الإمامة انتقلت منه إلى ابنه محمد، لأنها تنتقل حتما إلى الابن الأكبر، حتى لو مات فى عهد أبيه. وأخذت تتكوّن سريعا حول محمد الحركة (١) الإسماعيلية، وكان الذى نظّمها ووضع مبادئها عبد الله بن ميمون القداح، وهو فارسى كان واسع المعرفة بجميع المذاهب والأديان، وأخذ فى سرعة يكوّن حول محمد بن إسماعيل جمعية سرية تعمل على تقويض الدولة العباسية، وكان يستعين على جذب الناس إليه بطرق تتناسب مع كل شخص، فأشخاص يجذبهم بالسحر والشعوذة، وأشخاص يجذبهم بإظهار التقوى والنسك. وكان يزعم أن دينه دين النور الخالص، ودعا كل أعضاء جمعيته إلى الاشتراك فى كل ما يكسبون مقيما بينهم ضربا من الألفة. وبدأ بدعوته فى موطنه بالأهواز، ثم تركها إلى البصرة ومعه رفيقة الحسين الأهوازى، وأحسّ بمطاردة والى البصرة لهما، فهرب مع رفيقه إلى «سلمية» بقرب اللاذقية في الشام، ومن هناك أخذ يرسل دعاته إلى العراق، كما أخذ ينظم الدعوة الإسماعيلية باثّا فيها تعاليم مانوية فارسية وفلسفية يونانية غير بعض تعاليم جلبها من فرق الشيعة الغالية كفرقة الخطابية. ودعا فى قوة إلى فكرة التأويل فى الآيات القرآنية حتى يمكن فهم معانيها الباطنة المستترة أو قل معانيها الخفية التى ترمز إليها من بعيد. وزعم أن تاريخ الأمة ينقسم إلى حلقات، كل حلقة يمثلها سبعة من الأئمة، سابعهم هو الإمام الناطق الذى ينسخ بشريعته ما قبله من الشرائع، أما الأئمة الستة قبله فأئمة صامتون.
وزعم أيضا أن أئمة الدعوة قسمان: أئمة حقيقيون مستورون أو مستقرّون، وأئمة بجانبهم مستودعون وهم رءوس الدعاة المسمون بالحجج، وبذلك أصبح هو نفسه إماما مستودعا، وتبعه على ذلك أبناؤه، ومن هنا جاء الشك فى نسب الأسرة الفاطمية الإسماعيلية التى حكمت مصر نحو قرنين من الزمان، فهل كان أئمتها مستقرين أو كانوا مستودعين؟ وجعل ابن ميمون الدعوة مراتب يصعد فيها التابعون، وهى سبع مراتب، مرتبة للعامة، ومرتبة لمن فوقهم، ومرتبه لمن مرّ عليه عام، ومرتبة لمن مرّ عليه عامان، ومرتبة لمن مرّ عليه ثلاثة أعوام، ومرتبة لمن مرّ عليه أربعة أعوام، ثم المرتبة السابعة، وجعلت المراتب فيما بعد تسعا.
وما يلبث عبد الله بن ميمون-وقيل بل ابنه أحمد خلفه-أن يرسل الحسين
стр. 1507
الأهوازى إلى الكوفة وسوادها ليدعو إلى الجمعية، فالتقى فى السواد بنبطى يحمل بعض الغلات على أثوار له اسمه حمدان، كان أهل قريته يلقبونه-فيما زعم الطبرى- لقبا نبطيّا هو قرمط لاحمرار عينيه الدائم (١)، وزعم بروكلمان أن معنى هذا اللقب المعلم السرى (٢). وكأنما وجد الأهوازى فى هذا الرجل طلبته، فدعاه إلى مذهبه واستجاب له فى حماسة بالغة، وأحسّ الأهوازى بدنو أجله، فعهد إليه برياسة الدعوة، وجدّ فيها. حتى أصبحت له فرقة كبيرة دعيت جميعها باسم القرامطة نسبة إليه.
وكان داهية فأخذ فى تنظيم الحركة، وفرض على جميع أتباعه أن يدفع كل منهم سنويّا درهما واحدا، ثم جعله دينارا تأهبا للانتقال إلى دار الهجرة، وفرض على أهل المرتبة السابعة سبعة دنانير، ولم يلبث أن فرض على كل إنسان من أتباعه أن يؤدى إليه خمس ماله، وأخيرا فرض عليهم جميعا الألفة، وهى الشركة فى الأموال، وبذلك هيّأ لظهور نظام اشتراكى كامل. ولما اطمأن إلى نجاح دعوته أخذ يحلّ لأتباعه ترك الفرائض الدينية وأن يتخذوا بيت القدس قبلتهم ويحجّوا إليه، وزعم لهم أن الصوم يومان فى السنة: يوم عيد المهرجان ويوم عيد النيروز وأن النبيذ حرام والخمر حلال، ووضع قانونا هو أن كل من حاربه وجب قتله، ومن لم يحاربه وخالفه يجب أخذ الجزية منه (٣). وفى سنة ٢٧٧ اتخذ لأتباعه دار هجرة بقرب الكونة سماها «مهماباد» نزلها كثيرون من الرجال والنساء. وكان أكبر معاونيه فى حركته صهره عبدان، ويذكر له كتاب صوّر فيه طريق التابع ومراتبه السبع آنفة الذكر التي تنتهى به إلى الخضوع المطلق للإمام الخفى أو المستتر وممثليه من الأئمة المستودعين.
وأقبل على الانضمام إلى الدعوة كثير من الفلاحين فى سواد الكوفة والبصرة لما وعدتهم به من تغيير ظروفهم الاقتصادية السيئة، إذ كان الملاك الإقطاعيون يسومونهم سوء العذاب مع التقتير الشديد فى الأجور، وانضم إليها أيضا كثير من الطبقة الكادحة فى المدن ممن كانوا يعيشون فى بؤس مدقع، وقد وعدهم جميعا حمدان وأتباعه بأنهم سينقلونهم من الشقاء إلى السعادة ومن الفقر ودله إلى الغنى وعزه. غير أنهم لم يقفوا
стр. 1508
جميعا بدعوتهم عند إنشاء مجتمع اشتراكى، إذ مضوا يدعون إلى التحلل من الدين الحنيف وفروضه حتى ليقول البغدادى إنهم أنكروا البعث والحساب والجنة والنار، وقالوا: هل الجنة إلا هذه الدنيا ونعيمها وهل النار وعذابها إلا ما فيه أصحاب الشرائع من التعب والنّصب فى الصلاة والصيام والحج والجهاد (١)، وزعموا: «أن الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وكل من ادعى النبوة كانوا أصحاب نواميس ومخاريق أحبوا الزعامة على العامة، فخدعوهم بنيرنجات واستعبدوهم بشرائعهم» (٢). ومضى حمدان يتخذ لهم أعلاما بيضاء دلالة على أن دينهم دين النور، ويقال إنه كان يكتب عليها: ﴿(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ).﴾
وقد أرسل مبكرا دعاة إلى اليمن جاهروا فيها بدعوته وأحدثوا شغبا كثيرا، ونزل «كلواذى» وأخذ يدير منها دعوته، ومن أهم دعاته الذين اتخذهم حينئذ أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنّابىّ. وجنّابة من قرى بحر فارس، وقد أرسل به إلى جنوبى إيران، واستطاع أن ينشر هناك الدعوة، والتفّ حوله كثيرون اتخذ من نفسه مشرفا على إدارة أموالهم. غير أن ولاة العباسيين تنبهوا لحركته هناك وصادروا ما جمع من أموال، ففرّ على وجهه إلى حمدان، يبلغه الخبر، فأمره أن يتجه إلى منطقة أخرى، واختار له الأحساء فى منطقة البحرين، وهناك استجابت له قبيلة عبد القيس وعشائرها البدوية، واستطاع لسنة ٢٨٦ أن ينشئ فى تلك الأصقاع النائية دولة اشتراكية جعل عاصمتها «المؤمنية» بدلا من «هجر» العاصمة القديمة وهى المسماة اليوم باسم «الهفوف» «وفى السنة نفسها أغار على «القطيف» القريبة من البصرة وقتل من لقيه بها من الرجال والنساء (٣). وفى السنة التالية هددت جنوده البصرة (٤). وأحسّ حمدان بقوته فأخذ يدفع أتباعه إلى الإغارة على قرى السواد، وتصدّى لهم بدر غلام الطائى، وأوقع بهم على غرة بنواحى روذميستان وقتل منهم مقتلة عظيمة (٥). ويعودون إلى الانتشار فى سواد الكوفة لسنة ٢٨٩ ويفتك بهم شبل غلام الطائى ويقع فى أسره قائدهم المعروف بابن أبى قوس (٦)، فيرسل به إلى المعتضد،
стр. 1509
فيضرب عنقه، ويصلبه على الجسر فى جماعة من القرامطة، ويذكر ذلك ابن المعتز فى أرجوزته آنفة الذكر، منددا بالدعوة القرمطية، قائلا:
ابن أبى قوس لهم نبىّ ... إمام عدل لهم مرضىّ
خفّف عنهم من صلاة الفرض ... وقال: ناب بعضها عن بعض
فاذهب إلى الجسر تجده فارسا ... على طمرّ (١) لأسير جالسا
وتلك عقبى الغىّ والضلال ... والكفر بالرحمن ذى الجلال
وهو يسجل هنا على القرامطة جهلهم حتى ليزعمون أن ابن أبى قوس نبى، مع تخفيفهم للصلاة وكفرهم بالرحمن، وسجل عليهم فى الأرجوزة قبل هذه الأبيات الشريعة الجديدة التى اتخذوها وأنهم يجاهدون فيها عن إمام مختف لا يظهر أبدا.
ومنذ هذا التاريخ الذى قتل فيه ابن أبى قوس يختفى من العراق وسواده اسم حمدان وصهره عبدان، ونفاجأ بداعية يتولى زعامة القرامطة مكانهما يسمى زكرويه (٢). ويبدو أنهما أحسّا بتغير فى المبادئ التى (٣) كانا يدعوان إليها، فأرسل حمدان بعبدان إلى سلمية ليقف على حقائق الأمور، فوجد أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح توفى وخلفه ابنه الحسين، ولما اجتمع به سأله عن الإمام الذى يدعون إليه وعن حجّته، فعجب الحسين من سؤاله، وقال له:
«من هو الإمام إذن؟ » فأجابه عبدان إنه محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق الذى دعا له أبوك وكان حجته، فاستنكر الحسين القداحى إجابته، وقال له:
إن الإمام إنما كان والده، وحلّ هو محله الآن. وعندئذ أدرك عبدان حقيقة القدّاحين وأنهم تظاهروا بالدعوة لمحمد بن إسماعيل خداعا للناس وتمويها عليهم حتى يجتذبوهم إلى صفوفهم. وعاد عبدان إلى حمدان فوقفه على حقيقة الأمر، وأشار عليه بوقف الدعوة وأن يجمع الدعاة ويبين لهم الحقيقة. وأخذ حمدان برأيه، فوقف الدعوة فى الأماكن القريبة منه، ولم يستطع توضيحها لمن كانوا فى الأماكن النائية، وترك كلواذى واختفى هو وصهره عبدان من مسرح التاريخ، ويبدو أن
стр. 1510
القداحين عملوا على اغتيالهما، واتّخذ زكرويه أداة لتنفيذ هذا الاغتيال.
