الجبّائى. وكان أهم من ورث عن ابن الراوندى إلحاده وزندقته وطعنه على الدين الحنيف، بل على جميع الديانات الطبيب أبو بكر محمد (١) بن زكريا الرازى المتوفى سنة ٣٢٠، وكان كيميائيّا ماهرا إلا أنه اتبع هواه وضل ضلالا بعيدا إذ مضى على هدى ابن الراوندى وأشباهه ينكر النبوات وألف فى ذلك كتابه «مخاريق الأنبياء» وسقط بدوره من يد الزمن، إلا أن أبا حاتم الرازى أورد فى كتابه «أعلام النبوة» اقتباسات كثيرة منه ردّ عليها ونقضها نقضا، وقد حلّلها الدكتور بدوى تحليلا (٢) جيدا، وأظهر أنه يتابع فى حججه وأدلته ابن الراوندى، فالعقل يكفى وحده لمعرفة الخير والشر، ولا حكمة ولا داعى لإرسال الأنبياء، وأيضا لا معنى لأن يخصّ الله نفرا (يريد الأنبياء) من البشر لإرشادهم وتوجيههم، والناس جميعا متساوون فى الفطن والمواهب. وبرهانه المنكسر ما ذكره من أن الأنبياء متناقضون فيما بينهم، زاعما أن اختلافهم لم يصدروا فيه عن الله جاهلا بأنه كان من حكمة الله أن يحدث هذا الاختلاف تخفيفا على الناس ورحمة بهم.
وينقد الأديان عامة ويدخل فيها ديانات المجوسية، كما ينقد الكتب المقدسة، ويزعم أنها جميعها زاخرة بالتناقض، وأن خيرا منها للناس العلوم التى استنبطها الفلاسفة والعلماء بعقولهم. وهو خلط بين حاجات البشر المادية وحاجاتهم الروحية.
ولعل فى هذا كله ما يصور نشاط الملحدين والزنادقة فى العصر وكان لهم المعتزلة والمتكلمون بالمرصاد فنقضوا آراءهم وأوضحوا ما فيها من فساد وزيف ودحضوها دحضا.
٥ - الزهد والتصوف
يجب ألا يتبادر إلى الأذهان من حديثنا عن الزندقة والشعوبية والمجون فى العصر العباسى الثانى أنه كان عصرا ملحدا غلبت عليه العنصرية كما غلب المجون
стр. 1577
والإلحاد وانحلال الأخلاق فإن ذلك إنما كان يشيع فى طبقات خاصة، أما المجون فكان يشيع فى الطبقة المترفة، وأما الشعوبية فكانت تشيع بين نفر من أبناء الأعاجم، وبالمثل الزندقة كانت مقصورة على أفراد. ومن الخطر أن نجعل ذلك كله صفات عامة للمجتمع، فقد كان المجتمع مجتمعا إسلاميّا، وكانت الطبقة العامة فيه حسنة الإسلام تتمسك بفرائضه وسننه وشعائره، ولم تكن تعزف الترف ولا ما يجر إليه من مجون وانحلال وفساد فى الأخلاق، إنما كانت تعرف الشظف والبؤس والحرمان، وكانت ساخطة سخطا شديدا على المجان وعلى الشعوبيين والملحدين من أعداء الإسلام والعروبة.
وإذا كانت الحانات ودور النخاسة اكتظت فى بغداد وسامراء وغيرهما من مدن العراق بالخمر والقيان والضرب على الآلات الموسيقية، وشركتها فى ذلك البساتين والأديرة من بعض الوجوه فإن مساجد سامراء وبغداد وغيرهما كانت مكتظة بالعبّاد والنسّاك وكانوا أكثر كثرة من المجّان وأهل الفساد. وكان فى كل مسجد حلقة، بل حلقات لوعاظ مختلفين كانوا لا يزالون يذكّرون الناس بالله واليوم الآخر وأنهم معروضون يوم الحساب فإما إلى الجنة والنعيم وإما إلى النار والجحيم. واختلط الوعظ بقصص دينى كثير على نحو ما صوّرنا ذلك فى كتاب العصر العباسى الأول، وكثر حينئذ النساك والزهاد فى متاع الحياة الدنيا، وعاشوا معيشة كلها شظف وتقشف وتبتل وعبادة، واقرأ فى تراجم الفقهاء والمحدّثين لهذا العصر فستجدهم أو على الأقل ستجد كثرتهم وهم يعدّون فى العالم الإسلامى بالمئات إن لم يكن بالآلاف قد أخذوا أنفسهم بالانصراف عن متاع الحياة الدنيا، بل لكأنما تجرّدوا للجهاد فى سبيل ذلك أسوة بزاهد الأمة الأول محمد ﷺ ، منتظرين، ما عند الله من النعيم الخالد الذى لا يزول. ويكفى أن نرجع إلى ترجمة واحد منهم مثل إبراهيم (١) بن إسحق الحربى، وكان من كبار المحدثين، وكان لا يأخذ على محاضراته فى الحديث أجرا من أحد، إذ عزف عن كل متاع فى الحياة، وعاش معيشة زاهدة مبالغة فى الزهد إلى أقصى حد، حتى إنه ليرفض
стр. 1578
فى إباء أى مال يأتيه من خليفة أو صاحب سلطان أو جاه، ويروى أن المعتضد أرسل إليه بعشرة آلاف درهم مع بعض أتباعه، فردّها، وعاد الرسول يقول له إن المعتضد يسألك أن تفرقها فى جيرانك، فقال له: عافاك الله، هذا ما لم نشغل أنفسنا بجمعه فلا نشغلها بتفرقته، قل لأمير المؤمنين إن تركتنا أقمنا وإلا تحوّلنا عن جوارك.
وظل يلزمه صداع خمسا وأربعين سنة بدون أن يخبر به أحدا، وقد أفنى من عمره ثلاثين سنة لا يأكل إلا رغيفا واحدا فى اليوم والليلة، إن جاءته به زوجته أو إحدى بناته أكله وإلا بقى جائعا ظامئا إلى الليلة الثانية. وهى درجة رفيعة فى الزهد، وكان على غراره كثيرون من المحدثين والفقهاء يصومون الدهر ويعيشون على الكفاف بل على أقل من الكفاف كما يعيشون على العبادة والورع.
وأخذت تتسع فى هذا العصر موجة التصوف، وكانت مقدماتها أخذت تظهر منذ أواخر القرن الثانى الهجرى عند إبراهيم بن أدهم وشقيق البلخى صاحب اليد الطولى فى مبدأ التوكل وإشاعته (١) بين أوائل المتصوفة ومعروف الكرخى الذى أشاع مبدأ المعرفة الإلهية وأنها غاية المتصوف وحدها لا النجاة من عذاب الآخرة (٢).
ويعرض القشيرى فى رسالته أقوالا مختلفة فى اشتقاق كلمة صوفى، وهل هى من الصوف لأنهم كانوا يلبسونه تمييزا لهم من أهل الرّفه والتنعم، أو هى من الصّفاء أو هى من الصّفّة نسبة إلى أهل الصفة الذين كانوا ينقطعون للعبادة فى المسجد لعهد الرسول ﵇، ولا يدلى القشيرى برأى حاسم، وذهب البيرونى إلى أنها مشتقة من كلمة صوفيا اليونانية بمعنى الحكمة (٣). ويبدو أن أوجه الآراء الرأى القائل بأن الكلمة مشتقة من الصوف لأن كثيرين من الزهاد فى القرن الثانى الهجرى كانوا يلبسونه، وشاع لبسه بين المتصوفة بعد ذلك.
ومنذ أواسط القرن الماضى يعنى المستشرقون بدراسة التصوف وبيان التأثيرات الأجنبية التى أثرت فى نشأته وتطوره، وكان من أسبقهم إلى ذلك فون كريمر،
стр. 1579
وكان يذهب إلى أن التصوف يشتمل على عنصرين أساسيين، عنصر مسيحى وعنصر بوذى هندى، ويتضح العنصر الثانى-عنده-فى فكرة وحدة الوجود التى تمثلها، كما يقول، الحلاج فى أواخر القرن الثالث (١) الهجرى. وذهب نيكلسون فيما بعد إلى أن الحلاج لم يتمثل هذه الفكرة لا هو ولا غيره من متصوفة القرن الثالث.
وممن شدد على التأثير الأجنبى جولد تسيهر، إذ ربط بين التصوف وتعاليم الأفلاطونية الحديثة وما يندرج فيها من مذهب الفيض ووحدة الوجود، كما ربط بينه وبين البوذية (٢) الهندية. وخفف من حدة القول بهذا التأثير الأجنبى ماسينيون فى بحوثه عن الحلاج، إذ ذهب إلى أن التصوف نشأ من صميم الإسلام نفسه، وإن تأثر فى الطريق بمؤثرات الثقافة الهيلينية التى كانت منتشرة فى الشرق منذ ميلاد المسيح (٣).
وبالمثل خفّف من حدة القول بالتأثير الأجنبى نيكلسون، وإن لاحظه مع مر الزمن، كما هو الشأن عند ذى النون وتأثره فى رأيه بالأفلاطونية الحديثة إذ كان على علم بالحكمة اليونانية الشائعة فى عصره، وأيضا كما هو الشأن عند أبى يزيد البسطامى وتأثره فى رأيه بالفلسفة الهندية الفارسية. على أنه مضى فى بحوثه يعلى من شأن التأثير الإسلامى فى نشأة التصوف، ويقلل من أهمية التأثيرات الأجنبية، وكان أهم معول هدم به القول بهذه التأثيرات ما كان قد تبادر لكثير من الباحثين من إيمان أبى يزيد البسطامى والحلاج بنظرية وحدة الوجود، فقد نفاها عنهما، ولم يثبتها إلا منذ ابن عربى المتوفى سنة ٦٣٨. وبذلك انتهى إلى القول بأن جميع الأفكار التى وصفت بأنها دخيلة على المسلمين ووليدة ثقافة أجنبية غير إسلامية إنما هى وليده الزهد والتصوف اللذين نشآ فى الإسلام وكانا إسلاميين فى الصميم (٤)
وإذن فالتصوف إسلامى فى جوهره وفى نشأته وتطوره، وهو الرأى العلمى الصحيح، ولكى نتصور التصوف فى دقة فى أثناء هذا العصر، يحسن أن نستعرض أئمته الذين غرسوا مبادئه وأحواله ومقاماته ومصطلحاته فى نفوس العصور التالية،
стр. 1580
وأولهم الحارث (١) بن أسد المحاسبى المتوفى سنة ٢٣٤ وقد نشرت له رسائل مختلفة، وهى تدل بوضوح على أنه جدّ فى ربط التصوف بالشريعة على طريقة أهل السنة وكان يعتنق مذهب الشافعى ويرى أن الرافضة خرجوا على حدود الإسلام وملته، ولذلك يروى أنه لما مات أبوه وكان هو فى عوز وإملاق فى حين خلف ابوه ثروة طائلة رفض أن يأخذ منها درهما، لأن أباه كان رافضيّا، وقال: أهل ملتين لا يتوارثان. ومن أهم ما يميزه بين خلفائه ومعاصريه من المتصوفة أنه دعا فى قوة إلى محاسبة النفس ومراقبتها ومجاهدتها وتزكيتها باتباع الكتاب والسنة، وهو أول من فرق بين التوكل على الله وبين الرضا بقضاء الله وأحكامه، وجعله-وتابعه فى ذلك متصوفة العراق-من الأحوال التى لا تكتسب، على حين جعله متصوفة خراسان من المقامات (٢)، ورفض أن يفضى التوكل إلى عدم التكسب، فلابد من السعى فى الأرض سعيا ينال به الإنسان الفضل والثواب.
وكان يعاصره ذو النون (٣) المصرى المتوفى سنة ٢٤٥ ويرى نيكلسون أنه الواضع الحقيقى لأسس التصوف، إذ هو-كما يقول ابن تغرى بردى-أول من تكلم فى مصر فى الأحوال والمقامات، ويعمم ذلك نيكلسون، فيجعله لا أستاذ المصريين وحدهم فى التصوف بل أستاذ المشارقة أيضا، وينقل عن تذكرة الأولياء للجامى حديثه عن العارف والمعرفة، وفيه قسم المعرفة ثلاثة أقسام: قسما مشتركا بين عامة المسلمين، وقسما خاصّا بالفلاسفة والعلماء، وقسما خاصّا بالأولياء الذين يرون الله بقلوبهم. وبذلك فصل المعرفة الصوفية عن المعرفة العلمية والفلسفية، فالأولى قلبية، تنزع نحو القلب، وتعتمد على التجربة الحدسية، والثانية عقلية
стр. 1581
تعتمد على الأفكار كما تعتمد على المنطق. ومن هنا كان التصوف ليس علما ولا فلسفة ولا مذهبا، وإنما هو أحوال ومقامات، ويقال إنه سئل كيف عرف ربّه؟ فقال: «عرفت ربّى بربى ولولا ربّى لما عرفت ربّى»، وسئل عن الذكر، فقال: «هو غيبة الذاكر عن الذكر»، وقال: «ليس من احتجب عن الخلق بالخلوة كمن احتجب عنهم بالله». وكأنه هو الذى وصل فى قوة بين التصوف وعلم الباطن، أو قل هو الذى فسح فيه للباطن، وقد قال إنه مقصور على الخواص من أهل الله ومن هنا فرق دائما بين الخواص والعوام، ومن قوله: «توبة العوام تكون من الذنوب وتوبة الخواص تكون من الغفلة». وكان يقول: «إياك أن تكون بالمعرفة مدّعيا» يقصد معرفة الصوفية القلبية القائمة على الإدراك الحدسى. ومن قوله أيضا: «الصوفى من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق وإن سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق» وكان يقول إن العارف (الصوفى) لا يلزم ربه فى حالة واحدة وإنما يلزمه فى الحالات كلها. وكانت تجرى فى كلامه ألفاظ المحبة والوجد، وكان يقول علامة التوكل انقطاع المطامع. . . وكان يقول: «من غلامات المحب لله متابعة حبيب الله فى أخلافه وأفعاله وأوامره وسننه». وفى ذلك ما يدل بوضوح على أنه لم يحدث عنده أى انفصام بين التصوف والشريعة، فهو يكملها بمحتواه وممارساته العملية، بل هو لا يكون له قوام بدونها، وبدون ما شرعت من فرائض ونوافل وعبادة وتقوى.
