← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

قبيلة كندة، ولذلك لقب فيلسوف العرب، نشأ بالبصرة ثم تركها إلى بغداد ويبدو أنه أكبّ فى نشأته على الاعتزال، ولعل ذلك ما جعل نجمه يأفل فيما بعد حين أفل نجم المعتزلة لعهد المتوكل. ولا تعرف سنة وفاته ويبدو أنه عاش حتى أواخر العقد السادس من القرن الثالث. وله كتب ورسائل تعد بالعشرات بل بالمئات، وهى تبلغ عند ابن النديم نحو مائتين وأربعين وعند القفطى نحو مائتين وثلاثين وعند ابن أبي أصيبعة نحو مائتين وثمانين، وتتناول العلوم الرياضية والهندسية والفلكية والجغرافية والطبيعية والمنطق والأخلاق والسياسة والكلام والجدل والطب. وقد ترجم كثير منها إلى اللاتينية وأثّر فى شعوبها تأثيرا عميقا، ويقول ألدومييلى إن كتابه فى الهندسة أثّر تأثيرا ملحوظا فى روجر بيكون. وقد يفهم من بعض ما كتبه ابن أبى أصيبعة وغيره عنه أنه كان يترجم عن اليونانية والسريانية ويرى الباحثون أنه لم يكن يعرفهما، إنما كان يصلح ويصحح بعض ما ترجم عنهما، وله تهذيبات لكثير مما ترجم، وله أيضا شروح وتعليقات. ويذكر ابن النديم وغيره أن له كتبا فى التوحيد والعدل والاستطاعة أو حرية الإرادة، مما قد يدل على اتجاهه الاعتزالى، ومما يدل بقوة على هذا الاتجاه عنده إشادته بالعقل. وهو فيلسوف إسلامى بالمعنى إذ له رسائل فى إثبات النبوة والدفاع عنها دفاعا قويّا، وكان يذهب إلى ان العالم محدث مخالفا بذلك أرسطو فى زعمه أنه قديم، وذهب إلى أن النفس بسيطة وأنها من نور الله، وعنها صدر عالم الأفلاك، والنفس الإنسانية تفيض عن هذه النفس الكلية، وهى تتصل بالجسد، ولكنها تظل فى جوهرها مستقلة عنه، حتى إذا فارقته التذت لذة كبيرة، وقال إن الكواكب لا تؤثر فيها، لأنها إنما تؤثر فى الأمور الطبيعية. وله بحوث فلسفية فى الرياضة، ولكنها دون بحوثه الطبيعية وفيما وراء الطبيعة. وربما كانت أهم نظرية فلسفية له طبع بها الفلسفة الإسلامية هى نظريته فى أن العقل مصدر المعارف وتقسيمه له إلى عقل فاعل هو الله، وعقل

стр. 1612

بالقوة يكمن فى داخل الإنسان، وعقل بالملكة هو العقل المنفعل بعد حصول المعقولات فيه، وعقل مبين يؤدى للغير معقولاته. ومما قرره أن الحواس تدرك الجزئيات والصور المادية فى حين أن العقل يدرك الكليّات وما يتصل بها من الأنواع والأجناس. وذهب إلى تناهى الجسم والزمان والحركة من جهة الفعل لا من جهة القوة، وهاجم الكيمياء هجوما عنيفا، وأكبر الظن أنه إنما كان يقصد ضربا خاصّا من الكيمياء شاع فى عصره، هو المتصل بالسحر والخرافه وكشف الأسرار. وإذا كان العصر قد افتتح بفيلسوف هو الكندى فإنه اختتم أيضا بفيلسوف له مكانة كبيرة فى الفلسفة الإسلامية هو الفارابى (١) أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان المتوفى سنة ٣٣٩ ويقال إنه من أصل فارسى، ولد فى فاراب من بلاد الترك فيما وراء النهر. ويبدو أنه تلقن فى نشأته ما كان فى خراسان من علوم الأوائل وسرعان ما مضى يطلبها فى بغداد، وأكبّ على الرياضيات والطبيعيات والإلهيات واستوعب ذلك كله استيعابا منقطع القرين، وسرعان ما أخذ يوفق بينه وبين الدين الحنيف من جهة وبينه وبين العقل الذى أكبره الكندى من جهة أخرى، واستطاع أن ينفذ من خلال ذلك إلى تشكيل الفلسفة الإسلامية فى صورتها المبكرة، بحيث عدّ فيلسوف المسامين غير مدافع. ولعل أول ما يلاحظ على فلسفته أنها تعنى بالإلهيات، فهو لا يعنى بالطبيعيات، وهو يرغب عن فيثاغورس وأضرابه من الرياضيين. ويتضح إكباره العقل فى اهتمامه بالمنطق وما يؤدى إليه من استنباطات كلية مما جعله يعنى بشرح كتبه عند أرسطو وتفصيل مسائله من تصور وتصديق وقضايا وبراهين وأقيسة ومراتب ظنّ متفاوتة، ويتعمق فى بحث الكليات. وفى كل جانب من فلسفته الإلهية يتضح فكره العقلى المنطقى، من ذلك ذهابه إلى أن كل موجود إما واجب الوجود وإما ممكن، وبذلك جعل أول صفة لله هى أنه

стр. 1613

الموجود الواجب الوجود فى حين أن كل ما عداه ممكن الوجود أو بعبارة أخرى حادث فهو القديم وحده. وصلة هذه الفكرة بالدين الحنيف واضحة، وهو عنده الموجود الأول الفرد بالذات ولا جنس له ولا تركيب فيه ولا يمكن حدّه، إذ هو لا يتحيز فى مكان، وهو أكمل الموجودات ويجب أن تكون معرفتنا به أكمل معرفة. وإذا كانت معرفتنا بالرياضيات أكمل من معرفتنا بالطبيعيات للتعميم السارى فى قضاياها وجب أن تكون معرفتنا به فوق معرفتنا بالرياضيات والطبيعيات جميعا. ويقبس من الفلسفة قبسا يمزجه بقبس آخر من التصوف لعصره، فإذا هو يذهب إلى أن الله يفيض عنه منذ الأزل مثاله وهو العقل الأول الذى يحرّك الفلك الأكبر، وتلى هذا العقل عقول الأفلاك الثمانية، وهى التى تصدر عنها الأجرام السماوية، والعقول التسعة مجتمعة هى ملائكة السماء ومرتبتهم فى الوجود مرتبة ثانية، وفى المرتبة الثالثة العقل الفعّال فى الإنسان وهو روح القدس الذى يصل العالم العلوى بالعالم السفلى. وفى المرتبة الرابعة النفس الكلية، ومنها ومن العقل تتكاثر أفراد الإنسان. وفى المرتبة الخامسة الصورة. وفى السادسة المادة. والمراتب الثلاث الأولى: الله وعقول الأفلاك والعقل الفعال ليست أجساما، أما المراتب الأخرى فتلابس الأجسام. وواضح الأثر الإسلامى فى هذا التفلسف، فقد ذكر الله وهو العلة الأولى عند الفلاسفة وذكرت الملائكة وروح القدس مع محاولة وضع تفسير جديد لهما. وكان يذهب إلى أن النفس كمال الحسم، أما كمال النفس فهو العقل. . وبحث فى السعادة مبحثا تأثر فيه أيضا بالتصوف تحدث فيه عن شروطها ودرجاتها، وصرّح فى قوة بأن اللذات العقلية والروحية تفوق اللذات المادية الجسمية، وأن السعادة لا تطلب لغاية وراءها وإنما تطلب لذاتها، وأداتها فى رأيه الأفعال والأخلاق الجميلة، وهى لا تدرك إلا إذا تحررت النفس الناطقة من أغلال المادة والشهوات. ويصرّح فى كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة بأن الحاكم ينبغى أن يكون متحليا بكل الفضائل الإسلامية والفلسفية متجنبا اللذات الجسمية، إذ فيه تتمثل المدينة بخيرها وشرها، فإذا كان خيرا فاضلا كانت المدينة فاضلة، وإذا كان شرّيرا فاسقا انهارت المدنية وفسد الحكم فيها فسادا شديدا. وهو يذكر النبوة كثيرا، وهى عنده أعلى مرتبة يبلغها الإنسان فى العلم والعمل، وهو يضعها-كى يوضحها-فى مرتبة وسطى بين الإدراك الحسى

стр. 1614

والمعرفة العقلية الخالصة. ونحن إنما لمسنا السطح فقط لنصور فلسفة الفارابى، وهى فلسفة إسلامية عقلية استمدّت من روحانية الإسلام ومن نظريات العقل ومن أفكار الفلاسفة وخاصة أرسطو وأفلاطون مازجة بين هذه العناصر جميعا، مستخلصة منها فلسفتنا الإسلامية الوسيطة وأصولها السديدة. ٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ رأينا فى كتاب العصر العباسى الأول مدى التنافس الذى نشب بين علماء البصرة والكوفة فى جمع اللغة وكيف كانوا يرحلون إلى نجد والبوادى ومعهم قوارير المداد وأحمال الصحف ليدوّنوا كلمات اللغة من ينابيعها الأصلية. وقد مضى كثيرون من علماء البلدتين وتلاميذهما ببغداد فى هذا العصر يخرجون إلى البادية ونجد لمشافهة الأعراب والسماع منهم لما يجرى على ألسنتهم من أقوال وأشعار وأضافوا إلى ذلك ما سمعوه من أساتذتهم الأصمعى والمفضل الضبى وأبى زيد وأضرابهم. وأخذ تلاميذهم يحملون عنهم رواياتهم، وسرعان ما تكوّن فى هذا العصر السند. إذ يقول العالم اللغوى مثل الأشناندى أبى عثمان سعيد بن هرون المتوفى سنة ٢٨٨: عن التوّزى أبى محمد عبد الله بن محمد بن هرون المتوفى سنة ٢٣٣ عن أبى نصر أحمد ابن حاتم الباهلى عن الأصمعى. ومعروف أن علم الأصمعى حمله مع أحمد بن حاتم جماعة منهم الأثرم أبو الحسن على بن المغيرة المتوفى سنة ٢٣١ والزيادى أبو إسحق إبراهيم بن سفيان المتوفى سنة ٢٤٩ والرياشى العباس بن الفرج المتوفى سنة ٢٥٧. وكل أولئك وأضرابهم من رواة اللغويين القدماء كانوا يعتمدون قبل كل شئ على الإملاء، وكان تلاميذهم يحرصون عليه مخافة دخول غلط عليهم فى قراءة النصوص. ومع ذلك كان منهم من يأخذ أحيانا عن الكتب، وكانوا يميزونه من سواه، خشية أن يكون قد صحّف فيما قرأ، واتسع التصحيف حتى ألف فيه العلماء كتبا مفردة. وجعلهم الاهتمام بالسند يتأثرون برجال الحديث فى تجريح الرواة وتعديلهم، وكان علماء البصرة فى ذلك أشد تحرجا من علماء الكوفة وبغداد، وبالمثل تأثروا بهم فى تلقيب بعض الروايات بألقاب الجودة والضعف، ويؤثر عن ابن الأنبارى

стр. 1615

الكوفى المتوفى سنة ٣٢٨ قوله: «الكلمات قسمان: كلمات متواترة وآحاد، فأما المتواترة فلغة القرآن وما تواتر من السنّة وكلام العرب، وهذا قطعى يفيد العلم، وأما الآحاد فما تفرّد بنقله بعض أهل اللغة ولم يوجد فيه شرط التواتر (١)». وكانوا يجمعون فيما يملونه أشتاتا من بعض أقوال العرب وأشعارهم وأقاصيصهم، ومما يصور ذلك مجالس ثعلب الكوفى المتوفى سنة ٢٩١. وأحيانا كانوا يؤلفون الكتاب فى أقوال وأشعار وأمثال حيثما اتفق مثل مجالس ثعلب، وأحيانا يجمعون كلمات فى موضوع واحد مثل كتاب المذكر والمؤنث ليعقوب بن السكيت الكوفى المتوفى سنة ٢٤٣ وكتاب النخل وكتاب الطير لأبى حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستانى البصرى المتوفى سنة ٢٥٠. وكان طبيعيّا أن تظهر حينئذ معاجم تحصى كلمات اللغة إحصاء دقيقا دالة على معانيها، ولم يلبث أن تداول الورّاقون معجم العين المنسوب إلى الخليل حتى إذا كان ابن دريد محمد بن الحسن البصرى المتوفى سنة ٣٢١ وجدناه يؤلف معجمه اللغوى الكبير: الجمهرة فى اللغة، وعلى الرغم من نقد القدماء له وقول نفطويه الكوفى معاصره المتوفى سنة ٣٢٨ إنه ليس أكثر من تحريف لمعجم العين للخليل يعدّ عملا باهرا. ودفعتهم فكرة تعليم اللغة للناشئة إلى أن يجمعوا كثيرا من الألفاظ والعبارات الغريبة فى طائفة من الموضوعات والمعانى ويؤلفوا فيها كتابا مثل كتاب الألفاظ لابن السكيت، وهو يحتوى كثيرا من أبيات الرجز المسرفة فى الغرابة ومن الألفاظ المهجورة، وهو جانب يميز اللغويين الكوفيين إذ كانوا يكثرون من رواية الغريب المهجور فى مصنفاتهم. وعنوا فى هذا العصر أشد العناية بجمع دواوين الشعر القديم جمعا علميّا، عماده التوثق والتحقيق، وهو عمل يعدّ متمما لما نهض به فى العصر الماضى المفضل الضبى والأصمعى وابن الأعرابى، وكانوا يضيفون إلى الدواوين غالبا شروحا للتوضيح، ويشتهر فى هذا المجال محمد بن حبيب البصرى وثعلب الكوفى والسكرى أبو سعيد الحسن بن الحسين البصرى تلميذ الرياشى وأصغر تلاميذ الأصمعى المتوفى سنة ٢٧٥ وكان شديد الطموح، فلم يكتف بجمع دواوين طائفة كبيرة من الشعراء، بل مضى يجمع دواوين القبائل، ويقال إنه جمع منها نيفا وثمانين، لم يبق الزمن منها إلا قطعا من ديوان هذيل

