← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

أو كما نطقه بالفارسية: «شاذكلاه»، فقالوا له: لا يكون الشاذ كلاه إلا بالورد، وليست الأيام أيام ورد، فقال: ادعوا لى عبيد الله بن يحيى-وكان أحد وزرائه- فحضر، فقال له: اضرب لى دراهم، فى كل درهم حبّتان من الفضة، فسأله: كم المقدار يا أمير المؤمنين، فأجابه خمسة ملايين درهم، فأمر عبيد الله بضربها، فضربت. وأنبأ المتوكل بضربها، فقال له: اصبغ طائفة منها بالحمرة وطائفة بالصفرة وطائفة بالسواد، واترك طائفة على حالها. فصنع عبيد الله ما أمره به، ثم تقدم المتوكل إلى خدمه وحواشيه-وكانوا سبعمائة-فأمرهم أن يعدّ كل منهم قباء جديدا وقلنسوة بخلاف لون قباء صاحبه وقلنسوته، ففعلوا. ثم تحيّن يوما فيه ريح، فأمر أن تنصب قبّة لها أربعون بابا، فاصطبح فيها والندماء حوله، وعلى الخدم الكسوة الجديدة، وأمر المتوكل بنثر الدراهم كما ينثر الورد، طائفة طائفة، فنثرت تباعا، وكانت الريح تحملها لخفتها، فتتطاير فى الهواء كما يتطاير الورد (١). وكل هذا من الفراغ ومن الترف المفرط، فإذا الخلفاء ينعمون بالحياة إلى حد السفه والهوس. وطبقات من ورائهم قتّر عليها فى الرزق، فهى تعيش فى ضنك وضيق شديد. ولعل هذا هو السبب فى أن الشعب لم يهتم أى اهتمام بما كان يجرى فى القصر من تحكّم الأتراك فى الخلفاء، كأنهم لا يعنونهم فى شئ. وكل يوم يسمعون بجديد من هوسهم وسفههم، كأن يسمعوا بأن المتوكل حين انتهى من بناء قصره الجعفرى استدعى أصحاب الملاهى، فقدموا له بعض المساخر والملاعب المضحكة، ومنحهم مليونين من الدراهم (٢). وبحقّ يقول المسعودى إن النفقات لم تبلغ فى وقت من الأوقات ما بلغته فى أيام المتوكل (٣). وكان أكثر أبنائه على غراره من مثل المعتز، وكان يكثر من عقد مجالس الشراب فى قصوره، وهو أول من ركب من الخلفاء بحلية الذهب (٤). ولم يتوقف هذا البذخ والترف طوال العصر، ويصور ذلك من بعض الوجوه استقبال المقتدر لرسل ملك الروم سنة ٣٠٥ للهجرة وقد جاءوا يطلبون عقد هدنة، إذ فرشت قصوره بأجمل الفرش وملئت دار الخلافة

стр. 1542

ودهاليزها وممراتها وصحونها بالجند والسلاح، وابتدأ ذلك من باب الشّمّاسية إلى دار الخلافة، وكان عدد الجند مائة وستين ألفا بالدروع والسلاح ومن تحتهم الخيل بسروج الذهب والفضة، وكان عدد الغلمان سبعة آلاف خادم وسبعمائة حاجب بالبزّة الرائقة والسيوف والمناطق المحلاة. وكان فى دجلة الشذاءات والطيارات والزبازب والشبّارات والزلالات والسّميريّات (سفن شتى) بأفضل زينة وعلى أحسن تعبئة. وسار رسل ملك الروم ومن معهم من المواكب إلى أن وصلوا إلى دار الخلافة، ودخلوا قصر الجوسق بين بستانين رائعين، ورأوا بركة عجيبة يمدّها جدول وبها أربع طيارات مذهبة مزينة بالدبيقى المطرز، ثم أدخلوا قصر الشجرة، وهى شجرة من الفضة كانت قائمة وسط بركة مدورة، ولها ثمانية عشر غصنا عليها الطيور والعصافير المذهبة والمفضضة تصفر، والشجرة تتمايل وورقها يتحرك على نحو ما تحدث الرياح للأشجار الطبيعية، ثم أدخلوا إلى قصر الفردوس وبه من الفرش ما لا يقوّم، وفى الدهاليز عشرة آلاف درع مذهبة معلقة (١)، مما راع رسل ملك الروم روعة شديدة. ويقول هلال بن المحسن الصابى جرت العادة أن يكون جلوس الخليفة على كرسى مرتفع فى عرش أرمنى من الحرير أو من الخز وأن يلبس قباء أسود من الإبريسم (الحرير) وعلى رأسه معممة سوداء، ويتقلّد سيف الرسول ﵇ ويلبس خفّا أحمر ويضع بين يديه مصحف عثمان وعلى كتفيه بردة النبى ﷺ ويمسك بقضيبه، ويقف الغلمان والخدم من خلف السرير وحواليه متقلدين بالسيوف، وفى أيديهم الطّبرزينات والدّ بابيس (من أسلحة الحروب). وكان يقوم من وراء السرير وجانبيه خدم صقالبة يذبّون عن الخليفة بالمذابّ المقمّعة بالذهب والفضة، وتمدّ أمامه ستارة ديباج إذا دخل الناس رفعت، وإذا أريد صرفهم مدّت. ورتب فى الدار قريبا من المجلس خدم بأيديهم قسىّ البندق يرمون بها الغربان والطيور لئلا ينعب ناعب أو يصوّت مصوّت. ترف ليس فوقه ترف، حتى أذن الخليفة يحرسونها من أصوات الغربان والطيور! . وكان زىّ الأمراء من أهل البيت العباسى الأقبية السود، ويلبس القضاة الطيالسة

стр. 1543

والقلنسوات الضخمة (١). ويلبس الوزراء الأقبية السود وينتطقون بالسيوف وقد يلبسون دراعة وقميصا ومبطّنة وخفّا. (٢) وكان السواد هو اللباس الرسمى العام، وكانوا يلبسون فى أرجلهم الجوارب والأحذية السود المشدودة بالزنانير. وفى يوم الموكب كان يحضر حاجب الحجاب بأكمل لباسه من القباء الأسود والعمامة السوداء والسيف والمنطقة، وأمامه الحجاب ونوّابهم، ويجلس فى الدهليز من وراء الستر، ثم يحضر الوزير وقائد الجيش، ويتكامل الناس فيراسل حاجب الحجاب الخليفة، فإذا أذن الإذن العام دخل وحده حتى يقف فى الصحن ويقبل الأرض، ثم يؤذن له بتقديم الناس، فيخرج ويدعو ولىّ العهد إن وجد، وكذلك أولاد الخليفة، إن كان له أولاد، ثم يدخل الوزير، ويمشى الحجاب بين يديه إلى مقربة من العرش، فإذا قرب تأخروا عنه، وتقدم الوزير بعد تقبيل الأرض إلى أن يدنو من الخليفة فإن مدّ يده إليه أخذها وقبّلها وتراجع حتى يقف فى يمين العرش على بعد خمسة أذرع منه، ويدخل بعده قائد الجيش أو أميره فيقبل الأرض ويقف على يسار العرش، ثم يدخل أصحاب الدواوين والكتّاب، ثم القوّاد ونوّاب الحاجب على مراتبهم، ويقفون يمينا وشمالا على رسومهم، ثم ينادى على بنى هاشم والقضاة ومن يلبسون القلانس ويسلمون ويقفون منفردين، ثم يقع الإذن العام فيدخل الجند ويقفون صفّين. وكل ذلك تعقيد أدت إليه الحضارة والترف وأن الناس لا يشتركون فى الحكم ولا يشاطرون فيه. فتحول إلى رسوم وشكليات وآداب لا يعرفها العرب ولا يعرفها الإسلام. وكان للوزراء بالمثل مواكبهم، وكذلك كان للقواد، ويروى أن نازوك أحد قواد المقتدر كان يمشى فى موكبه بين يديه أكثر من خمسمائة فراش بالشموع الموكبية سوى حملة المشاعل (٣). وكان يرافق هذه الأبّهة أبّهة فى المسكن والملبس والمطعم، فكانت الستور الجميلة تعلّق دائما على حيطان المسكن، وكانت تفرش أرض غرفه وممرّاته وصحونه بالبسط والسجاجيد، وتمتد فوقها المقاعد والوسائد والنمارق، وكانت القصور تكتظ بذلك اكتظاظا شديدا، ويصوّر ذلك من بعض الوجوه أن المتوكل حين غضب على عمر بن فرج الرّخّجىّ أحد كبار موظفى الدولة، وصادر أمواله،

стр. 1544

حملت فرش وأمتعة من داره على خمسين بعيرا (١)، فما بالنا بما كان فى قصور الوزراء، فضلا عن الخلفاء، من فرش فخمة. وعلى نحو ما كانوا يهتمون بالفرش كانوا يهتمون بالثياب، حتى كانت صناعتها أهم الصناعات وأرقاها، وكان الصناع يتفنّنون فى صنعها من الخزّ والديباج والحرير. ويروى صاحب الديارات أن المتوكل جلس يوما فى أحد قصوره على عرش من الذهب وعليه ثياب وشى مشقلة، وأمر ألا يدخل عليه أحد إلا فى ثياب وشى مثله (٢)، وكان الخدم يقفون بين يديه وعليهم ثياب حمراء مورّدة (٣). ويقال إن المستعين هو الذى أحدث لبس الأكمام الواسعة فجعل عرضها ثلاثة أشبار، وصغّر القلانس وكانت طويلة كأقباع القضاة (٤). وكان المعتضد يلبس الثياب الدبيقية الرفيعة التى كانت تصنع بمصر والثياب الحريرية التى كانت تصنع بمدينة تستر وغيرها من المدن الفارسية (٥). ويروى أن إسحق بن إبراهيم المصعبى حاكم بغداد لعهد المتوكل أهدى إلى عمرو بن بانة مغنى العصر عشرة أثواب خزّ أقلها قيمة بمائة دينار (٦)، وكان خليفته على بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر يتأنّق فى ثيابه، وقيل إنه كان بينها ثوبان من الوشى قيمتهما ألف وخمسمائة دينار (٧)، ومرّ بنا أن الراسبى والى إيران كان له مصنع خاص تنسج فيه ثيابه وثياب حواشيه وأصحابه. وكان الشعراء مثلهم مثل المغنين يلبسون الخز والوشى والثياب الحريرية (٨). وكانوا يلبسون فى الشتاء الفراء والثياب الصوفية، واشتهر ثوب باسم الممطر كان يصنع من القماش المشمع للوقاية من المطر، ونرى البحترى يسأل إبراهيم بن الحسن بن سهل ثوبا منه (٩). ولبسوا الجوارب الصوفية والقطنية والحريرية والأحذية الحمراء (١٠). ويبدو أن الرجال كانوا يتنافسون فى اقتناء الحجارة الكريمة، إذ نرى نفرا منهم حين تصادر أمواله تصادر بينها جواهر ثمينة تبلغ قيمتها ألوف الدنانير (١١). وكانت خزائن الخلفاء تكتظ بالجواهر من كل صنف،

стр. 1545

ويذكر أنه كان عند المستعين فص ياقوت أحمر اشتراه الرشيد بأربعين ألف دينار (١)، ويروى أن المقتدر طلب الصناديق وأوعيتها المحفوظة بالخزائن، فاختار منها مائة حبة، ونظمها سبحة يسبح بها وعرضت على تجار الجواهر فقوّموا كل حبة منها بمائة ألف دينار أو تزيد (٢). وكان النساء حرائر وجوارى يبالغن فى أناقتهن وزينتهن، فكن يلبسن ثياب السندس والإستبرق والوشى النفيس من كل لون وكن يتجلين بالجواهر من كل صنف: من الذهب والفضة والزمرد والياقوت واللؤلؤ، وكنّ يتخذن منها تيجانا وعقودا وأقراطا وخلاخيل، وكنّ يضعنها بصور مختلفة على عصائبهن ومراوحهن. ويروى أنه كان لدى قبيحة زوجة المتوكل وأم المعتز ثلاثة أسفاط: سفط مملوء زمردا، وسفط مملوء ياقوتا وسفط مملوء درّا كبيرا، وقوّمت الأسفاط فبلغت قيمتها مليونين من الدنانير. وكان النساء يتخذن أمشاطا من الصدف والصندل (٣). وكن يتفنن فى أوضاع شعورهن على رءوسهن وجباههن، وقد يلوينها على أصداغهن فى هيئة حرف النون أو على هيئة العقرب، وفى ذلك يقول ابن المعتز (٤): لوى صدغه كالنون من تحت طرة ... ممسّكة تزهى بعاج جبين ويقول أيضا (٥): ريم يتيه بحسن صورته ... عبث الفتور بلحظ مقلته وكأن عقرب صدغه وقفت ... لما دنت من نار وجنته وكن يتعطرن بطيب المسك كما أشار إلى ذلك ابن المعتز فى البيت الأول وبطيب الغالية والزعفران والعنبر. ويقال إن عريب المغنية المتوفاة سنة ٢٧٧ عن سنّ عالية كانت تغسل شعرها من أسبوع إلى أسبوع وتغلفه فى كل غسلة بستين مثقالا من المسك والعنبر (٦). ويقول الجاحظ إن المرأة من الطبقة الوسطى حين كانت تهئ ابنتها للزواج كانت تحليها بالذهب والفضة وتكسوها الثياب الحريرية وتغمرها