وعلى هذا النحو صارت رياسة الدعوة فى سواد الكوفة والعراق إلى زكرويه الدّندانى، وكان أعظم نشاطا من حمدان قرمط وصهره عبدان، ولما رأى الدولة تتعقب القرامطة بسواد الكوفة وأنه لا غناء عندهم سعى فى استغواء البدو من أسد وطيئ وتميم وغيرهم، وتابعته منهم جماعات، غير أن كثرة البدو المحيطين بجنوبى العراق لم تستجب له، فأرسل أولاده يحيى والحسين ومحمدا إلى عشائر قبيلة كلب فى بادية السماوة بين العراق والشام، فأصاخوا لهم وبايعوهم، وكان مما زعموه لهم أنهم من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، حتى إذا رأوهم يدعونهم إلى العقيدة القرمطية نفروا منهم ولم يتابعهم إلا بنو العليص، إذ بايعوا فى آخر سنة ٢٨٩ يحيى بن زكرويه متلقبا لهم بالشيخ وزاعما أنه أبو عبد الله على بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، وقيل بل زعم أن اسمه محمد بن عبد الله. وزعم لهم فيما زعم أن أباه-ودعاه أبا محمود-يدعو له، وأنه يتبعه فى السواد بالعراق وفى المشرق والمغرب مائة ألف، وأيضا زعم لهم فيما زعم أن ناقته التى يركبها مأمورة، وأنهم إذا اتبعوها فى لقاء عدوّ نزل عليهم الفتح المبين، وتكهّن لهم أو ادعى فيهم الكهانة، وأظهر لهم عضدا له ناقصة، وذكر أنها آيته (١). ومضى فى سنة ٢٩٠ بمن تبعوه يعيث فسادا فى المدن السورية، وكانت تتبع حينئذ الدولة الطولونية، وكانت تعانى من ضعف شديد، وكانت قد ولت عليها طغجا الإخشيدى قبل ولايته على مصر، فأرسل لابن زكرويه جيشا سرعان ما هزم وقتل قائده (٢). وقصد ابن زكرويه الرقة فى جمع كثير يقتل وينهب، وواقع هناك جيشا للخليفة المكتفى وهزمه وقتل قائده. وحاصر دمشق غير أنها صمدت لحصاره، وسرعان ما قتل على أبوابها، فبايع أتباعه أخاه الحسين ونادوا به خليفة من بعده، وزعم لهم بدوره أنه أحمد بن عبد الله بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأظهر لهم شامة فى وجهه الملثّم ذكر أنها آيته، ولذلك سمّى بصاحب الشامة، ووفد عليه ابن عم له يسمى عيسى بن مهرويه، فزعم أنه مثنه من نسل جعفر الصادق ولقّبه المدّثّر، وزعم أنه المقصود بسورة المدثر (٣)! وأجابه كثير
стр. 1511
من البدو، واشتدت شوكته، فزحف بجموعه على دمشق وخافه أهلها فصالحوه على خراج يؤدونه إليه. وتقدّم إلى حمص، فتغلب عليها، وخطب له على منابرها باسم المهدى المنتظر، ثم سار إلى حماة والمعرة وبعلبك يقتل ويسفك الدماء وينهب. ونزل سلمية، وبدأ بقتل من بها من بنى هاشم ثم قتل أهلها أجمعين حتى صبيان الكتاتيب، ولم يبق بها عينا تطرف (١). ويظهر أنه كان يريد القضاء على الأئمة المستودعين من أسرة القداحين ومن وراءهم من الأئمة المستورين إن كان يوجد أحد منهم حقّا، حتى يصفو الجو له ولإمامته ودعوته وخلافته، ونرى الطبرى يحتفظ بكتاب منه إلى بعض عماله يستهله على هذا النمط: «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أحمد بن عبد الله المهدى، المنصور بالله، الناصر لدين الله، القائم بأمر الله، الحاكم بحكم الله، الداعى إلى كتاب الله، الذابّ عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله، أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، ومذلّ المنافقين، خليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المبصرين، وضياء المستضيئين، ومشتت المخالفين، والقائم بسند سيه المرسلين، وولد خير الوصيين، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين، وسلّم كثيرا. . .» (٢).
وواضح أن الحسين بن زكرويه لم يكتف بأن يكون إماما مستودعا مثل القداحين، بل رأى أن يكون الإمام المستور نفسه. ولذلك ادّعى له نسبا إلى محمد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، وتلقب بالمهدى وخليفة الله أمير المؤمنين. وفرّ منه عبيد الله المهدى رأس الدولة الفاطمية، ومضى فى فراره حتى شمالىّ إفريقيا.
ولما تكاثرت فظائعه وضجّ أهل الشام منه بالشكوى إلى الخليفة المكتفى أرسل إليهم جيشا جرارا بقيادة محمد بن سليمان، فنازل الحسين وأتباعه بالقرب من حماة فى المحرم لسنة ٢٩١ وسحقهم سحقا ذريعا. ففرّ كثيرون من جنده إلى البوادى.
وفر على وجهه مع بعض خاصته إلى الشرق ميمما الفرات، وأسروا هناك جميعا، وصلبوا ببغداد مع عشرات من القرامطة جئ بهم من الكوفة، وكان بينهم بغداديون ذاقوا المصير نفسه (٣). ويذكر الطبرى أن أخا لصاحب الشامة-لعله الأخ الثانى
стр. 1512
المسمى محمدا-عاث ببعض الأعراب فى نواحى دمشق لسنة ٢٩٣ ثم صار إلى طبرية فغلب عليها ودخلها وقتل عامة أهلها من الرجال والنساء ونهبها وانصرف إلى ناحية البادية (١). وأرسل زكرويه فى السنة نفسها داعية له إلى بادية الشام يسمى أبا غانم، فالتفّ حوله كثيرون وانتهب بهم بعض المدن القريبة من البوادى مثل بصرى وأذرعات، وتعقبتهم جنود الخلافة من ماء إلى ماء، وقتل أبا غانم أحد أتباعه (٢) فقضى على تلك الثورة. وبذلك تنتهى حركة زكرويه فى بوادى الشام، إذ يقضى العباسيون عليهم هناك قضاء مبرما، وأحكم لهم ذلك أنهم قضوا فى الوقت نفسه على الدولة الطولونية التى كانت قد ضعفت ضعفا شديدا، مما مكن لزكرويه وأبنائه وأتباعه أن يحدثوا هناك شغبا وفتنا كثيرة.
واستعادت الدولة سيطرتها كاملة على سواد الكوفة ومن كان به من أتباع زكرويه ويذكر المؤرخون أنه أنفذ إلى البدو داعية له من أهل السواد يسمى القاسم بن أحمد يدعوهم للخروج معه ومع شيعته من سواد الكوفة، واجتمع له كثيرون، حتى إذا كان المحرم من سنة ٢٩٤. هاجم قوافل الحجاج فى أوبتها من المسجد الحرام ونهب جميع ما كان معها من الأموال مما قدّرت قيمته بنحو مليونين من الدنانير وقتل من الحاج نحو عشرين ألفا، وبلغ النبأ بغداد، فندب له الخليفة المكتفى وصيف بن صوارتكين فى جيش جرار، فلقيه فى الرابع من شهر ربيع الأول وقتل من شيعته مقتلة عظيمة، وخلص بعض الجند إلى زكرويه فضربه بالسيف وهو فارّ ضربة اتصلت برأسه، فاستسلم، وأخذه أسيرا، وأسروا نائبه وخواصه وابنه وأقاربه وكاتبه وامرأته، وحمل وهو جريح فتوفى فى الطريق إلى بغداد من أثر الضربة (٣). وبذلك قضى على حركة زكرويه فى سواد الكوفة وبوادى الشام قضاء نهائيّا.
وإذا كانت حركة القرامطة قد باءت فى هاتين المنطقتين بإخفاق ذريع فإنها نجحت إلى حد بعيد فى منطقة الأحساء والبحرين على يد أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنّابى الذى مرّ ذكره آنفا، وكان من كبار دعاة حمدان قرمط، واستطاع أن
стр. 1513
يؤسس هناك دولة ظلت آمادا متطاولة إلى نحو منتصف القرن الرابع إذ دخلوا منذ سنة ٣٥٨ فى طاعة الخليفة العباسى وخطبوا له على المنابر. وكانت تسود فى دولة أبى سعيد الروح الاشتراكية التى بثّها أستاذه حمدان قرمط، وعظم أمره. وكثيرا ما كان يحدث لعهد الخليفة المكتفى أن يتقدم بجنوده نحو البصرة، وتلقاه جيوش الخلافة، ويقتتل الطرفان قتالا شديدا (١). وما زال يسوس دولته، حتى قتله غلام له صقلبى فى سنة ٣٠١ وقتل معه جماعة من قواده (٢)، فقام بالأمر من بعده ابنه أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنّابىّ، ونراه يهاجم البصرة بأتباعه بمجرد استيلائه على الحكم (٣)، حتى إذا كانت سنة ٣٠٧ عاد إلى مهاجمتها وإعمال النهب والسلب فيها (٤). ودخلها لسنة ٣١١ فى ألف وسبعمائة من أتباعه، وضعوا السيف فى أهلها، وقتلوا واليها سبكا المفلحى، وأحرقوا المربد وبعض الجامع ومسجد قبر طلحة، وظل بها سبعة عشر يوما يحمل على إبله ما نهبه من الأموال والمتاع (٥). وفى السنة التالية رصد الحاجّ فى مقدمهم من مكة لشهر المحرّم وأخذ يوقع بقوافلهم، وينهب الأموال، ويأسر ويقتل، وجاء الخبر إلى بغداد بذلك فوقع النّوح والبكاء وخرج النساء منشّرات الشعور مسوّدات الوجوه يلطمن ويندبن (٦). وفى سنة ٣١٣ سار الحجاج من بغداد ومعهم جعفر بن ورقاء فى ألف فارس، فلقيهم أبو طاهر، فناوشهم بالحرب، فخاف الناس ورجعوا إلى بغداد، فاتجه إلى الكوفة، فقاتلوه ورجحت كفته ودخل البلدة وأقام بها ستة أيام ينهب ويسلب، وكان مما نهبه منها أربعة آلاف ثوب وشى وثلثمائة راوية زيت (٧). وفى سنة ٣١٥ خرج فى ألف فارس وخمسة آلاف راجل متجها إلى الكوفة، وعلم المقتدر فجهّز لحربه يوسف بن أبى الساج فى عشرين ألفا، وتقاتلا على أبواب الكوفة، ودارت الدوائر على ابن أبى الساج وأسر جريحا، وقتلت جماعة كثيرة من أصحابه. وبلغ ذلك المقتدر فراعه الخبر، وندب مؤنسا لقتاله، فخرج بالعساكر إلى الأنبار فى أربعين ألفا، وانضم إليه أبو الهيجاء بن حمدان وإخوته فى أصحابهم وأعوانهم، ووقعت بينهما
стр. 1514
مناوشات ليست بذات بال، مما أغرى أبا طاهر بمنازلة بلدان كثيرة فى جنوب العراق سالبا ناهبا سافكا للدماء (١). وفى السنة التالية دخل الرحبة جنوبى قرقيسياء شمالى العراق، ووضع فيها السيف، فبعث إليه أهل قرقيسياء يطلبون الأمان فأمّنها، ثم دخلها. وتوجه إلى الرقة، فأخذها، وتفاقم أمره وكثر أتباعه (٢). حتى إذا كان موسم الحج لسنة ٣١٧ حدثت الطامة الكبرى إذ وافى أبو طاهر الحاجّ يوم التّروية، وهم يهلّون ويلبّون، وقتل الحجاج قتلا ذريعا فى فجاج مكة وداخل البيت الحرام وهم متعلقون بأستاره، ويقال إنه قتل منهم نحو عشرة آلاف، طرح كثير منهم فى بئر زمزم، وعرّى البيت من كسوته وقلع بابه واقتلع الحجر الأسود وأخذه معه إلى هجر، وظل هناك حتى ردّ إلى موضعه فى عهد الخليفة المطيع سنة ٣٣٩. ونهب جميع التحف التى زيّن بها الخلفاء الكعبة على مر الأزمنة وما كانوا رصّعوها به من الجواهر النفيسة، ويقال إنه كان يجلس على باب الكعبة والحجيج يصرعون حوله فى المسجد الحرام، وهو ينشد مثل قوله:
أنا لله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا
ويقال إنه كان زنديقا لا يصلى ولا يصوم ولا يؤدى فرائض الإسلام، مع تظاهره بأنه مسلم وزعمه أنه داعية عبيد الله المهدى بإفريقيا (٣). ولم يحج أحد منذ هذا التاريخ حتى سنة ٣٢٦، خوفا من شره وشر أتباعه من القرامطة، غير أن شرّه لم ينحسر عن العراق، إذ هاجم الكوفة لسنة ٣١٩، وعاود الهجوم عليها فى سنة ٣٢٥ ونازلته جنود الخلافة فى سنة ٣٣٠، ومات فى شهر رمضان لسنة ٣٣٢ بالجدرى بعد أن تقطعت بسببه أوصاله وأطرافه وهو ينظر إليها، وبعد أن طال عذابه ورأى فى جسده العبر. وخلفه أخوه سعيد (٤) بن الحسن الجنّابىّ، وهو الذى رد الحجر الأسود إلى مكانه بالكعبة، وكان العراق قد دخل فى حكم البويهيين فضعف شأن قرامطة البحرين والأحساء، واضطروا بأخرة إلى الدخول فى طاعة الخلافة العباسية ونبذ عقيدتهم القرمطية.