وكان السّرىّ (١) السّقطى المتوفى سنة ٢٥١ شيخ متصوفة بغداد وإمامهم فى وقته، وكان تاجرا فهجر التجارة ولزم بيته وانقطع للعبادة، ويقال إنه أول من تكلم ببغداد فى لسان التوحيد وحقائق الأحوال، أو هو بعبارة أخرى أول من تكلم فى المقامات والأحوال هناك، وبذلك يكون أول تال لذى النون تحدث فيها حديثا مستفيضا. وكان يقول: «التوكل الانخلاع عن الحول والقوة» و: «من علامات المعرفة بالله القيام بحقوق الله»، وهو بذلك كان يصل بين التصوف والشريعة، بل يجعلها قوامه، ويوضح ذلك أنه سئل عن المتصوف من هو؟ فقال:
стр. 1582
«هو اسم لثلاثة معان، هو الذى لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ولا يتكلم بباطن عن علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات من الله على هتك أستار محارم الله» (١)، وهو يذكر الكرامات ولعله لم يكن يريد معناها الدقيق الذى عرف للكلمة فيما بعد وأن الله يجرى على أيدى الأولياء ما يشبه معجزات الأنبياء. وكان يكثر من الحديث عن محبة الله منشدا:
من لم يبت والحبّ حشو فؤاده ... لم يدر كيف تفتّت الأكباد
ويبدو أنه كان يأخذ نفسه بمجاهدات زهدية وتقشفية عنيفة.
وإذا كان ذو النون هو الذى أدخل فى التصوف بقوة النزعة نحو المعرفة الإلهية، فإن أبا يزيد طيفور (٢) بن عيسى البسطامى المتوفى سنة ٢٦١ هو الذى أدخل فيه-على ما يظهر-فكرة الفناء فى الذات العلية، وقد أثبت له نيكلسون كثيرا من الأقوال من مثل قوله: «للخلق أحوال ولا حال للعارف لأنه محيت رسومه وفنيت هويّته بهويّة غيره، وغيبّت آثاره بآثار غيره»، وقوله: «خرجت من الحق إلى الحق حتى صاح منى فىّ: يا من أنت أنا! فقد تحققت بمقام الفناء فى الله». وروى من أقواله التى تنعكس عليها أفكار وحدة الوجود قوله: «سبحانى ما أعظم شانى» وقوله: «خرجت من بايزيديّتى كما تخرج الحية من جلدها، ونظرت فإذا العاشق والمعشوق والعشق واحد، لأن الكل واحد فى عالم التوحيد». ويمكن أن يردّ هذان القولان وما ساقه نيكلسون من أقوال له أخرى إلى فكرة الفناء. ومما نسبوه إليه أيضا قصة معراجه إلى السماء وقد قصّها العطار بالتفصيل إذ روى عنه قوله: «صعدت إلى السماء وضربت قبتى بإزاء العرش». ولا شك فى أنها قصة منحولة عليه هى وأقواله التى قد تفهم منها فكرة وحدة الوجود على نحو ما أشار إلى ذلك الذهبى فى كتابه ميزان الاعتدال إذ قال: «وقد نقلوا عنه أشياء يشك فى صحتها عنه، منها:
«سبحانى» و: «ما فى الجبّة إلا الله» و: «ما النار؟ ! لأستندنّ إليها غدا وأقول
стр. 1583
اجعلنى لأهلها فداء، وما الجنة؟ ! إنها لعبة صبيان. ونسب إليه أهل بلدته بسطام-فى الجنوب الشرقى لبحر الخزر-أنه زعم أن له معراجا إلى السماء كمعراج الرسول ﵇». ولعل فى ذلك ما يدل على أنه وضعت على لسانه من قديم أقوال وقصص غريبة، وكأنه تحول شخصية أسطورية فى تاريخ التصوف ورجاله، ويبدو أنه كانت تجرى على لسانه شطحات وعبارات موهمة كثيرة أعدّت لأن تصبح له هذه الشخصية، غير أنه مما لا ريب فيه أنه صاحب فكرة الفناء فى الذات الإلهية، تلك الفكرة التى أخذت مكانا مهمّا فى التصوف الإسلامى. ويبدو أنه أول من أدخل فى التصوف فكرة السكر بجانب فكرة العشق الإلهى، وفى الرسالة القشيرية أن معاصره الصوفى يحيى بن معاذ كتب إليه: «سكرت من كثرة ما شربت من كأس محبة الله» فأجابه: «غيرك شرب بحور السموات والأرض وما روى بعد ولسانه خارج من العطش، ويقول هل من مزيد» (١)، وكان ينكر ما يردده الناس عن كرامات الصوفية. وكان يؤمن بأن التصوف لا يقوم بدون الشريعة والمحافظة على فرائضها والصدوع بأوامرها ونواهيها (٢).
ونشعر أن معالم التصوف ومبادئه أخذت فى الوضوح منذ أوائل النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى، حتى لتنشأ طبقه تحاضر فيه مثل يحيى بن معاذ الذى ذكرناه آنفا، ومثل أبى حمزة الصوفى المتوفى سنة ٢٦٩، وهو أول من تكلم على رءوس المنابر ببغداد فى اصطلاحات الصوفية من صفاء الذكر وجمع الهمة والعشق والقرب والأنس (٣)، ومثل أبى سعيد الخراز المتوفى سنة ٢٧٧ وهو أول من توسع فى الكلام عن الفناء (٤). ويظهر حينئذ حمدون (٥) القصّار النيسابورى المتوفى عام ٢٧١ وقد ذهب بعيدا فى تقشفه، إذ دعا مريديه إلى سلوك طريق الملامة بأن يتظاهروا
стр. 1584
باتخاذ أشياء ينكرها الشرع، حتى يتلومهم العوام من حولهم فلا يقفوا على حقيقة تصوفهم وإخلاصهم لله، ومنهم انتشر مذهب الملامتية بنيسابور، إذ يبدون فى مظهر المذنبين دائما، مما أعدّ للقعود-فيما بعد-عن النهوض بفرائض الشريعة.
أما فى هذا العصر فنجد المتصوفة دائما يعلنون تمسكهم بها، حتى ليقول سهل ابن عبد الله التسترى الصوفى المتوفى سنة ٢٨٣: «أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، وأكل الحلال، وكفّ الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق» (١) وفى رسالة القشيرى أنه كان ينكر الكرامات إنكارا شديدا.
وأهم صوفى ظهر بأخرة من القرن الثالث الجنيد (٢) المتوفى سنة ٢٩٧ وينعت بالقواريرى الخزّاز، لأن أباه كان يبيع الزجاج وكان هو يبيع الخزّ، وأصله من نهاوند بالقرب من همذان، إلا أن مولده ومنشأه ببغداد، وهو ابن أخت السرىّ السقطى وعنه أخذ الطريقة، وأخذها السّرىّ بدوره عن معروف الكرخى. وكان ورده فى اليوم ثلثمائة ركعة وثلاثين ألف تسبيحة، وفى طبقات الصوفية للسّلمى أنه كان يقول: «ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، ولكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات»، ويقال إنه أقام عشرين سنة لا يأكل إلا من الأسبوع إلى الأسبوع، وكان يصلى كل ليلة أربعمائة ركعة. وكان يقول:
«طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة، ومن لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقّه لا يقتدى به». وتتردد على لسانه كلمتا الطريق والمريد، مما يدل على أنه أخذ يشيع منذ العصر العباسى الثانى نظام الطرق والمريدين فى التصوف، فللإمام الصوفى طريقة، يحملها عنه مريدوه من تلاميذه وأتباعه وينشرونها فى موطنه وغير موطنه من العالم الإسلامى. وأتاح هذا النظام البقاء لكثير من طرق الصوفية، وصبغها بصبغة جماهيرية شعبية، وإن كان قد رشّح لأن يكون الارتباط فى الطريقة بالإمام الصوفى نفسه لا بمبادئه وأفكاره، وبذلك أوجد صلة وثيقة بين الشيخ
стр. 1585
ومريديه وتلاميذه، فكانوا يأتمرون بتوجيهاته، وكانوا يحيطونه بهالة من الإجلال والتوقير، هيأت فيما بعد لأن تصبح لكل شيخ قداسته. وكان الجنيد يستخدم أسلوبا مليئا بالمبالغات فى الترغيب والترهيب زاخرا بالألفاظ الطنانة الكثيرة الإيهام والإيحاء، وأخذ عنه تلميذه الحلاج هذا الأسلوب وأصبح ميزة أساسية له فى أقواله وأشعاره، وهو أسلوب كثرت فيه الشطحات، ولا حظ ذلك القدماء إذ نرى السراج فى كتابه اللمع يعرض طائفة من شطحات الجنيد ويفسرها تفسيرا بينا. وأشهر تلاميذ الجنيد الحسين بن منصور المشهور باسم الحلاج وسنعرض له بالحديث فى غير هذا الموضع.
ومن أهم الصوفيين المتأخرين فى العصر الحكيم (١) الترمذى محمد بن على بن الحسن بن بشر المتوفى سنة ٣٢٠ وكان يحاول صنع أسسن فلسفية لعلم الكلام، غير أنه مضى يدرس التصوف وتعمق فيه كما تعمق فى دراسة اتجاهات الشيعة، وعاش للتصوف يؤلف فيه كتبا كثيرة. ويقال إنه هو الذى أدخل بقوة نظرية الولاية فى البيئات الصوفية وكل ما جرّت إليه من إيمان بكرامات الصوفية أولياء الله وصفوته فى خلقه، وقد ألف فيها كتابا سماه ختم الولاية زعم فيه أن للأولياء خاتما كما أن للأنبياء خاتما وأن الولاية تفضل النبوة لقوله ﵇: «يغبطهم النبيون والشهداء» إذ لو لم يكن الأولياء أفضل منهم ما غبطوهم! ! وذكر فى الكتاب المذكور أن عيسى يعود فى آخر الزمان، وبذلك يكون خاتم الأولياء، وثار عليه أهل بلدته «ترمذ» ففر إلى نيسابور وبها توفّى. وقال السبكى: دافع عنه السلمى معتذرا عنه ببعد فهم الفاهمين. وعلى كل حال يعدّ الترمذى الحكيم أول من عمل على إشاعة فكرة الاعتقاد بولاية الصوفية وما جرت إليه من تصور الكرامات.
ومنذ أواخر القرن الثالث الهجرى تلفانا ظاهرة جديدة فى بيئات المتصوفة، فقد كان السابقون منهم لا ينظمون الشعر بل يكتفون بإنشاد ما حفظوه من أشعار المحبين، وهم فى أثناء ذلك يتواجدون وجدا لا يشبهه وجد، أما منذ أبى الحسين النورى
стр. 1586
المتوفى سنة ٢٩٥ فإن صوفيين كثيرين ينظمون الشعر معبرين به عن التياع قلوبهم فى الحب آملين فى الشهود مستعطعين متضرعين، مصورين كيف يستأثر حبهم لربهم بأفئدتهم استئثارا مطلقا، نذكر منهم سمنون أبا الحسين الخواص المتوفى سنة ٣٠٣ وأبا على الروذبارى المتوفى سنة ٣٢٢ والشبلى دلف بن جحدر المتوفّى سنة ٣٣٤ وجميعهم من تلامذة الجنيد.
وواضح مما تقدم أن العصر العباسى الثانى لم يكد ينتهى حتى تاصلت فى التصوف فكرة المعرفة الإلهية ومحبة الله، كما تأصلت فكرة أن الصوفية أولياء الله، وسنرى فى موضع آخر كيف أن الحلاج أحاط الرسول ﵇ بهالة قدسية تشبه الهالة التى يحيط بها المسيحيون المسيح ﵇، وكان لكل ذلك أثر عميق فى حياة التصوف وتطوره على مر الأجيال.
