← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

سنة ٣٥٠ ومحمد المتوفى سنة ٣٨٠. ولا تزال الحماسة البصرية لعلى بن أبى الفرج البصرى المتوفى فى القرن السابع غير مطبوعة، وفى دار الكتب المصرية مخطوطتان منها. وإذا تركنا هذه المختارات إلى الدواوين المفردة لقينا منها دواوين الشعراء الستة الجاهليين: امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة وعلقمة وقد نشرها ألوارد، إلا أنه لم يكتف برواية الأصمعى التى احتفظ بها شرح الشنتمرى، بل أضاف إليها زيادات هى فى الأكثر منحولات، ولا نزال فى حاجة إلى نشر شرح الشنتمرى المتوفى سنة ٤٧٦ وقد استخرج منه مصطفى السقا شرحه على تلك الدواوين والتزم روايته فى المجموعة التى سماها باسم مختار الشعر الجاهلى. وطبع ديوان امرئ القيس طبعات مختلفة لعل أهمها الطبعة الأخيرة بدار المعارف، وقد جمع فيها أبو الفضل إبراهيم رواياته جميعها وقارن بينها مقارنات دقيقة. ونشرت دار الكتب المصرية ديوان زهير بشرح ثعلب، غير أن من حققوه لم يقابلوا بين هذه الرواية الكوفية ورواية الأصمعى البصرية التى يحتفظ بها الشنتمرى فى شرحه. وطبعت دواوين أخرى مثل ديوان النابغة وطرفة ولبيد وعروة بن الورد وحاتم وعلقمة والشنفرى وأوس بن حجر، إلا أن أكثر هذه الدواوين لا يزال فى حاجة إلى نشرة علمية جيدة. وقد نشر لايل ديوانى عبيد بن الأبرص وعامر بن الطفيل، وهناك دواوين مخطوطة لما تنشر. أما دواوين القبائل التى جمع منها الشيبانى نيفا وثمانين وعنى السكرى بكثير منها ففقدت فى الطريق (١)، ولم يبق منها إلا قطع من ديوان هذيل نشرت فى خمس مجموعات، أربع منها فى أوربا وهى من صنعة أبى سعيد الحسن بن الحسين السكرى، طبعت أولاها فى لندن سنة ١٨٥٤ بتحقيق كوزجارتن وطبعت الثانية فى برلين سنة ١٨٨٧ بتحقيق فلهاوزن، وطبعت الثالثة وهى خاصة بديوان أبى ذؤيب فى هانوفر سنة ١٩٢٦ بتحقيق يوسف هل، وفى سنة ١٩٣٣ نشر القطعة الرابعة فى ليبزج، وهى تتداخل مع القطعة الخامسة التى نشرتها دار الكتب المصرية، ويظهر أن هذه القطعة الأخيرة اختلطت فيها نسخة السكرى بنسخة أخرى مختصرة منها، ولذلك كان يقل فيها الشرح وإسناد الرواية. وهذه القطع التى وصلتنا من صنعة السكرى غاية فى النفاسة لا لأنه يضمنها أخبارا وشروحا فحسب، بل

стр. 177

لأنه يقفنا وقوفا دقيقا على مصادره، إذ يذكر دائما الإسناد فى القصيدة وألفاظها وأبياتها مثبتا ما اختلف فيه الرواة البصريون وعلى رأسهم الأصمعى والكوفيون وعلى رأسهم ابن الأعرابى وأبو عمرو الشيبانى ومن جاء بعدهم من البغداديين مثل عبد الله ابن إبراهيم الجمحى، ومن بين من ينقل عنهم أبو عبيدة. ومنه نعرف أن الأصمعى كان ينقل عن مصدر من نفس القبيلة هو عمارة بن أبى طرفة الهذلى. وبذلك كانت أجزاء من هذه القطع التى رواها السكرى عن ديوان هذيل لا تقل ثقة ولا قيمة تاريخية عن المفضليات والأصمعيات. ومن الكتب الجيدة التى تشتمل على شعر جاهلى كثير شرح النقائض لأبى عبيدة، فقد أنشد فيه كثيرا من الشعر الذى قيل فى أيام العرب وحذا حذوه من كتبوا فى أيام العرب مثل ابن الأثير فى كامله وابن عبد ربه فى عقده. ومن الكتب الجيدة أيضا طبقات الشعراء لابن سلام، ومر بنا أنه أودع فيه دراسة دقيقة للشعر الجاهلى صحيحه ومصنوعه. أما كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة فربما كان خير ما فيه مقدمته التى يحاول أن يربط فيها شعراء عصره بالمثل الجاهلية القديمة، أما بعد ذلك فالكتاب فقير فى تراجمه وما يطوى فيها من أخبار وأشعار غير مسندة إلى رواتها. وهناك كتب أدب ألفت فى البصرة مثل البيان والتبيين والحيوان للجاحظ والكامل للمبرد، ومن الخير أن نرد ما بها من شعر إلى روايات بصرية صحيحة، حتى نكون أكثر طمأنينة. ويجرى مجراها ما فى أمالى اليزيدى ومجالس ثعلب من أشعار وينبغى أن نتلقى كتب الأدب البغدادية مثل عيون الأخبار لابن قتيبة بحذر، مثلها أمالى أبى على القالى ففيها انتحال كثير. ومن المختصرات التى تفيد فى المراجعة كتاب المؤتلف والمختلف للآمدى ومعجم الشعراء للمرزبانى وكتابه الموشّح نفيس فى التعرف على كثير مما وضع على الشعراء الجاهليين. وهناك أشعار جاهلية كثيرة فى كتب النقد مثل نقد الشعر لقدامة والصناعتين لأبى هلال العسكرى والوساطة بين المتنبى وخصومه للجرجانى والعمدة لابن رشيق، ومثلها مثل الشواهد المبثوثة فى كتب اللغة والنحو ينبغى التوثق منها بالرجوع إلى المصادر الأصلية الوثيقة. أما ما جاء فى كتب السير والأخبار والتاريخ كسيرة ابن هشام وتاريخ الطبرى ومغازى الواقدى فينبغى أن نرفضه إلا أن تدعمه روايات صحيحة. وإذا كنا فقدنا كثيرا من الدواوين المفردة ودواوين القبائل وما كان بها من

стр. 178

أخبار وأشعار فإن كثيرا من ذلك احتفظ به أبو الفرج الأصبهانى فى كتابه الأغانى الذى ترجم فيه للشعراء من القرن السادس إلى القرن التاسع للميلاد ترجمات غنية، سجل فيها كثيرا من المادة التى فقدت، وكان له ذوق عالم ناقد بصير، فساق من الكتب التى سبقته أطرف ما فيها من أخبار وأشعار، ولم يسقها مفردة، بل ساقها بأسانيدها التى ترجع بها إلى مصادرها ورواتها الأوائل مثل الأصمعى وأبى عبيدة وابن الأعرابى وأبى عمرو الشيبانى والهيثم بن عدى وخالد بن كلثوم وابن الكلبى وأضرابهم ومن خلفوهم من جلة الرواة والمصنفين. وإذا تعددت الروايات فى الخبر ذكرها جميعا، وكثيرا ما يقف ليفحص ما ينقله، فيرفض رواية لأن راويها ابن الكلبى أو ابن خرداذبة أو غيرهما من المتهمين. وقد يشك فى مقطوعة أو قصيدة تنسب لشاعر من الشعراء، فيرجع إلى ديوانه فى رواياته المختلفة، وينص على أنه وجدها أو لم يجدها، وقد يعرض الخبر على التاريخ ليتوثق منه. وفى تضاعيف ذلك يسوق آراء الرواة والنقاد فى الشعراء وشعرهم. والحق أنه أكبر مصدر لتاريخ الشعر الجاهلى وأصحابه، فإذا أضفنا له الأصمعيات والمفضليات وديوان هذيل وما صح من الدواوين المفردة كنا أمام مادة خصبة للبحث والدراسة فى الجاهليين وأشعارهم وأخبارهم. ومن الكتب المتأخرة التى احتفظت ببعض ما فقد من الروايات والمصنفات القديمة خزانة الأدب للبغدادى المتوفى سنة ١٠٩٣ للهجرة، وهو شرح على شواهد الرضى شارح كتاب الكافية لابن الحاجب، وفيه تراجم دقيقة لبعض الجاهليين وملاحظات على بعض أشعارهم من حيث الانتحال والصحة. ومثله فى هذا الاتجاه شرح السيوطى على شواهد المغنى لابن هشام.

стр. 179

الفصل السادس خصائص الشعر الجاهلى ١ - نشأة الشعر الجاهلى وتفاوته فى القبائل لا ريب فى أن المراحل التى قطعها الشعر العربى حتى استوى فى صورته الجاهلية غامضة، فليس بين أيدينا أشعار تصور أطواره الأولى، إنما بين أيدينا هذه الصورة التامة لقصائده بتقاليدها الفنية المعقدة فى الوزن والقافية وفى المعانى والموضوعات وفى الأساليب والصياغات المحكمة، وهى تقاليد تلقى ستارا صفيقا بيننا وبين طفولة هذا الشعر ونشأته الأولى فلا نكاد نعرف من ذلك شيئا. وحاول ابن سلام أن يرفع جانبا من هذا الستار فعقد فصلا (١) تحدث فيه عن أوائل الشعراء الجاهليين، وتأثر به ابن قتيبة فى مقدمة كتابه الشعر والشعراء، فعرض هو الآخر لهؤلاء الأوائل، وهم عندهما جميعا أوائل الحقبة الجاهلية المكتملة الخلق والبناء فى صياغة القصيدة العربية، وكأن الأوائل الذين أنشأوا هذه القصيدة فى الزمن الأقدم ونهجوا لها سننها طواهم الزمان. وفى ديوان امرئ القيس (٢). عوجا على الطّلل المحيل لأننا ... نبكى الديار كما بكى ابن خذام ولا نعرف من أمر ابن خذام هذا شيئا سوى تلك الإشارة التى قد تدل على أنه أول من بكى الديار ووقف فى الأطلال. وتتراءى لنا مطولات الشعر الجاهلى فى نظام معين من المعانى والموضوعات، إذ نرى أصحابها يفتتحونها غالبا بوصف الأطلال وبكاء آثار الديار، ثم يصفون رحلاتهم فى الصحراء وما يركبونه من إبل وخيل، وكثيرا ما يشبهون الناقة فى

стр. 180

سرعتها ببعض الحيوانات الوحشية، ويمصون فى تصويرها، ثم يخرجون إلى الغرض من قصيدتهم مديحا أو هجاء وفخرا أو عتابا واعتذارا أو رثاء. وللقصيدة مهما طالت تقليد ثابت فى أوزانها وقوافيها، فهى تتألف من وحدات موسيقية يسمونها الأبيات وتتحد جميع الأبيات فى وزنها وقافيتها وما تنتهى به من روىّ. وتلقانا هذه الصورة التامة الناضجة للقصيدة الجاهلية منذ أقدم نصوصها، وحقّا توجد قصائد يضطرب فيها العروض ولكنها قليلة، من ذلك قصيدة عبيد بن الأبرص الأسدى (١): أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيّات فالذّنوب فهى من مخلّع البسيط، وقلما يخلو بيت منها من حذف فى بعض تفاعيله أو زيادة على نحو ما نرى فى الشطر الأول من هذا المطلع، وعلى غرارها قصيدة تنسب لامرئ القيس مطلعها (٢): عيناك دمعهما سجال ... كأن شأنيهما أوشال ومثلهما فى هذا الاضطراب قصيدة المرقّش الأكبر (٣): هل بالديار أن تجيب صمم ... لو كان رسم ناطقا كلّم فهى من وزن السريع، وخرجت شطور بعض أبياتها على هذا الوزن كالشطر الثانى من هذا البيت: ما ذنبنا فى أن غزا ملك ... من آل جفنة حازم مرغم فإنه من وزن الكامل. وعلى هذه الشاكلة قصيدة عدى بن زيد العبادى (٤): تعرف أمس من لميس الطّلل ... مثل الكتاب الدارس الأحول

