوغهم، مما جعله يضيف بغا الكبير إلى وصيف فى الحجابة. وتتوالى السنوات وهو ضيّق بقادة الترك ويفكر فى التخلص منهم جميعا ويهديه تفكيره فى سنة ٢٤٣ أن يترك سامرّاء ويتخذ دمشق حاضرة له، حتى يصبح بمنأى عن الترك وشرورهم، ويشخص إليها فى ذى القعدة، ويبدو أن فكرته ذاعت فى الناس مما جعل يزيد بن محمد المهلبى ينشد من قصيدة طويلة (٢):
أظنّ الشام تشمت بالعراق ... إذا عزم الإمام على انطلاق
فإن تدع العراق وساكنيها ... فقد تبلى المليحة بالطلاق
ودخل المتوكل دمشق فى صفر لسنة ٢٤٤ عازما على المقام بها ونقل دواوين الخلافة إليها، وأمر أن يبنى له بها بعض القصور. غير أن الترك فطنوا لمأربه، وأنه يريد الإطاحة بهم فطالبوا برواتبهم، وهو سيف سيظلون يشهرونه على الخلفاء
стр. 1485
كلما أرادوا منهم أمرا أو أرادوا لهم عزلا، واضطر المتوكل أن ينزل على إرادتهم وأن يبرح دمشق بعد نحو شهرين (١). وعاودته الفكرة، ولكن لا بعيدا، بل قريبا، شمالى سامراء، إذ فكر فى انتقاله إلى الماحوزة على بعد ثلاثة فراسخ منها وأقطع القواد وحواشيه فيها، وسماها «الجعفرية»، وبنى لنفسه فيها قصره «الجعفرى» وقصرا سماه «لؤلؤة» وقصورا أخرى. وفى أثناء ذلك أخذ يجفو الترك ويجيل الآراء فى استئصالهم والاستبدال بهم، وكان أول ما صنعه من ذلك أن ضمّ إلى وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان اثنى عشر ألفا من العرب (٢)، وكأنه يريد أن يعيد العرب إلى الجيش وقيادته. وترامت شائعات بأنه يريد أن يفتك بحاجبيه وصيف وبغا الكبير وغيرهما من قواد الترك، فعمّموا على مبادرته، وكانت الأمور قد ساءت بينه وبين ابنه المنتصر ولى عهده، فوضع يده فى أيديهم، وعزموا على قتله والتخلص منه، وأعدّوا لذلك نفرا من أصاغر الترك. منهم بغا الشرابى وباغر وموسى بن بغا الكبير فدخلوا عليه هو ووزيره الفتح بن خاقان فى ليلة من ليالى شوال سنة ٢٤٧ للهجرة، وقتلوهما غير مراعين فيهما عهدا ولا ذمّة (٣). ومن حينئذ أصبح للترك كل شئ فى الدولة ولم يعد للخلفاء شئ، وفى ذلك يقول ابن الطقطقى:
«استولى الأتراك منذ قتل المتوكل على المملكة، واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة فى يدهم كالأسير، إن شاءوا أبقوه، وإن شاءوا خلعوه، وإن شاءوا قتلوه» (٤).
واعتلى المنتصر عرش الخلافة بأيدى قتلة أبيه من الترك، بايعوه ثم أخذوا له البيعة من الناس، ولم يلبثوا أن حضّوه على خلع أخويه المعتز والمؤيد من ولاية العهد بعده، وكان المتوكل أبرمها لهما مع المنتصر، فخشى الترك أن يخلفه أحدهما فيبطش بهم ثأرا لأبيه، وتمّ خلعهما. وتوفّى المنتصر بعد ستة أشهر من خلافته لسنة ٢٤٨ فاجتمع بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش ابن أخت بغا الكبير، وكانوا قد أخذوا المواثيق على من سواهم من قواد الترك والمغاربة والأشروسنيّة على
стр. 1486
أن يرتضوا من يرضونه للخلافة، واختاروا أحمد بن محمد بن المعتصم ولقبوه بالمستعين، وبايعوه وبايعه الناس. وتوفّى بغا الكبير وأصبح أوتامش المتصرف الأول فى شئون الدولة، وأخذ يختزن أموالها هو وشاهك وأم المستعين، فكل ما يرد من الآفاق يصير إلى الثلاثة، ووصيف وبغا الشرابى الصغير بمعزل من ذلك مما أثار حفيظتهما على أوتامش وجعلهما يغريان به القواد الآخرين حتى ثاروا عليه وسفكوا دمه وانتهبوا داره (١). واستدارا إلى باغر قاتل المتوكل، وكان شرّه قد تعاظم فى قصر الخلافة فقتلوه بدوره. وسئم المستعين حركات الترك ودسائسهم، فرأى النزول إلى بغداد والاستقرار بها، وجزعوا لصنيعه، فأرسلوا إليه وفدا يسترضيه سنة ٢٥١، ولكنه رفض العودة إلى سامراء، فخلعوه، وبايعوا المعتز بالله ولى العهد القديم للمتوكل بعد المنتصر، فكان هناك خليفة مولّى بسامراء وخليفة معزول ببغداد، هو المستعين، ونشبت الحرب بينهم وبينه، وحاصروا بغداد، وما زالوا به حتى خلع نفسه من الخلافة وانحدروا به إلى «واسط» وهناك تم تدبير قتله (٢). وبذلك أصبحت الخلافة خالصة للمعتز سنة ٢٥٢ وسمع بأن نفرا من الترك يراودون أخاه المؤيد على تولى الخلافة وعزله، فسجنه ثم فتك به. وأخذ يحاول الفتك بقواد الترك مستثيرا ضدهم المغاربة والفراغنة، وفتك بوصيف وبغا الشرابى الصغير قاتل أبيه، يقول المسعودى: «ولما رأى الأتراك إقدام المعتز على قتل رؤسائهم وإعماله الحيلة فى إفنائهم وأنه قد اصطنع المغاربة والفراغنة صاروا إليه بأجمعهم لأربع بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وجعلوا يقرّعونه بذنوبه ويوبّخونه على أفعاله وطالبوه بالأموال (رواتبهم) وكان المدبر لذلك صالح بن وصيف مع قواد الأتراك (٣). وأرسلوا توّا إلى بغداد فى طلب محمد بن الواثق، وأمروا المعتز بأن يخلع نفسه من الخلافة وصدع بأمرهم، وبايعوا محمدا ولقبوه بالمهتدى، وسجنوا المعتز ثم قتلوه سريعا. وحاول المهتدى أن يسير سيرة عمر بن عبد العزيز فى العدل ورفع المظالم والاقتصاد فى النفقات، ويقال إنه أمر بإخراج آنية للذهب والفضة من الخزائن فكسرت وضربت دنانير ودراهم، وقرّب العلماء ورفع منازل الفقهاء وحرّم الشراب ونهى عن القيان فثقلت وطأته على الخاصة والعامة. وكان قد مضى مثل ابن عمه المعتز يفتك برؤساء الأتراك وقادتهم
стр. 1487
وفى مقدمتهم صالح بن وصيف وبايكباك أحد زعمائهم، فقتلوه فى رجب (١) سنة ٢٥٦
ويتولى الخلافة المعتمد أحمد بن المتوكل، يبايعه الترك ثم تبايعه العامة، وكانت ثورة الزنج قد نشبت فى عصر المهتدى، وعبشا استطاع قواد الترك أن يجهزوا عليها، إذ استفحل شرها وتفاقم، فضعف شأنهم من جهة، وشغلوا من جهة ثانية عن لعبهم المعتاد بالخلفاء، وخلعهم وسفك دمائهم. ويتاح للمعتمد ودولته قائد عظيم من أهل بيته هو أخوه أبو أحمد طلحة الملقب بالموفق فيقود بنفسه المعارك مع الزنج ومع من ثاروا بإيران ويكتسب له الظفر والقضاء على الزنج قضاء مبرما، وبذلك يردّ إلى الخلافة العباسية هيبتها، ويحنى الترك رءوسهم لها ولا نعود نسمع بفتنة حجّاب الخليفة عليه وتدبيرهم لخلعه، وكانوا حينئذ يارجوخ وكيغلغ وبكتمر بن طاشتمر، وقد ظلوا جميعا يصدعون لأوامره وأوامر أخيه الموفق حتى توفيا جميعا، وبويع من بعده لسنة ٢٧٩ ابن أخيه الموفق أبو العباس أحمد ولقّب بالمعتضد، وكان قد أبلى مع أبيه فى حرب الزنج وغيرها من الحروب بلاء حسنا فهابه الترك وقوادهم، ونراه فى سنة ٢٨٢ يقبض على كبيرهم بكتمر بن طاشتمر ويسجنه ويصادر أمواله وضياعه ولا يحركون ساكنا رهبة منه وهيبة له (٢)، وظلوا من بعده خانعين لابنه المكتفى الذى ولى الخلافة سنة ٢٨٩ غير أنه اقترف خطأ فاحشا إذ ارتضى أخاه المقتدر وهو صبى وليّا للعهد من بعده، وكان حريّا به أن يجعل ولاية العهد فى شخص حصيف من أهل بيته يستطيع أن يقف الترك وقادتهم عند حدّ من السلطان لا يتجاوزونه. وتوفى سنة ٢٩٥ فخلفه المقتدر وهو فى الثالثة عشرة من عمره، وعظم كلام الناس فيه، وقالوا كيف يلى الخلافة من لم يبلغ الحلم، وأجمع أمرهم على أن يتولاها عبد الله بن المعتز، وأخذ له البيعة على الناس محمد بن داود ابن الجراح الفقيه والأديب المشهور، وبايعه القضاة والعدول، وتلقب بالمنتصف وقيل بالراضى وقيل بالقائم بالحق وتقلد ابن الجراح الوزارة ولكن الأمر لم يدم له أكثر من يوم وليلة، إذ ثار الترك عليه يتقدمهم كبيرهم مؤنس، وأخذ عنوة وقتل، وتفجّع عليه كثير من الشعراء. أما ابن الجراح فاستتر مدة ثم انكشف أمره،
