واختلافاتهم، وكان فقيها مثل أستاذه ومحدّثا مرموقا. وله كتب كثيرة فى الرد على ابن الراوندى، نشر منها-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-كتاب الانتصار والرد على ابن الراوندى الملحد، وهو يدل بوضوح على سعة معرفته بآراء المعتزلة، وكان ابن الراوندى نسب إليهم آراء كثيرة غير صحيحة، فزيّفها وبيّن بطلانها، ومن عجب أن نرى البغدادى فى الفرق بين الفرق والشهرستانى فى الملل والنحل ينسبان إليهم بعض هذه الآراء، كما يتضح من المقارنة بين ما جاء فيهما عن الجاحظ مثلا وما جاء فى كتاب الانتصار. ويمكن من هذا الكتاب استخلاص كثير من آراء الخياط مؤلفه، ومن آرائه المهمة ذهابه إلى أن المعدوم يعدّ شيئا، محتجا بأن الشئ ما يعلم ويخبر عنه، وبذلك عدّ الجوهر جوهرا فى العدم والعرض عرضا فى العدم، وأطلق على المعدوم لفظ الثبوت (١).
وأنبه من هؤلاء المعتزلة جميعا وأشهر أبو على (٢) محمد بن عبد الوهاب الجبّائى المتوفى سنة ٣٠٣ وهو تلميذ أبى يعقوب الشحام البصرى، وهو وابنه أبو هاشم من معتزلة البصرة. ولعل خير ما يصور آراءه كتاب مقالات الإسلاميين للأشعرى تلميذه وفيه أنه كان يرى أن الله سبحانه لم يزل عالما بالأشياء والجواهر والأعراض وأن الأشياء تعلم أشياء قبل كونها وتسمّى أشياء قبل كونها وكذلك الجواهر والحركات والسكون والألوان والطعوم والأراييح والإرادات (٣). وكأنه فى موقفه إزاء الأشياء يلتقى بالخياط فى رأيه الذى مرّ بنا آنفا، وقد حاول بعض خصومهما أن يلزمهما بأنهما يقولان بأزلية الأشياء وقدم الأجسام والجواهر والأعراض، ومن المحقق أنهما لم يقولا بذلك إنما يريدان أزلية العلم الإلهى. ومن تتمة رأى أبى على أنه كان يرى أن ما علم الله أنه يكون لا بد أن يكون. وكان يرى أن من الذنوب صغائر وكبائر، وأن الصغائر تستحق غفرانها باجتناب الكبائر، وأن الكبائر تحبط الثواب على الإيمان، وكان يذهب إلى أن العزم على الكبيرة كبيرة والعزم على الكفر كفر (٤). وكان يقول إن الله خير بما
стр. 1647
فعل من الخير، وقال إن الأمراض والأسقام ليست بشرّ فى الحقيقة وإنما هى شر فى المجاز، وكذلك كان قوله فى جهنم إذ كان يقول إن عذابها ليس بخير ولا بشرّ فى الحقيقة، لأن الخير هو النعمة وما للإنسان فيه منفعة، والشر هو العبث والفساد وعذاب جهنم ليس بصلاح ولا بفساد وليس برحمة ولا منفعة، ولكنه عدل وحكمة (١).
وكان يرى أن معنى قوله تعالى: ﴿(اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ إنما هو على سبيل التوسع، ومعناه أنه هادى أهل السموات والأرض، وأنهم يهتدون به كما يهتدون بالنور والضياء وقال إنه لا يجوز أن نسميه نورا على الحقيقة إذ هو ليس من جنس الأنوار (٢). وكان يجلّ العقل إجلالا شديدا، وهو إجلال كان يتابع فيه المعتزلة، حتى ليمكن أن نسميهم جميعا باسم العقليين، غير أنه مضى فى الشوط إلى نهايته «فأثبت-وتابعه ابنه أبو هاشم-شريعة عقلية، وردّ الشريعة النبوية إلى مقدّرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التى لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدى إليها فكر (٣)».
ويقال إن تلاميذه حرّروا ما أملاه فوجدوه مائة وخمسين ألف ورقة، ولم يبق من مصنفاته الكثيرة سوى تفسيره.
وأبو هاشم (٤) الجبّائى عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ٣٢١ لا يقل عن أبيه أبى على الجبّائى شهرة، بل إنه يتقدمه فى الشهرة وذيوع لاسم، بل لقد تحول المعتزلة فى القرن الرابع الهجرى إلى مذهبه وآرائه، مؤمنين بأنه لم يبلغ غيره فى الكلام مبلغه. وأبوه هو أستاذه الذى خرّجه فى المباحث الاعتزالية، وهو يتفق معه فى كثير من آرائه، وينفرد عنه فى آراء كثيرة أيضا، يقول ابن المرتضى: «وقد استنكر بعض الناس خلافه على أبيه، وليست مخالفة التابع للمتبوع فى دقيق الفروع بمستنكر، وفى ذلك يقول أبو الحسن الكرخى:
يقولون بين أبى هاشم ... وبين أبيه خلاف كثير
فقلت وهل ذاك من ضائر ... وهل كان ذلك مما يضير
стр. 1648
فخلّوا عن الشيخ لا تعرضوا ... لبحر تضايق عنه البحور
وإن أبا هاشم تلوه ... إلى حيث دار أبوه يدور
ولكن جرى من لطيف الكلام ... كلام خفىّ وعلم غزير
فهو قد دار مع أبيه فى آراء كثيرة، واستقل عنه فى أخرى استقلالا، لا يضيره، فحبّه أباه وتقديره شئ، وحبه الحقيقة الاعتزالية وتقديره إياها شئ آخر. وأدرك الشهرستانى ما بين الأب والابن من الاتفاق، فجمع بينهما فى فصل واحد، عارضا فيه أولا وجوه اتفاقهما، ثم ذكر ما خالف فيه أبو هاشم أباه.
ولعل أهم نظرية عرف بها هى نظرية الأحوال، وهى نظرية تتصل بصفات الله الأزلية، ومعروف أن المعتزلة نفوها من قديم ذاهبين إلى أنها هى عين الذات الإلهية، فالله عالم بذاته، أى علمه هو ذاته، وهكذا بقية الصفات، وقال أبو على الجبائى إن الله عالم لذاته وقادر لذاته، وهلم جرّا، وتنبّه أبو هاشم إلى فساد قول أبيه لما يترتب عليه من جعل الله علة لصفاته (١). فحاول النفوذ إلى رأى دقيق وهداه عقله إلى أن الصفات أحوال تدرك بها الذات على نحو إدراكها للمعانى الكلية، ويوضح ذلك الشهرستانى قائلا: «عند أبى هاشم هو عالم لذاته، أى ذو حالة هى صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا إنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها، فأثبت أحوالا هى صفات لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة، أى هى على حيالها لا تعرف كذلك بل مع الذات، قال: والعقل يدرك فرقا ضروريا بين معرفة الشئ مطلقا وبين معرفته على صفة، فليس من عرف الذات عرف كونه عالما ولا من عرف الجوهر عرف كونه متحيزا قابلا للعرض (٢)». وهى نظرية دقيقة، إذ حاول بها أبو هاشم أن يلغى ما قد يظنّ من نفى المعتزلة: أبى الهذيل العلاّف وأضرابه للصفات الأزلية عن الله أنه ليس لها وجود مع أنها مكررة مرددة فى الذكر الحكيم، فقد ذهب إلى أنها فى حال وسطى لا موجودة ولا معدومة، وأنها تدرك كما تدرك الكليات بدون أن تكون هى نفسها عين الذات، وكأنه خشى أن يؤول ذلك عند بعض الناس إلى أن تكون جواهر أو أقانيم، فأثبت أنها أحوال، وفى الوقت
стр. 1649
نفسه كان يرد على زميله الأشعرى كما سيلى عما قليل فى فكرته القائلة بأن الصفات الإلهية زائدة على الذات. ومن آراء أبى هاشم الطريفة تعليله للعقاب الأخروى إذ يقول: «إن القديم تعالى خلق فينا شهوة القبيح ونفرة الحسن، فلابد أن يكون فى مقابلته من العقوبة ما يزجرنا عن الإقدام على المقبّحات، ويرغبنا فى الإتيان بالواجبات، وإلا كان يكون المكلّف مغرى بالقبح، والإغراء بالقبح لا يجوز على الله تعالى (١)»، وكأنّه تنبّه بوضوح إلى أن الغرض من العقاب التربية وأن يحذر الإنسان عواقب عمله الوخيم حتى ينتهى عنه. وكان أبوه يرى أن التوبة عن الصغائر تجب سمعا وعقلا، أما أبو هاشم فكان يرى أنها لا تجب إلا سمعا، لأن التوبة-فى رأيه-إنما تجب لدفع الضرر عن النفس ولا ضرر فى الصغيرة فلا التوبة تجب عنها (٢). وكان أبوه يرى أن التوبة عن بعض الكبائر مع الإصرار على بعض آخر تصحّ، أما أبو هاشم فكان يرى أنه لا تصح التوبة عن بعض الكبائر دون بعض، فلابد أن يتوب المذنب من جميع الكبائر توبة نصوحا (٣).
وتلميذ ثان لأبى على الجبّائى انفصل عنه بأكثر مما انفصل ابنه أبو هاشم، بل لقد استطاع أن يقيم مذهبا جديدا لا يعارض به أستاذه فحسب، بل يعارض به المعتزلة جميعا، إذ أقامه على التوسط بين آرائهم وآراء أهل السنة، حتى لقد عدّ هو نفسه مذهب أهل السنة، ونقصد أبا الحسن (٤) على بن إسماعيل، سليل أبى موسى الأشعرى الصحابى الجليل، المتوفى سنة ٣٢٤، وقد ظل على مذهب المعتزلة أربعين عاما كان يختلف فيها إلى حلقات أستاذه أبى على الجبائى، ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن وعدم رؤية الله بالأبصار وأن الإنسان يفعل أعماله بقدرته وإرادته الخالصة، وظل يلقى محاضراته بالبصرة والناس يقبلون عليه إلى أن بدا له أن يتركها إلى بغداد وظل بها إلى وفاته.