стр. 181

فهى من وزن السريع وخرجت بعض شطورها على هذا الوزن كالشطر الثانى من هذا البيت: أنعم صباحا علقم بن عدى ... أثويت اليوم أم ترحل فإنه من وزن المديد. ويماثل هذه القصيدة فى اختلال الوزن قصيدته (١): قد حان أن تصحو أو تقصر ... وقد أتى لما عهدت عصر ومن هذا الباب نونية سلمىّ بن ربيعة التى أنشدها أبو تمام فى الحماسة (٢): إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون فقد لاحظ التبريزى والمرزوقى أنها خارجة عن العروض التى وضعها الخليل. واضطراب هذه القصائد فى أوزانها مما يدل على صحتها وأن أيدى الرواة لم تعبث بها. ومعروف أن الزحافات تكثر فى الشعر الجاهلى، بل فى الشعر العربى بعامة، ومما كان يشيع بينهم الإقواء، وهو اختلاف حركة الروى فى القصيدة كقول امرئ القيس فى معلقته يصف جبل أبان: كأن أبانا فى أفانين ودقه ... كبير أناس فى بجاد مزمّل (٣) فقد ضم اللام فى نهاية البيت، وهى مكسورة فى المعلقة جميعها. وفى رأينا أن احتفاظ الشعر الجاهلى بهذه العيوب العروضية مما يؤكد صحته فى الجملة وأن الرواة لم يصلحوه إصلاحا واسعا، كما يزعم بعض المحدثين. ومهما يكن فليس بين أيدينا أشعار تصور مرحلة غير ناضجة من نظام الوزن والقافية فى الجاهلية، فإن نفس هؤلاء الشعراء الذين رويت عنهم تلك القصائد المضطربة فى وزنها روى عنهم قصائد كثيرة مستقيمة فى وزنها وقوافيها، مما يدل على أن ذلك كان يأتى شذوذا وفى الندرة. وزعم بعض القدماء والمحدثين أن الرجز أقدم أوزان الشعر العربى، وأنه تولد من السجع، مرتبطا بالحداء ووقع أخفاف الإبل

стр. 182

فى أثناء سيرها وسراها فى الصحراء، ومنه تولدت الأوزان الأخرى (١)، غير أن هذا كله مجرد فروض. وكل ما يمكن أن يقال هو أن الرجز كان أكثر أوزان الشعر شيوعا فى الجاهلية، إذ كانوا يرتجلونه فى كل حركة من حركاتهم وكل عمل من أعمالهم فى السلم والحرب، ولكن شيوعه لا يعنى قدمه ولا سبقه للأوزان الأخرى، إنما يعنى أنه كان وزنا شعبيّا لا أقل ولا أكثر. وكان الشعراء الممتازون فى الجاهلية لا ينظمون منه، إنما ينظمون فى الطويل والبسيط والكامل والوافر والسريع والمديد والمنسرح والخفيف والوافر والمتقارب والهزج، وإن كان نظمهم فى الثلاثة الأولى أكثر وأوسع. والحق أنه ليس بين أيدينا شئ من وزن أو غير وزن يدل على طفولة الشعر الجاهلى وحقبه الأولى، وكيف تمّ له تطوره حتى انتهى إلى هذه الصورة النموذجية التى تلقانا منذ أوائل العصر الجاهلى أو بعبارة أخرى منذ أوائل القرن السادس الميلادى. ولم تكن تختص بهذا الشعر فى الجاهلية قبيلة دون غيرها من القبائل الشمالية عدنانية أو قحطانية، وآية ذلك أننا نجد الشعراء موزعين عليها، فمنهم من ينسب إلى القبائل القحطانية مثل امرئ القيس الكندى وعدىّ بن رعلاء الغسانى (٢) والحارث بن وعلة الجرمىّ القضاعى (٣) ومالك بن حريم الهمدانىّ (٤) وعبد يغوث الحارثى النّجرانى (٥) والشّنفرى الأزدى (٦) وعمرو بن معد يكرب المذحجى (٧)، أما من ينسبون إلى مضر وربيعة فأكثر من أن نسميهم، وعلى شاكلتهم من ينسبون إلى الأوس والخزرج القحطانيين فى المدينة. ونحن لا نستطيع أن نحصى من جرى لسانهم بالشعر حينئذ، فقد كانوا كثيرين، وكانت تشركهم فيه النساء مثل الخنساء، وكان ينظمه سادتهم وصعاليكهم. ويخيل إلى الإنسان أن الشعر لم يكن يستعصى على أحد منهم، وعدّ ابن سلام فى طبقاته أربعين من فحولهم وفحول المخضرمين وقد جعلهم فى عشر طبقات وجعل فى كل طبقة أربعة، وأضاف إليهم

стр. 183

أربعة من أصحاب المراثى كما أضاف تسعة فى مكة وخمسة فى المدينة وخمسة فى الطائف وثلاثة فى البحرين، وعدّ لليهود ثمانية. ومن يرجع إلى هؤلاء الشعراء يجد بينهم البدوى والحضرى كما يجد بين البدو اليمنى والرّبعى والمضرى. وترجم أبو الفرج فى الأغانى لكثيرين منهم، وتراجمه هو الآخر إنما تقف عند مقدّميهم الذين دوّت شهرتهم، ووراءهم كثيرون لم يترجم لهم، يعدون بالمئات على نحو ما يصور لنا ذلك المؤتلف والمختلف للآمدى ومعجم الشعراء للمرزبانى. ومن غير شك سقط من ذاكرة الرواة أسماء كثيرين لم يسجلوهم، ويشهد لذلك قول ابن قتيبة: «والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم فى الجاهلية والإسلام أكثر من أن يحيط بهم محيط أو يقف من وراء عددهم واقف، ولو أنفد عمره فى التنقير عنهم واستفرغ مجهوده فى البحث والسؤال، ولا أحسب أحدا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعر إلا عرفه ولا قصيدة إلا رواها» (١). ومن يقرأ فى كتاب المؤتلف والمختلف للآمدى يجده يقول كثيرا إن شاعرا بعينه لم يجد له شعرا ولا ذكرا فى ديوان قبيلته (٢). فدواوين القبائل لم تستقص هؤلاء الشعراء استقصاء دقيقا. والذى لا ريب فيه أن حظ القبائل المضرية من هذا الشعر الجاهلى كان أوفر من حظ القبائل الرّبعية والقحطانية، واقرأ فى الأغانى والمفضليات والأصمعيات فستجد لمضر الكثرة الكثيرة من الشعر والشعراء، وهى كثرة يؤيدها تاريخها فى الإسلام، فقد تفوقت القبائل التى نزلت فى العراق على قبائل الشام والأخرى التى نزلت فى مصر وبلاد المغرب والأندلس، لأنها كانت فى جمهورها مضرية بينما كانت تلك فى معظمها قحطانية. وكان حظ القبائل المضرية من الشعر متفاوتا، وكذلك كانت القبائل الربعية والقحطانية، فقبائل كل مجموعة ليست سواء فيه، ومثلها المدن فمكة كانت قليلة الشعر (٣)، وأقل منها نصيبا فيه اليمامة (٤). ووقف الجاحظ فى حيوانه عند جانب من حظوظ القبائل وتفاوتها فى ذلك فقال: «وبنو حنيفة «سكان اليمامة» مع كثرة

стр. 184

عددهم وشدة بأسهم وكثرة وقائعهم وحسد العرب لهم على دارهم، وتخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكرا كلها، ومع ذلك لم نر قبيلة قط أقل شعرا منهم. وفى إخوتهم عجل قصيد ورجز وشعراء ورجّازون. وليس ذلك لمكان الخصب وأنهم أهل مدر وأكّالو تمر، لأن الأوس والخزرج كذلك، وهم فى الشعر كما قد علمت. وكذلك عبد القيس النازلة قرى البحرين، فقد نعرف أن طعامهم أطيب من طعام أهل اليمامة. وثقيف «سكان الطائف» أهل دار ناهيك بها خصبا وطيبا، وهم وإن كان شعرهم أقل فإن ذلك القليل يدل على طبع فى الشعر عجيب. وليس ذلك من قبل رداءة الغذاء، ولا من قلة الخصب الشاغل والغنى عن الناس، وإنما ذلك على قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز. . وبنو الحارث ابن كعب (سكان نجران) قبيل شريف يجرون مجارى ملوك اليمن ومجارى سادات الأعراب أهل نجد، ولم يكن لهم فى الجاهلية كبير حظّ فى الشعر، ولهم فى الإسلام شعراء مفلقون. . وقد يحظى بالشعر ناس ويخرج آخرون، وإن كانوا مثلهم أو فوقهم. . وقد كان فى ولد زرارة (جد بطن من تميم) لصلبه شعر كثير كشعر لقيط وحاجب وغيرهما من ولده. ولم يكن لحذيفة ولا حصن ولا عيينة بن حصن ولا لحمل بن بدر شعر مذكور» (١). ومن المحقق أنه فقد كثير من الشعر الجاهلى، إذ عدت عليه عوادى الرواية وتلك الرحلة الطويلة التى قطعها من الجاهلية إلى عصور التدوين، ويروى عن أبى عمرو بن العلاء أنه كان يقول: «ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير (٢)». ونحن لا نبالغ مبالغة أبى عمرو، فقد بقى منه كثير ألّفت فيه مجلدات ضخام، إذ حافظت القبائل بكل ما استطاعت على قصائده الطوال ومقطعاته القصار وكثير من أبياته المفردة، وما زالت تحافظ عليه، حتى أسلمته إلى أيدى رواة أمناء سجلوه ودونوه.

стр. 185

٢ - الشعر الجاهلى شعر غنائى من المعروف أنه يوجد عند الغربيين منذ اليونان أنواع مختلفة من الشعر، يردها نقادهم إلى أربعة أضرب، شعر قصصى وتعليمى وغنائى وتمثيلى، ويمتاز الضرب الأول بأن قصائده طويلة، فالقصيدة منه تمتد إلى آلاف الأبيات، وتتوالى فيها حلقات من الأحداث تنعقد حول بطل كبير، وقد يوجد بجانبه أبطال، ولكن أدوارهم ثانوية. وهى فى حقيقتها قصة إلا أنها كتبت شعرا، فالتسلسل القصصى فيها دقيق والانتقال بين أجزائها منطقى محكم، وهى قصة تفسح للخيال مجالا واسعا، ولذلك كانت تكثر فيها الأساطير والأمور الخارقة، وكانت الآلهة تظهر فيها عند اليونان بدون انقطاع. وخير ما يمثلها عندهم الإلياذة لهوميروس وقد نقلها إلى العربية منذ فاتحة هذا القرن سليمان البستانى، ولكثير من الأمم القديمة والحديثة قصائد قصصية تشبهها، فللرومان الإنيادة لفرجيل، وللهنود الرامايانا والمهابهاراتا وللفرس الشهنامة للفردوسى وللألمان أنشودة الظلام وللفرنسيين أنشودة رولان. والشاعر فى هذا الضرب القصصى لا يتحدث عن عواطفة وأهوائه، فهو شاعر موضوعى ينكر نفسه، ويتحدث فى قصته عن بطل معتمدا على خياله، ومستمدّا فى أثناء ذلك من تاريخ قومه، وكل ما له أنه يخلق القصة ويرتب لها الأشخاص والأشياء، ويجمع لها المعلومات، ويكوّن من ذلك قصيدته، وعادة ينظمها من وزن واحد لا يخرج عنه. ولم تعرف الجاهلية هذا الضرب من الشعر القصصى، وهى كذلك لم تعرف الضرب الثانى من الشعر التعليمى الذى ينظم فيه الشاعر طائفة من المعارف على نحو ما نعرف عند هزيود الشاعر اليونانى وقصيدته «الأعمال والأيام» التى يصور فيها فصول السنة والحياة الريفية، وعند هو راس الشاعر الرومانى فى قصيدته «فن الشعر» التى نظمها فى قواعد الشعر ونقده، وكما هو معروف عن أبان بن عبد الحميد شاعر البرامكة فى قصيدته التى نظم فيها أحكام الصوم والزكاة. وكذلك لم يعرف الجاهليون الشعر التمثيلى الذى يعتمد على مسرح وعلى حركة وعمل معقد وحوار طويل بين الأشخاص، تتخلله مشاهد ومناظر مختلفة.