стр. 1488
وقتل بدوره، وعادت الخلافة إلى المقتدر (١)، وعاد الترك إلى نفوذهم القديم قبل المعتمد وأخيه الموفق. وزاد الأمور سوءا أن أم المقتدر «شغب» وهى أم ولد رومية شركت مؤنسا فى تصريف شئون الحكم والسياسة، فكانت الوزارة لا تسند إلى شخص فى عام حتى ينحّى عنها فى عام قابل، ودارت الأيام، فإذا مؤنس يسخط على المقدر وتعود مع السخط قصة رواتب الجند، ويتفاقم الأمر بينهما فى سنة ٣١٧ ويعزل الخليفة ويولّى أخوه محمد ويلقب بلقب القاهر بالله، ويرتق الفتق بين مؤنس والمقتدر فيعيده إلى الخلافة ويجدّد له البيعة (٢). وما تلبث السماء أن تكفهرّ، فيعود الصدام بين مؤنس والمقتدر، ويقتل الخليفة سنة ٣٢٠ ويولّى مؤنس الخلافة بعده القاهر بالله، وكان شجاعا غير أنه كان أحمق أهوج شديد الإقدام على سفك الدماء، وكان لا يكاد يصحو من سكر، ومع ذلك حرّم على الناس الخمر والسماع، واستطاع القضاء على مؤنس ونفر من القواد (٣) ففسد ما بينه وبين الترك وسرعان ما خلعوه سنة ٣٢٢ وسملوا عينيه (٤)، وبايعوا بعده الراضى بالله أبا العباس أحمد بن المقتدر، وظل يلى الخلافة حتى توفى سنة ٣٢٩. وفى عهده تغلّب أصحاب السيوف ولم يعد للخليفة سوى الاسم. وكان شاعرا بليغا سمحا واسع العطاء مات وهو فى الثانية والثلاثين من عمره، وخلفه أخوه المتقى بالله، وكان تقيّا صالحا، إلا أنه لم يكن على بصر بالحكم والسياسة، فحدثت فى زمنه فتن وحروب كثيرة بين الجند ونهبت دار الخلافة، وقبض عليه لسنة ٣٣٣ وخلع وسملت عيناه (٥). وتولاها بعده المستكفى بالله ابن المكتفى، ولم يكد يدور به عام فى خلافته حتى نزل معز الدولة البويهى بغداد، فلقّبه المستكفى بأمير الأمراء وأعطاه الطوق والسوار وآلة السلطنة وعقد له لواء. غير أن معز الدولة لم يلبث أن أمر بالقبض عليه، فخلع من الخلافة ونهبت داره وسملت عيناه (٦)، وبذلك ينتهى العصر العباسى الثانى بدخول البويهيين الفرس بغداد وزوال تسلط الترك وقوادهم على مقاليد الحكم دون مآب.
стр. 1489
٢ - تدهور الخلافة
رأينا الترك يسيطرون على أداة الحكم بعد مقتل المتوكل فى السنوات الثمان التى تلته، ثم منذ عصر المقتدر، إذ كانوا هم الحكام الحقيقيين للدولة، ولم يكن للخلفاء حينئذ أى سلطان، ومن أين يأتيهم السلطان والترك يولّونهم ويعزلونهم بل يسفكون دماءهم وكل ما يأتون من الأمر أو يدعون فإنما هو بتدبيرهم؟ وصوّر ذلك بعض الشعراء لعهد الخليفة المستعين (٢٤٨ - ٢٥٢ هـ)، فقال (١):
خليفة فى قفص ... بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له ... كما يقول الببّغا
فالخليفة حينئذ كان أشبه ما يكون بببّغاء فى قفص يردّد ما يقوله مخاطبه ولا أمر يملكه، فالأمر كله لحاجبيه: وصيف وبغا، حتى إذا دارت فكرة خلعه بذهنيهما خلعاه، ووليّا بعده المعتز بالله (٢٥٢ - ٢٥٥ هـ) ويروى أنه لما جلس على سرير الخلافة أحضر أصحابه المنجمين وسألوهم كم يظل خليفة للمسلمين؟ وكم يعيش؟ وكان بالمجلس بعض الظرفاء فقال: أنا أعرف من هؤلاء المنجمين بمقدار خلافته وعمره، فقالوا له: فكم تقول إنه يعيش؟ وكم يملك؟ فقال: طالما أراد الترك ذلك، فلم يبق فى المجلس أحد إلا غلبه الضحك (٢). ولم يمكث المعتز فى دست الخلافة سوى ثلاث سنوات إذ سرعان ما خلعه الترك وسفكوا دمه، وولوا بعده المهتدى (٢٥٥ - ٢٥٦ هـ) وكان حسن السيرة ورعا تقيّا اطرح الملاهى وحرّم الشراب والغناء، وكأنما آذت الترك سيرته الطاهرة فخلعوه، وولوا المعتمد (٢٥٦ - ٢٧٩ هـ)، وكان منهمكا فى اللهو واللذات غير أن أخاه طلحة الذى لقب بالموفق نهض بالأمر من دونه فثبّت الخلافة إلى أبعد حد، وأعاد إليها بحزمه وعزمه وجدّه هيبتها ومكانتها المهدرة، وقد ترك
стр. 1490
أخاه عاكفا على ملذاته، واحتمل أعباء الخلافة فى البطولة والحرب والنفوذ من المشكلات الصعاب، بحيث أصبح هو الخليفة الحقيقى، أما أخوه المعتمد فلم يكن له من الخلافة سوى الاسم وصوّر ذلك بنفسه قائلا (١):
أليس من العجائب أنّ مثلى ... يرى ما قلّ ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شئ فى يديه
وتصادف أن توفى الموفق قبل المعتمد بقليل وكان وليّا للعهد، فجعل المعتمد ولاية العهد لابنه المعتضد وكان مثل أبيه بطلا مغوارا، فولى الخلافة بعد عمه المعتمد (٢٧٩ - ٢٨٩)، فأكمل لها ما أحاطها به أبوه من العزة والمهابة، فلم يرتفع للترك فى عهده صوت، وكان اسمه-كما مرّ بنا-أبا العباس أحمد فتلقب بالمعتضد بالله، وفيه يقول ابن تغرى بردى: «كان المعتضد شجاعا مهيبا أسمر نحيفا معتدل الخلق ظاهر الجبروت وافر العقل شديد الوطأة من أفراد رجالات بنى العباس وشجعانهم، كان يتقدم إلى الأسد وحده»، ويقول: «هو آخر خليفة عقد ناموس الخلافة ثم أخذ أمر الخلفاء بعده فى إدبار» (٢). وخلفه ابنه المكتفى (٢٨٩ - ٢٩٥ هـ) وكان قصير النظر فاتخذ ولى عهده أخاه المقتدر وهو لا يزال صبيّا، فولى بعده الخلافة (٢٩٥ - ٣٢٠ هـ)، وسنه ثلاث عشرة، فكأن كل ما أحكمه جده الموفق وأبوه المعتضد قوّضه فى لحظات، فبمجرد أن تسلم مقاليد الحكم وهو غلام عاد للترك سلطانهم وطغيانهم وعاد معهما الخلع وسفك الدماء، وزادوا سمل الأعين.
وإذا كان المكتفى أخطأ فى أواخر العصر بتولّى أخيه المقتدر للعهد وهو صبى فإن المتوكل اقترف بدوره خطأ عظيما فى أوائل العصر، إذ عقد ولاية العهد لثلاثة من أبنائه (٣)، وكان حريّا به أن يتعظ بجده الرشيد وتوليته العهد للأمين والمأمون والقاسم، مما جرّ بلاء كبيرا ذهب ضحيته الأمين وأحرقت بغداد على نحو ما مرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول. فكان حريّا بالمتوكل ألا يعرّض أبناءه
стр. 1491
للتنافس على الخلافة، وكان المنتصر أولهم فى الولاية، ويليه المعتز والمؤيد، فأوغر المتوكل صدره حتى أصبح خصما له. وإذا كانت حادثة الرشيد جرّت مقتل ابنه الأمين فإن صنيع المتوكل أدى إلى مقتله وسفك دمه. وكأن المتوكل هو الذى هيأ للترك أن يغلبوا على الخلافة وأن يصبحوا هم أصحاب السلطان الحقيقى يولّون ويعزلون ويسجنون ويقتلون، وتمادوا فى ذلك حتى ردّ الموفق إلى الخلافة مهابتها، وتبعه فى صنيعه ابنه المعتضد، ولكن لم يلبث المكتفى أن هوى بها من حالق، فعاد إلى الترك كل سلطانهم وكل بغيهم وعدوانهم على الخلافة والخلفاء.