стр. 1616

نشرت فى خمس مجموعات أربع منها فى أوربا وواحدة طبعت فى دار الكتب المصرية، ودائما نراه يذكر ما اختلف فيه أئمة البصريين والكوفيين فى رواية أبيات وألفاظها المختلفة. وصنفوا كثيرا من المختارات الشعرية، وكان مما صنفوه فى العصر الماضى المعلقات والمفضليات والأصمعيات، أما فى هذا العصر فمن أهم ما صنفوه من كتب الاختيارات جمهرة أشعار العرب لأبى زيد محمد بن أبى الخطاب القرشى، ولا تعلم سنة وفاته بالضبط، ولكن الوسائط فى مقدمته لكتابه بينه وبين علماء القرن الثانى جيلان أو ثلاثة مما يؤكد أنه عاش فى أواخر القرن الثالث الهجرى، ومختاراته تضم تسعا وأربعين قصيدة موزعة على سبعة أقسام، فى كل قسم سبع قصائد، والقسم الأول خاص بالمعلقات، وتغلب القصائد الجاهلية على المجموعة، وتمتاز بالقصائد الطويلة. ويعنى ابن الأنبارى بشرح مفصل على المفضليات يسوق فيه الفروق بين الروايتين البصرية والكوفية لأبيات هذه المجموعة الكبيرة. وعنى حينئذ شاعران بعمل ديوانين للحماسة هما أبو تمام والبحترى، وكأن اللغويين جعلوا فكرة الاختيار من الشعر القديم والحديث تعمّ فى جميع البيئات. وظهرت عندهم بقوة فكرة عمل مختارات من الشعر والنثر تقرّ بهما من أفهام الشباب والناشئين عامة، فصنع المبرد كتابه «الكامل» وبه مختارات كثيرة ذلّلها ويسرّها لشداة الأدب واللغة. وكأنما أحسّ الجاحظ وابن قتيبة، كما مر بنا، أن غاية اللغويين من هذا التيسير والتذليل لا تزال أبعد من أن يحققوها، لأن فكرة التعليم اللغوى من أجل اللغة قبل كل شئ لا تزال غالبة عليهم، فألف الجاحظ البيان والتبيين ليدخل على هذه الفكرة الأفكار الجمالية والبلاغية، وألف ابن قتيبة كتابه عيون الأخبار ليدخل بدوره عليها الأفكار الفارسية واليونانية، مازجا بينها مزجا يثير رغبة الناشئة والشباب فى قراءته، وألف بجانبه مصنفه «أدب الكاتب» ليضرم فى قلوبهم الحمية للفصحى وتنقية اللغة مما لابسها أو يكاد يلابسها من الشوائب الأعجمية والعامية. وألّفت فى العصر كتب كثيرة (١) تصوّر ما يلحن فيه العامة، منها ما هو لأحمد بن حاتم الذى مر ذكره أو لأبى حاتم السجستانى أو للمازنى أبى عثمان بكر بن محمد البصرى المتوفى سنة ٢٤٩ أو للمفضل بن سلمة

стр. 1617

الكوفى المتوفى سنة ٢٩٠ ونيف بقصد جذب الشباب والمتأدبين إلى دوائر الفصحى. وللغاية نفسها ألف ثعلب كتابه «الفصيح» جامعا فيه كثيرا من الصياغات الفصيحة الناصعة، كما ألف عبد الرحمن بن عيسى الهمذانى المتوفى سنة ٣٢٧ (١) مصنّفه «الألفاظ الكتابية» وهى عقود نظم فيها دررا من الصياغات البليغة الزاخرة بحيوية دافقة: وعلى غرارها ما جمعه قدامة بن جعفر المتوفى سنة ٣٣٧ فى كتابه «جواهر الألفاظ» وبذلك بثّ اللغويون فى نفوس كثيرين مشاركتهم فى تحبيب العربية للناشئة والشباب المتأدبين بوسائل كثيرة. ومنها وسيلة لم نتحدث حتى الآن عنها، ونقصد ما حاوله بعض اللغويين من اتخاذ بعض القصص وسيلة تعليمية، إذ كانوا يقصون بعض حكايات عن الأعراب، مدمجين فيها بعض ألفاظ غريبة كى يسهل على الناشئة حفظها، وممن اشتهر باتخاذ هذه الوسيلة التعليمية ابن دريد إذ ألف أربعين أقصوصة قصيرة-كان يسمى كلا منها حديثا- (٢) لغرض التعليم اللغوى وتبسيطه وتيسيره، وبذلك أوحى لبديع الزمان أن يؤلف فيما بعد مقاماته مبتغيا بها الوجهة التعليمية نفسها. ومن يرجع إلى كتابنا «المدارس النحوية» يطلع فى وضوح على نشاط النحاة فى العصر، فقد كانت المدرستان البصرية والكوفية قائمتين، وأخذت المدرسة البغدادية طريقها إلى الظهور بأخرة من العصر. وإلى المدرسة البصرية يرجع الفضل فى إقامة صرح النحو العربى بكل ما يتصل به من قواعد، لا فى هذا العصر بل فى العصر السابق له، وخاصة منذ الخليل بن أحمد، فهو الذى صاغه فى صورته العامة المعروفة بأبوابه وعوامله ومعمولاته وكل ما سند بناءه من سماع وتعليل وقياس قويم. وأتمّ سيبويه صنيعه فى مصنفه «الكتاب» الذى عدّه النحاة آية كبرى لا سابقة لها ولا لاحقة. وخلفه الأخفش الأوسط، ففسح للغات والقراءات الشاذة محتجّا لها ومدافعا دفاعا سديدا. وفى هذه الأثناء استطاع الكسائى وتلميذه الفرّاء أن يشيدا فى الكوفة مدرسة نحوية، تعتمد على صورة النحو البصرى العامة وتستقل بطوابع تميزها، من حيث بسط القياس وقبضه ومن حيث الاتساع فى الرواية ومن

стр. 1618

حيث وضع بعض المصطلحات الجديدة، ومن حيث تلقيب بعض العوامل والمعمولات، وعنى الفرّاء خاصة بإنكار بعض القراءات الشاذة. وعلى هذه الشاكلة لا ينتهى العصر العباسى الأول، حتى تكون المدرستان البصرية والكوفية تميّزتا تميزا تامّا، وكان أهم الأئمة البصريين فى هذا العصر المازنى والمبرد، أما المازنى فهو بكر (١) بن محمد الملقب بأبى عثمان المتوفّى كما مر آنفا سنة ٢٤٩ وهو تلميذ الأخفش الأوسط، وكان لسنا قوى الحجة، وله مناظرات مأثورة مع ابن السكيت وغيره من الكوفيين أفحمهم فيها بأدلته القاطعة، وعاش يدرس لطلابه وتلاميذه كتاب سيبويه، وله حوله تعليقات وشروح عدة، منها تفاسير كتاب سيبويه والديباج فى جوامعه، وصنف فى علل النحو كتابا، وعنى بالتصريف عناية واسعة جعلته يخصه بكتاب التصريف، ولابن جنى عليه شرح مبسوط سماه «المنصف». وفى كتاب «المدارس النحوية» طائفة من آرائه فى النحو احتفظ بها النحاة فى مصنفاتهم، وهو أول من أعطى علم التصريف صيغته النهائية فى كتابه السالف ذكره، ويقول فى مطالعه بعد ذكره أمثلة الأسماء والأفعال المجردة والمزيدة: «إنما كتبت لك فى صدر هذا الكتاب هذه الأمثلة (الأبنية) لتعلم كيف مذاهب العرب فيما بنت من الأسماء والأفعال، فإذا سئلت عن مسألة فانظر هل بنت العرب على مثالها، فإن كانت بنت فابن مثل ما بنت. . . وسأصنع لك من كل شئ من هذا الباب رسما تقيس عليه ما كان مثله (٢)». وهو يعدّ أول من فتح بقوة باب التمارين غير العملية فى الصرف، إذ نراه يبنى من ضرب على مثال جعفر أو على مثال سفرجل وما إلى ذلك من أبنية غير مستعملة فى اللغة (٣). وكان يتشدد فى الأخذ بالقياس، مما جعله يردّ-على هدى الفرّاء- بعض القراءات التى تشذ على قواعد النحو ومقاييسه (٤). وأنبه تلاميذه المبرد محمد (٥) ابن يزيد الأزدى إمام نحاة البصرة لزمنه المتوفى سنة ٢٨٥ وهو آخر أئمتهم المهمين،

стр. 1619

وفيه يقول ابن جنى: «كان يعدّ جيلا فى العلم، وإليه أفضت مقالات أصحابنا (البصريين) وهو الذى نقلها وحرّرها وأجرى الفروع والعلل والمقاييس عليها (١)» وكان يشرح لتلاميذه كتاب سيبويه وكتب الأخفش والمازنى وله مصنفات كثيرة، منها كتاب الكامل فى اللغة والأدب الذى أشرنا إليه فيما أسلفنا من حديث وكتاب المقتضب فى النحو المطبوع فى القاهرة بتحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، وهو كتاب نفيس، وطبع له كتابه «الفاضل» ونسب عدنان وقحطان، وسقطت من يد الزمن مصنفات له كثيرة. وأهميته فى تاريخ النحو البصرى إنما ترجع-كما لاحظ ابن جنى-إلى أنه حرّر مسائل النحو البصرى وقواعده، وإلى أنه اشتق من أصوله فروعا كثيرة، وإلى أنه بسط فيه كثيرا من العلل والمقاييس التى لم يسبق إليها، وقد نفذ إلى كثير من التعريفات والآراء المبتكرة فى العوامل المحذوفة والمضمرة والملفوظة، وبالمثل فى المعمولات ومواقعها فى الإعراب، واستكثر من العلل كثرة مفرطة، فكل رأى لا بد له من علة أو علل تسنده، كما استكثر من القياس، مع اعتداده بالسماع عن العرب ومع حس أدبى دقيق فى التذوق اللغوى. وله تلاميذ كثيرون، لعل أهمهم الزجاج إبراهيم بن السرىّ المتوفى سنة ٣١٠ وهو امتداد له فى عنايته بكتاب سيبويه وفى تصنيفه لبعض الكتب النحوية وفى محاولته النفوذ إلى بعض الآراء المبتكرة مع العناية بالتعليل والقياس. ومن تلاميذه المهمين ابن السراج أبو بكر محمد بن السرىّ المتوفى سنة ٣١٦ وقد عكف على المنطق حتى أتقنه، وعاش يقرأ لتلاميذه كتاب سيبويه وفى مقدمتهم السيرافى وأبو على الفارسى، وله كتاب الأصول عنى فيه عناية واسعة بعلل النحو ومقاييسه، انتزعه من كتاب سيبويه، وأثر دراسته للمنطق واضحة فيه وفى تقاسيمه. وإذا تركنا المدرسة البصرية إلى المدرسة الكوفية وجدنا لها إماما مشهورا فى هذا العصر هو ثعلب (٢) أبو العباس أحمد بن يحيى المتوفى سنة ٢٩١ وقد قرأ على شاكلة أستاذيه الكسائى والفراء كتاب سيبويه وكتب الأخفش، وأضاف إلى ذلك زادا كبيرا حصّله من الشعر القديم ودواوينه ومن القراءات والحديث النبوى. وذكر

стр. 1620

مترجموه له مصنفات كثيرة فى النحو واللغة والقراءات والأمثال والمنتخبات الشعرية والنثرية، وقد وصلنا منها «الفصيح» الذى عرض له فى غير هذا الموضع والذى ابتغى به تقويم ألسنة المبتدئين. وطبع له كتابه «المجالس» وهو إملاءات لمختارات شعرية ونثرية تكتظ بالنحو والأشعار الغريبة والشاذة والقراءات والأمثال والأخبار والأقوال المنثورة. وصنع طائفة كبيرة من الدواوين القديمة. ومن يرجع إلى كتابه المجالس وما تناثر فى كتب النحاة له من آراء يجده يطبق تطبيقا دقيقا آراء أستاذه الفراء وأستاذيهما جميعا الكسائى وكل ما أصّلاه لمدرستهما الكوفية من أصول فى النحو ومن مصطلحات وألقاب جديدة وما كانا يأخذان به أنفسهما من التوسع فى الرواية عن العرب والاعتداد بالشواذ اللغوية. وله كتاب مطبوع يسمى قواعد الشعر، وسنتعرض له فى حديثنا عن البلاغة والنقد. وله-مثل المبرد منافسه- تلاميذ كثيرون، لعل أهمهم أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارى المتوفى-كما مر بنا- سنة ٣٢٨، وتضاف إليه مصنفات كثيرة فى غريب الحديث وعلوم القرآن وفى اللغة وكتابه الأضداد فيها مطبوع وأيضا فى النحو. وعنى مثل أستاذه بإخراج الدواوين الشعرية القديمة، وسبق أن تحدثنا عن شرحه للمفضليات، وهو ملئ بمعارفه الواسعة فى اللغة والأشعار والأخبار. وكان-فيما يظهر-مثقفا ثقافة منطقية، فدعم النحو الكوفى بكثير من العلل السديدة. وتنشأ بأخرة من العصر المدرسة البغدادية متميزة بمنهجها القائم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية مع النفوذ إلى كثير من الآراء المبتكرة، وقد تداولها جيلان: جيل مبكر كانت تغلب عليه النزعة الكوفية من أمثال ابن كيسان، وجيل تال كانت تغلب عليه النزعة البصرية من أمثال الزجاجى. ولكى تتضح المدرسة وهاتان النزعتان نقف قليلا عند ابن كيسان والزجاجى. أما ابن كيسان (١) فهو أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان المتوفى سنة ٢٩٩ وهو تلميذ ثعلب والمبرد؛ وأهلّه ذلك لكى ينتخب من آرائهما آراءه النحوية، ولم يكتف بذلك فقد حاول النفوذ إلى بعض الآراء الجديدة، وكان فى أول أمره كوفيّا، فعنى ببسط