стр. 1515
٥ - أحداث مختلفة
لعل أهم ما أمر به المتوكل فى أوائل خلافته وقف القول بخلق القرآن وإنهاء حمل الناس بالقوة عليه وما كان من العنف بجلّة الفقهاء السّنيين وفى مقدمتهم أحمد ابن حنبل ممن رفضوا اعتناق هذا القول، وكانت المحنة بذلك بدأت-كما مرّ فى كتابنا العصر العباسى الأول-منذ عصر المأمون سنة ٢١٢، إذ جعل القول بخلق القرآن عقيدة رسمية للدولة وكتب إلى الآفاق بامتحان الفقهاء فيها، فمن لم يعلن جهارا اعتناقه لها ضرب وقيّد وأرسل إلى بغداد لمحاكمته وحبسه. وتظل المحنة قائمة فى عهد المعتصم، وإن خفّت حدّتها كثيرا، ثم تعود إلى الاشتداد لعهد الواثق ويعود معها العنف بالفقهاء ممن لا يجاهرون بأن القرآن مخلوق. حتى إذا ولى المتوكل أمر بوقف هذا العنف وكل ما اتصل به من امتحان وأن يترك الناس الخوض فى ذلك ويهتموا بالحديث والسنة (١). وبذلك هيأ لأن يأفل شأن الاعتزال ورجاله الذين دفعوا إلى هذه المحنة وظلوا يمدونها بالحطب الجزل، حتى أطفأ المتوكل نارها المشتعلة وأحالها رمادا، وكان لذلك أثر بعيد فى الحياة العقلية والفنية، فقد أفل نجم المعتزلة أصحاب الفكر الحر، وتألق نجم أهل السنة المحافظين، وأخذ الذوق المحافظ يسود فى كل شئ فى الشعر وفى الغناء، وحتى فى الدراسات الدينية، إذ ظهر مذهب داود الظاهرى الذى يرفض القياس.
وثار فى أذربيجان لسنة ٢٣٤، محمد بن البعيث وقضى على ثورته.
وتدخل سنة ٢٣٦، فيأمر المتوكل بهدم قبر الحسين فى كربلاء وهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره ويمنع الناس من إتيانه، فحرث الموضع وزرع ما حواليه حتى يزول أثره، وحلت بذلك محنة عظيمة على آل أبى طالب وشيعتهم. ويقول المسعودى إنه حين انتهى الفعلة إلى الحفرة وموضع اللحد لم يروا فيه أثر جثة ولا غيرها (٢). ويقول الطبرى: نودى فى
стр. 1516
الناس: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى السجون، فامتنع الناس من المصير إليه (١). وكان ذلك إنذارا شديدا للعلويين، فلم يتحرك منهم أحد لعهد المتوكل خشية بطشه، وبالمثل لم يتحرك الخوارج لا فى الموصل ولا فى خراسان.
وتظل الغزوات الصيفية للروم البيزنطيين-ويسمونها الصائفة-قائمة طوال عصر المتوكل، وينزلون فى سنة ٢٣٩ دمياط وينهبون كثيرا من الأمتعة والأموال، ثم يفرون إلى البحر المتوسط وما وراءه (٢). ويحاولون الإغارة على سميساط وبعض الثغور فى شمالى الشام والموصل، وينزل بهم على بن يحيى الأرمنى فى سنة ٢٤٥ هزائم متلاحقة (٣)، ويدور العام، فينكل بهم فى غزو الصائفة ويعود بأسلاب وغنائم كثيرة، كما ينكل بهم الفارس المغوار عمر بن عبد الله الأقطع وتكثر مغانمه، ويغزوهم الفضل بن قارن فى عشرين مركبا ويفتتح حصن أنطالية (٤).
وما يزال غزو صقلية مستمرّا فى عهد المتوكل منذ نزول العرب بها فى عصر المأمون حتى تستسلم نهائيّا (٥). وفى ديوان البحترى غزوة بحرية دمّر فيها أسطول المتوكل بقيادة أحمد بن دينار أسطول الروم لم يعرض لها المؤرخون (٦).
ويولّى المتوكل سنة ٢٣٧ محمد بن عبد الله بن طاهر الشرطة وأعمال السواد فى العراق ونيابته فى بغداد، وهى وظيفة تشبه وظيفة المحافظ لعصرنا، وظل يتولاها حتى وفاته سنة ٢٥٣ وظلت بعده فى بيته طويلا. وفى سنة ٢٤١ ثارت البجة فى شمالى السودان على والى مصر وامتنعت من دفع الخراج، واشتبك معها محمد بن عبد الله المعروف بالقمى فى سلسلة من المعارك توالت فيها انتصاراته، وما زال يقاتلهم حتى أنابوا إلى الطاعة وعادوا إلى أداء ما كانوا يؤدونه من الخراج (٧). وفى سنة ٢٤٤ غضب المتوكل على بختيشوع المتطبب وصادر أمواله وأمر بنفيه إلى البحرين (٨).
ويقول المسعودى: «كانت أيام المتوكل أحسن أيام وأنضرها من استقامة الملك وشمول الناس بالأمن والعدل» (٩).
стр. 1517
وخلفه ابنه المنتصر فى شوال سنة ٢٤٧، وكانت خلافته قصيرة لم تزد على ستة أشهر، وفيها وجّه جيشا كثيفا بقيادة وصيف لغزو الصائفة (١). ولعل أهم أعماله أنه أمر بالكف عن العلويين وألا يمنع أحد من زيارة كربلاء والنجف وما بهما من قبور آل أبى طالب، وأمر بردّ أرض فدك فى الحجاز إلى أولاد الحسن والحسين، وأطلق أوقاف العلويين جميعا وأمر ألا يتعرض أحد لشيعتهم بأذى أو مكروه (٢). وخرج لعهده محمد بن عمرو الشارى بناحية الموصل، وتجمع حوله كثيرون من الخوارج تزعمهم وحضهم على الثورة وانضم إليهم كثيرون من الأكراد، فوجه إليه جيشا بقيادة سيما التركى، هزمه هزيمة ساحقة، وساقه مع طائفة من أصحابه أسيرا إلى سامرّاء، فقتلوا وصلبوا جميعا (٣). وفى عهده بدأ يعقوب ابن الليث الصفار ثورته فى سجستان وتحرك إلى هراة (٤).
ويتولى الخلافة المستعين بالله نحو ثلاث سنين وثمانية أشهر، وفى عهده يعود أبناء عمه الطالبيين إلى التحرك، فيخرج بالكوفة لسنة ٢٤٨ يحيى بن عمر الطالبى حفيد زيد بن على زين العابدين، ويرسل إليه المستعين بجيش كثيف يقضى على ثورته ويقتل ويحمل رأسه إلى بغداد ويصلب ويبكيه كثير من الشعراء لورعه وتقواه (٥)، وجيمية ابن الرومى فى رثائه والتفجع عليه مشهورة، وفيها يقول:
سلام وريحان وروح ورحمة ... عليك وممدود من الظل سجسج (٦)
وفى سنة ٢٥٠ يخرج الحسن بن زيد، وهو من حفدة زيد بن على زين العابدين ابن على بن أبى طالب، وكان خروجه بطبرستان ويغلب هناك على بلاد الديلم جميعها (٧)، ويظل ثابتا لجيوش الدولة العباسية حتى يلبى نداء ربه لعهد المعتمد سنة ٢٧٠ ويخلفه من بعده أخوه محمد (٨). ويخرج على المستعين علويون مختلفون
стр. 1518
بالرّى وقزوين والكوفة ويقضى عليهم جميعا (١). ويتحرك بعض الخوارج ويلقاهم المصير نفسه (٢). وتحدث حينئذ أكبر فاجعة أصابت الغزاة المقاتلين فى جبهة الروم إذ استشهد فى سنة ٢٤٩ بطلان مغواران من أهل البأس والنجدة والمكيدة فى الحروب، هما عمر بن عبيد الله الأقطع وعلى بن يحيى الأرمنى اللذان طالما دوّخا الروم وأنزلا بهم هزائم ساحقة، أما عمر فكان يغزو الصائفة فى جمع من أهل ملطية فلقيه إمبراطور بيزنطة فى جيش جرار بلغ خمسين ألفا، ونشب القتال بينهما، واستبسل عمر فى الجموع القليلة التى كانت معه استبسالا رائعا، ولكنهم استطاعوا لكثرتهم أن يحيطوا به، فاستشهد فى ألف من المسلمين الأبرار، بعد أن أبلوا فى المعركة بلاء عظيما. وأما على فكان قد انصرف من الثغور إلى ديار بكر شمالى العراق، وجاءه نعىّ عمر المفجع، فاستشاط غضبا وأسرع إليه فى أربعمائة مقاتل، وهو لا يعلم عدّة الروم، فأحاطوا به مثل صاحبه، ومضى إلى ربه شهيدا (٣)
وبويع بالخلافة المعتز فى المحرم من سنة ٢٥٢ وفى عهده أوقع مفلح بعبد العزيز ابن أبى دلف الثائر بالكرج وهزمه هزيمة نكراء (٤)، ودخل مفلح لسنة ٢٥٥ طبرستان، وهزم الحسن بن زيد العلوى وأحرق منازله، وفر الحسن إلى الديلم، وتوجه مفلح نحوه (٥). وعلا حينئذ شأن يعقوب بن الليث الصفار، واستولى على كرمان وفارس (٦). وأقطع المعتز حاجبه بايكباك مصر لسنة ٢٥٤ فولى عليها أحمد بن طولون، وسرعان ما أسس بها الدولة الطولونية.
وتولّى الخلافة المهتدى فى سنة ٢٥٥ ومكث فى الخلافة أحد عشر شهرا، وكان صالحا تقيّا عادلا طاهر السيرة، أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وحرّم الشراب والاختلاف إلى القيان للسماع، وبنى قبة جلس فيها لاستقبال العام والخاص، والنظر فى المظالم وأقل من المطعم والمشرب، وكان يخطب بنفسه خطبة الجمعة ويؤم الناس فى المسجد الجامع، وكانت الخلفاء قبله تنفق على موائدها فى كل يوم
стр. 1519
عشرة آلاف درهم، فأزال ذلك وجعل لمائدته وسائر مؤنه كل يوم نحو مائة درهم، وكان يواصل العبادة والصيام (١)، فبدا غريبا عن روح العصر، وثقل حكمه على الأتراك فأعملوا الحيلة عليه حتى قتلوه. وفى عهده بدأ أمر صاحب الزنج يظهر على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع.
وخلفه المعتمد فى رجب سنة ٢٥٦ وكان يؤثر اللذة ويعكف على الملاهى غير أنه رزق حظوة بأخيه أبى أحمد الموفق وكان حازما مقداما بعيد النظر عارفا بأمور الحرب وشئون السياسة، فغلب على الخلافة وتدبيرها، وأصبح المعتمد معه كالمحجور عليه. وكانت الخلافة العباسية تردّت فى هوة بعيدة القرار، فأعاد إليها هيبتها، وقضى كما مرّ بنا على ثورة الزنج قضاء مبرما، وهزم يعقوب بن الليث الصفار هزيمة نكراء، اضطر على إثرها إلى الفرار إبقاء على نفسه من الموفق وجنوده. وتحركت حينئذ الخوارج فى الموصل وخراسان، وقضى على حركاتها جميعا (٢). وكان القواد من أصحاب الثغور وغيرهم لا يزالون ينازلون الروم فى الصوائف وفى مقدمتهم البطل يازمان الذى نكّل بهم لسنة ٢٧٤ ودارت السنة فغزاهم فى البحر، وأخذ لهم أربعة مراكب (٣).
ويلى الخلافة المعتضد لسنة ٢٧٩، وكان صورة قوية للحزم والجد اللذين ليس بعدهما جد وحزم، كما كان فارسا شجاعا وبطلا مغوارا أنقذ الخلافة مع أبيه الموفق من الزنج الثائرين الذين دوّخوا القواد قائدا تاو قائد. وفى أيامه سكنت الفتن وصلحت البلدان واستقامت له الأمور ورخصت الأسعار. وأديل له دائما من المخالفين عليه، وكانت جيوشه تغدو وتروح بالنصر، وممن ظفر بهم هرون الشارى الذى خرج بالموصل (٤) وثار عليه بأصبهان والجبل فى سنة ٢٨٣ بكر بن عبد العزيز بن أبى دلف العجلى الشيبانى فوجه إليه عيسى النوشرى ففرّ من أمامه، ثم عاد إلى الظهور فى سنة ٢٨٤، وقضى على ثورته. ونازل له السامانيون محمد بن زيد العلوى أخا الحسن الذى مر ذكره، إذ هاجموه بطبرستان وقتلوه على أبوابها (٥) لسنة ٢٨٧. ونازلوا له الترك وفتحوا حاضرتهم وأسروا ملكهم وامرأته خاتون ونحوا من
стр. 1520
عشرة آلاف مع ما أخذوا من الأسلاب والغنائم الوافرة (١)، وغزت جيوشه الروم وكبدتهم خسائر فادحة، او غزاهم قائده راغب فى البحر لسنة ٢٨٥، واستولى منهم على مراكب كثيرة، غير ما أغرقه، وضرب أعناق ثلاثة آلاف منهم وفتح كثيرا من حصونهم (٢). ويغادر أبو عبد الله الشيعى فى عهده الشام إلى المغرب وينزل بقبيلة كتامة ويدعوهم إلى عبيد الله المهدى جد الخلفاء الفاطميين الذى كان قد فرّ من الحسين بن زكرويه، على نحو ما أسلفنا فى حديثنا عن القرامطة والإسماعيلية (٣). ويحدث لعهد المعتضد حادث مفجع إذ يوغر دميانة أحد قواده فى الثغور صدره على أهل طرسوس لشئ كان فى نفسه منهم، ويشير عليه أن يحرق سفنهم التى كانوا يغزون فيها الروم. والعجب العجاب أن يصيخ له المعتضد المعروف بكياسته، غير أن هذا الشيطان عرف كيف يؤثر فيه، فأمر بإحراق جميع سفنهم البحرية وإحراق جميع آلاتها الحربية، يقول الطبرى: «وكانت خمسين مركبا قد أنفقت عليها أموال جليلة فأضرّ ذلك بالمسلمين وكسر فى أعضادهم وقوى به الروم وأمنوا أن يغزوا فى البحر أو تدمّر سفنهم وأساطيلهم فيه» (٤).