стр. 186

فهذه الضروب الثلاثة من الشعر لم يعرفها الجاهليون، فشعرهم منظومات قصيرة قلما تجاوزت مائة بيت، وهو شعر ذاتى يمثل صاحبه وأهواءه، على حين الضروب السابقة جميعا موضوعية، فالشاعر فيها لا يتحدث عن مشاعره وأحاسيسه إنما يتحدث عن أشياء خارجة عنه، سواء حين يقص أو حين يعلّم أو حين يمثّل، فهو فى كل ذلك يغفل نفسه ولا يقف عندها، إنما يقف عند جانب قصصى تاريخى يحكيه أو علمى تهذيبى يرويه أو تمثيلى مسرحى يؤديه، متجردا عن شخصه وما يتصل بذاته وأهوائه وعواطفه. ولكن إذا كان الشعر الجاهلى يختلف عن ضروب الشعر الغربية القصصية والتعليمية والتمثيلية، فإنه يقترب من الضرب الرابع الغنائى، لأنه يجول مثله فى مشاعر الشاعر وعواطفه، ويصوره فرحا أو حزينا. وقد وجد من قديم عند اليونان، إذ عرفوا المدح والهجاء والغزل ووصف الطبيعة والرثاء، وكان يصحب عندهم بآلة موسيقية يعزف عليها تسمى (لير (Lyre ومن ثم سموه (Lyric) أى غنائى. وإذن فنحن لا نبعد حين نزعم أن الشعر الجاهلى جميعه غنائى، إذ يماثل الشعر الغنائى الغربى من حيث إنه ذاتى يصور نفسية الفرد وما يختلجه من عواطف وأحاسيس، سواء حين يتحمس الشاعر ويفخر أو حين يمدح ويهجو أو حين يتغزل أو يرثى أو حين يعتذر ويعاتب، أو حين يصف أى شئ مما ينبثّ حوله فى جزيرته. وليس هذا فحسب، فهو يماثل الأصول اليونانية للشعر الغنائى الغربى من حيث إنه كان يغنى غناء، ويظهر أن الشعراء أنفسهم كانوا يغنون فيه، فهم يروون أن المهلهل غنىّ فى قصيدته: طفلة ما ابنة المحلّل بيضا ... ء لعوب لذيذة فى العناق (١) ومعنى ذلك أن الشعر الجاهلى ارتبط بالغناء عند أقدم شعرائه. ومن حين إلى حين نجد أبا الفرج الأصبهانى يشير إلى أن شاعرا جاهليّا تغنى ببعض شعره من مثل السّليك بن السّلكة (٢) وعلقمة بن عبدة الفحل والأعشى، وكان يوقّع

стр. 187

شعره على الآلة الموسيقية المعروفة باسم الصّنج، ولعله من أجل ذلك سمى صنّاجة العرب (١). ويقول أبو النجم فى وصف قينة (٢): تغنّى فإن اليوم يوم من الصّبا ... ببعض الذى غنّى امرؤ القيس أو عمرو وهو يقصد بعمرو، عمرو بن قميئة. ويقول حسان بن ثابت (٣): تغنّ بالشعر إمّا كنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار فالغناء كان أساس تعلم الشعر عندهم، ولعلهم من أجل ذلك عبروا عن إلقائه بالإنشاد، ومنه الحداء الذى كانوا يحدون به فى أسفارهم وراء إبلهم، وكان غناء شعبيّا عامّا. ويقترن هذا الغناء عندهم بذكر أدوات موسيقية مختلفة كالمزهر والدف وكانا من جلد وكالصّنج ولعله هو نفسه الآلة الفارسية المعروفة باسم الجنك، وكالبربط وهو آلة موسيقية وترية شاعت فى بلاد الإغريق، ويقص علينا علقمة بن عبدة أنه وفد على بلاط الغساسنة فاستمع عندهم إلى قيان بيزنطيات يضر بن على البرابط (٤) وكانوا كذلك فى الحيرة يستمعون إلى القيان وهن يضربن على الآلات الموسيقية الفارسية. وأدخلوا كثيرا من هؤلاء القيان إلى جزيرتهم من مثل خليدة وهريرة فى اليمامة (٥) والأخيرة هى صاحبة الأعشى التى ذكرها فى معلقته. ويروى الرواة أنه كان بمكة قينتان لعبد الله بن جدعان جلبهما من بلاد الفرس وكانتا تغنيان الناس (٦) وفى أخبار غزوة بدر أنه لما نصح أبو سفيان قريشا أن تعود قبل أن يوقع الرسول ﵇ بها قال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم عليه ثلاثا وننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقى الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب (٧). وفى السيرة النبوية أن الرسول أمر يوم فتح مكة بقتل رجل يسمى ابن خطل كان مسلما ثم ارتد وهرب إلى مكة، وكان له قينتان تغنيانه بهجاء الرسول، فأمر بقتلهما، فقتلت

стр. 188

إحداهما، وفرّت الأخرى (١). ومر بنا أن أهل يثرب حين وفد عليهما النابغة أمروا إحدى القيان أن تغنى بشعر له فيه إقواء، حتى يقف على ما فيه من عيب (٢). ويكثر ذكر هؤلاء القيان فى شعر الشعراء كما يكثر ذكر ما كنّ يضر بن عليه من آلات الطرب، كقول علقمة فى ميميته (٣): قد أشهد الشّرب فيهم مزهر رنم ... والقوم تصرعهم صهباء خرطوم ويقول الأعشى فى معلقته: ومستجيب تخال الصّنج يسمعه ... إذا ترجّع فيه القينة الفضل (٤) ولطرفة فى معلقته وصف طويل لإحدى هؤلاء القيان. ولعل فى ذلك كله ما يدل على أن الغناء فى الجاهلية تأثر بعناصر أجنبية كثيرة. وكان نساؤهم يؤلفن ما يشبه الجوقات ويتغنين فى حفلاتهم لاعبات على المزاهر (٥)، وفى الطبرى أن النبى ﷺ سمع ذات يوم عزفا بالدفوف والمزامير، فسأل عنه، فعرف أنه عرس (٦)، وأكبر الظن أنهن كن يقرنّ هذا العزف بأناشيد كأناشيد الزفاف المعروفة عند اليونان والرومان. وكن يؤلفن فى الحروب جوقة كبيرة تحمّس وتثير، ففى الطبرى والأغانى أن هندا بنت عتبة ونسوة من قريش كن يضربن على الدفوف فى غزوة أحد وكانت هند تغنى فى تضاعيف هذا العزف بمقطوعات على شاكلة قولها (٧): إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النّمارق (٨) أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق (٩)

стр. 189

وبجانب هذا الغناء العام كان عندهم غناء دينى يرتلونه فى أعيادهم الدينية، على نحو ما مر بنا من تلبياتهم، فكانوا يرددون مثل «أشرق ثبير كيما نغير». وكانوا فى أثناء تقديم ذبائحهم وصبّ دمائها على الأنصاب المقدسة عندهم يتغنون غناء لعله هو أصل غناء النّصب الذى شاع بينهم فى الجاهلية. وربما كان فى اسم الداجنة والمدجنة، وهى القينة تغنى فى الدّجن وحين ظهور الغيم فى صفحة السماء (١) ما يدل على أنهم كانوا إذا عزّهم المطر وغلبهم الجدب توجهوا بالغناء إلى آلهة الغيث والخصب. ومعنى كل ما قدمنا أن الشعر فى الجاهلية كان يصحب بالغناء والموسيقى، فهو شعر غنائى تام، ويظهر أن الغناء لم يكن ساذجا حينذاك، فقد عرفوا منه ضروبا مختلفة، يقول إسحق الموصلى: «غناء العرب قديما على ثلاثة أوجه: النّصب والسّناد والهزج، فأما النصب فغناء الركبان والقينات وهو الذى يستعمل فى المراثى، وكله يخرج من أصل الطويل فى العروض، وأما السناد فالثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات، وأما الهزج فالخفيف الذى يرقص عليه ويمشى بالدفّ والمزمار فيطرب ويستخف الحليم. هذا كان غناء العرب قديما، حتى جاء الله بالإسلام وفتحت العراق وجلب الغناء الرقيق من فارس والروم وتغنوا الغناء المجزّأ المؤلف بالفارسية والرومية وغنّوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير» (٢). ولعل فى اقتران النصب بالمراثى ما يدل على ما قلناه من أنه كان غناء دينيّا، فهم يتغنون به فى الموت، أما السناد فلعله الغناء الذى كان يقترن ببعض الآلات الموسيقية، وأما الهزج فغناء خفيف كان يقترن بالرقص والدف والمزامير، وهو غناء حفلاتهم، ولعلهم كانوا يؤثرون فيه الوزن الذى يساعد على الحركة المعروف باسمه بين أوزان الشعر وهو وزن الهزج، كما كانوا يستخدمون فيه الرّمل والرجز ليطابق الشعر ما يريدون من رقص وسرعة فى الحركة. وعلى هذا النحو نظم شعراء الجاهلية شعرهم فى جو غنائى مشبه لنفس الجو الذى نظم فيه اليونان شعرهم الغنائى فقد كان الشاعر يغنى شعره، وقد يوقّع هذا الغناء على

стр. 190

بعض الآلات الموسيقية. وقد يقوم له بالغناء فى شعره قيان وجوقات مختلفة ترقص وتعزف فى أثنائه. ويظهر أن الشعر أخذ فى أواخر هذا العصر يستقل عن الغناء والموسيقى، فكان بعض الشعراء لا يغنيه، وإنما ينشده إنشادا، والإنشاد مرتبة وسطى بين الغناء والقراءة. ونحن إذا رجعنا إلى هذا الشعر وجدنا بقايا الغناء والموسيقى ظاهرة فيه ظهورا بينا، ولعل القافية هى أهم هذه البقايا التى احتفظ بها، فهى بقية العزف فيه ورمز ما كان يصحبه من قرع الطبول ونقر الدفوف. ومثلها التصريع فى مطالع القصائد وما كان يعمد إليه الشعراء أحيانا من تقطيع صوتى لأبياتهم كقول امرئ القيس فى معلقته يصف الفرس: مكرّ، مفرّ، مقبل، مدبر، معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل ويكثر هذا التقطيع فى أشعارهم، ومن يرجع إلى معلقة لبيد التى يستهلها بقوله: عفت الديار محلّها فمقامها ... بمنى تأيّد غولها فرجامها يجده على شاكلة هذا المطلع يلائم كثيرا بين الكلمتين الأخيرتين، وكأن للبيت قافيتين: داخلية، وخارجية، وكأنه يريد أن يهيئ لنفسه أو لمن يتغنى بقصيدته أن يرتفع بصوته فى كلمتين متتاليتين. ولا نشك فى أن صور الأوزان المتنوعة التى يمتاز بها الشعر الجاهلى إنما حدثت بتأثير هذا الغناء، وقد نفذوا منه إلى ضروب من التجزئة فى بعض الأوزان، كمجزوء الكامل والمديد، بل نفذوا إلى أوزان خفيفة كثيرة كالمتقارب والرمل والهزج. وبدون ريب إنما كثرت التجزئة والتعديل فى الرجز لأنه كان وزنا شعبيّا وكان كثير الدوران فى حدائهم وفى كل ما يتصل بهم من حركة وعمل كحفر الآبار والمتح منها ومبارزة الأقران واستصراخ العشائر، فكثر فيه الحذف وكثر التحريف والتعديل كثرة مفرطة، حتى زعم الخليل أنه ليس من أوزان الشعر (١)، وهو شعر غير أن التغنى به نغنيا كثيرا حداء وغير حداء أحدث فيه تغيرات شتى.