стр. 1621

العلل لآراء الأئمة الكوفيين، تسعفه فى ذلك ثقافة منطقية عميقة، وجعله ذلك يصطبغ بصبغة كوفية، حتى بعد استقلاله عن تلك المدرسة، وقد ألف فيها وفى المدرسة البصرية كتابه «اختلاف البصريين والكوفيين» وله وراءه كتب فى النحو والتصريف، وكتاب مهم فى علل النحو قال القدماء إنه كان يقع فى ثلاثة مجلدات، ولعله هو الذى عرض فيه احتجاجاته لآراء المدرسة الكوفية. ويعرض كتاب المدارس النحوية ما اختاره من آراء المدرسة البصرية وكذلك من آراء المدرسة الكوفية، ثم ما نفذ إليه من آراء اجتهادية انفرد بها من دون غيره من أئمة المدرستين. وهو بذلك مثل دقيق من أمثلة المدرسة البغدادية التى كانت تمزج بين آراء المدرستين السالفتين وتحاول أن تتخذ لنفسها آراء جديدة فريدة. والزجاجى (١) هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحق المتوفى سنة ٣٣٧ تلميذ الزجاج البصرى، وله مصنفات كثيرة، طبع منها كتاب الجمل وهو مختصر فى النحو كانت له شهرة مدوّية فى العصور الوسطى وشرح شروحا لا تكاد تحصى، وطبع أيضا له أماليه الوسطى مع تعليقات للشنقيطى، ومجالس العلماء وهى مناظرات بينهم فى مسائل لغوية ونحوية، وكتاب الإيضاح فى علل النحو، وقد عرض فيه علل النحو عند البصريين والكوفيين ملاحظا أن ابن كيسان وأضرابه من الجيل البغدادى الأول هم الذين وضعوا للنحو الكوفى أكثر علله واحتجاجاته، وقد يضيف من عنده وجوها من العلل، يدعم بها العلل الكوفية والبصرية جميعا. وهو بالمثل فى النحو ينتخب من آراء الطرفين ويضيف آراء جديدة، وإذا كان ابن كيسان تتضح عنده نزعة كوفية فالزجاجى على العكس تتضح عنده نزعة بصرية، إذ كثيرا ما يقف مع البصريين مناضلا مدافعا، وكأنه كان إرهاصا لغلبة النزعة البصرية على النزعة الكوفية فى المدرسة البغدادية، على نحو ما سيتضح فيما بعد عند أبى على الفارسى وابن جنى. ونشطت فى العصر الأنظار البلاغية، وفى كتابنا «البلاغة تطور وتاريخ» ما يصور مراحل نشأتها فى العصر العباسى الأول ونموها فى هذا العصر، فقد مضى كثيرون من الكتّاب مثل ابن المقفع ومن الشعراء مثل بشار يبدون بعض

стр. 1622

ملاحظات بلاغية على ما يكسب الكلام حسنا وجمالا حتى إذا ظهر مسلم بن الوليد اتخذ ما اكتشفه الأدباء من محسنات مذهبا وأطلق عليه لأول مرة اسم البديع، وكان يشمل وجوه حسن بيانية وبديعية، وأخذ اللغويون من أمثال الأصمعى وأبى عبيدة فى هذه الأثناء يبدون بعض ملاحظات على وجوه الحسن فى الكلام، وألف الأصمعى كتابا فى التجنيس وسجل بعض ألوان هنا وهناك مثل الطباق والالتفات، فى حين عنى أبو عبيدة معاصره-وخاصة فى كتابه «مجاز القرآن-ببيان بعض الخصائص البلاغية مثل التقديم والتأخير والتشبيه والكناية والاستعارة. وأخذ المتكلمون-وخاصة المعتزلة-يعنون بالبحث فى وجوه البلاغة، وجعلهم ذلك يحاولون التعرف على ما عند الأمم الأجنبية منها وأضافوا إليه كثيرا من ملاحظاتهم. ومضى اللغويون والأدباء طوال القرن الثالث للهجرة يحاولون التعرف على مواطن الجمال والبلاغة فى الكلام، ونثر ابن قتيبة فى كتابه: «تأويل مشكل القرآن» ملاحظات متنوعة عن الخصائص البيانية والأسلوبية، على حين ألم المبرد فى كتابه «الكامل» بالكناية والتشبيه، وفصّل القول فيهما تفصيلا جيدا، وانسابت من ذلك كله مسارب إلى كتاب قواعد الشعر لثعلب. غير أن هذه الجهود كلها ليست شيئا بالقياس إلى ما نثره الجاحظ المعتزلى المتكلم المتوفى سنة ٢٥٥ فى كتابيه «البيان والتبيين» و «الحيوان» وهو يتحدث طويلا عن فكرة مطابقة الكلام لمقتضى الحال التى شاعت فيما بعد عند البلاغيين، ويتسع فى الحديث عن الإيجاز والإطناب ومواضعهما وعن أصوات الكلام وموسيقاه ومواقع الألفاظ ومواضعها التى لا تعدوها وعن السجع والازدواج والاقتباس، وحلل الاستعارة بأقسامها المختلفة تحليلا بديعا، وألم بالتشبيه وبكثير من فنون البديع واستنبط فنّا جديدا منها هو المذهب الكلامى. وبذلك كان يعدّ المؤسس الحقيقى لمباحث البلاغة العربية. وأخذت تتضح منذ مطالع العصر بيئات (١) ثلاث تتناول كل منها البلاغة تناولا متميزا، وهى بيئة اللغويين المحافظين وبيئة المتفلسفين والمترجمين المجددين وبيئة المعتزلة المعتدلين، أما البيئة الأولى فكانت تحاول بكل ما استطاعت

стр. 1623

أن تفرض المثال العربىّ القديم، فهو النموذج الذى يحسن أن يحاكى، وكل ما سواه غثّ سقيم، وأخذت تتجه إلى ملاحظات نحوية ولغوية مدرسية على نحو ما يتضح فى كتاب الموشح للمرزبانى. وأما البيئة الثانية بيئة المتفلسفة والمترجمين فكانت مجددة مسرفة فى التجديد، إذ رأت من الواجب أن تتخذ الفلسفة اليونانية ومعايير اليونان البلاغية أصولا فى تقويم البلاغة العربية، مما جعل البيئة اللغوية تعلن النكير عليها وكان يقف معها أصحاب البلاغة العربية الخالصة وكانوا أكثر نفرا وأنصارا لما قلناه فى غير هذا الموضع من أنه سادت فى العصر نزعة محافظة غلبت فيه على كل شئ وكان طبيعيا أن تغلب على الذوق الأدبى العام. وكان المتكلمون-وفى مقدمتهم المعتزلة- يقفون موقفا معتدلا بين الطرفين المتعارضين، إذ يقرءون ما لدى الأجانب من مقاييس بلاغية ويقرنونه إلى أنظار العرب فى البلاغة، بل إنهم يخضعونه للذوق العربى الأصيل ومقاييسه على نحو ما يتضح عند الجاحظ فى كتابه البيان والتبيين، وبذلك التحموا بالبيئة اللغوية المحافظة. وكان حريا بالمتفلسفين ورفقائهم من المترجمين أن يثوبوا إلى رشدهم وينضموا إلى المتكلمين فى موقفهم السديد، ولكن المسألة لم تكن مسألة عقلية أو منطقية يحتكم فيها إلى المنطق والعقل، بل كانت مسألة شعوبية، فهى التى أمدّتهم فى هذا الموقف بوقود جزل من الخصام والجدال والحجاج، وكانوا لا يزالون يدّعون أن كل ما شغف به الشعراء لهذا العصر من محسنات بيانية وبديعية إنما مرده إلى البلاغة اليونانية، ولذلك تصدى لهم ابن المعتز فى كتابه «البديع» يثبت أن فنونه التى يلهجون بها فنون عربية خالصة، إذ تتعمق فى القدم حتى العصر الجاهلى، وكل ما لا محدثين من أمثال بشار وأبى تمام إنما هو الإكثار منها، وهو إكثار جعلهم-كما يقول-يحسنون فيها تارة، وتارة يسيئون إساءة شديدة. ومضى فى الكتاب يدرس فنونه الأساسية، وهى عنده خمسة، الاستعارة والتجنيس والطباق ورد الأعجاز على ما تقدمها والمذهب الكلامى، وإنما خص هذه الفنون بالدراسة لأنها كانت موضع الأخذ والرد بين أصحاب الفلسفة وأصحاب البلاغة العربية الخالصة. على أنه لم يلبث أن ضم إليها ثلاثة عشر فنا بسطها بسطا، وهى الالتفات والاعتراض والرجوع والخروج من معنى إلى معنى وتأكيد المدح بما يشبه الذم وتجاهل العارف والهزل يراد به الجد وحسن التضمين والتعريض

стр. 1624

والكناية والإفراط فى الصفة أو المبالغة وإعنات الشاعر نفسه فى القوافى أو ما سمى فيما بعد باسم لزوم ما لا يلزم وحسن الابتداءات. ويمكن أن نضم إلى هذا المبحث المفصل فى البديع وفنونه مبحثا لابن طباطبا المتوفى سنة ٣٢٢ فى كتابه «عيار الشعر» جعل موضوعه التشبيه، مفصلا القول فى أنواعه تفصيلا دقيقا. ولم تقف البيئة الفلسفية مكتوفة الأيدى أمام ابن المعتز وكتابه البديع، فقد تجرّد منهم كثيرون لنقل كتابى الشعر والخطابة لأرسطو، واشتهر نقل متّى بن يونس لأولهما ونقل إسحق بن حنين لثانيهما. ولم يلبث قدامة المتوفى سنة ٣٣٧ الذى اشتهر حينئذ بثقافته الفلسفية أن حاول صنع تشريع لبلاغة الشعر العربى مستضيئا من حين إلى حين بما كتبه أرسطو فى كتابه الشعر، وسمّى صنيعه «نقد الشعر». ولن نعرض الآن لما فى الكتاب من نقد فسنعرض له عما قليل، إنما نعرض لما فيه من حديث عن المحسنات البديعية، وقد حاول جاهدا أن يبدّل ويعدل فى بعض المصطلحات التى وضعها ابن المعتز معارضة له، وكأنه إنما ألّف كتابه محادّة لكتاب البديع، واستطاع أن يضيف إلى محسنات ابن المعتز الثمانية عشر ثلاثة عشر محسنا جديدا أهمها الترصيع والغلو وصحة التقسيم وصحة المقابلات وصحة التفسير والتتميم والمبالغة والإشارة والإرداف والتمثيل. وبعضها يتداخل مع محسنات ابن المعتز. وكتاب ثان أنتجته بيئة المتفلسفة هو كتاب البرهان فى وجوه البيان لإسحق ابن سليمان بن وهب، وكان معاصرا لقدامة، ويتضح فيه أنه يريد أن يخضع البلاغة العربية للبلاغة اليونانية وما كتبه فيها أرسطو عن الشعر والخطابة بأقوى مما حاول قدامة، حتى لنراه يضيف إلى انتفاعه بكتابى أرسطو السالفين كتابيه فى المنطق والجدل، مازجا ذلك بمباحث المتكلمين وفقهاء الشيعة، وكأنما تستعجم البلاغة عنده، وقد حاول أن يطبق بعض ما ذكره أرسطو من وجوه البلاغة، ولكنه فاته فى كثير من الأحوال أن يحسن هذا التطبيق، واقترح بعض ألقاب ومصطلحات جديدة لم يكتب لها الذيوع كما كتب لنظائرها عند قدامة وابن المعتز، ويبدو أن أصحاب البلاغة العربية التالين ضاقوا به وبكتابه، فلم يذكروه ولم ينقلوا عنه. وكان ذلك سببا فيما بعد، لأن ينصرف الناس عن هذه البلاغة الأعجمية وأذواق أصحابها المتفلسفين، وأن يستميلهم المتكلمون المعتدلون ببحوثهم البلاغية،