ويتولى الخلافة المكتفى سنة ٢٨٩، وكان يتوخى العدل والإنصاف فى محكمه، فردّ المظالم إلى أهلها ومالت إليه قلوب الرعية. وفى عهده تمّ القضاء على زكرويه القرمطى ومن بقى من أبنائه وفتح جيشه المقيم بطرسوس أنطالية على ساحل البحر المتوسط عنوة، وقتل من أهلها خمسة آلاف، وأسر مثلهم، واستولى على ستين مركبا للروم حمّلها ما غنم من الرقيق والمتاع والذهب والفضة (٥). ويذكر آدم ميتز أنه فى السنة نفسها، وهى سنة ٢٩٣، استولى المسلمون على مدينة سالونيقى ثانية مدن الدولة البيزنطية وأسروا من أهلها اثنين وعشرين ألفا (٦). وفى السنة التالية غزت جنود المكتفى سلندو وآلس وفتح الله عليهم وقتلوا من أهلهما مقتلة كبيرة (٧). وفى السنة نفسها ظهر السفيانى بالشام، ودعا إلى نفسه، وتبعه نفر، فحملوا جميعا مقيّدين إلى باب المكتفى (٨).
стр. 1521
ويخلفه أخوه المقتدر سنة ٢٩٥ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وما يوافى شهر ربيع الأول لسنة ٢٩٦، حتى يجتمع كثيرون من الكتاب والقضاة وذوى الرأى ويجمعوا على خلعه وتولية ابن المعتز، وتتم له البيعة، ولا يكاد يمضى عليه يوم وليلة حتى ينتقض الأمر عليه كما مر بنا فى غير هذا الموضع، فيقتل وتردّ الخلافة على المقتدر، ويصبح لعبة فى أيدى الترك يحركونه كما يشاءون، وتعود الدولة إلى سيرتها القديمة السيئة قبل المعتمد وأخيه الموفق. وكان فى بيت المال يوم تولى الخلافة خمسة عشر مليونا من الدنانير بدّدها كلها، وبدّد معها القناطير المقنطرة من الأموال التى كانت تجبى من أطراف الدولة الواسعة. وتحكمت أمه «شغب» ووصيفاتها فى شئون الدولة، وعاد الأتراك إلى طغيانهم وفسادهم، فكثرت الرشوة وعمّ الظلم والبغى، وكثر الوزراء وكثرت مصادراتهم ومصادرات الكتّاب والتجار، كما كثر الاستيلاء على أموال ذوى اليسار بغير حق، مما ألممنا به فى غير هذا الموضع. وكان هذا الفساد سبا فى كثرة الفتن والثورات، وما توافى سنة ٣٠٠ للهجرة حتى يثور على الدولة بطبرستان والديلم الأطروش العلوى وهو الحسن بن على الحسنى، لقّب نفسه بالداعى، واستطاع أن يدخل فى الإسلام كثيرين استجابوا له، وبنى لهم المساجد، وكان حصيفا فاضلا أصلح الله الديلم به (١). وأغار الروم على اللاذقية بحرا وسبوا منها، خلقا كثيرا، وردّ دميانة قائد الأسطول العربى فى البحر المتوسط على هذا الغزو فى السنة نفسها وهى سنة ٢٩٨ فغزا بأسطوله قبرص وفتح بها كثيرا من الحصون وحرق وسبى كثيرين (٢). وفى سنة ٣٠٤ غزا مؤنس بلاد الروم من ناحية ملطية وفتح حصونا كثيرة (٣)، وردّ الروم على هذا الغزو فى سنة ٣١٤ فدخلوا ملطية بالسيف، وقتلوا وسبوا، وظلوا فيها أياما (٤). وفى سنة ٣١٣ فتحت بلوخستان، وكانت لا تزال وثنية فدخلت فى دين الله.
وتولى الخلافة القاهر بالله سنة ٣٢٠، وكان مولعا بالشراب والغناء، وكان سفاكا للدماء، شديد البطش بمن يغضب عليه من الأتراك، وقتل منهم نفرا فى مقدمتهم مؤنس الملقب بالمظفر أكبر الحجاب فى عصره وعصر المقتدر، وهابه الناس وخشوا
стр. 1522
صولته، ومع إدمانه للخمر أمر بتحريمها وتحريم السماع وقبص على المغنين وكسر آلات اللهو وأمر بتتبع الجوارى من المغنيات (١)، وما زال مخوف السطوة حتى احتيل عليه بعد سنة ونصف من خلافته فخلع وسملت عيناه، وهو أول من عوقب هذا العقاب الصارم من الخلفاء، وهى عادة بيزنطية ذميمة، وقد عاش بعدها سبعة عشر عاما.
وخلفه الراضى بالله ابن أخيه المقتدر سنة ٣٢٢، وكان سمحا جوادا مقربا للعلماء والأدباء، ولم يكن ينصرف عنه أحد من ندمائه إلا بخلعة أو صلة، ومن أهمهم أستاذه الصولى أبو بكر محمد بن يحيى وابن الأنبارى. وخصّه الصولى بترجمة ضافية فى كتابه الأوراق، فى القسم الخاص بأبناء الخلفاء، روى فيها طائفة كبيرة من أشعاره، وهو آخر خليفة له شعر مدوّن، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجند، وآخر خليفة خطب فى صلاة الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء (٢). وفى عهده قتل ابن مقلة الأديب والخطاط المشهور بعد أن اعتلى كرسى الوزارة مرارا.
وعظم أمر ابن رائق بعد توليه الوزارة، إذ قلّده الراضى جميع أمور الدولة، غير أنه لم يلبث أن صار محجورا عليه وكالأسير فى يده (٣). وفى أوائل عهده سنة ٣٢٤ شنّ سيف الدولة الحمدانى أول حرب على الدمستق فى آمد (٤)، وتوالت بعد ذلك حروبه مع البيزنطيين.
ويتولى الخلافة المتقى سنة ٣٢٩، وكان ناسكا تقيّا يصوم الدهر، ولم يشرب النبيذ قط ولا اتخذ جلساء ولا ندماء، وكان يقول: المصحف نديمى ولا أريد جليسا غيره، غير أنه كان تعس الحظ إذ جاء بأخرة وقد فسدت الأمور وأفلت الزمام من يد الدولة، لاشتداد المنافسة بين الوزراء والأمراء وخاصة آل البريدى بالموصل. وبلغ من اضطراب الأحوال أن استولى أبو الحسين البريدى على بغداد، ومضى البريدى يسوم الناس ظلما فادحا فى الخراج وغير الخراج ويأخذ أموال التجار وغيرهم غصبا، أما الخليفة فلجأ إلى الحمدانيين فى الجزيرة،
стр. 1523
وما زال ينتقل معهم إلى أن قدموا به إلى بغداد وهرب منها البريدى، وخلع حينئذ على الحسن بن عبد الله بن حمدان ولقبه بناصر الدولة وعلى أخيه علىّ ولقّبه بسيف الدولة (١). ولم تهدأ الأمور فى بغداد فقد تفاقم أمر العيّارين وازداد النهب حتى خلت الدور من أهلها وعطلت المساجد والأسواق وأغلقت الحمامات. وكأنما كتب على المتقى أن يعيش سنى خلافته بائسا تعيسا. حتى القصور وقبابها يصيبها الدمار فقد سقطت لأوائل خلافته قبة قصر المنصور الخضراء، وكأنما كان ذلك إيذانا بأفول نجم الدولة العباسية، إذ كانت تلك القبة تاج بغداد وعلمها المعلم (٢). وفى سنة ٣٣١ زحف الروم على أرزن بأرمينية وميّافارقين ونصيبين بديار بكر، فقتلوا وسبوا كثيرين، وطلبوا من أهل مدينة الرّها منديلا من كنيستها زعموا أن المسيح ﵇ مسح به وجهه فارتسمت صورته، وقالوا إن سلمتموه لنا أطلقنا كل من بأيدينا من أسرى المسلمين. وكوتب الخليفة المتقى فى ذلك، فاستفتى الفقهاء والقضاة، واختلفوا فى الرأى، ورجحت كفة من قالوا بإعطائهم إياه، لأن خلاص المسلمين من الأسر أوجب، فأرسل المنديل إلى الروم وأطلقت الأسارى، وحملوا المنديل إلى القسطنطينية، وخرج البطريرك ورجال الدين والدولة لاستقباله فى موكب كبير (٣). وما زالت الأمور تسوء والحكم يزداد فسادا، وتوقف جهاد الروم، ونهب الحجاج وقطعت الطرق، وأخذت دعائم الدولة تتداعى تداعيا شديدا، ولم يلبث توزون القائد التركى للمتقى أن غدر به، فقبض عليه وخلعه، لقاء ستمائة ألف دينار أخذها من أحد الطامحين إلى الاستيلاء على الخلافة، وتولت الجارية الشيرازية «حسن» سمل عينيه بيد غلام لها سندى. وعاش بعد خلعه خمسا وعشرين سنة (٤)، ومات توزون بعد خلعه بقليل.
ويخلفه المستكفى سنة ٣٣٣ بعد أن تآمر عليه مع توزون والجارية الشيرازية، ونادرا ما كان يهنأ بأيامه فى الخلافة، إذ كان يتقاذفه الترك وهذه المرأة الجشعة، فلم يهدأ له بال. ولم يدر عليه عام فى خلافته حتى دخل بنوبويه بغداد وصارت
стр. 1524
إليهم مقاليد الأمور، وسرعان ما طلبوا إليه أن يخلع نفسه، فنزل على مشيئتهم، غير أنه اشترط ألا يقطع شئ من أعضائه، وكان المطيع أخو المتقى هو الذى خلفه فأمر بأن تسمل عيناه انتقاما لأخيه. وبذلك انتهت الحقب التى استولى فيها الأتراك على مقاليد الخلافة العباسية، وأنزلوا بالخلفاء ما لا يطاق من الذل والهوان.
стр. 1525
الفصل الثّانى:
الحياة الاجتماعية
١ - طبقات المجتمع
كان يتوزّع مجتمع العصر العباسى الثانى ثلاث طبقات أساسية: طبقة عليا تشتمل على الخلفاء والوزراء والقواد والولاة ومن يلحق بهم من الأمراء وكبار رجال الدولة ورءوس التجار وأصحاب الإقطاع من الأعيان وذوى اليسار، وطبقة وسطى تشتمل على رجال الجيش وموظفى الدواوين والتجار والصناع الممتازين، ثم طبقة دنيا تشتمل على العلمة من الزّراع وأصحاب الحرف الصغيرة والخدم والرقيق، ويأتى فى إثر تلك الطبقات أهل الذمة.
وكانت الطبقة الأولى تغرق فى النعيم، يتقدمها الخلفاء وكانت تجبى إليهم أموال الخراج من سواد العراق وأقاصى الدولة وأدانيها غير ما كان يجبى من المكوس على الواردات والصادرات، وعادة كان الوالى يرسل إلى بغداد ما تبقى لديه من الإنفاق على شئون إمارته وحاجتها من المساجد والبيمارستانات ومن بها من الجند والموظفين.
وذكر ابن خرداذبة أن الدخل من سواد العراق لسنة ٢٤٠ للهجرة بلغ ثمانية وسبعين مليونا من الدراهم، وبلغ دخل جزء منه فى عهد المعتضد لسنة ٢٨٠ مليونين وخمسمائة وعشرين ألفا من الدنانير (١). وتدهور الدخل فى عهد المقتدر ومع ذلك نرى خراج سواد العراق يبلغ مليونا وخمسمائة وسبعة وأربعين ألف دينار، ويورد الصابى مع هذا الإحصاء الدخل العام لعهده فى سنة ٣٠٦، ويذكر أنه بلغ أربعة عشر مليونا وثمانمائة وتسعة وعشرين ألفا وثمانمائة وأربعين دينارا (٢).