стр. 1546

بالطيب العبق (١). وازدهرت حينئذ بفارس صناعة الروائح العطرية من الزهور والورود والرياحين المتنوعة. وتفننوا فى المطاعم إلى غير حد، تدل على ذلك المصنفات الكثيرة التى ألفت حينئذ فى فن الطبيخ للحارث بن بسخنّر (من المغنين) ولإبراهيم بن العباس الصولى ولعلى بن يحيى المنجم ولجحظة البرمكى وغيرهم على نحو ما يشير إلى ذلك ابن النديم فى كتابه الفهرست (٢)، وكان الخلفاء يأكلون فى آنية الذهب والفضة، ويذكر أن المكتفى كانت تقدّم على مائدته عشرة ألوان فى كل يوم سوى صنوف الحلواء (٣)، وكان ما يقدم قبل الخليفة القاهر على مائدة الخلفاء من صنوف الطعام والحلواء يقدّر بثلاثين ديارا (٤)، ويقال إن ثمن المسك الذى كان ينفق يوميّا فى مطبخه عشرة دنانير (٥) فما بالنا بما كان ينفق على الطعام والحلواء والفاكهة. . . وبالمثل كان الوزراء يسرفون فى الإنفاق على طعامهم وموائدهم، ومرّ بنا أنه كان لحامد بن العباس وزير المقتدر أربعون مائدة يختلف إليها فى كل غداء أفواج من الناس. ويقول الصابى فى كتابه الوزراء إنه كان لابن الفرات مطبخان: مطبخ للخاصة، ومطبخ للعامة، وكان يقدم إلى الأخير يوميّا تسعون رأسا من الغنم وثلاثون جديا غير المئات من الدجاج، وكان الخبّازون وأصحاب الحلواء يعملون ليل نهار. ويصف لنا الصابى مائدته الخاصة به وبأصحابه المقربين، فيقول: إنه كان يدعو إلى طعامه فى كل يوم تسعة من أصفيائه الكتّاب، وكان بينهم أربعة نصارى: «فكانوا يقعدون من جانبيه وبين يديه، ويقدّم إلى كل واحد منهم طبق فيه أصناف الفاكهة الموجودة فى الوقت من خير شئ، ثم يجعل فى الوسط طبق كبير يشتمل على جميع الأصناف، وكل طبق فيه سكّين يقطع بها صاحبها ما يحتاج إلى قطعه من سفرجل وخوخ وكمثرى، ومعه طست زجاج يرمى فيه بالثفل. فإذا بلغوا من ذلك حاجتهم واستوفوا كفايتهم شيلت الأطباق وقدّمت الطسوت والأباريق، فغسلوا أيديهم، وأحضرت المائدة مغشّاة بدبيقى فوق مكبّة خيازر، ومن تحتها سفرة (مفرش) أدم فاضلة عنها، وحواليها مناديل. . . فإذا

стр. 1547

وضعت رفعت المكبّة (غطاء الآنية) والأغشية، وأخذ القوم فى الأكل، وابن الفرات يحدّثهم ويؤانسهم ويباسطهم. فلا يزال على ذلك، والألوان توضع وترفع أكثر من ساعتين. ثم ينهضون إلى مجلس فى جانب المجلس الذى كانوا فيه ويغسلون أيديهم، والفرّاشون قيام يصبون الماء عليهم، والخدم وقوف على أيديهم المناديل الدبيقيّة ورطليّات ماء الورد لمسح أيديهم وصبّه على وجوههم» (١) وكأن العباسيين لم يتركوا للمدنية الحديثة شيئا. وكان فى بيوت الكبراء شرابى يعنى بالشراب وآلته وبالفاكهة والروائح (٢)، وكان بجانبه الشوّاء والطبّاخ والخبّاز والخبّاص وهو الذى يصنع الحلوى، وفى كتاب البخلاء للجاحظ وغيره من كتب العصر أسماء أطعمة كثيرة مثل السّكباج، وهو لحم يطبخ بخلّ ويضاف إليه شئ من الزعفران لتطيب رائحته، والمضيرة وهى لحم ممزوج ببعض التوابل، والشبارقات وهى شرائح مشوية من اللحم، والطباهج وهو طعام من لحم وبيض وبصل، والهريسة وهى لحم وماء وسميذ إلى غير ذلك من أطعمة كثيرة. ثم الحلوى من الفطائر والرقاق، ومنها اللوزينج، وكان يتخذ من اللوز والدقيق والفستق ويرشّ بماء الورد، ومنها الفالوذج وهو حلوى من النشا وعسل النحل والسمن، والخشكنان وهو كعك يحشى بالجوز والسكر. ثم الأشربة ومنها الجلاّب وهو شراب ممزوج بماء الورد، وكانت تقدّم مع الطعام المشهيات ويسمونها النّقل، وكانت تتألف-كما فى عصرنا-من أشياء حرّيفة. وكتبوا كثيرا عن آداب الطعام نجد ذلك منثورا فى كتاب البخلاء للجاحظ وعيون الأخبار لابن قتيبة وأدب النديم لكشاجم وكتاب الموشى للوشاء، وفيه فصل طريف عن زى الظرفاء فى الطعام. وكانوا يفصلون وقت الشراب عن وقت الطعام، وفيه يكون السمر، ودائما نجد الندماء، وكان لكل خليفة ندماؤه من العلماء والمنجمين والأطباء ومن يوردون

стр. 1548

النوادر والفكاهات ومن يعرفون كيف يرضونه فى ساعات صفوه وساعات سخطه، وكانت تغمرهم الصلات السنية على نحو ما يروى عن على بن يحيى المنجم وما قيل من أنه وصله من المتوكل وحده ثلثمائة ألف دينار، وكان نديما ممتازا، فهو شاعر وطبيب وأديب ومضحك وصاحب نوادر. وتخصصت أسرة حمدون بهذه الصناعة، وهى من سلالة حمدويه صاحب الزنادقة فى عصر المهدى، فكان إبراهيم بن حمدون ينادم المعتصم ثم الواثق ولحق عصر المتوكل، وكان ينادم المعتمد منهم أبو محمد بن حمدون، أما أبو عبد الله أحمد بن حمدون فكان ينادم المتوكل وغيره من الخلفاء، ويقال إن المتوكل وصله فى مدة خلافته بثلثمائة وستين ألف دينار وإن المستعين وصله بأكثر مما وصله به المتوكل (١). ونجد فى بلاط المتوكل كثيرين من الندماء، ومنهم أبو العبر وأبو العنبس الصيمرى الذى قلد أمامه البحترى فى إنشاده الشعر تقليدا مضحكا. وكان المعتمد كثير الندماء مثل المتوكل، وفى مروج الذهب حديث دقيق لبعض ندمائه عن آلات الطرب والغناء والرقص، ويقول المسعودى بعقب ذلك: «وللمعتمد مجالسات ومذاكرات ومجالس فى أنواع من الأدب، منها مدح النديم وذكر فضائله» (٢)، ولا بد أن يكون كشاجم استفاد فى كتابه «أدب النديم» من ذلك فوائد كثيرة. وكان المعتضد يفرد حجرة للندماء، ليستدعيهم منها، وكان لكل منهم نوبته أو دوره (٣). واشتهر الراضى بأنه كان يوسع فى مجالسه للندماء «ولم يكن ينصرف عنه أحد من ندمائه فى أى يوم إلا بصلة أو خلعة أو طيب، منهم محمد بن يحيى الصولى وواحد من بنى حمدون» (٤). وكان للوزراء ندماؤهم، بل كان أيضا لعلية القوم وكبار الموظفين فى الدولة، ويكفى أن نعرف مثلا أن أحمد بن المدبر كان له سبعة ندماء لا يأنس بغيرهم ولا ينبسط إلى سواهم (٥)، ومن المؤكد أن وظيفة هؤلاء الندماء هى التى دفعت الجاحظ إلى كتابة مصنفه البخلاء للتسلية والتندير، وكثر من حوله

стр. 1549

التأليف فى المغفلين وأصحاب النوادر والفكاهات (١). وكانوا يشغفون-وفى مقدمتهم الخلفاء-بضروب كثيرة من الملاهى، ويقال إن مجالس المتوكل كانت تمتلئ باللعب والهزل (٢)، وممن كان يعجب بهم أصحاب السماجة أو كما نقول الآن التمثيل الهزلى، الذين كانوا يقلدون الناس فى حركاتهم وأصواتهم (٣). وكان هو وخلفاؤه كثيرا ما يتفرّجون على نطاح الكباش والديكة (٤) وتواثب السباع والفيلة. ويحكى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أن المعتز استدعاه، حتى إذا كان بمجلسه أسمعه غناء شارية وزمرزنام، وأراه آلة عملها أحمد بن موسى الخوارزمى من نحاس يرسل فيها الماء فيسمع لها زمر السرناى (آلة من آلات الطرب)، ثم أدخله إلى نافذة رأى منها الفيل والسبع كيف يتواثبان (٥). ومن أهم ملاهيهم لعبة الشطرنج، وكان من يحسنها تفتح له أبواب الخلفاء والوزراء والكبراء مثل أبى القاسم التوّزىّ الشطرنجىّ، ومثل محمد بن يحيى الصولى، ويقال إن المكتفى استقدمه حين علم بإحسانه لعبة الشطرنج وجعله يلعب بين يديه مع لاعب آخر كان مشهورا بلعبه هو الماوردى، ولكن الصولى قهره وغلبة (٦). ويحدثنا المسعودى بعقب ذكره ذلك عن الشطرنج وكيف أنه كان يلعب على رقعة أدم مربعة حمراء، ويعرض لآلاته وأنواعها واختلاف هيئاتها، فيذكر بجانب الرقعة المربعة السالفة رقعة مستطيلة ورقعة مدوّرة ورقعة نجومية وتسمى الفلكية. ويقول المسعودى إنه استحدثت فى زمانه رقعة للشطرنج تسمى الجوارحية، سمّوا كل بيت من أبياتها باسم جارحة من جوارح الإنسان، ويقول إن للاعبيها وهوانها فنونا من الهزل والنوادر البديعة. وكانوا يقامرون ويراهنون فى لعبة الشطرنج، وكذلك فى لعبة النّرد (الطاولة)، وكانوا يلعبونها عادة على رقعة

стр. 1550

بها أربعة وعشرون منزلا بثلاثين حجرا وفصّين يجرى بهما اللعب كما هو معروف فى عصرنا. وكان إبراهيم بن المدبر وزير المعتمد مشغوفا به وكان ماهرا فيه، فكان يطلب بلعبه القمار وكسب الرهان، ويروى صاحب الديارات أنه ربح من شخص ذات يوم عشرين دينارا (١). ولعل ملهى لم يشغل الناس كما شغلهم الغناء، وسنعرض لذلك فى موضع آخر، وكثيرا ما كانوا يتجمعون فى تلك الحقب للفرجة على سباق الخيل، حتى كانت أيامه أشبه بأيام الأعياد. وكذلك كان اللعب بالصوالجة على الخيل، حيث تضرب كرة ويتقاذفها الخيّالة والفرسان، وكانت فى دور الخلفاء ميادين خاصة لتلك اللعبة (٢)، وكان يلعبها الخلفاء والوزراء والقواد وحواشيهم، ويروى أن عبيد الله بن يحيى ابن خاقان وزير المعتمد دخل ميدانا فى داره يوم جمعة ليضرب الصوالجة مع بعض غلمانه، فركب فرسه، وثقل، فصدمه غلامه رشيق، فسقط عن فرسه ميتا (٣). ويصور ابن قتيبة هذه اللعبة والتفوق فيها، فيقول إن الضارب يضرب الكرة بالصولجان خلسة من تحت مخزم الدابّة تلقاء لبّتها، وعليه أن يحسن كفّ الدابّة فى شدة جريانها متوقيا من الصّرعة والصّدمة المفاجئة. وكانوا يخرجون للصيد والقنص أفواجا، واشتهر غير خليفة بالخروج له ومعه الكلاب والصقور والفهود، وكان من أشد الخلفاء شغفا به المعتضد «وكان كالمعتصم فى أكثر أموره ومآربه وأشبه به من سائر بيته وبنيه من الخلفاء فى محبته لمباشرة الحرب والصيد وما أشبههما، ولم يكن ينفكّ من حرب إلا إلى صيد ولا من صيد إلا إلى حرب، وكان يخرج لصيد الأسد، فيخيمّ عليها حتى لا يبقى منها باقية» (٤) وكان ابنه المكتفى مشغوفا مثله بالصيد «وكان أكثر ما يدمنه الصيد بالفهد والعقاب، وهما سبعا الضوارى والجوارح، ويباشر ذلك بنفسه ويمتهنها فيه لشدة الشغف به