стр. 1625

حتى ليسيطروا ببحوثهم على العصور والأجيال التالية. وإذا كانت البلاغة خطت خطوات واسعة فى سبيل تحولها إلى علم فى هذا العصر فكذلك النقد خطا بدوره خطوات كثيرة نحو تقنين مسائله، ولا بد من ملاحظتين قبل الحديث فيه، أولاهما أن أكثر الكتب التى عرضنا لها فى البلاغة عرضت له، وثانيتهما أن البيئات اللغوية والاعتزالية والفلسفية التى تحدثنا عنها فى البلاغة هى نفسها التى حاولت أن تشرّع النقد وأن تضع له معاييره ومقاييسه. وأولى هذه البيئات البيئة اللغوية المحافظة، وقد هاجم الجاحظ ذوقها فى غير موضع من كتاباته (١)، ولعله كان يأخذ عليها اهتمامها بالغريب فى الأشعار ونسيانها أو إهمالها جوانب الجمال والبلاغة فيها، مما جعله يؤلف كتابه «البيان والتبيين» على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. ومن المحقق أن روحها كانت محافظة، ولكن من المحقق أيضا أنها هى التى نقدت الشعر القديم لأول العهد به، وهى التى ميزت وثيقه من منحوله، مع كثير من الأحكام واللفتات النقدية الجديدة، ولعل كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام المتوفى سنة ٢٣١ خير ما يصور عمل هذه البيئة المحافظة حتى عصره، ونراه يعرض فيه قضية الانتحال فى الشعر القديم عرضا علميّا رائعا، موضحا عبث القبائل والرواة المختلفين به ومدى ما دخله من فساد، ثم تقدم يضع الشعراء فى طبقات حسب جودتهم الفنية، راويا لكل منهم كثيرا مما صححته البصرة له وخاصة فى العصر الجاهلى. ونمضى إلى العصر العباسى الثانى فنلتقى بثعلب وكتابه «قواعد الشعر» وهو كتيّب مدرسى جافّ وزّع فيه الشعر توزيعا نحويّا على أربعة أنواع: أمر ونهى وخبر واستخبار، وتحدث عما تجرى فيه من أغراض الشعر ومن التشبيه، وعرض لبعض ملاحظات نقدية سطحية، وليس فى الكتاب نظرية نقدية، إنما هى لمحات سريعة، وقد سمى الطباق الأضداد وسمى الجناس المطابق، وتابعه فى التسمية الأخيرة قدامة. والكتاب لا يضيف إلى النقد العربى شيئا ذا قيمة يمكن الوقوف عنده. وفى الحق أن البيئة اللغوية أخذت تتخلف فى مجال النقد، على نحو ما تخلفت فى مجال الدراسات البلاغية، إذ لم يعد يلقانا فيها سوى ملاحظات طائرة كأن نجد عند المبرد فى كتابه «الكامل» كلمة هنا أو هناك

стр. 1626

عن صحة المعنى أو جزالة اللفظ أو رداءته أو عوار الفكرة أو استغلاقها أو ضرورة الشعر والموسيقى، وشركه فى مثل هذه الملاحظات كثير من اللغويين بحيث نراهم يخصصون كتبا فى أخطاء الشعراء مثل كتاب أخطاء أبى تمام فى الألفاظ والمعانى لأحمد بن عبيد الله بن عمار المتوفى سنة ٣١٩. وإذا كانت البيئة اللغوية لم تستطع أن تتطور مع روح العصر فى نقدها، بل ظلت به عند نقد لغوى جاف لا يكوّن نظرية ولا ما يشبه نظرية فإن بيئة المعتزلة استطاعت أن تتمثل فى نقدها روح العصر مع المحافظة على روح العربية والتقاليد الموروثة، ومر بنا فى الحديث عن البلاغة أنها كانت توازن بين معايير البلاغة اليونانية ومعاييرها العربية وأنها لم تحاول أن تعلى الأولى على الثانية، إنما حاولت أن تفيد منها بدون أن تطغى على الفكر العربى وبيانه وبلاغته. ويمكن أن يلاحظ ذلك بوضوح عند بشر بن المعتمر المعتزلى المشهور وقرينه أو معاصره الجاحظ، أما بشر فنراه فى الصحيفة التى دوّنها له الجاحظ فى البيان (١) يدعو إلى الملاءمة بين الكلام وأحوال السامعين ونفسياتهم، وهى فكرة مطابقة الكلام لمقتضى الحال التى كانت شائعة عند اليونان فى أحاديثهم عن البلاغة والنقد، كما يدعو إلى البعد عن التكلف واستكراه المعانى والألفاظ وتجنب الغريب المتوعر فى الألفاظ والتراكيب، وينفذ إلى فكرة طريفة هى أن شرف المعنى لا يرجع إلى أنه من معانى الخاصة أو من معانى العامة، فكلّ فى موضعه شريف، ومدار الشرف على الملاءمة بين الكلام ومقامه، ويدعو فى قوة إلى تبسيط الأسلوب وجعله فى لغة وسطى بين لغة البدو الجافة الخشنة وبين لغة العامة المسفّة المبتذلة. ويخلفه الجاحظ، وتستعر نار المتفلسفة والشعوبية جميعا، فينادى بأن مدار الجمال فى القرآن الكريم إنما يعود إلى نظمه الذى تنقطع الرقاب دون محاكاته، ويمدّ فى قوة ملاحظة بشر عن اللغة الوسطى، حتى يتلاءم مع الحداثة ومع روح العصر، فالألفاظ يجب ألا تكون ساقطة عامية ولا غريبة وحشية، ويجب أن يلائم الخطيب بين كلامه والسامعين فلا يورد خطيب على الجماهير اصطلاحات المتكلمين، وللإيجاز موضع وللإطناب موضع

стр. 1627

لا فى الألفاظ وحدها، بل أيضا فى الأساليب، ويلاحظ أن للأديب شاعرا أو ناثرا معجمه اللغوى الخاص، وهى ملاحظة دقيقة، وعرض طويلا للفظ وفصاحته وجزالته ورقته وتناسبه مع ما قبله وما بعده فى الكلام حتى لكأن واشجة من الرحم تربط بينه وبين الأسرة اللفظية التى يسلك فيها. وأنكر الترادف ذاهبا إلى أن لكل لفظة معناها الخاص الذى يفترق قليلا أو كثيرا عن معنى أو معانى مرادفها، وعاب مرارا التكلف وفرق بينه وبين التنقيح. وجعله إعجابه باللفظ المونق يشيد به مضائلا من المعانى وقيمتها، وكأنما كان يريد أن يسقط إلى الأبد ما تقوله الشعوبية عن كثرة المعانى فى الآداب الأعجمية؛ وكذلك ما تقوله البيئة المتفلسفة عن المعانى الفلسفية اليونانية، إذ هى تحمل أفكارا صحيحة، ولكن ينقصها جمال الصياغة وحسن السبك والرصف والنظم. ومع إعجابه بالشعر العربى القديم كان يعجب بالشعر الحديث، حتى ليفضّل أبا نواس على كل من سبقه من الشعراء (١). وهو معنى ما نقول من اعتدال المعتزلة وأنهم كانوا يوازنون بين القديم والحديث وبين معايير النقد العربى واليونانى ملائمين بين ذلك كله نافذين إلى نقد عربى عباسى حديث. وأفاد ابن قتيبة من نظرات الجاحظ النقدية إفادة واسعة، مع أنه لم يكن من المعتزلة بل كان من أهل السنة، ولكنه اشترك معه كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع فى الرد العنيف على الشعوبية، ونراه يكتب مقدمة طويلة لكتابه الشعر والشعراء يضمنها كثيرا من آرائه النقدية، وتارة يوافق الجاحظ فى بعض آرائه وتارة يخالفه، فمما وافقه فيه رفض معيار القدم والحداثة فى الحكم على الشعراء فلا ينظر إلى متقدم بعين الجلالة ولا إلى متأخر بعين الاحتقار، بل يوزن كل منهما بموازين الجودة الفنية الدقيقة. ووافقه فى فكرة الطبع والتكلف، واستعار قبسا من فكرته عن المطابقة بين الكلام وأحوال النفس استضاء به فى بيان الدوافع النفسية التى تبعث على قول الشعر كالطمع والغضب والشوق والطرب، كما استعار قبسا من فكرة

стр. 1628

بشر بن المعتمر عن الأديب ألا يقبل على عمله إلا إذا كان مستعدا له استعدادا كاملا، فتحدث عن العلاقة بين الشاعر والأوقات التى يستحبّ فيها نظم الشعر. وخالف الجاحظ فى قصر الجمال الفنى على اللفظ فجعله شركة بينه وبين المعنى، فقد يحسن اللفظ والمعنى معا وقد يقبحان معا، وقد يحسن أحدهما ويقبح الآخر. وكل ذلك كان يبشر بأن ابن قتيبة لن يرتد إلى الوراء وخاصة أنه سوّى بين القدم والحداثة فى الشعر ولكنه عاد فطلب إلى الشاعر ألا يحيد عن منهج المتقدمين فى نظام القصيد. ونلتقى فى أواخر العصر بناقد يتأثر بالجاحظ فى كثير من آرائه النقدية، كما يتأثر بابن قتيبة فى رده الجمال الفنى إلى اللفظ والمعنى معا، وهو ابن طباطبا صاحب عيار الشعر، ونراه فى مواضع من كتابه يشير إلى تماسك المعانى وارتباط أول الكلام بما يليه، ويشدد فى وحدة السياق وأن تتواصل أبيات القصيدة حتى تغدو بناء محكما بل حتى تغدو كأنها جسد واحد لا يمكن وضع عضو فيه مكان عضو آخر، وكأنما أحسّ ما يردده النقاد فى هذا العصر من فكرة الوحدة العضوية فى القصيدة بحيث يطرد فيها التناسق والالتحام حتى تصبح كلا واحدا، بل حتى كأنها لفظة واحدة ومعنى واحد (١). ولم نتحدث حتى الآن عن البيئة الثالثة بيئة المتفلسفة فى النقد، ولعل خير من يمثلها قدامة فى كتابه «نقد الشعر» وهو فى مطالعه يصرّح ولا يجمجم بأنه إنما سيعنى بعلم جيّد الشعر ورديئه وأن أحدا لم يسبقه إلى وضع هذا العلم فى العربية. ويجعل الكتاب فى ثلاثة فصول، يخص أولها بتعريف الشعر وبيان أجزائه، والثانى بنعوت الجودة فى الشعر، والثالث بنعوت الرداءة. ويقف عند تعريف الشعر وقفة منطقية يستمد فيها بوضوح من منطق أرسطو وما ذكره عن الحدود والتعريفات وأجزائها، ويبدو هنا أنه لم يفهم نظرية أرسطو فى المحاكاة وأن المعوّل فى الشعر عليها لا على الوزن، وجاءه ذلك من سوء الترجمة لكتاب الشعر عند متى بن يونس فإن كثيرا من معانى الكتاب فى الأصل طمست طمسا، وهو ما جعل قدامة يضطرب فى الإفادة منه على صور شتى. وأجزاء الشعر عند قدامة اللفظ والمعنى والوزن والقافية،

стр. 1629

ويقول إن نعوت الجودة تتصل بكل منها مفردة ومركبة، ونراه يتأثر فى هذا الفصل بنظرية الحدود الوسطى التى شغف بها أرسطو فى حديثه عن الأخلاق، ويفيض فى الفصل الثانى فى الحديث عن نعوت الجودة، ويعرض لأغراض الشعر، ويحاول متأثرا بطريقة أرسطو أن يضع لها قواعد كلية عامة، وهو فى هذه القواعد يستمد كثيرا من كتابى الخطابة والشعر لأرسطو، وكأنه يريد بكل ما يستطيع من قوة أن يخضع البلاغة العربية للبلاغة اليونانية، وخانه التوفيق فى كثير من الأحيان، ولولا ما أضافه إلى ابن المعتز من بعض فنون البديع لتناسى النقاد التالون كتابه ولم يلتفتوا إليه أى التفات (١). ولا بد أن نلاحظ بصفة عامة أن الذوق الذى كان مسيطرا على النقد والشعر جميعا كان ذوقا محافظا، وكان طبيعيّا أن يرفض نقد المتفلسفة المفرطين فى التجديد. وكان من المنتظر للغويين الذين يمثلون بدقة النزعة المحافظة أن يسيطروا على الحركة النقدية ولكنهم لم يستطيعوا لسبب مهم، وهو أنهم لم ينفذوا إلى وضع نظرية أو أصول من شأنها أن تشيع، ولذلك سيطر المتكلمون الذين استطاعوا أن يضعوا للنقد أصولا ورسوما واضحة، وساعد على سيطرتهم أنهم لم يكونوا يرفضون القديم بل كانوا يوازنون بينه وبين روح العصر كما أسلفنا، وبذلك ظلوا يحافظون للشعر على تقاليده الموروثة. ونشطت فى العصر الكتابات التاريخية نشاطا عظيما فمن كتابة فى تاريخ السيرة النبوية إلى كتابة فى الأحداث الإسلامية والأمم والدول، وكتابة فى المدن، وكتابة فى التراجم والطبقات، ومرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول أن ممن عنوا بالسيرة النبوية حينذاك ابن إسحاق وراوى سيرته ابن هشام والواقدى ومحمد بن سعد فى كتابه الطبقات وكذلك المدائنى أبو الحسن على بن محمد المتوفى سنة ٢٣٤، وله كتب ورسائل كثيرة فى السيرة النبوية وفى تاريخ القبائل والخلفاء بلغت عند ابن النديم نحو ٢٣٠ مصنفا. ومن أهم المؤرخين للسيرة النبوية فى العصر أبو زرعة (٢) عبد الرحمن بن عمرو الحافظ شيخ الشام فى وقته المتوفى سنة ٢٨٢، وفى مكتبة