стр. 191

٣ - الموضوعات لعل أقدم من حاول تقسيم الشعر العربى جاهليّا وغير جاهلى إلى موضوعات ألّف فيها ديوانا هو أبو تمام المتوفى حوالى سنة ٢٣٢ للهجرة، فقد نظمه فى عشرة موضوعات، هى الحماسة، والمراثى، والأدب، والنسيب، والهجاء، والأضياف ومعهم المديح، والصفات، والسير، والنعاس، والملح، ومذمة النساء. وهى موضوعات يتداخل بعضها فى بعض فالحديث عن الأضياف إما أن يدخل فى المديح أو فى الحماسة والفخر، والسير والنعاس يدخلان فى الصفات، كما تدخل مذمة النساء فى الهجاء، أما الملح فغير واضحة الدلالة. وجاء فى باب الأدب بما يدل على أنه يقصد به المعنى التهذيبى، غير أنه أنشد فيه أبياتا فى وصف الخمر، وأغفل إغفالا تامّا باب العتاب والاعتذار. ووزّع قدامة فى كتابه نقد الشعر هذا الفن على ستة موضوعات، هى المديح والهجاء والنسيب والمراثى والوصف والتشبيه وحاول بعقله المنطقى أن يرد الشعر إلى بابين أو موضوعين هما المدح والهجاء. فالنسيب مديح وكذلك المراثى، ومضى يعين المعانى التى يدور حولها المديح، وهى فى رأيه الفضائل النفسية. ونجد نفس المحاولة فى تضييق موضوعات الشعر واضحة فى كتاب نقد النثر، فهو مديح وهجاء وحكمة ولهو، ويدخل فى المديح المراثى والافتخار والشكر واللطف فى المسألة ويدخل فى الهجاء الذم والعتاب والاستبطاء والتأنيب. كما يدخل فى الحكمة الأمثال والزهد والمواعظ، أما اللهو فيدخل فيه الغزل والطّرد وصنعة الخمر والمجون. وجعل ابن رشيق موضوعات الشعر فى كتابه العمدة تسعة، وهى النسيب، والمديح، والافتخار، والرثاء، والاقتضاء والاستنجاز، والعتاب، والوعيد والإنذار، والهجاء، والاعتذار. ومن السهل أن يردّ موضوع الاقتضاء والاستنجاز إلى المديح، والوعيد والإنذار إلى الهجاء، وأن يضم العتاب إلى الاعتذار، وأيضا فإنه نسى موضوع الوصف. ويقول أبو هلال العسكرى: «وإنما كانت أقسام الشعر فى الجاهلية خمسة: المديح والهجاء والوصف والتشبيه والمراثى، حتى زاد النابغة فيها قسما

стр. 192

سادسا وهو الاعتذار فأحسن فيه (١)» وهو تقسيم جيد غير أنه نسى باب الحماسة، وهو أكثر موضوعات الشعر دورانا على لسانهم. ولا نستطيع أن نرتب هذه الموضوعات فى الشعر الجاهلى ترتيبا تاريخيّا، ولا أن نعرف كيف نشأت وتطورت، فإن الأصول الأولى لهذا الشعر انطمرت كما قدمنا فى ثنايا الزمن، وإن كنا نستطيع أن نظن ظنّا أنها تطورت من أناشيد دينية كانوا يتجهون بها إلى آلهتهم؛ يستعينون بها على حياتهم فتارة يطلبون منها القضاء على خصومهم، وتارة يطلبون منها نصرتهم ونصرة أبطالهم، ومن ثم نشأ هجاء أعدائهم ومدح فرسانهم وسادتهم، كما نشأ شعر الرثاء وهو فى أصله تعويذات للميت حتى يطمئن فى قبره، وفى أثناء ذلك كانوا يمجدون قوى الطبيعة المقدسة التى تكمن فيها آلهتهم والتى تبعث فيهم الخوف، ومعنى هذا كله أن موضوعات الشعر الجاهلى تطورت من أدعية وتعويذات وابتهالات للآلهة إلى موضوعات مستقلة (٢). ويظهر أنه كانت لا تزال فى نفوسهم بقية من هذه الصلة القديمة بين الشعر ودعاء الآلهة، يدل على ذلك أكبر الدلالة ما جاء فى القرآن الكريم من كثرة الربط بين الشعر والسحر وتعاويذ الكهنة فقد كانوا يرمون الرسول فى بدء دعوته تارة بأنه شاعر وتارة ثانية بأنه كاهن وتارة ثالثة بأنه ساحر ﴿(وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ)﴾ وردّ عليهم القرآن دعواهم الكاذبة مرارا فى مثل: ﴿(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ)﴾ ومثل: ﴿(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ).﴾ ويقول جلّ وعز فى سورة الشعراء: ﴿(وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ)﴾ وبعد ذلك: ﴿(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ، تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ، وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَاِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)﴾. وواضح أن القرآن الكريم يحكى على ألسنتهم ما كانوا يؤمنون به من العلاقة بين

стр. 193

الشعر والكهانة والسحر، وكانوا يزعمون أن الشياطين تنزل على الشعراء كما تنزل على الكهان. وزعموا أن الأعشى كان له شيطان ينفث فى وعيه الشعر يسمّى مسحلا وأن شاعرا كان يهاجيه يسمى عمرو بن قطن، كانت له تابعة من الجن اسمها جهنّام (١). وظل بعض الشعراء فى الإسلام يزعم أن له تابعا من الجن، ويؤكد الأسطورة أبو النجم فيزعم أن لكل شاعر شيطانا إما أنثى وإما ذكرا، يقول (٢): إنى وكلّ شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطانى ذكر وفى أخبارهم أن الشاعر كان إذا أراد الهجاء لبس حلّة خاصة، ولعلها كحلل الكهان. وحلق رأسه وترك له ذؤابتين ودهن أحد شقى رأسه وانتعل نعلا واحدة (٣) ونحن نعرف أن حلق الرأس كان من سنهم فى الحج، وكأن شاعر الهجاء كان يتخذ نفس الشعائر التى يصنعها فى حجه وأثناء دعائه لربه أو لأربابه، حتى تصيب لعنات هجائه خصومه بكل ما يمكن من ألوان الأذى وضروب النحس المستمر. فالهجاء فى الجاهلية كان لا يزال يقرن بما كانت تقرن به لعناتهم الدينية الأولى من شعائر، ولعلهم من أجل ذلك كانوا يتطيرون منه ويتشاءمون ويحاولون التخلص من أذاه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ونحن نعرف أن الغزو والنهب كان دائرا بينهم، غير أن المغيرين إن أغاروا ونهبوا إبلا بينها إبل لشاعر، وتعرض لهم يتوعدهم بالهجاء اضطرّوا اضطرارا إلى ردها أو على الأقل يردون ماله هو وإبله. يروى الرواة أن الحارث بن ورقاء الأسدى أغار على عشيرة زهير، واستاق فيما استاق إبلا له وغلاما، فنظم زهير أبياتا يتوعده بالهجاء المقذع، يقول فيها (٤): ليأتينّك منى منطق قذع ... باق كما دنّس القبطيّة الودك

стр. 194

ففزع الحارث ورد عليه ما سلبه منه (١). وواضح أن زهيرا يستخدم فى وصف هجائه المنتظر كلمة الدنس، فهو سيلحق به عن طريق هجائه الرّجس والإثم. ويروى أن رجلا يسمى زرعة بن ثوب من بنى عبد الله بن غطفان خدع غلاما من عشيرة مزّرد بن ضرار الشاعر يسمى خالدا كان يرعى إبلا لأبويه فاشتراها منه بغنم واستاقها، ورجع الغلام إلى أبويه فأخبرهما بما فعل، فقال أبوه: هلكت والله وأهلكتنا، وركب إلى مزرّد وقصّ عليه القصة، فقال مزرّد: أنا ضامن لك أن تردّ عليك بأعيانها، وأنشأ قصيدة طويلة يتوعد فيها زرعة، ويطلب إليه أن يرد الإبل، ونراه يعوّذها بهجائه، فهى إن لم ترد ستكون نارا تأتى على الأخضر واليابس عند زرعة وقومه وسيصيبها الجرب والأمراض المستعصية، يقول (٢): فيا آل ثوب إنما ذود خالد ... كنار اللّظى، لا خير فى ذود خالد (٣) بهن دروء من نحاز وغدّة ... لها ذربات كالثّدىّ النواهد (٤) جربن فما يهنأن إلا بغلقة ... عطين وأبوال النساء القواعد (٥) وقد تحولوا يصبّون أهاجيهم ولعناتهم على خصومهم هم وعشائرهم، فلم يسلم منها أحد من أشرافهم، يقول الجاحظ: «وإذا بلغ السيد فى السؤدد الكمال حسده من الأشراف من يظن أنه الأحق به، وفخرت به عشيرته فلا يزال سفيه من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعه على مرتبة سيد عشيرته فهجاه، ومن طلب عيبا وجده فإن لم يجد عيبا وجد بعض ما إذا ذكره وجد من يغلط فيه ويحمله عنه. ولذلك هجى حصن بن حذيفة، وهجى زرارة بن عدس وهجى عبد الله بن جدعان وهجى حاجب بن زرارة. وإنما ذكرت لك هؤلاء لأنهم من سؤددهم وطاعة القبيلة لهم لم يذهبوا فيمن تحت أيديهم من قومهم ومن حلفائهم وجيرانهم مذهب كليب بن ربيعة ولا مذهب حذيفة بن بدر ولا مذهب عيينة بن حصن ولا مذهب لقيط بن زرارة. . فإن هؤلاء وإن كانوا سادة فقد كانوا يظلمون (٦)» وبمقدار ما