стр. 1587
الفصل الثالث:
الحياة العقلية
١ - الحركة العلمية
دعا الإسلام أمته فى قوة إلى العلم والتعلم، فبمجرد أن اكتسح العرب العراق وإيران والشام ومصر مضوا ينهلون من كل الثقافات والمعارف التى كانت منبثة فى هذه البلدان، وأسعفهم فى ذلك أنهم عرّبوا شعوبها وأخذت بنفسها تعرّب لهم كل مدّخراتها وكنوزها الثقافية، وتجرّد بعض العرب لمعرفة اللغات الأجنبية التى كانت تحمل تلك الكنوز والمدخرات، وما ينقضى القرن الثانى الهجرى حتى تكون قد دخلت العربية سيول ثقافية وعلمية لا حصر لها، مما مكّن العرب أن يتحوّلوا سريعا إلى أمة علمية تعنى بكل جوانب العلم الذى كان معروفا عند الأمم القديمة وخاصة الفرس والهنود والسريان واليونان، وتشارك فيه مشاركة جادّة خصبة، وتضيف إليه علوما جديدة تتصل بالقرآن والشريعة والشعر واللغة والنحو والعروض.
ونشط التعليم حينئذ نشاطا واسعا فمن تعليم للناشئة بالكتاتيب إلى تعليم للشباب بالمساجد، وكان الناشئة يبدءون بتعلم الخط والكتابة والقراءة ويحفظون بعض السور القرآنية، ويشدون بعض الأشعار والأمثال؟ ؟ ؟ ، ويدرسون شيئا من الحساب والسنن والفرائض والنحو والعروض، وعنى معلمو البنات بتحفيظهن القرآن وخاصة سورة النور، على نحو ما صورنا ذلك كله فى كتاب العصر العباسى الأول نقلا عن
стр. 1588
الجاحظ، وذكر هو وابن قتيبة أسماء طائفة مشهورة من معلمى الكتاتيب، ونراه يخصّهم برسالة لا تزال منها بقايا بين رسائله المطبوعة على هامش كتاب الكامل للمبرد، وفيها يصوّر نوادرهم وحماقاتهم المضحكة، ومن حينئذ أصبحت شخصية معلم الكتّاب تدور بين الشخصيات الهزلية فى أدبنا العربى، ويقول محمد بن حبيب العالم اللغوى المتوفى سنة ٢٤٥: إذا قلت للرجل ما صناعتك؟ فقال:
معلم صبيان فاصفع، يشير إلى حماقته، وكان ينشد:
من علّم الصّبيان صبّوا عقله ... حتى بنى الخلفاء والخلفاء (١)
وصبّوا عقله: جعلوه مثل عقلهم: عقل الصبيان حمقا وبلاهة، وكأنما تصيب عقله عدوى من عقولهم لطول ملابسته لهم، وابن حبيب يعمم ذلك حتى فيمن يعلمون أبناء الخلفاء وآباءهم حين كانوا فى المهد صغارا. ويقول ابن قتيبة إنهم كانوا يعلمون الصبيان على حسب الهدايا التى كانت تأتيهم من آبائهم (٢)، أو بعبارة أدق على حسب الأجور التى كانوا يأخذونها منهم.
وطبيعى ألا تكون حياة معلم الكتّاب على هذا النحو رافهة، بل كان كثيرا ما يحفّ بها الضيق والبؤس على نحو ما يحدثنا الرواة عن أبى زيد البلخى المتوفى عام ٣٢٢ وكان فى بدء حياته معلم كتّاب، وقد شكا شكوى مرة حينذاك من حياته (٣) البائسة. وكثير من اللغويين والنحاة قبل أن ينالوا شهرتهم العلمية بدءوا معلمى صبية مثل يعقوب بن السكيت المتوفى سنة ٢٤٣، فقد كانت له فى مطالع حياته حلقة فى درب القنطرة ببغداد يؤدّب فيها مع أبيه صبيان العامة (٤). ويخيّل إلى الإنسان كأنما أولاد العامة جميعا كانوا يختلفون إلى الكتاتيب لما استقر فى نفوس آبائهم من ضرورة التعلم وأنه مثل الطعام والشراب لا يمكن الاستغناء عنه، وأن من لم يتعلم فى صغره فاته العلم فى كبره، ومثّلوا العلم فى الكبر بالنقش على الماء، وفى الصغر بالنقش على الحجر يثبت ولا يزول أبدا.
وكان الأولاد يكتبون فى ألواح من الآبنوس أو الخشب، كل على حسب قدرة أبيه
стр. 1589
المادية، وكان المعلمون يأخذونهم بالتأديب، فيضربونهم أحيانا أو يحبسونهم، حتى يؤدوا واجباتهم على خير وجه.
وكان معلمو أبناء الخاصة أحسن حالا ومعاشا من معلمى أبناء العامة، ومع ذلك نرى الجاحظ يأسى لحالهم إذ يقول: «يكون الرجل نحويّا عروضيّا وقسّاما فرضيّا وحسن الكتاب جيد الحساب حافظا للقرآن راوية للشعر وهو يرضى أن يعلّم أولادنا بستين درهما، ولو أن رجلا كان حسن البيان حسن التخريج للمعانى ليس عنده غير ذلك لم يرض بألف درهم» (١) وهذا إنما ينصب على معلمى أبناء الطبقة الوسطى، أما من كانوا يعلمون أبناء الخلفاء والوزراء والأمراء والقواد وكبار رجال الدّولة والأعيان وكبار التجار فكانوا يحظون برواتب كبيرة، فمثلا يعقوب ابن السكيت الذى بدأ، كما أسلفنا، معلم كتاتيب حين عهد إليه بعض الحكام فى تعليم ابنه جعل له راتبا شهريّا خمسمائة درهم وسرعان ما جعلها ألفا، واتخذه المتوكل لتعليم ولده وأسنى له الراتب وأجزل فى العطاء (٢)، ولما أسند محمد بن عبد الله ابن طاهر نائب المتوكل على بغداد وجماعة من الخلفاء بعده تعليم ابنه إلى ثعلب الإمام الكوفى النحوى المشهور ظل ثلاث عشرة سنة يتناول الغداء معه على مائدته، وفرض له أن يأخذ يوميّا خبزا فاخرا ولحما كثيرا حين انصرافه إلى منزله وجعل له ألف درهم شهريّا. وقالوا إنه حين مات خلّف واحدا وعشرين ألف درهم وألفى دينار وحوانيت أو دكاكين بباب الشام فى بغداد قيمتها ثلاثة آلاف دينار (٣)، ويقال إن الخاقانى وزير المقتدر أو لم وليمة ضخمة بمناسبة دخول ابن له الكتّاب وأعطى المعلم ألف دينار.
ولم تكن هناك مراحل للتعليم مثلنا اليوم، بل كان الكتّاب يحلّ محل تعليمنا الابتدائى والإعدادى، ومن يريد أن يكمل تعلمه بعده يختلف إلى حلقات المساجد، وكانت أشبه بمعاهد عليا، فلم تكن فقط دورا للعبادة، بل كانت أيضا دورا، بل قل جامعات، للعلم والعلماء، إذ كان لكل عالم فى كل فرع من فروع
стр. 1590
العلم حلقة كبرى، يتخلّق فيها ظلابه من حوله. وكان عادة يستند إلى أسطوانة فى المسجد، ثم يملى محاضراته والطلاب يكتبون، وإذا كانوا كثيرين بحيث لا يسمعه البعيد عنه ردّد مستمل كلامه حتى يستطيع البعيدون عنه سماع ما يقوله وكتابته، وكان العالم لا يغير مكان حلقته الذى اختاره منذ نهض بالتدريس، ويروى أن نفطويه المتوفى سنة ٣٢٣ ظل يملى دروسه فى اللغة والنحو بجامع المنصور ببغداد خمسين سنة وهو جالس إلى أسطوانة بعينها لا يزايل مكانه منها (١). وكانت أكثر الحلقات طلابا حلقات المتكلمين والفقهاء، أما المتكلمون فلكثرة ما كان يجرى بينهم من مناظرات كان الطلاب يختلفون إليها للفرجة والتعلم، وأما الفقهاء فلأن الإلمام بالفقه كان الوسيلة إلى تولى مناصب الحسبة والشرطة والقضاء والولاية أحيانا.
وكان الطلاب يمسكون فى أيديهم بالأقلام والأوراق للكتابة وأمامهم محابرهم، وكانوا يعدّون بالمئات فى بعض الحلقات، ويروى أن الطبرى حين سأله الطلاب الحنابلة عن إمامهم ابن حنبل وخلافه مع بعض الفقهاء وأجابهم بأن خلافه لا يعدّ أو لا يؤبه له رموه بمحابرهم وكانت ألوفا (٢).
وكانت المساجد حينئذ أشبه بجامعات حرة، فالطلاب يختلفون إلى من يشاءون الاستماع إليه بدون أى شرط، منهم من يأخذ الفقه أو الكلام أو الحديث النبوى أو التفسير أو اللغة أو النحو أو الشعر، وكثير منهم كان يأخذ ما عند شيخ، ثم يتحول عنه إلى شيخ آخر أو حلقة أخرى، ويبدو أن بعض علماء النحو واللغة كان يتقاضى من طلابه أجورا على حسب قدرتهم، ففى أخبار الزجّاج أنه رغب فى تعلم النحو فلزم حلقة المبرد بجامع بغداد لتعلمه، فسأله أى شئ صناعتك؟ فأجابه:
أخرط الزجاج وكسبى فى كل يوم درهم ونصف، وأريد أن تهتم بتعليمى وأنا أعطيك كل يوم درهما، وسأظل أعطيك إياه أبد الدهر، فلزمه وعنى بتخريجه، وطلبت منه أسرة معلما شابّا يعلم أولادهم النحو فسمّاه لهم؛ وعلم أولادهم وظل يعطى المبرد فى كل شهر ثلاثين درهما ويزيده بما يقدر عليه (٣). ويبدو أن المبرد كان شحيحا بعلمه، إذ فى تاريخه أن المتوكل والفتح بن خاقان وزيره كانا يجزلان له فى العطاء حتى إذا توفيا أجرى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد راتبا
стр. 1591
شهريّا، ويتوفّى فيتابع أخوه عبيد الله الذى خلفه على بغداد إجراء الرواتب عليه، وهو مع ذلك كله لا يتورع عن أن يأخذ من طالب فقير درهما كل يوم.
على كل حال كان المبرد مثله مثل المحاضرين الكبار بالمساجد ترعاهم الدولة وتفرض لهم رواتب شهرية، وكانوا أنواعا كثيرة، فمنهم فقهاء ومنهم لغويون ونحاة ومنهم محدّثون ومفسرون، ومنهم أدباء يأخذون من كل علم بطرف وعلى أيديهم كان يتخرج الندماء. وكان كل عالم وصاحب فن يأخذ راتبه مع جماعته، وكان منهم من يسلك فى جماعات كثيرة، فيأخذ مع كل جماعة الراتب الذى تأخذه، كالزجاج تلميذ المبرد، فقد جعل المعتضد له راتبا فى الفقهاء وراتبا فى العلماء وراتبا فى الندماء، فبلغ راتبه من الدولة ثلثمائة دينار شهريّا (١). وكان الموفق يجرى على ثعلب راتبا سنيّا (٢). وكان المقتدر يجرى على ابن دريد العالم اللغوى المتوفى سنة ٣٢١ خمسين دينارا فى كل شهر (٣). وكان أبو الحسن بن الفرات وزير المقتدر يطلق لطلاب الحديث سنويّا عشرين ألف درهم (٤). وكان القضاة ورجال الحسبة من الفقهاء يتقاضون رواتب كثيرة، حتى ليثرى بعضهم من راته ثراء طائلا، على نحو ما مرّ بنا فى الفصل الماضى عن إبراهيم بن جابر القاضى بخلب.
ولم يكن الخلفاء العباسيون ووزراؤهم وحدهم الذين عملوا على تنشيط العلم وإعطاء الرواتب الجزيلة للقضاة والعلماء من كل صنف، فقد كان يشركهم فى ذلك حكام الولايات، وفى مقدمتهم أسرة الصفاريين حكام سجستان، إذ نرى أبا عبد الله البوشنجىّ شيخ أهل الحديث بنيسابور المتوفى سنة ٢٩١ يذكر أنه أخذ من تلك الأسرة سبعمائة ألف درهم، ولما دالت دولتهم تحوّل عنهم إلى السامانيين ببخارى، ففرضوا له راتبا مجزيا (٥)، وقد بعثوا فى إمارتهم بتشجيعهم للعلماء نهضة علمية عظيمة، ويروى أن أميرهم إسماعيل بن أحمد السامانى كان يصل محمد بن نصر المروزى إمام المحدثين فى دياره المتوفى سنة ٢٩٤ بأربعة آلاف درهم كل سنة، وكان أخوه إسحق يصله بمثلها، كما يصله بمثلها سكان موطنه سمرقند (٦).