стр. 1551

والارتياح إليه» (١). ومنذ أبى نواس والشعراء يكثرون من النظم فيه بجميع صوره، ويعرض كشاجم آلاته عرضا مفصلا فى كتابه المصايد والمطارد، كما يعرض روائع ما قيل فيه من أراجيز وأشعار كانوا يسمونها الطّرديات. ومن طريف ملاهيهم المهارشة بين القردة والفيلة (٢). وكانت العامة تجد تسليتها المحبّبة عند قصّاص كانوا منتشرين فى طرقات بغداد وكانوا يقصون عليها نوادر الأخبار وغرائبها، ويبدو أنهم كثروا كثرة مفرطة حتى لنرى المعتمد يأمر فى سنة ٢٧٩ بالنداء فى بغداد ألا يقعد على الطريق ولا فى المسجد الجامع قاصّ ولا صاحب نجوم ولا زاجر (٣). وكان اللعب بخيال الظل معروفا حينئذ، وكان يعتمد على الهزل والسخرية والإضحاك (٤). وكان هناك كثير من المضحكين الذين يتفننون فى طرق الهزل، وكان كثير منهم يخلط هزله بحكاية لهجات النازلين ببغداد من الأعراب والخراسانيين والزنوج والفرس والهنود والروم أو يحاكون العميان، وكأنما يجمع الحاكى سمات من يحكيه جميعا، وقد بحاكون بعض الدواب وخاصة الحمير (٥). ومن أشهر هؤلاء الحكّائين المضحكين لعصر المعتضد ابن المغازلى، وكان يتكلم على الطريق ويقص على الناس أخبارا ونوادر ومضاحك، وكان فى نهاية الحذق لا يستطيع من يراه إلا أن يضحك، وكان لا يدع حكايته لأعرابى أو مكى أو نجدى أو تركى أو نبطى أو زنجى أو سندى إلا حكاها، وكان يخلط ذلك بنوادر تضحك الثكلى، وسمع به المعتضد فأحضره، فما زال يذكر له نوادر وهو متماسك، حتى أخرجه عن طوره ووقاره إلى الضحك، فضرب بيده وفحص الأرض بقدمه، واستلقى من كثرة الضحك وغلبته عليه (٦).

стр. 1552

٣ - الرقيق والجوارى والغناء كان الرقيق منتشرا فى كل مكان، فى القصور وفى الأكواخ وفى الصناعات وفى الزراعة، وكان كثيرا كثرة مفرطة، فمنه السندى ومنه الإفريقى الزنجى والحبشى والسودانى ومنه التركى والصقلبى، ومنه الصينى والخراسانى والأرمنى والبربرى، وكأنما كانت تجتمع فيه كل الأجناس. ومع أن الإسلام قصر الرق على من يؤخذ فى الحرب أسيرا كافرا، فقد مضى المسلمون-محاكين شعوب العالم القديم- يفسحون للتجارة فيه وجلبه من البلاد الأجنبية، وكأنهم لم يستطيعوا أن يبطلوا هذه العادة عند الأمم المغلوبة كما كان منتظرا، بل لقد شاركوهم فيها. ولم تلبث تجارة الرقيق فى ديار الإسلام أن أصبحت ذات شأن عظيم، حتى ليبنى لها فى كل مدينة كبيرة سوق خاصة يقوم على مراقبتها موظف يسمّى قيّم الرقيق. ويذكر اليعقوبى أن سوق سامرّاء فى القرن الثالث الهجرى كانت مربّعة، وبها طرق متشعبة، وفيها الخمر والغرف والحوانيت (١). ومعروف أن الإسلام عمل على تحرير الرقيق بوسائل شتى، إذ جعله فداء لأعظم الجنايات مثل القتل خطأ وأخفها مثل الحنث فى اليمين، وأباح للعبد حق التملك وأن يكاتب صاحبه على جزء من المال يدّخره من العمل، حتى إذا وفّاه ردّت إليه حريته. واستطاع كثير من الأرقاء المحرّرين أن يصلوا إلى أعظم المناصب فى الدولة، وكان من هؤلاء الأرقاء من يتمتعون بجاه عظيم مثل قواد الترك طوال العصر، غير أن جمهورا كبيرا منهم كان يعامل معاملة سيئة، وخاصة الزنوج الذين كانوا يقومون بأعمال الحرث والزراعة فى البصرة، مما جعلهم يثورون لعصر المعتمد-كما مرّ بنا-ثورة عارمة. ولا ريب فى أن هذه المعاملة السيئة تخالف روح الإسلام مخالفة صريحة، لا من حيث استرقاق الناس بالشراء لا بالحرب فقط، بل أيضا من حيث أخذهم بالعنف والعسف والظلم، فقد دعا القرآن

стр. 1553

والحديث جميعا إلى الإحسان للأرقاء والبرّ بهم والمعاملة الكريمة على نحو ما يلقانا فى آية سورة النساء: ﴿(وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى﴾. . . ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً)﴾، وفى الحديث النبوى: «شر الناس من أكل وحده ومنع رفده (عطاءه) وضرب عبده»، وفيه أيضا: «العبيد إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم»، وكانت الجارية بمجرد أن يستولدها سيدها تصبح أم ولده، وليس له حق بيعها، وابنها حر مثل أبيه، وبمجرد موت سيدها تصبح حرة. وفى مواضع كثيرة من القرآن والحديث نجد الدعوة قوية إلى تحرير العبيد، ولذلك كان كثيرا ما يوصى الرسول من ملوكهم بعتقهم بعد موتهم، ويروى أن المعتصم أوصى بعد موته بعتق ثمانية آلاف من مماليكه، ومثله كان يصنع الوزراء والكبراء من الأمة. على كل حال كان الأرقاء كثيرين كثرة مفرطة، وكان أمم ما يقومون به فى المدن الخدمة، ويقول المسعودى إن الخدم كانوا عادة من السودان أو الصقالبة أو الروم أو الصين (١). ويبدو أن جمهورهم كانوا من الخصيان، ومع أن الإسلام حرّم الخصاء تحريما باتّا نجد الخصيان منتشرين فى العالم الإسلامى انتشارا واسعا. وكانوا يخصون خارج حدود الدولة الإسلامية: فى بيزنطة وأواسط آسيا، ثم يجلبون ويباعون فى أسواق الرقيق ببغداد وغير بغداد، ويتردّد ذكرهم كثيرا منذ أواخر القرن الثانى الهجرى. «وكانت انتشارهم باعثا على أن تلبس بعض الجوارى المسمّين بالغلاميات ملابسهم، وترتبط بذلك حادثة مشهورة فإن زبيدة أم الأمين حين رأته يستكثر من الخصيان اتخذت الجوارى المقدودات الحسان الوجوه، وعممت رءوسهن، وجعلت لهن الطرر والأصداغ والأقفية (صور من تجميل أوضاع الشعر على الرأس تشبها بالفتيان) وألبستهمنّ الأنبية والقراطق والمناطق (ملابس الفتيان) فماست قدودهن وبرزت أردافهن، وبعثت بهن إلى ابنها الأمين، فاختلفن بين يديه، فاستحسنهن، واجتذبن قلبه إليهن وأبرزهن للناس» (٢) فقلّده كثير من أهل بغداد، وظل ذلك من بعده حتى عصر الخليفة القاهر المتوفى

стр. 1554

سنة ٣٢٢ إذ يروى بعض الإخباريين أنه رأى فى قصره جوارى يلبسن القراطق والأقبية والطرر ومناطق الذهب والفضة (١). وكثرة الخصيان هى التى هيّأت لظهور هؤلاء الغلاميات، ويكفى أن نذكر ما قاله المؤرخون من أنه كان فى قصر المقتدر أحد عشر ألف غلام خصىّ (٢). ومنذ أواسط القرن الثالث أخذ الناس-احتراما لمن صارت إليهم مقاليد الأمور منهم، وخاصة من الترك-يسمون الخصىّ الخادم والأستاذ (٣). ولم يكونوا يستطيعون التعرض للخصيان البيض خوفا من الترك وبطشهم، أما السود فكانت العامة تكثر من الصياح بهم: يا عقيق (٤). ويروى المسعودى أن الخدم السود جأروا بالشكوى إلى المعتضد لما يلحقهم فى الأزقة والشوارع والدروب وسائر الطرق من الصغير والكبير من العوام إذ كانوا جميعا يصيحون بهم: «يا عقيق صبّ ماء واطرح دقيق يا غاق (صوت الغراب) يا طويل الساق» (٥). وكان المضحكون الهزليون فى الطرق كثيرا ما يحاكون الخدم المختلفين وأصواتهم (٦). وكانت الإماء والجوارى فى الدور والقصور أكثر من الخصيان وأرقاء الرجال، إذ أباح الإسلام للمسلم أن يتملك ما شاء من الجوارى والإماء، وكثير من الرجال كانوا يفضلونهن على الخرائر، لأنهن كن من أجناس وأشكال مختلفة، ولم يكن بينهن وبين الرجال حوائل الحجاب مثل الحرائر اللائى يقترنون بهن وهم لا يعرفون من أمرهن شيئا، بخلاف الجارية فإنها كانت معرّضة لهم فى دور النخّاسين، فكانوا يختارونها بحسب مشيئتهم وموقعها فى أنفسهم، بخلاف الحرائر فقد كان الحجاب يحول بينهم وبين التعرف عليهن، وكانوا يضطرّون لاتخاذ دلاّلات يصفونهن لهم، وقلما يتطابق الوصف مع الحقيقة. وكان بين الجوارى المعروضات للبيع دائما كثير من الفاتنات الفارسيات والخراسانيات والأرمنيات والتركيات والروميات، فكنّ يستأثرن بقلوب الرجال. ومن أجل ذلك لم يكونوا يعددون زوجاتهم، فقد كفاهم اتخاذ الجوارى والإماء هذا التعدد، وأكبّوا عليه إكبابا.

стр. 1555

وكان إمامهم فى ذلك الخلفاء فإنهم أكثروا من الجوارى كثرة مفرطة، حتى ليروى أنه كان لدى المتوكل منهن أربعة آلاف جارية (١)، وهى رواية مبالغ فيها، غير أنها تدل على ما ثبت لدى الناس من كثرة جواريه، ويقال إنه لما أفضت إليه الخلافة أهداه عبيد الله بن طاهر هدية فيها مائتا وصيف ووصيفة، وكان فى الهدية محبوبة (٢). وكانت شاعرة مغنية فوقعت عنده أعظم موقع واقترن بها، ووفت له بعد موته وفاء منقطع النظير. وظلت هذه السبول تتدافع إلى قصر الخلافة طوال العصر من كل قطر، ويروى أن زيادة الله بن الأغلب أهدى المكتفى حين ولى الخلافة مائة وخمسين جارية (٣). ولعلنا لا نعجب بعد ذلك إذا عرفنا أن أمهات الخلفاء فى العصر كنّ من الجوارى، وخاصة جوارى الترك والروم، وكنّ يتدخلن فى شئون الحكم، فكل جارية تحاول أن تقيم فى المناصب العليا أقرباءها والمقربين منها، على نحو ما كانت تصنع أم المقتدر بأخرة من العصر، حتى فسد الحكم لعهده فسادا لا يمكن إصلاحه، وفسحت لأخيها الرومى المسمى غريبا فى النفوذ والسلطان، فزاد الطين بلة، وزاد بلة ثانية بما أتاحت لقهرمانتها أم موسى من إسنادها نقابة بنى هاشم لأخيها، وأتاحت لقهرمانتها الثانية ثمل-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-أن تقعد فى الرصافة كل يوم جمعة للنظر فى المظالم. وكانت الجارية الجميلة تباع بألف دينار وأكثر، وكان الناس يغدون ويروحون إلى سوق الرقيق ودور النخاسين يتفرّجون على الوافدات الجديدات من الجوارى الفاتنات، وكان النخاسون يجمعون منهن كثيرات، حتى لقد كانت رءوس أموالهم تبلغ الألوف، ويقول ابن المعتز عن نخّاس منهم يسمى أحمد بن الحارث إنه كان يجتمع أحيانا عنده من الرقيق ما يبلغ مائة ألف دينار (٤)، ويذكر أبو الفرج الأصبهانى عن نخاس يسمى أبا عمير أنه كان له جوار لهن ظرف وأدب، وكان ابن البواب الشاعر يألف جارية منهن يقال لها عبادة ويكثر غشيان منزل أبى عمير من أجلها فأصابه ضيق شديد، فانقطع عن زيارتها ثم نازعته نفسه إلى