стр. 1630

الفاتح بإستانبول مخطوطة من هذه السيرة. وكتب كثيرون فى الأحداث الإسلامية وفى تاريخ الأمم والدول منهم اليعقوبى الذى مر ذكره بين الجغرافيين وتاريخه فى ثلاثة أجزاء طبع بأوربا وبالنجف فى العراق، ومنهم البلاذرى (١) أحمد بن يحيى بن جابر المتوفى سنة ٢٧٩، وله كتاب فتوح البلدان المعروف نشره دى خويه بليدن فى القرن الماضى ونشر بالقاهرة مرارا، وله كتاب أنساب الأشراف فى التراجم والتاريخ طبعت منه بعض أجزاء وبعض قطع ويعاد نشره كاملا فى دار المعارف بالقاهرة. وكان يعاصره أبو حنيفة (٢) الدينورى المتوفى سنة ٢٨٢ صاحب كتاب الأخبار الطوال المنشور أولا بليدن، ثم بعد ذلك فى القاهرة، ونراه يستهله بالحديث عن تاريخ الإسكندر والفرس ودولتهم الساسانية، ثم يتحدث عن فتوح العراق وحروب صفّين وتاريخ الأمويين وما كان فيه من مقتل الحسين وأحداث المختار بن أبى عبيد، ثم يوجز فى الحديث عن الخلفاء من عبد الملك إلى المعتصم. وأتاحت ترجمة تاريخ الأمم القديمة وخاصة الفرس فى العصر العباسى الأول والكتابات الكثيرة عن الرسل والأنبياء لمحمد (٣) بن جرير الطبرى المتوفى سنة ٣١٠ أن يكتب تاريخه الضخم: «أخبار الرسل والملوك»، وهو تاريخ للعالم منذ بدء الخليقة حتى عصره، ونراه حين يصل إلى تاريخ الهجرة النبوية ينهج فى الكتاب منهج الحوليات فكل سنة مستقلة بأحداثها حتى إذا تمت أيامها انتقل إلى السنة التالية حتى يصل إلى سنة ٣٠٢ واتبع طريقة المحدّثين، فكل خبر وكل حادثة تروى مع إسنادها، وتتعدد الروايات ويتعدد الإسناد ليقابل المؤرخ الحصيف بين الروايات مع رواتها ويستخلص منها الخبر الصحيح، وله نشرات مختلفة فى ليدن وفى مصر، وطبعته الأخيرة بدار المعارف محققة ومزودة بفهرس دقيق. ومن أهم المؤرخين فى العصر المسعودى (٤) أبو الحسن على بن الحسين المتوفى سنة ٣٤٥ وله

стр. 1631

كتب تاريخية مختلفة، وهى تتدفق بحيوية جمّة، إذ أخذ نفسه بالطواف فى البلدان الإسلامية فى الشام وإيران والهند وزنجبار ومصر والبلاد البعيدة الخارجة عن عالم الإسلام حول بحر الخزر وركب المحيط الهندى والهادى إلى الصين فى رفقة التجار، فاتسعت مداركه، ومن أهم كتبه التاريخية مروج الذهب، طبع فى باريس ثم فى مصر وبيروت طبعات مختلفة، وهو يبدأ فيه بتاريخ الخليقة منذ نشأتها ويتحدث عن الأمم القديمة وبلدانها ومشاهداته فيها، ثم يوجز السيرة النبوية، حتى؟ ؟ ؟ إذا انتهى منها أخذ يتحدث عن الخلفاء خليفة حتى المطيع لله سنة ٣٣٦ وله كتاب التنبيه والإشراف وهو موجز تاريخى، وطبع له بمصر الجزء الأول من كتابه أخبار الزمان. وبجانب هذه الكتب التاريخية العامة نجد كتبا خاصة ببعض المدن مثل أخبار أهل البصرة لأبى زيد عمر بن شبة المتوفى سنة ٢٦٤ وتاريخ واسط لأسلم بن سهل بن زياد المتوفى سنة ٢٨٨ وتاريخ أصبهان لابن منده الأصبهانى المتوفى سنة ٣٠١ وتاريخ الموصل لأبى زكريا يزيد بن محمد الأزدى المتوفى سنة ٣٣٤ وأهم من هذه الكتب جميعا تاريخ بغداد لأحمد بن أبى طاهر الملقب بطيفور المتوفى سنة ٢٨٠ وهو من مصادر تاريخ الطبرى، وقد نشر كلر Keller الجزء السادس منه. وذكرنا فى كتاب العصر العباسى الأول مدى اهتمام مؤرخى العصر بالأنساب والأيام، وظل ذلك بعدهم مستمرا إذ نرى ابن الأنبارى يعنى فى شرحه للمفضليات بالأيام عناية واسعة، وللزبير بن بكار المتوفى سنة ٢٥٦ كتاب ضخم فى نسب قريش وأخبارهم، نشر منه بالقاهرة محمود أحمد شاكر مجلدا كبيرا. وألفت فى العصر كتب كثيرة فى رجال الحديث للبخارى وغيره، وانتقل التأليف فى الرجال إلى التأليف فى الشعراء، فألف ابن قتيبة كتابه «الشعر والشعراء» وألف ابن المعتز كتابه «طبقات الشعراء المحدثين» وهما منشوران، وألف يحيى بن على بن يحيى المنجم المتوفى سنة ٣٠٠ كتابين مفقودين هما البارع فى أخبار الشعراء المولدين والباهر فى أخبار الشعراء المخضرمين من بشار إلى مروان أبى حفصة. وألفت كتب فى الوزراء وكتّاب الدواوين مثل كتاب الوزراء والكتاب لمحمد بن عبدوس الجهشيارى المتوفى سنة ٣٣١ وهو مطبوع. وأفردت كتب لأخبار العباسيين وأشعارهم مثل كتاب

стр. 1632

الأوراق لمحمد بن يحيى الصولى المتوفى سنة ٣٣٥ وقد نشر منه المستشرق دان (DUNNe) أخبار الشعراء المحدثين وهو تراجم لطائفة منهم، ونشر منه أيضا أخبار الراضى المتقى، وأشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم، وهو كتاب جدير بالتحقيق والنشر. وأخذوا يهتمون بالسيرة الفردية، فألف أبو عبد الله محمد ابن عبد الله بن الحكم المتوفى سنة ٢٦٢ كتابا فى سيرة عمر بن عبد العزيز طبع بالقاهرة، وألف بمصر أبو جعفر أحمد بن يوسف بن الداية المتوفى سنة ٣٤٠ كتابا فى سيرة أحمد بن طولون وابنه خمارويه. وعلى هذا النحو نشط التأليف فى التاريخ لهذا العصر نشاطا واسعا، فمن تأليف فى السير إلى تأليف فى الطبقات وتأليف فى الأمم والدول وتأليف فى المدن، وكادوا لا يتركون فى التاريخ جانبا إلا رصدوه وسجلوه ودوّنوه. ٤ - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه معروف أن القرآن الكريم حمل عن الرسول ﷺ تلاوة ومشافهة، واشتهر بتلاوته قرّاء مشهورون منذ الصدر الأول فى مقدمتهم الخلفاء الراشدون وزيد بن ثابت وأبىّ بن كعب وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعرى وغيرهم من جلة الصحابة أمثال عبد الله بن عباس، وخلفتهم أجيال من التابعين فى كل بلد إسلامى، كلهم يحافظون على تلاوته بجميع حروفه وحركاته كما أثرت عن الرسول الكريم، وأخذوا يعدّون بالعشرات، وأخذ يتبع كل قارئ منهم تلاميذ يلازمونه ويأخذون عنه قراءته بأدق صورة ممكنة، وفى الوقت نفسه أخذ قرّاء موثّقون يروون قراءات عن ابن مسعود إمام أهل الكوفة أو عن على بن أبى طالب أو عن غيرهما من جلة الصحابة، فتكاثرت القراءات، حتى لنجد أبا عبيد القاسم بن سلام يؤلف كتابا يحتوى على أكثر من عشرين قراءة.

стр. 1633

ونمضى بعده إلى العصر العباسى الثانى، فتستمر القراءات فى كثرتها، وتبدو الحاجة واضحة إلى عالم بالقراءات يختار منها طائفة تذيع وتنتشر فى العالم الإسلامى، ويؤكد الحاجة إلى ذلك أن بعض القرّاء كان لا يجد حرجا فى القراءة بشواذ منها متناهية فى الشذوذ (١)، وحينئذ تجرّد للنهوض بهذه المهمة الخطيرة أبو بكر أحمد (٢) ابن موسى بن مجاهد التميمى إمام القرّاء ببغداد منذ سنة ٢٩٠ فأكبّ على القراءات وكتبها المصنفة، واستخلص منها سبعا هى قراءات نافع فى المدينة وعبد الله بن كثير فى مكة وعاصم وحمزة والكسائى فى الكوفة وأبى عمرو بن العلاء فى البصرة وعبد الله بن عامر فى دمشق، اتخذها إماما للناس، وألف فى ذلك كتابه السبعة، وكل من يراجعه يرى الجهد الهائل الذى أدّاه عن علماء القراءات فى عصره، فكل إمام من السبعة تذكر الطرق التى روى بها ابن مجاهد قراءته، وينص فى الكتاب على الاختلاف بين الطرق للإمام الواحد فضلا عن الطرق مجموعة لكل الأئمة. وانبرى من بعده تلميذه أبو على الفارسى لكتابة شرح على هذا المصنف: «السبعة» يحتج فيه لوجوه القراءات المبثوثة به وجها وجها، سماه كتاب الحجة. وألف ابن مجاهد كتابا ثانيا فى شواذ القراءات، عنى ابن جنى بشرحه على نحو ما عنى أستاذه أبو على الفارسى بشرح السبعة، سماه المحتسب، وهو محقق ومنشور بالقاهرة. ونما تفسير القرآن الكريم فى هذا العصر نموا واسعا، واتضحت فيه اتجاهات أربعة سيطرت على اتجاهاته فى العصور التالية، هى اتجاه التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأى أو التفسير الاعتزالى، والتفسير الشيعى، والتفسير الصوفى، أما التفسير بالمأثور فقد بلغ القمة المرجوّة التى كانت تنتظره عند محمد بن جرير الطبرى، إذ استطاع أن يجمع فى تفسيره عن طريق الروايات المسندة كلّ ما أثر

стр. 1634

عن التابعين والصحابة فى تفسير الآى القرآنية. وكان الصحابة يحملون كل ما ذكره الرسول من تفسير لبعض آياته وبعض كلماته. وتفسير الطبرى من هذه الناحية يمكن أن يستخلص منه تفسير الرسول ﵇، وكذلك من عرفوا بكثرة التفسير من الصحابة والتابعين مثل ابن عباس وابن مسعود وتلاميذهما من مثل مجاهد وعكرمة. ومما يلاحظ عنده أنه لم يتوسع فى حمل الإسرائيليات، إذ كان يرى أنه لا غناء فيها وخاصة فى التفاصيل التى لا يضر الجهل بها، كمسألة المائدة التى أنزلت على عيسى فى سورة المائدة فى الآيات ١١٢ إلى ١١٥ فإنه وجد عند أصحاب الإسرائيليات من يتحدثون عما كان عليها من طعام هل كان سمكا أو خبزا أو ثمرا من ثمار أهل الحنة فقال إن العلم بذلك غير نافع، وبالمثل الآية رقم ٢٠ من سورة يوسف إذ باعه إخوته ﴿(بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ)﴾ فقد وجدهم يتساءلون عن عدد الدراهم. هل كانت عشرين أو اثنين وعشرين أو أربعين، فأضرب عن ذلك قائلا إنه «ليس فى العلم بمبلغ ذلك فائدة تقع فى دين. . . والإيمان بظاهر التنزيل فرض وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه». ودائما يذكر مع كل آية القراءات المختلفة فيها، ويعرض لمعنى الكلمات من الوجهة اللغوية ويستشهد عليه بالأشعار الجاهلية والإسلامية، وكثيرا ما يفضّل شرح معنى للفظ على شرح معنى آخر. وكان يأخذ بفكرة حرية الإرادة التى أخذ بها المعتزلة، ولكنه لم يتعصب لهم، بل جادلهم فى بعض آرائهم وردّها عليهم من مثل رأيهم فى الرؤية البصرية لله وتأويلهم لها ويعلن مرارا أنه يقف مع السلف كما فى الآية رقم ٧٤ من سورة البقرة وأنه يحسن أن يراعى المفسر المعنى الظاهر للفظ بدون تأويل، والأساس الذى لا محيد عنه هو عرض أقوال الصحابة والتابعين وعلماء الأمة لتبين معانى التنزيل الصحيحة الدقيقة. ومنذ القرن الثانى يرجع المعتزلة إلى القرآن مفسرين مستشهدين ومتمثلين، محتكمين إلى عقولهم، ومحاولين أن يطابقوا بينه وبين آرائهم، وأداهم ذلك إلى أن يحملوا منذ أول الأمر على أصحاب التفسير بالمأثور الذين كانوا يقفون أحيانا مع ظاهر الآيات. وكانوا أحيانا لا يحكّمون عقولهم فيما يسمعون، فيروون غرائب لا يصدقها العقل السليم، وفى الجزء الرابع من كتاب الحيوان للجاحظ حملات شعواء للنظام

стр. 1635

على أمثال هؤلاء المفسرين، وكان طبيعيّا ألا يقفوا عند تفسير آيات بعينها تخالف آراءهم الاعتزالية، بل يحاولوا بسط هذه الآراء فى تفسير القرآن جميعه، وأول تفسير عندهم هو تفسير أبى بكر الأصم المتوفى حوالى منتصف القرن الثالث وتفسيره مفقود، وأهم منه تفسير أبى على الجبّائى محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ٣٠٣، وهو بيد بعض المحققين بالقاهرة فى سبيل نشره، ولا بد أنه يمتلئ بالتأويلات الاعتزالية، ولا ريب فى أن الزمخشرى انتفع به فى تفسيره انتفاعا كبيرا. وتأويلات المعتزلة لآى الذكر الحكيم إنما كانت تأويلات عقلية، وكان وراءهم فريقان يؤولان القرآن تأويلات اعتقادية، وهم الشيعة والصوفية، وكان الشيعة يخرجون عن ظاهر القرآن ملتمسين تأويلات بعيدة، إذ يذهبون إلى أن لفظا بعينه يقصد به علىّ أو غيره من أئمتهم وأن لفظا آخر يقصد به خصم من خصومهم، وصور ذلك ابن قتيبة عنهم. فقال إن منهم من يزعم أن الجبت والطاغوت فى الآية رقم ٦٠ من سورة النساءهما معاوية وعمرو بن العاص (١). ونسبوا لأئمتهم تفسيرات مبكرة، فى مقدمتها تفسير نسبوه إلى جعفر الصادق المتوفى سنة ١٤٨ وتفسير ثان نسبوه إلى الحسن العسكرى المتوفى سنة ٢٦٠ وهو آخر الأئمة الظاهرين عند الإمامية. وتفسيراتهم من هذه الناحية تطبع بطابع الرواية عن أئمتهم وآل البيت بعامة. أما تأويل المتصوفة حينئذ فلم يكن يبعد عن ظاهر اللفظ بعد التفسير الشيعى، إذ كان كل مأربه أن يوضّح من خلال بعض الآيات بعض الأفكار الصوفية، وربما كان أقدم تفسير لهم هو تفسير سهل التّسترىّ المتوفى حوالى سنة ٢٨٣ ونراه فى آية سورة النور: ﴿(اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ -إلى قوله: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)﴾ يجعل النور المحمدى فى سابق الأزل أساسا للآية. وكأن سهلا سبق الحلاج فى فكرة النور المحمدى الأزلى. وقد عرضنا فى كتاب العصر العباسى الأول لتطور منهج التأليف فى الحديث النبوى وأنه بدأ بتصنيفه على أبواب الفقه غالبا. وأن خير ما يصور هذه الطريقة