стр. 1592
ولم يكن حكام الولايات ينفقون على علماء ولايتهم وحدهم، بل كانوا ينفقون أيضا على كل من ينزل بها من العلماء الوافدين الذين قد يقيمون بها شهرا أو أشهرا، ومن طريف ما يروى من ذلك أن الرحلة فى طلب الحديث إلى مصر جمعت بين محمد ابن نصر المروزى آنف الذكر ومحمد بن إسحق بن خزيمة النيسابورى المتوفى سنة ٣١١، ومحمد بن جرير الطبرى المتوفى سنة ٣١٠ ومحمد بن هرون الرّويانى المتوفى سنة ٣٠٧ ولم يبق عندهم ما يقوتهم، فاتفق رأيهم على أن يخرج أحدهم فيسأل لأصحابه الطعام، وإذا هم بالشموع ورسول من قبل والى مصر يدقّ عليهم الباب، وسألهم أين محمد بن نصر فقيل له هو هذا فأخرج صرّة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ثم قال لهم أيكم محمد بن جرير؟ فقالوا هو هذا، فأعطاه صرة فيها خمسون دينارا، وكذلك صنع مع محمد بن إسحق بن خزيمة ومحمد بن هرون الرويانى، ثم قال لهم إن الأمير يقسم عليكم إذا نفدت هذه الدنانير أن تبعثوا إليه أحدكم (١). على أنه يجب أن نعرف أنه كان هناك كثيرون وراء الولاة والوزراء والخلفاء من أعيان الأمة وأثريائها يمدّون العلماء بالمكافآت والأموال الجزيلة بل ربما أمدوا الطلاب تشجيعا وحثّا على طلب العلم، ويروى أن ابن زرعة قاضى دمشق المتوفى سنة ٣٠٢ كان يهب لمن يحفظ مختصر المزنى فى الفقه الشافعى مائة دينار (٢). وكان ابن ماسى ينفذ إلى أبى عمر اللغوى المعروف باسم غلام ثعلب من وقت إلى وقت كفايته (٣)، وسنرى فى حديثنا عن علوم الأوائل القناطير المقنطرة من الأموال التى كانت تنفق على الأطباء والمترجمين. ولا بد أن نشير هنا إلى أن نفرا من الفقهاء والمحدّثين وحتى من القضاة كانوا يأبون أن يأخذوا على عملهم وتعليمهم. أجرا، كما مر بناء فى الحديث عن زهاد الأمة أمثال إبراهيم الحربى، وكان كثيرون منهم يعيشون من التجارة أو من الوراقة أو من بعض الحرف الصغيرة.
غير أن الكثرة الغامرة كانت تعيش من رواتب الدولة، وممن وضعوا أنفسهم موضع الحماة للعلوم والآداب من الوزراء والسّراة، وكان كثيرا ما يهديهم العلماء والأدباء آثارهم، فيهدونهم بدورهم كثيرا من أموالهم وخير مثل يصور ذلك الجاحظ، فقد أهدى كتابه «الحيوان» إلى محمد بن عبد الملك الزيات فأعطاه خمسة آلاف
стр. 1593
دينار، وأهدى كتابه «البيان والتبيين» إلى أحمد بن أبى دؤاد فأعطاه أيضا خمسة آلاف دينار، وأهدى كتابه: «الزرع والنخيل» إلى إبراهيم بن العباس الصولى فأعطاه مثلهما خمسة آلاف دينار. وكلهم كانوا من كبار رجال الدولة. وصنف للفتح ابن خاقان وزير المتوكل رسالته فى فضائل الترك فأجرى عليه راتبا شهريّا من خزانة الدولة (١). وأمثال الجاحظ كثيرون فى كن فن وفى كل علم كانوا ينالون هذه العطايا الجزيلة ويأخذون الرواتب السنية على جهودهم فى المحاضرات للطلاب وفى تأليف الكتب وتصنيفها، مما أشعل فى نفوس الشباب والناس محبة العلم والعكوف عليه، حتى يعدّوا من أهله، وفى شرفه وفضله يقول الجاحظ (٢):
يطيب العيش إذ تلقى لبيا ... غذاه العلم والرّأى المصيب
فيكشف عنك حيرة كل جهل ... وفضل العلم يعرفه الأريب
سقام الحرص ليس له دواء ... وداء الجهل ليس له طبيب
وكانت الطريقة الشائعة فى المحاضرات، وخاصة محاضرات المتكلمين والمحدّثين واللغويين هى الإملاء، ويعرض السيوطى لإملاء اللغويين حينئذ، فيقول: «أملى ثعلب مجالس عديدة فى مجلد ضخم، وأملى ابن دريد مجالس كثيرة، وأملى أبو محمد القاسم بن الأنبارى وولده أبو بكر ما لا يحصى، وطريقهم فى الإملاء كطريقة المحدّثين سواء، يكتب المستملى أول القائمة: «مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا فى يوم كذا، ويورد التاريخ، ثم يورد المملى بأسناده كلاما عن العرب والفصحاء فيه غريب يحتاج إلى التفسير ثم يفسّره، ويورد من أشعار العرب وغيرها بأسانيده ومن الفوائد اللغوية بإسناد وغير إسناد ما يختاره. . .
وآخر من علمته أملى على طريقة اللغويين أبو القاسم الزجاجى له أمال كثيرة فى مجلد ضخم، وكانت وفاته سنة ٣٣٩ (٣)». وبلغ من عناية العلماء المملين حينئذ أن كانوا-وخاصة أهل الحديث-يراجعون ما كتبه تلاميذهم، ويكتبون لمن يأنسون منهم القدرة على روايته عنهم شهادة بأنهم أجازوا لهم تلك الرواية، ويسمّى ذلك
стр. 1594
عند المحدّثين باسم الإجازة، وهى شهادة قيمة على صحة الرواية (١). وقد يسجل التلميذ على نسخته أنها من سماع هذا الشيخ أو ذاك، وقد يسجل أنه قرأها عليه، وقد يسجل له ذلك الشيخ. وكان الشيخ أحيانا يملى عملا له فى بلد، ثم ينتقل إلى بلدة أخرى ويمليه مضيفا إليه أو مهذبا، وكانوا ينصّون على ذلك، مثل معجم الجمهرة لابن دريد، إذ نصوا على أنه مختلف النسخ كثير الزيادة والنقصان، لأنه أملاه مرارا بفارس وببغداد، فلما تعدد الإملاء زاد المعجم ونقص، ويقول ابن النديم أصح النسخ نسخة أبى الفتح عبد الله بن أحمد النحوى، لأنه كتبها من عدة نسخ وقرأها عليه (٢). وتلك هى أعلى مرتبة فى تحقيقنا العلمى الحديث للكتب، إذ نراجع مخطوطات الكتاب ونعرضه عليها، ونستخلص منه أصلا صحيحا غاية الصحة، وقد اهتدوا مبكرين إلى ذلك يرشدهم نظر علمى سديد. وكان كثير من العلماء حين يملى كتابا ثم يزيد فيه ويضيف يهمل نسخته أو نسخه الأولى، ولا يقرّ سوى النسخة الأخيرة، على نحو ما يلقانا عند أبى عمرو المطرز، فإنه أملى فى سنة ٣٢٦ كتابه الياقوت فى اللغة، ثم رأى الزيادة فيه فأملاه على تلاميذه ثانية سنة ٣٢٩، ثم رأى أن يضيف إليه بعض إضافات، فجمع نسخه وعارضها بعضها على بعض سنة ٣٣٢ وجعل هذه العرضة الصورة النهائية للكتاب وأهدر ما سواها من الصور السابقة (٣).
وكان من أهم ما عمل على إشعال الجذوة العلمية وإمدادها بوقود جزل لا ينفد مناظرات العلماء فى المساجد وقصور الخلفاء والوزراء فى الكلام وفى الفقه وفى اللغة والنحو وغير ذلك من العلوم التى كان يشتد فيها الخلاف والجدل. وكان الشباب يختلف فى المساجد إلى هذه المناظرات، ليتعلم قرع الحجة بالحجة وغلبة الخصم بالحق وبالباطل أحيانا، وتفيض كتب المتكلمين بأخبار هذه المناظرات وكذلك كتب الفقهاء واللغويين والنحاة وكثيرا ما أثيرت فى أثناء هذه المحاورات بعض القضايا والمسائل كقضية العشق فى مجلس المنتصر (٤) وأنواع اللهو والملاهى فى مجلس المعتمد (٥).
стр. 1595
وكان استخدام الورق فى الكتابة وتصنيف الكتب استخداما عاما منذ عصر الرشيد عاملا مهمّا فى ازدهار الحركة العلمية حينئذ، فقد كانوا يكتبون قبل عصره غالبا فى الجلود والقراطيس المصنوعة بمصر من ورق البردى وكانوا يكتبون فى ورق الكاغد المستورد من الصبن وكان مرتفع الثمن جدّا، فنقلوا صناعته إلى بغداد فى عصر الرشيد، إذ أنشأ الفضل بن يحيى البرمكى وزيره مصنعا للورق، فرخص ثمنه، وانتشرت الكتابة فيه لخفته، وسرعان ما كثرت الكتب والمصنفات، كما كثر الورّاقون الذين يعيشون من نسخها، وأنشأ كثيرون منهم دكاكين للتجارة فيها، واختلف إليها الشباب والعلماء لا لشراء الكتب والمؤلفات فحسب، بل ليقرءوا فيها وينهلوا من مصنفاتها، وكانوا يكترونها لذلك ويبيتون فيها يقرءون على المصابيح ويقيّدون أو ينسخون ما يشاءون من الأفكار والصحف والرسائل. وعمل ذلك على نهضة الحركة العلمية نهضة واسعة، إذ أصبحت الكتب والمصنفات تحت أعين الطلاب والشباب وبأيديهم، يتزودون منها كما يريدون أزوادا كانت أيسر وأسهل من التلقى عن الشيوخ والعلماء فى المساجد، إذ كانت تجمع لهم مسائل العلم الذى يريدونه وأصوله وفروعه، ويصور ذلك الجاحظ مقارنا بين من يطلب الفقه عن طريق الاختلاف إلى حلقات العلماء ومن يطلبه عن طريق الكتب ودكاكين الوراقين، يقول: «وقد تجد الرجل يطلب الآثار (الحديث) وتأويل القرآن ويجالس الفقهاء خمسين عامّا، وهو لا يعدّ فقيها ولا يجعل قاضيا.
فما هو إلا أن ينظر فى كتب أبى حنيفة وأشباه أبى حنيفة ويحفظ كتاب الشروط فى مقدار سنة أو سنتين حتى تمر ببابه فتظن أنه من بعض العمال، وبالحرى ألا يمر عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير حاكما (قاضيا) على مصر من الأمصار أو بلد من البلدان» (١). ولرواج هذه التجارة حينئذ اتخذ كثير من العلماء المحاضرين بالمساجد ورّاقين يقيّدون إملاءاتهم ويذيعونها فى الناس، ويذكر ابن النديم ورّاقى المبرد إسماعيل ابن أحمد الزجاجى وإبراهيم بن محمد الساسى (٢)، ويذكر ياقوت من وراقى الجاحظ زكريا (٣) بن يحيى، ومن حين إلى آخر تلقانا أسماء هؤلاء الوراقين فى تراجم العلماء وأخبارهم.