стр. 1556

لقائها وصعب عليه الصبر عنها، فأتى عبادة، ووجد الجارية ورفاقه يعاتبونه على تأخره عنهم وعن صاحبته، ولم يلبث أن أنشأ يقول: لو تشكّى أبو عمير قليلا ... لأتيناه من طريق العياده فقضينا من العيادة حقّا ... ونظرنا فى مقلتى عباده فقال أبو عمير: مالى ولك يا أخى، انظر فى مقلتى عبادة متى شئت غير ممنوع، ودعنى أنا فى عافية لا تتمنّ لى المرض لتعودنى (١). وواضح من امتناع ابن البواب عن زيارة أبى عمير حين ألمت به ضيقة أن الشعراء وغيرهم حين كانوا يختلفون إلى دور النخاسين كانوا يحملون معهم كثيرا من الهدايا للنخاسين وجواريهم، مما كان يكلفهم أموالا كثيرة، وإلى ذلك يشير الجاحظ فى رسالته عن القيان إذ يذكر عن النخاس «أن من فضائله أن الناس يقصدونه بالرغبة كما يقصد بها الخلفاء والعظماء فيزار ولا يكلّف الزيارة، ويوصل ولا يحمل على الصلة، ويهدى إليه ولا تقضى منه الهدية» (٢) ويصور الجاحظ تفنن الجارية فى اللعب بألباب الرجال، إذ لا تزال تنصب أشراكها باللحظ والبسم وإظهار الشوق إلى طول مكث من يختلف إليها والحزن لفراقه والصبابة لسرعة عودته، فإذا أحسّت أنه وقع فى الشّرك أوهمته أنها تعلّقت به وأنه شجوها فى فكرها وضميرها وليلها ونهارها وأنها لا تريد سواه ولا تؤثر أحدا على هواه وأنها لا تبتغيه لماله وهداياه وإنما لنفسه، ثم جمّشته بعضوض تفاحها ونحيات من ريحانها وزوّدته بخصلة من شعرها وقطعة من ثيابها، يقول الجاحظ وربما زارته فى بيته وأمكنته من القبلة فما فوقها. لذلك لا نعجب حين نراهن يسعرن قلوب الشعراء، وحين نرى الشعراء عاكفين عليهن وقد بذلن لهن كل ما استطاعوا من هدايا وتحف وطرف نفيسة، وفى ذلك يقول على بن الجهم متحدثا عن جوارى نخّاس يسمى المفضل وابتزازهن وابتزاز صاحبهن أموال من يزورونهن (٣): أوانس ما فيهنّ للضيف حشمة ... ولا ربّهن بالمهيب المبجّل

стр. 1557

يسر إذا ما الضّيف قلّ حياؤه ... ويغفل عنه وهو غير مغفّل ولا يدفع الأيدى السفيهة غيرة ... إذا نال حظّا من لبوس ومأكل لك البيت ما دامت هداياك جمّة ... ودمت مليّا بالشراب المعسّل وكأن دار النخاس تعد «بارا» كبيرا وجواريه ما يزلن يختلفن إلى روّاده. وكان كثيرات منهن مثقفات بفنون الآداب، فكن يجذبن الرجال والشباب والشعراء بجمالهن وعذوبة حديثهن، بل كان منهن كثيرات يحسنّ نظم الشعر مثل فضل الشاعرة ومثل محبوبة جارية المتوكل. ولم يكن المجتمع العباسى يعنى بفن كما كان يعنى بالغناء والموسيقى، ويتضح ذلك من كثرة الكتب المترجمة منذ مطالع العصر فى الفن الموسيقى على نحو ما يتضح فى أوائل ترجمة إسحق الموصلى فى كتاب الأغانى وكذلك ما ساقه منها كتاب الفهرست لابن النديم، ولم يلبث العرب أن شاركوا مشاركة قوية فى هذا التأليف منذ الخليل بن أحمد صاحب العروض المتوفى سنة ١٧٠ للهجرة. ويتكاثر هذا التأليف فى القرن الثالث، وخاصة فى بيئة المتفلسفة مثل الكندى وله فى الموسيقى كتب مختلفة (١)، وكذلك لتلميذه (٢) أبى الطيب السرخسى ولقسطا (٣) بن لوقا البعلبكى، فلكل هؤلاء مؤلفات فى الموسيقى أحصاها ابن النديم فى فهرسته. وخلف من بعدهم الفارابى بأخرة من العصر فأربى على كل سالف وخالف من اليونان والعرب جميعا على نحو ما يتضح فى مصنّفه كتاب الموسيقى الكبير، وقد استطاع أن يدخل تحسينات على آلة القانون الإغريقية. وعلى نحو ما يسوق ابن النديم كتب المتفلسفة فى الموسيقى يسوق كتب المغنين فيها وفى الغناء والمغنين والمغنيات، ولإسحق الموصلى فى ذلك نشاط واسع، ومن أشهر من خلفوه فى القرن الثالث على التأليف فى هذا الفن بذل (٤)، وكان لها كتاب فى الأغانى يشتمل على اثنى عشر ألف صوت، ودنانير البرمكية ويقول أبو الفرج لها كتاب مجرد فى الأغانى مشهور (٥)، وممن ذكرهم ابن النديم النّصبى وله كتاب فى الأغانى ألفه

стр. 1558

على حروف المعجم للمتوكل (١). ومنهم جحظة وله كتاب فى الطّنبوريين (٢)، ويذكر أبو الفرج أن لعمرو بن بانة كتابا فى الأغانى يعدّ من الأصول المهمة فيها (٣)، كما يذكر أنه كان لأحمد ابن يحيى المكى كتاب سماه المجرد فى الأغانى كان يحتوى على أربعة عشر ألف صوت (٤)، وكان لمحمد بن على بن أمية المعروف باسم أبى حشيشة كتاب فى أخبار الطنبوريين (٥). وعمل فى هذا العصر كثير من المغنين على تحسين آلات الغناء وتغذيته بالألحان الأجنبية، وخاصة أن كثرتهم كانت من الموالى فرسا وغير فرس، بل إن منهم من اخترع بعض الآلات مثل زنام الزامر، فقد اخترع نايا نسب إليه، فقيل ناى زنامىّ (٦). ومما يدل على ما كان للغناء حينئذ من سمو المنزلة أننا نجد طائفة من الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة تشارك فى وضع أصواته مثل المنتصر (٧) والمعتز (٨) والمعتمد (٩) وابن المعتز (١٠) وعبيد (١١) الله بن عبد الله بن طاهر، واشتهر بأنه كان يستطيع أن يجمع ألحانا كثيرة فى صوت واحد، وكانت له كتب فى النغم وعلل الأغانى. وكانت تتقابل فى الغناء حينئذ مدرستان: مدرسة محافظة تتمسك بالأصول والأوضاع الموروثة ويمثلها إسحق الموصلى، ومدرسة مجددة لا تزال تضيف إلى التراث الفنى فى الغناء أصواتا وأنغاما وألحانا ويمثلها إبراهيم بن المهدى، ويحكى أبو الفرج بعض وجوه الخلاف بينه وبين إسحق، فيقول إنهما كانا يختلفان فى مدلول بعض المصطلحات، فما كان يسميه إسحق ثقيلا أولا وخفيفه كان يسميه إبراهيم بن المهدى ثقيلا ثانيا وخفيفه، وما كان يسميه إسحق ثقيلا ثانيا وخفيفه كان يسميه إبراهيم بن المهدى ثقيلا أولا وخفيفه، ويقول أبو الفرج: «وأما التجزئة والقسمة فإنهما أفنيا أعمارهما فى تنازعهما فيهما، حتى كان يمضى لهما

стр. 1559

الزمان الطويل لا تنقطع مناظرتهما ومكاتبتهما فى قسمة وتجزئة صوت واحد (١)». وقد توزّعا المغنين والمغنيات فى القرن الثالث، فكان من ينكر تغيير الغناء القديم يأخذ بمذهب إسحق، ومن رأى التجديد والتغيير فى الألحان يأخذ بمذهب ابن المهدى. ونستطيع أن نعين أهم من تعصبوا لهذا أو ذاك، فمن كان يتعصب لإسحق من المغنين المشهورين فى هذا العصر أحمد بن يحيى المكى، وله ترجمة (٢) فى كتاب الأغانى وكان إسحق يقدمه ويؤثره، ولحق عصر المستعين، وكان ابنه محمد يحذق الغناء على شاكلته ولحق عصر المعتمد. وممن كان ينهج منهج إسحق بنان، وكان أخصّ الناس بالمتوكل والمنتصر، وكان إذا اجتمع هو وزنام الزامر على الضرب بالعود والزمر أحسنا وفتنا وأعجبا. ومنهم أيضا عبد الله (٣) بن أبى العلاء، وقد عمّر إلى آخر أيام المعتصد وكانت تقوّم دابّته وثيابه إذا ركب بألف دينار، وابنه أحمد كان من المغنين النابهين. وممن كان على نهج إسحق أيضا القاسم بن زرزور وولده وجوارى آل هاشم وآل الفضل بن الربيع ومن جرى مجراهم ممن تمسّك بالغناء القديم وحمله كما سمعه (٤). وممن كان على مثاله أيضا الزّبير بن دحمان، وكان متعصبا لإسحق، فى حين كان أخوه عبد الله يتعصب لابن المهدى، فكان كل منهما يرفع من صاحبه ويشيد بذكره، يقول أبو الفرج: «فعلا الزبير بتقديم إسحق له» لجلالته عند الناس وتمكنه منهم وقبولهم منه (٥)، وكأن أنصار إسحق كانوا أكثر نفرا إذ كان الذوق العام يميل إلى المحافظة أكثر مما يميل إلى التجديد، ولم يكن ذلك شيئا خاصّا بالغناء، بل كان عامّا فيه وفى الشعراء، فقد كان الشعراء والمغنون جميعا يستمسكون بالتقاليد الموروثة. وممن كان ينزع منزع إبراهيم بن المهدى ورغباته فى التجديد بالغناء عمرو بن بانه، المنسوب إلى أمه، وكان المتوكل أنيسا به، ونال منه جوائز كثيرة «وكان يذهب مذهب إبراهيم بن المهدى فى الغناء وتجنيسه ويخالف إسحق ويتعصب عليه تعصبا شديدا ويواجهه بذلك وينصر إبراهيم بن المهدى عليه» (٦). ويقول أبو الفرج إنه علّم الغناء عشرة من الغلمان، وطال عمره حتى سنة ٢٧٨ وكان يشاركه فى مذهبه محمد بن الحارث بن بسخنّر،

стр. 1560

وكان من المتعصبين على إسحق، ويقول أبو الفرج: «أخذ الغناء عن إبراهيم بن المهدى ومن بحره استقى»، وكان يغنّى على المعزفة فنقله ابن المهدى إلى العود وواظب عليه حتى حذقه (١)، وكان الخلفاء يسكبون عليه أموالهم سكبا، وخرّج كثيرات من الجوارى اللائى برعن فى الغناء. وعلى نحو ما كان المغنون حزبين: حزبا يتبع إسحق الموصلى وحزبا يتبع إبراهيم بن المهدى كذلك كانت المغنيات، وممن كان يأخذ منهن بمذهب إسحق عريب وجواريها من أمثال تحفة الزمارة وبدعة، وترجم أبو الفرج ترجمة ضافية لها (٢) ذكر فى صدرها أنها كانت نهاية فى الجمال والظّرف وحسن الصوت وجودة الضرب وإتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والألحان ورواية الأشعار، اشتراها الأمين من مولاها المراكبى وكان عمرها سبعة عشر عاما ونظمها فى جواريه الغلاميات، واشتراها المأمون بعده بخمسين ألف درهم، ثم اشتراها المعتصم بمائة ألف وأعتقها فهى مولاته، وظلت تغنّى طوال حياتها وماتت عن سن عالية سنة ٢٧٧ لعهد المعتمد، وقد أمر على بن يحيى المنجم أن يجمع غناءها الذى صنعته فأخذ منها دفاترها وصحفها التى كانت سجّلت فيها أصواتها، وكتب ذلك كله فكان ألف صوت بارع، واشتهرت جاريتها بدعة (٣) بالغناء وإتقانه على طريقة الموصلى، وعاشت حتى سنة ٣٠٢. وحاول بعض أعيان بغداد شراءها فطلب إلى على بن يحيى المنجم أن يفاوض عريب فى شرائها بمائة ألف دينار، وجعل له عشرين ألفا، ورفضت بدعة فأعتقتها عريب، ويقال إنها خلفت مالا كثيرا وجوهرا وضياعا وعقارات. أما اللائى كن يتعصبن لإبراهيم بن المهدى فعلى رأسهن شارية (٤) جاريته، وكان قد اشتراها بثمانية آلاف درهم، حتى إذا خرّجها وذاع صيتها عرض عليه المعتصم فيها سبعين ألف دينار، فأبى أن يبيعها له ضنّا بها، واشتراها المعتصم بعد ذلك من تركته بخمسة آلاف وخمسمائة دينار. وكان المعتز يأنس لغنائها، وطالت حياتها حتى لحقت المعتمد، وكان يأبى أن يلحّن له أشعاره سواها وسوى عريب، وأمر لها ذات مرة وقد غنته صوتا بألف ثوب من الثياب الأنيقة. ومن جواريها اللائى