стр. 1636

كتاب الموطأ لمالك بن أنس المتوفى سنة ١٧٩ ثم نشأت طريقة ثانية توزّع فيها الأحاديث على رواتها من الصحابة، فتجمع الأحاديث مثلا التى رواها أبو هريرة بدون نظر إلى اختلاف موضوعاتها الفقهية، فالأساس وحدة الصحابى لا وحدة الموضوع، على نحو ما هو معروف عن مسند ابن حنبل المتوفى سنة ٢٤١، وظل محدّثون يؤلفون على هذه الطريقة حتى نهاية هذا للعصر مثل أبى عبد الله محمد بن نصر المروزى المتوفى سنة ٢٩٤ وتوجد من مسنده مخطوطتان بمكتبة دار الكتب المصرية. وأخذت تقترن بهذه الطريقة سريعا طريقة ثانية هى امتداد للطريقة الأولى آنفة الذكر، وكأنما رأوا أن الإفادة من طريقة المساند يكتنفها غير قليل من الصعوبة إذ لا بد لمن يريد الاطلاع على حديث، لراو من الصحابة فى مسألة من مسائل الفقه، من قراءة كل ما له من أحاديث، وكانت دراسات الفقه نمت حينئذ واحتاج الفقهاء إلى الاطلاع سريعا على بعض الأحاديث للاحتجاج بها فى كتبهم وضد مجادليهم، وأول مصنّف وصلنا من هذه الطريقة هو مصنف عبد الله بن محمد بن أبى شيبة المتوفى سنة ٢٣٥. ثم ألف مصنفاتها الستة المشهورة. وهى الجامع للصحيح للبخارى المتوفى سنة ٢٥٦ والصحيح لمسلم المتوفى سنة ٢٦١ والسنن لابن ماجة المتوفى سنة ٢٧٣ وسنن أبى داود المتوفى سنة ٢٧٥ والجامع للترمذى المتوفى سنة ٢٧٩ وسنن النّسائى المتوفى سنة ٣٠٣ وتعد أصح كتب الحديث المؤلفة لا فى هذا العصر وحده بل فى جميع العصور. ولم يكن الاعتماد فى هذه المصنفات وما يماثلها على دراسة الكتب، وإنما كان الاعتماد على الرواية ولقاء الرجال، مما جعل المحدّثين يرحلون إلى الأمصار الإسلامية المختلفة يجمعون من هنا وهناك ما تفرق من الأحاديث على نحو ما هو معروف عن البخارى فى تطوافه بأكثر مدن خراسان وإيران والعراق والشام والحجاز ومصر. وظل المحدّث الكبير يعتمد على حافظته فى إملائه الأحاديث، وكانوا إذا نزلوا بلدا ربما تعرضوا لامتحان العلماء لهم كى يعرفوا مدى حفظهم. ويحكى عن البخارى أنه قدم بغداد. فاجتمع أصحاب الحديث ورأوا اختباره فعمدوا إلى مائة حديث، قلبوا متونها وأسانيدها بأن جعلوا الإسناد مع غير متنه، واجتمع الناس، فألقوها على البخارى، فأنكرها حديثا حديثا، حتى إذا فرغوا أخذ يرويها رادّا كل متن إلى إسناده، وله فى

стр. 1637

ذلك حكايات أخرى عجيبة (١). ومن طريف ما يروى فى هذا الجانب أن أبا داود صاحب السنن المذكور آنفا كان له ابن من حفاظ الحديث هو عبد الله قدم سجستان ذات مرة، فسألوه أن يحدّثهم، فقال لهم: ليس معى أصل، فقالوا متعجبين: ابن أبى داود وأصول! وأثاروه، فأملى عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظه، وعاد إلى بغداد فوجد المحدّثين يذكرون قصته مع غير قليل بن الريبة، ولم يلبثوا أن أرسلوا إلى سجستان من يكتب لهم نسخة من الأحاديث التى أملاها، فكتبت وجئ بها، وعرضت على الحفاظ، فخطّأوه فى ستة أحاديث، منها ثلاثة حدّث بها كما سمعها، وثلاثة أخطأ فيها، وكأنه لم يخطئ فى كل عشرة آلاف حديث إلا فى حديث واحد (٢). ولا بد أن نقف قليلا عند البخارى ومسلم لنرى مبلغ دقتهما فى رواية الحديث ورفضهما لضعيفه، أما البخارى (٣) محمد بن إسماعيل فقد أمضى ستة عشر عاما يجمع صحيحه من أفواه الرواة الثقات فى مختلف الأمصار، وكل حديث معه سنده من زمنه إلى زمن الصحابى راويه الأول، وهو يدرس ويفحص، حتى لا يروى إلا الحديث الصحيح الذى لا يرقى إليه شك، يفحص المتون ويفحص الرواة ليعرف المتهم من الوثيق عقيدة رقوة حافظة وخلوا من شوائب الكذب والغفلة، ولذلك كان طبيعيّا أن يؤلف تاريخه الكبير فى الرجال، ويروون عنه أنه كان يقول: «قلّ اسم فى التاريخ إلا وله عندى قصة» وكان عفّ اللسان لا يشتد فى تجريح المتهمين من الرواة، بل يكتفى بمثل قوله: «فيه نظر» أو «سكتوا عنه» أو «هو منكر الحديث». وجمع فى صحيحه-كما يقول ابن حجر فى مقدمته لشرحه عليه-٧٣٩٧ حديثا وإذا أضفنا إلى ذلك الأحاديث التى استأنس بها بلغت أحاديثه ٩٠٨٢، ويقال إنه انتخبها من نحو مائتى ألف حديث محكّما فى انتخابه شروطا غاية فى الشدة، حتى يحيطها بأقوى سياج من الصحة والثقة. وأول شروطه

стр. 1638

أن يكون الإسناد متصلا، فلا يسقط من رواته أحد، وأن يكون كل راو مسلما، معروفا بالصدق، وعدم التدليس، والتخليط، عدلا، ضابطا، حافظا، سليم الذهن، قليل الوهم، سليم الاعتقاد، وكان يرى أن رواة كل إمام من أئمة الحديث يختلفون فى درجة الصلة به. فأصحاب الدرجة الأولى من لازموه فى السفر والحضر، ووراءهم من لم يلازموه سوى مدة قصيرة، واشترط فى رواة أسانيده أن يكونوا من أصحاب الدرجة الأولى، وبذلك اشترط فى الراوى المشافهة والملازمة. وقد يقال إن فى الصحيح أحاديث لا يتصل فيها الرواة يريدون التى ذكرت-كما قدمنا- للاستئناس فقط، وقد أخرجها ابن حجر فى عده لأحاديث الكتاب كما مرّ آنفا وكتاب الجامع الصحيح يبدأ بالحديث عن الوحى والإيمان وتتوالى كتب الفقه وأبوابه، ويقحم عليها أبوابا أخرى كحديثه عن بدء الخلق والجنة والنار وتراجم الأنبياء ومناقب قريش وفضائل الصحابة والمهاجرين والأنصار والسيرة النبوية والمغازى والأطعمة والأشربة والأدب وتعبير الرّؤيا. وختمه بكتاب التوحيد. وهو موزع على ٩٧ كتابا تشتمل على ٣٤٥٠ بابا وبعضها فيه أحاديث كثيرة وبعضها فيه حديث واحد، وقد يوضع عنوان الباب دون كتابة شئ تحته، وكأنه كان ينوى أن يكتب فيما بعد تحته بعض الأحاديث وعاجله الموت. ومعروف أن الكتاب لم يكن قد وضع فى صورته النهائية. وهو يعدّ بحق أصحّ كتب الحديث إذ تحرّى البخارى فى جمعه تحرّيا ليس له سابقة ولا لاحقة فى تاريخ مصنفات الحديث، باذلا جهدا عنيفا تنقطع دونه الأمانى. وأما مسلم فهو مسلم (١) بن الحجاج القشيرى النيسابورى المتوفى سنة ٢٦١ وصحيحه مثل صحيح البخارى فى الثقة والمنزلة، وقد روى أكثر أحاديث البخارى ولكن بطرق أخرى غير طرق أسانيده، ورتبه على كتب الفقه وأبوابه كما صنع البخارى، ولكنه لم يستكثر منها مثله. ونراه فى مقدمة صحيحه يذهب إلى أن الأحاديث ثلاثة أقسام: قسم رواه الحفاظ المتقنون لا يرقى إليه الشك، وقسم رواه المستورون المتوسطون فى الحفظ وهو يهبط درجة عن سابقه،

стр. 1639

وقسم رواه الضعفاء والمتروكون، ويقول إنه إذا فرغ من رواية القسم الأول أتبعه القسم الثانى، أما القسم الثالث فإنه يهمله ولا يعرّج عليه. وتصريحه بأنه يروى من القسم الثانى جعل المحدثين من قديم يضعون صحيحه فى منزلة دون منزلة صحيح البخارى، بل إن منهم من حمل عليه مثل أبى زرعة (١) الرازى. على أن هناك من قدم على صحيح البخارى (٢) لأنه أدق منه تأليفا، وساد ذلك خاصة بين حفاظ المغرب فكانت كثرتهم تفضله على صحيح البخارى. والحق أنه لا يفضله من وجهة التوثيق الخالصة، لسببب مهم، وهو أن البخارى اشترط فى الرواة الملازمة فى السفر والحضر لمن يروون عنهم، فى حين تخفف من ذلك مسلم، فاكتفى بالمشافهة والمعاصرة ولم يطلب الملازمة. ومما لا ريب فيه أن صحيح مسلم مع ذلك يعدّ فى الذروة من التوثيق، إذ كان دقيقا غاية الدقة، حتى إنه ليذكر الفروق بين روايات الحديث، ولو كانت حرفا، وكان على علم لا يبارى فى معرفة رجال الحديث الموثّقين والمتهمين. وذكروا أن عدد أحاديثه نحو ٧٢٧٠ حديثا. وهو مع صحيح البخارى أعلى كتب الحديث منزلة وأوفرها حظّا من الصحة والتوثيق ويليهما الكتب الأربعة التى سميناها آنفا والتى يطلق عليها معهما اسم كتب الصحاح الستة، وهى سنن أبى عبد الله محمد بن يوسف بن ماجه (٣) القزوينى وقد اشتهر برحلاته الكثيرة فى ديار الإسلام، وتعدّ هذه السنن أضعف كتب الصحاح الستة لأن ابن ماجه ضمنها كثيرا من الأحاديث الضعيفة، ويقال إنها لم توضع فى سلك الكتب الستة إلا منذ المائة السادسة للهجرة، والكتاب الثانى سنن أبى داود سليمان (٤) بن الجارود بن الأشعث الأزدى السجستانى، ولم يسلك فيها غير أحاديث الفقه والتشريع، ولعله لذلك حظى بتقدير رفيع بين المحدثين. وثالث الكتب الجامع لأبى عيسى محمد (٥) ابن عيسى بن سهل الترمذى وقد عنى فيه بأحاديث الأحكام وذكر معها من احتج بها من أهل المذاهب. ولذلك كان الكتاب يفيد فائدة جلّى من يعنون

стр. 1640

بدراسة الخلاف بين الفقهاء. ورابع الكتب سنن أبى عبد الرحمن أحمد (١) بن شعيب ابن على النّسائى، وقد عنى فيه بصيغ ونصوص فى المعاملات، كما عنى برواية أحاديث الاستعاذات والأدعية التى تقال فى الصلاة. وبجانب هذه الصحاح الستة ألفت كتب أحاديث مختلفة فى العصر، كما ألفت كتب مختلفة فى الرجال أى رواة الحديث، من أهمها تاريخ البخارى الذى أشرنا إليه، ويلحقه فى الأهمية كتاب التاريخ الكبير لأبى بكر أحمد ابن أبى خيثمة زهير بن حرب تلميذ ابن حنبل المتوفى سنة ٢٧٩ وفيه تحدث عن تعديل الرواة وتجريحهم. وعنيت البيئات الشيعية بأن يكون لها حظ فى الاهتمام بالحديث، ومن أهم الكتب التى صنفتها كتاب جامع لأحاديث الإمامين: جعفر الصادق وموسى الكاظم، جمعه أبو العباس عبد الله بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع الحميرى القمى فى أواخر القرن الثالث الهجرى. وواضح من ذلك كله مدى النشاط الذى نهض به المحدثون فى تأليف كتب الحديث لهذا العصر، ويكفى أنه ألفت فيه كتب الصحاح الستة التى شغلت المحدثين بالتعليق والشرح والتفسير طوال العصور الماضية. وكان هذا العصر متمما للعصر العباسى الأول فى نشاط الدراسات الفقهية والتشريعية، وقد رأينا هناك كيف أن المذاهب الفقهية الأربعة تكونت نهائيا، وظل الاجتهاد نشيطا، فالفقهاء يجتهدون ويتناظرون ويختلفون ويكثرون من التآليف والمصنفات، وتظهر مذاهب ثانوية لا يكتب لها البقاء، سوى مذهب داود الظاهرى، ولكن ظهورها يحمل الدلالة الواضحة على حرية الاجتهاد الفقهى حينئذ وأن أبوابه كانت مفتوحة على مصاريعها. وكان طبيعيا أن يصبح لكل مذهب مجموعة كبيرة من أساتذته وشيوخه يذيعونه فى العالم الإسلامى، ومن أهمهم فى المذهب الحنفى أبو بكر أحمد (٢) بن عمر الشيبانى الخصاف المتوفى سنة ٢٦١ وله كتاب أحكام الوقف وهو منشور بالقاهرة وكتاب الحيل والمخارج فى الفقه، وهو منشور فى هانوفر والقاهرة. ولا يقل عنه أهمية فى هذا المذهب أبو جعفر