وقد نشرت له كتب مختلفة، منها مقالات الإسلاميين التى رجعنا إليها مرارا،
стр. 1650
ومنها رسالته: الإبانة عن أصول الديانة واللمع، وهما يصوران مذهبه تصويرا دقيقا، وهو مذهب كما قدمنا يوازن بين آراء أهل السنة، وكل مسألة تذكر فيها الأدلة العقلية والأدلة السمعية من الكتاب والسنة، ونضرب مثلا لذلك البراهين على وجود الله. وقد اشتقها من القرآن اشتقاقا على هذا النمط الذى ساقه الشهرستانى إذ يقول: قال الأشعرى: الإنسان إذا فكر فى خلقته من أى شئ ابتدأ، وكيف دار فى أطوار الخلقة طورا بعد طور حتى وصل إلى كمال الخلقة، وعرف يقينا أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقه، ويبلغه من درجة إلى درجة ويرقاه من نقص إلى كمال- عرف بالضرورة أن له صانعا قادرا عالما مريدا، إذ لا يتصوّر صدور هذه الأفعال المحكمة من طبع لظهور آثار الاختيار فى الفطرة وتبين آثار الإحكام والإتقان فى الخلقة (١)»، وواضح أنه يستلهم فى هذا البرهان ما جاء فيه من أطوار خلق الإنسان وتحوله من نطفة إلى علقة فمضغة فعظام فكسوة من لحم، ثم أطواره فى حياته. وإذا عرض مثلا لبيان أن الله لا يشبهه شئ أدلى بالبرهان العقلى ثم أتبعه بالبرهان السمعى من مثل قوله تعالى: ﴿(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)﴾. وعلى هذه الشاكلة دائما يسوق الأشعرى مع الأدلة العقلية الأدلة السمعية. وقلنا آنفا إن مذهبه وسط بين مذهبى المعتزلة والمحدّثين، وقد تابع الأولين فى تنزيه الذات العلية عن التشبيه وكل ما يتعلق بالتجسيد، وأخذ بقول المحدّثين فى أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة، مستدلا على ذلك بأدلة سمعية أوضحها فى رسالته «الإبانة» إيضاحا تاما وبأدلة أخرى عقلية أوضحها فى «اللمع». وتوسط بين المعتزلة والجبرية فى أفعال الإنسان وخالقها، فقد كان الجبرية يذهبون إلى أن الله خالق أفعال الإنسان، وقال المعتزلة، بل الإنسان هو الذى يخلق أفعاله، وتوسط الأشعرى فقال إن أفعال الإنسان لله خلقا وصنعا وهى للإنسان كسبا وإرادة فهو يريدها والله يخلقها فيه (٢).
وكان يرى أن صفات الله أزلية قائمة بذاته؛ فهى ليست عين الذات الإلهية كما يقول أكثر المعتزلة ولا هى أحوال كما قال أبو هاشم الجبائى بل هى زائدة على الذات قائمة بها (٣). وحاول التوفيق فى مسألة خلق القرآن بين المعتزلة والمحدّثين من أمثال ابن حنبل أى بين القولين القائلين بأن القرآن حادث أو هو قديم، فقال إن «العبارات
стр. 1651
والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء ﵈ دلالات على الكلام الأزلى، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلى (١)»، وبعبارة أخرى كان يرى أن القرآن وكلام الله القائم بذاته قديم، أما الكتاب الذى بين أيدينا والذى نزل به الوحى فى زمن من الأزمان فحادث. وأنزل العقل من مكانته القدسية عند المعتزلة وخاصة فى الإلهيات، إذ قال إن معرفة الله وشئونه الإلهية ليس سبيلها ولا أداتها العقل، بل الوحى والشرع ونصوص القرآن والسنة، فالعقل عنده لا يوجب شيئا ولا يقتضى تحسينا ولا تقبيحا، ولا يوجب على الله رعاية لمصالح العباد، والواجبات كلها واجبات بالسمع، وقد تحصّل معرفة بالعقل، ولكنها لا تجب إلا عن طريق السمع (٢).
стр. 1652
الفصل الرّابع:
نشاط الشعر
١ - علم الشعراء بأسرار العربية
كل من يتابع جهود اللغويين فى القرنين الثانى والثالث للهجرة يلاحظ توّا كثرة ما أدوه للعربية وشعرائها من دراسات متنوعة، فقد جمعوا مادتها الشعرية واللغوية جمعا مستقصيا صوّروه فى مباحث مفردة كمبحث عن الإبل أو الشجر أو الكلأ أو النخل والكرم أو خلق الإنسان أو الميسر والقداح أو الأنواء، وكمبحث عن الاشتقاق أو عن علامات التأنيث أو الهمز وتحقيقه أو عن فعلت وأفعلت أو عن الأضداد، أو عن الوحش والسباع والطير والهوام وحشرات الأرض.
وكادوا لا يتركون موضوعا ولا صيغة لغوية فيها بعض الاشتباه إلا دوّنوا فيها الرسائل القصيرة والطويلة. ثم ألّفوا الكتب المجلدة. واستطاعوا منذ أواسط القرن الثانى للهجرة أن يضعوا قواعد النحو العربى وضعا نهائيّا وبالمثل قواعد الصرف والتصريف، وأيضا قواعد الأوزان الشعرية والقوافى، بحيث أصبح الشعر العربى ولغته جميعا مذلّلين منقادين للناشئة، وفى أثناء ذلك وضعت القواعد لوضع المعجم العربى، بحيث يضم بين دفّتيه كل الكلمات العربية المستعملة والأخرى المهملة، على نحو ما هو معروف عن معجم العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد، وألّف على غراره بأخرة من العصر ابن دريد معجمه المشهور: الجمهرة، كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع.
وعلى هذا النمط أخذ اللغويون يجمعون للناشئة من الشعراء وغير الشعراء مادة اللغة، كما أخذوا يبسطون لهم قواعدها النحوية والصرفية والموسيقية، وقد مضوا منذ مطالع العصر العباسى يجمعون لهم عيون الشعر العربى فى مجاميع كثيرة، غير ما جمعوه
стр. 1653
من الدواوين القديمة الجاهلية والإسلامية، وما أخذوا يجمعونه من دواوين العصر العباسى للشعراء النابهين، وكانوا يشرحون ما يجمعونه من أشعار تلك الدواوين حتى تفقهه الناشئة فقها حسنا، وشاركهم الشعراء فى هذا الصنيع على نحو ما مر بنا فى الفصل السالف مما صورناه عند أبى تمام والبحترى، وقد يكون مما دفعهما إلى هذه المشاركة أنهما وجدا اللغويين يهتمون فى كثير من الأمر بالشعر الغريب، ليتخذوا منه مادة للتعليم على نحو ما يلقانا فى كتابات ابن السكيت وثعلب، فأرادا أن يقفا الناشئة بجانب ذلك على طرائف الشعر القديم والحديث، وكان كثير من اللغويين قد عنى بالترجمة للشعراء القدماء الجاهليين والإسلاميين، فانبرى بعض الشعراء والأدباء يترجم للشعراء العباسيين فى كتب يفردها لهم، كما يلقانا فى كتاب طبقات الشعراء المحدثين لابن المعتز وكتاب الورقة لمحمد بن داود بن الجراح، وجمع ابن قتيبة بين القدماء والمحدثين فى كتابه «الشعر والشعراء». وكانت قد سبقت ذلك كله كتب فى تراجمهم للأصمعى وأبى عبيدة ودعبل، وكتاب طبقات الشعراء لابن سلام مشهور.
وكل ذلك مكّن الناشئة من إتقان العربية والوقوف على كثير من أسرارها التركيبية والموسيقية، وزاد من وقوفهم على هذه الأسرار أن بيئة المتكلمين أخذت تعنى منذ القرن الثانى الهجرى بتلقين الناشئة بعض قواعد البيان والبلاغة، حتى يحسنوا الجدل والحوار وحتى يخلبوا ألباب سامعيهم، وإذا هذه القواعد تتفجر على ألسنتهم عند بشر بن المعتمر وأمثاله، وإذا الجاحظ يؤلف فى ملاحظاتهم وملاحظاته البيانية كتابه «البيان والتبيين» مصوّرا فيه كثيرا من أسرار البيان العربى تصويرا يتيح للشباب أن يقفوا فى غير مشقّة على خصائص العربية وأن يتذوّقوا هذه الخصائص تذوقا دقيقا. وشارك الجاحظ فى هذا المجال كثير من اللغويين، على نحو ما مرّ بنا فى الفصل السالف أمثال أبى عبيدة والمبرد، ولم يلبث أن انبرى شاعر نابه هو ابن المعتز لتصوير فنون البيان الشعرى الرائع فى كتابه «البديع» واستطاع أن يضع لها المصطلحات التى كانت تجمعها فى عصره، وأن يتيح لها من التعريف بها ووصف أساليبها ما لم يتح لمتكلم أو لغوى أو شاعر من قبله، باثا فى ثنايا ذلك ملاحظات دقيقة فى الفن الشعرى وجماله المتنوع الذى لا ينضب معينه.
стр. 1654
ومعنى ذلك كله أن العربية بخصائصها الجمالية والموسيقية والصرفية والنحوية وضعت تحت أعين الناشئة فى القرن الثالث الهجرى وضعا علميّا دقيقا حتى أصبح فى ميسور كل ناشئ أن يتقنها، إذ يستطيع أن يقرأ أشعارها فى غير عناء ويفهمها فى غير مشقة ويتذوقها فى غير تكلف، بحيث يستطيع أن يسيغها، بل أن يتمثلها تمثلا دقيقا. على أنه يحسن أن نعترف بأن عربية مولدة أخذت تشيع على ألسنة العامة بجانب العربية الفصحى، وكانت تتداولها الطبقات الدنيا وقد يشركها أفراد من الطبقات الوسطى، وكانت تنتشر فى العراق على ألسنة النبط وأهل الذمة، وساعد على انتشارها تحول مقاليد الحكم العباسى من أيدى الفرس أصحاب الحضارة العريقة إلى أيدى الترك، وكانوا لا يعرفون أى حضارة ولم يكن يعنيهم أن يحسنوا العربية، فاستخدموا اللغة الدارجة فى أحاديثهم، وكان ذلك عاملا مساعدا فى إشاعتها لهذا العصر بين من يعلمون معهم فى الدواوين وأعمال الدولة المختلفة، وليس ذلك فحسب، فقد كان نفر من كتابهم يستظهرون على ألسنتهم بعض الكلمات العامية، وعمّم ذلك بعض الباحثين فى الشعراء، إذ رأوا ابن قتيبة يحيل كتابه «أدب الكاتب» إلى أسواط حامية يشوى بها وجوه الكتاب لعصره معلنا النكير عليهم لعنايتهم بالمنطق والفلسفة والهندسة وعلم الفلك، مسجلا قعودهم عن التثقيف ثقافة عميقة باللغة واشتقاقاتها وأبنيتها، وكيف أنهم لا يعرفون المدلولات الدقيقة للألفاظ ولا مواضع استخدامها، مع جهلهم بكثير من الصيغ وما بينها من الفروق» فهم لا يعرفون فرق ما بين اسم المرة واسم الهيئة فى الصيغة، ولا كيف تتبادل الحروف أمكنتها، وكذلك الأفعال اللازمة والمتعدية، مع ما يلوكون من الكلمات الفارسية.