стр. 1561

اشتهرن بالغناء على طريقتها وطريقة ابن المهدى: مهرجان ومطرب وقمرية وشرّة وقد اشتراها المعتمد بعشرة آلاف دينار وممن كنّ يحسنّ الغناء فريدة (١) زوجة المتوكل وجاريته محبوبة (٢) وقلم (٣) الصالحية وشاجى (٤) جارية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وقد نسب إليها كل ما صنعه من الغناء والأصوات. وكانت هناك جماعة كبيرة اشتهرت بالغناء على الطنبور فى مقدمتها أبو حشيشة (٥) الطنبورى الذى عاش إلى عصر المعتمد، وسليمان (٦) بن القصار الطنبورى، وكان المعتز أنيسا به، ويقال إنه غناه يوما صوتا فأعطاه مائة دينار مكيّة ومائتين مما ضرب لخزانته، وجحظة البرمكى وله ترجمة طويلة فى معجم الأدباء، وعمر (٧) الميدانى ولم يكن فى الطنبوريين أصح غناء وأكثر تصرفا منه، وعبيدة (٨) الطنبورية، وكانت تتقن الضرب على الطنبور إتقانا بعيدا. وكثيرا ما كان يأخذ الغناء شكل جوقة، وكانت آلات الغناء عادة أربعا هى العود والجنك والقانون والمزمار، وقد يوضع مكان القانون الطنبور (٩). وكثيرا أيضا ما كان يقترن الغناء بالرقص، وفى مروج الذهب للمسعودى فصل (١٠) طريف يوضح صلته بالغناء والموسيقى وما كانت ترتفع به الحناجر من أشعار، وفيه تسمّى أنواع الرقص وفنونه بأسماء أوزان الشعر من مثل الخفيف والرمل والهزج، وبالمثل كانوا يقيسون الغناء، مما يدل أقوى الدلالة على الصلة الوثيقة بين الفنون الأربعة: الغناء والموسيقى والرقص والشعر. وكان للجوارى فى هذا الجو المشبع بالموسيقى والغناء أثر كبير فى شيوع الظّرف والرقة واللطف، إذ دفعوا الشباب والشيوخ إلى تمثل كثير من العواطف والمشاعر التى تملأ قلوبهم لينا وبرّا وعطفا وودّا، وقد خلبوا ألبابهم بحديثهن الساحر الذى يصب فى القلوب تارة رحيقا وتارة حريقا، حديث العشق وما يشيع فيه من

стр. 1562

العواطف والمواجد ونور الأمل وظلام اليأس وما قد يتحول إليه من حب مادى كثير الشباك: شباك التضرع والأمل والطلب، وحبّ أفلاطونى نقى كثير الحجب: حجب الطّهر واليأس والبراءة، مما جعل الشعر يكتظ بمعانى الرقة واللطف المفرطين كما يكتظ بالظرف حتى ليصبح للظرفاء تقاليد خاصة فى الزى والنظر وتناول الطعام والشراب، وقد أفرد لها الوشاء فصلا خاصّا فى كتابه «الموشى» يدل على رقة الحسّ أوسع دلالة. ونستطيع أن ندخل فى فنون الظرف التى أشاعها الجوارى حينئذ إعجابهن بالأزهار وتعلقهن بها وشغف كثيرات منهن بكل زهر وريحان، حتى لتلحق بالقصور حدائق كثيرة ويقام كثير من البساتين. وألهمت الأزهار الشعراء بكثير من الأشعار، حتى ليصبح وصف الطبيعة بابا مهمّا من أبواب الشعر، وليس ذلك فحسب، فقد أحس الشعراء فى الأزهار معانى السلوى فى الحب والوصل ودنوه واتصاله وانقطاعه، إلى غير ذلك من معان لا تحصى، كأن يحس شاعر فى معنى الورد الخجل لاحمراره ويحس آخر انقطاع الوصل لسرعة ذبوله، أو يحس شخص فى البنفسج عودة الوصل ورجوعه. وكانوا يتهادون بالأزهار والرياحين دالين بها على أمثال تلك المعانى، كما كان يحيّى بها بعضهم بعضا، وكثرت التحية عندهم بالتفاح، وكانت الجارية تترك على التفاحة أثر أخذها بفمها، وقد تشققها بالمسك أو بالغالية أو بغيرهما من أنواع الطيب، وقد تكتب عليها بيتا أو بيتين تدل بهما على اللوعة، ويقول ابن المعتز (١): وآثار وصل فى هواك حفظتها ... تحبّات ريحان وعضّات تفّاح وكن يكتبن أبيات الحب الرقيقة على الثياب والأكمام والقلانس والعصابات والطرر والذوائب والمناديل والبسط والوسائد والأسرة (٢)، ويروى أن عريب كانت تلبس قميصا موشحا بالذهب، كتب فى وشاحه: وإنى لأهواه مسيئا ومحسنا ... وأقضى على قلبى له بالذى يقضى فحتّى متى روح الرّضا لا ينالنى ... وحتى متى أيام سخطك لا تمضى

стр. 1563

وكن يتنافسن فى التهادى بالتحف الجميلة وتبعهم الشباب والرجال. وليس ذلك فحسب، فقد كن يتثقفن بثقافات العصر، وعملن على شيوع الثقافة، إذ كان منهن كثيرات يروين الأشعار والأخبار، وينظمن الشعر نظما بديعا. ٤ - المجون والشعوبية والزندقة رأينا فى كتابنا العصر العباسى الأول كيف كانت موجة المجون حادة، وقد انتقلت إلى هذا العصر بحدتها، إن لم تكن زادت حدة فوق حدة، إذ ظل الناس يمعنون فى شرب الخمر واحتساء كئوسها، مدمنين عليها لا يرعوون ولا يزدجرون. ومعروف أن القرآن الكريم حرّمها، ولذلك أجمع الفقهاء على تحريمها، لمجئ ذلك بنص القران، وما كان محرّما بنصه لا يحلّ منه قليل ولا كثير. أما النبيذ فمسكره محرم أيضا بالقياس، غير أن اجتهاد بعض فقهاء العراق الأحناف أداهم إلى تحليل بعض الأنبذة غير المسكرة كنبيذ التمر والعسل والتين والبرّ وكالزبيب المطبوخ أدنى طبخ. فشرب الناس هذه الأنبذة وشربها الخلفاء، وتجاوزوا ما حلّله الأحناف إلى المسكر المحرم من الأنبذة وغيرها، وفى ذلك يقول ابن الرومى (١): أباح العراقى النبيذ وشربه ... وقال حرامان: المدامة والسّكر وقال الحجازىّ: الشرابان واحد ... فحلّ لنا من بين قوليهما الخمر سآخذ من قوليهما طرفيهما ... وأشربها لا فارق الوازر الوزر وابن الرومى يريد بالحجازى الشافعى وبالعراقى أبا حنيفة، وقد استحدث لنفسه مذهبا ثالثا لم يحل فيه الأنبذة المسكرة فحسب بل أحلّ أيضا الخمر، وساد هذا المذهب لا بين أضرابه من الشعراء فحسب بل بين كثير من الناس، وإن كان يجب أن نحتاط بالقياس إلى الخلفاء، وأن نظن أنهم إنما تورطوا فى

стр. 1564

الأنبذة فلم يقفوا عند أنواعها المحللة، بل شربوا أنواعها المسكرة. وكان المتوكل يعقد فى قصوره مجالس كثيرة للمنادمة والشراب، وكان يحب الشرب ومن حوله الورود والرياحين (١) وكان المعتز ابنه يزور الأديرة للشراب (٢)، وكان يشرب فى قصوره بين ندمائه والمغنون يغنون بين يديه، كما كان شرب فى البساتين (٣). وفرغ المعتمد-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-للهو والشراب، ويقول المسعودى: «كان مشغوفا بالطرب والغالب عليه المعاقرة ومحبة أنواع اللهو والملاهى (٤)، وديوان ابن المعتز ملئ بالخمر ودنانها وكئوسها وغبوقها وصبوحها. وكان القاهر مدمنا شرب الخمر (٥) كما كان مولعا بالغناء والسماع وجعله ذلك يأمر بأن تباع الجوارى المغنيات على أنهن لا يعرفن الغناء حتى يحصل منهن على من يريد بأرخص الأثمان، وبالمثل حرم الخمر على الناس وكأنه يريد أن يعبها وحده (٦)، وكان الراضى عاهد ربه ألا يشرب وظل على ذلك سنتين من خلافته مع إذنه لجلسائه وندمائه بالشرب، ثم وجدوا له رخصة من يمينه فكفّر عنها وعاد إلى الشراب، وآخر الخلفاء المستكفى وكان قد ترك الشراب، فلما ولى الخلافة دعا به توّا وعاد إلى شربه (٧). وعلى هذا النحو كانت قصور الخلافة فى عصور كثير من الخلفاء كأنها مقاصف للشراب والسماع والغناء، وبالمثل كانت قصور الأمراء والوزراء وكبار أصحاب المناصب فى الدولة وعلية القوم، وتورط فيها بعض القضاة عن طريق النبيذ المحلل، كما تورط كثير من علماء اللغة وغيرهم أمثال ابن دريد، كان يعكف عليها عكوفا شديدا، ويقول أبو حفص بن شاهين: «كنا ندخل عليه فنستحى مما نرى من العيدان المعلّقة والشراب وقد جاوز التسعين» (٨). وأوغل الشعراء فيها إيغالا. ومن يتصفح كتاب الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى يحس أن بعض الناس أدمنوها إدمانا شديدا. وكانوا يعقدون لها المجالس فى المساء والليل والصباح، وآثروا ألا يقل عدد

стр. 1565

الندماء عن ثلاثة، وكان يدور عليهم بها السقاة والساقيات من الغلمان والجوارى وكانوا يزينون مجالس الشراب بالورود والرياحين، كما كانوا يزينون رءوسهم أحيانا بأكاليل الزهر. وكان كرخ بغداد يكتظ بالمقينين وكانوا منبثين أيضا فى سامراء، وتحولوا بدورهم إلى ما يشبه حانات كبيرة، ففيها الخمر، وفيها القيان المغنيات، وفيها الجوارى الظريفات الأديبات، وكان الشعراء يختلفون إلى هذه الدور أو قل إلى هذه الحانات ومثلهم الناس من حولهم فيعبون من كئوسها ويتمتعون بالسماع ومغازلة الجوارى والقيان. وكانت البساتين حول سامرّاء وبغداد تمتلئ بحانات الخمر والسماع، وكان الشعراء والناس يختلفون إليها، وقد يختلون بأنفسهم إلى زاوية فى بستان ويتخذون منها لأنفسهم حانة، يشربون فيها على أزهار الرياض وأبصارهم تتملّى بجمال الجوارى وآذانهم تتمتع بالسماع، وكثيرا ما يصور الشعراء هذا المتاع المضاعف بجمال الطبيعة وجمال المرأة ونشوة الخمر من مثل قول البحترى (١): اشرب على زهر الرياض يشوبه ... زهر الخدود وزهرة الصّهباء من قهوة تنسى الهموم وتبعث ال ... شّوق الذى قد ضلّ فى الأحشاء وكان من يعملون بالحانات من الأجانب سواء الرجال والنساء، ويقول الجاحظ: «من تمام آلة الخمار أن يكون ذميّا وأن يكون اسمه آذين أو مازيار أو أزدانقاذار أو ميشا أو شلوما ويكون أرقط الثياب مختوم العنق» (٢) وتختلط فى النص أسماء فارسية ونصرانية ويهودية. أما الجوارى فكن من القيان الأجنبيات غالبا، وكانت تعجّ بهم حانات البساتين وحانات الكرخ ودور المقينين، والشباب والشعراء يختلفون إليهن، وكن من أجناس مختلفة، وقلما كن يشعرن بشئ من الكرامة أو يستشعرن شيئا من التحفظ والاحتشام، بل لقد كن يتفنن فى الحيل التى يجذبن بها الرجال، وكن يستكثرن من الخلان بطرق غير مستقيمة، فدفعن إلى