وكان من أهم الأسباب فى تدهور الخلافة العباسية أن كثرة الخلفاء انغمست فى اللهو والترف والإقبال على كل متاع مادى من بناء قصور باذخة ومعيشة كفلت لها كل وسائل النعيم وأدواته، وأولهم المتوكل، ونراه لا يبنى لنفسه بسامراء قصرا واحدا، بل قصورا ينفق عليها أموالا طائلة، منها الشاه والعروس والشبداز والبديع والغريب والبرج، ويقال إنه أنفق على القصر الأخير مليونا وسبعمائة ألف دينار. وبنى فى سنة ٢٤٦ بالماحوزة على بعد ثلاثة فراسخ من سامراء شمالا قصورا عدة، منها الجعفرى والهارونى واللؤلؤة، كلفته ملايين الدنانير (١). ويروى أنه سأل شخصا حين أتمّ بناء الجعفرى كيف قولك فى دارنا هذه؟ فأجابه بقوله: إن الناس بنوا الدور فى الدنيا وأنت بنيت الدنيا فى دارك (٢)، وهو سفه وخرق، فالخليفة لا يفكر إلا فى نفسه وملذاته، وكأن ليس هناك جيوش تعدّ للحرب بأسلحتها وعددها الكثيرة، وكأن ليس هناك رعية يقوم الخليفة على مصالحها، فيبنى لها المستشفيات ويوفر لها الغذاء والكساء، بل الرعية تكدح وتشقى وتذوق مرارة الشقاء والكدح لينعم الخليفة ويلهو ويبنى القصور ويملأها بالجوارى من كل لون. وتبع الخلفاء المتوكل يقتدون بسيرته السيئة، ما عدا المهتدى والمتقى وكانت مدة خلافتهما قصيرة، وحتى المعتضد الفارس الحازم حزما لا يدانيه حزم يقول عنه المسعودى لم تكن له رغبة إلا فى النساء والبناء، ويذكر أنه أنفق على قصره المعروف بالثريا أربعمائة ألف دينار، وكان مجموعة من الدور والقصور تمتد ثلاثة فراسخ (٣)، ثم تكون النكبة الكبرى بتولى المقتدر الخلافة وهو صبى، ويقال إنه كان فى قصره أحد عشر
стр. 1492
ألف غلام خصى من الروم والصقالبة والسودان، ويقال أيضا إنه أتلف من الأموال ثمانين مليونا من الدنانير (١) غير ما بدّده من الجواهر الثمينة التى كانت تحتفظ بها خزائن الدولة منذ خلفائها الأولين.
وطبيعى أن يقضى هذا السفه على هيبة الخلافة وأن يستذلها الترك وخاصة حين يطلبون للجيش رواتبه فيجدون الخزينة خالية الوفاض. وقد فسد حينئذ الحكم فسادا شديدا، إذ كان الوزراء يرتشون ومثلهم الولاة على الأقاليم وكبار الكتاب، بل إنهم جميعا كانوا يختلسون أموال الخراج والضرائب وما كان يصير إلى الدولة من البلدان المختلفة، وقد بدأ هذا الوباء بأخرة من العصر العباسى الأول فى زمن الواثق إذ صادر فى سنة ٢٢٩ للهجرة كتّاب الدواوين واستخلص منهم نحو مليونى دينار (٢)، وكلما تقدمنا فى العصر العباسى الثانى اتسع الخرق ولم يعد من الممكن رتقه، ولذلك مظهر واضح هو كثرة المصادرات لأموال الوزراء والكتّاب، إذ نرى المتوكل يصادر أموال ابن الزيات وزير آبائه، ويصادر أموال كاتبه عمر بن الفرج الرّخّجىّ.
ويقال إنه أخذ من أمواله ما قيمته مائة وعشرون ألف دينار وأخذ من أخيه نحو مائة وخمسين ألفا (٣)، ونكب كاتبا ثانيا استوزره مدة قليلة يسمى أبا الوزير واستخلص منه مائتى ألف دينار (٤)، ونكب كاتبا ثالثا من كتاب التوقيع يسمى نجاح بن سلمة وأخذ منه ومن ابنه مائة وأربعين ألف دينار (٥)، ونكب القاضى أبا الوليد محمد بن أحمد بن أبى دؤاد واستخلص منه مائة وستين ألف دينار (٦)، ونكب يحيى بن أكثم قاضى قضاته واستخلص منه خمسة وسبعين ألف دينار (٧).
وأثرى قواد الترك فى السنوات التى تلته ثراء فاحشا وأثرى كثير من الوزراء، ونرى المعتمد يصادر أموال وزيره إسماعيل بن بلبل ويسفك دمه كما يصادر أموال وزيره سليمان بن وهب وابنه عبيد الله ويستخلص منهما تسعمائة ألف دينار (٨).
ومعنى ذلك أن الوزراء ومثلهم الكتّاب والولاة كانوا يختلسون أموال الدولة والأمة، ويخيّل إلى الإنسان أنه لم يعد هناك موظف كبير فى الدولة لا يقترف
стр. 1493
هذه الجريمة النكراء. وكان الولاة يرشون الوزراء ليظلوا فى ولاياتهم، وبلغت الرشوة أحيانا مائتى ألف دينار غير ما يرافقها من التحف والهدايا (١)، وحتى رجال الحسبة كانوا يرتشون ويختلسون الأموال، فى أثناء مراقبتهم للتجار وحركة البيع والشراء فى الأسواق على نحو ما يروى عن أحمد بن الطيب بن مروان السرخسى الفيلسوف، إذ خان الأمانة فى ولايته الحسبة ببغداد، وكان جملة ما أخذه مائة وخمسين ألف دينار (٢)، ولا نبالغ إذا قلنا إنه كان يتورط فى هذا الاختلاس وما يطوى فيه من الرشوة أكثر موظفى الدولة، وخاصة من كانوا منهم يقومون على جباية الضرائب وأموال الخراج، وكثيرا ما كانوا يعذّبون أصحاب الضياع والأعيان وذوى الوجاهة بالضرب والسّحب على الوجوه والرسف فى القيود وصبّ الزيت على رءوسهم أو النقط وتعليقهم فى الجدر من أيديهم وأرجلهم، حتى يستخرجوا منهم كل ما يريدون من أموال، ويصور ذلك ابن المعتز فى أرجوزته (٣) الّتى أرّخ فيها خلافة المعتضد وأعماله الجليلة مبينا كيف كانت تجبى أموال الخراج قبله فى قسوة بل فى عنف بل فى أهوال من التعذيب والتنكيل، يقول:
فكم وكم من رجل نبيل ... ذى هيبة ومركب جليل
رأيته يعتل بالأعوان ... إلى الحبوس وإلى الديوان
وجعلوا فى يده حبالا ... من قنّب يقطّع الأوصالا
وعلّقوه فى عرى الجدار ... كأنه برّادة فى الدار
وصفّقوا قفاه صفق الطّبل ... نصبا بعين شامت وخلّ
وصبّ سجّان عليه الزّيتا ... فصار بعد بزّة كميتا
ويمضى ابن المعتز فيذكر أنهم ما يزالون يعذّبون المرء بصنوف العذاب حتى لا تبقى فيه قدرة على المقاومة، فيتوسل إليهم أن يعرضوه على التجار كى يقرضوه بعض أموالهم، أو حتى يبيعهم بعض عقاره، وأن يؤجلوه لذلك خمسة أيام، وبعد لأى يجعلونها أربعة، ويأتيه أصحاب الربا الفجرة، فيقرضونه واحدا
стр. 1494
يعشرة، ويكتبون عليه صكّا بأنه باع ضيعته، وينزل على إرادتهم، حتى يخلص من هذا التعذيب الذى لا يطاق بدفع ما يريده أرباب الخراج. ويقول ابن المعتز إن المعتضد أزال هذا التعذيب وقمع هذا الظلم الصارخ، ولكنه كان قمعا إلى أجل محدود، إن كان حقّا قمعه أو استطاع قمعه. ويصور لنا ابن المعتز كيف كان هؤلاء الجباة يبتزون أموال التجار أصحاب الجواهر والأموال العريضة، وخاصة من كانت له معاملات منهم مع الدولة، فقد كانوا يدّعون عليه أن للسلطان عنده ودائع يجب أن يردها، وكانوا لا يزالون يتفنّنون فى تعذيبه:
حتى إذا ملّ الحياة وضجر ... وقال ليت المال جمعا فى سقر
أعطاهم ما طلبوا فأطلقا ... يستعمل المشى ويمشى العنقا
والعنق مشية سريعة، وكأنه يخشى أن يردوه إلى التعذيب، فهو يطير طيرانا. وويل لمن كان يرث عن أبيه ميراثا ضخما، فقد كانوا يحاولون الاستيلاء على ميراثه بطرق شتى، إذ يسجنونه، ويطلبون إليه أن يثبت أنه ابن المتوفى، وما يزالون يضربونه ويلكمونه ويصعفونه، يقول ابن المعتز:
وأسرفوا فى لكمه ودفعه ... وانطلقت أكفّهم فى صفعه
ولم يزل فى أضيق الحبوس ... حتى رمى إليهم بالكيس