وطبيعى أن هذه الحملة التى شنّها ابن قتيبة على الكتّاب لا تشمل جمهورهم، إنما هى تشمل أفرادا منهم، لم يكونوا من بلغاء العصر ولا من كتّابه الممتازين، ومن أجل ذلك يجب ألا نعممها فى الكتّاب فضلا عن الشعراء، ويجب ألا يغيب عن بالنا أن اللغويين كانوا لهم بالمرصاد، فمن انحرف منهم عن جادة الفصحى شنّعوا عليه وسقطوا به من حالق سقطة لا إقالة له منها أبدا، إذ كانوا يعدّون أنفسهم حماة الفصحى، وأن من نوّهوا به من الشعراء طار اسمه ومن أزروا به لم تقم له قائمة، وكان الشعراء يسلمون لهم بهذه المنزلة، فكانوا يعرضون عليهم أشعارهم
стр. 1655
وخاصة فى أول أمرهم، كما يحدثنا أبو الشبل أحد الشعراء لعصر المتوكل إذ يقول:
«لما عرض لى الشعر أتيت جارا لى نحويا هو المازنى وأنا يومئذ حديث السنّ، فقلت له إن رجلا لم يكن من أهل الشعر ولا من أهل الرواية قد جاش صدره بشئ من الشعر، فكره أن يظهره حتى تسمعه، قال: هاته، وكنت قد قلت شعرا ليس بجيد، إنما هو قول مبتدئ، فأنشدته إياه فلما سمعه نهرنى عليه وذمّه (١)»، ومنذ بشار بن برد فى العصر العباسى الأول نجد اللغويين يتعقبون الشعراء فى أساليبهم، فكلما بدا من أحدهم انحراف عن جادّة الفصحى أعلنوا النكير عليه، حتى لو كان فى انحرافه الظاهر إنما يقيس على أمثلة الشعراء القدماء وأبنيتهم أو على بعض أبنية العرب المسموعة، ومما يصوّر ذلك عند بشار أنه رأى العرب يصوغون من الفعل فعلى للدلالة على السرعة فيقولون حجلى للدلالة على سرعة السير، فقاس على هذه الصيغة وجلى من الوجل قائلا:
والآن أقصر عن سميّة باطلى ... وأشار بالوجلى علىّ مشير
فأخذ كثير من اللغويين يحمل عليه مخطئا له (٢)، وبشار محق، لأن من حقه القياس، وإذا كان من حقنا أن نقيس فى شئون الدين، كما قرّر ذلك الفقهاء المعاصرون له من أمثال أبى حنيفة فأولى أن يقيس الشعراء فى أبنية اللغة واشتقاقاتها الصرفية، وارتضت كثرة اللغويين منهم أن يخضعوا أحيانا لضرورات الأوزان وأنغامها التى يصوغون عليها أشعارهم، وسمّوا ذلك ضرورات شعرية، غير أن بعض المحافظين المسرفين فى محافظتهم كانوا يعدّون الضرورات عيوبا، وكانوا لا يزالون يحصونها على الشعراء كما يحصون عليهم بعض أقيستهم مما لم يسمع عن العرب، وظل ذلك دأبهم فى هذا العصر كما كان دأبهم فى العصر العباسى الأول حين كانوا يراجعون بشارا وأضرابه. واحتفظ كتاب الموشح للمرزبانى بطائفة كبيرة من مراجعاتهم لمعاصريهم، من ذلك قول على بن الجهم:
ونحن أناس أهل سمع وطاعة ... يصحّ لكم إسرارها وعلانها
стр. 1656
فقد ذكروا أنه أخطأ فى قوله: «علانها» بكسر العين وإنما سمع عن العرب: «إعلانها» وكأن ابن الجهم صاغ من كلمة العلن عالنه كما قالوا أعلنه واشتق منها: عالنه علانا. وسمعه المبرد يقول فى بعض حديثه: «أظننى مأزورا فى قعودى»، فقال: لقد نقص فى عينى حين سمعت منه هذا القول، إذ المسموع موزور لا مأزور (١)، وكأن ابن الجهم قاس هذه الصيغة على مثال مأجور ومأثور.
وهذان المثالان هما كل ما رواه اللغويون من أخطاء ابن الجهم، وحتى على فرض خطئه فيهما وأنه لم يصب فى اجتهاده كان يحسن أن يغفروهما له وأن يشيدا بمدى معرفته للعربية وأمثلتها فى البنية والصياغة، إذ لم يحدث أن أخطأ فيها-إن سلمنا لهما بهذا الخطأ-سوى مرتين. وشاعر ثان هو على بن محمد العلوى الكوفى المعروف بالحمّانى فقد أخذوا عليه خطأين: خطأ نحويّا وخطأ اشتقاقيّا صرفيّا، فأما الخطأ النحوى ففى قوله:
وجه هو البدر إلا أن بينهما ... فضلا تلألأ فى حافاته النّور
فى وجه ذاك أخاطيط مسوّدة ... وفى مضاحك هذا الدرّ منثور
فقد قالوا إن حق كلمة «منثور» فى آخر البيت الثانى النصب، لأنها فى موقع الحال، والطريف أن المرزبانى حاول إخراج الحمانى من هذا الخطأ وردّه عنه، فقال إن رفع منثور جائز بمعنى هو منثور (٢)، والمسألة لا تحتاج إلى كل هذا التأويل فإن الحمانى تبادر إليه أن كلمة منثور خبر لكلمة الدر، وكلمة «فى مضاحك هذا» متعلقة بها، ولا عيب ولا خطأ فى ذلك. وأما الخطأ الاشتقاقى الذى عابوه على الحمّانى ففى قوله:
أرقت وما ليل المضام بنائم ... وقد ترقد العينان والقلب ساهر
فقد قالوا إن الصواب مضيم بفتح الميم، إذ لا يقال أضمته وإنما يقال ضمته (٣) فهى فى غير حاجة إلى التعدية بالهمزة. وربما سمع الحمانى من العرب من يقول أضام أو ربما قرأ ذلك فى بعض الأشعار القديمة. وهو على كل حال خطأ واحد يشهد
стр. 1657
بسلامة لغته. وحتى البحترى الذى اشتهر بفصاحته وإتقانه للعربية وعلمه بأسرارها وقدرته البارعة على استخدام مفاتيحها الموسيقية نجد اللغويين يتوقفون بإزاء بعض استعمالاته ليثبتوا عليه الخطأ فى هذا الموضع أو ذاك، وقد زعموا أن من اللحن عنده قوله فى بعض شعره:
يا عليّا بل يا أبا الحسن الما ... لك رقّ الظريفة الحسناء
وواضح أن المنادى العلم، وهو على، فى أول البيت منصوب منون. وحقه الضم (١)، وهى مسألة يعرفها الناشئة ومن يشدون شيئا من النحو، وغريب أن يخطئ فيها البحترى، وهو فعلا لم يخطئ، فإن رواية الكلمة فى الديوان «يا على» وإذن لا خطأ، وقد يكون تقوّل عليه ذلك بعض خصومه. وأخذوا عليه قوله فى الفتح بن خاقان:
يا مادح الفتح ويا آمله ... لست امرأ خاب ولا مثن كذب
فقد قالوا إن كلة «مثن» فى البيت كان حقها النصب، فيقال مثنيا، لأنها معطوفة على منصوب هو كلمة «امرأ» وفاتهم أن البحترى رفع الكلمة على إضمار مبتدأ محذوف أى: «ولا أنت مثن كذب» ومن حقه أن يصنع ذلك حين يريده.
وأخذوا عليه أيضا قوله:
ولو أنصف الحسّاد يوما تأمّلوا ... مساعيك هل كانت بغيرك أليقا
فإنه سكّن كلمة «مساعيك» وكان حقها النصب: «مساعيك» لأنها مفعول به، وأنكروا عليه قوله فى مطلع رثائه للمتوكل:
محلّ على القاطول أخلق داثره ... وعادت صروف الدهر جيشا تغاوره (٢)
وقالوا المروىّ: دثر مخلقة. ولا يقال: «أخلق داثره» لأن الداثر لا بقية له فتخلق أى تبلى وتستجد، وهم مبالغون فى قولهم. لأن العرب يقولون أطلال داثرة، وهم يريدون بقاياها أو قل بقايا الديار قبل أن تمحى محوا نهائيّا.