стр. 1596
وبجانب الوراقين ودكاكينهم التى كانت تحلّ حينئذ محل دور النشر والطباعة كانت هناك مكتبات يختلف إليها الناس والشباب فى كل مكان، ويشيد أبو معشر البلخى المتوفى سنة ٢٧٢ بعناية ملوك الفرس بالمكتبات وما كان بها من كتب مودعة أصناف علوم الأوائل (١)، وقد ذكرنا فى كتاب العصر العباسى الأول خزانة الحكمة التى شادها ببغداد هرون الرشيد، وأقام عليها يوحنا بن ماسويه لترجمة الكتب الطبية القديمة، وكيف تحوّل بها المأمون إلى ما يشبه معهدا علميّا كبيرا إذ ألحق بها مرصدا ضخما، ووظّف بها كثيرين للترجمة. وقد تأسست مكتبات كثيرة فى العصر، منها ما كان عامّا، ومنها ما كان خاصّا، أما العام فعلى رأسه مكتبات المساجد، إذ كان كثير من العلماء يقفون كتبهم عليها ليفيد منها الطلاب، وقلّدهم فى ذلك السّراة. وعنى بعض المثقفين والعلماء ببناء مكتبات عامة يتزود منها الناس أزوادا علمية مختلفة، ومن أشهرها حينئذ مكتبة على بن يحيى المنجم نديم الخلفاء من زمن المتوكل إلى زمن المعتمد وكان أديبا مثقفا ثقافة واسعة كما كان شاعرا، وكانت له ضيعة نفيسة بنى فيها قصرا جليلا جعله خزانة كتب عظيمة وسماه خزانة الحكمة متشاكلة لخزانة الرشيد والمأمون، وكان الناس يؤمونها من كل بلد، فيقيمون فيها ويعكفون على المصنفات العلمية دارسين، والكتب مبذولة لهم، والنفقة مشتملة عليهم من مال على بن يحيى، فقدم عليها أبو معشر من خراسان يريد الحج، وهو إذ ذاك لا يحسن شيئا ذا بال من النجوم، فلما رآها هاله أمرها، فأقام بها وأضرب عن الحج، وتعلم فيها علم النجوم وتعمق فيه حتى ألحد كما يقول ياقوت، وحتى كان ذلك آخر عهده بالحج وبالدين والإسلام أيضا (٢)، ويذكر ياقوت أن جعفر بن محمد بن حمدان الموصلى الشافعى-من أدباء العصر وعلمائه- أسس مكتبة ملأها بكتب من جميع العلوم والفنون، وقفها على كل طالب للعلم، وكان لا يمنع أحدا من دخولها، فهى مفتوحة للجميع، وإذا ألمّ بها معسر أو بائس فقير صرف له ورق للكتابة فيه وفضة أو دراهم لمعاشه. وكانت تفتح فى كل يوم، وكان ابن حمدان يجلس فى بعض غرفها، ويحاضر قاصديها ممليا عليهم من أشعاره وأشعار غيره وحكايات مستطرفة وشذورا من الفقه وما يتعلق به (٣). ولا يكاد يكون
стр. 1597
هناك عالم أو أريب نابه أو سرىّ إلا وله مكتبة خاصة تموج بالكتب، وكانوا يوظفون لها بعض الوراقين كما كانوا يجلدونها (١) ويتفننون فى العناية بكتابتها وتجليدها، وكان المانوية شديدى الاهتمام بزخرفة كتبهم (٢) يريدون أن يجعلوها تحفا فنية استمالة للقراء. ويتوقف الجاحظ فى كتابه «الحيوان» ليعجب من مكتبة إسحق بن سليمان العباسى وما كانت تزخر به من الكتب والأسفاط والرقوق والقماطر والدفاتر والمساطر والمحابر (٣)، وكانت لابن حنبل مكتبة قدّرت كتبها باثنى عشر حملا وعدلا (٤)، أما الفتح بن خاقان وزير المتوكل المتوفى سنة ٢٤٨ فكانت له خزانة كتب جمعها له على بن يحيى المنجم لم ير أعظم منها كثرة وحسنا، وكان يحضر مجلسه فصحاء الأعراب وعلماء البصرة والكوفة (٥)، وكانت لثعلب مكتبة حافلة، قوّم خيران الورّاق ما يساوى عشرة دنانير منها بثلاثة، ومع ذلك بلغ ثمنها ثلثمائة دينار (٦)، وكذلك كانت لأبى بكر محمد بن القاسم الأنبارى مكتبة كبيرة، وسأله بعض أصحابه كم يحفظ منها؟ قال: ثلاثة عشر صندوقا (٧). ونسوق خبرا يدل على عظم المكتبات الخاصة عند بعض الأفراد، فقد روى الرواة أن أبا عمر غلام ثعلب كان يؤدّب ولد القاضى أبى عمر محمد بن يوسف فأملى عليه ثلاثين مسألة بشواهدها من كلام العرب واستشهد فى تضاعيفها ببيتين غريبين جدّا، فعرضهما القاضى أبو عمر على ابن دريد وابن الأنبارى وابن مقسم فلم يعرفوهما ولا عرفوا غالب ما استشهد به من أبيات: وقال ابن دريد: هذا مما وضعه أبو عمر من عنده. فلما جاء أبو عمر ذكر له القاضى ما قال ابن دريد. فطلب من القاضى أن يحضر له ما فى داره من دواوين العرب، فلم يزل يأتيه منها بشاهد لما ذكره بعد شاهد، حتى خرج من الثلاثين مسألة وشواهدها، ثم قال للقاضى: وأما البيتان فإن ثعلبا أنشدناهما وأنت حاضر فكتبتهما فى دفترك فطلب القاضى دفتره، فإذا هما فيه (٨) وتلك مكتبة قاض كان بها جميع دواوين العرب، ولو لم تحدث هذه القصة لما عرفنا شيئا
стр. 1598
عنها، فما بالنا بمكتبات المؤلفين العظام فى العصر، وكثير منهم ألّف مكتبة ضخمة فلو لم يكن له سوى مؤلفاته لكانت لديه منها خزانة كتب حافلة، ويكفى أن نذكر مثلا الجاحظ وقد خلف من الكتب العظام وعشرات الرسائل ما يؤلف مكتبة كبيرة. ومما لا ريب فيه أن مكتبته كانت تحتوى المصنفات التى جمع منها المادة اللغوية والأدبية والكلامية لكتبه. ونذكر بجانبه الطبرى، وقد أحصى بعض تلاميذه الأوراق التى كتبها وألّف منها كتبه، فقال إنه مكث أربعين سنة يكتب فى كل يوم أربعين ورقة، وحسب آخرون أوراق كتبه من يوم ولد إلى أن مات فوجدوه كتب كل يوم أربع عشرة ورقة (١).
ويحسّ كل من يتعقب الحركة العلمية فى العصر كأن سباقا نشب بين العلماء والعلم، فهم يجدّون فى طلبه وتحصيله وهم يصارعونه صراعا متصلا يريدون أن يذللوه ويقهروه فى جميع الميادين. وهو صراع كان يداخله شغف شديد به، كما كان يداخله إيمان بأنه لن يخضع لهم إلا إذا تجرّدوا له وتوفّروا عليه وأمصوا فيه بياض النهار وسواد الليل فى غير كلل ولا ملل، بل فى حب لا يفوقه حب، ويحدثنا الرواة عن كثيرين عشقوا الكتب أو بعبارة أخرى العلم عشقا لا يشبهه عشق، ويقول أبو هفان: «لم أر قط ولا سمعت من أحبّ الكتب أكثر من ثلاثة:
الجاحظ فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان حتى إنه كان يكترى دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر، والفتح بن خاقان فإنه كان يحضر لمجالسة المتوكل، فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتابا من كمه أو خفّه وقرأه فى مجلس المتوكل إلى حين عوده إليه، وإسماعيل بن إسحق القاضى فإنى ما دخلت إليه إلا رأيته ينظر فى كتاب أو يقلب كتبا أو ينفضها (٢)».
وهذا الشغف العلمى الشديد هو الذى دفع العلماء إلى الرحلة من بلد بعيد إلى بلد بعيد طلبا للعلم، مهما تجشموا فى ذلك من مشاق، فكان اللغويون يرحلون إلى البوادى محتملين ما فيها من شظف العيش وخشونته فى سبيل جمع اللغة، وكان الفقهاء يرحلون بدورهم للتتلمذ على أئمتهم، ومثلهم العلماء المختلفون فى كل فرع من فروع العلم، ومن خير ما يصور ذلك ما رواه ياقوت عن أبى زيد البلخىّ أحمد
стр. 1599
ابن سهل من أن نفسه دعته وهو فى عنفوان شبابه إلى أن يرحل عن بلخ ويدخل أرض العراق ويجثو بين أيدى العلماء ويقتبس منهم العلوم، فتوجّه إليها راحلا مع الحاج وأقام بها ثمانى سنوات، فطوّف البلاد المتاخمة لها، ولقى الكبار والأعيان وتتلمذ لأبى يوسف يعقوب بن إسحق الكندى، وحصّل من عنده علوما جمّة، وتعمّق فى علم الفلسفة، وهجم على أسرار علم التنجيم والهيئة، وبرّز فى علوم الطب والطبائع وبحث فى أصول الدين (١)». وأكبر من شغفوا بالرحلة فى العصر المحدّثون، لأن الصحابة كانوا قد نزلوا فى أمصار العالم الإسلامى من إيران إلى المغرب، وكانوا يروون أحاديث كثيرة عن الرسول حملها عنهم تلاميذهم من التابعين ومن جاءوا بعدهم، فكان فى كل مصر أحاديث لا تعرفها الأمصار الأخرى، فرحل مصنفو الحديث وحفّاظه فى طلبها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ورحلة البخارى من خراسان إلى مدن إيران والعراق والحجاز والشام ومصر مشهورة، ومثله بقية المحدثين الذين جمعوا متفرقات الأحاديث فى العالم الإسلامى. وسنرى الرحلة تشيع بين المترجمين إلى بلاد الروم، كما سنراها تشيع بين الجغرافيين ليصفوا ما شاهدوه بأعينهم، وكذلك سنراها تشيع بين المؤرخين من أمثال المسعودى.
ويبدو أن الشغف المفرط بالعلم لم يكن مقصورا على الطبقات الخاصة من العلماء ومن يبتغون من الطلاب أن يكونوا على شاكلة أساتذتهم المتخصصين، بل كان حظّا مشتركا بين الطبقات العامة، إذ كان العلم مطروحا فى المساجد مباحا للجميع، وكذلك فى المكتبات العامة، ولم يكن هناك كتاب طريف إلا وتعرضه دكاكين الوراقين. ويدل على ذلك أكبر الدلالة أن من يرجع إلى تراجم العلماء سيجد كثرتهم الغامرة من الطبقة العامة، وتصور ذلك ألقابهم من مثل الحدّاد والخزّاز والقواريرى والتمّار والقوّاس والنبّال والقلاّل والعطار والمطرّز. وأبعد من ذلك وأعمق أن نجد الجاحظ فى رسالته «الرد على النصارى» يشكو من مناقشة العامة للملحدين والزنادقة فى آرائهم الضالة، لعدم معرفتهم الدقيقة بتلك الآراء وما يفندها من الأدلة الساطعة، حتى ليقول: «ومن البلاء أن كل إنسان من المسلمين يرى أنه متكلم وأنه ليس أحد أحق بمحاجة الملحدين من أحد»، وكأن كل
стр. 1600
فرد من أفراد العامة لعصره كان يظن نفسه نال حظا أو حظوظا من مناهج المتكلمين فى جدال أصحاب الملل والنحل الضالة. وظاهرة ثانية تدل على مدى تغلغل الثقافة بين جميع أفراد الأمة بلا استثناء، إذ نرى من النساء من يختلفن إلى حلقات المتكلمين (١) والفقهاء وغيرهم، ويبدو أنه برّزت حينئذ فى الثقافة الدينية غير امرأة حتى لنرى-كما مر بنا-قهرمانة لأم المقتدر، هى ثمل، تجلس فى سنة ٣٠٦ لسماع المظالم والحكم بين المتظالمين ويجلس معها القضاة والعلماء، واختلف الفقهاء حينئذ فى جواز ولاية المرأة للقضاء، وأجاز ذلك الطبرى (٢)، وهى فتوى تدل على ما بلغته المرأة من التعمق فى الفقه وعلوم الشريعة لهذا العصر، ولابن بسام المتوفى سنة ٣٠٣ أبيات يقول فيها (٣):
ما للنساء وللكتا ... بة والعمالة والخطابه
وقد يدل البيت على أن من النساء حينئذ من كنّ يطالبن بمساواة المرأة بالرجل فى الوظائف المهمة مثل كتابة الدواوين وولاية الأقاليم والخطابة فى المحافل العظام.
ولم تكن هذه الجوانب وحدها ثمار اشتراك الطبقة الشعبية العامة فى العلم والثقافة، فقد كانت هناك ثمرة مهمة غاية الأهمية، هى محاولة أن يصبح العلم شعبيّا بحيث لا يعلو على أفهام العامة، وبحيث يصل إليهم من أسهل الطرق وأيسرها، ويتضح ذلك عند الجاحظ فى كتابه «البيان والتبيين» و «الحيوان» وعند ابن قتيبة فى كتابه «عيون الأخبار». ومرّ بنا أن الجاحظ أراد بكتابه «البيان والتبيين» أن يردّ على الشعوبية ردا مفحما ببيان ما تحمل الثقافة العربية فى الخطابة والشعر والأمثال من قيم بلاغية رائعة، ونضيف هنا أنه أراد أن يذلل هذه الثقافة بعرضها فى أسلوب عصرى يقرّبها من أفهام العامة بحيث تسيغها بدون أى عسر أو مشقة. وبون بعيد بين عرض هذه الثقافة عند اللغويين من أمثال الأصمعى وأبى عبيدة وأبى زيد وعرضها عند الجاحظ فى البيان والتبيين، فهى عند الأولين جافة جفافا شديدا ولا يستطيع غير المتخصصين فهمها والفقه بمسائلها العويصة، أما فى البيان والتبيين فعذبة سائغة لا للطبقة الوسطى من المثقفين فقط، بل أيضا للطبقة الشعبية الدنيا. وبالمثل عرضه
стр. 1601
لهذه الثقافة فى كتابه الثانى «الحيوان» فهو يقرّب هذه الثقافة من الشعب، بحيث يجد فيها لذة ومتاعا، وهو يمزج بينها وبين ما عرف عند أرسطو وغيره من علم الحيوان، ليتضح أن هذا العلم لم يكن غريبا ولا بعيدا عن العرب، بل لقد استظهروا منه كثيرا فى أشعارهم. وهو لا يقرّب هذا العلم من العامة وحده، بل يقرّب أيضا علم الكلام ونظريات أصحابه من المعتزلة أمثال النظام، بل أدق الدقائق من هذه النظريات وما حملت من براهين عقلية سديدة، وكأنما كان يريد للعامة أن تتمثل هذه البراهين حتى تتسلح عقليّا فى مناقشتها للمسائل ومحاورتها لأصحاب الملل وخاصة النصارى كما أسلفنا منذ قليل. وأما كتاب عيون الأخبار فقد عرض فى مجلداته الأربعة الثقافات المعاصرة له عرضا بسيطا سهلا، حتى يجعل قطوفها دانية للعامة، وحتى لا يظنوا-كما أشرنا إلى ذلك فى غير هذا الموضع-أن بينها تعارضا، فتلك آداب الفرس وتقاليدهم فى السياسة والحكم، وتلك وصايا العرب فى القضاء وغير القضاء وخطبهم وأشعارهم، وتلك أقوال المسيح ﵇ وأقوال أصحاب الكتب السماوية فى الزهد، وتلك أحكام وقواعد فى الطعام والنبات والحيوان منقولة عن اليونان.