стр. 1526
وكانت هذه القناطير المقنطرة من الدراهم والدنانير تنفق سنويّا، وقلما كان يتبقى منها شئ ويقال إنه لما ولى المعتضد (٢٧٩ - ٢٨٩ هـ) ادّخر من كل سنة من سى خلافته مليون دينار، بلغ ما ادخره تسعة ملايين (١)، وخلفه ابنه المكتفى (٢٨٩ - ٢٩٥ هـ)، فبلغ بالمدّخر أربعة عشر مليونا (٢). وجاء بعده المقتدر فلم يقف عن الادخار فحسب، بل أتلف كل المدّخر مع ما صار إليه من أموال الخراج سنويّا ومما كانت تغلّه الضياع السلطانية الواسعة، حتى قالوا إنه بدّد-كما مرّ بنا فى الفصل الماضى-ثمانين مليونا من الدنانير. ويورد الصابى فى كتابيه: الوزراء ورسوم دار الخلافة أثباتا (٣) بما كان ينفق على حواشى الخليفة وداره فى عصر المعتضد والمقتدر (٢٩٥ - ٣٢٠ هـ)، وهى تصور عظم هذه النفقات. فقد كان ينفق على القصر والحرم والخدم أكثر من ستين ألف دينار شهريّا وكان ينفق على المطابخ الخاصة والعامة أكثر من عشرة آلاف دينار شهريّا، بل قد يبلغ ذلك أكثر من ثلاثين ألفا، غير ما ينفق على البوابين من البيض والسودان وكان يبلغ ألف دينار، وغير ما ينفق على المماليك والحرس وكانوا يعدّون بالآلاف، وغير ما ينفق على المرسومين لخدمة الدار من القرّاء وأصحاب الأخبار والمنجمين والبوقيبن والمصحكين والطبالين وأصحاب الصيد والملاّحين فى السفن وأصحاب المشاغل والأطباء، ويقول الصابى إن نفقة ذلك كله وما يجرى مجراه مما يلزم الدار كان يبلغ أكثر من مليونين وخمسمائة ألف دينار سنويّا. ويقال إنه كان فى الدار لأيام المكتفى عشرون ألف غلام للحرس وعشرة آلاف خادم من السود والصقالبة، أما فى أيام المقتدر فكان بها أحد عشر ألف خادم منهم تسعة من السود وأربعة من الصقالبة وأربعة آلاف امرأة بين حرة ومملوكة وألوف من الغلمان الحجرية (المقيمين فى الحجر)، وكانت النوبة لحفظة الدار خمسة آلاف غير أربعمائة من الحراس، وكان عدد الفراشين ثمانمائة (٤). ويروى المؤرخون أن الراضى (٣٢٢ - ٣٢٩ هـ)، عمل على القصد الشديد فى نفقات دار الخلافة، حتى بلغت مع
стр. 1527
شدة الحذف والاقتصاد ثلاثة آلاف دينار (١) يوميّا.
وقد بدأ العصر بالمتوكل، ويقال إن النفقات لم تبلغ فى عصر من عصور الخلفاء ما بلغته فى عصره، وخاصة فى بناء القصور، وقد أحدث فيها البناء الموسوم باسم البناء الحيرى، وكان يجعل فيه دون القصر ثلاثة أبواب عظام، وكان فى الراق مجلس الخليفة، وأمامه بيتان بهما خواصه وعلى اليمين خزانة الكسوة وعلى اليسار ما يحتاج إليه من الشراب (٢). وكان كلما بنى قصرا أتبعه بآخر، حتى بلغت قصوره نحو العشرين، وهى: بركوار (دار الهناءة) والشاه والعروس والبركة والجوسق والمختار والجعفرى والغريب والبديع والصبيح والمليح والشبداز والقصور والجامع والقلاية والبرج والمتوكلية والبهو واللؤلؤة، وبلغ ما أنفقه على تلك القصور مائتين وأربعة وسبعين مليونا من الدراهم (٣). وكان البرج من أجملها زينة إذ جعل فيه صور عظيمة من الذهب والفضة، وبركة جعل فرشها ظاهرا وباطنا صفائح الفضة، وشجرة ذهب على أغصانها وفروعها طيور تغرّد وتصفر مكللة بالجوهر، وسميت طوبى (من أشجار الجنة). واتّخذ له سرير كبير من الذهب عليه تمثالا سبعين عظيمين ودرج عليه صور السباع والنسور. وألبست حيطان القصر من الداخل والخارج بالفسيفساء والرخام المذهب، ويقال إن نفقة هذا القصر وحده بلغت مليونا وسبعمائة ألف دينار (٤). وتبارى الخلفاء بعد المتوكل فى بناء القصور، فبنى المعتز ابنه قصره المعروف باسم التاج أو الساج وكان قصرا ضخما (٥)، وبنى المعتمد (٢٥٦ - ٢٧٩ هـ) قصره المعشوق على شاطئ دجلة (٦)، وبنى المعتضد قصر الثّريّا، وكان أبنية متلاصقة، ووصل بينها وبين قصر التاج بسرداب طويل لتمشى فيه حظاياه، وفيه يقول ابن المعتز (٧):
وبنيان قصر قد علت شرفاته ... كصفّ نساء قد تربّعن فى الأزر
стр. 1528
ولعل فى كثرة هذه القصور ما يشير إلى أن دار الخلافة كانت واسعة، وكان القصر الواحد أحيانا يمتد إلى فرسخ أو يزيد، ويقال إن قصر الثريا كان يمتد إلى ثلاثة فراسخ وإنه كلّف المعتضد-كما قدمنا فى الفصل الماضى-أربعمائة ألف دينار.
وكأنما كانت دار الخلافة وقصورها أشبه بمدينة، ومرّ بنا آنفا عدد من كان بها فى عصر المكتفى والمقتدر من الغلمان والحرس والخدم، وأنهم كانوا يعدّون بالآلاف، فطبيعى أن يكون بها فلاحون وأكرة للعمل ومساجد وحمامات تفوت الحصر حتى قالوا إن الحمامات بلغت بها أحيانا أربعمائة (١). وكانت الدار تشتمل على بساتين وجداول متصلة بدجلة وقباب شتى وأروقة وبرك ومياه جارية.
وكان الوزراء يعيشون فى هذا النعيم نفسه لما كانوا يأخذونه من رواتب ضخمة وإقطاعات وما كانوا يختلسونه لأنفسهم من أموال الدولة، ويقال إن الوزير كان يأخذ إقطاعا يدرّ عليه مائة وسبعين ألف دينار، حتى إذا كان عهد المقتدر أجرى عليه راتب قدره خمسة آلاف دينار فى كل شهر، ثم صار سبعة آلاف (٢).
ولكى نتصور مبلغ ثراء الوزراء يكفى أن نعرف أن المعتمد (٢٥٦ - ٢٧٩) استخلص-كما مر بنا فى الفصل الماضى-من وزيره سليمان بن وهب وابنه عبيد الله نحو مليون دينار، ويروى أنه أحصى ما وجد لوزيره صاعد من الرقيق والمتاع والكسوة والسلاح والآلات فى خاصة نفسه دون ما وجد لأخيه عبدون فكان مبلغه ثلثمائة ألف دينار، وكان مبلغ غلته فى سائر ضياعه مليونا وثلثمائة ألف (٣).
ويذكر المؤرخون عن ابن الفرات وزير المقتدر أنه كان يملك-كما ذكرنا فى غير هذا الموضع-من الفضة والضياع والأثاث ما يزيد على عشرة ملايين من الدنانير.
وكانت لسليمان بن وهب دار كبيرة جعلتها الدولة بعده لكل وزير حتى سنة ٣٢٠، وكانت تسمى دار المخرّم، وكانت مساحتها تربو على ثلثمائة ألف ذراع (٤). وكانت دار ابن الفرات مدينة ضخمة حتى كان بها فوجان من الخياطين (٥)، ويقال إنه
стр. 1529
لما عين وزيرا زاد ثمن الشمع فى يوم تعيينه لأنه كان من رسمه ألا يخرج أحد من داره وقت العشاء إلا ومعه شمعة، وسقى فى داره فى ذلك اليوم وليلته أربعون ألف رطل ثلجا (١).
وكان للوزير بدار الخلافة بناء مفرد يجلس فيه والخواصّ والحواشى بين يديه إلى أن يستدعيه الخليفة، وكان يغدو إليه الكتّاب، فيقفهم على الأعمال المطلوبة منهم ويسلم إلى كل كاتب ما يتعلق بديوانه ويوصيه بما يريد منه، ثم يروحون إليه بما عملوا، وفى أثناء ذلك تعرض عليه الكتب بالنفقات والتسبيبات والحسبانات (٢)، والكتّاب جلوس بين يديه كلّ فى مكانه ومعه دواته.
وكان الوزير يتخذ مثل الخليفة حرسا على باب داره وقذ يعدون بالعشرات (٣) وكان مجلسه يغصّ بغلمان مسلّحين، وكان يركب إلى دار الخلافة وبين يديه الحجاب والقواد والغلمان، ويقال إنه كان لحامد بن العباس أحد وزراء المقتدر أربعمائة مملوك يحملون السلاح أمامه، ولكل مملوك نفر من المماليك والغلمان يتبعونه، ويروى بعض الكتاب أنه أحصى الموائد المنصوبة فى داره فوجدها ثلاثين ونيفا ويقال، بل كانت أربعين، وكان يجلس إلى كل مائدة ثلاثون رجلا، وعلى كل واحدة جدى أو جداء وبوارد وحلوى مما لذ وطاب (٤). وكان الوزير يتولّى إدارة مالية البلاد والقيام على الدخل والخرج وفرض الضرائب. واشتهر غير بيت بتوليه الوزارة مثل بيت بنى وهب وأصلهم من نصارى العراق، وعمل كثير منهم فى الدواوين وبلغوا فيها أعلى المناصب، أما الوزارة فتولاها منهم فى هذا العصر أربعة، كان فى مقدمتهم سليمان بن وهب الذى مرّ بنا ذكره ثم ابنه عبيد الله، ثم ابن عبيد الله القاسم، ويقال إن المكتفى زوّج ابنه أبا أحمد من ابنته، وإنه خلع عليه أربعمائة خلعة، أما الصداق فكان مائة ألف دينار (٥)، وأنفق على
стр. 1530
الوليمة أكثر من عشرين ألف دينار (١).
وعلى نحو ما كان الوزراء والخلفاء يعيشون فى هذا الترف كان يعيش فيه أيضا القواد، وكان بيدهم مصير الخلفاء وكانوا يفدون أنفسهم منهم بكل ما يطلبون من أموال، وكانوا يقطعونهم إقطاعات كثيرة على نحو ما كانوا يقطعون الوزراء، فكانت لهم ضياع واسعة تغلّ عليهم أموالا وفيرة، ولعل خليفة لم يكثر من الإقطاع لهم كما أكثر المقتدر، ويقال إن إقطاعات يانس الموفقى فى عهده كانت تغلّ سنويّا ثلاثين ألف دينار. وبلغ حينئذ من مكانة القواد أن خلع المقتدر على مؤنس لقب المظفر (٢)، ولما قدم بغداد فى عام ٣١٢ للهجرة ركب الوزير ابن الفرات السلام عليه وتهنئته بمقدمه (٣)، وهو ما لم تجربه عادة وزير من قبله، فقد أصبح القواد يقدّمون على الوزراء. وكان لهم حجّابهم ومماليكهم وحشمهم وخدمهم ونفقاتهم الواسعة على نحو ما كان للوزراء. وبالمثل كان ولاة الأقاليم، وكان حامد ابن العباس الذى مر بنا ذكره قبل توليته الوزارة للمقتدر واليا على فارس والبصرة ومن ولايتهما كوّن ثروته الواسعة. ويروى أن خمارويه صاحب مصر حين زوّج ابنته قطر الندى من المعتضد الخليفة العباسى حمل معها من الجهاز ما لم ير مثله ولا يسمع به، وكان ابن الجصاص الجواهرى البغدادى القائم على الجهاز، ويقال إنه سأله هل بقى بينى وبينك من الحساب شئ؟ فأجابه كسر (باق) طفيف وإذا هو أربعمائة ألف دينار (٤)، فما بالنا إذن بنفقات الجهاز كله. ويتوقف المؤرخون ليقصوا لنا هدايا الصفار والى فارس للمعتضد وما كان معها من تماثيل وملايين الدراهم وصناديق الثياب (٥). وكان مما أرسله إسماعيل بن أحمد السامانى والى خراسان إلى المكتفى سنة ٢٩٢ ثلثمائة بعير عليها صناديق فيها المسك والعنبر والثياب من كل لون (٦). وكأنما أموال الولايات ودخولها كانت ملكا للولاة ينفقونها فى بذخهم ويهدونها بحسب مشيئاتهم. وتوفى لسنة ٣٠١ على بن أحمد الراسبى وكان متوليّا من حدود واسط فى العراق إلى جنديسابور ومن السوس إلى شهرزور، وخلّف مليون دينار ومن آنية الذهب والفضة ما قيمته مائة ألف دينار
стр. 1531
ومن الخزّ ألف ثوب، وخلّف ألف فرس وألف بغل وألف بعير، وكان له ثمانون طرازا (مصنع ثياب) تنج فيها الثياب التى لملبوسه (١) وملبوس حرمه وحواشبه وخدمه.