стр. 1658
ويلاحظ الصاحب بن عباد أنه ذكر الفعل الناقص: «نسيه» بإشباع الياء وإسكانها بدلا من فتحها فى قوله (١):
أبو غالب بالجود يذكر واجبى ... إذا ما غبىّ الباخلين نسيه
وكأن ابن عباد لم يلتفت إلى أن البحترى إنما صنع ذلك لضرورة القافية التى تنتهى بها قصيدة البيت، وأيضا فإنه لم يلتفت إلى أن هذه لغة معروفة لطيئ قبيلة الشاعر إذ ينطقون مثل «رضى» بفتح الياء «رضى» بإسكانها وإشباعها. ومما يدل دلالة واضحة على تعنت اللغويين إزاء البحترى وغيره من الشعراء أن نجد صاحب خزانة الأدب يروى عنهم أنهم أنكروا عليه تسكين اللام فى كلمة «طلحاته» من قوله مادحا:
عدلتم بطلحة عن حقّه ... ونكّبتم عن موالاته
وكيف يجوز لكم جحده ... وطلحتكم بعض طلحاته
قالوا كيف يسوّغ لنفسه تسكين اللام والوجه أن تكون مفتوحة (٢)، وواضح أنه صنع ذلك لضرورة الشعر، ومعروف أنها تبيح للشاعر أن يخرج على القواعد النحوية والصرفية أحيانا، فما بالنا بالحركة والسكون حين يتبادلان مواضعهما وفى الحق أن كل ما أنكروه على البحترى مما يحق له ولا تجوز مؤاخذته عليه، وهى صورة من التزمّت وضيق الأفق عند بعض اللغويين. ومما يدخل فى هذا الباب من التعنت القبيح أن نجد بعض اللغويين يستمع إلى ابن الرومى يمدح الموفق حين قضى على ثورة صاحب الزنج التى مرت بنا فى غير هذا الموضع، فيقول فى بعض مديحه مخاطبا الموفق:
ثناك له مقداره فكأنما ... تقوّض ثهلان عليه وصندد (٣)
فيعترض على نطقه: «صندد» بفتح الدال الأولى قائلا إنها «صندد» بكسرها (٤). وإنما أطلنا فى بيان ذلك كله لندل على أن اللغويين لم يكونوا يستطيعون
стр. 1659
أن يتعلقوا فى هذا العصر على الشعراء النابهين بأخطاء جوهرية فى اللغة أو فى للتصريف، بل لقد كانوا لا يزالون يلتقطون بعض الضرورات الشعرية ليعدوها أخطاء، وحتى الحركات الداخلية فى الكلمات وأبنيتها كانوا لا يزالون يتعقبونها على نحو تعقبهم لابن الرومى فى كلمة «صندد». وكل ما ذكره المرزبانى وسجله عن علماء اللغة فى هذا الباب لا يعدو مثل هذه الصور التى وصفناها، ومثلها ما حاول بعض معاصريه أن يسجلو مثل الصاحب بن عباد وأبى هلال العسكرى، فإنهم لم يتجاوزا فى الغالب الضرورات الشعرية، مما يدل دلالة قاطعة فى العصر على سلامة اللغة وسلامة الألسنة، وحقّا كما قلنا كانت هناك لغة عامية تتداول فى الحياة اليومية، ولكنها ظلت لا تجور على العربية، وظلت الناشئة فى كل مكان تتغذى بالفصحى وتتلقنها على أساتذتها النابهين. وكان هناك كثيرون لا يزالون يستخدمونها فى حياتهم اليومية العاملة، كان ذلك يرفع منهم فى أعين الناس، حتى ليقول إسحق (١) بن خلف الطّنبورىّ:
النحو يبسط من لسان الألكن ... والمرء تعظمه إذا لم يلحن
وإذا طلبت من العلوم أجلّها ... فأجلّها عندى مقيم الألسن
وإذا كان الإعراب فى رأى بعض المغنين أو الضاربين على الطنبور يبلغ هذا المبلغ من المنزلة الرفيعة، فأولى أن تكون منزلته أرفع وأعلى شأنا عند الشعراء الذين عاصروه، وفى الحق أنهم ظلوا يحافظون بكل قوة على الصياغة العربية فى المفردات والتراكيب وعلى قواعد الإعراب والتصريف، بحيث نجد شاعرا ضخما مثل البحترى أو ابن الرومى لا يكاد اللغويون يتعلقون عليه بشئ ذى بال، بل حتى الشعراء الذين اشتهروا بأنهم كانوا أميين لا يقرءون ولا يكتبون والذين لم يجالسوا العلماء لأخذ قواعد النحو والتصريف مثل الخبز أرزىّ، الذى كان يخبز بالبصرة خبز الأرز ويبيعه فى دكان متكسبا به، والناس يزدحمون عليه لسماع شعره كان لا يعدو الفصحى فى نظمه.
стр. 1660
ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور من بعض الوجوه كيف كان الشعراء يتزودون بالعربية الفصيحة أزوادا مكّنتهم من الوقوف على خصائصها ودقائقها الإعرابية والصرفية، بحيث نفوا عن أساليبهم كل الشوائب التى كان من المفروض أن تسيل من العامية المتداولة إلى الفصحى، ولم ينفوها فحسب، بل عملوا جاهدين على أن يحتفظوا بالصياغة العربية الأصيلة بدون أن يدخل عليها نبوّ أو انحراف أو أى اعوجاج أو أى نقص فى الأداء. ويكفى أن يكون همّ جماعة كبيرة من اللغويين أن يتعقبوا سقطات شاعر مثل البحترى فيعوزهم المثال، فيلجئون إلى بعض الضرورات الشعرية عنده يسجلونها، ومعروف أن شاعرا لم يكثر فى هذا العصر كما أكثر ابن الرومى، ومع ذلك لم يسعفهم الفحص فى أشعاره إلا أن يسجلوا فى بناء عنده حركة داخلية على تقدير صحتها إن سلم لهم ذلك. فإذا قلنا إن الشعراء فى هذا العصر تمثلوا العربية وأسرارها التركيبية أقوى تمثل وأروعه لم نكن مغالين ولا مبعدين، بل لقد تمثلوا أسرارها الجمالية كما مر بنا تمثلا بارعا، وهو تمثل جعل الشعراء يعنون عناية بالغة باختيار الألفاظ والملاءمة الصوتية بين اللفظة واللفظة فى الجرس، بل بين الحروف نفسها، حتى يلذ الشعر الألسنة التى تنطق به والآذان التى تستمع له والأفئدة التى تصغى إليه، وما زال الشعراء مكبين على قيثاراتهم يستخرجون منها أعذب الأنغام، حتى استطاع البحترى أن يصل من ذلك إلى كل ما كان يحلم به الشاعر العربى منذ وجد امرؤ القيس حتى عصره، فإذا شعره يستحيل أنغاما وألحانا خالصة.
والبحترى إنما هو رمز لحركة التمسك بالصياغة العربية، بل التمثل لها بحيث تجرى فى نفس الشاعر سليقة الشعر العربى بكل سماتها وشاراتها وبكل معانيها وخواصها، بل بحيث يفقه ذلك كله فقها تامّا دقيقا، بما أتيح له عند العلماء وأصحاب البلاغة من ملاحظات جمالية، تنبع من الثقافة بالشعر السابق قديمه وحديثه ومن الذوق المصفى المتحضر ومن الشعور المرهف الرقيق. وإذا لغة الشعر تصبح تارة رضينة ناصعة كأتم ما تكون النصاعة والرصانة، وحينا تصبح عذبة خفيفة تكاد تطير لخفتها ورشاقتها عن الأفواه طيرانا. ومن هنا كنا نستطيع أن نقول إن أساليب الشعر فى العصر ظل لها رونقها وبهاؤها، بل لقد ازدادت بهاء
стр. 1661
ورونقا، بفضل تمثل الشعراء الفريد فى العصر للصياغة العربية السليمة وبصرهم بأسرارها وحذقهم لخصائصها حذقا جعلهم يسوّون منها جواهر ولآلئ كثيرة.
وإذن فمن واجبنا أن نحترس أشد الاحتراس من حديث يوهان فك فى كتابه «العربية» عن اتساع الضيم الذى دخل فى العصر على لغة الشعر وصياغته، فإن هذا الضيم الذى ساقه حين يبحث لا يعدو ما لاحظناه آنفا عند البحترى ومعاصريه من أشياء تعدّ على الأصابع، وهى تدخل جملة فى الضرورات الشعرية، وكأن كل الضيم الذى خاله إنما هو سراب ظنه ماء، ولا ماء هناك ولا ضيم حدث فى الفصحى على ألسنة شعراء العصر، بل لقد كانوا يتقنون المعرفة بأسرارها ورسومها وصياغاتها الباهرة كأشد ما تكون المعرفة دقة وعمقا.
٢ - ذخائر عقلية خصبة
مرّ بنا نشاط الترجمة فى العصر كما مر بنا النشاط العام للحياة العقلية، حتى ليكاد يظن الإنسان أنه لم يكن هناك أحد لا تتسع قراءاته، فتشمل جميع مواد الثقافات المعروفة حينئذ من عربية وإسلامية وأجنبية من موارد شتى: موارد هندية وفارسية ويونانية، مع ما كان يداخل المعارف الهيلينية من موارد شرقية فارسية وغير فارسية. فكل ذلك كان تحت أبصار الناس من شباب وغير شباب ينهلون منه كما يشاءون دون حجاب ودون أية صعوبات، فدار الحكمة مكتبة الدولة مفتوحة على مصاريعها ودور أخرى كثيرة عرضنا لها فى غير هذا الموضع، ودكاكين الوراقين بالمثل تعرض كل ما يطلبه القارئ، وحلقات المساجد تموج بالمحاضرين فى مختلف فروع المعرفة، ولكل شخص الحق فى أن يستمع إلى ما يرغب فيه من هذه المحاضرات.
وأخذ العرب حينئذ يشاركون مشاركة قوية فعالة فى تاريخ الفكر الإنسانى؛ فإذا علماء وفلاسفة عظام يأخذون فى الظهور بينهم، ويكفى أن نذكر الخوارزمى العالم
стр. 1662
للرياضى النابه واضع علم الجبر، والكندى الفيلسوف أو أول فلاسفة العرب بالمعنى الدقيق لكلمة فلاسفة، وهما معلمان كبيران فى العصر يدلان أقوى دلالة على نهضة العقل العربى وازدهاره حينئذ، مما عرضنا لبعض مظاهره فى الفصل الماضى.