وكل ذلك يسوّى منه الكتاب فى لغة سهلة يسيرة واضحة أشد الوضوح، بحيث تتيح له أن يتغلغل فى طبقة الشعب، وبحيث يتبين فى وضوح أنه لا توجد حواجز ولا سدود بين الثقافة العربية والثقافات الأجنبية وما قد يظنّ من ذلك كله إنما هو أقواس وهمية. وبلغ من قرب هذا الكتاب من نفوس جميع طبقات الشعب الخاصة والعامة أن أكبّ الناس على ما فيه من آداب الفرس وأهملوا كل ما صوّر هذه الآداب من كتب أخرى، إذ استطاع ابن قتيبة أن يعطيها صبغة شعبية تجعلها واضحة كل الوضوح، كما استطاع أن يكسوها بأساليبه البديعة ثوبا عربيّا ناصعا، بحيث أصبحت فى ثوبها الجديد أنصع وأبهى وأنضر من ثوبها القديم.
٢ - علوم الأوائل: نقل ومشاركة وتفلسف
تحدثنا فى كتاب العصر العباسى الأول عن حركة الترجمة فيه وكيف أنها شملت كل ما استطاع العرب نقله من علوم الهند والفرس واليونان، وكان أكثر ما نقلوه عن الفرس والهند فى مجال الفلك والرياضيات، ونقلوا عن اليونان
стр. 1602
إما عن اليونانية مباشرة وإما عن السريانية والفارسية مجموعات العلوم التى تتصل بهم من الرياضيات والعلوم الطبيعية، وسرعان ما أخذوا يشاركون فى هذا التراث فإذا يوحنا بن ماسويه ينفذ إلى إضافة مباحث جديدة فى التشريح، وإذا هم يضعون لحركات الأفلاك زيجات وجداول جديدة أكثر دقة من المأثورات الفارسية واليونانية، وإذا محمد بن موسى الخوارزمى ينشئ عصرا جديدا فى التاريخ العالمى للرياضيات فيكتشف علم الجبر وقواعده ويعطيه اسمه الذى عرف به فى العالم كله.
والدولة هى التى هيأت لذلك كله منذ أبى جعفر المنصور، فقد شجعت على الترجمة والنقل بكل الوسائل، ولم يلبث هرون الرشيد أن أنشأ دار الحكمة وجلب إليها المترجمين من مدرسة جنديسابور الفارسية ومن السريان والفرس، وخلفه المأمون فاستحالت هذه الدار جامعة كبرى، إذ ألحق بها مرصدا ومكتبة ضخمة، وأرسل البعوث إلى بيزنطة وبلاد الروم تأتيه بالمأثورات اليونانية المختلفة، وأخذت هذه المأثورات تستولى على معظم النشاط فى النقل والترجمة، حتى أصبحت لها نهائيّا الغلبة على المأثورات الفارسية والهندية.
وأشرنا فى حديثنا عن الترجمة فى العصر العباسى الأول إلى ما ترجم عن اليونانية، من الأصول المختلفة، فقد ترجمت فى الرياضيات النظريات الفلكية الإغريقية ومن أهم مصنفاتها التى عنى النقلة بترجمتها كتاب المجسطى لبطليموس الإسكندرى، كما عنوا بترجمة كتاب الأصول لأقليدس فى الهندسة، وترجموا كثيرا من المؤلفات اليونانية فى العلوم الطبيعية وخاصة ما اتصل عند أرسطو بعلم الحيوان وبوصف النباتات مما يهم الصيادلة، وترجموا فى الطب مصنفات جالينوس وبقراط. وترجموا لكثيرين من اليونان غير أرسطو، فترجموا لأفلاطون وغير أفلاطون مصنفات مختلفة. ويلاحظ أن العرب استعانوا فى هذه الترجمة بالسريان، وكانوا قد نقلوا إلى لغتهم قبل الإسلام كثيرا من المأثورات اليونانية، وتصادف أن أخذ وها من علماء المذهب الأفلاطونى الجديد، مع ما أضافوه إليها من شروح اقتبسوها من آراء أفلاطون أو من الأفلاطونية الجديدة المتأثرة بفيثاغورس أو بالرواقيين. وليس ذلك فحسب، فإن السريان فيما يبدو نسبوا إلى أرسطو وأفلاطون كتبا كثيرة، ونقلت إلى العرب بهذه النسبة الخاطئة، مثل كتاب
стр. 1603
الربوبية المنسوب خطأ إلى أرسطو ومحوره بحوث فى النفس والإنسان تمزج بقصص كثيرة وبقواعد فى السياسة والصحة والتغذية. على أن كثيرا مما نسبوه إليه صحيح وخاصة ما يتصل بالطب والحيوان والعلوم الطبيعية. وكلما تقدمنا مع الزمن كثر الاهتمام به وبترجمة آثاره، حتى غدا المعلم الأول للعرب وعلمائهم وفلاسفتهم المختلفين، وخاصة فى علم المنطق والطبيعيات، أما فى الرياضيات فكان أساتذتهم فيها فيثاغورس وبطليموس وأقليدس.
ويذهب العصر العباسى الأول، ونمضى فى العصر العباسى الثانى فنجد حركة النقل والترجمة تزداد حدة وقوة وتنمو الترجمة عن اليونانية نموا عظيما، ويتم لها الانتقال من الترجمة الحرفية التى تمتلئ بالعثرات والصعوبات اللفظية إلى ترجمة الفقر والعبارات بالمعنى ترجمة دقيقة. وهذا هو السر فى أننا نجد كثيرا فى ترجمات المترجمين أنهم أعادوا ترجمة هذا الكتاب أو ذاك مما ترجمه الحجاج بن مطر وغيره من مترجمى العصر العباسى الأول. ويخيل إلى الإنسان أنهم لم يتركوا حينئذ كتابا يونانيّا فى أصله اليونانى أو فى ترجمته السريانية إلا ترجموه إلى العربية. وكان الذى أذكى الترجمة والنقل حينئذ الأموال الضخمة التى كان يغدقها المتوكل وغيره من الخلفاء على المترجمين، ويكفى أن نذكر ما أهداه المتوكل إلى حنين بن إسحاق المتوفى سنة ٢٦٤ فإنه أهداه ثلاث دور من دوره وحمل إليها كل ما تحتاج إليه من الأثاث والفرش والآلات والكتب وأنواع الستائر الأنيقة وأقطعه بعض الإقطاعات وجعل له راتبا شهريّا خمسة عشر ألف درهم غير ثلاثة خدم من الروم وغير ما أسبغه على أهله من الاموال والخلع والإقطاعات (١). وكان الوزراء بدورهم يغدقون على المترجمين أموالا كثيرة، سواء أهدوا إليهم بعض ترجماتهم أو بعض ما ألّفوه على هدى ما قرءوه فى اللغتين اليونانية والسريانية، وفى أخبار قسطا بن لوقا أنه أهدى إبراهيم بن المدبر كتابين كما أهدى الحسن بن مخلد وزير المعتمد كتابا (٢). وفى أخبار إسحق بن حنين أنه كان منقطعا إلى القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد (٣). وكان ثابت بن قرة لا ينقطع عن إسماعيل
стр. 1604
ابن بلبل وزير المعتمد وله ألّف مقالة فى الهندسة. (١) وكان كثير من الأطباء يكلفون المترجمين نقل كتب طبية أو كتب تتصل بالطب، يقول ابن أبى أصيبعة: «وكان مما نقلت له الكتب اليونانية وترجمت باسمه جماعة من أكابر الأطباء مثل يوحنا بن ماسويه وجبرائيل بن بختيشوع وابنه بختيشوع وداود بن سرابيون وسلمون بن بنان واليسع وإسرائيل بن زكريا بن الطيفورى وحبيش بن الحسن» (٢). وكانت هناك أسر وأفراد كثيرون يعدّون أنفسهم حماة للترجمة والمترجمين، وكانوا يتنافسون فى هذه الحماية مع أنفسهم ومع الخلفاء، ذكر منهم ابن أبى أصيبعة طائفة (٣)، منها على (٤) بن يحيى المنجم صاحب خزانة الحكمة التى سبق أن تحدثنا عنها، وأحمد بن المدبر. وممن نوّه بهم القدماء طويلا فى هذا الجانب بنو موسى (٥) بن شاكر وهم محمد والحسن وأحمد، وكان الأول والثانى يشغفان بالهندسة فى حين شغف الثالث بالحيل (الميكانيكا) وكان لهم مرصد أسسوه على دجلة، وكانوا يغدقون رواتب شهرية على جماعة من المترجمين بينهم حنين بن إسحق وحبيش ابن أخته وثابت بن قرة، ويقال إنها كانت تبلغ فى الشهر خمسمائة دينار (٦). وكل هذا الاهتمام بالترجمة والإنفاق عليها والتنافس فيها أحدث ازدهارا عظيما لها فى العصر العباسى الثانى فقد أكبّ المترجمون على المأثورات الإغريقية فى كل فروع العلم والفلسفة يترجمونها، وكادوا لا يبقون كتابا بدون ترجمة وبدون شرح أو تلخيص. ومن يرجع إلى ابن أبى أصيبعة والقفطى تهوله الكثرة الغامرة مما ترجموه، إذ يبلغ أحيانا عند المترجم الواحد مئات الكتب والرسائل، سوى ما ألّفوه وصنفوه.
وأهم المترجمين حينئذ وأشهرهم حنين (٧) بن إسحق المتوفى سنة ٢٦٤ وكان طبيبا
стр. 1605
مسيحيّا نسطوريّا من مدرسة جنديسابور، رحل إلى بلاد الروم وتعلم اليونانية وكان يجيد بجانبها السريانية والفارسية والعربية، وهو وابنه إسحق (١) وابن أخته حبيش (٢) أكثر المترجمين فى العصر إنتاجا، وكانوا يعملون معا، فنسبت بعض الترجمات لهذا تارة ولذاك تارة أخرى. وكان يعاونهم تلاميذ كثيرون، يدل على ذلك ما جاء فى ترجمة حنين من أن الخليفة المتوكل «جعل له كتّابا نحارير عالمين بالترجمة يترجمون بين يديه وهو يتصفح ما ترجموا، وفى مقدمتهم أصطفن بن بسيل (٣)»، ويبدو من اسمه أنه يونانى الأصل. وكان حنين يشغف بترجمة الكتب الطبية.
وقد ترجم لجالينوس منها عشرت إلى العربية والسريانية، غير ما أصلحه لتلاميذه من آثاره مما ترجموه إلى اللغتين. ويصور لنا فى مقدمة بعض الكتب التى ترجمها مدى دقته العلمية فى الترجمة إذ كان لا يزال يجمع للكتاب الذى يريد ترجمته كل ما يمكنه من نسخ، حتى إذا اجتمعت له قابل بينها وعارض عباراتها بعضها على بعض واستخلص للكتاب ترجمة دقيقة (٤). وكان ابنه إسحق يعنى بترجمة الكتب الحكمية والفلسفة، فلم يقف عنايته مثله على الكتب الطبية، ولذلك كثرت تزجماته لأرسطو وأقليدس وأرشميدس وبطليموس. أما حبيش فعنى مثل خاله بترجمة الكتب الطبية. واشتهر أصطفن بأنه كان أول من ترجم كتاب ديوسقريدس فى النبات وكتاب أوريباسيوس فى الأدوية المفردة (٥).
وبجانب هذه المدرسة الكبيرة للترجمة وأستاذها حنين كان هناك مترجمون يفوقون الحصر، من أشهرهم ثابت (٦) بن قرة المتوفى سنة ٢٨٨ ومن أهم ما ترجمه كتاب الأصول لأقليدس، ويقول ألدومييلى إن النص العربى يصلح النص الإغريقى فى
стр. 1606
مواضع مختلفة، وترجم كتاب أرسطو فى النبات تفسير نيقولاوس، وله كتاب قرسطون فى نظرية الميزان واعتدال الأجسام الميكانيكية، وكان له أثر كبير فى لاتينية العصور الوسطى كما يقول ألدومييلى، ومن مصنفاته كتاب الذخيرة فى الطب ألفه لابنه سنان. ومن أنبه المترجمين حينئذ قسطا (١) بن لوقا البعلبكى المتوفى سنة ٣٠٠ وكان مسيحيّا من أصل يونانى، ومن ترجماته شرح الإسكندر الأفروديسى وشرح جون فيلوبون على السماع الطبيعى وكتاب آراء الفلاسفة المنسوب إلى فلو طرخس وكتاب الحيل لهيرون المنشور فى ليبزج سنة ١٩٠٠ وكان قد ترجمه للخليفة المستعين.
وترجم لإبراهيم بن المدبر كتابه الجامع فى الدخول إلى علم الطب غير كتب أخرى ألفها أو ترجمها لكثيرين. وله رسالة صغيرة فى الفرق بين النفس والروح ترجمت إلى اللاتينية. وخاتمة هؤلاء المترجمين النابهين أبو بشر متى (٢) ابن يونس.