стр. 1566

كثير من الفجر والمجون، وكل شئ من حولهن يغريهن على هذا السلوك الآثم، وصوّر ذلك الجاحظ، فقال: «كيف تسلم القينة من الفتنة أو يمكنها أن تكون عفيفة، وإنما تكتسب الأهواء وتتعلّم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهى إنما تنشأ من لدن مولدها إلى أوان وفاتها فيما يصدّ عن ذكر الله من لهو الحديث. . . وبين الخلعاء والمجان ومن لا يسمع منه كلمة جدّ، ولا يرجع منه إلى ثقة ولا دين ولا صيانة مروءة. وتروى الحاذقة منهن أربعة آلاف صوت (أغنية) فصاعدا يكون الصوت فيما بين البيتين إلى أربعة أبيات، وعدد ما يدخل فى ذلك من الشعر إذا ضرب بعضه ببعض عشرة آلاف بيت، ليس فيها ذكر الله إلا عن غفلة ولا ترهيب من عقاب ولا ترغيب فى ثواب، وإنما بنيت كلها على ذكر. . . القيادة والعشق والصبوة والشوق والعلمة، ثم لا تنفك من الدراسة لصنعتها منكبة؟ ؟ ؟ عليها تأخذها من المطارحين الذين طرحهم كله تجميش وإنشادهم مراودة» (١). وكان الزوار ينالون منهن ما يريدون ما داموا يقدمون للمقيّن هداياهم النفيسة، وكن بدورهن يتخذن من بينهم المعشوقين، فما يزلن يغمزن هذا بعين وذاك بعين، وما يزلن يقمن من حولهن الشباك، وكثير من الشعراء والشباب يتعثرون فيها، وكثيرون كانوا يصلون إلى قلوبهن، وهن لا يحتشمن ولا يتحرّجن، ودائما يقمن حفلات الغناء والموسيقى والرقص. واستحالت الأديرة فى هذا الجو الماجن إلى دور للعبث واللهو، وهيأ لها ذلك أنها كانت تقدّم لرّوادها الخمور المعتقة. وكانت متناثرة فى ضواحى بغداد وسامراء وغيرهما من مدن العراق، فحوّلها الشعراء والناس إلى مجالس للخمر والمجون، وأكثروا من التغنى بها ووصف متاعهم بخمورها ونشوتها وسقاتها من الرهبان والراهبات، حتى لتؤلّف فى ذلك كتب مستقلة مثل كتاب «الديارات» للشابشتى وهو يكتظ بأشعار ابن المعتز وغيره، وله يذكر لياليه بالمطيرة إحدى متنزهات سامرّاء وبالكرخ وحاناته وبدير السوسى وراهباته (٢):

стр. 1567

يا ليالىّ بالمطيرة والكر ... خ ودير السّوسىّ بالله عودى كنت عندى أنموذجات من الجنّ ... ة لكنها بغير خلود وكانت هناك أيام سنوية يخرج فيها أهل سامراء وبغداد وغيرهما من مدن العراق للهو والقصف والمجون وهى أيام الأعياد: أعياد الإسلام وأعياد الفرس وأعياد النصارى، وكانت تشبه كرنفالات ضخمة يلهو الناس فيها لهوا مباحا وغير مباح ويتفرجون على القصّاص والحكّائين وأصحاب المساخر الهزليين، أما أعياد الإسلام فهى أعياد رأس السنة الهجرية وعيد الفطر وعيد الأضحى. وفى ديوانى البحترى وابن المعتز إشارات لهما مختلفة (١)، وأما أعياد الفرس فمن أهمها عيد النيروز فى أول الربيع، وهو أول السنة الفارسية، وينوه الشعراء بذكره كثيرا كقول البحترى يهنئ المعتمد به وبلحظات سروره (٢): لا تخل من عيش يكرّ سروره ... أبدا ونيروز عليك معاد وكانوا يكثرون من التهادى فيه، ويروى أن المتوكل كان يهدى فيه هدايا متنوعة فيها تماثيل من عنبر وورود حمراء (٣). وكانو يخرجون فيه إلى المتنزهات والبساتين يقصفون ويمرحون ويلهون ملاهى مختلفة. ومن أعياد الفرس عيد المهرجان فى أول الشتاء، وفيه يقول البحترى (٤): وكأن الأيام أوثر بالحس ... ن عليها ذو المهرجان الكبير ولابن الرومى قصيدة طويلة يهنئ فيها عبيد الله بن عبد الله بن طاهر به، وقد حشد فيها كثيرا من فنون اللهو فيه (٥)، وكان للفرس عيد يسمى عيد السّذق كانوا يوقدون فيه النيران على الجبال والتلال، ويظلون يجمعون لها الأحطاب أياما، ومن أشهر ما كان فى هذ العيد احتفال مرداويج الديلمى أمير الجبل فى غربى إيران به، ويقال كان فى السماط الذى صنعه فيه ألف رأس من البقر (٦).

стр. 1568

أمّا أعياد النصارى فكان تقريبا لكل دير عيد يخرج فيه الناس إليه للهو والمجون والهزل، وكانت لهم أعياد عامة، منها عيد الميلاد وكانوا يكثرون فيه من إيقاد الشموع والنيران (١)، ومنها عيد الشعانين أو عيد الزيتونة وهو يقع فى يوم الأحد الذى يسبق عيد الفصح من كل سنة، وكان النصارى يتقلدون فيه الصلبان ويتوشحون بالمناديل المنقوشة ويحملون بأيديهم الخوص والزيتون. وكان الدير الأعلى فى الموصل يحتفل بهذا العيد احتفالا كبيرا. ومن أعيادهم عيد الفصح، وعندهم أن عيسى قام فيه بعد الصلب بثلاثة أيام، وكان يحتفل به دير سمالو شرقى بغداد، ولا يبقى أحد من أهل الطرب واللهو إلا قصده للقصف والمجون، وفيه يقول محمد بن عبد الملك الهاشمى (٢): ولربّ يوم فى سمالو تمّ لى ... فيه السرور وغيّبت أحزانه فتلاجبت بعقولنا نشواته ... وتوقّدت بخدودنا نيرانه حتى حسبت لنا البساط سفينة ... والدّير ترقص حولنا حيطانه وكان يقام فى أكتوبر عيد للقديسة أشمونى فى قطربّل، وهى قرية فى شمالى بغداد كانت أشبه بحانة الخمارين، وكان الناس يذهبون من بغداد وسامراء إلى هذا العيد عن طريق الدواب أرضا والسفن فى دجلة بحرا، متنافسين فيما يظهرونه هناك من زيهم وزينتهم ومباهين بما يعدّونه لقصفهم، وكانوا يضربون فى شط القرية وديرها وحاناتها وأكنافها الخيم والفساطيط وتعزف عليهم القيان وهم يحتسون كئوس الخمر، وبالمثل كانوا يصنعون فى عيد دير الزندورد بالجانب الشرقى لبغداد، وفيه يقيل جحظة (٣): دير تدور به الأقداح مترعة ... من كفّ ساق مريض الطّرف وسنان والعود يتبعه ناى يوافقه ... والشّدو يحكمه غصن من البان ولا شك فى أن كل ما قدمنا أعدّ لانتشار المجون والخلاعة فى سامراء وبغداد،

стр. 1569

إذ كانت الخمر فى كل مكان ومعها القيان والجوارى المبتذلات، فكان طبيعيّا أن يعم كثير من الشعر الصريح، بل المفرط فى إباحيته وفى التعبير عن الغرائز الجسدية. ولم يكن كل ما فى المدينتين العراقيتين الكبيرتين المجون وآثامه، بل كان هناك تقى كثير ونسك وعبادة، وهو ما حماهما من السقوط. على أن هؤلاء المجان والخلعاء تورطوا فى آفة مزرية، هى آفة الشغف بالغلمان المرد، وهى آفة ورثوها عن العصر العباسى الأول. على أن من أصحاب هذا الغزل المزرى من ارتفعوا به عن أدران المادة، وجعلوه غزلا أفلاطونيّا نقيّا، وسنفصل القول فى ذلك فى أثناء حديثنا عن شعراء الغزل، على نحو ما هو معروف عن الفقيه محمد بن داود الأصفهانى وتعلقه بمحمد بن جامع الصيدلانى. ولا بد أن نذكر أن كثيرين من الفقهاء وعلماء الدين والوعاظ كانوا لا يزالون يشدّدون النكير على المجون وما اتصل به من خمور ومن سماع، وبتأثيرهم حاول-كما قدمنا-المهتدى أن يحمل الناس على الجادة، فحرم الشراب ونهى عن القيان والسماع إليهن، غير أن العامة والخاصة استطالوا حكمه واحتال عليه الأتراك حتى قتلوه بعد سنة واحدة من خلافته، وصنع صنيعه بأخرة من العصر المتقى، ولكنه لقى سريعا المصير نفسه. ويذكر ابن الأثير أنه فى عام ٣٢٣ للهجرة دبّر الحنابلة ببغداد حملة شعواء على المجون وفتشوا دور القواد والعامة، وكانوا كلما وجدوا نبيذا أراقوه أو آلة للغناء حطموها أو مغنية ضربوها، وحرّموا على الرجال رفقة الصبييان والغلمان (١). وظلت مستعرة فى هذا العصر نيران الشعوبية على نحو ما كانت مستعرة فى العصر العباسى الأول، إذ مضى كثيرون يشيدون بفضائل الشعوب القديمة وحضارتها ومدنيتها، وفى مقدمتها الفرس بسياساتهم وآدابهم والروم بعلومهم وفلسفاتهم والهند بسحرها ومعارفها الرياضية وغير الرياضية. وانضم إلى هذه الدعوة كثيرون من أبناء الشعوب الأخرى، من النبط والسريان وغيرهما، منوهبن جميعا بما كان بديارهم من علوم وآداب وفنون وعمارة. وكأنما ذهبت أدراج الرياح مناداة الإسلام بهدم الفوارق العصبية بين القبائل والفوارق الجنسية بين الشعوب، وكأنما كان هؤلاء الشعوبيون يبتغون أن يحدثوا صدعا لا يلتئم ولا يمكن رأبه بين أفراد الأمة، وقد لجّوا فى

стр. 1570

تصوير ما كان عليه الجاهليون-وعرب البوادى لعصرهم-من العيش الخشن ومن الغلظة والأطعمة اليابسة الجافة، وكيف أن العرب كانوا-ولا يزال كثيرون منهم- بدوا رعاة أغنام وإبل، وأين هم من ملك الأكاسرة والقياصرة؟ وأين هم من الحضارة الفارسية الرومية؟ وأين هم من علوم الروم والفرس؟ وكان كثير من العلماء قد كتب فى إفاضة عن مثالب القبائل فى القديم، فاستغل الشعوبيون ذلك واتخذوا منه أسلحة لدعوتهم، وحتى فضائل العرب من مثل الكرم والشجاعة حاولوا طمسها. ناقضين لها نقضا. وتصدّى الجاحظ وابن قتيبة لهذه النزعة الآثمة وردّا عليها ردّا عنيفا، أما الجاحظ فعقد فى كتابه «البيان والتبيين» بابا طويلا سماه «كتاب العصا» صوّر فيه طعن الشعوبية على العرب فى خطابتهم، إذ كانوا يشيرون فيها بالعصى والمخاصر، كما كانوا يتكئون على القسىّ، مما يصرف-فى رأى الشعوبيين-الخاطر ويشغل الذهن فى أثناء الخطابة. وزعموا أن الخطابة ليست ميزة ينفرد بها العرب دون سواهم، إذ هى فى جميع الأمم حتى الزنج. وزعموا-فيما زعموا-أن الفرس أخطب من العرب وأن لهم فى صناعة البلاغة كتبا متوارثة. وطعنوا على العرب أيضا فى أسلحتهم الحربية الساذجة بالقياس إلى أسلحة الفرس والروم وما عرفا به من التنظيمات الحربية وآلات الحرب الضخمة من مثل المجانيق والعرّادات. وكل ذلك نازعهم فيه الجاحظ فى عنف شديد، ولكى يبلغ كل ما كان يريد من إفحامهم ومقاومتهم جعل كتابه «البيان والتبيين» ردّا مفحما عليهم، إذ خصصه لعرض الثقافة العربية الخالصة فى صورها المختلفة من الخطابة والشعر والأمثال، كى يروا رؤية العين ما فى هذه الثقافة من قيم بلاغية وجمالية، فينتهوا عن مزاعمهم ويثوبوا إلى سندهم؟ ؟ ؟ . وأما ابن قتيبة فألف فى الرد عليهم مبحثا سماه (١) «كتاب العرب أو الرد على الشعوبية» وهو فى مطالعه يذكر أن من أشد الشعوبيين عدارة للعرب قوما من كتّاب الدواوين امتعضوا لآداب أقوامهم، حتى اعتزى أو انتسب نفر منهم إلى أشراف العجم وأساورتهم، داخلين بذلك فى باب فسيح من الدعوى