وحدث فى أثناء ذلك أن أخذ بعض الأدباء يتجرد للمزج بين ثقافات العصر واستخلاص ثقافة عربية لها طوابعها ومشخصاتها المستقلة، على نحو معروف عن الجاحظ المعتزلى، وكان المعتزلة قد أكبوا منذ أوائل العصر العباسى فى القرن الثانى الهجرى على الثقافات الأجنبية يتزودون منها، واستطاع كثيرون منهم أن يكوّنوا لأنفسهم نظريات تتصل بالطبيعة وما وراء الطبيعة مما صورناه فى كتابنا العصر العباسى الأول، ونفذ الجاحظ فى العصر كما قلنا آنفا إلى الوصل فى كتاباته بين الثقافتين العربية والإسلامية والثقافات الأجنبية، بحيث غدت كتبه تغذّى العقول والقلوب، فالأدب فيها يلتقى بالفكر والعلم التقاء خصبا مثمرا، على نحو ما نجد فى كتابه «الحيوان». وخطا ابن قتيبة فى هذا الاتجاه من المزج بين الثقافات خطوة أخرى كما أسلفنا، فمزج فى كتابه «عيون الأخبار» بين الثقافة العربية والثقافة الفارسية مزجا قويا، مزاوجا بين طائفة كبيرة من الآداب فى الثقافة الأولى والآداب السياسية فى الثقافة الثانية، مع ما أضافه من الحكم الطريفة التى جلبها من كتاب كليلة ودمنة المترجم عن الهندية، وكذلك ما أضافه عن الثقافة اليونانية.
كان طبيعيّا لذلك كله أن تنمحى الأبعاد والفوارن؟ ؟ ؟ بين الفكر العربى الخالص والفكر الأجنبى، فإذا هما يمتزجان فى بيئة الشعراء وغيرها من البيئات، وإذا كثير من الشعراء يتعمقون الفلسفة والثقافات الأجنبية، وحقّا ظلت طائفة لا تعنى بهذا التعمق على نحو ما مر بنا فى الفصل الماضى عند البحترى وأضرابه، ولكن حتى هؤلاء وحتى البحترى نفسه لم يستطيعوا التخلص من معرفة بعض جوانب الفكر الأجنبى، على حين نجد كثيرين غيره من أمثال ابن الرومى تعمقوا فى هذا الفكر، بل لقد أقبلوا عليه يلتهمونه التهاما، بل لقد انقضوا عليه انقضاضا، وكأنما لا يريدون أن يبقوا منه بقية. على أنهم لم يفنوا فى هذا الفكر، فقد ظلوا يحتفظون للشعر العربى بشخصيته ومقوماته الأساسية. فهم لا يذيبونه فى الفكر الأجنبى، بل هم يخضعون هذا الفكر له، أو بعبارة أدق هم يتخذون من هذا الفكر وسائل كى يتعمقوا فى تصوير المشاعر
стр. 1663
والأفكار التى طالما عرض لها الشعر العربى، مضيفين إليها معانى وخواطر حافلة يما يملأ النفس إعجابا.
ولا ريب فى أن ذلك كان على درجات، فمن الشعراء من كان يغرق فى التثقف بالثقافات الأجنبية، ومنهم من كان لا يشق على نفسه، فهو إنما يلم بأطراف منها تقل وتكثر حسب ملكاته العقلية، ومهما أسرف الشاعر فى هذا الإلمام فإنه يحتفظ لأساليبه بالنصاعة والنقاء، حتى من كان يرجع إلى أصول غير عربية، فقد استقر فى نفوس جميع الشعراء الاحتفاظ بتقاليد الشعر الموروثة وأن يطل شعرهم موصولا بماضيه، وحقّا حاول الشعوبيون أن يشككوهم فى هذا الماضى وأن يقطعوا صلتهم به، ولكنهم لم يصيخوا إليهم ولا استمعوا إلى ضجيجهم، فقد كانت شخصية الشعر العربى فى نفوسهم أقوى من أن تزعزعها أو تهزها صيحات هؤلاء الشعوبيين المارقين، فلم يزايلوها ولا انحرفوا عنها ولا عن أصولها التقليدية. بل لقد استطاعوا أن يثبتوا مرونة هذه الأصول، وأنها تتسع لفنون البديع الجديد التى سجلها ابن المعتز اتساعا كانت تحمل مقدماته فى صدورها من قديم، بل لقد وجدوا فى مرونة هذه الأصول ما يمكنها من أن تحمل كل صنوف الغذاء الفكرى الجديد على اختلاف ألوانها، غذاء الفلسفة والمنطق والعلوم المختلفة وغذاء الآداب الفارسية واليونانية والحكمة الهندية، فكل سيول هذا التراث الثقافى الأجنبى من كل جنس يستوعبها الشاعر العباسى ويتمثلها ويتقنها علما وفقها وتحليلا دون أن ينحرف بشعره عن أصوله الموروثة، بل إن هذه الأصول تونق وتزدهر ويصبح كل ما ينقل إليها من الفكر الأجنبى عربى اللسان والصياغة المصفاة، بل أهم من ذلك أن ذهن الشاعر العباسى يصبح ذهنا عميقا يتغلغل فى حقائق المعانى نافذ إلى دخائلها وأغوارها البعيدة، نفوذا يتيح له ما لا ينفد من الخواطر الشعرية المبتكرة.
وحقا أن هذا العمق فى ذهن الشاعر العباسى يلاحظ منذ بشار ومن تلاه فى القرن الثانى، غير أننا كلما تقدمنا مع الزمن ازداد هذا العمق بعدا فى بواطن المعانى المستمرة، وهو عمق رافقته صور كثيرة من دقة التحليلات والاستنباطات والتقسيمات، فمن ذلك ما يرويه ابن قتيبة من أن بعض الشعراء أنشد الكندى الفيلسوف:
وفى أربع منى حلت منك أربع ... فما أنا أدرى أيها هاج لى كربى
стр. 1664
أوجهك فى عينى أم الطعم فى فمى ... أم النطق فى سمعى أم الحب فى قلبى
فقال له الكندى: والله لقد قسّمتها تقسيما فلسفيّا (١)، وتكثر مثل هذه التقسيمات بين الشعراء إذ كانت تعدّ من بدع العصر ومستحدثاته الطريفة، ومنها قول ابن المعتز فى جمال الذوائب (٢):
سقتنى فى ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خدّيها بغير رقيب
فأمسيت فى ليلين بالشعر والدّجى ... وخمرين من راح وخدّ حبيب
وهو تقسيم طريف لليل والخمر جميعا. وعلى نحو ما كانوا يغربون فى التقسيم كانوا يغربون فى الأخيلة، وقد نقلوا منها ما أعجبهم فى آداب العجم، من مثل قول على بن الجهم فى وصف الورد:
أما ترى شجرات الورد مظهرة ... لنا بدائع قد ركّبن فى قضب
كأنهنّ يواقيت يطيف بها ... زبرجد وسطها شذر من الذّهب
والصورة من قول أرديشير: «الورد ياقوت أحمر وأصفر ودر أبيض على كراسى زبرجد يتوسطه شذور ذهب» (٣). ولا تكاد تحصى صور الشعراء الطريفة، بل إن صور شاعر واحد أكثر من أن تحصى، غير أنه مما يلاحظ أنهم عنوا كثيرا بأن يغرقوا فى الوهم والتجريد على شاكلة قول العطوى أحد متكلمى المعتزلة الحذاق (٤):
فو حقّ البيان يعضده البر ... هان فى مأقط ألدّ الخصام
هى تجرى مجرى الأصالة فى الرّأ ... ى ومجرى الأرواح فى الأجسام
وواضح مدى إغرابه فى الصورة إذ مثل صاحبته بجمال الأصالة فى الرأى، وهى صورة فريدة، وتوضح إحساس العطوى بما كان ينفذ إليه المعتزلة لعصره من تفكير أصيل منتهى الأصالة، وهو تفكير كثيرا ما كان يدفعهم إلى صور غير
стр. 1665
مألوفة من التجريد والوهم البعيد، وكأن الحسين بن الضحاك استعار منهم قبسا حين قال فى بعض غزله (١):
إن من لا أرى وليس يرانى ... نصب عينى ممثّل بالأمانى
بأبى من ضميره وضميرى ... أبدا بالمغيب ينتجيان
نحن شخصان إن نظرت وروحا ... ن إذا ما اختبرت يمتزجان
فإذا ما هممت بالأمر أوه ... مّ بشئ بدأته وبدانى
كان وفقا ما كان منه ومنى ... فكأنى حكيته وحكانى
خطرات الجفون منا سواء ... وسواء تحرّك الأبدان
وهو يعبر عن اتحاد بالمحبوب وفناء فيه حتى كأنما هما شخص واحد وروح واحدة وإن بديا شخصين وروحين فخواطرهما واحدة، بل حتى حركات الأجسام واحدة. وكل ذلك بعد فى الخيال إلى درجة الوهم، وعلى شاكلته قول ابن المعتز:
وشكوى لو أنّ الدمع لم يطف حرّها ... تولّد منها بينهن حريق
فلولا الدموع لاحترق العاشقان، حرقتهما الشكوى الممضة التى لا يخمد أوارها، وقد تكون الصورة حسية، ولكن نشعر إزاءها بالبعد فى الخيال والإغراق فى الوهم كقول أبى العباس الناشئ المعتزلى فى وصف سحاب يهطل ولا يكفّ عن سقوطه (٢):
خليلىّ هل للمزن مقلة عاشق ... أم النار فى أحشائه وهى لا تدرى
سحاب حكت ثكلى أصيبت بواحد ... فعاجت له نحو الرياض على قبر
فالمزن أو السحاب مقلة عاشق ما تزال تتساقط منها حبات الدموع، وما بريقه إلا نار العشق الملتهبة فى الأحشاء، بل لكأنه ثكلى فقدت وحيدها، فهى تبكى عليه بكاء مرّا لا ينقطع. وللشاعر أشعار كثيرة فى الإشاذة بأصحابه من المتكلمين
стр. 1666
وكيف أنهم ينيرون دياجى المشاكل المظلمة بأفكارهم الثاقبة، وكانت مناظراتهم لا تزال دائرة فى العصر على الرغم من استعلاء أهل السنة عليهم، ولكنهم ظلوا يشعلون العراق بحجاجهم وحوارهم وجدالهم وظلوا يثيرون دفائن المعانى بردودهم ومناقضاتهم لخصومهم، مما نرى آثاره عند الشعراء، ومعروف أن الشاعر العربى من قديم كان يشكو طول الليل حتى ليبدو عند بعض الشعراء مظلما لا آخر لظلامه، ويلم ابن بسام بهذا المعنى، فينفى هذا الظلم عن الليل قائلا (١):
لا أظلم الليل ولا أدّعى ... أن نجوم الليل ليست تغور
ليلى كما شاءت فإن لم تزر ... طال إن زارت فليلى قصير
فالطول والقصر نسبيان، وهما معلقان بصاحبته إن هى زارت قصر الليل وإن لم تزر طال، وبذلك نقض المعنى على من سبقه نقضا، منصفا لليل من الشعراء السابقين الذين طالما ظلموه. وقد يقال: وأين شعر المعتزلة الذى استظهروا فيه عقيدتهم الاعتزالية ومصطلحاتهم الكلامية، ويبدو أنه كان لهم شعر كثير فى هذا الباب سقط من يد الزمن، فالمرزبانى فى معجم الشعراء يترجم لشخص منهم يسمى محمد بن دكين المتكلم ويذكر أن له أشعارا يحض فيها على القول بالعدل والتوحيد، غير أنه لا ينشد منها شيئا (٢).