وكان أبناء البيت العباسى يتقاضون من الدولة رواتب ثابتة، ومثلهم العلويون والهاشميون بصفة عامة، وكثيرون منهم كانوا يتولون مناصب هامة، وكان منهم دائما من يحج بالناس فى كل عام. وكان الخلفاء ما يزالون يقطعون المقرّبين منهم إقطاعات وضياعا كثيرة، بالإضافة إلى كثير من الضياع التى كانوا يرثونها عن آبائهم وأجدادهم. وكان الوزراء كثيرا ما يتقربون إليهم بالهدايا والعطايا، ويقال إن على بن عيسى وزير المقتدر كان ينفق فى كل سنة-على شحّه-أربعين ألف درهم فى صلات الطالبيبين والعباسيين وأولاد الأنصار والمهاجرين وفى مصالح الحرمين (٢) وكان المعتضد يجرى على أبناء المتوكل وأولادهم ذكورا وإناثا ألف دينار شهريّا، وكان يجرى على أولاد الواثق والمهتدى والمستعين خمسمائة دينار فى الشهر (٣).
وأعان ذلك كله على اتساع الطبقة الأرستقراطية وأن تنشأ أجيال من أبنائها غارقة فى الدعة والنعيم، وفى مقدمتهم أبناء الخلفاء والوزراء والقواد والأمراء وبالمثل أبناء كبار الكتاب، وكثيرا ما كان يصل آباؤهم إلى الوزارة، وحتى من لم يصل إلى الوزارة كان يتقاضى أحيانا مائة دينار فى الشهر وقد يرتفع راتبه إلى خمسمائة (٤)، غير ما كان يأتيهم من الهدايا وأحيانا من الرشوة وخاصة من عمال الخراج. وكان منصب القاضى منصبا رفيعا، وكان يتقاضى راتبا عاليا مائة وعشرين أو مائتين من الدنانير (٥)، ومن الحق أن منهم من كان يتعفف عن أخذ شئ نظير عمله، ولكن من الحق أيضا أن منهم من كان مترفا موسّع الرزق مثل إبراهيم بن جابر القاضى بحلب والعواصم من أرض الشام إذ يروى المسعودى أنه «قطع لزوجته أربعين ثوبا تستريّا وقصبا (حريرا) وأشباه ذلك من الثياب فى يوم واحد وخلّف أموالا عظيمة» (٦).
стр. 1532
وكان يدخل فى هذه الطبقة الأرستقراطية ورثة الإقطاع والضياع الواسعة وكبار التجار الذين كانوا يتجرون برءوس أموال ضخمة فى مطالب تلك الطبقة من أدوات الترف والزينة، وكان فى مقدمتهم النخاسون الذين كانوا يجلبون الرقيق والجوارى من أطراف الأرض، وتجار الطرف النفيسة التى كانت تجلبها السفن من جميع أنحاء العالم. وبالمثل تجار الجواهر ويكفى أن نذكر ابن الجصاص التاجر الجوهرى البغدادى الذى أشرف على جهاز قطر الندى بنت خمارويه كما أسلفنا، فقد هيأ لها من الثياب والجواهر وأدوات الزينة ما كلف أباها مئات الألوف، وحين صودرت أمواله لعهد المقتدر سنة ٣٠٢ للهجرة أخذ منه من المال والجوهر ما عدّ بالملايين حتى قيل إنه بلغ ستة عشر مليونا من الدنانير، ويقول المسعودى:
«الذى صحّ مما قبض من ماله من العين (الذهب) والورق (الفضة) والجوهر والفرش والثياب والمستغلات خمسة ملايين وخمسمائة ألف دينار» (١). وكانت كل طائفة من التجار تقيم فى سوق واحد فيقال سوق النخاسين وسوق الوراقين، وكان من أقربهم إلى الترف البزازون (تجار الأقمشة) والعطارون. وكانت أسواق الأخيرين وأصحاب الدهون والخزازين (تجار الحرير) والجوهريين والصيادلة بعضها إلى جانب بعض ببغداد. وكان الأطباء يحصلون على أموال ضخمة، وخاصة أطباء دار الخلافة وبيمارستانات بغداد، وتزخر كتب طبقات الأطباء بملايين الدراهم والدنانير التى صارت إليهم من الخلفاء، ويقول محمد بن زكريا الرازى الطبيب المشهور إن سبب تعلقه بتعلم الطب إنه أصيب برمد فى عينيه، فأبى الطبيب الذى عرض نفسه عليه أن يعالجه إلا بخمسمائة دينار (٢). وحتى الشعراء والعلماء والندماء كان منهم من يغدق عليهم الخلفاء الصلات، وكذلك الوزراء، حتى ليغدون من علية القوم مثل على بن يحيى المنجم الذى أثرى ثراء طائلا من منادمته للخلفاء.
وإذا تركنا الطبقة العليا إلى الطبقة الوسطى وجدنا كثيرين يندمجون فيها، وفى مقدمتهم علماء العربية والفقه والتفسير والحديث، وكان كثير منهم يأخذ رواتب
стр. 1533
من الدولة، وكان منهم معلمون يختلف إليهم الناشئة، وكانوا يدفعون إليهم أجورا قليلة، حتى لقد تكون رغفانا من الخبز أحيانا، وكانت هذه الرغفان تختلف اختلاف أسر الصبيان فى الغنى والفقر، ولذلك ضربت الأمثال فى الاختلاف والتفاوت مفاوت رغفان المعلم واختلافها فى الجودة، وكان من الآباء من يدفع أجر أولاده دراهم معدودة. وكان من يعلم أولاد الطبقة العليا تنهال عليه الهبات ويقدّر له راتب شهرى معلوم.
ويدخل فى عداد هذه الطبقة المغنون والشعراء وكان كثير منهم تتدفق عليه الأموال تدفقا، وسنعرض لذلك فى موضع آخر، والمهم أن هذا التدفق كان خاصّا بأفراد منهم ارتفعوا إلى الطبقة الأرستقراطية وعاشوا فى بذخ وترف شديد، أما عامتهم فيسلكون فى الطبقة الوسطى، وقد رأينا كبار الكتاب فى الدواوين ينتظمون فى الطبقة العليا، ولكن كان وراءهم عشرات إن لم يكن مئات يعملون فى الدواوين ويأخذون رواتب متوسطة، وخاصة فى دواوين الخراج ودواوين الجيش وفى أعمال الحسبة ورقابة الأسواق وفى البريد ودواوين الأخبار وفى المكوس والضرائب الجمركية.
ويضمّ إلى كتّاب الدواوين وعمّالها رؤساء الجند ممن يلون القادة، فلم تكن لهم رواتبهم الرفيعة، ولكن كانت لهم رواتب متوسطة تكفل لهم رزقا حسنا.
ومن هذه الطبقة أوساط الصناع وخاصة من كانوا يقومون على أثاث المساكن والأزياء والطعام، ويدخل فى الأثاث صناعة البسط والسجاجيد والنمارق والمقاعد والتخوت والوسائد. وكان مركز الصناعات الأسواق مثلها مثل التجارات، وكانوا جميعا يتناولون غداءهم بمطاعم فى أسواقهم أو فى دكاكينهم، وكانوا لا يتركونها إلا فى المساء. وكان هناك جهابذة كثيرون لاستبدال النقود، وكانت هناك فنادق للغرباء، وكانت المساكن تستأجر وكذلك أثاثها. وإذا عرفنا أنه كان يسكن بغداد بضعة ملايين فى تقدير بعض المؤرخين عرفنا كثرة من كان بها من التجار والصناع، ونجد من كبارهم من كان يربح فى صفقة واحدة ألوف الدنانير (١)، أما أوساطهم
стр. 1534
فقلما كان يزيد رأس أموالهم فى تجاراتهم على ثلاثة آلاف دينار (١)، وكان الناس يودعون أموالهم لدى بعض التجار الأمناء للاتجار لهم بها مناصفة فى الأرباح.
ونستطيع أن نتصور مستوى المعيشة فى بغداد مما يروى من أن الأسرة المتوسطة كان يكفيها شهريّا خمسة وعشرون درهما، كأن نفقات اليوم المتوسطة لا تحتاج إلى أكثر من درهم واحد (٢). وفى الفرج بعد الشدة للتنوخى خبر يدل على مستوى الحياة وأوسط ما كان الناس يتجرون فيه، إذ يروى عن شخص رقيق الحال أنه ورث أربعين ألف دينار فجأة وعلى غير انتظار، فبنى لنفسه دارا بألف دينار، واشترى آلات وفرشا وثيابا وجوارى ثلاثا بسبعة آلاف دينار، وأعطى تاجرا ألفى دينار ليتّجر له فيها، وخزن عشرة آلاف للشدائد، واشترى بالباقى ضيعة تغلّ له فى كل سنة ما يزيد على مقدار نفقته (٣). وقد لا يصوّر ذلك حياة الطبقة الوسطى تماما، ولكنه يشير إلى أن نفقاتها لم تكن كبيرة، وكان يعدّ من يقتنى سبعمائة دينار صاحب ثروة كبيرة، وكثير من الصناع والتجار لم تكن ثرواتهم تزيد على ذلك، وهم الذين كانوا يندمجون فى الطبقة الوسطى من الأمة.
وتأتى بعد ذلك الطبقة العامة من الرعية، وهى التى كان يقع عليها عبء العمل كله فى الزراعة وفى الصناعات الصغيرة وفى خدمة أرباب القصور، فهى التى تعمل فى الإقطاعات والضياع، وهى التى تقوم على تقديم أسباب الحياتين للطبقتين الوسطى والعليا، عاملة تارة أو صانعة، أو خادمة تارة ثانية. فكل ما تتقلب فيه الطبقتان من النعيم إنما هو من أيدى هذه الطبقة العامة، يسلبونه منها بطرق شتى ولا يبقون لها سوى الضنك والضيق والبؤس والشقاء. ومرّت بنا فى الفصل السابق ثورة الزنج وكيف أنهم كادوا يدمرّون الدولة تدميرا، لشدة نقمتهم على الأوضاع التى كانت سائدة، وما كادت تخمد حتى هبّت ثورة القرامطة، وعنفت بالدولة هى الأخرى عنفا شديدا، وشاعت معها فكرة المهدى المنتظر الذى ينشر العدالة بين الناس فى الأرض، ولو أن دعوة القرامطة وجهت توجيها سليما على أساس العدالة التى
стр. 1535
لا تصلح حياة الناس بدونها وبيان فساد الحكم العباسى حينئذ وما داخله من جور وعسف لنجحت إلى أقصى حد، ولكنها وجهت توجيها خاطئا على أساس دعوة باطنية، حتى لكأنما محى منها مقصد الإصلاح الاجتماعى، ولذلك أخفقت إخفاقا ذريعا.
ووسائل شتى كانت تبتزّ بها أعمال هذه الطبقة العامة وما بأيديها من أموال قليلة، أما من يعملون فى الأرض من الأكرة والزراع فكانوا عبيدا لا يترك لهم إلاّ ما يسدّ رمقهم، وإن سدّه كان ذلك شيئا كثيرا. وأما صغار الصناع والتجار الأصاغر والفعلة. والفرّاشون والبوّابون وكل من يؤلفون الطبقة العامة فقد كان مثلهم مثل رقيق الأرض لا يكادون يجدون ما يتبلّغون به إلا نادرا وحين يعملون فى الدولة بأجر مهما يكن طفيفا، لأنه يضمن لهم القوت اليومى. وكان من يوجد لديه مال كأنما يقع تحت طائلة العقاب بسبب كثرة الضرائب التى كانت تفرض حتى على الأسواق وما يصنع فيها وما يباع ويشترى. ومما زاد هذه الطبقة بؤسا أن الأسعار لم تكن ثابتة، فكثيرا ما كان يرتفع ثمن القمح والشعير حتى يصبح حصول العامة عليهما عسيرا وحتى لتجأر بالشكوى إلى الخليفة، على نحو ما صنع أهل البصرة فى عهد المعتضد إذ أرسلوا وفدا كبيرا إليه يشكو ما نزل بمدينتهم من غلاء فاحش آملين أن يمدّ الخليفة لهم يد المساعدة (١)
وكانت هذه الطبقة تعمل فى كل المهن الحقيرة، ومن المؤكد أنه نشأت طبقات كثيرة حينئذ من الحرفيين أو المهنيين وأن التخصص أخذ طريقه إليهم، فكان لكل حرفة أصحابها الخاصون، يؤكد ذلك ما روى من أن الجاحظ لم تكن له حلقة على وجه بابه إذا أراد اصطفاقه فطلب من نجار أن يثقب له موضعها، فلما ثقبه قال له: قد جوّدت الثقب وانظر أى نجّار يدق فيها «الرّزّة (٢)» وكأن من النجارين من كان للثقب ومن كان لتركيب الرزة، وهو ما يعنى الاختصاص الدقيق. ولا ريب فى أن ذلك هو الذى أدّى إلى أن تنشأ فى العالم العربى من قديم فكرة النقابات للحرفيين والصناع وإن كانت حينئذ
стр. 1536
لا تعدو دور النشأة البسيطة.