стр. 195

كان فى القبيلة من شرف وأشراف كان هجاؤها عندهم، إذ كانوا لا يزالون يتعرضون لها ولأشرافها بأقبح الهجاء وأقذعه، يقول الجاحظ أيضا: «إذ استوى القبيلان فى تقادم الميلاد، ثم كان أحد الأبوين كثير الذّرء (النسل) والفرسان والحكماء والأجواد والشعراء، وكثير السادات فى العشائر وكثير الرؤساء فى الأرحاء (القبائل الكبيرة) وكان الآخر قليل الذّرء والعدد ولم يكن فيهم خير كثير ولا شر كثير خملوا أو دخلوا فى غمار العرب وغرقوا فى معظم الناس وكانوا من المغمورين ومن المنسيين فسلموا من ضروب الهجاء. . وسلموا من أن يضرب بهم المثل فى قلة ونذالة، إذ لم يكن (منهم) شر وكان محلهم من القلوب محل من لا يغيظ الشعراء ولا يحسدهم الأكفاء. . وإذا تقادم الميلاد. . . وكان فيهم خير كثير وشر كثير ومثالب ومناقب لم يسلموا من أن يهجوا ويضرب بهم المثل. ولعل أيضا أن تنفق لهم أشعار تتصل بمحبة الرواة وأمثال تسير على ألسنة العلماء. فيصير حينئذ من لا خير فيه ولا شر أمثل حالا فى العامة ممن فيه الفضل الكثير وبعض النقص ولا سيما إذا جاوروا من يأكلهم وحالفوا من لا ينصفهم كما لقيت غنىّ أو باهلة. . فمن القبائل المتقادمة الميلاد التى فى شطرها خير كثير وفى الشطر الآخر شرف وضعة مثل قبائل غطفان وقيس عيلان ومثل فزارة ومرّة وثعلبة ومثل عبس وعبد الله بن غطفان ثم غنىّ وباهلة واليعسوب والطفاوة، فالشرف والخطر فى عبس وذبيان، والمبتلى والملقى والمحروم والمظلوم مثل باهلة وغنىّ مما لقيت من صوائب سهام الشعراء وحتى كأنهم آلة لمدارج الأقوام ينكبّ فيها كل ساع ويعثر بها كل ماش. وربما ذكروا اليعسوب والطفاوة وهاربة البقعاء (من ذبيان) وأشجع الخنثى ببعض الذكر. . وجلّ معظم البلاء لم يقع إلا بغنى وباهلة وهم أرفع من هؤلاء وأكثر فضولا ومناقب. حتى صار من لا خير فيه ولا شر عنده أحسن حالا ممن فيه الخير الكثير وبعض الشر. . ومن هذا الضرب تميم بن مرّ وثور وعكل وتيم ومزينة، ففى عكل وتيم ومزينة من الشرف والفضل ما ليس فى ثور، وقد سلمت ثور إلا من الشئ اليسير، مما لا يرويه إلا العلماء، والتحف الهجاء على عكل وتيم. وقد شعّثوا بين مزينة شيئا. . وقد نالوا من ضبّة مع ما فى ضبة من الخصال الشريفة. . ولأمر ما بكت العرب بالدموع الغزار من وقع الهجاء. كما بكى مخارق بن شهاب وكما بكى

стр. 196

علقمة بن علائة وكما بكى عبد الله بن جدعان من بيت لخداش بن زهير» (١) وفى السيرة النبوية أن الرسول ﷺ طلب إلى شعراء المدينة أن يعينوه بأهاجيهم فى قريش، ويروى أنه قال لحسان بن ثابت، وقد أخذ فى هجاء القرشيين: «لشعرك أشد عليهم من وقع النّبل» وفى ذلك ما يصور مدى أثر الهجاء فى نفوس العرب، فقد كان سلاحا لا يقل عن أسلحتهم فى القتال، ولذلك قرنه عبد قيس ابن خفاف البرجمى إلى ما يلقى به أعداءه من سيف ورمح ودرع، يقول (٢): فأصبحت أعددت للنائبا ... ت عرضا بريئا وعضبا صقيلا (٣) ووقع لسان كحد السّنان ... ورمحا طويل القناة عسولا (٤) وسابغة من جياد الدّرو ... ع تسمع للسيف فيها صليلا كماء الغدير زفته الدّبور ... يجرّ المدجّج منها فضولا (٥) فاللسان كان ينكأ بهجائه فى الأعداء نكأ السيوف والرماح. ويخيل إلى الإنسان كأنما تراصّ شعراء القبائل بجانب فرسانها وشجعانها فى صفوف، وقد أخذ كل منهم يريش سهام هجائه ويرمى بها أعداءه من الأشراف والقبائل، وكل يحاول أن يكون سهمه أنفذ السهام وأصماها. حتى لا تقوم للشريف وقبيلته قائمة. وكانوا ينتهزون فرصة تلاقيهم فى الأسواق وخاصة سوق عكاظ، فينشدون أهاجيهم لتذيع، وليلحقوا بخصومهم كل ما يريدون من خزى وعار، وفى ذلك يقول راشد بن شهاب اليشكرى لقيس بن مسعود الشيبانى (٦): ولا توعدنّى إننى إن تلاقنى ... معى مشرفىّ فى مضاربه قضم (٧) وذمّ يغشّى المرء خزيا ورهطه ... لدى السّرحة العشّاء فى ظلها الأدم (٨) وهو يشير إلى سرحة أو شجرة عظيمة كانت بعكاظ، حيث تقام السوق

стр. 197

الكبيرة هناك ويضرب العرب قباب الأدم، وتجتمع العشائر من أنحاء الجزيرة ومعها شعراؤها وما يحملون فى حجورهم من حجارة الهجاء. ودار هجاؤهم على كل ما يناقض مثلهم التى صورناها فى غير هذا الموضع، وقد قلنا إنه كانت تجمعها كلمة المروءة، وهى تعنى عندهم فضائلهم من الشجاعة والكرم وحماية الجار والوفاء والنجدة وطلب الثأر، وما هى إلا أن يدخل الشاعر فى الهجاء فإذا هو يخلّص القبيلة وأشرافها من كل هذه الفضائل وما يتصل بها فهى لا تكرم الجار ولا تحميه، وهى تفرّ فى الحروب وتقعد عن الأخذ بثأرها. ولا يكتفى الشعراء الهجاءون بذلك بل يتعرضون لمخازى القبيلة فى حروبها وأيامها التى ولت على أدبارها فيها منهزمة منكسة الأعلام، واقرأ فى المفضليات قصيدة ربيعة بن مقروم رقم ٣٨ فستراه يذكر أمجاد قبيلته فى أيام بزاخة والنّسار وطخفة والكلاب وذات السّليم، واقرأ قصائد بشر بن أبى خازم الأسدى فى المفضليات أيضا فستجده يفصل الحديث عن حروب قومه مع بنى عامر فى يوم النسار ومعهم ومع أحلافهم من تميم فى يوم الجفار وما أنزلوا بهم من خسائر فى الرجال، وتعرض لانتصاراتهم على كثير من القبائل مثل جرم والرباب وجذام وبنى سليم وبنى كلاب وبنى أشجع ومرة بن ذبيان. ولم يكونوا يقفون عند ذلك، بل كانوا يقذفون فى الأعراض ويطعنون فى الأنساب، متعرضين للأمهات على نحو ما نرى عند الجميح الأسدى فى هجاء بنى عامر وقد غدروا بأسدى منهم وقتلوه فقال يعيرهم بما غدروا، مفدّيا أمهم سلمى استهزاء بهم لما ألحقوا بها من العار، ثم عاد فادّعى عليها البغاء (١): سائل معدّا من الفوارس لا ... أوفوا بجيرانهم ولا غنموا فدى لسلمى ثوباى إذ دنس ال ... قوم وإذ يدسمون ما دسموا (٢) أنتم بنو المرأة التى زعم ال ... نّاس عليها فى الغىّ ما زعموا واسترسل يصمها أبشع الوصم بأبيات ثلاث لا نستطيع التمثل بها لإمعانه فى الفحش. وكثيرا ما يتعرضون لشخص فيزعمون أنه دعىّ فى قومه زنيم. وشاع بينهم هذا الضرب من الوقوع فى الأعراض، مما نجد آثاره فيما بعد عند جرير والفرزدق

стр. 198

فى العصر الإسلامى، وكأنما أصبح همّ الهاجى أن يضرب عدوه الضربة القاضية، حتى لو كان شريفا معروفا بكثرة المناقب كما يلاحظ الجاحظ، بل لكأن مناقبه كانت تؤذيهم، فكانوا يلطخونه بالعار ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ومن ثمّ لا نعجب حين نجد شاعرا يزعم أن النعمان بن المنذر لم يولد لرشدة، فهو ليس سليل المناذرة إنما هو سليل صائغ بالحيرة، يقول فيه عبد قيس بن خفاف البرجمى (١): لعن الله ثم ثنّى بلعن ... ابن ذا الصائغ الظلوم الجهولا يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدوّ فتيلا (٢) وكان النعمان كثير الوقائع فى قبائل العرب وخاصة عبد القيس فتعرض له شاعرها يزيد بن الخذّاق بهجاء كثير يتوعده وينذره ويخيفه، يقول فى بعضه (٣): نعمان إنك خائن خدع ... يخفى ضميرك غير ما تبدى وقصة هجاء المتلمس وطرفة لعمرو بن هند مشهورة ولم يكن جمهور هجائهم يفرد بالقصائد، بل كانوا يسوقونه غالبا فى تضاعيف حماستهم وإشادتهم بأمجادهم وانتصاراتهم الحربية، ولا نبعد إذا قلنا إن الحماسة أهم موضوع استنفد قصائدهم، فقد سعرتهم الحروب، وأمدّها شعراؤهم بوقود جزل من التغنى ببطولتهم وأنهم لا يرهبون الموت، فهم يترامون عليه تحت ظلال السيوف والرماح مدافعين عن شرف قبائلهم وحماها. ويرتفع هذا الغناء بل قل هذا الصياح فى كل مكان، بحيث يخيل إلينا أنه لم يكن هناك صوت سواه، ولعل ذلك ما دفع أبا تمام إلى أن يسمى مجموعته من أشعارهم وأشعار من خلفوهم باسم الحماسة، فهى التى تستنفد أشعارهم وقصيدهم، وهى ديوانهم الذى يسطّر تاريخهم ومناقبهم ومفاخرهم، وهل هناك فخر أعلى من فخر الشجاعة والتنكيل بالأعداء. واقرأ فى المفضليات والأصمعيات فستجد هذا الفخر وما يطوى فيه من حماسة يدور على كل لسان، وستجد الشاعر فيه يتحدث دائما عما تعتز به قبيلته من الأخذ بأوتارها ومن تضيق الخناق على أعدائها، وهو يعدد أيامها مشيدا بحسبها ونسبها وصبرها فى

стр. 199

الملمّات وكرمها فى الجدب وحمايتها للجار وإغاثتها للملهوف. وفى أثناء ذلك يصوّب سهام الهجاء إلى نحور أعدائهم، وكأنه يريد أن يقضى عليهم قضاء مبرما. ونحس فى هذه الحماسة أثر الموجدة الشديدة والحقد البالغ على خصومهم، فهم دائما يتعرضون لهم يهددونهم ويتوعدونهم انتقاما مروّعا، وكان أشد ما يهيجهم أن يقتل منهم قتيل، فحينئذ تهيج القبيلة ويهيج شعراؤها هياجا لا حدّ له، فإذا ثأرت لنفسها وشفت غلّها وحقدها أخذ شعراؤها ينشدون أناشيد النصر من مثل قصيدة دريد بن الصّمّة التى يتغنى فيها بأنه ثأر من قتلة أخيه عبد الله، ومع ذلك لا يزال يتوعدهم، يقول (١): ويا راكبا إما عرضت فبلّغن ... أبا غالب أن قد ثأرنا بغالب (٢) قتلت بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب (٣) فلليوم سمّيتم فزارة فاصبروا ... لوقع القنا تنزون نزو الجنادب (٤) تكرّ عليهم رجلتى وفوارسى ... وأكره فيهم صعدتى غير ناكب (٥) فإن تدبروا يأخذنكم فى ظهوركم ... وإن تقبلوا يأخذنكم فى التّرائب (٦) وإن تسهلوا للخيل تسهل عليكم ... بطعن كإيزاغ المخاض الضوارب (٧) ومرّة قد أخرجنهم فتركنهم ... يروغون بالصّلعاء روغ الثعالب (٨) وأشجع قد أدركنهم فتركنهم ... يخافون خطف الطير من كل جانب وثعلبة الخنثى تركنا شريدهم ... تعلّة لاه فى البلاد ولاعب فليت قبورا بالمخاضة أخبرت ... فتخبرعنا الخضر خضر محارب (٩)