وليست الأشعار الاعتزالية فى نفسها شيئا إلا ما قد تدل عليه من صلة أصحابها المعروفة بالفلسفة والفكر الأجنبى اليونانى وغير اليونانى، وأهم منها ما استودعه هذا الفكر فى العقل العربى من خصب، ليس هو وحده مورده الوحيد، بل لعل تفاعل هذا العقل مع عناصر الفكر الأجنبى كانت أكثر خصبا، إذ استطاع أن يستوعبها ويتمثلها، ويصطنع لنفسه من خلالها مواد لا تقل عنها روعة ولا جمالا، وهى مواد يمكن رؤيتها رؤية واضحة فى كثرة التوليدات العقلية.
ولا نبالغ إذا قلنا إنه لا يوجد شاعر فى هذا العصر إلا وقد نفذ إلى كثير من هذه التوليدات حتى الشعراء الشعبيون من أمثال الحمدونى إسماعيل بن إبراهيم، ويروى أن أحد ممدوحيه وهو أحمد بن حرب المهلبى وهب له طيلسانا (ثوبا فارسيّا)
стр. 1667
أخضر فلم يرضه، فأخذ ينشد فيه مقطعات تجاوز بها الخمسين من مثل قوله (١):
طيلسان لابن حرب جاءنى ... قد قضى التمزيق منه وطره
فهو قد أدرك نوحا فعسى ... عنده من علم نوح خبره
أبدا يقرأ من أبصره: ... (أئذا كنّا عظاما نخره)
ولا شك فى أن هذه قدرة بارعة، والحمدونى لم يملكها عفوا، وإنما ملكها واستحوذ عليها بفضل خصب ملكته وما أتاحت الثقافة المعاصرة له من محصول غذاها به، فإذا هو حين يتناول موضوعا مثل طيلسان ابن حرب وأنه خلق بال يستطيع أن يعرضه فى صور متعددة لا تبلغ فى العدد أصابع يد ولا أصابع يدين، بل تتجاوز ذلك إلى عشرات من المقطوعات، ولكل مقطوعة صورتها الطريفة الخاصة.
ويكاد الإنسان يقطع بأنه لا يوجد شاعر فى العصر إلا وقد أذعن للثقافات المعاصرة المتنوعة واتخذ منها غذاء لعقاء وقلبه، وكأن شاعرا لا يستطيع منها فكاكا ولا خلاصا، ونضرب مثلا بالبحترى الذى رأيناه فى الفصل السابق يحمل حملة شعواء على من يكلّفون الشعراء دراسة المنطق والفلسفة، فإننا حين نتصفح أشعاره نجد فيها آثار الثقافات التى عاصرته، حتى لنراه يشيد بالعلم والمعرفة فى بعض ممدوحيه، إذ يقول له (٢):
عرف العالمون فضلك بالعل ... م وقال الجهّال بالتقليد
وهو لا يشيد بالعلم فحسب، بل ينكر أيضا التقليد وكأنه يدعو للاجتهاد واستخدام العقول، بل إنه ليزعم أن التقليد جهل ما وراءه جهل، وحرىّ بمن يدعو هذه الدعوة أن يطبقها على نفسه، وأن يأخذها بالعلم والتثقيف، وكل ما فى الأمر أنه لم يكن يسرف فى ذلك إسراف بعض معاصريه من الشعراء ولا كان يفرغ له، فقد كان يعيش فى شعره مع نفسه أكثر مما كان يعيش مع الثقافة التى
стр. 1668
عاصرته، بل إننا نحتاج إلى تقييد هذا الكلام، فقد جمع من أشعار القدماء والمحدثين ديوان حماسة ضخما. مما يؤكد أنه عكف على دراسة هذه الأشعار حتى استطاع أن يستخلص منها هذا الديوان، وكأننا نعدم فى العصر الشاعر الذى لا يطلب الثقافة الفنية، بل الثقافة العامة، وكل من يتابع البحترى فى شعره يلاحظ أنه حوى لنفسه أطرافا من تلك الثقافة أتاحت له أن يصبح من ذوى الملكات الخصبة، وتثقفه بأشعار أستاذه أبى تمام ذائع مشهور، وهى نفسها تحبب إلى من يديم النظر فيها أن يأخذ بحظ أو حظوظ من الثقافات المعاصرة، وصوّر بنفسه مدى تنوع هذه الثقافات وتنوع الكلام الذى يحملها فى قوله لبعض ممدوحيه (١):
ولقد جمعت فضائلا ما استجمعت ... يفنى الزمان وذكرها لم يهرم
مثل الكلام تفرّقت أنواعه ... فرقا وتجمعها حروف المعجم
وحقّا لم يكن البحترى صاحب تعمق فى معانى الشعر مثل أبى تمام أو مثل معاصره ابن الرومى، ولكن كانت ملكته خصبة، وكانت ما تزال تمده بخواطر لا تنفد، ونستطيع أن نلاحظ ذلك فى سينيته التى وصف فيها إيوان كسرى وصفا لم يسبق إليه، كما نستطيع أن نلاحظه فى تنوع اعتذاراته للفتح بن خاقان تنوعا خلب معاصريه، كما خلبهم عنده إبداعه فى وصفه لخيال المحبوبة أو طيفها حين يلم به فى رؤاه واحلاءه، وتغنى الشعراء بالخيال قديم منذ أوائل العصر الجاهلى، ولكن الجديد عند البحترى أنه استطاع بملكته العباسية الخصبة التى تقتدر على التوليد والإتيان بالصور المبتكرة والإكثار منها أن يستولى على إعجاب الأسلاف بمثل قوله (٢):
سقى الغيث أجراعا عهدت بجوّها ... غزالا تراعيه الجآذر أغيدا (٣)
إذا ما الكرى أهدى إلىّ خياله ... شفى قربه التّبريح أو نقع الصّدا (٤)
ولم أر مثلينا ولا مثل شأننا ... نعذّب أيقاظا وننعم هجّدا (٥)
стр. 1669
وقوله (١):
ألمّت بنا بعد الهدوّ فسامحت ... بوصل متى نطلبه فى الجدّ تمنع (٢)
وما برحت حتى مضى الليل وانقضى ... وأعجلها داعى الصباح الملمّع (٣)
فولّت كأن البين يخلج شخصها ... أوان تولّت من حشاى وأضلعى (٤)
وواضح ما فى الشطر الأخير بالأبيات الأولى من لفتة ذهنية واضحة، ومثله آخر الأبيات الثانية فقد ولّت وكأنها تنتزع من حشاه وأضلعه وروحه، وكان يعرف البحترى كيف يمس قلب سامعه، كما كان يعرف كيف يستأثر لنفسه ببعض الصور والمعانى، فقد سمع أو حفظ قول القائل فى وصف أحاديث بعض النسوة وما يذعن فيه من جمال وسحر:
إذا هن ساقطن الأحاديث بالضّحى ... سقاط حصى المرجان من كفّ ناظم
فما زال يدير البيت فى نفسه وما زال يحاول أن يضيف إليه إضافة بارعة، وإذا ملكته تسعفه بقوله فى وصف لقائه بمن خلبت لبّه (٥):
ولما التقينا والنّقا موعد لنا ... تبيّن رامى الدّرّ منا ولا قطه (٦)
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
ولعل أكبر شاعر فى العصر، وذخائر الفكر حينئذ فى الشعر ومدى ما أثرت الحياة العقلية فيه ابن الرومى، ويبدو عنده بوضوح أنه عكف على جميع الثقافات التى عاصرته، وأنه أخذ ينهل منها حتى تحولت إلى ذهنه وقلبه، فإذا هو يستوعبها، وإذا هو يتقنها، بل إذا هو يتمثلها تمثلا نادرا، وكان مما دفعه إلى ذلك دفعا اعتناقه مبكرا مذهب الاعتزال، وفى
стр. 1670
شعره ما يدل على حرصه الشديد عليه كقوله (١):
أأرفض الإعتزال رأيا ... كلاّ لأنى به ضنين
فهو يؤمن به ويعتنقه منحازا إليه، ولا يرضى به بديلا، وإنه ليمنحه كل حبه، حتى ليصبح ضنينا به، وكأنه غدا جزءا من جوهر نفسه، ولعله لذلك كان يحسّ بواشجة رحم بينه وبين نظرائه ممن يعتنقون هذا المذهب الذى كان معروفا حينئذ بمبدئين يجادل فيهما أصحابه طويلا، وهما العدل على الله بحيث لا يعطل حرية الإرادة عند الإنسان حتى يكون مسئولا عن أعماله وينال ما يستحقه من الثواب والعقاب، فلا جبر ولا حتم ولا إلزام، ثم التوحيد وما يطوى فيه من تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، فهو ليس بجسم ولا عرض ولا يحده زمان ولا مكان، وإلى ذلك يشير فى بيان علاقته الوثيقة ببعض معاصريه قائلا له (٢):
إن لا يكن بيننا قربى فآصرة ... للدين يقطع فيها الوالد الولدا
مقالة «العدل والتوحيد» تجمعنا ... دون المضاهين: من ثنّى ومن جحدا
وواضح أنه يجعل لحمة الاعتزال فوق لحمة القربى، وكأنه يؤمن بأن القربى دم أما الاعتزال فعقل وروح، وهو لذلك فوق القربى وشائج وأواصر. ولا يهمنا أنه كان يؤمن بالاعتزال من حيث هو، وإنما يهمنا أن الاعتنال وصله بالثقافات الأجنبية على اختلاف صنوفها وألوانها، فقد كان المعتزلة يتصلون مباشرة بهذه الثقافات لدعم عقولهم من جهة ولتبين ما فيها من آراء فاسدة كانوا ينقضونها نقضا، وكانت أهم ثقافة أكبوا عليها الثقافة اليونانية بما فيها من فلسفة ومنطق، وأكبّ معهم كثير من الشعراء-وخاصة من كانوا يعتنقون الاعتزال-على هذه الثقافة ينهلون منها ويعبون، وفى مقدمتهم ابن الرومى الذى يبدو أنه كان يفرغ لها وخاصة فى مطالع حياته وينفق فى ذلك أوقاتا طويلة، مما أتاح لأشعاره أن تصطبغ بأصباغ عقلية واضحة.