وأدّى بؤس هذه الطبقة العامة إلى أن ينشأ فيها كثير من القرّادين وأصحاب الملاهى الصغيرة الطّوّافين والحوّائين كما ينشأ فيها كثير من المهرجين الذين ينقطعون لإضحاك الطبقتين الوسطى والعليا، وكان منهم من يتصل بخليفة أو وزير فتبتسم له الدنيا. ونشأ فيها أيضا كثير من راضة الخيل والسوّاس وأصحاب القنص والصيد بالكلاب والفهود. ونشأت طبقة من الأدباء المتسولين المسمون بالمكدين، وكانوا حينئذ خليطا من هؤلاء الأدباء ومن متظاهرين بالنسك، مستعملين كل حيلة من شعر أو تقى أو رقية، فهم يطلبون المال من كل طريق، مستخدمين كل حيلة. ويدل دلالة قوية على ما كانت تعانيه هذه الطبقة العامة من البؤس والعيش المر أن كثر بها اللصوص، حتى غدوا فى أوقات كثيرة مصدر خطر عظيم ببغداد، لكثرتهم، ولشدة فتكهم، ويشير الجاحظ إليهم فى كتاباته مرارا كما يشير إلى رؤسائهم وأنه كانت لهم مروءة الفرسان، وكأنهم كانوا امتدادا لصعاليك الجاهلية (١).
ووراء تلك الطبقات الدنيا والوسطى والعليا كان هناك عدد ضخم من أهل الديانات الأخرى، من النصارى واليهود والمجوس والصابئة، وكانوا يسمون أهل الذمة إشارة إلى أنهم فى ذمة الإسلام وعهده ورعايته وما وضعه من مبادئ التسامح الرائع، فإذا هم يصانون ويحرسون ويحرس نساؤهم وأسرهم، حتى ليصبح لكل أهل ملة منهم كيانهم الخاص فلهم معابدهم ولهم رؤساؤهم الدينيون:
للنصارى مثلا الجاثليق والبطرك. ولهم محاكمهم الخاصة التى تفصل بينهم فى خصوماتهم. تسامح لم يعرفه دين ولم تعرفه أمة قبل الإسلام، ولا ظلم ولا جور، بل عدالة مطلقة تعمهم وحماية بدون حدود، وليس عليهم للدولة إلا ضريبة مالية محدودة هى الجزية التى لم يكن يدفعها إلا القادر على حمل السلاح، أما المريض بعلة لا برء منها وذوو العاهات والأطفال والنساء والشيوخ ورجال الدين فى كل ملة فلا يؤدون شيئا، ولم تكن هذه الضريبة أو الجزية تتعدّى ثلاثة دنانير لأصحاب
стр. 1537
الثراء الطائل منهم ودينارين لمتوسطى الثراء ودينارا لعامتهم ممن يتكسبون كسبا لا يضيرهم معه دفعه. وكانت قيمة الدينار حينئذ نحو اثنى عشر درهما، وهذا كل ما يدفعونه فى العام المتطاول، وهو فى حقيقته لم يكن سوى ضريبة دفاع عنهم.
ويتراوح ما كان يؤديه أهل الذمة ببغداد فى أوائل القرن الثالث بين مائة وعشرين ألف درهم ومائتى ألف (١)، مما يدل على أن دافعى الجزية فى تلك الحقب كانوا لا يزيدون على نحو عشرين ألفا، فإذا أضفنا إليهم العاجزين عن الكسب من النساء والأطفال والشيوخ وغيرهم ممن ذكرناهم آنفا تبين أن عدد أهل الذمة حينئذ ببغداد كان لا يقلّ عن نحو ستين ألفا. وكانوا جميعا يشدّون إلى أوساطهم زنانير أشبه بأحزمة.
وكان أهل بغداد وغير بغداد من المسلمين يعاملونهم معاملة حسنة، فكانوا يوسعون لهم فى كل عمل معهم، وكانت العامة تأنس خاصة للمسيحيين منهم، إذ كانوا يؤثرونهم على المجوس ويرونهم أسلم صدورا من اليهود، كما يقول الجاحظ فى رسالته الرد (٢) على النصارى، وفيها يذكر أن الخلفاء والولاة قربوهم منهم واستخدموهم فى الدواوين وقاموا لهم على كثير من شئونهم وأنهم كانوا ينهضون بحرف جليلة مثل العطارة والصيرفة، وكان منهم أطباء الخلفاء والوزراء وعلية القوم وأطباء البيمارستانات، حتى استقر فى أنفس الناس أن الطبيب الحاذق لا يكون إلا مسيحيّا. أما اليهود فكانوا يعملون فى أحقر المهن، حتى ليقول الجاحظ فى الرسالة آنفة الذكر:
«لا تجد اليهودى إلا صباغا أو دبّاغا أو قصّابا (جزارا) أو شعّابا (مصلح جرار وأحدية)»؛ ويقول ابن قتيبة إنهم أنتن خلق الله فناء (٣). وكان النصارى يتخذون أفخر الدواب والثياب والخدم ويتمتعون مثل العلية بلعب الصوالجة، وحتى تسموا بأسماء المسلمين مثل الحسن والحسين كما يقول الجاحظ.
ويأمر المتوكل لسنة ٢٣٥، بأن يلبس أهل الذمة كلهم الطيالس العسلية
стр. 1538
ويشدوا فى أوساطهم الزنانير وأن يركبوا السروج بركب الخشب ويجعلوا على مؤخرها كرتين ومن لبس قلنسوة مثل قلنسوة المسلمين يجعل عليها زرّين، وأمر أيضا أن يجعلوا رقعتين على ثياب مماليكهم يخالف لونهما لون الثوب الموضوعين عليه، وتوضع إحدى الرقعتين على الصدر والأخرى خلف الظهر، وكل من الرقعتين بمقدار أربع أصابع ويكون لونها عسليّا، وتلبس المرأة منهم إزارا عسليّا وأمر بهدم بيعهم وكنائسهم المحدثة وألا يستعان بهم فى الدواوين وأعمال الدولة، حتى لا تجرى أحكامهم على المسلمين (١).
ويبدو أنه منذ المتوكل أخذت هذه الأوامر الشديدة تخفّف عن النصارى حتى لنجده هو نفسه يجعل النفقة فى سنة ٢٤٥ على بناء قصره الجعفرى بيد دليل بن يعقوب النصرانى كاتب بغا (٢). وكثر أهل الذمة بعده فى الدواوين ولعل ذلك ما جعل العامة فى سنة ٢٧٢ للهجرة تثور عليهم (٣).
ويعظم أمر أهل الذمة فى أواخر القرن الثالث، إذ يكثر استخدامهم فى الكتابة وفى امور المسلمين فيأمر المقتدر لسنة ٢٩٦ بألا يستخدم أحد منهم إلا فى الطب والجهبذة وأن يطالبوا بلبس العسلى وتعليق الرقاع المصبوغة على أظهرهم (٤)، ومع ذلك نرى وزيره ابن الفرات يتخذ منهم أربعة كتّاب كان يدعوهم يوميّا إلى طعام مع خمسة آخرين اختصّ بهم جميعا (٥).
وواضح من هذا كله ما يدل على أن أهل الذمة لم يكونوا مضطهدين طوال العصر وأن الأوامر التى كانت تصدر أحيانا بالتشديد عليهم لم تكن تنفّذ، وأنهم كانوا يعملون فى مختلف الأعمال حتى الوظائف الديوانية وأعمال الخراج. وكان كثير منهم-وخاصة من النصارى-يعيشون فى نعيم غدق لما يصير إليهم من الطب والصيرفة والأعمال التجارية المربحة.
стр. 1539
٢ - الحضارة والترف والملاهى
رأينا تفنّن الخلفاء والوزراء فى بناء القصور، حتى ليشبه بعضها مدنا صغرى تمتلئ بالأبنية والأفنية والأساطين والقباب والبساتين والجداول والبرك والنافورات، مع التأنق فى أبوابها ونوافذها وشرفاتها وزخرفة حيطانها بالنقوش والصور وتعليق الستائر الحريرية عليها، ومع ما يموج فيها من البسط والسجاجيد والطنافس والمناضد والتحف المرصعة بالجواهر.
وقد افتتح العصر بالمتوكل وقصوره الباذخة التى كلفت الدولة ملايين الدنانير، ويكفى لتصور ما كان فى عصره من بذخ وترف شديد أن نروى ما قصّه الرواة عن حفله الذى أقامه بمناسبة إعذار (ختان) ابنه المعتز، فقد أمر وزيره الفتح بن خاقان أن يلتمس فى خزائن الفرش بساطا لإيوان قصر البركوار الذى أقام فيه الإعذار، وأن يكون فى طوله وعرضه، وكان طوله مائة ذراع وعرضه خمسين، ووجد طلبته: بساطا مذهبا مبطنا، يقال إن التجار قوّموه بعشرة آلاف دينار.
وبسط فى الإيوان ووضع للمتوكل فى صدره سرير، مدّ بين يديه أربعة آلاف مرفع (كرسى) مذهبة مرصعة بالجواهر وعليها تماثيل العنبر والندّ والكافور. ومدّت الموائد وتغدّى المتوكل والناس. وجلس على السرير، وأحضر الأمراء والقواد والندماء فأجلسوا على مراتبهم، وجئ بأوعية مملوءة دراهم ودنانير نصفين، صبّت فيها حتى ارتفعت. ووزّع الغلمان الشراب، ودعوا كل من يشرب إلى أن يأخذ ثلاث حفنات أو ما حملت يداه من ذلك المال. وكان الناس يجمعونه فى أكمامهم الواسعة ويخرجون إلى غلمانهم فيدفعونه إليهم ويعودون إلى مجالسهم. وكلما خلا وعاء مما فيه أتى الفراشون بما يملؤه من الدنانير والدراهم حتى يعود كما كان. وخلع على سائر
стр. 1540
من حضر ثلاث خلع، وحملوا عند انصرافهم من الحفل على الخيل المطهمّة، وأعتق المتوكل ألف رقبة، وأمر لكل عتيق بمائة درهم وثلاثة أثواب. وكان فى صحن الدار بين يدى الإيوان أربعمائة جارية بين أيديهن أطباق الفواكه من كل صنف، وخمسة آلاف باقة نرجس، وعشرة آلاف باقة بنفسح. ترف لا يماثله ترف! . ونثر المتوكل على هؤلاء الجوارى وخدم الدار والحاشية عشرين مليون درهم، ونثرت زوجه قبيحة أم المعتز مليون درهم على المزين ومن كانوا فى جانبه من الغلمان وبعض الجنود وقهارمة الدار والخدم الخاصة من البيضان والسودان.
مال ينفق ويبعثر بدون حساب، وكأنما أمسك به سفهاء، لا يعرفون حقوقا لرعية ولا يقدرون مسئولية. وحضر الحفل كثير من الندماء فى مقدمتهم ابن حمدون وابن المنجم، وكثير من الشعراء فى مقدمتهم الحسين بن الضحاك وعلى ابن الجهم، وكثير من المغنين فى مقدمتهم عمرو بن بانة وابن المكى وعثعث وسليمان الطبال وصالح الدفاف وزنام الزامر، وكثير من المغنيات فى مقدمتهن عريب وبدعة جاريتها وشارية وجواريها. ويقال إنه أنفق على هذا الإعذار أو الختان ستة وثمانون مليونا من الدراهم (١). سفه ما بعده سفه!
وعلى هذا النحو كانت ملايين الدنانير والدراهم تنفق بدون حساب وبدون أى رقابة فى حفلات القصر، وهى حفلات أمدّت القصص فى كتاب ألف ليلة وليلة بكل ما يقع فى الخيال الواهم من بذخ وترف لا ضفاف له، وبدلا من أن توجّه هذه الملايين إلى مرافق الشعب وحاجاته أو إلى إعداد الجيوش فى حروب الترك والبيزنطيين كانت تبدّد هذا التبديد الأحمق والشعب يكدح ويشقى ويسيل عرقه مدرارا ويتجرّع غصص البؤس والحرمان ليعبث المتوكل وغير المتوكل بأمواله، فإذا قصور شماء تبنى وينفق فيها الملايين تلو الملايين، وإذا هى تستحيل إلى مقاصف يدور فيها الكاس والطاس وتنشر حمول الذهب والفضة.