وكأننا لم نعد بإزاء دولة تحكم بقوانين الشريعة الإسلامية، وإنما أصبحنا بإزاء لصوص ومختلسين وقطاع طرق. وما إن يجثم عصر المقتدر على صدر الأمة حتى يفسد الحكم فسادا لا حد له، وقد استوزر اثنى عشر وزيرا منهم من وزر له المرتين والثلاث، أولهم ابن الفرات، ويروى أنه حاسب كتّاب العطاء فوجد لهم خيانة بلغت نحو مائة ألف دينار (١)، ولم يلبث المقتدر أن صادره فى سنة ٢٩٩ واستولى على أمواله وإقطاعاته، فاجتمع له نحو سبعة ملايين من الدنانير (٢)، ومع الشك فى أمانته على هذا النحو نراه يعود إلى الوزارة حتى إذا توفى فى سنة ٣١٢ وجد له من الدنانير ما يزيد على عشرة ملايين (٣). وولى الوزارة بعد إقالته الأولى منها
стр. 1495
الخاقانى، وكان سيئ السيرة، فأخذ يبيع الولايات غير مراع للأمة عهدا ولا ذمة، ويقال إنه ولّى على الكوفة فى يوم واحد تسعة عشر واليا آخذا من كل واحد منهم رشوة حسبما تيسر، وفيه يقول بعض معاصريه (١):
وزير لا يملّ من الرّقاعه ... يولّى ثم يعزل بعد ساعه
إذا أهل الرّشا صاروا إليه ... فأحظى القوم أوفرهم بضاعه
ونعجب أن تدرّ إقطاعات الوزير فى عهد المقتدر مائة وسبعين ألف دينار سنويّا (٢)، ولا يكفيه هذا الراتب الضخم ويختلس ويسرق أموال الدولة والأمة حتى يصبح من ذوى الملايين. وبذلك نفهم كيف كان بعض الوزراء حينئذ يبذل فى سبيل حصوله على الوزارة خمسمائة (٣) ألف دينار، مؤملا أن يستردها فى أسرع وقت. ويروى أن حامد بن العباس حين وزر للمقتدر أهداه بستانا أنفق عليه مائة ألف دينار وفرشه باللبود الخراسانية (٤). واستوزر المقتدر بعده ابن الفرات ثانية، فاستخلص منه مليونا وثلثمائة ألف، ويقال إنه كان ينفق على موائده يوميّا مائتى دينار (٥)، فى حين كان المستكفى ينفق بأخرة من العصر على مائدته كل يوم خمسين ألف درهم (٦). وكان الولاة يستنّون سنة الوزراء فى نهب الأموال واختلاسها (٧).
وبهذه الصورة كانت أموال الدولة تختلس وتنهب، ينهيها ويختلسها الولاة والكتّاب والوزراء، ينعمون ويترفون، والشعب يتمرّغ فى البؤس والحرمان والشقاء، وكأنما تعطلت أداة الحكم، بل لقد فسد فسادا لا يقف عند حد. وكان مما زاد فى هذا الفساد غلبة النساء على الحكم، فكن كثيرا ما يصرّفنه بحسب أهوائهن، وكن يقتنين الجواهر الباهظة الأثمان والضياع والعقارات والأموال الطائلة، حتى يقال إن المستعين مات وفى خزائن الدولة نحو نصف مليون دينار، على حين كان فى خزائن أمه مليون دينار كاملة (٨)، وكانت أم المعتز أكثر منها جشعا، ويقال إن
стр. 1496
قواد الترك طلبوا من ابنها قبل قتله خمسين ألف دينار، فلم يجدها فى خزائن الدولة، ففزع إليها يطلب منها أن تقرضه هذا المبلغ، حتى يفدى نفسه به من القتل، فأنكرت أن يكون عندها مال، وخلع ابنها وقتل بعد أيام، وصادر أموالها حاجبه صالح بن وصيف، وملأه العجب حين وجد فى خزانة لها مليونا من الدنانير، غير جواهر قدّرت قيمتها بمليونى دينار. ولما رأى وصيف ذلك قال: قبّحها الله، عرّضت ابنها للقتل فى خمسين ألف دينار يدفعها رواتب للجيش، وعندها هذا كله فى خزانة واحدة من خزائنها (١). وثالثة الدواهى الطامة شغب أم المقتدر، وهى أم ولد رومية، كانت تمسك بيديها زمام الأمر والنهى فى الدولة، وكانت تستعين بقهرمانتها ثمل، وأقعدتها فى الرّصافة كل يوم جمعة للنظر فى المظالم، فكانت تكتب بأحكامها على رقاع الناس بحضرة الفقهاء والقضاة (٢). وأثرت شغب حتى كان دخلها فى العام من غلات ضياعها مليون دينار (٣)، ويقال إنها غضبت على إحدى وصيفاتها، فاستخلصت ثمل منها مليونا من الدنانير (٤)، كأن مليون دينار فى أيدى نساء القصر وجواريه شئ عادى تتملكه أى وصيفة، وكان المقتدر متلافا فأنفق أموال الدولة على النساء وأهداهن جواهرها وتحفها النفيسة، من ذلك إهداؤه الدرة اليتيمة-التى ظل آباؤه يحتفظون بها حقبا طوالا-لبعض حظاياه، وكانت زنتها ثلاثة مثاقيل. وأهدى حظية ثانية سبحة جوهر لم ير مثلها، قيمتها ثلثمائة ألف دينار، وأهدى حظية ثالثة فصّ ياقوت اشتراه الرشيد بثلثمائة ألف دينار، ويقال إنه أنفق على ختان أبنائه ستمائة ألف دينار (٥) وكأن كل ذلك وقع فى يد معتوه، فهو ينثره يمينا وشمالا. واستولى قواد الترك لعهده على كثير من الإقطاعات والضياع، ويقال إن إقطاعات يانس الموفقى المتوفى سنة ٣١١ كانت تغلّ له سنويّا ثلاثين ألف دينار (٦). وكانت قهرمانة شريرة هى علم الشيرازية تستولى على كل أمور الدولة لعهد المستكفى (٧).
وعلى هذا النحو لم يعد الخلفاء يحكمون منذ عهد المقتدر المشئوم، فقد أصبح
стр. 1497
الترك والنساء والجند هم الذين يصرّفون أمور الدولة، وعمّ الفساد وانتشرت الدسائس والمؤامرات، وفسدت أداة الحكم فسادا شديدا، حتى لنجد أبا جعفر بن شيرزاد حاكم بغداد نيابة عن توزون لعهد الخليفة المتقى يؤمّن لصّا فاتكا هو حمدى، ويشترط عليه أن يدفع له شهريّا خمسة عشر ألف دينار، فى حين يكبس هو بيوت الناس بالمشاعل والشموع وينهب منها ما يريد من الأموال والجواهر.
ويستظهر ابن تغرى بردى أن هذا اللص هو الذى سمّى عند العامة فى سالف الأعصار أحمد الدنف، وقصته فى ألف ليلة وليلة مشهورة (١).
وهيّأ ذلك منذ أوائل العصر لا إلى نهب الأموال والجواهر فحسب، بل إلى نهب الأقاليم والولايات، فإذا أسرة طاهر بن الحسين قائد المأمون تقيم لنفسها فى خراسان إمارة تظل بها حتى سنة ٢٥٩ غير أن صلتهم بالدولة ظلت حسنة وظلوا يرسلون لها الضرائب، وكان منهم نفر يتولون شرطة بغداد حتى بعد انتهاء حكمهم لخراسان وما وراء النهر. وفى سنة ٢٤٧ للهجرة استطاع يعقوب بن الليث الصفار أن يقيم الإمارة الصفارية فى إقليم بلوخستان شرقى إيران، ومدّ حدودها حتى شملت كرمان إلى الجنوب من إيران كما شملت أفغانستان والسند، واستولى على ما بيد محمد بن طاهر آخر الحكام الطاهريين فى خراسان. وتوفى يعقوب لسنة ٢٦٥ فخلفه أخوه عمرو حتى سنة ٢٨٧ إذ قضى عليه السامانيون حكام ما وراء النهر. وحدث فى سنة ٢٥٥ أن أهدى المعتز بايكباك حاجبه مصر فولّى عليها أحمد بن طولون فاستقلّ بها ومدّ حكمه إلى الشام، وخلفه على الإقليمين ابنه خمارويه، وزواج ابنته بوران من المعتضد مشهور. وظلت تلك الإمارة الطولونية فى أبناء أحمد بن طولون وأحفاده حتى سنة ٢٩٢ إذ عادت فى عهد المكتفى إلى حظيرة الدولة، فولّى عليها عيسى النوشرى، وتبعه ولاة مختلفون إلى أن وليها محمد ابن طغج الإخشيد ولايته الثانية سنة ٣٢٣ فأسس بها الإمارة الإخشيدية التى ظلت تلى شئون مصر حتى تسلّمها منها المعز الفاطمى سنة ٣٥٨. وإمارة السامانيين فى خراسان وما وراء النهر أطول هذه الإمارات عمرا، فقد بدأت حوالى سنة ٢٦١ وظلت إلى ما بعد هذا العصر حتى سنة ٣٨٩ وكانت العلاقة بينها وبين الخلافة
стр. 1498
العباسية حسنة، فكان أمراؤها يتولونها بعهود من الخلفاء حتى تكون ولايتهم شرعية، وأذن لهم الخلفاء فى أن تذكر أسماؤهم معهم فى خطبة الجمعة وأن يضربوا أسماءهم على الدنانير، وكانوا سنّييّن، ودعم ذلك الصلة بينهم وبين الخلافة.