وأول ما يطالعنا من هذه الأصباغ صبغ يعم جميع أشعاره كما تعم الخضرة أشجار
стр. 1671
الطبيعة فى الربيع، ونقصد استقصاءه للمعانى، فهو إذا ألمّ بمعنى لم يكد يترك فيه بقية لأحد من بعده، وكان لذلك تأثير مهم فى قصائده إذ تبدو الأبيات فيها مترابطة ترابطا لا يعرف لأحد غيره من شعراء العربية، ترابطا يجعل البيت لا يفهم تمام الفهم إلا إذا نظر القارئ فيما يسبقه وما يتلوه، حتى لتصبح القصيدة بناء متكاملا متناسقا، مما يوثق الوحدة بينها لا الوحدة الموضوعية فحسب، بل أيضا الوحدة العضوية، إذ تصبح كلا واحدا مؤلفا من أجزاء ولكل جزء أو بيت مكانه، بحيث لو نزع منه إلى مكان آخر لنبا به المكان الجديد. ومنشأ ذلك أن الأبيات يتولد بعضها من بعض، أو قل هى الأفكار والمعانى ما تزال تتوالد وتتشعب، وكل شعبة تنشأ عن سابقتها وتلتحم بها لحمة القرابة، بل لحمة الأعضاء فى الجسد الواحد.
وتتصل بهذا الجانب عند ابن الرومى خصائص عقلية كثيرة، لعل أولها هذا الخصب الذى لا حد له، فقد أصبح العقل العربى يتعمق المعانى حتى يصل إلى قاعها وقرارها، ويستخرج كل ما كان مستورا بها من لآلئ كانت خافية عن الأنظار، بل إن الشاعر يغوص فى مسارب المعانى فيطّلع على شعب لا تكاد تحصى وهما جانبان: جانب التشعيب والتفريع وجانب الكشف والاستقصاء، حتى يتضح المعنى من جميع جوانبه، وحتى نصبح كأننا نستمع إلى صور من الحوار المعروف عند المعتزلة، فهم ما يزالون بحوارهم يثيرون دقائق المعنى حتى ينكشف من جميع أطرافه، وإذا هو واضح أشد ما يكون الوضوح بفضل علم المنطق الذى يستهدون به فى مباحثهم وبفضل ملكاتهم العقلية التى صقلها الفكر الفلسفى.
وكأنما تحولت المعانى الشعرية عند ابن الرومى إلى صورة من صور حوارهم، فهى تتفرع إلى أقصى حد، وهى تتضح أيضا إلى أقصى حد، ولذلك كانت القصيدة عنده تطول طولا مسرفا لا يعرف لشاعر عربى من قبله ولا من بعده، لأن المعانى تذكر بجميع شعبها، وما يزال يستقصيها حتى تبدو واضحة أشد ما يكون الوضوح وهو الوضوح نفسه الذى يشغف به أهل المنطق أو قل من يعكفون على دراسة المنطق. حتى يستأثر بكل ما يفكرون فيه، وحتى يمنحوه عنايتهم الكاملة.
ليس من شك إذن فى أن شعر ابن الرومى يصور تعمقه فى دراسة المنطق وليس
стр. 1672
ذلك فحسب، فإن المنطق بأقيسته وعلله يستحيل عنده شعرا وفنّا، فإذا بنا نتنقل فى طرائف لا تحصى من المعانى، وكأنما أصبحت هذه الطرائف حدودا للشعر، فهو لا يتصوّر بدونها، وإلا يكون شيئا غثّا لا قيمة له، وصوّر ذلك ابن الرومى نفسه فى بعض حواره مع شاعر أنشده شعرا سليما من العيوب مطبوعا عاريا من دقائق المعانى، فقال له: «نحن-أعزّك الله-نطلب مع السلامة الغنيمة» (١). فلا شعر بدون غنيمة أو بدون معنى مبتكر أو بدون قياس سديد أو تعليل لافت دقيق، من مثل قوله (٢):
عدوّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصّحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
وهذا التحذير من الصديق يدور فى كثير من الأقوال والأمثال، ولكن الطريف عند ابن الرومى هو التعليل البارع، إذ قاس الصديق على الطعام والشراب الممتعين وكيف يستحيلان أحيانا داء لا شفاء منه، وكأنما يؤتى الحذر من مأمنه، ومن تعليلاته الطريفة تعليله لمحبة الأوطان، إذ يقول (٣):
وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصبا فيها فحنّوا لذلكا
فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن بان غودر هالكا
وكان الشعراء قبله يتشوقون إلى أوطانهم ولا يعرفون العلة فى ذلك حتى كشفها لهم ابن الرومى، فكل يتعلق بوطنه ويشغف به، لأنه ملاعب صباه وشبابه التى لا يبرح خيالها ذاكرته، والتى طالما ألفتها النفس وأنست لها، بل لقد التصقت بها التصاق الروح بالجسد، بحيث لو انفصم أحدهما عن صاحبه أصبح فى الهالكين. وتكثر فى شعر ابن الرومى كثرة مفرطة التعليلات والأدلة والأقيسة كقوله فى بعض غزله (٤):
стр. 1673
لا تكثرنّ ملامة العشّاق ... فكفاهم بالوجد والأشواق
إن البلاء يطاق غير مضاعف ... فإذا تضاعف كان غير مطاق
لا تطفئنّ جوى بلوم إنّه ... كالريح تغرى النار بالإحراق
فهو يقيس تكرار اللوم للعشاق على تضاعف البلاء الذى لا يطاق، ولا يكفيه هذا القياس، وإذا هو ينفذ إلى قياس بديع، فالهوى نار مشتعلة فى الصدور، واللوم ريح عاصفة تفرقها يمينا وشمالا، حتى تأتى على كل ما تجاوره، وكأنما لا يزال يغريها بأن تزداد تلظيا وإحراقا واشتعالا. وبجانب هذه القدرة لدى ابن الرومى على الأقيسة والعلل، نحس قدرة فائقة على الجدل وكسب القضية بالحق وغير الحق، وكأنه معتزلى كبير يناقش بعض مسائل الاعتزال ويحاول أن ينقض على خصمه حججه وأدلته، أو قل إنه يدلى بحجج وبراهين تمحو كل براهينه وحججه، وهى براهين وحجج شعرية، فيها فن وفيها جمال وفيها حس الشاعر وفطنته، من ذلك أن يجد الناس من حوله مجمعين على إيثار الورد على النرجس، فيرد عليهم إجماعهم بالدليل القاطع والبرهان الساطع يقول (١):
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا تورّدها عليه شاهد
أين العيون من الخدود نفاسة ... ورياسة لولا القياس الفاسد
فاحمرار الورد الذى طالما شبّهه الشعراء بالخدود إنما هو احمرار خجل من تفضيل من لا يقدرون الجمال له على النرجس الذى يشبهه الشعراء بالعيون، وأين الخدود من العيون روعة وجمالا، وهو بون بعيد لا يخطئ فيه إلا أصحاب القياس الفاسد الكليل. ومما يتضح عنده فيه أثر الاعتزال واختلاطه بالمعتزلة أن نراه يعمد إلى ذم شئ ذمّا طبيعيّا، لأنه يستحق الذم، ثم يعمد بعد ذلك إلى مدحه، بيانا لقدرته فى الحجاج والجدل. وينسب إلى الجاحظ كتاب فى المحاسن والأضداد بعامة، وهو منحول عليه، ولكنا نجد معاصرا لابن الرومى هو إبراهيم بن محمد البيهقى يؤلف كتاب المحاسن والمساوى وهو منشور، ويدل بوضوح على أن الناس شغفوا فى العصر-يقودهم المعتزلة من أمثال الجاحظ-بمدح الشئ وذمه، وعلى
стр. 1674
قبس من هذا الصنيع عمد ابن الرومى إلى ذم الحقد البغيض، فقال (١):
الحقد داء دفين لا دواء له ... يرى الصدور إذا ما جمره حرثا (٢)
فاستشف منه بصفح أو معاتبة ... فإنما يبرئ المصدور ما نفثا (٣)
فالحقد داء لا يمكن الشفاء منه، وما يزال جمره متقدا فى الصدور ولا يمكن إطفاؤه، ويحاول ابن الرومى أن يكتشف دواء لصاحبه، فيوصيه بالصفح والعتاب فقد ينفسان عنه بعض الشئ، ولكن أى تنفيس؟ إنه تنفيس المصدور الذى قد ينفس عنه لحظة ما ينفثه، وسرعان ما ينطوى صدره ثانية على مرضه أو قل على هذا الجمر جمر الحقد الذى يشوى صدر صاحبه شيّا. وابن الرومى فى ذلك كله متفق مع الناس جميّعا فى ذم الحقد الكريه، ولكن أليس من حقه أن يغرب عليهم كما يغرب أحيانا المعتزلة أصحاب الحجاج واللسن واللدد فى الخصومة، فيمدح لهم الحقد البشع ويحيله شيئا مستحبا لا بشاعة فيه ولا قبح، يقول (٤):
وما الحقد إلا توأم الشكر فى الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
فحيث ترى خقدا على ذى إساءة ... فثمّ ترى شكرا على حسن القرض
ولولا الحقود المستكنّات لم يكن ... لينقض وترا آخر الدهر ذو نقض
فالحقد توأم للشكر وقرين له، وحرى بنا إذا تأملنا فى حقيقته أن نعيد النظر فيه، فإنه يستحبّ إزاء بعص الأشخاص ممن يسيئون إلى الناس، بينما يستحب الشكر إزاء من يحسنون القرض والتفضل على من حولهم ببعض ما أنعم الله عليهم.