وكان من أصل يونانى، وقد عنى بترجمة جميع آثار أرسطو فى المنطق وغير المنطق، وترجم له كتاب الشعر ترجمة مضطربة، لأنه يدور-كما هو معروف- حول المأساة اليونانية، ولم يكن العرب ولا المترجمون حينئذ يتصورونها، ولذلك يكون لمتى عذره فى اضطراب ترجمته لهذا الكتاب (٣). وقد انتهت إليه رياسة المنطقيين فى عصره، وله مناظرة فى المنطق والنحو مع السيرافى سنة ٣٢٠ احتفظ بها ياقوت فى معجمه (٤).
وبمتى بن يونس ينتهى عصر الترجمة العظيم، ومنذ أوائل هذا العصر، بل منذ عصر المأمون، يشارك العرب فى علوم الأوائل التى ترجموها، بحيث يظهر عندهم علماء يزاحمون العلماء الأوائل عند الأمم القديمة بمناكب ضخمة، ويكفى أن نذكر محمد بن موسى الخوارزمى وابتكاره لعلم الجبر الذى أشرنا إليه فى غير هذا
стр. 1607
الموضع والذى ليس له سابقة عند علماء الأوائل، وله شروح على كتاب أقليدس فى الهندسة وكتاب بطليموس فى الجغرافية، وقد خلّف فيها أول كتاب عربى جغرافى سماه صورة الأرض، ونشطت الكتب والمباحث الجغرافية منذ هذا التاريخ المبكر. ومع افتتاح هذا العصر العباسى الثانى يؤلف عبيد الله بن خرداذبة الفارسى الأصل كتابه «المسالك والممالك» وهو يصرح فى مطالعه بأنه اعتمد فى بيان حدود الأرض ومسالكها على كتابات بطليموس. وأخذ غير عالم يتناول هذا الموضوع، تناوله أبو عبد الله الجيهانى وأبو زيد البلخى، وأهم منهما ابن الفقيه، غير أنه لم يذكر إلا المدائن العظمى ولذلك سمّى كتابه «البلدان». وأدق منه وأمهر علميّا اليعقوبى أحمد بن يعقوب العباسى، إذ نراه فى كتابه الذى سماه أيضا باسم البلدان يعتمد على الرحلة والطواف ببلاد ديار الإسلام واصفا لها وصف المشاهد المتثبت من الأخبار. وبذلك تم تكامل علم الجغرافيا عند العرب. واهتموا حينئذ بإفراد جزيرة العرب وجغرافيتها ببعض الكتب على نحو ما نجد عند الهمدانى المتوفى سنة ٣٣٤ فى كتابه «صفة جزيرة العرب».
وعلى نحو ما نهضوا حينئذ بعلم الجغرافيا نهضوا بالرياضيات والفلك.
يتقدمهم محمد بن موسى الخوارزمى، ومن تلاميذه فى مرصد المأمون حبش الحاسب، وله جداول فلكية مهمه. ومن نابهى الفلكيين فى أواسط العصر أحمد ابن محمد بن كثير الفرغانى وكتابه: «أصول الفلك» له ترجمات كثيرة إلى اللاتينية، وترك هناك تأثيرا كبيرا حتى عصر كوبرنيقوس (١)، وله كتب مختلفة فى الإسطرلاب.
ومن الفلكيين الذين اشتهروا حينئذ شهرة واسعة أبو معشر البلخى المتوفى سنة ٢٧٢ وكان له تأثير واسع فى العرب ومسيحيى العصور الوسطى وترجمت له كتب كثيرة إلى اللغة اللاتينية (٢). ومن الفلكيين النابهين فى العصر الفضل (٣) بن حاتم النيريزى المتوفى سنة ٣١٠ وكان متقدما فى علم الهندسة وهيئة الأفلاك وحركات النجوم وله شروح على أصول أقليدس ترجمها جيرار دى كريمونا ونشرها كورتزه فى ليبزج سنة ١٨٩٩ وله شروح أيضا على كتاب بطليموس فى الفلك وزيج على مذهب
стр. 1608
الهند وكتابها «السند هند» وكتاب سمت القبلة أو معرفة اتجاهها. وكان يعاصره البتّانى (١) محمد بن جابر بن سنان المتوفى سنة ٣١٧ «ولا يعلم أحد فى الإسلام بلغ مبلغه فى تصحيح أرصاد الكواكب وامتحان حركاتها، وكان له مرصد فى الرّقّة على نهر الفرات، وله زيج جليل ضمّنه أرصاد النيرين وإصلاح الحركات المثبتة لهما فى كتاب المجسطى لبطليموس، وترجم زيجه إلى اللاتينية، وقد لخص نلّينو أهمية مباحثه الفلكية وتصحيحه لبطليموس كثيرا من أخطائه فى دراسته القيمة عنه بدائرة المعارف الإسلامية.
وبالمثل نهضت العلوم الطبية والطبيعية وكانت تشمل حينئذ الصيدلة والكيمياء، وقد أنتج العصر العباسى الأول أكبر كيميائى فى تلك الحقب القديمة، وهو جابر بن حيان، وسبق أن ألممنا به فى كتابنا عن العصر المذكور. وكان قد ترجم كتاب الحيوان لأرسطو وعلى هديه ألّف الجاحظ كتابه «الحيوان» فى هذا العلم، وحلّل بلاسيوس هذا الكتاب فى مجلة إيزيس العدد الرابع عشر سنة ١٩٣٩ مبينا ما يشتمل عليه من الطبيعة الكيميائية وعلم الحيوان وعلم الإنسان (٢). وظل المترجمون يتوفرون على ترجمة كتب الصيدلة والكيمياء والطب، وكل يحاول تصحيح ترجمة من سبقه وإفادة الأطباء بكل ما يستطيع. ومرّ بنا أنهم كانوا يشجعون بأموالهم الغدقة الترجمة وأن كثيرا من الكتب ترجم باسمهم. ومن أهمهم بختيشوع (٣) ابن جبرائيل بن بختيشوع، وبلغ من كثرة ثرائه أن كان يضاهى الخليفة المتوكل فى الزينة والفرش والمأكل والمشرب، ويقال إنه وصف للمتوكل دواء فى بعض وعكاته فأمر له بثلثمائة ألف درهم وثلاثين تختا من الثياب، ونقل له حنين كثيرا من كتب جالينوس الطبية. وكان يعاصره سابور (٤) بن سهل المسيحى صاحب بيمارستان جنديسابور المتوفى سنة ٢٥٥ واشتهر بكتاب له فى الصيدلة كان يقع فى ٢٢ بابا وظل الأطباء والصيادلة يعتمدون عليه حتى ظهر كتاب ابن التلميذ فى القرن السادس
стр. 1609
ومن كبار الأطباء فى العصر سنان (١) بن ثابت بن قرة الذى أسلم على يد الخليفة القاهر بالله، وقد عاش حتى سنة ٣٣١ وتقلد مارستانات بغداد الخمسة سنة ٣٠٤ وبنى فى سنة ٣٠٦ مارستانين كبيرين، أحدهما للخليفة المقتدر وكانت نفقته مائتى دينار فى كل شهر والثانى لأمه وكانت النفقة عليه شهريّا ستمائة دينار وأقام للوزير ابن الفرات مارستانا ثالثا ببغداد سنة ٣١١ كانت النفقة عليه شهريّا.
مائتى دينار، وبنى لبجكم حاكم بغداد سنة ٣٢٩ مارستانا رابعا ببغداد على الشاطئ الغربى لدجلة وزوّده بالأطباء والأدوات المختلفة. ومن طريف ما يروى أن نجد حامد بن العباس أحد وزراء الخليفة المقتدر يأمره أن يفرد أطباء للمسجونين يزورونهم يوميّا ومعهم الأدوية والأشربة، وظل ذلك تقليدا مرعيا حتى نهاية العصر، ونراه يأمره أيضا بإرسال متطببين إلى الفلاحين فى سواد العراق بحوض دجلة والفرات يطوفون به ويقيمون فى كل جانب منه المدة التى تدعو إليها الحاجة، ومعهم خزانة الأدوية والأشربة. ويبدو أن المتطببين كثروا فى العصر، حتى ليذكر ابن أبى أصيبعة أن عددهم فى جانبى بغداد وحدها بلغ فى سنة ٣١٩ ثمانمائة رجل ونيفا وستين سوى من كان فى خدمة السلطان.
وطبيب المسلمين غير مدافع فى العصر، كما يقول القفطى، هو أبو بكر محمد (٢) بن زكريا الرازى المتوفى حوالى سنة ٣٢٠ ولد كما يتبين من اسمه بالرى، وسبق أن عرضنا له فى حديثنا عن الزندقة وألممنا بكتابه «مخاريق الأنبياء» وقد بدأ حياته بدراسة العلوم الرياضية، ثم اشتغل بالكيمياء والطب، وعمل فى بيمارستان موطنه وبيمارستانات بغداد وتنقل فى مدن إيران وخراسان، وألف باسم كثيرين من الأمراء وذوى الجاه طائفة من كتبه المهمة، وترجم إلى اللاتينية كثير من كتبه الطبية وظل حجة الطب غير مدافع حتى القرن السابع عشر، وما زال المستشرقون يعنون به وبآثاره حتى اليوم وقد نشر فى باريس سنة ١٩٣٣
стр. 1610
فهرس كتبه الذى ذكره البيرونى ومنه تبين أنه خلّف فى الطب ٥٦ كتابا وفى الطبيعيات ٣٣ وفى الفلسفة ١٧ وفى الرياضيات ١٠ وفى الميتافيزيقا ٦ وفى المنطق ٨ وفى علم الكلام ١٤ وفى الكيمياء ٢٣ وأكبر كتبه فى الطب كتابه الحاوى، وهو دائرة معارف طبية ضخمة، وقد ترجمت منه أجزاء إلى اللاتينية، واستخرج منه ماكس ما يرهوف ٣٣ ملاحظة إكلينيكية لها خطرها. ويلى هذا الكتاب الطبى فى الأهمية كتابه المنصورى الذى أهداه إلى الأمير السامانى بخراسان المنصور بن إسحق، وهو كتاب نفيس، ترجم إلى اللاتينية مرارا فى العصور الوسطى وعصر النهضة. وترجم له أيضا إلى اللاتينية مرارا كتابه فى الجدرى والحصبة، وهو بحث طبى رائع فى الوبائيات، وله ترجمات حديثة إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية. ولم يعن بالطب الجسمى وحده فقد عنى أيضا بالطب النفسى، إذ ألف كتابا فى الطب الروحانى نشرته جامعة القاهزة، وهو فيه يكبر من شأن العقل عارضا النقائص الخلقية التى تسبب الأمراض والعلل النفسية مبينا أن المصاب بها إذا حكّم معياره العقلى موازنا بين نفعه وضرره تخلص من تلك العلل والأمراض وفارقته إلى غير مآب. وكان ينصح الأطباء أن يوهموا مرضاهم أنهم أصحاء وإن لم يثقوا بذلك لأن مزاج الجسم فى رأيه تابع لأخلاق النفس. وكان يهتم بالكيمياء معلنا أن الفيلسوف لا يكون فيلسوفا حقّا إلا إذا تعلم صناعة الكيمياء ومهر فيها، وله فيها كتب مختلفة كما قدمنا. وكان يؤمن بخمسة مبادئ قديمة تأثر فيها بفلاسفة اليونان مثل إنباذوقليس وأنكساجوراس وهى: الله تعالى والنفس الكلية والهيولى الأولى والمكان المطلق والزمان المطلق، وكان يؤمن بقدم هذه المبادئ وأنه لا بد منها لوجود العالم.