ويروى أن المتوكل شرب يوما فى القصر السالف ذكره المسمى بالبركوار، فقال لندمائه، ولم تكن الأيام أيام ورود ورياحين: أرأيتم إن عملنا احتفالا بالورود
стр. 1541
أو كما نطقه بالفارسية: «شاذكلاه»، فقالوا له: لا يكون الشاذ كلاه إلا بالورد، وليست الأيام أيام ورد، فقال: ادعوا لى عبيد الله بن يحيى-وكان أحد وزرائه- فحضر، فقال له: اضرب لى دراهم، فى كل درهم حبّتان من الفضة، فسأله:
كم المقدار يا أمير المؤمنين، فأجابه خمسة ملايين درهم، فأمر عبيد الله بضربها، فضربت. وأنبأ المتوكل بضربها، فقال له: اصبغ طائفة منها بالحمرة وطائفة بالصفرة وطائفة بالسواد، واترك طائفة على حالها. فصنع عبيد الله ما أمره به، ثم تقدم المتوكل إلى خدمه وحواشيه-وكانوا سبعمائة-فأمرهم أن يعدّ كل منهم قباء جديدا وقلنسوة بخلاف لون قباء صاحبه وقلنسوته، ففعلوا. ثم تحيّن يوما فيه ريح، فأمر أن تنصب قبّة لها أربعون بابا، فاصطبح فيها والندماء حوله، وعلى الخدم الكسوة الجديدة، وأمر المتوكل بنثر الدراهم كما ينثر الورد، طائفة طائفة، فنثرت تباعا، وكانت الريح تحملها لخفتها، فتتطاير فى الهواء كما يتطاير الورد (١).
وكل هذا من الفراغ ومن الترف المفرط، فإذا الخلفاء ينعمون بالحياة إلى حد السفه والهوس. وطبقات من ورائهم قتّر عليها فى الرزق، فهى تعيش فى ضنك وضيق شديد. ولعل هذا هو السبب فى أن الشعب لم يهتم أى اهتمام بما كان يجرى فى القصر من تحكّم الأتراك فى الخلفاء، كأنهم لا يعنونهم فى شئ. وكل يوم يسمعون بجديد من هوسهم وسفههم، كأن يسمعوا بأن المتوكل حين انتهى من بناء قصره الجعفرى استدعى أصحاب الملاهى، فقدموا له بعض المساخر والملاعب المضحكة، ومنحهم مليونين من الدراهم (٢). وبحقّ يقول المسعودى إن النفقات لم تبلغ فى وقت من الأوقات ما بلغته فى أيام المتوكل (٣). وكان أكثر أبنائه على غراره من مثل المعتز، وكان يكثر من عقد مجالس الشراب فى قصوره، وهو أول من ركب من الخلفاء بحلية الذهب (٤). ولم يتوقف هذا البذخ والترف طوال العصر، ويصور ذلك من بعض الوجوه استقبال المقتدر لرسل ملك الروم سنة ٣٠٥ للهجرة وقد جاءوا يطلبون عقد هدنة، إذ فرشت قصوره بأجمل الفرش وملئت دار الخلافة
стр. 1542
ودهاليزها وممراتها وصحونها بالجند والسلاح، وابتدأ ذلك من باب الشّمّاسية إلى دار الخلافة، وكان عدد الجند مائة وستين ألفا بالدروع والسلاح ومن تحتهم الخيل بسروج الذهب والفضة، وكان عدد الغلمان سبعة آلاف خادم وسبعمائة حاجب بالبزّة الرائقة والسيوف والمناطق المحلاة. وكان فى دجلة الشذاءات والطيارات والزبازب والشبّارات والزلالات والسّميريّات (سفن شتى) بأفضل زينة وعلى أحسن تعبئة.
وسار رسل ملك الروم ومن معهم من المواكب إلى أن وصلوا إلى دار الخلافة، ودخلوا قصر الجوسق بين بستانين رائعين، ورأوا بركة عجيبة يمدّها جدول وبها أربع طيارات مذهبة مزينة بالدبيقى المطرز، ثم أدخلوا قصر الشجرة، وهى شجرة من الفضة كانت قائمة وسط بركة مدورة، ولها ثمانية عشر غصنا عليها الطيور والعصافير المذهبة والمفضضة تصفر، والشجرة تتمايل وورقها يتحرك على نحو ما تحدث الرياح للأشجار الطبيعية، ثم أدخلوا إلى قصر الفردوس وبه من الفرش ما لا يقوّم، وفى الدهاليز عشرة آلاف درع مذهبة معلقة (١)، مما راع رسل ملك الروم روعة شديدة.
ويقول هلال بن المحسن الصابى جرت العادة أن يكون جلوس الخليفة على كرسى مرتفع فى عرش أرمنى من الحرير أو من الخز وأن يلبس قباء أسود من الإبريسم (الحرير) وعلى رأسه معممة سوداء، ويتقلّد سيف الرسول ﵇ ويلبس خفّا أحمر ويضع بين يديه مصحف عثمان وعلى كتفيه بردة النبى ﷺ ويمسك بقضيبه، ويقف الغلمان والخدم من خلف السرير وحواليه متقلدين بالسيوف، وفى أيديهم الطّبرزينات والدّ بابيس (من أسلحة الحروب).
وكان يقوم من وراء السرير وجانبيه خدم صقالبة يذبّون عن الخليفة بالمذابّ المقمّعة بالذهب والفضة، وتمدّ أمامه ستارة ديباج إذا دخل الناس رفعت، وإذا أريد صرفهم مدّت. ورتب فى الدار قريبا من المجلس خدم بأيديهم قسىّ البندق يرمون بها الغربان والطيور لئلا ينعب ناعب أو يصوّت مصوّت. ترف ليس فوقه ترف، حتى أذن الخليفة يحرسونها من أصوات الغربان والطيور! . وكان زىّ الأمراء من أهل البيت العباسى الأقبية السود، ويلبس القضاة الطيالسة
стр. 1543
والقلنسوات الضخمة (١). ويلبس الوزراء الأقبية السود وينتطقون بالسيوف وقد يلبسون دراعة وقميصا ومبطّنة وخفّا. (٢) وكان السواد هو اللباس الرسمى العام، وكانوا يلبسون فى أرجلهم الجوارب والأحذية السود المشدودة بالزنانير. وفى يوم الموكب كان يحضر حاجب الحجاب بأكمل لباسه من القباء الأسود والعمامة السوداء والسيف والمنطقة، وأمامه الحجاب ونوّابهم، ويجلس فى الدهليز من وراء الستر، ثم يحضر الوزير وقائد الجيش، ويتكامل الناس فيراسل حاجب الحجاب الخليفة، فإذا أذن الإذن العام دخل وحده حتى يقف فى الصحن ويقبل الأرض، ثم يؤذن له بتقديم الناس، فيخرج ويدعو ولىّ العهد إن وجد، وكذلك أولاد الخليفة، إن كان له أولاد، ثم يدخل الوزير، ويمشى الحجاب بين يديه إلى مقربة من العرش، فإذا قرب تأخروا عنه، وتقدم الوزير بعد تقبيل الأرض إلى أن يدنو من الخليفة فإن مدّ يده إليه أخذها وقبّلها وتراجع حتى يقف فى يمين العرش على بعد خمسة أذرع منه، ويدخل بعده قائد الجيش أو أميره فيقبل الأرض ويقف على يسار العرش، ثم يدخل أصحاب الدواوين والكتّاب، ثم القوّاد ونوّاب الحاجب على مراتبهم، ويقفون يمينا وشمالا على رسومهم، ثم ينادى على بنى هاشم والقضاة ومن يلبسون القلانس ويسلمون ويقفون منفردين، ثم يقع الإذن العام فيدخل الجند ويقفون صفّين. وكل ذلك تعقيد أدت إليه الحضارة والترف وأن الناس لا يشتركون فى الحكم ولا يشاطرون فيه. فتحول إلى رسوم وشكليات وآداب لا يعرفها العرب ولا يعرفها الإسلام. وكان للوزراء بالمثل مواكبهم، وكذلك كان للقواد، ويروى أن نازوك أحد قواد المقتدر كان يمشى فى موكبه بين يديه أكثر من خمسمائة فراش بالشموع الموكبية سوى حملة المشاعل (٣).
وكان يرافق هذه الأبّهة أبّهة فى المسكن والملبس والمطعم، فكانت الستور الجميلة تعلّق دائما على حيطان المسكن، وكانت تفرش أرض غرفه وممرّاته وصحونه بالبسط والسجاجيد، وتمتد فوقها المقاعد والوسائد والنمارق، وكانت القصور تكتظ بذلك اكتظاظا شديدا، ويصوّر ذلك من بعض الوجوه أن المتوكل حين غضب على عمر بن فرج الرّخّجىّ أحد كبار موظفى الدولة، وصادر أمواله،
стр. 1544
حملت فرش وأمتعة من داره على خمسين بعيرا (١)، فما بالنا بما كان فى قصور الوزراء، فضلا عن الخلفاء، من فرش فخمة. وعلى نحو ما كانوا يهتمون بالفرش كانوا يهتمون بالثياب، حتى كانت صناعتها أهم الصناعات وأرقاها، وكان الصناع يتفنّنون فى صنعها من الخزّ والديباج والحرير. ويروى صاحب الديارات أن المتوكل جلس يوما فى أحد قصوره على عرش من الذهب وعليه ثياب وشى مشقلة، وأمر ألا يدخل عليه أحد إلا فى ثياب وشى مثله (٢)، وكان الخدم يقفون بين يديه وعليهم ثياب حمراء مورّدة (٣). ويقال إن المستعين هو الذى أحدث لبس الأكمام الواسعة فجعل عرضها ثلاثة أشبار، وصغّر القلانس وكانت طويلة كأقباع القضاة (٤).
وكان المعتضد يلبس الثياب الدبيقية الرفيعة التى كانت تصنع بمصر والثياب الحريرية التى كانت تصنع بمدينة تستر وغيرها من المدن الفارسية (٥). ويروى أن إسحق بن إبراهيم المصعبى حاكم بغداد لعهد المتوكل أهدى إلى عمرو بن بانة مغنى العصر عشرة أثواب خزّ أقلها قيمة بمائة دينار (٦)، وكان خليفته على بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر يتأنّق فى ثيابه، وقيل إنه كان بينها ثوبان من الوشى قيمتهما ألف وخمسمائة دينار (٧)، ومرّ بنا أن الراسبى والى إيران كان له مصنع خاص تنسج فيه ثيابه وثياب حواشيه وأصحابه. وكان الشعراء مثلهم مثل المغنين يلبسون الخز والوشى والثياب الحريرية (٨). وكانوا يلبسون فى الشتاء الفراء والثياب الصوفية، واشتهر ثوب باسم الممطر كان يصنع من القماش المشمع للوقاية من المطر، ونرى البحترى يسأل إبراهيم بن الحسن بن سهل ثوبا منه (٩). ولبسوا الجوارب الصوفية والقطنية والحريرية والأحذية الحمراء (١٠). ويبدو أن الرجال كانوا يتنافسون فى اقتناء الحجارة الكريمة، إذ نرى نفرا منهم حين تصادر أمواله تصادر بينها جواهر ثمينة تبلغ قيمتها ألوف الدنانير (١١). وكانت خزائن الخلفاء تكتظ بالجواهر من كل صنف،
стр. 1545
ويذكر أنه كان عند المستعين فص ياقوت أحمر اشتراه الرشيد بأربعين ألف دينار (١)، ويروى أن المقتدر طلب الصناديق وأوعيتها المحفوظة بالخزائن، فاختار منها مائة حبة، ونظمها سبحة يسبح بها وعرضت على تجار الجواهر فقوّموا كل حبة منها بمائة ألف دينار أو تزيد (٢).
وكان النساء حرائر وجوارى يبالغن فى أناقتهن وزينتهن، فكن يلبسن ثياب السندس والإستبرق والوشى النفيس من كل لون وكن يتجلين بالجواهر من كل صنف: من الذهب والفضة والزمرد والياقوت واللؤلؤ، وكنّ يتخذن منها تيجانا وعقودا وأقراطا وخلاخيل، وكنّ يضعنها بصور مختلفة على عصائبهن ومراوحهن.
ويروى أنه كان لدى قبيحة زوجة المتوكل وأم المعتز ثلاثة أسفاط: سفط مملوء زمردا، وسفط مملوء ياقوتا وسفط مملوء درّا كبيرا، وقوّمت الأسفاط فبلغت قيمتها مليونين من الدنانير. وكان النساء يتخذن أمشاطا من الصدف والصندل (٣).
وكن يتفنن فى أوضاع شعورهن على رءوسهن وجباههن، وقد يلوينها على أصداغهن فى هيئة حرف النون أو على هيئة العقرب، وفى ذلك يقول ابن المعتز (٤):
لوى صدغه كالنون من تحت طرة ... ممسّكة تزهى بعاج جبين
ويقول أيضا (٥):
ريم يتيه بحسن صورته ... عبث الفتور بلحظ مقلته
وكأن عقرب صدغه وقفت ... لما دنت من نار وجنته
وكن يتعطرن بطيب المسك كما أشار إلى ذلك ابن المعتز فى البيت الأول وبطيب الغالية والزعفران والعنبر. ويقال إن عريب المغنية المتوفاة سنة ٢٧٧ عن سنّ عالية كانت تغسل شعرها من أسبوع إلى أسبوع وتغلفه فى كل غسلة بستين مثقالا من المسك والعنبر (٦). ويقول الجاحظ إن المرأة من الطبقة الوسطى حين كانت تهئ ابنتها للزواج كانت تحليها بالذهب والفضة وتكسوها الثياب الحريرية وتغمرها