ولا نصل إلى أواخر العصر، حتى يتغلب كثير من الحكام على ولاياتهم، فتصبح فارس والرّىّ وأصبهان والجبل فى أيدى بنى بويه، وخراسان فى يد نصر بن أحمد السامانى، وطبرستان وجرجان فى يد الديلم، وكرمان فى يد محمد بن إلياس، والموصل وديار ربيعة وبكر ومضر فى أيدى بنى حمدان، والأهواز وواسط والبصرة فى يد البريدى، واليمامة والبحرين فى يد أبى طاهر الجنّابى القرمطى، ومصر والشام فى يد محمد بن طغج الإخشيد، والمغرب وإفريقية فى يد القائم بأمر الله ابن المهدى الفاطمى المتلقب بأمير المؤمنين، والأندلس فى يد عبد الرحمن الناصر الأموى. ولم يبق فى يد الخليفة سوى بغداد، واستولى عليها منه-كما أسلفنا- البويهيون وخلعوه، وولّوا المطيع لله، وأصبحوا هم الذين يولّون الوزراء والقضاة والولاة وأصحاب الشرطة والحسبة، ولم يعد للخليفة سوى سلطان اسمى وأن يدعى له على المنابر، وخفّضت نفقاته، وقرّرت له نفقة طفيفة.
وليست هذه الكوارث كل ما حاق بالخلافة العباسية فى العصر العباسى الثانى، فقد نشبت ثورات كثيرة استنزفت موارد الدولة، وخاصة ثورتى الزنج والقرامطة، أما الزنج فقد استطاع الموفق لعهد أخيه المعتمد أن يقصى بعد جهاد عنيف عليهم وعلى ثورتهم قضاء مبرما، وأما القرامطة فقد ظلوا حتى نهاية العصر ينازلون الدولة وينزلون بها خسائر فادحة فى الرجال والأموال، ولعل من الخير أن نخص كلا من الثورتين بكلمة موجزة.
٣ - ثورة الزنج
شغلت هذه الثورة الدولة أربع عشرة سنة ونحو أربعة أشهر لم تضع فيها الحرب أوزارها منذ رمضان سنة ٢٥٥ الهجرة حتى صفر سنة ٢٧٠ وكان الذى
стр. 1499
أعدّ لها وأشعلها رجل فارسى من ورزنين: قرية من قرى الرّىّ بإيران، زعم فى أول الأمر أنه من بنى عبد القيس سكان البحرين، وفيهم أخذ ينشر آراءه الثورية ضد الدولة لأوائل العقد السادس من القرن الثالث الهجرى، فتبعه نفر قليل. وأحسّ كأن البحرين لن تتبعه، فتركها إلى البصرة لسنة ٢٥٤ وأخذ ينشر فيها آراءه، وارتفع أمره إلى الوالى فطلبه، غير أنه أسرع بالخروج منها إلى بغداد، حتى إذا استدار العام عاد بفكرة جديدة هى أن يثير الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ هناك، وكان يسخّرهم كبار الملاك الإقطاعيين فى هذا الكسح وفى زرع أرضهم لقاء أجر زهيد لا يسدّ ما يحتاجون إليه من الغذاء البسيط والكساء الخشن.
ومضى يثيرهم ويتجمعون إليه، ورأى إحكاما لدعوته أن يسبغ عليها صبغة دينية، فزعم أنه يوحى إليه وأن العناية الإلهية بعثته اختارته لإنقاذ الزنج من جور الملاك الظالمين، وأشاع أن اسمه على بن محمد ووصل نسبه بإمام الزيدية: زيد بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب، حتى يثبت حقه الشرعى فى الثورة ضد الخلافة العبّاسية (١)، وهو نسب مكذوب إذ هو فارسى كما قدمنا، وحقّا نجد ابن المعتز ينعته فى الأرجوزة التى تمثلنا ببعض أبياتها فيما أسلفنا بأنه علوى إذ يقول عنه:
والعلوىّ قائد الفسّاق ... وبائع الأحرار فى الأسواق
ونؤمن بأن ابن المعتز تعمد ذلك حتى يلطّخ العلويين خصوم أسرته بعار هذا الرجل الذى لم يكن يرعى فى الأمة إلاّ ولا ذمة على نحو ما سيتضح عما قليل.
وكان لا يزال يردّد بأن العباسيين انغمسوا فى إثم الخمر والمجون والمعاصى، وأنه تجب حربهم حتى يتخلص الناس من شرورهم، وحتّى يردّ الأمر إلى نصابه وإلى مستحقيه العلويين من أمثاله المنتسبين إليهم زورا وبهتانا.
وكان الزنج يبلغون ألوفا، وكلهم يعملون فى كسح السباخ والزراعة، وكانوا يجلبون من شرقى إفريقيا، وسرعان ما التفوا حول هذا الثائر والتفّ معهم كثير من عبيد الفرات بحيث غدت الثورة كأنها ثورة العبيد على السادة الجائرين، وثبّت
стр. 1500
ذلك فى نفوسهم أن صاحبهم كان يدعو إلى تحريرهم، وهى دعوة كريمة، غير أنه لم يمض فيها إلى النهاية، إذا استباح فى حروبه استرقاق الأحرار، مما يؤكد أنه لم يكن يفكر جدّيّا فى الغاء الرق. ويدل أكبر الدلالة على أنه لم يكن محررا للعبيد حقّا ولا كان علويّا ما رواه المسعودى عنه من أنه «كان ينادى فى عسكره على المرأة من ولد الحسن والحسين والعباس بن عبد المطلب وغيرهم من ولد هاشم وقريش ومن سائر العرب وأبناء الناس، فتباع الجارية بالدرهمين والثلاثة، وينادى عليها بنسبها: هذه ابنة فلان، ولكل زنجى منهن العشرة والعشرون والثلاثون. . .
واستغاثت به امرأة هاشمية من ولد الحسن بن على بن أبى طالب كانت عند بعض الزنج، وسألته أن ينقلها إلى غيره من الزنج أو يعتقها مما هى فيه، فقال لها: هو مولاك وأولى بك من غيره» (١). ولو كان علويّا ما استباح استرقاق العلويات، ولو كان ثائرا على الرق داعيا إلى تحرير العبيد بإخلاص ما أسقط العبودية عن الزنوج وردّها على الأحرار، بل كان يبقى لهم حريتهم. ويبدو أنه لم تدر بذهنه خطة واضحة لنمط من أنماط الاشتراكية يصحح به معيشة الناس عبيدا وأحرارا ويصلح به أوضاعهم المالية والاقتصادية. ولذلك حوّل ثورته سريعا من ثورة ضد الملاّك الإقطاعيين إلى ثورة ضد الدولة، فالدولة يجب أن تقاوم ويقاوم معها الخلفاء وولاتهم. ويذهب بعض المؤرخين إلى أنه كان يعتنق آراء الأزارقة من الخوارج إذ كان يستحلّ مثلهم قتل نساء المسلمين وأطفالهم، وكان يرى رأيهم فى أن المسلمين جميعا كافرون وينبغى قتالهم واستئصالهم حتى لا تبقى منهم باقية، ويحاول المسعودى أن يبرهن على أنه كان يؤمن بمبادئ الخوارج بشواهد مختلفة، منها أنه كان يبدأ خطبه بعبارة الخوارج المشهورة التى رددوها حين ثاروا فى وجه على بن أبى طالب:
«ألا لا حكم إلا لله»، وأنه كان يردد أن الذنوب تفضى إلى الشرك على نحو ما كان يقول الخوارج من قديم بأن مرتكب الكبيرة كافر، وأنه هو وأصحابه كانوا إذا خطبوا على المنابر ترحموا-مثل الخوارج الأولين-على أبى بكر وعمر ولم يذكروا عثمان وعليّا غضبا عليهما ولعنوا جبابرة الأمويين والعباسيين (٢). وعلى نحو ما اعتزل الخوارج الأولون على بن أبى طالب إلى حروراء بقرب الكوفة مهاجرين عن الجماعة
стр. 1501
الضالة، كما هاجر الرسول ﵇ عن أهل مكة إلى المدينة، كذلك هاجر صاحب الزنج بأتباعه إلى سبخة بمآخير أنهار البصرة تسمى سبخة أبى قرّة، فأقام فيها، وأمر أصحابه باتخاذ الأكواخ بها، وبثّ الزنج والسود يغير بهم على القرى وينهب الأموال والدوابّ (١)، ثم تحوّل إلى الجانب الغربى من نهر أبى الخصيب واتخذ عليه مدينة (٢) سماها «المختارة» بنى له فيها دورا حصينة؛ وأمر أصحابه بالبناء فيها.