стр. 1641

أحمد (١) بن محمد بن سلامة الحجرى الطحاوى المتوفى سنة ٣٢١ وقد انتهت إليه بمصر رياسة أصحاب أبى حنيفة، وهو الذى نشر بها المذهب وعمل على إذاعته، وله معانى الآثار، وهو منشور فى جزأين بمدينة لكنو وكتاب مشكل الآثار وهو منشور بحيدرآباد، ولا تزال له كتب كثيرة غير منشورة أحصاها بروكلمان. وقد حمل المذهب المالكى عن مؤسسه مالك بن أنس كثيرون فى مصر والمغرب والأندلس ولمع من فقهاء المذهب فى هذا العصر عبد السلام (٢) بن سعيد بن حبيب التنوخى المشهور باسم سحنون القيروانى المتوفى سنة ٢٤٠ وهو الذى نشر المذهب فى المغرب ودفعه إلى أن يشيع فى جميع أرجائها، وله فيه مصنفه الذى ظل اسمه يدوّى هناك منذ ظهوره، وهو المدونة الكبرى التى لا تزال تتّخذ المرجع الأساسى بتلك الديار لتعليم الفقه المالكى وتدريسه، وقد نشرت بالقاهرة من قديم، ونشرت لها شروح مختلفة. وقد خلف الشافعى وعمل على نشر مذهبه وعنى بالتصنيف فيه كثيرون فى مقدمتهم تلاميذه المصريون: البويطى والربيع المرادى، وأهم منهما المزنى (٣) أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المتوفى سنة ٢٦٤ ناصر المذهب وبدرسمائه كما يقول السبكى، وله مختصر من علم الإمام النفيس محمد بن إدريس ظل الشافعية يتدارسونه طويلا، وفيه يقول أبو العباس أحمد بن سريج المتوفى سنة ٣٠٦ أكبر أئمة المذهب لأواخر القرن الثالث الهجرى الذى انتشر منه فى أكثر الآفاق (٤): لصيق فؤادى مند عشرين حجّة ... وصيقل ذهنى والمفرّج عن همّى جموع لأصناف العلوم بأسرها ... فأخلق به أن لا يفارقه كمّى وطبع هذا المختصر على هامش كتاب الأم للشافعى. وكان أحمد بن حنبل قد تتلمذ للشافعى، ثم استقل بمذهب فقهى خاص اعتمد فيه على الحديث النبوى، وبذلك عدّ مذهبه ممثلا لأهل السنة، ومن أهم أتباعه فى هذا العصر

стр. 1642

أبو القاسم عمر (١) بن الحسين بن عبد الله الخرقى المتوفى سنة ٣٣٤، وله فى الفقه الحنبلى كتاب المختصر فى الفقه، طبع فى القاهرة بشرح عبد الله بن أحمد ابن قدامة أكبر أئمة المذهب الحنبلى فى القرن السابع الهجرى. وهيأ الاجتهاد الفقهى الواسع فى هذا العصر لظهور مذاهب فقهية وراء المذاهب الأربعة الكبرى، برز منها خاصة المذهب الظاهرى نسبة إلى أبى سليمان (٢) داود بن على بن خلف الأصبهانى الظاهرى المتوفى سنة ٢٧٠، وكان يتبع فى أول أمره مذهب الشافعى ويتعصب له، ثم أسس له مذهبا عرف بمذهب أهل الظاهر: وهو مذهب يقوم على إنكار القياس فى الدين ومسائل التشريع، لأن القياس عقلى والدين إلهى، ويكفى لبيان الأحكام ما فى القرآن والحديث من عموم. ومن أجل ذلك كان يرى الوقوف عند ظاهر الكتاب والسنة وعدم فتح الأبواب للقياس والآراء التى تنبثق عنه. وفى رأينا أن ظهور هذا المذهب يعدّ إشارة واضحة فى العصر إلى بروز نزعة محافظة قوية فى دراسات الفقه، وقد كتب له أن يذيع فى الأندلس والمغرب فيما بعد، وأن يتحمّس له فقهاء نابهون مثل ابن حزم، بل أحيانا دول مثل دولة الموحدين فى الأندلس والمغرب. ٥ - الاعتزال وانبثاق المذهب الأشعرى مرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول كيف نشأ الاعتزال ونما وازدهر وكثر أعلامه وأتباعه، وكيف أحالوا البصرة وبغداد إلى ساحتين كبيرتين للجدال فى المسائل العقيدية والدفاع عن الدين الحنيف وكل ما اتصل به من توحيد الله وحقائق النبوة والثواب والعقاب فى الآخرة، ولم يكونوا يوجهون دفاعهم إلى أصحاب الملل والنّحل الأخرى فحسب، بل أيضا إلى المجبرة والمرجئة والشيعة الغالية، ونازلوا الدهريين

стр. 1643

والمانويين الثّنويين نزالا عنيفا. وكانت مناظراتهم لهذه الفرق لا تتوقف يوما، والناس يتجمعون حولهم فى المساجد يسمعون ويتفرجون، وقد جذبوا الشباب إليهم، بحيث كانت حلقاتهم أكبر الحلقات وأوفرها سامعين. وقد عكفوا على الثقافات والمعارف الأجنبية يتزودون بها، وخاصة الفلسفة اليونانية وما يتصل بها من منطق، وسرعان ما كوّنوا لأنفسهم مذهبا ضخما تميز بأصوله الخمسة المعروفة، وهى التوحيد والعدل والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والقول بأن مرتكب الكبيرة فى منزلة وسطى بين منزلتى المؤمن والكافر. وأخذوا على هدى ثقافتهم يتعمقون فى مسائل الطبيعة وما وراء الطبيعة، وإذا أئمتهم ينفذون إلى آراء جديدة كل الجدة فى البحوث الطبيعية والفلسفية والإلهية، بل إن منهم من استطاع أن يكوّن له فلسفة مستقلة، فتلك فلسفة واصلية نسبة إلى واصل بن عطاء المتوفى لآخر العصر الأموى، وهذه فلسفة بشرية نسبة إلى بشر بن المعتمر أو ثمامية نسبة إلى ثمامة بن أشرس أو هذيلية نسبة إلى أبى الهذيل أو نظّامية نسبة إلى النّظام. وعلى هذا النحو لم يتكوّن للاعتزال أئمة أو باحثون ممتازون فقط بل تكوّن له هؤلاء الفلاسفة فى العصر العباسى الأول، وهو العصر الذى بلغ فيه الاعتزال الذروة المأمولة، حتى لتصبح له السيطرة التامة على الحكم فى عهود المأمون والمعتصم والواثق، فإذا أئمته يحملون علماء الدين كرها على القول بخلق القرآن، وتنشب المحنة المعروفة، ويمتحن كثير من الفقهاء ويسامون العذاب. وكان ذلك نذير شؤم، إذ أسخطوا الفقهاء والمحدّثين والناس عليهم، وسرعان ما دالت دولتهم مع افتتاح العصر العباسى الثانى، إذ ولى المتوكل الخلافة ولم يلبث أن أعلن إبطال القول بخلق القرآن، واستقدم المحدّثين إلى سامرّاء عاصمته وأجزل عطاياهم وأمرهم بالجلوس إلى الناس وإظهار السنة والأخذ بالتسليم. وكان من أثر ذلك أن اندحر المعتزلة على حين انتصر الفقهاء والمحدّثون، وأخذ كثير منهم يجرّحون المعتزلة، وقوى نفوذهم وسلطانهم على العامة، ولم يستطع المعتزلة بعد ذلك أن يستردوا سلطانهم. على أن الاعتزال استمر فى نشاطه، وخاصة أن كثيرين من تلاميذ فلاسفته الذين سميناهم عاشوا فى العصر العباسى الثانى، ومنهم من طالت حياتهم فيه،

стр. 1644

فكان طبيعيّا أن يظل له جهابذته وأن تظل له حلقاته فى البصرة وبغداد، بل إن كثيرين من المعتزلة الجدد فى العصر استطاعوا أن يكوّنوا لهم فلسفة أو كما اصطلح القدماء فرقة نسبت إليهم، وفى مقدمتهم الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ وهو تلميذ النظام، وكان واسع الثقافة إذ لم يترك ثقافة أجنبية إلا اطلع عليها وخاصة الثقافة اليونانية وما يتصل بها من الفلسفة الطبيعية والمنطق، وقد ظل يدافع عن المعتزلة ويجادل خصومهم جدالا عنيفا، وله فى ذلك كتاب مستقل سماه «فضيلة المعتزلة». ويقول ابن المرتضى فى كتابه طبقات المعتزلة: «إنه أغرى بشيئين: كون المعارف ضرورية والكلام على الرافضة (١)» والمراد الرد على الرافضة من الشيعة وبيان ما فى اعتقاداتهم من فساد. ويفسر الأشعرى. قوله بأن المعارف ضرورية بأنه كان يذهب إلى أن «ما بعد الإرادة فهو للإنسان بطبعه وليس باختيار، وليس يقع منه فعل باختيار سوى الإرادة (٢)» ويزيد الشهرستانى ذلك بيانا بقوله: «انفرد الجاحظ بمسائل منها قوله إن المعارف كلها ضرورية طباع وليس شئ من ذلك من أفعال العباد، وليس للعبد كسب سوى الإرادة وتحصل أفعاله منه طباعا». (٣) ويقول البغدادى فى الفرق بين الفرق. «مما نسب إلى الجاحظ قوله: «إن المعارف كلها طباع، وهى مع ذلك فعل للعباد وليست باختيار لهم، ووافق ثمامة ابن الأشرس فى أن لا فعل للعباد إلا الإرادة، وأن سائر الأفعال تنسب إلى العباد على معنى أنها وقعت منهم طباعا وأنها وجبت بإرادتهم (٤)». ولعل فى ذلك كله ما يوضح رأيه فى أن المعارف ضرورية طباع، يريد أنها تحصل بلا اكتساب، إنما كل ما هناك أن الإنسان يوجه إليها إرادته، فتحدث اضطرارا وطبيعة ومثلها أفعال الإنسان تحدث طبيعة واضطرارا ما دامت قد اتجهت إليها إرادته، فالمدار على الإرادة، وما يحدث بعدها فناشئ عنها، ويقول الشهرستانى إنه: «كان يقول بإثبات الطبائع للأجسام كما قال الطبيعيون من الفلاسفة، وقال باستحالة عدم الجواهر فالأعراض تتبدل والجوهر لا يجوز أن يفنى»، ويقول أحمد أمين: «وهى عبارة

стр. 1645

على إيجازها تدل على معان عديدة فهو يقرر فيها القوانين الطبيعية للأشياء، فللماء وللنار ولأشياء هذا العالم كلها قوانين طبيعية لا تتخلف؛ وهو يقرر المبدأ الهام الحديث وهو أن المادة لا تنعدم، فالجوهر عنده لا يفنى وإنما تتغير الأعراض فجوهر المادة ثابت لا ينعدم، وإنما يتحول ويتغير فيكون مرة ماء ومرة زرعا ومرة معدنا ومرة خشبا، وهذه كلها أعراض طارئة على المادة، وإن شئت فقل: إنها طارئة على العناصر الأولية التى تتكون منها المواد (١)». وذكر الشهرستانى تكملة لنظرية الجاحظ فى الطباع أنه كان يقول فى أهل النار «إنهم لا يخلدون فيها عذابا بل يصيرون إلى طبيعتها»، وأنه كان يقول: النار فى الآخرة تجذب أهلها إلى نفسها بدون أن يدخل أحد فيها، فهى التى تدخلهم نفسها وتخلّدهم فيها. وقد رد أبو الحسين الخياط على نسبة هذا القول إلى الجاحظ، وقال إنه مما نسبه إليه ابن الراوندى الكذاب، وقال إنه كذب عليه أيضا فى نسبته إليه إحالة فناء الأجساد وعدمها (٢). ولعل فى ذلك ما ينبهنا إلى أنه يجب الاحتياط فى التعرف على آراء المعتزلة وأنه يحسن استقاؤها من كتبهم الخاصة. وعاصر الجاحظ وتلاه كثير من المعتزلة فى البصرة وبغداد، وهم يكوّنون فى هذا العصر الطبقات السابعة والثامنة والتاسعة من كتاب طبقات المعتزلة لابن المرتضى، ومن أهمهم أبو يعقوب يوسف بن عبد الله بن إسحق الشحّام من أصحاب أبى الهذيل، وإليه انتهت رياسة المعتزلة فى البصرة فى وقته (٣)، وكان يعاصره فى بغداد جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب، وكانا ورعين زاهدين، ويسوق أبو الحسين الخياط فى كتابه الانتصار بعض آرائهما، ويذكر أن أولهما صنّف كتبا كثيرة فى الفقه، وأن له كتابا فى الردّ على أصحاب الرأى والقياس فى الشريعة (٤). ومن تلامذة جعفر بن مبشر أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط الذى عاش حتى نهاية القرن الثالث الهجرى. وكان من أكثر المعتزلة علما بأقوالهم