وكان طبيعيّا وقد نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية أن تصبح للعرب بدورهم فلسفة ذات طوابع مستقلة، ومر بنا أن ما ترجم إليهم من تلك الفلسفة صبغ بالصبغة الأفلاطونية الجديدة عن طريق تأثر السريان بها، وكان ذلك سببا فى أن تشوب فلسفتهم تلك النزعة. ولعل أول فيلسوف عربى بالمعنى الدقيق لكلمة فيلسوف نلتقى به فى هذا العصر هو الكندى (١) يعقوب بن إسحق، وهو عربى أصيل من
стр. 1611
قبيلة كندة، ولذلك لقب فيلسوف العرب، نشأ بالبصرة ثم تركها إلى بغداد ويبدو أنه أكبّ فى نشأته على الاعتزال، ولعل ذلك ما جعل نجمه يأفل فيما بعد حين أفل نجم المعتزلة لعهد المتوكل. ولا تعرف سنة وفاته ويبدو أنه عاش حتى أواخر العقد السادس من القرن الثالث. وله كتب ورسائل تعد بالعشرات بل بالمئات، وهى تبلغ عند ابن النديم نحو مائتين وأربعين وعند القفطى نحو مائتين وثلاثين وعند ابن أبي أصيبعة نحو مائتين وثمانين، وتتناول العلوم الرياضية والهندسية والفلكية والجغرافية والطبيعية والمنطق والأخلاق والسياسة والكلام والجدل والطب. وقد ترجم كثير منها إلى اللاتينية وأثّر فى شعوبها تأثيرا عميقا، ويقول ألدومييلى إن كتابه فى الهندسة أثّر تأثيرا ملحوظا فى روجر بيكون. وقد يفهم من بعض ما كتبه ابن أبى أصيبعة وغيره عنه أنه كان يترجم عن اليونانية والسريانية ويرى الباحثون أنه لم يكن يعرفهما، إنما كان يصلح ويصحح بعض ما ترجم عنهما، وله تهذيبات لكثير مما ترجم، وله أيضا شروح وتعليقات. ويذكر ابن النديم وغيره أن له كتبا فى التوحيد والعدل والاستطاعة أو حرية الإرادة، مما قد يدل على اتجاهه الاعتزالى، ومما يدل بقوة على هذا الاتجاه عنده إشادته بالعقل. وهو فيلسوف إسلامى بالمعنى إذ له رسائل فى إثبات النبوة والدفاع عنها دفاعا قويّا، وكان يذهب إلى ان العالم محدث مخالفا بذلك أرسطو فى زعمه أنه قديم، وذهب إلى أن النفس بسيطة وأنها من نور الله، وعنها صدر عالم الأفلاك، والنفس الإنسانية تفيض عن هذه النفس الكلية، وهى تتصل بالجسد، ولكنها تظل فى جوهرها مستقلة عنه، حتى إذا فارقته التذت لذة كبيرة، وقال إن الكواكب لا تؤثر فيها، لأنها إنما تؤثر فى الأمور الطبيعية. وله بحوث فلسفية فى الرياضة، ولكنها دون بحوثه الطبيعية وفيما وراء الطبيعة. وربما كانت أهم نظرية فلسفية له طبع بها الفلسفة الإسلامية هى نظريته فى أن العقل مصدر المعارف وتقسيمه له إلى عقل فاعل هو الله، وعقل
стр. 1612
بالقوة يكمن فى داخل الإنسان، وعقل بالملكة هو العقل المنفعل بعد حصول المعقولات فيه، وعقل مبين يؤدى للغير معقولاته. ومما قرره أن الحواس تدرك الجزئيات والصور المادية فى حين أن العقل يدرك الكليّات وما يتصل بها من الأنواع والأجناس. وذهب إلى تناهى الجسم والزمان والحركة من جهة الفعل لا من جهة القوة، وهاجم الكيمياء هجوما عنيفا، وأكبر الظن أنه إنما كان يقصد ضربا خاصّا من الكيمياء شاع فى عصره، هو المتصل بالسحر والخرافه وكشف الأسرار.
وإذا كان العصر قد افتتح بفيلسوف هو الكندى فإنه اختتم أيضا بفيلسوف له مكانة كبيرة فى الفلسفة الإسلامية هو الفارابى (١) أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان المتوفى سنة ٣٣٩ ويقال إنه من أصل فارسى، ولد فى فاراب من بلاد الترك فيما وراء النهر. ويبدو أنه تلقن فى نشأته ما كان فى خراسان من علوم الأوائل وسرعان ما مضى يطلبها فى بغداد، وأكبّ على الرياضيات والطبيعيات والإلهيات واستوعب ذلك كله استيعابا منقطع القرين، وسرعان ما أخذ يوفق بينه وبين الدين الحنيف من جهة وبينه وبين العقل الذى أكبره الكندى من جهة أخرى، واستطاع أن ينفذ من خلال ذلك إلى تشكيل الفلسفة الإسلامية فى صورتها المبكرة، بحيث عدّ فيلسوف المسامين غير مدافع. ولعل أول ما يلاحظ على فلسفته أنها تعنى بالإلهيات، فهو لا يعنى بالطبيعيات، وهو يرغب عن فيثاغورس وأضرابه من الرياضيين. ويتضح إكباره العقل فى اهتمامه بالمنطق وما يؤدى إليه من استنباطات كلية مما جعله يعنى بشرح كتبه عند أرسطو وتفصيل مسائله من تصور وتصديق وقضايا وبراهين وأقيسة ومراتب ظنّ متفاوتة، ويتعمق فى بحث الكليات.
وفى كل جانب من فلسفته الإلهية يتضح فكره العقلى المنطقى، من ذلك ذهابه إلى أن كل موجود إما واجب الوجود وإما ممكن، وبذلك جعل أول صفة لله هى أنه
стр. 1613
الموجود الواجب الوجود فى حين أن كل ما عداه ممكن الوجود أو بعبارة أخرى حادث فهو القديم وحده. وصلة هذه الفكرة بالدين الحنيف واضحة، وهو عنده الموجود الأول الفرد بالذات ولا جنس له ولا تركيب فيه ولا يمكن حدّه، إذ هو لا يتحيز فى مكان، وهو أكمل الموجودات ويجب أن تكون معرفتنا به أكمل معرفة. وإذا كانت معرفتنا بالرياضيات أكمل من معرفتنا بالطبيعيات للتعميم السارى فى قضاياها وجب أن تكون معرفتنا به فوق معرفتنا بالرياضيات والطبيعيات جميعا. ويقبس من الفلسفة قبسا يمزجه بقبس آخر من التصوف لعصره، فإذا هو يذهب إلى أن الله يفيض عنه منذ الأزل مثاله وهو العقل الأول الذى يحرّك الفلك الأكبر، وتلى هذا العقل عقول الأفلاك الثمانية، وهى التى تصدر عنها الأجرام السماوية، والعقول التسعة مجتمعة هى ملائكة السماء ومرتبتهم فى الوجود مرتبة ثانية، وفى المرتبة الثالثة العقل الفعّال فى الإنسان وهو روح القدس الذى يصل العالم العلوى بالعالم السفلى.
وفى المرتبة الرابعة النفس الكلية، ومنها ومن العقل تتكاثر أفراد الإنسان. وفى المرتبة الخامسة الصورة. وفى السادسة المادة. والمراتب الثلاث الأولى: الله وعقول الأفلاك والعقل الفعال ليست أجساما، أما المراتب الأخرى فتلابس الأجسام. وواضح الأثر الإسلامى فى هذا التفلسف، فقد ذكر الله وهو العلة الأولى عند الفلاسفة وذكرت الملائكة وروح القدس مع محاولة وضع تفسير جديد لهما. وكان يذهب إلى أن النفس كمال الحسم، أما كمال النفس فهو العقل. . وبحث فى السعادة مبحثا تأثر فيه أيضا بالتصوف تحدث فيه عن شروطها ودرجاتها، وصرّح فى قوة بأن اللذات العقلية والروحية تفوق اللذات المادية الجسمية، وأن السعادة لا تطلب لغاية وراءها وإنما تطلب لذاتها، وأداتها فى رأيه الأفعال والأخلاق الجميلة، وهى لا تدرك إلا إذا تحررت النفس الناطقة من أغلال المادة والشهوات. ويصرّح فى كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة بأن الحاكم ينبغى أن يكون متحليا بكل الفضائل الإسلامية والفلسفية متجنبا اللذات الجسمية، إذ فيه تتمثل المدينة بخيرها وشرها، فإذا كان خيرا فاضلا كانت المدينة فاضلة، وإذا كان شرّيرا فاسقا انهارت المدنية وفسد الحكم فيها فسادا شديدا.
وهو يذكر النبوة كثيرا، وهى عنده أعلى مرتبة يبلغها الإنسان فى العلم والعمل، وهو يضعها-كى يوضحها-فى مرتبة وسطى بين الإدراك الحسى
стр. 1614
والمعرفة العقلية الخالصة. ونحن إنما لمسنا السطح فقط لنصور فلسفة الفارابى، وهى فلسفة إسلامية عقلية استمدّت من روحانية الإسلام ومن نظريات العقل ومن أفكار الفلاسفة وخاصة أرسطو وأفلاطون مازجة بين هذه العناصر جميعا، مستخلصة منها فلسفتنا الإسلامية الوسيطة وأصولها السديدة.
٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ
رأينا فى كتاب العصر العباسى الأول مدى التنافس الذى نشب بين علماء البصرة والكوفة فى جمع اللغة وكيف كانوا يرحلون إلى نجد والبوادى ومعهم قوارير المداد وأحمال الصحف ليدوّنوا كلمات اللغة من ينابيعها الأصلية. وقد مضى كثيرون من علماء البلدتين وتلاميذهما ببغداد فى هذا العصر يخرجون إلى البادية ونجد لمشافهة الأعراب والسماع منهم لما يجرى على ألسنتهم من أقوال وأشعار وأضافوا إلى ذلك ما سمعوه من أساتذتهم الأصمعى والمفضل الضبى وأبى زيد وأضرابهم. وأخذ تلاميذهم يحملون عنهم رواياتهم، وسرعان ما تكوّن فى هذا العصر السند. إذ يقول العالم اللغوى مثل الأشناندى أبى عثمان سعيد بن هرون المتوفى سنة ٢٨٨: عن التوّزى أبى محمد عبد الله بن محمد بن هرون المتوفى سنة ٢٣٣ عن أبى نصر أحمد ابن حاتم الباهلى عن الأصمعى. ومعروف أن علم الأصمعى حمله مع أحمد بن حاتم جماعة منهم الأثرم أبو الحسن على بن المغيرة المتوفى سنة ٢٣١ والزيادى أبو إسحق إبراهيم بن سفيان المتوفى سنة ٢٤٩ والرياشى العباس بن الفرج المتوفى سنة ٢٥٧.
وكل أولئك وأضرابهم من رواة اللغويين القدماء كانوا يعتمدون قبل كل شئ على الإملاء، وكان تلاميذهم يحرصون عليه مخافة دخول غلط عليهم فى قراءة النصوص.
ومع ذلك كان منهم من يأخذ أحيانا عن الكتب، وكانوا يميزونه من سواه، خشية أن يكون قد صحّف فيما قرأ، واتسع التصحيف حتى ألف فيه العلماء كتبا مفردة.
وجعلهم الاهتمام بالسند يتأثرون برجال الحديث فى تجريح الرواة وتعديلهم، وكان علماء البصرة فى ذلك أشد تحرجا من علماء الكوفة وبغداد، وبالمثل تأثروا بهم فى تلقيب بعض الروايات بألقاب الجودة والضعف، ويؤثر عن ابن الأنبارى
стр. 1615
الكوفى المتوفى سنة ٣٢٨ قوله: «الكلمات قسمان: كلمات متواترة وآحاد، فأما المتواترة فلغة القرآن وما تواتر من السنّة وكلام العرب، وهذا قطعى يفيد العلم، وأما الآحاد فما تفرّد بنقله بعض أهل اللغة ولم يوجد فيه شرط التواتر (١)». وكانوا يجمعون فيما يملونه أشتاتا من بعض أقوال العرب وأشعارهم وأقاصيصهم، ومما يصور ذلك مجالس ثعلب الكوفى المتوفى سنة ٢٩١. وأحيانا كانوا يؤلفون الكتاب فى أقوال وأشعار وأمثال حيثما اتفق مثل مجالس ثعلب، وأحيانا يجمعون كلمات فى موضوع واحد مثل كتاب المذكر والمؤنث ليعقوب بن السكيت الكوفى المتوفى سنة ٢٤٣ وكتاب النخل وكتاب الطير لأبى حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستانى البصرى المتوفى سنة ٢٥٠. وكان طبيعيّا أن تظهر حينئذ معاجم تحصى كلمات اللغة إحصاء دقيقا دالة على معانيها، ولم يلبث أن تداول الورّاقون معجم العين المنسوب إلى الخليل حتى إذا كان ابن دريد محمد بن الحسن البصرى المتوفى سنة ٣٢١ وجدناه يؤلف معجمه اللغوى الكبير: الجمهرة فى اللغة، وعلى الرغم من نقد القدماء له وقول نفطويه الكوفى معاصره المتوفى سنة ٣٢٨ إنه ليس أكثر من تحريف لمعجم العين للخليل يعدّ عملا باهرا. ودفعتهم فكرة تعليم اللغة للناشئة إلى أن يجمعوا كثيرا من الألفاظ والعبارات الغريبة فى طائفة من الموضوعات والمعانى ويؤلفوا فيها كتابا مثل كتاب الألفاظ لابن السكيت، وهو يحتوى كثيرا من أبيات الرجز المسرفة فى الغرابة ومن الألفاظ المهجورة، وهو جانب يميز اللغويين الكوفيين إذ كانوا يكثرون من رواية الغريب المهجور فى مصنفاتهم. وعنوا فى هذا العصر أشد العناية بجمع دواوين الشعر القديم جمعا علميّا، عماده التوثق والتحقيق، وهو عمل يعدّ متمما لما نهض به فى العصر الماضى المفضل الضبى والأصمعى وابن الأعرابى، وكانوا يضيفون إلى الدواوين غالبا شروحا للتوضيح، ويشتهر فى هذا المجال محمد بن حبيب البصرى وثعلب الكوفى والسكرى أبو سعيد الحسن بن الحسين البصرى تلميذ الرياشى وأصغر تلاميذ الأصمعى المتوفى سنة ٢٧٥ وكان شديد الطموح، فلم يكتف بجمع دواوين طائفة كبيرة من الشعراء، بل مضى يجمع دواوين القبائل، ويقال إنه جمع منها نيفا وثمانين، لم يبق الزمن منها إلا قطعا من ديوان هذيل