وكثرت إغاراته على البصرة وقراها، فاستغاث أهلها بالخليفة المهتدى، فأرسل إليهم فى سنة ٢٥٦ جيشا أكثره من الفرسان فلم يستطع الوصول إلى مدينة صاحب الزنج لكثرة ما كان يقوم دونها من القنوات والنخيل والأدغال. ويشعر صاحب الزنج بقوته، فيقتحم مدينة الأبلّة مما يلى نهر دجلة. ويقتل بها خلقا كثيرا، ويشعل بها نارا تأتى على كثير من منازلها، إذ كانت مبنية من خشب الساج، ويعمل فيها النهب والسلب. ويهاجم بعدها مدينة عبّادان، وكان أهلها قد سمعوا ما صنعه بمدينة الأبلّة، فألقوا له عن يد، وانضمّ إليه من كان بها من العبيد، ونهب كل ما كان بها من السلاح والمئونة. وولّى وجهه نحو مدينة الأهواز فدخلها بعد مناوشات قليلة، واستولى على كل ما كان بها من الأسلاب والأمتعة (٣).
وتولى المعتمد الخلافة، فأرسل إليه فى سنة ٢٥٧ هـ جيشا كثيفا انتصر على بعض كتائبه، غير أن الزنج استتروا منه بالقنوات والأدغال، فاضطر إلى الانسحاب، ونازلهم منصور بن جعفر الخياط بجيش ثان لم يصنع شيئا (٤). وما يلبث صاحبهم أن يهاجم البصرة. وكان يردّد على مسامع أصحابه أنه اجتهد فى الدعاء عليها أن يصيبها الخراب من جميع جهاتها، وأنه خوطب فى أمرها، فقيل له: إنما البصرة خبزة لك تأكلها من جوانبها. وانضمّ إليه حينئذ كثير من الأعراب، هاجمها بهم وبأتباعه من الزنج والعبيد فى أثناء صلاة أهلها إحدى الجمعات، وقد انقضّ عليها من ثلاث جهات، معملا فيها النهب والسلب والقتل وإشعال
стр. 1502
النار (١)، وتقول أقل الروايات مبالغة إن عدد القتلى بلغ ثلثمائة ألف بين ذكر وأنثى وشيخ وطفل وإنه أحرق المسجد الجامع وأحال البلدة أنقاضا، يقول المسعودى:
«واختفى الناس ذعرا فى الدور والآبار، وكانوا يظهرون بالليل فيأخذون الكلاب فيذبحونها ويأكلونها، وكذلك الفئران والسنانير، وأفنوها حتى لم يقدروا منها على شئ، وكانوا إذا مات منهم الواحد أكلوه، وعدموا مع ذلك الماء العذب» (٢) وتسامع الناس والشعراء فى بغداد وسامراء بهذه النكبة المروّعة التى حلّت بالبصرة.
فبكوها بدموع غزار، وفى مقدمتهم ابن الرومى، وقصيدته:
ذاد عن مقلتى لذيذ المنام ... شغلها عنه بالدموع السّجام
ندب حارّ لها وتفجع وتوجع لما نزل بها من تلك الكارثة التى لا تكاد تتخيلها الأوهام، وقد مضى يصور قتلى الزنج وصرعاهم وانتهاكهم الحرمات وسبيهم الحرائر المصونات ممزقات الثياب داميات الوجوه، وكيف أشعلوا النيران فيها وحوّلوا قصورها تلالا ورمادا، وكيف ملئوا شوارعها بالرءوس والجثث والأيدى والأرجل المبتورة، وهو فى تضاعيف ذلك يستصرخ الأمة لنجدة البصرة والذّياد عن الحرمات والفتك بالزنج الذين ارتكبوا آثاما يشيب لها الولدان فتكا لا يبقى ولا يذر.
وكأنما استجابت الدولة لصرخة ابن الرومى، فجهّزت جيشا ضخما بقيادة الموفق أخى الخليفة المعتمد، وكان بطلا لا يبارى وصاحب رأى وحزم لا يدانيه حزم وتدبير لا يشبهه تدبير، غير أن الزنج وصاحبهم استتروا منه بالقنوات وبالأدغال الملتفّة والنخيل الكثيف. فندب إليهم منصور بن جعفر بن دينار فاستباحوا عسكره وقتلوه. فتقدم الموفق إلى نهير يسمى نهير معقل، ونازل الزنج وهزمهم مرارا وأسر قائدا من قوادهم هو يحيى البحرانى وأرسل به إلى سامراء حيث ذبح وأحرق (٣). وعاد الموفق إلى سامراء، وخلّف على قتال الزنج موسى بن بغا، ونشبت حروب متتابعة قتل فيها كثير من الجانبين (٤). ويولّى المعتمد فى سنة ٢٦١ على الأهواز قائدا من قواده يسمى أبا الساج، وينازل الزنج وترجح كفتهم، ويدخلون الأهواز وينهبونها ويحرقون دورها (٥).
стр. 1503
وتشغل الدولة وقائدها الموفق بيعقوب بن الليث الصفار، وكان قد استولى على سجستان وكرمان وفارس وقضى على الطاهريين واستولى منهم على خراسان، وأقبل بجموعه فى سنة ٢٦٢ يريد الاستيلاء على بغداد، ولم يكد يلمّ بدير العاقول على بعد اثنى عشر ميلا منها حتى تصدّى له الموفق وهزمه هزيمة ساحقة، فرّ على أثرها إلى الأهواز، وإلى ذلك يشير ابن المعتز فى أرجوزته آنفة الذكر إذ يقول عن الموفق:
وحارب الصّفّار بعد الزّنج ... فطار إلا أنه فى سرج
وفرّ من قدّامه فرارا ... وكان قدما بطلا كرّارا
وظل الموفق مشغولا به بعد هزيمته إلى أن توفى سنة ٢٦٥. وفى هذه الأثناء وجد صاحب الزنج الفرصة سانحة له، فكان يغير على بعض المدن، يفتك بأهلها وينهبها من مثل الأهواز وواسط ودست ميسان. وكانت أنباؤه لا تزال تصل إلى الموفق، فصمم على منازلته ثانيا، وجهّز لحربه جيشا جرارا تسنده سفن حربية، وأسند قيادته إلى ابنه أبى العباس. (الذى ولى الخلافة بعد عمه المعتمد وتلقّب بالمعتضد) وكان شجاعا حازما من أهل الرأى الصائب مثل أبيه، فخفّ إليه فى ربيع الآخر لسنة ٢٦٧ فواقع قائدا يسمى سليمان بن جامع ومزّق جنوده واستولى على ما كان بيده من قرى دجلة (١)، ودخل مدينة واسط وردّها على أهلها، وعسكر بجيشه فى جوارها، وأخذ يقف بنفسه على القرى والمسالك المؤدية إلى صاحب الزنج ومدينته. وجمع له الزنج وحشدوا واتخذوا سفنا تسمّى بالسّميريّات، لكل منها أربعون مجدافا والملاّحون من فوقها يحملون السيوف والرماح والتروس، ولكن أبا العباس عرف كيف ينزل بهم هزيمة نكراء، استولى فى أثنائها على أكثر سميّريّاتهم (٢)، وأخذت هزائمهم تتلاحق. وبلغ الموفق نبأ بأن صاحب الزنج يعدّ جيشا كثيفا لمساعدة قائديه: سليمان بن جامع وعلى بن أبان، فأعدّ جيشا ضخما بدوره لنصرة ابنه، ومضى معه إلى حصن الزنج الشمالى فى البطيحة الذى سموه باسم «المدينة المنيعة» وأوقعأ بقائد لهم يسمى الشعرانى وبجنده وقعة ماحقة. واتخذ
стр. 1504
الموفق حينئذ خطة سديدة أن يعفو عمن يستسلم له من جند العدو ويضمه إلى جيشه واستسلم له كثيرون (١). واتجه إلى حصن الزنج الأوسط الذى سموه مدينة «المنصورة» وكان بجوار «طهيثا» والتقى هناك بسليمان بن جامع وأصحابه، فقتل منهم مقتلة عظيمة، واستولى على المدينة وكل ما بها من الأموال والذخائر والميرة، وفرّ سليمان على وجهه لا يلوى، وفرّ كثيرون من الزنج إلى الآجام المحيطة بالمدينة، وأعلن الموفق مرة ثانية أنه يعفو عفوا تامّا عن كل من يستسلم راضيا، واستسلم له كثيرون، فكان يخلع عليهم ويضمهم إلى جيشه. وكانت سياسة قويمة إذ أخذ كثيرون من أتباع صاحب الزنج يغادرون معسكره إلى معسكر الموفق (٢). ومضى إلى الأهواز والقرى التى بينها وبين فارس، وفرّ عنها سريعا قائدان من قواد الزنج هما المهلبى وبهبوذ بن عبد الوهاب تاركين وراءهما عتادا ضخما من الميرة احتواه الموفق. وكاتبه كثيرون من فرسان هذين القائدين وجنودهما يطلبون الأمان فأمّنهم وسلكهم فى جيشه، واستأمن قائد اسمه «منتاب» وكثير من المقاتلين فى سميريات الزنج وسفنهم (٣). وتقدم الموفق بجموعه إلى المدينة «المختارة» حاضرة صاحب الزنج آخر معاقله. ورأى من مناعتها ما جعله يؤمن بأن حصارها سيطول، فبنى لجيشه أمامها على الضفة الثانية لدجلة مدينة سماها «الموفقية» شيّد فيها جميع المرافق، وساق إليها أصناف المنافع، وشدّد فى حصار المختارة، حتى غدت كأنها سجن كبير لصاحبها وأتباعه، ونادى بأن الأمان مبسوط للناس أحمرهم وأسودهم، واستسلمت له من الزنج جموع كثيرة، إذ رأوا صاحبهم كالأسير وقد عزّته الميرة والمؤن، وفى ذلك يقول ابن الرومى للموفق من قصيدة طويلة (٤):
حصرت عميد الزّنج حتى تخاذلت ... قواه وأودى زاده المتزوّد
فظلّ ولم تقتله يلفظ نفسه ... وظلّ ولم تأسره وهو مقيّد
تفرّق عنه بالمكايد جنده ... وتزدادهم جندا، وجندك محصد (٥)
وما زال الموفق يحاصر المدينة وصاحبها حتى رأى أن يشنّ عليها حملة حاسمة سنة ٢٦٩ إذ هاجمت سفنه الحربية قصر صاحب الزنج وصمم على الفرار منه، والتقى
стр. 1505
الموفق فى هذه الأثناء بجيش له فى غربى نهر أبى الخصيب فمزّقه شر ممزق، وطلب الأمان كثيرون من الزنج وقوادهم وفى مقدمتهم الشعرانى وشبل (١) بن سالم.