стр. 200

ردسناهم بالخيل حتى تملّأت ... عوافى الضباع والذئاب السّواغب (١) ذرينى أطوّف فى البلاد لعلنى ... ألاقى بإثر ثلّة من محارب (٢) وواضح أنه يتشفى من قتلة أخيه، فقد ظفر مع جمع من قبيلته بأعدائه من فزارة، فأخذتهم سيوفهم من أمام ومن وراء، ومسهلين فى الأرض. ويصور ما لقيته مرّة فى الحرب من بلاء شديد وكيف هربت أشجع وكيف نكلوا ببنى ثعلبة وبنى محارب، حتى شبعت منهم الضباع. ويتهددهم بأنه سيعيد الكرّة عليهم. وفى كل مكان يدوّى مثل هذا النشيد، ومن روائعهم فى هذا الباب معلقة عمرو بن كلثوم، وفيها يصيح بانتصارات قومه وأيامهم المعلمة المشهورة من مثل قوله: متى ننقل إلى قوم رحانا ... يكونوا فى اللّقاء لها طحينا يكون ثفالها شرقىّ نجد ... ولهوتها قضاعة أجمعينا (٣) نطاعن ما تراخى الناس عنا ... ونضرب بالسيوف إذا غشينا بسمر من قنا الخطّىّ لدن ... ذوابل أو ببيض يعتلينا (٤) نشقّ بها رءوس القوم شقّا ... ونخليها الرّقاب فتختلينا كأن جماجم الأبطال فيها ... وسوق بالأماعز يرتمينا (٥) ورثنا المجد قد علمت معدّ ... نطاعن دونه حتى يبينا (٦) ونحن إذا عماد الحىّ خرّت ... على الأحفاض نمنع من يلينا (٧) نجذّ رءوسهم فى غير وتر ... فما يدرون ماذا يتّقونا (٨)

стр. 201

كأن سيوفنا فينا وفيهم ... مخاريق بأيدى لاعبينا (١) كأن ثيابنا منا ومنهم ... خضبن بأرجوان أو طلينا (٢) والمعلقة جميعها صياح شديد على هذا النحو الذى يرفع فيه قبيلته تغلب على كل من حولها فى نجد شرقيها وغربيها، فكل من حدثته نفسه منهم بقتالها كان مصيره الهلاك والدمار، ويقول إن حياتهم سلسلة من الحروب، ويصف أسلحتهم التى يذيقون بها أعداءهم كئوس الموت المرة. ومدّ فخره إلى قبائل معد كلها بما يجذون من رءوس شجعانها، واعترف لأعدائه بشجاعتهم، فالسيوف فى أيديهم وأيدى أعدائهم كأنها مخاريق بأيدى لاعبين، وهم يقتلون فيهم، كما يقتل من قومه، فثيابهم جميعا ملطخة بالدماء. وليس عمرو وحده الذى يصف خصومه بالشجاعة، فهناك كثيرون اشتهروا بهذا الإنصاف، وتسمى قصائدهم المنصفة وفى الأصمعيات أمثلة منها طريفة، من مثل قول المفضّل النّكرى يصف موقعة بين عشيرته من بنى نكرة بن عبد القيس وعشيرة عمرو بن عوف، يقول (٣): كأن هزيزنا يوم التقينا ... هزيز أباءة فيها حريق (٤) وكم من سيد منا ومنهم ... بذى الطّرفاء منطقه شهيق (٥) فأشبعنا السباع وأشبعوها ... فراحت كلها تئق يفوق (٦) فأبكينا نساءهم وأبكوا ... نساء ما يسوغ بهن ريق يجاوبن النّياح بكل فجر ... فقد صحلت من النّوح الحلوق (٧) وطبيعى وهم يصورون هذه الملاحم أن يصفوا أسلحتهم على نحو ما تقدم عند عمرو بن كلثوم، وهناك كثيرون يطيلون فى وصفها ووصف الخيل التى يركبونها فى للقاء. وممن اشتهر بينهم بوصف الأسلحة أوس بن حجر فى لامية له مشهورة أطال بها فى تصوير سيفه ورمحه ودرعه وقوسه، ويلقانا هذا الوصف كثيرا فى المفضليات

стр. 202

والأصمعيات (١)، كما يلقانا معه وصفهم للخيل وكانوا يلقبونها بالأسماء، وممن اشتهر فى هذا الوصف أبو دؤاد الإيادى وزيد الخيل وعمرو بن معد يكرب وغيرهم من فرسانهم المعدودين، وتزخر المفضليات والأصمعيات بهذا الوصف عند من سميناهم وغيرهم. وفى الحق أن هذا اللون من شعرهم ليس شعر قوة وبطولة فحسب، فقد تغنوا فيه بكريم الشيم وكل ما اتخذوه مثلا رفيعا لهم فى حياتهم وسلوكهم، من كرم ووفاء وغير كرم ووفاء، فعلى نحو ما صوروا فيه بطولة وشجاعة نادرة صوروا كثيرا من الفضائل الحميدة على شاكلة ما نقرأ فى ميمية ربيعة بن مقروم إذ يقول (٢): وإن تسألينى فإنى امرؤ ... أهين اللئيم وأحبو الكريما وأبنى المعالى بالمكرمات ... وأرضى الخليل وأروى النديما ويحمد بذلى له معتف ... إذا ذمّ من يعتفيه اللئيما (٣) وأجزى القروض وفاء بها ... ببؤسى بئيسى ونعمى نعيما (٤) وقومى فإن أنت كذّبتنى ... بقولى فاسئل بقومى عليما يهينون فى الحق أموالهم ... إذا اللّزبات انتحين المسيما (٥) طوال الرماح غداة الصباح ... ذوو نجدة يمنعون الحريما وهو يذكر فى البيت الثانى أن من شيمه أن يروى نديمه بالخمر، ويكثر فى حماستهم تمدحهم بأنهم يسقون ندماءهم الخمر وأنهم يأخذون حظهم من الغناء وسماع القيان ولعب الميسر (٦)، وكأن فى ذلك إعلانا عن كرمهم وبذلهم على نحو ما تقدم فى غير هذا الموضع عن طرفة وفتوته. وربما كان ذلك هو أصل ذكر الخمر ووصفها فى الشعر الجاهلى على نحو ما هو معروف عن الأعشى وعدى بن زيد

стр. 203

العبادى، فقد تحولا بها من هذا الباب إلى وصفها فى ذاتها وصفا طريفا. ومن الموضوعات التى تتصل اتصالا واضحا بالحماسة الرثاء، فقد كانوا يرثون أبطالهم فى قصائد حماسية يريدون بها أن يثيروا قبائلهم لتأخذ بثأرهم (١)، فكانوا يمجدون خلالهم ويصفون مناقبهم التى فقدتها القبيلة فيهم، حتى تنفر إلى حرب من قتلوهم. وكان يشرك الرجال فى ذلك النساء، فقد كن ما يزلن ينحن على القتيل حتى تثأر القبيلة له. ويظهر أنه كان يشيع عندهم ضرب من (التعديد) الذى نعرفه فى مصر، فما تزال امرأة تنوح ويرد عليها صواحبها، وقد حدثنا الرواة أن الخنساء كانت تخرج إلى عكاظ فتندب أخويها صخرا ومعاوية، وكانت هند بنت عتبة أم معاوية تحكيها نائحة أباها (٢). وفى هذا الخبر ما يدل على أن النساء لم يكن يندبن موتاهن يوما أو أياما، بل كن يطلن ذلك إلى سنين معدودات، ويقال إنهن كن يحلقن شعورهن ويلطمن خدودهن بأيديهن وبالنعال والجلود، وكن يصنعن ذلك على القبر وفى مجالس القبيلة والمواسم العظام. ولعل فى حلق رءوسهن ما يجمع بينهن وبين الهجائين كما قدمنا وما يشهد بأن هذا الرثاء إنما هو تطور عن تعويذات كانت تقال للميت وعلى قبره حتى يطمئن فى لحده. وبمر الزمن تطور الرثاء عندهم إلى تصوير حزنهم العميق إزاءما أصابهم به الزمن فى فقيدهم، فتلك التعويذات أصبحت وخاصة عند نسائهم بكاء ونواحا وندبا حارّا. ونجد بجانب هذا الندب ضربا من الرثاء يقوم على تأبين الميت والإشادة بخصاله وصفاته، وما نشك فى أن الصورة القديمة لهذا التأبين هى تلك النقوش التى عثروا عليها فى أنحاء مختلفة من الجزيرة، وقد تحدثنا عنها فيما أسلفنا، وكانوا يكتبون فيها أسماءهم وألقابهم وبعض أعمالهم تمجيدا لذكراهم وتخليدا لها، وتحولت هذه الصورة الساذجة إلى هذا التأبين الواسع الذى نجده عند الجاهليين. وقد ذهبوا يضمون إليه صورة من العزاء والدعوة إلى الصبر على الشدائد، فالموت كأس دائرة على الجميع، ولا مردّ لحكم القضاء. وقام بالقسط الأكبر من ندب الميت وبكائه النساء، فكن يشققن جيوبهن عليه ويلطمن وجوههن ويقرعن صدورهن ويعقدن عليه مأنما من العويل والبكاء، ومن خير ما يصور ذلك كتاب «مراثى شواعر العرب» للويس شيخو، وسابقتهن

стр. 204

التى لا تنازع هى الخنساء، فقد قتل أخوها معاوية فى بعض المعارك، فارتفع نشيجها وبكاؤها عليه، وقتل أيضا أخوها صخر فاتسع الجرح والتاعت لوعة شديدة، ومن رائع ما ندبت به صخرا: قذى بعينك أم بالعين عوّار ... أم ذرّفت أن خلت من أهلها الدار (١) كأن عينى لذكراه إذا خطرت ... فيض يسيل على الخدّين مدرار (٢) فالعين تبكى على صخر وحقّ لها ... ودونه من جديد الأرض أستار (٣) تبكى خناس وما تنفك ما عمرت ... لها عليه رنين وهى مقتار (٤) بكاء والهة ضلّت أليفتها ... لها حنينان: إصغار وإكبار (٥) ترعى إذا نسيت حتى إذا ذكرت ... فإنما هى إقبال وإدبار وإن صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم فى رأسه نار (٦) ولعل من الطريف أن بعض شعرائهم كان إذا أحسّ داعى الموت ندب نفسه ووصف ما يصنعه به أهله بعد الموت من ترجيل شعره ووضعه فى مدارج الكفن، ثم لحده ودفنه، وتنسب للممزّق العبدى أو ليزيد بن الخذّاق قطعة يصور فيها هذا المصير الذى ينتظره، يقول فيها (٧): هل للفتى من بنات الدهر من واق ... أم هل له من حمام الموت من راق (٨) قد رجّلونى وما رجّلت من شعث ... وألبسونى ثيابا غير أخلاق (٩) وأرسلوا فتية من خيرهم حسبا ... ليسندوا فى ضريح التّرب أطباقى (١٠)