стр. 1571

والنسب المتهم لا حجاب عليه ولا مدافع عنه، ويقول إنهم كانوا يزرون على الحكم والأمثال العربية ويتبجّحون بما يروون عن الفرس واليونان من آداب وعلوم. ولم يكتف بعنفه عليهم فى هذا المبحث الطريف، فقد عنف بهم فى مقدمة كتابه «أدب الكاتب» مصورا قصورهم عن النهوض بوظيفتهم الأدبية فى الدواوين لنقص ثقافتهم العربية، وحاول محاولة طريفة فى كتابه «عيون الأخبار» أن يجمع بين تلك الثقافة والثقافات الأجنبية ليبين أنها كلها ضرورية ولا تعارض بينها بوجه من الوجوه مما قضى على الشعوبية قضاء مبرما على نحو ما سنصوّر ذلك فى الفصول التالية. ومن أهم الكتّاب الذين كانوا يستشعرون هذه النزعة الحمقاء سعيد بن حميد بن البختكان، وكان من أبناء دهاقين الفرس وزعم أنه من سلالة ملوكهم، وله فى الشعوبية والتعصب لقومه كتب مختلفة، منها كتاب فضل العجم على العرب وافتخارها (١). ويبدو أن الجاحظ وابن قتيبة جميعا استطاعا أن يقضيا قضاء مبرما على الشعوبية فقلما نسمع بعدهما بشعر شعوبى أو بمن ألف فى الشعوبية وانتصر لها. وقد أشرنا فى كتاب العصر العباسى الأول إلى أن بعض الباحثين أدخل فى هؤلاء الشعوبيين من يقولون بالتسوية بين العرب وغيرهم، ويجب أن ينحوا عن هذه الجماعة الضالة، لأنهم كانوا فى الواقع ينادون بنظرية الإسلام وما دعا إليه من المساواة بين جميع الأفراد فى الأمة عربا وغير عرب، مساواة تشمل جميع الحقوق والواجبات بحيث لا يفضل مسلم صاحبه إلا بالتقوى والعمل الصالح كما جاء فى الذكر الحكيم: ﴿(يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)﴾. وأيضا كما جاء فى خطبة حجة الوداع: «أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربى على عجمى فضل إلا بالتقوى»، وبذلك يتضح أن التسوية بين الشعوب هى نظرية الإسلام، فلا عربى يفضل أعجميّا ولا أعجمى يفضل عربيّا من حيث النسب والقومية، إذ ليست العروبة ولا العجمة فى الإسلام ميزة تعلى من شأن صاحبها، فالناس جميعا سواسية. وإذن فمن

стр. 1572

الخطأ أن نحمل القائلين بالتسوية على الشعوبيين أو على القول بالشعوبية، إنما الشعوبيون هم الذين يعلون الأعاجم على العرب وينادون بعدم التسوية حانقين حنقا شديدا على كل ما هو عربى، بل إن الضغينة لتأكل قلوبهم أكلا فإذا هم يودون لو ثأروا لآبائهم من العرب حين أزالوا ملكهم ونقضوا عروشهم فردوهم إلى ديارهم على أعقابهم مدحورين. وممن كان يذهب هذا المذهب فى الحماقة والجهالة والعداوة للعرب المتوكلى الشاعر المنسوب إلى المتوكل لأنه كان من ندمائه، إذ يقول فى شعوبية حاقدة ذميمة (١): أنا ابن الأكارم من نسل جمّ ... وحائز إرث ملوك العجم وطالب أوتارهم جهرة ... فمن نام عن حقّهم لم أنم فقل لبنى هاشم أجمعين ... هلموا إلى الخلع قبل النّدم وعودوا إلى أرضكم بالحجاز ... لأكل الضّباب ورعى الغنم فإنى سأعلو سرير الملوك ... بحدّ الحسام وحرف القلم وواضح أن قلب المتوكلى يضطرم حقدا وضغينة على العرب، حتى ليظن نفسه أنه من أبناء جم أو جمشيد الملك الفارسىّ القديم وأنه قد وكل إليه أخذ الثأر أو الأثآر من هؤلاء الذين قوضوا ملك آبائه، وإنه ليتجه إلى حكام الأمة من بنى هاشم مهددا لهم متوعدا ومنذرا أن يبادروا إلى خلع أنفسهم والعودة إلى موطنهم الأصلى فى الحجاز، ليعيشوا كما كان يعيش آباؤهم معيشة غليظة خشنة يأكلون فيها اليرابيع والضباب، ويرعون الأغنام، على نحو ما يرعى ويأكل نازلة القفر والفلوات، وكأنه نسى أن بنى هاشم من قريش سكان مكة فى القديم وأنهم لم يكونوا رعاة ولا أهل جفاء وخيام، ولكنها الشعوبية العمياء الرّعناء. ولعل أسوأ ما أدت إليه هذه الشعوبية الحمقاء الزنادقة والزنادقة الذين كانوا يبغضون العرب وكل ما اتصل بهم من إسلام وغير إسلام. ويوضح ذلك الجاحظ قائلا: «إن عامة من ارتاب بالإسلام إنما كان أول ذلك رأى الشعوبية والتمادى فيه وطول الجدال المؤدى إلى الضلال، فإذا أبغض شيئا أبغض أهله، وإن أبغض تلك اللغة أبغض تلك الجزيرة، وإذا أبغض تلك الجزيرة أحبّ من أبغض تلك

стр. 1573

الجزيرة، فلا تزال الحالات تنتقل به حتى ينسلخ من الإسلام، إذ كانت العرب هى التى جاءت به، وهى السلف والقدوة» (١). ومرّ بنا فى العصر العباسى الأول أن الزندقة إنما كان يوصم بها أولا من يتابعون مانى فى عقيدة النور والظلمة وما اتصل بها من مبادئ، بالضبط كما كانت تطلق عند الفرس. والزنادقة المعتنقون لهذه الأفكارهم الذين كانوا يحاكمون زمن المهدى وابنه الرشيد، ثم اتسع مدلولها فشملت كل من اعتنق نحلة فارسية من نحل المجوس كنحلة المزدكية وما دعت إليه من التحلل الخلقى والإباحية المسرفة، واتسعت أوسع من ذلك فشملت كل إلحاد بالدين الحنيف أو بالديانات مطلقا وكل مجاهرة بالعصيان والإثم والفسق. ومر بنا أيضا فى العصر العباسى الأول كيف أن المتكلمين-وفى مقدمتهم المعتزلة-تجردوا لجدالهم ونقض أقوالهم وآرائهم الخبيثة، وعقدوا لذلك مناظرات كانوا يفحمونهم فيها إفحاما شديدا، على نحو ما صوّر ذلك الجاحظ عن النظّام فى كتابه الحيوان، وألّفوا أيضا الكتب والرسائل الطوال. ولم تهدأ حركة الإلحاد والزندقة فى هذا العصر التالى، بل لقد اشتد أوارها، إذ تحول كثيرون منهم إلى التشكيك فى النبوات عامة، وكان من أشدهم نفر بدءوا حياتهم فى صفوفهم المعتزلة، وما زالوا يبطنون الإلحاد حتى افتضح أمرهم وانكشف سرهم، وفى طليعتهم أبو عيسى الوراق المتوفى سنة ٢٤٧ للهجرة (٢) وكان فى أول أمره معتزليّا، وأحسّ المعتزلة فيه إلحاده فطردوه عنهم، فتحول شيعيّا رافضيّا، وينعته الخياط بأنه كان مانويّا يؤمن بأزلية النور والظلمة وقدم العالم (٣)، ويبدو أنه أنكر النبوات وأن له فى ذلك بعض الرسائل (٤). وقد أثر تأثيرا واسعا فى تلميذه أبى الحسين أحمد بن إسحق الرّاوندى (٥) المولود فيما بين سنتى ٢٠٥ و ٢١٥

стр. 1574

وكان يعتنق فى أول الأمر الاعتزال وصنّف عددا من الكتب فى مناصرته ونشره بين الناس، ثم تحول عنه إلى التشيع على مذهب الرافضة مثل أستاذه أبى عيسى وصار أعنف خصوم المعتزلة فى القرن الثالث الهجرى، بل لقد تمادى فى ذلك حتى كفر بالدين وجميع الديانات وألف فى ذلك كتبا مختلفة يسميها صاحب الفهرست باسم الكفريات. ولما ارتفع اسمه إلى مسامع الحكام خشى مغبة ذلك وأن يرمى به فى غياهب السجون فاختبأ فى منزل أبى عيسى بن لاوى اليهودى الأهوازى، وله صنّف بعض كفرياته، وما زال مختبئا بمنزله حتى توفى على ما يقول المسعودى وابن خلكان حوالى سنة ٢٥٠ للهجرة وقال ابن الجوزى وابن تغرى بردى إنه توفى سنة ٢٩٨ ويرجح التاريخ الثانى ما يذكره ابن الأنبارى فى نزهة الألباء بترجمة المبرد عن كتابه المقتضب وأنه لم يكتب له الرواج، لأن ابن الراوندى الملحد رواه. وسقطت كتب ابن الراوندى فى العصور التالية من أيدى الزمن، فلم يصلنا منها شئ، ولكن وصلتنا شذور ومقتطفات فى كتب بعض من ردوا عليه أو من ترجموا له، من ذلك كتاب المجالس المؤيدية لهبة الله الشيرازى داعى دعاة الفاطميين لعصر المستنصر إذ جلب اقتباسات (١) من كتابه «الزمردة فى دفع النبوات» وفيها نراه يردّ إنكار النبوات إلى البراهمة الهنود تضليلا حتى يبعد التهمة عن نفسه، وكأنه إنما يتكلم بلسانهم، وهو يستهلّ كلامه بأن الله أنعم على الإنسان بالعقل ليميز الحسن من القبيح والخير من الشر، وإذن فلا داعى للرسل، لأنهم إما أن يؤكدوا هذا التمييز العقلى الذى يغنى عنهم فيه العقل، وإما أن يبطلوه أو ينقضوه وحينئذ تكون نبوتهم عبثا ولا حاجة للإنسان بها، ويقول إن الرسول ﵇ أتى بما ينافر العقول من مثل الصلاة وشعائر الحج ومناسكه، وينفى المعجزات النبوية، ويزعم أن فصاحة القرآن ليست معجزة وخاصة بالقياس إلى العجم الذين لا يدركون الفصاحة العربية. ويردد نفى المعجزات النبوية وأن الملائكة نصروا رسول الله فى غزوة بدر وأنه أسرى به إلى بيت المقدس، ويمضى فى لغو من هذا النوع، ونرى ابن الجوزى ينقل فى كتابه المنتظم شذرات (٢) أخرى من مصنفه الزمردة،

стр. 1575

يبدو أن ابن تغرى بردى نقلها عنه، من ذلك أنه كان يقول: «إنا نجد فى كلام أكثم بن صيفى الحكيم الجاهلى أحسن من ﴿(إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ)﴾ و ﴿(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)﴾ وإن الأنبياء وقعوا (اهتدوا إلى) بطلسمات تجذب كما أن المغناطيس يجذب الحديد أما قوله ﷺ لعمار: تقتلك الفئة الباغية (كان مع على بن أبى طالب فى صفين وقتله جيش معاوية): فإن المنجم-فى رأيه-يقول مثل هذا إذا عرف المولد وأخذ الطالع. ويقول ابن الجوزى: «كان ابن الراوندى وأبو عيسى محمد بن هرون الوراق الملحد يتراميان بكتاب «الزمرد» ويدعى كل واحد منهما على الآخر أنه تصنيفه، وكانا يتوافقان على الطعن فى القرآن (١)». أما كتابه الكفرى الثانى الذى خصّ به الرد على القرآن فهو كتاب «الدامغ»، ويقال إنه صنف هذا الكتاب إرضاء لليهودى الذى كان يؤويه، وهو فيه ينكر إعجاز القرآن كما مر بنا فى حديث داعى الدعاة الفاطمى، ويزعم أن فى كلام الجاهليين ما هو أفصح منه وأبلغ، ويقول ابن الجوزى إنه بدأ فيه بالطعن فى القرآن وبلاغته حتى لقد زعم-بهتانا وزورا كبيرا-أن به أخطاء لغوية. ولعل فى ذلك ما يصور-من بعض الوجوه-الهجمات العنيفة التى كان يصوّبها الملحدون فى القرن الثالث الهجرى إلى الإسلام والقرآن الكريم بل إلى الديانات عامة. ومن هنا نفهم السر فى أن الخليفة المعتمد حلّف الورّاقين لسنة ٢٧٩ ألاّ يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة (٢)، فقد كان من المتفلسفة والمتكلمين من يبطنون الإلحاد (٣) والزندقة ويدخلونهما على ما يصنفون من الكتب. وكان أهمّ من نقض على ابن الرّاوندى كفرياته معاصره أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد المعروف بالخياط. وقد نشر له المستشرق نيبرج كتابه «الانتصار والرد على ابن الراوندى الملحد ما قصد به من الكذب على المسلمين والطعن عليهم»، وكذلك عنى بالرد عليه معاصره أبو على (٤) محمد بن عبد الوهاب