وجمع الموفق المستأمنة من الزنوج العارفين بمسالك المدينة المختارة ومضايق طرقها وحصونها كى يمحضوه النصيحة فى الوصول إلى صاحبها، ودلّوه راضين، فاستولى على قصره فى صفر لسنة ٢٧٠ بعد موقعة عظيمة، ووافاه البشير بقتله، فخرّ لله ساجدا على ما أولاه، وأمر بصلب قائديه سليمان بن جامع وعلى (٢) بن أبان المهلبى.
وكان الموفق قد جرح جرحا بليغا فى صدره فى أثناء المعارك الأخيرة، ولم يثنه ذلك عن الحرب حتى كتب له فيها النصر المبين، ولذلك يقول ابن المعتز فى تهنئته بهذا النصر من قصيدة صوّر فيها بطولته: (٣).
شقّ الصفوف بسيفه ... وشفى حزازات الإحن
دامى الجراح كأنها ... ورد تفتّح فى غصن
وبذلك انتهت ثورة الزنج، ويقال إنه ذهب ضحيتها نحو مليون ونصف، وأمر الموفق بالنداء فى أهل البصرة والأبلّة وكور دجلة والأهواز وواسط بقتل صاحب الزنج ورجوع كل مواطن إلى داره وبلده آمنا على نفسه وماله وأهله (٤).
٤ - ثورة القرامطة
مرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول أن الشيعة كانوا فرقا، وظلت هذه الفرق نشطة فى العصر العباسى الثانى، وأهمها فرقة الزيدية التى حملت السلاح دائما فى وجوه العباسيين، ثم فرقة الإمامية التى كانت تعيش على التقية وتعمل سرّا ضد العباسيين، وقد انقسمت مبكرة إلى اثنى عشرية آمنت بأن الإمامة توالت فى اثنى عشر إماما، آخرهم محمد المهدى المنتظر المتوفى سنة ٢٦٠ للهجرة، وإلى إسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان قد توفى قبل أبيه، فقالوا إن
стр. 1506
الإمامة انتقلت منه إلى ابنه محمد، لأنها تنتقل حتما إلى الابن الأكبر، حتى لو مات فى عهد أبيه. وأخذت تتكوّن سريعا حول محمد الحركة (١) الإسماعيلية، وكان الذى نظّمها ووضع مبادئها عبد الله بن ميمون القداح، وهو فارسى كان واسع المعرفة بجميع المذاهب والأديان، وأخذ فى سرعة يكوّن حول محمد بن إسماعيل جمعية سرية تعمل على تقويض الدولة العباسية، وكان يستعين على جذب الناس إليه بطرق تتناسب مع كل شخص، فأشخاص يجذبهم بالسحر والشعوذة، وأشخاص يجذبهم بإظهار التقوى والنسك. وكان يزعم أن دينه دين النور الخالص، ودعا كل أعضاء جمعيته إلى الاشتراك فى كل ما يكسبون مقيما بينهم ضربا من الألفة. وبدأ بدعوته فى موطنه بالأهواز، ثم تركها إلى البصرة ومعه رفيقة الحسين الأهوازى، وأحسّ بمطاردة والى البصرة لهما، فهرب مع رفيقه إلى «سلمية» بقرب اللاذقية في الشام، ومن هناك أخذ يرسل دعاته إلى العراق، كما أخذ ينظم الدعوة الإسماعيلية باثّا فيها تعاليم مانوية فارسية وفلسفية يونانية غير بعض تعاليم جلبها من فرق الشيعة الغالية كفرقة الخطابية. ودعا فى قوة إلى فكرة التأويل فى الآيات القرآنية حتى يمكن فهم معانيها الباطنة المستترة أو قل معانيها الخفية التى ترمز إليها من بعيد. وزعم أن تاريخ الأمة ينقسم إلى حلقات، كل حلقة يمثلها سبعة من الأئمة، سابعهم هو الإمام الناطق الذى ينسخ بشريعته ما قبله من الشرائع، أما الأئمة الستة قبله فأئمة صامتون.
وزعم أيضا أن أئمة الدعوة قسمان: أئمة حقيقيون مستورون أو مستقرّون، وأئمة بجانبهم مستودعون وهم رءوس الدعاة المسمون بالحجج، وبذلك أصبح هو نفسه إماما مستودعا، وتبعه على ذلك أبناؤه، ومن هنا جاء الشك فى نسب الأسرة الفاطمية الإسماعيلية التى حكمت مصر نحو قرنين من الزمان، فهل كان أئمتها مستقرين أو كانوا مستودعين؟ وجعل ابن ميمون الدعوة مراتب يصعد فيها التابعون، وهى سبع مراتب، مرتبة للعامة، ومرتبة لمن فوقهم، ومرتبه لمن مرّ عليه عام، ومرتبة لمن مرّ عليه عامان، ومرتبة لمن مرّ عليه ثلاثة أعوام، ومرتبة لمن مرّ عليه أربعة أعوام، ثم المرتبة السابعة، وجعلت المراتب فيما بعد تسعا.
وما يلبث عبد الله بن ميمون-وقيل بل ابنه أحمد خلفه-أن يرسل الحسين
стр. 1507
الأهوازى إلى الكوفة وسوادها ليدعو إلى الجمعية، فالتقى فى السواد بنبطى يحمل بعض الغلات على أثوار له اسمه حمدان، كان أهل قريته يلقبونه-فيما زعم الطبرى- لقبا نبطيّا هو قرمط لاحمرار عينيه الدائم (١)، وزعم بروكلمان أن معنى هذا اللقب المعلم السرى (٢). وكأنما وجد الأهوازى فى هذا الرجل طلبته، فدعاه إلى مذهبه واستجاب له فى حماسة بالغة، وأحسّ الأهوازى بدنو أجله، فعهد إليه برياسة الدعوة، وجدّ فيها. حتى أصبحت له فرقة كبيرة دعيت جميعها باسم القرامطة نسبة إليه.
وكان داهية فأخذ فى تنظيم الحركة، وفرض على جميع أتباعه أن يدفع كل منهم سنويّا درهما واحدا، ثم جعله دينارا تأهبا للانتقال إلى دار الهجرة، وفرض على أهل المرتبة السابعة سبعة دنانير، ولم يلبث أن فرض على كل إنسان من أتباعه أن يؤدى إليه خمس ماله، وأخيرا فرض عليهم جميعا الألفة، وهى الشركة فى الأموال، وبذلك هيّأ لظهور نظام اشتراكى كامل. ولما اطمأن إلى نجاح دعوته أخذ يحلّ لأتباعه ترك الفرائض الدينية وأن يتخذوا بيت القدس قبلتهم ويحجّوا إليه، وزعم لهم أن الصوم يومان فى السنة: يوم عيد المهرجان ويوم عيد النيروز وأن النبيذ حرام والخمر حلال، ووضع قانونا هو أن كل من حاربه وجب قتله، ومن لم يحاربه وخالفه يجب أخذ الجزية منه (٣). وفى سنة ٢٧٧ اتخذ لأتباعه دار هجرة بقرب الكونة سماها «مهماباد» نزلها كثيرون من الرجال والنساء. وكان أكبر معاونيه فى حركته صهره عبدان، ويذكر له كتاب صوّر فيه طريق التابع ومراتبه السبع آنفة الذكر التي تنتهى به إلى الخضوع المطلق للإمام الخفى أو المستتر وممثليه من الأئمة المستودعين.