стр. 1646

واختلافاتهم، وكان فقيها مثل أستاذه ومحدّثا مرموقا. وله كتب كثيرة فى الرد على ابن الراوندى، نشر منها-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-كتاب الانتصار والرد على ابن الراوندى الملحد، وهو يدل بوضوح على سعة معرفته بآراء المعتزلة، وكان ابن الراوندى نسب إليهم آراء كثيرة غير صحيحة، فزيّفها وبيّن بطلانها، ومن عجب أن نرى البغدادى فى الفرق بين الفرق والشهرستانى فى الملل والنحل ينسبان إليهم بعض هذه الآراء، كما يتضح من المقارنة بين ما جاء فيهما عن الجاحظ مثلا وما جاء فى كتاب الانتصار. ويمكن من هذا الكتاب استخلاص كثير من آراء الخياط مؤلفه، ومن آرائه المهمة ذهابه إلى أن المعدوم يعدّ شيئا، محتجا بأن الشئ ما يعلم ويخبر عنه، وبذلك عدّ الجوهر جوهرا فى العدم والعرض عرضا فى العدم، وأطلق على المعدوم لفظ الثبوت (١). وأنبه من هؤلاء المعتزلة جميعا وأشهر أبو على (٢) محمد بن عبد الوهاب الجبّائى المتوفى سنة ٣٠٣ وهو تلميذ أبى يعقوب الشحام البصرى، وهو وابنه أبو هاشم من معتزلة البصرة. ولعل خير ما يصور آراءه كتاب مقالات الإسلاميين للأشعرى تلميذه وفيه أنه كان يرى أن الله سبحانه لم يزل عالما بالأشياء والجواهر والأعراض وأن الأشياء تعلم أشياء قبل كونها وتسمّى أشياء قبل كونها وكذلك الجواهر والحركات والسكون والألوان والطعوم والأراييح والإرادات (٣). وكأنه فى موقفه إزاء الأشياء يلتقى بالخياط فى رأيه الذى مرّ بنا آنفا، وقد حاول بعض خصومهما أن يلزمهما بأنهما يقولان بأزلية الأشياء وقدم الأجسام والجواهر والأعراض، ومن المحقق أنهما لم يقولا بذلك إنما يريدان أزلية العلم الإلهى. ومن تتمة رأى أبى على أنه كان يرى أن ما علم الله أنه يكون لا بد أن يكون. وكان يرى أن من الذنوب صغائر وكبائر، وأن الصغائر تستحق غفرانها باجتناب الكبائر، وأن الكبائر تحبط الثواب على الإيمان، وكان يذهب إلى أن العزم على الكبيرة كبيرة والعزم على الكفر كفر (٤). وكان يقول إن الله خير بما

стр. 1647

فعل من الخير، وقال إن الأمراض والأسقام ليست بشرّ فى الحقيقة وإنما هى شر فى المجاز، وكذلك كان قوله فى جهنم إذ كان يقول إن عذابها ليس بخير ولا بشرّ فى الحقيقة، لأن الخير هو النعمة وما للإنسان فيه منفعة، والشر هو العبث والفساد وعذاب جهنم ليس بصلاح ولا بفساد وليس برحمة ولا منفعة، ولكنه عدل وحكمة (١). وكان يرى أن معنى قوله تعالى: ﴿(اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ إنما هو على سبيل التوسع، ومعناه أنه هادى أهل السموات والأرض، وأنهم يهتدون به كما يهتدون بالنور والضياء وقال إنه لا يجوز أن نسميه نورا على الحقيقة إذ هو ليس من جنس الأنوار (٢). وكان يجلّ العقل إجلالا شديدا، وهو إجلال كان يتابع فيه المعتزلة، حتى ليمكن أن نسميهم جميعا باسم العقليين، غير أنه مضى فى الشوط إلى نهايته «فأثبت-وتابعه ابنه أبو هاشم-شريعة عقلية، وردّ الشريعة النبوية إلى مقدّرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التى لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدى إليها فكر (٣)». ويقال إن تلاميذه حرّروا ما أملاه فوجدوه مائة وخمسين ألف ورقة، ولم يبق من مصنفاته الكثيرة سوى تفسيره. وأبو هاشم (٤) الجبّائى عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ٣٢١ لا يقل عن أبيه أبى على الجبّائى شهرة، بل إنه يتقدمه فى الشهرة وذيوع لاسم، بل لقد تحول المعتزلة فى القرن الرابع الهجرى إلى مذهبه وآرائه، مؤمنين بأنه لم يبلغ غيره فى الكلام مبلغه. وأبوه هو أستاذه الذى خرّجه فى المباحث الاعتزالية، وهو يتفق معه فى كثير من آرائه، وينفرد عنه فى آراء كثيرة أيضا، يقول ابن المرتضى: «وقد استنكر بعض الناس خلافه على أبيه، وليست مخالفة التابع للمتبوع فى دقيق الفروع بمستنكر، وفى ذلك يقول أبو الحسن الكرخى: يقولون بين أبى هاشم ... وبين أبيه خلاف كثير فقلت وهل ذاك من ضائر ... وهل كان ذلك مما يضير

стр. 1648

فخلّوا عن الشيخ لا تعرضوا ... لبحر تضايق عنه البحور وإن أبا هاشم تلوه ... إلى حيث دار أبوه يدور ولكن جرى من لطيف الكلام ... كلام خفىّ وعلم غزير فهو قد دار مع أبيه فى آراء كثيرة، واستقل عنه فى أخرى استقلالا، لا يضيره، فحبّه أباه وتقديره شئ، وحبه الحقيقة الاعتزالية وتقديره إياها شئ آخر. وأدرك الشهرستانى ما بين الأب والابن من الاتفاق، فجمع بينهما فى فصل واحد، عارضا فيه أولا وجوه اتفاقهما، ثم ذكر ما خالف فيه أبو هاشم أباه. ولعل أهم نظرية عرف بها هى نظرية الأحوال، وهى نظرية تتصل بصفات الله الأزلية، ومعروف أن المعتزلة نفوها من قديم ذاهبين إلى أنها هى عين الذات الإلهية، فالله عالم بذاته، أى علمه هو ذاته، وهكذا بقية الصفات، وقال أبو على الجبائى إن الله عالم لذاته وقادر لذاته، وهلم جرّا، وتنبّه أبو هاشم إلى فساد قول أبيه لما يترتب عليه من جعل الله علة لصفاته (١). فحاول النفوذ إلى رأى دقيق وهداه عقله إلى أن الصفات أحوال تدرك بها الذات على نحو إدراكها للمعانى الكلية، ويوضح ذلك الشهرستانى قائلا: «عند أبى هاشم هو عالم لذاته، أى ذو حالة هى صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا إنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها، فأثبت أحوالا هى صفات لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة، أى هى على حيالها لا تعرف كذلك بل مع الذات، قال: والعقل يدرك فرقا ضروريا بين معرفة الشئ مطلقا وبين معرفته على صفة، فليس من عرف الذات عرف كونه عالما ولا من عرف الجوهر عرف كونه متحيزا قابلا للعرض (٢)». وهى نظرية دقيقة، إذ حاول بها أبو هاشم أن يلغى ما قد يظنّ من نفى المعتزلة: أبى الهذيل العلاّف وأضرابه للصفات الأزلية عن الله أنه ليس لها وجود مع أنها مكررة مرددة فى الذكر الحكيم، فقد ذهب إلى أنها فى حال وسطى لا موجودة ولا معدومة، وأنها تدرك كما تدرك الكليات بدون أن تكون هى نفسها عين الذات، وكأنه خشى أن يؤول ذلك عند بعض الناس إلى أن تكون جواهر أو أقانيم، فأثبت أنها أحوال، وفى الوقت

стр. 1649

نفسه كان يرد على زميله الأشعرى كما سيلى عما قليل فى فكرته القائلة بأن الصفات الإلهية زائدة على الذات. ومن آراء أبى هاشم الطريفة تعليله للعقاب الأخروى إذ يقول: «إن القديم تعالى خلق فينا شهوة القبيح ونفرة الحسن، فلابد أن يكون فى مقابلته من العقوبة ما يزجرنا عن الإقدام على المقبّحات، ويرغبنا فى الإتيان بالواجبات، وإلا كان يكون المكلّف مغرى بالقبح، والإغراء بالقبح لا يجوز على الله تعالى (١)»، وكأنّه تنبّه بوضوح إلى أن الغرض من العقاب التربية وأن يحذر الإنسان عواقب عمله الوخيم حتى ينتهى عنه. وكان أبوه يرى أن التوبة عن الصغائر تجب سمعا وعقلا، أما أبو هاشم فكان يرى أنها لا تجب إلا سمعا، لأن التوبة-فى رأيه-إنما تجب لدفع الضرر عن النفس ولا ضرر فى الصغيرة فلا التوبة تجب عنها (٢). وكان أبوه يرى أن التوبة عن بعض الكبائر مع الإصرار على بعض آخر تصحّ، أما أبو هاشم فكان يرى أنه لا تصح التوبة عن بعض الكبائر دون بعض، فلابد أن يتوب المذنب من جميع الكبائر توبة نصوحا (٣). وتلميذ ثان لأبى على الجبّائى انفصل عنه بأكثر مما انفصل ابنه أبو هاشم، بل لقد استطاع أن يقيم مذهبا جديدا لا يعارض به أستاذه فحسب، بل يعارض به المعتزلة جميعا، إذ أقامه على التوسط بين آرائهم وآراء أهل السنة، حتى لقد عدّ هو نفسه مذهب أهل السنة، ونقصد أبا الحسن (٤) على بن إسماعيل، سليل أبى موسى الأشعرى الصحابى الجليل، المتوفى سنة ٣٢٤، وقد ظل على مذهب المعتزلة أربعين عاما كان يختلف فيها إلى حلقات أستاذه أبى على الجبائى، ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن وعدم رؤية الله بالأبصار وأن الإنسان يفعل أعماله بقدرته وإرادته الخالصة، وظل يلقى محاضراته بالبصرة والناس يقبلون عليه إلى أن بدا له أن يتركها إلى بغداد وظل بها إلى وفاته. وقد نشرت له كتب مختلفة، منها مقالات الإسلاميين التى رجعنا إليها مرارا،

стр. 1650

ومنها رسالته: الإبانة عن أصول الديانة واللمع، وهما يصوران مذهبه تصويرا دقيقا، وهو مذهب كما قدمنا يوازن بين آراء أهل السنة، وكل مسألة تذكر فيها الأدلة العقلية والأدلة السمعية من الكتاب والسنة، ونضرب مثلا لذلك البراهين على وجود الله. وقد اشتقها من القرآن اشتقاقا على هذا النمط الذى ساقه الشهرستانى إذ يقول: قال الأشعرى: الإنسان إذا فكر فى خلقته من أى شئ ابتدأ، وكيف دار فى أطوار الخلقة طورا بعد طور حتى وصل إلى كمال الخلقة، وعرف يقينا أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقه، ويبلغه من درجة إلى درجة ويرقاه من نقص إلى كمال- عرف بالضرورة أن له صانعا قادرا عالما مريدا، إذ لا يتصوّر صدور هذه الأفعال المحكمة من طبع لظهور آثار الاختيار فى الفطرة وتبين آثار الإحكام والإتقان فى الخلقة (١)»، وواضح أنه يستلهم فى هذا البرهان ما جاء فيه من أطوار خلق الإنسان وتحوله من نطفة إلى علقة فمضغة فعظام فكسوة من لحم، ثم أطواره فى حياته. وإذا عرض مثلا لبيان أن الله لا يشبهه شئ أدلى بالبرهان العقلى ثم أتبعه بالبرهان السمعى من مثل قوله تعالى: ﴿(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)﴾. وعلى هذه الشاكلة دائما يسوق الأشعرى مع الأدلة العقلية الأدلة السمعية. وقلنا آنفا إن مذهبه وسط بين مذهبى المعتزلة والمحدّثين، وقد تابع الأولين فى تنزيه الذات العلية عن التشبيه وكل ما يتعلق بالتجسيد، وأخذ بقول المحدّثين فى أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة، مستدلا على ذلك بأدلة سمعية أوضحها فى رسالته «الإبانة» إيضاحا تاما وبأدلة أخرى عقلية أوضحها فى «اللمع». وتوسط بين المعتزلة والجبرية فى أفعال الإنسان وخالقها، فقد كان الجبرية يذهبون إلى أن الله خالق أفعال الإنسان، وقال المعتزلة، بل الإنسان هو الذى يخلق أفعاله، وتوسط الأشعرى فقال إن أفعال الإنسان لله خلقا وصنعا وهى للإنسان كسبا وإرادة فهو يريدها والله يخلقها فيه (٢). وكان يرى أن صفات الله أزلية قائمة بذاته؛ فهى ليست عين الذات الإلهية كما يقول أكثر المعتزلة ولا هى أحوال كما قال أبو هاشم الجبائى بل هى زائدة على الذات قائمة بها (٣). وحاول التوفيق فى مسألة خلق القرآن بين المعتزلة والمحدّثين من أمثال ابن حنبل أى بين القولين القائلين بأن القرآن حادث أو هو قديم، فقال إن «العبارات
следующие страницы →