стр. 1576

الجبّائى. وكان أهم من ورث عن ابن الراوندى إلحاده وزندقته وطعنه على الدين الحنيف، بل على جميع الديانات الطبيب أبو بكر محمد (١) بن زكريا الرازى المتوفى سنة ٣٢٠، وكان كيميائيّا ماهرا إلا أنه اتبع هواه وضل ضلالا بعيدا إذ مضى على هدى ابن الراوندى وأشباهه ينكر النبوات وألف فى ذلك كتابه «مخاريق الأنبياء» وسقط بدوره من يد الزمن، إلا أن أبا حاتم الرازى أورد فى كتابه «أعلام النبوة» اقتباسات كثيرة منه ردّ عليها ونقضها نقضا، وقد حلّلها الدكتور بدوى تحليلا (٢) جيدا، وأظهر أنه يتابع فى حججه وأدلته ابن الراوندى، فالعقل يكفى وحده لمعرفة الخير والشر، ولا حكمة ولا داعى لإرسال الأنبياء، وأيضا لا معنى لأن يخصّ الله نفرا (يريد الأنبياء) من البشر لإرشادهم وتوجيههم، والناس جميعا متساوون فى الفطن والمواهب. وبرهانه المنكسر ما ذكره من أن الأنبياء متناقضون فيما بينهم، زاعما أن اختلافهم لم يصدروا فيه عن الله جاهلا بأنه كان من حكمة الله أن يحدث هذا الاختلاف تخفيفا على الناس ورحمة بهم. وينقد الأديان عامة ويدخل فيها ديانات المجوسية، كما ينقد الكتب المقدسة، ويزعم أنها جميعها زاخرة بالتناقض، وأن خيرا منها للناس العلوم التى استنبطها الفلاسفة والعلماء بعقولهم. وهو خلط بين حاجات البشر المادية وحاجاتهم الروحية. ولعل فى هذا كله ما يصور نشاط الملحدين والزنادقة فى العصر وكان لهم المعتزلة والمتكلمون بالمرصاد فنقضوا آراءهم وأوضحوا ما فيها من فساد وزيف ودحضوها دحضا. ٥ - الزهد والتصوف يجب ألا يتبادر إلى الأذهان من حديثنا عن الزندقة والشعوبية والمجون فى العصر العباسى الثانى أنه كان عصرا ملحدا غلبت عليه العنصرية كما غلب المجون

стр. 1577

والإلحاد وانحلال الأخلاق فإن ذلك إنما كان يشيع فى طبقات خاصة، أما المجون فكان يشيع فى الطبقة المترفة، وأما الشعوبية فكانت تشيع بين نفر من أبناء الأعاجم، وبالمثل الزندقة كانت مقصورة على أفراد. ومن الخطر أن نجعل ذلك كله صفات عامة للمجتمع، فقد كان المجتمع مجتمعا إسلاميّا، وكانت الطبقة العامة فيه حسنة الإسلام تتمسك بفرائضه وسننه وشعائره، ولم تكن تعزف الترف ولا ما يجر إليه من مجون وانحلال وفساد فى الأخلاق، إنما كانت تعرف الشظف والبؤس والحرمان، وكانت ساخطة سخطا شديدا على المجان وعلى الشعوبيين والملحدين من أعداء الإسلام والعروبة. وإذا كانت الحانات ودور النخاسة اكتظت فى بغداد وسامراء وغيرهما من مدن العراق بالخمر والقيان والضرب على الآلات الموسيقية، وشركتها فى ذلك البساتين والأديرة من بعض الوجوه فإن مساجد سامراء وبغداد وغيرهما كانت مكتظة بالعبّاد والنسّاك وكانوا أكثر كثرة من المجّان وأهل الفساد. وكان فى كل مسجد حلقة، بل حلقات لوعاظ مختلفين كانوا لا يزالون يذكّرون الناس بالله واليوم الآخر وأنهم معروضون يوم الحساب فإما إلى الجنة والنعيم وإما إلى النار والجحيم. واختلط الوعظ بقصص دينى كثير على نحو ما صوّرنا ذلك فى كتاب العصر العباسى الأول، وكثر حينئذ النساك والزهاد فى متاع الحياة الدنيا، وعاشوا معيشة كلها شظف وتقشف وتبتل وعبادة، واقرأ فى تراجم الفقهاء والمحدّثين لهذا العصر فستجدهم أو على الأقل ستجد كثرتهم وهم يعدّون فى العالم الإسلامى بالمئات إن لم يكن بالآلاف قد أخذوا أنفسهم بالانصراف عن متاع الحياة الدنيا، بل لكأنما تجرّدوا للجهاد فى سبيل ذلك أسوة بزاهد الأمة الأول محمد ﷺ ، منتظرين، ما عند الله من النعيم الخالد الذى لا يزول. ويكفى أن نرجع إلى ترجمة واحد منهم مثل إبراهيم (١) بن إسحق الحربى، وكان من كبار المحدثين، وكان لا يأخذ على محاضراته فى الحديث أجرا من أحد، إذ عزف عن كل متاع فى الحياة، وعاش معيشة زاهدة مبالغة فى الزهد إلى أقصى حد، حتى إنه ليرفض

стр. 1578

فى إباء أى مال يأتيه من خليفة أو صاحب سلطان أو جاه، ويروى أن المعتضد أرسل إليه بعشرة آلاف درهم مع بعض أتباعه، فردّها، وعاد الرسول يقول له إن المعتضد يسألك أن تفرقها فى جيرانك، فقال له: عافاك الله، هذا ما لم نشغل أنفسنا بجمعه فلا نشغلها بتفرقته، قل لأمير المؤمنين إن تركتنا أقمنا وإلا تحوّلنا عن جوارك. وظل يلزمه صداع خمسا وأربعين سنة بدون أن يخبر به أحدا، وقد أفنى من عمره ثلاثين سنة لا يأكل إلا رغيفا واحدا فى اليوم والليلة، إن جاءته به زوجته أو إحدى بناته أكله وإلا بقى جائعا ظامئا إلى الليلة الثانية. وهى درجة رفيعة فى الزهد، وكان على غراره كثيرون من المحدثين والفقهاء يصومون الدهر ويعيشون على الكفاف بل على أقل من الكفاف كما يعيشون على العبادة والورع. وأخذت تتسع فى هذا العصر موجة التصوف، وكانت مقدماتها أخذت تظهر منذ أواخر القرن الثانى الهجرى عند إبراهيم بن أدهم وشقيق البلخى صاحب اليد الطولى فى مبدأ التوكل وإشاعته (١) بين أوائل المتصوفة ومعروف الكرخى الذى أشاع مبدأ المعرفة الإلهية وأنها غاية المتصوف وحدها لا النجاة من عذاب الآخرة (٢). ويعرض القشيرى فى رسالته أقوالا مختلفة فى اشتقاق كلمة صوفى، وهل هى من الصوف لأنهم كانوا يلبسونه تمييزا لهم من أهل الرّفه والتنعم، أو هى من الصّفاء أو هى من الصّفّة نسبة إلى أهل الصفة الذين كانوا ينقطعون للعبادة فى المسجد لعهد الرسول ﵇، ولا يدلى القشيرى برأى حاسم، وذهب البيرونى إلى أنها مشتقة من كلمة صوفيا اليونانية بمعنى الحكمة (٣). ويبدو أن أوجه الآراء الرأى القائل بأن الكلمة مشتقة من الصوف لأن كثيرين من الزهاد فى القرن الثانى الهجرى كانوا يلبسونه، وشاع لبسه بين المتصوفة بعد ذلك. ومنذ أواسط القرن الماضى يعنى المستشرقون بدراسة التصوف وبيان التأثيرات الأجنبية التى أثرت فى نشأته وتطوره، وكان من أسبقهم إلى ذلك فون كريمر،

стр. 1579

وكان يذهب إلى أن التصوف يشتمل على عنصرين أساسيين، عنصر مسيحى وعنصر بوذى هندى، ويتضح العنصر الثانى-عنده-فى فكرة وحدة الوجود التى تمثلها، كما يقول، الحلاج فى أواخر القرن الثالث (١) الهجرى. وذهب نيكلسون فيما بعد إلى أن الحلاج لم يتمثل هذه الفكرة لا هو ولا غيره من متصوفة القرن الثالث. وممن شدد على التأثير الأجنبى جولد تسيهر، إذ ربط بين التصوف وتعاليم الأفلاطونية الحديثة وما يندرج فيها من مذهب الفيض ووحدة الوجود، كما ربط بينه وبين البوذية (٢) الهندية. وخفف من حدة القول بهذا التأثير الأجنبى ماسينيون فى بحوثه عن الحلاج، إذ ذهب إلى أن التصوف نشأ من صميم الإسلام نفسه، وإن تأثر فى الطريق بمؤثرات الثقافة الهيلينية التى كانت منتشرة فى الشرق منذ ميلاد المسيح (٣). وبالمثل خفّف من حدة القول بالتأثير الأجنبى نيكلسون، وإن لاحظه مع مر الزمن، كما هو الشأن عند ذى النون وتأثره فى رأيه بالأفلاطونية الحديثة إذ كان على علم بالحكمة اليونانية الشائعة فى عصره، وأيضا كما هو الشأن عند أبى يزيد البسطامى وتأثره فى رأيه بالفلسفة الهندية الفارسية. على أنه مضى فى بحوثه يعلى من شأن التأثير الإسلامى فى نشأة التصوف، ويقلل من أهمية التأثيرات الأجنبية، وكان أهم معول هدم به القول بهذه التأثيرات ما كان قد تبادر لكثير من الباحثين من إيمان أبى يزيد البسطامى والحلاج بنظرية وحدة الوجود، فقد نفاها عنهما، ولم يثبتها إلا منذ ابن عربى المتوفى سنة ٦٣٨. وبذلك انتهى إلى القول بأن جميع الأفكار التى وصفت بأنها دخيلة على المسلمين ووليدة ثقافة أجنبية غير إسلامية إنما هى وليده الزهد والتصوف اللذين نشآ فى الإسلام وكانا إسلاميين فى الصميم (٤) وإذن فالتصوف إسلامى فى جوهره وفى نشأته وتطوره، وهو الرأى العلمى الصحيح، ولكى نتصور التصوف فى دقة فى أثناء هذا العصر، يحسن أن نستعرض أئمته الذين غرسوا مبادئه وأحواله ومقاماته ومصطلحاته فى نفوس العصور التالية،

стр. 1580

وأولهم الحارث (١) بن أسد المحاسبى المتوفى سنة ٢٣٤ وقد نشرت له رسائل مختلفة، وهى تدل بوضوح على أنه جدّ فى ربط التصوف بالشريعة على طريقة أهل السنة وكان يعتنق مذهب الشافعى ويرى أن الرافضة خرجوا على حدود الإسلام وملته، ولذلك يروى أنه لما مات أبوه وكان هو فى عوز وإملاق فى حين خلف ابوه ثروة طائلة رفض أن يأخذ منها درهما، لأن أباه كان رافضيّا، وقال: أهل ملتين لا يتوارثان. ومن أهم ما يميزه بين خلفائه ومعاصريه من المتصوفة أنه دعا فى قوة إلى محاسبة النفس ومراقبتها ومجاهدتها وتزكيتها باتباع الكتاب والسنة، وهو أول من فرق بين التوكل على الله وبين الرضا بقضاء الله وأحكامه، وجعله-وتابعه فى ذلك متصوفة العراق-من الأحوال التى لا تكتسب، على حين جعله متصوفة خراسان من المقامات (٢)، ورفض أن يفضى التوكل إلى عدم التكسب، فلابد من السعى فى الأرض سعيا ينال به الإنسان الفضل والثواب. وكان يعاصره ذو النون (٣) المصرى المتوفى سنة ٢٤٥ ويرى نيكلسون أنه الواضع الحقيقى لأسس التصوف، إذ هو-كما يقول ابن تغرى بردى-أول من تكلم فى مصر فى الأحوال والمقامات، ويعمم ذلك نيكلسون، فيجعله لا أستاذ المصريين وحدهم فى التصوف بل أستاذ المشارقة أيضا، وينقل عن تذكرة الأولياء للجامى حديثه عن العارف والمعرفة، وفيه قسم المعرفة ثلاثة أقسام: قسما مشتركا بين عامة المسلمين، وقسما خاصّا بالفلاسفة والعلماء، وقسما خاصّا بالأولياء الذين يرون الله بقلوبهم. وبذلك فصل المعرفة الصوفية عن المعرفة العلمية والفلسفية، فالأولى قلبية، تنزع نحو القلب، وتعتمد على التجربة الحدسية، والثانية عقلية
следующие страницы →