وأقبل على الانضمام إلى الدعوة كثير من الفلاحين فى سواد الكوفة والبصرة لما وعدتهم به من تغيير ظروفهم الاقتصادية السيئة، إذ كان الملاك الإقطاعيون يسومونهم سوء العذاب مع التقتير الشديد فى الأجور، وانضم إليها أيضا كثير من الطبقة الكادحة فى المدن ممن كانوا يعيشون فى بؤس مدقع، وقد وعدهم جميعا حمدان وأتباعه بأنهم سينقلونهم من الشقاء إلى السعادة ومن الفقر ودله إلى الغنى وعزه. غير أنهم لم يقفوا
стр. 1508
جميعا بدعوتهم عند إنشاء مجتمع اشتراكى، إذ مضوا يدعون إلى التحلل من الدين الحنيف وفروضه حتى ليقول البغدادى إنهم أنكروا البعث والحساب والجنة والنار، وقالوا: هل الجنة إلا هذه الدنيا ونعيمها وهل النار وعذابها إلا ما فيه أصحاب الشرائع من التعب والنّصب فى الصلاة والصيام والحج والجهاد (١)، وزعموا: «أن الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وكل من ادعى النبوة كانوا أصحاب نواميس ومخاريق أحبوا الزعامة على العامة، فخدعوهم بنيرنجات واستعبدوهم بشرائعهم» (٢). ومضى حمدان يتخذ لهم أعلاما بيضاء دلالة على أن دينهم دين النور، ويقال إنه كان يكتب عليها: ﴿(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ).﴾
وقد أرسل مبكرا دعاة إلى اليمن جاهروا فيها بدعوته وأحدثوا شغبا كثيرا، ونزل «كلواذى» وأخذ يدير منها دعوته، ومن أهم دعاته الذين اتخذهم حينئذ أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنّابىّ. وجنّابة من قرى بحر فارس، وقد أرسل به إلى جنوبى إيران، واستطاع أن ينشر هناك الدعوة، والتفّ حوله كثيرون اتخذ من نفسه مشرفا على إدارة أموالهم. غير أن ولاة العباسيين تنبهوا لحركته هناك وصادروا ما جمع من أموال، ففرّ على وجهه إلى حمدان، يبلغه الخبر، فأمره أن يتجه إلى منطقة أخرى، واختار له الأحساء فى منطقة البحرين، وهناك استجابت له قبيلة عبد القيس وعشائرها البدوية، واستطاع لسنة ٢٨٦ أن ينشئ فى تلك الأصقاع النائية دولة اشتراكية جعل عاصمتها «المؤمنية» بدلا من «هجر» العاصمة القديمة وهى المسماة اليوم باسم «الهفوف» «وفى السنة نفسها أغار على «القطيف» القريبة من البصرة وقتل من لقيه بها من الرجال والنساء (٣). وفى السنة التالية هددت جنوده البصرة (٤). وأحسّ حمدان بقوته فأخذ يدفع أتباعه إلى الإغارة على قرى السواد، وتصدّى لهم بدر غلام الطائى، وأوقع بهم على غرة بنواحى روذميستان وقتل منهم مقتلة عظيمة (٥). ويعودون إلى الانتشار فى سواد الكوفة لسنة ٢٨٩ ويفتك بهم شبل غلام الطائى ويقع فى أسره قائدهم المعروف بابن أبى قوس (٦)، فيرسل به إلى المعتضد،
стр. 1509
فيضرب عنقه، ويصلبه على الجسر فى جماعة من القرامطة، ويذكر ذلك ابن المعتز فى أرجوزته آنفة الذكر، منددا بالدعوة القرمطية، قائلا:
ابن أبى قوس لهم نبىّ ... إمام عدل لهم مرضىّ
خفّف عنهم من صلاة الفرض ... وقال: ناب بعضها عن بعض
فاذهب إلى الجسر تجده فارسا ... على طمرّ (١) لأسير جالسا
وتلك عقبى الغىّ والضلال ... والكفر بالرحمن ذى الجلال
وهو يسجل هنا على القرامطة جهلهم حتى ليزعمون أن ابن أبى قوس نبى، مع تخفيفهم للصلاة وكفرهم بالرحمن، وسجل عليهم فى الأرجوزة قبل هذه الأبيات الشريعة الجديدة التى اتخذوها وأنهم يجاهدون فيها عن إمام مختف لا يظهر أبدا.
ومنذ هذا التاريخ الذى قتل فيه ابن أبى قوس يختفى من العراق وسواده اسم حمدان وصهره عبدان، ونفاجأ بداعية يتولى زعامة القرامطة مكانهما يسمى زكرويه (٢). ويبدو أنهما أحسّا بتغير فى المبادئ التى (٣) كانا يدعوان إليها، فأرسل حمدان بعبدان إلى سلمية ليقف على حقائق الأمور، فوجد أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح توفى وخلفه ابنه الحسين، ولما اجتمع به سأله عن الإمام الذى يدعون إليه وعن حجّته، فعجب الحسين من سؤاله، وقال له:
«من هو الإمام إذن؟ » فأجابه عبدان إنه محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق الذى دعا له أبوك وكان حجته، فاستنكر الحسين القداحى إجابته، وقال له:
إن الإمام إنما كان والده، وحلّ هو محله الآن. وعندئذ أدرك عبدان حقيقة القدّاحين وأنهم تظاهروا بالدعوة لمحمد بن إسماعيل خداعا للناس وتمويها عليهم حتى يجتذبوهم إلى صفوفهم. وعاد عبدان إلى حمدان فوقفه على حقيقة الأمر، وأشار عليه بوقف الدعوة وأن يجمع الدعاة ويبين لهم الحقيقة. وأخذ حمدان برأيه، فوقف الدعوة فى الأماكن القريبة منه، ولم يستطع توضيحها لمن كانوا فى الأماكن النائية، وترك كلواذى واختفى هو وصهره عبدان من مسرح التاريخ، ويبدو أن
стр. 1510
القداحين عملوا على اغتيالهما، واتّخذ زكرويه أداة لتنفيذ هذا الاغتيال.
وعلى هذا النحو صارت رياسة الدعوة فى سواد الكوفة والعراق إلى زكرويه الدّندانى، وكان أعظم نشاطا من حمدان قرمط وصهره عبدان، ولما رأى الدولة تتعقب القرامطة بسواد الكوفة وأنه لا غناء عندهم سعى فى استغواء البدو من أسد وطيئ وتميم وغيرهم، وتابعته منهم جماعات، غير أن كثرة البدو المحيطين بجنوبى العراق لم تستجب له، فأرسل أولاده يحيى والحسين ومحمدا إلى عشائر قبيلة كلب فى بادية السماوة بين العراق والشام، فأصاخوا لهم وبايعوهم، وكان مما زعموه لهم أنهم من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، حتى إذا رأوهم يدعونهم إلى العقيدة القرمطية نفروا منهم ولم يتابعهم إلا بنو العليص، إذ بايعوا فى آخر سنة ٢٨٩ يحيى بن زكرويه متلقبا لهم بالشيخ وزاعما أنه أبو عبد الله على بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، وقيل بل زعم أن اسمه محمد بن عبد الله. وزعم لهم فيما زعم أن أباه-ودعاه أبا محمود-يدعو له، وأنه يتبعه فى السواد بالعراق وفى المشرق والمغرب مائة ألف، وأيضا زعم لهم فيما زعم أن ناقته التى يركبها مأمورة، وأنهم إذا اتبعوها فى لقاء عدوّ نزل عليهم الفتح المبين، وتكهّن لهم أو ادعى فيهم الكهانة، وأظهر لهم عضدا له ناقصة، وذكر أنها آيته (١). ومضى فى سنة ٢٩٠ بمن تبعوه يعيث فسادا فى المدن السورية، وكانت تتبع حينئذ الدولة الطولونية، وكانت تعانى من ضعف شديد، وكانت قد ولت عليها طغجا الإخشيدى قبل ولايته على مصر، فأرسل لابن زكرويه جيشا سرعان ما هزم وقتل قائده (٢). وقصد ابن زكرويه الرقة فى جمع كثير يقتل وينهب، وواقع هناك جيشا للخليفة المكتفى وهزمه وقتل قائده. وحاصر دمشق غير أنها صمدت لحصاره، وسرعان ما قتل على أبوابها، فبايع أتباعه أخاه الحسين ونادوا به خليفة من بعده، وزعم لهم بدوره أنه أحمد بن عبد الله بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأظهر لهم شامة فى وجهه الملثّم ذكر أنها آيته، ولذلك سمّى بصاحب الشامة، ووفد عليه ابن عم له يسمى عيسى بن مهرويه، فزعم أنه مثنه من نسل جعفر الصادق ولقّبه المدّثّر، وزعم أنه المقصود بسورة المدثر (٣)! وأجابه كثير