стр. 205

وكانوا يكثرون من تأبين من يموتون منهم فى ميادين الحرب، وقد يضمنون هذا التأبين هجاء لاذعا لخصومهم وفخرا بعشيرتهم ومآثرها وأيامها، على نحو ما نجد فى قصيدة المرقش (١): هل بالديار أن تجيب صمم ... لو كان رسم ناطقا كلّم فقد بدأها بالغزل وخرج منه إلى الرثاء، فمديح بعض ملوك الغساسنة، ثم فخر بقومه، وهجا أعداءهم. وقد يجعلون القصيدة خالصة للتأبين، على نحو ما صنع دريد بن الصمة فى مرثية أخيه عبد الله (٢). أرثّ جديد الحبل من أمّ معبد ... بعاقبة وأخلفت كلّ موعد وقد استهلها على هذه الشاكلة بالغزل، ثم مضى يرثى أخاه مصورا مصرعه وولهه به وجزعه ومتحدثا عن خلاله الحميدة من الشجاعة والجود والمضاء والصبر والحزم. ولم يؤبنوا أبطالهم من القتلى فحسب، بل فسحوا فى مراثيهم لتأبين أشرافهم وإن ماتوا حتف أنوفهم، فخرا بهم واعتزازا بمناقبهم وأعمالهم ومآثرهم، وقد نجدهم يستنزلون لهم الغيث من السماء حتى تصبح قبورهم رياضا عطرة، ومن رائع تأبينهم مرثية أوس بن حجر لفضالة بن كلدة الأسدى، وفيها يقول (٣): أيّتها النفس أجملى جزعا ... إن الذى تحذرين قد وقعا إن الذى جمّع السماحة ... والنّجدة والحزم والقوى جمعا الألمعىّ الذى يظنّ لك ال ... ظنّ كأن قد رأى وقد سمعا (٤) المخلف المتلف المرزّأ لم ... يمتع بضعف ولم يمت طبعا (٥) أودى وهل تنفع الإشاحة من ... شئ لمن قد يحاول البدعا (٦)

стр. 206

وكانوا أحيانا حين يذكرون الموت يتأسون ويتعزون عنه بأنه حوض لا بد من وروده وقد سبقتهم إليه الأجيال الماضية من ملوك وغير ملوك (١): وعلى هذا النحو ألمّ الشاعر الجاهلى بجوانب الرثاء الثلاثة من الندب والتأبين والعزاء، وكان رثاؤه غالبا يتعلق بأفراد وقلما تعلق بمجموعة من الفرسان، ومن هذا القليل قصيدة أصمعية لأبى دؤاد الإيادى يرثى فيها من أودى من شباب قبيلته وكهولهم، ونراه يقول فى مطلع رثائهم (٢): لا أعدّ الإقتار عدما ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام ويستمر يبكى فيهم الرءوس العظام وخلالهم من التأنى والرفق والكرم وطيب الأرومة وشجاعة الأسد وما يخلط فرط حدّتهم من أحلام وعقول راجحة، ويقول إنهم أصبحوا هاما وصدى، إذ كانوا يعتقدون أن عظام الميت تتحول هامة تطير وصدى ما يزال يقول اسقونى: سلّط الدهر والمنون عليهم ... فلهم فى صدى المقابر هام فعلى إثرهم تساقط نفسى ... حسرات وذكرهم لى سقام وبجانب هذا الرثاء كان عندهم مديح واسع يتمدحون فيه بمناقب قبائلهم وسادتها. وكانوا كثيرا ما يمدحون القبيلة التى يجدون فيها كرم الجوار متحدثين عن عزتها وإبائها وشجاعة أبنائها وما فيهم من فتك بأعدائهم وإكرام لضيوفهم ورعاية لحقوق جيرانهم (٣). وكان بعض السادة تمتد مآثرهم إلى من حولهم من القبائل فكان يتصدّى لهم شعراؤها يمدحونهم لمكرماتهم التى أدّوها، كأن يفتكّوا أسيرا، على نحو ما صنع خالد بن أنمار بابن أخت المثقب العبدى، فكان جزاؤه منه مدحة جيدة، يقول فيها (٤)»:

стр. 207

مترع الجفنة ربعىّ النّدى ... حسن مجلسه غير لطم ولا نصل إلى أواخر العصر الجاهلى حتى يتخذ الشعراء المديح وسيلة إلى الكسب، فهم يقدمون به على السادة المبرزين وملوك المناذرة والغساسنة يمدحونهم وينالون جوائزهم وعطاياهم الجزيلة. وأخذوا فى أثناء ذلك يعنون بهذه القصائد عناية بالغة حتى تحقق لهم ما يريدون من التأثير فى ممدوحيهم. واشتهر بذلك زهير والنابغة وحسان ابن ثابت، أما زهير فاختص بأشراف قومه، وأما حسان فاختص بالغساسنة، ولعلقمة بن عبدة فيهم مفضلية بديعة نظمها فى الحارث الأصغر يتشفع لأخيه وقد وقع فى يديه أسيرا (١). أما النابغة فخص النعمان بن المنذر بمدائحه، وتصادف أن وقع بعض قومه أسرى فى أيدى الغساسنة، فأقبل عليهم يمدحهم ويتشفع فيهم، مما كان سببا فى غضب النعمان بن المنذر عليه، وسرعان ما أخذ يقدم له اعتذارات هى من أروع ما دبّجه الجاهليون ومعنى ذلك أن الاعتذار نشأ نشوءا من المديح وفى ظلاله، وإن كانت تتداخل فيه عاطفة الخوف مع عاطفة الشكر والرجاء. ومما ينحو نحو الاعتذار ما ظهر عندهم من فنون عتاب كان ينشئه بعض الشعراء ملامة لما قد يصيبه من أذى الأقارب على نحو ما نجد عند ذى الإصبع العدوانى (٢) والمتلمّس (٣). ولكن عتابهم واعتذارهم قليل، أما المديح فكثير كثرة مفرطة. إذ رحل به الشعراء إلى الملوك والأشراف يمتارون به، ويرجعون إلى أهليهم بجر الحقائب. ويظهر أن المناذرة خاصة كانوا يتخذونه وسيلة للدعاية لهم فى القبائل، فكثر الشعراء حولهم وأخذ يموج بهم بلاطهم منذ عمرو بن هند، فقد قصده كثيرون من أمثال المثقب العبدى، الذى لجأ إليه يمدحه بعد إيقاعه بقبيلته، وممن رحل إليه المتلمس والممزق العبدى وطرفة والمسيب بن علس. وكان النعمان بن المنذر ممدحا للشعراء ومن بديع ما نظم فيه قول حجر بن خالد (٤): سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد ... كفعل أبى قابوس حزما ونائلا

стр. 208

يساق الغمام الغرّ من كل بلدة ... إليك فأضحى حول بيتك نازلا فإن أنت تهلك يهلك الباع والنّدى ... وتضحى قلوص الحمد جر باء حائلا (١) فلا ملك ما يبلغنّك سعيه ... ولا سوقة ما يمدحنّك باطلا وانتهى هذا الفن من فنون شعرهم إلى الأعشى فأصبح حرفة خالصة للمنالة والتكسب. إذ لم يترك ملكا ولا سيدا مشهورا فى أنحاء الجزيرة إلا قصده ومدحه وفخّم شأنه معرضا بالسؤال. وإذا تركنا المديح إلى الغزل وجدناه موزعا بين ذكريات الشاعر لشبابه ووصفه للمرأة ومعروف أن أول صورة تلقانا فى قصائدهم هى بكاء الديار القديمة التى رحلوا عنها وتركوا فيها ذكريات شبابهم الأولى، وهو بكاء يفيض بالحنين الرائع، ومر بنا أنهم يردونه إلى شاعر قديم سبق امرأ القيس هو ابن خذام، وربما كان فى ذلك ما يدل على أن هذا الجزء من غزلهم يسبق فى قدمه الأجزاء الأخرى فيه. ونراهم يقفون عند المرأة فيصفون جسدها، ولا يكادون يتركون شيئا فيها دون وصف له. إذ يتعرضون لجبينها وخدها وعنقها وصدرها وعينها وفمها وريقها ومعصمها وساقها وثديها وشعرها. كما يتعرضون لثيابها وزينتها وحليها وطيبها وحيائها وعفتها (٢). وقد يتعرضون لبعض مغامراتهم معها. وهى مغامرات تحوّل بها بعض الرواة إلى قصص غرامية على نحو ما قصوا عن حب المرقش الأكبر لأسماء والأصغر لفاطمة بنت المنذر وعن حب المنخّل اليشكرى للمتجردة زوج النعمان، وله قصيدة رائعة رواها الأصمعى وهى تجرى على هذا النمط (٣): ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر فى اليوم المطير الكاعب الحسناء تر ... فل فى الدّمقس وفى الحرير فدفعتها فتدافعت ... مشى القطاة إلى الغدير

стр. 209

ولثمتها فتنفّست ... كتنفّس الظّبى البهير (١) فدنت وقالت يا من ... خّل ما بجسمك من حرور ما شفّ جسمى غير حبّ ... ك فاهدئى عنى وسيرى ووقف الشعراء طويلا يصورون حبهم للمرأة وما يذرفون من دموعهم على شاكلة قول بشر بن أبى خازم (٢): فظللت من فرط الصّبابة والهوى ... طرفا فؤادك مثل فعل الأيهم (٣) وكانت ذكراها لا تزال تلم بهم. ومن ثم أكثروا الحديث عن طيفها وما يثيره فى أنفسهم من تباريح الحب (٤) ولهم فى وصف هذه الذكرى وما تصنع بهم شعر كثير يصفون فيه صبابتهم على شاكلة قول المرقّش الأصغر (٥): صحا قلبه عنها، على أن ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما وكانوا كثيرا ما يصفون ظعنها. وهى ترحل فى الجزيرة من موضع إلى موضع. وكانت الرحلة أساسا فى حياتهم، فهم يرحلون وراء منابت الغيث، وينتقلون معها حيث حلت، وفى معلقة زهير وصف طويل لهذه الظعن، وربما فاقه فى هذا الوصف المثقّب العبدى فى قصيدته (٦): أفاطم قبل بينك متّعينى ... ومنعك ما سألت كأن تبينى فإنى لو تخالفنى شمالى ... خلافك ما وصلت بها يمينى وقد مضى يصف ظعنها ويتتبع سيرها وما تصنع هى وصواحبها فى قلوب الرجال وهن يظهرن بكلّة ويسدلن أخرى ويرسلن براقعهن على وجوههن وذوائبهن على ظهورهن:

стр. 210

أرين محاسنا وكننّ أخرى ... من الأجياد والبشر المصون ويقول إنهن كن يمددن أعناقهن مستشرفات للنظر وصاحبته بينهن تفوقهن حسنا وجمالا. وكن كطبيعة النساء فى كل عصر ينصرفن عن الشّيب ومن قلّ ماله (١). ولذلك كثر عتابهم معهن، وخاصة من حيث ما يأخذنه عليهم من البذل الذى يذهب بأموالهم، ودائما نراهم يحتجون عليهن بأن خلود المرء فى بذله لا فى ثرائه (٢). وقد يصورون فى تعلقهم بالمرأة ضربا من المتاع الحسى، على نحو ما يصور ذلك طرفة فى معلقته وكذلك امرؤ القيس، ومرد ذلك إلى ضرب شاع عندهم من الفتوة، فهم يتمدحون بأنهم يغالون من المرأة ما يريدون، وكانوا وثنيين ولم يكن هناك دين يردعهم. على أن منهم من كان يتسامى فى غزله حتى ليمكن القول بأن الغزل العذرى له أصول فى الجاهلية عند عنترة وأضرابه. ومن المؤكد أن المرأة الحرة لم تكن ممتهنة عندهم، بل كانت فى المكان المصون، وكان الشاعر يستلهمها شعره، ولذلك كان يضعها فى صدر قصيده، ونحس عند كثيرين منهم، وخاصة فرسانهم من مثل عنترة، أنهم يقدمون مغامراتهم فى الكرم وفى الحرب لها لينالوا حبها، وكان أكثر ما يشجيهم ويبعث الموجدة فى قلوبهم أن تؤسر وتسبى، فكان لا يقر لهم قرار إلا أن يعودوا بها مكرمة إلى ديارهم. ومن موضوعات شعرهم المهمة الوصف، وقد وصفوا كل شئ وقعت عليه أعينهم فى صحرائهم، وفى العادة يذكرون ذلك بعد غزلهم وتشبيبهم إذ يخرج الشعراء إلى وصف رحلاتهم فى الصحراء، فيتحدثون عن قطعهم للمفاوز البعيدة، فوق إبلهم، ويأخذون فى وصفها وصفا مسهبا على نحو ما هو معروف عن طرفة فى وصفه لناقته بمعلقته وقد كاد أن لا يترك فيها عضوا ولا جزءا دون وصف وتصوير، والمفضليات والأصمعيات تزخر بأحاديثهم عنها ومقدار ما كانوا يرون فيها من جمال وكانوا يشبهونها بالقصور ويشبهون قوائمها بالأعمدة وقد يشبهونها بالسفن والقناطر ويشبهون قوائمها بجذوع الطلح ويديها بالصخر الغليظ أو بيدى السابح، وصوتها

стр. 211

بصوت القصب وخفافها بالمطارق. وقد يشبونها بالجبل ويشبهون صدرها بالطريق. وكانوا يشبهونها بكثير من الحيوان مثل الظليم والثور وحمار الوحش، وحينئذ يستطردون إلى وصف هذه الحيوانات وما يكون من عراك بينها وبين كلاب الصيد (١)، يقول الجاحظ: «ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مرثية أو موعظة أن تكون الكلاب هى التى تقتل بقر الوحش، وإذا كان الشعر مديحا وقال كأن ناقتى بقرة من صفتها كذا أن تكون الكلاب هى المقتولة. ليس على أن ذلك حكاية عن قصة بعينها ولكن الثيران ربما جرحت الكلاب وربما قتلتها. وأما فى أكثر ذلك فإنها تكون هى المصابة والكلاب هى السالمة والظافرة وصاحبها الغانم» (٢). وكأنهم كانوا يتخذون قتل الكلاب فى المديح رمزا لأعداء الممدوح، وكانوا فعلا يشبهونهم بالكلاب (٣). وعلى نحو ما أكثروا من وصف الإبل أكثروا من وصف الماعز كما أكثروا من وصف الخيل وشبهوها بضروب من السباع المنعوتة بالمخالب وطول الأظفار. ولامرئ القيس قطعة بديعة بمعلقته يصف فيها فرسه الذى اتخذه للصيد، وفيها يقول: له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرجان وتقريب تتفل (٤) يقول أبو عبيدة: «رمما يشبه خلقه من خلق النعامة طول وظيفها (٥) وقصر ساقيها وعرى نسييها (٦) ومما يشبه من خلقه خلق الأرنب صغر كعبيها، ومما يشبه من خلقه خلق الحمار الوحشى غلظ لحمه وظمأ فصوصه وسراته (٧) وتمحّص (٨) عصبه وتمكن أرساغه (٩) وعرض صهوته (١٠). . ومما يشبه من خلقه خلق الكلب هرت (١١) شدقه وطول لسانه وكثرة ريقه وانحدار قصّه (١٢) وسبوغ ضلوعه وطول ذراعيه ورحب

стр. 212

جلده ولحوق (١) بطنه (٢)». وكثيرا ما وصفوا كلاب الصيد وسموها أسماء كثيرة. ولأبى زبيد الطائى قصيدة طريفة يصور فيها معركة بين كلب له وأسد، وقد حطمه الأسد حطما (٣). وكما ذكروا الأسد ووصفوه وصفوا الذئب كقول طفيل الغنوى وقد شبه فرسه بذئب (٤): كسيد الغضا العادى أضلّ جراءه ... على شرف مستقبل الريح يلحب (٥) وذكروا الهر والديك والخنزير فى وصفهم لنشاط الناقة فقال أوس بن حجر (٦) كأن هرّا جنيبا عند مغرضها ... والتفّ ديك برجليها وخنزير وقد ذكروا كثيرا الضباع والرخم والعقبان والنسور والغربان وأكلها القتلى (٧) كما ذكروا الحبارى والضب واليربوع والجرذان والجراد والأرانب والضفادع والوعول أو المعز الجبلية، وتعرضوا كثيرا لوصف الحيات والأفاعى، ويشبه عنترة نفسه إزاء بعض أعدائه بأسود قد علق فيه نابه، ويقول فى بعض وصفه له (٨): رقود ضحيّات كأن لسانه ... إذا سمع الأجراس مكحال أرمدا (٩) وعلى نحو ما وصفوا الحيوان والزواحف وصفوا الطير، وكثيرا ما يستطردون من وصف فرسهم بالعقاب إلى وصفها (١٠). وكانوا يذكرون الغراب كثيرا ويتشاءمون به، وفيه يقول عنترة (١١): ظعن الذين فراقهم أتوقّع ... وجرى ببينهم الغراب الأبقع (١٢)

стр. 213

حرق الجناح كأنّ لحيى رأسه ... جلمان بالأخبار هشّ مولع (١) إن الذين نعبت لى بفراقهم ... هم أسهروا ليلى التّمام فأوجعوا (٢) وكانوا يذكرون القطا والجراد والعصافير والنمل والعنكبوت والحمام ونوحه وما يهيج فيهم من شوق وشجا. وقد أفاض الجاحظ بكتابه الحيوان فيما جاء على ألسنتهم من وصف ذلك كله وتصويره وينبغى أن لا نعتد بما جاء فيه من قصص أسطورى عن طوق الحمامة والديك والغراب والهدهد والحيات مما ساقه على لسان أمية بن أبى الصلت، فقد حمل عليه شعر كثير وضعه القصاصون والرواة. وقد استرعى الجاحظ كثرة ما جاء على ألسنتهم من وصف فلواتهم (٣) ووصف البرد وقوارصه والحر وهواجره (٤)» وما يجرى فى ديارهم أحيانا من خصب بعد مطر غزير (٥). وفى معلقة امرئ القيس قطعة طويلة يصف فيها سيلا عرما نزل فى مواطن بنى أسد بالقرب من تيماء. ويتردد هذا الوصف فى شعره وشعر شاعرهم عبيد بن الأبرص. وكما أكثروا من ذكر الخصب ورطوبة النبات ولدونة الأغصان وكثرة الماء أكثروا من وصف الجدب وطالما وصفوا وعوثة الصحراء ومخاوفهم فى لياليها من الجن والشياطين. وكادوا لا يتركون شيئا يتصل بهم إلا وصفوه، فوصفوا الرعى والمراعى. ووصفوا الأسلحة والحروب، ووصفوا الخمر وأوانيها وسقاتها ومجلسها وأثرها. وكانوا يقحمونها كما قدمنا فى حماستهم. ويفتخرون بأنهم يسقونها الصحاب والرفاق على صوت القيان ومع نحر الجزور، يقول ثعلبة بن صعير فى حماسية له (٦): أسمىّ ما يدريك أن رب فتية ... بيض الوجوه ذوى ندى ومآثر باكرتهم بسباء جون ذارع ... قبل الصباح وقبل لغو الطائر (٧)

стр. 214

فقصرت يومهم برنّة شارف ... وسماع مدجنة وجدوى جازر (١) وهذه الموضوعات التى قدمناها جميعا كانت تتداخل فى القصيدة الطويلة وكان يتداخل معها ضرب من الحكم والمعانى التهذيبية، فالشاعر ما يزال يدلى فى تضاعيف قصيدته بتجاربه، وقد يفرد لها مقطوعات، إذا اتجه بها إلى تقديم وصية لبنيه، على نحو ما صنع عمرو بن الأهتم فى وصيته لابنه التى يستهلها بقوله (٢): وإن المجد أوّله وعور ... ومصدر غبّه كرم وخير (٣) وممن كثرت الحكمة فى شعرهم زهير والأفوه الأودى وعلقمة بن عبدة، وهى تكثر فى ميمية الأخير وتتوالى فى أبيات متعاقبة من مثل قوله (٤): الحمد لا يشترى إلا له ثمن ... مما يضنّ به الأقوام معلوم والجود نافية للمال مهلكة ... والبخل باق لأهليه ومذموم وكلّ حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لا بدّ مهدوم ويلخص لنا رأى الجاهليين فى المرأة وما تطلبه من الرجل، فيقول فى بائيته (٥): فإن تسألونى بالنساء فإننى ... بصير بأدواء النساء طبيب إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له من ودّهن نصيب ويظهر أن الحكمة قديمة عندهم، فنحن نجدها فى معلقة عبيد بن الأبرص، وفيها يقول: وكلّ ذى غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يئوب ويقول عبدة بن الطبيب (٦): والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل

стр. 215

ويقول عدى بن رعلاء الغسانى (١): ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء وتلك هى الموضوعات الأساسية التى تنظم فى سلك القصيدة الجاهلية، فالشاعر يبدؤها بالتشبيب أو النسيب بالأطلال والديار، ويصف فى أثناء ذلك حبه، ثم يصف رحلته فى الصحراء، وهى أول ما يقدمه للمرأة من ضروب جرأته، وحينئذ يصف ناقته أو فرسه، وقد يؤخرهما إلى نهاية القصيدة، ويقدم عليهما غرضه من الحماسة أو الهجاء أو الرثاء أو المديح، مفتنّا فى أثناء ذلك فى وصف ما يقع تحت عينه، وناثرا حكمه وتجاربه. ٤ - الخصائص المعنوية لعل أول ما يلاحظ على معانى الشاعر الجاهلى أنها معان واضحة بسيطة ليس فيها تكلف ولا بعد ولا إغراق فى الخيال سواء حين يتحدث عن أحاسيسه أو حين يصور ما حوله فى الطبيعة، فهو لا يعرف الغلو ولا المغالاة، ولا المبالغة التى قد تخرج به عن الحدود المعقولة. ومرجع ذلك فى رأينا إلى أنه لم يكن يفرض إرادته الفنية على الأحاسيس والأشياء بل كان يحاول نقلها إلى لوحاته نقلا أمينا، يبقى فيه على صورها الحقيقية دون أن يدخل عليها تعديلا من شأنه أن يمسّ جواهرها. ومن أجل ذلك كان شعره وثيقة دقيقة لمن يريد أن يعرف حياته وبيئته برملها ووديانها ومنعرجاتها ومراعيها وسباعها وحيوانها وزواحفها وطيرها. وعرف القدماء ذلك فكلما تحدثوا عن عادات الجاهليين وألوان حياتهم استشهدوا بأشعارهم. وحينما كتب الجاحظ كتاب الحيوان وجد فى هذه الأشعار مادة لا تكاد تنفد فى وصفه ووصف طباعه وكل ما يتصل به من سمات ومشخصات. ومعنى ذلك أن الشاعر الجاهلى لم يغتصب الحيوان لنفسه، فيسكب عليه من خياله ما يحيله عن حقيقته، ونستطيع أن نلاحظ ذلك فى وصفه
следующие страницы →