ويلفت ابن الرومى إلى دليل قاطع يدل على أن الحقد محمود، فلولاه لضاع الوتر أو الثأر ولم يأخذ موتور حقه من واتر. وبذلك استطاع أن يخرج الحقد الذميم فى صورة حسنة محمودة، بفضل مهارته فى الحوار والجدل، وكأنه معتزلى كبير يدافع عن قضية من قضايا المعتزلة الشائكة. وكثيرون من الشعراء وراءه أفادوا على شاكلته من حوار المعتزلة ومناظراتهم، كما أفادوا من ثقافات العصر ما استحالت به ملكاتهم
стр. 1675
العقلية خصبة إلى أبعد حدود الخصب، بحيث أتاحت لهم ما لا يحصى من دقائق المعانى والأخيلة.
٣ - التجديد فى الموضوعات القديمة
ظلت الموضوعات القديمة المألوفة من مدح وغير مدح وهجاء تسيطر على الشعر والشعراء، وكأنما كان هناك إصرار قوى أن تظل للشعر العربى شخصيته وموضوعاته وأن يظل حيّا على الألسنة مع حياة الأمة، فلا يضعف ولا يذوى عوده، بل يقوى ويزدهر، غير متحوّل عن أصوله، مهما غذّته الثقافات الفلسفية وغير الفلسفية ومهما عبّر عن الحضارة العربية الحديثة، فهو موصول دائما بقديمه، شأنه فى ذلك شأن الآداب الحية التى لا تنقطع صلتها بماضيها، مهما وقع عليها وعلى أهلها من تأثيرات حضارته وثقافته، إذ تظل متصلة بها اتصالا يمكّن لها فى التاريخ وفى الخلود. وحقّا تنعكس على موضوعات الشعر حينئذ آثار حضارية وثقافية كثيرة، ولكنها لا تحدث تعديلا فى جوهرها، فجوهرها ثابت، إنما تحدث بعض إضافات تكثر وتقل حسب ملكات الشعراء وحسب ما كانوا يتغذون به من الثقافات وما كان يداخلهم من إعجاب إزاء مظاهر الحضارة الجديدة.
وأول ما نتحدث عنه من الموضوعات المديح، ومعروف أن الشاعر الجاهلى كان يصوّر فيه المثل الخلقى الرفيع فى عصره، من الكرم والشجاعة والوفاء وحماية الجار والحلم والحزم وإباء الضيم وحصافة العقل، حتى إذا كان العصر الإسلامى أخذ الشاعر يضيف إلى هذه المثالية الدين، وخاصة إذا كان يمدح خليفة، وكانوا يسجلون أعمال الخلفاء والولاة وما ينشرون من الأمن والعدالة التى لا تطيب حياة الناس بدونها، وسجلوا أيضا مواقع القواد مع الترك وغيرهم وبطولاتهم الحربية المختلفة. وبذلك كانت المدحة فى العصرين الجاهلى والإسلامى تشتمل بما تعرض من مثاليات على أسس قويمة خلقية ودينية لتربية الشباب، كما كانت تشتمل على أعمال الدولة وأمجاد العرب الحربية. وكل ذلك اضطرم اضطراما فى المدحة عند
стр. 1676
شعراء العصر العباسى الأول، مع محاولاتهم الجادة فى التطور بمعانى المديح عمقا وسعة وتنوعا، وظلت رغباتهم ومحاولاتهم فى هذه الإضافة تزداد خصبا فى هذا العصر، وهم فى ذلك لا ينسون مثالية المديح الموروثة، فإذا مدحوا خليفة أو واليا أو قائدا تمثلوا فيه الفضائل العربية مرسومة، وكذلك الفضائل الإسلامية، وتمثلوا أيضا العدل الذى يعصم الحاكم من الطغيان ويعصم الشعب من العبث والظلم والفساد.
ويتردد ذلك دائما على ألسنة الشعراء من مثل قول البحترى فى المتوكل، وكان اسمه جعفرا (١):
خلق الله جعفرا قيّم الدّن ... يا سدادا وقيّم الدين رشدا
أظهر العدل فاستنارت به الأر ... ض وعمّ البلاد غورا ونجدا
وقد مضى الشعراء يضفون هذه المثالية على الخلفاء فى الحكم وفى التقوى وأيضا فى الخلق والشيم، مهما كانت سيرتهم وكأنهم لم يكونوا يفكرون فيهم من حيث هم إنما كانوا يفكرون فيهم من حيث خلافتهم وقيامهم على حكم الرعية، وهم لذلك يرفعون أمام أعينهم ما ينبغى أن يكون عليه الخليفة فى خلقه وفى دينه وفى سيرته وفى حكمه، وكأنما هو رمز، رمز للأمة فى حاكمها الرشيد، وهم يبرزونه لها بالصورة التى تريدها ويريدونها معها، صورة الحاكم المخلص الأمين الذى ينكر الظلم أشد الإنكار، والذى يعمل بكل ما فى وسعه على إشاعة العدالة بين أفراد رعيته حتى يتساووا فى الانتفاع بالحياة تساويا تامّا. وكان هناك من يبالغون فى مديح الخلفاء حتى ليضفون عليهم صفات قدسية، وهى صفات خلعها شعراء الشيعة على أئمتهم منذ عصر بنى أمية، وأخذ شعراء الخلفاء من حينئذ يستعيرونها ليسبغوها بدورهم على الخلفاء الأمويين والعباسيين، من مثل قول ابن الجهم فى المتوكل (٢):
إمام هدى جلّى عن الدين بعد ما ... تعادت على أشياعه شيع الكفر
وقوله (٣):
له المنّة العظمى على كل مسلم ... وطاعته فرض من الله منزل
стр. 1677
فهو الهادى المهدى الذى تجب طاعته على جميع المسلمين، وكان الشعراء من وراء ابن الجهم يبالغون فى بيان ذلك مبالغات شتى، مما سنعرض له فى غير هذا الموضع. ونرى كثيرين منهم يسجلون الأعمال الكبرى فى عصور الخلفاء ولنأخذ مثلا المتوكل، فجميع أعماله مثبتة فى دواوين الشعراء وفى كتب التاريخ، فمن ذلك أمره لأهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية والزنانير مما وقفنا عنده فى الفصل الأول، فقد تغنى بهذا العمل ابن الجهم فى أشعاره (١)، ومن ذلك عقده البيعة لبنيه الثلاثة:
المنتصر والمعتز والمؤيد، فقد تغنى شعراؤه بهذا الصنيع طويلا (٢).
ويكثر فى عهده بناء القصور على نحو ما أسلفنا، وكلما شاد قصرا نوّه الشعراء به وبروعة بنائه وما يدل عليه من مظاهر الحضارة والعمران لعصره. وليس هناك حادثة جلّى من سجن وزير وتعذيبه مثل ابن الزيات، أو غضب على قاض وتصفية أمواله مثل ابن أبى دؤاد، أو على طبيب وقبض أمواله مثل بختيشوع أو على كاتب من كتاب الدواوين أو على بعض الولاة إلا ويسجل الشعراء ذلك فى أشعارهم مما يجعلها بحق وثائق تاريخية، وأروع ما سجلته هذه الوثائق أمجاد قوادنا وأبطالنا وجيوشنا فى حومات الوغى شمالا وشرقا، وهى ليست تاريخا يسرد كما تصنع كتب التاريخ، وإنما هى أناشيد انتصارات رائعة لجنودنا وقوادهم البواسل فى حروب الروم والترك والأرمن، وماتنى الجيوش العربية تخوض إليهم بحورا من الدماء منزلة بهم صواعق الموت التى لا تبقى ولا تذر: وكان من أبطال هذه المعارك لعهد المتوكل يوسف بن محمد الثغرى، وكان المتوكل قد ولاه بعد وفاة أبيه على أرمينية، وكانت قد نشبت بها ثورات فأخذ يسحقها بجنوده المغاوير سحقا، وفيه وفى انتصاراته على بعض البطارقة الأرمنيين يقول البحترى (٣):
هو الملك المرجوّ للدين والعلا ... فلله تقواه وللمجد سائره
له البأس يخشى والسماحة ترتجى ... فلا الغيث ثانيه ولا الليل عاشره (٤)
كسرتهم كسر الزّجاجة حدّة ... ومن يجبر الوهى الذى أنت كاسره
حسام وعزم كالحسام وجحفل ... شداد قواه محصدات مرائره (٥)
стр. 1678
وليست هناك وقائع حربية كبيرة إلا ودوّن الشعراء فيها البطولات العربية، وكان من أهم هذه الوقائع ثورة الزنج، وقد تغنى الشعراء فيها ببطولة الموفق غناء مدوّيا، ونرى الطبرى يسجل فى تاريخه طائفة كبيرة من أشعار هذا الغناء.
وبالمثل نراه يدوّن أغانى وأناشيد أخرى فى حروب القرامطة، وكأنما استقر فى نفوس المؤرخين أن الشعر الذى تغنّى بهذه الحروب ووصفها لا يقل أهمية عن وثائق التاريخ، فهو ليس مديحا للبطولات وتمجيدا فحسب، بل هو أيضا تاريخ، وهو تاريخ نابض بالحياة. ومن المحقق أنه حتى الآن لم يستغلّ هذا التاريخ الشعرى فى كتابة تاريخ العصر، إذ كثيرا ما يحوى من التفاصيل ومن دقائق الأحداث مالا نجده مصورا فى كتب التاريخ، ولذلك كان ينبغى على المؤرخين ألا يكتفوا بما يقرءون فى كتب التاريخ عن الأحداث والوقائع الحربية، بل يضموا إلى ذلك وصف تلك الوقائع والأحداث المبثوث فى دواوين الشعراء، حتى يطلعوا على كل جوانبها اطلاعا مضبوطا دقيقا.
وظل شعراء المديح فى كثير من مدائحهم يقلدون الأقدمين فى الوقوف على الأطلال والبكاء على الدمن والآثار العافية، وفى رأينا أن استبقاء الشاعر العربى على مدى العصور الماضية لهذا المطلع فى كثير من قصائده لم يكن لبيان صلته بأسلافه ولا استبقاء لصورة من صور حياتهم الرعوية فى العصر الجاهلى وما كان يتصل بها من الرحلة الدائرة حول مساقط الغيث والكلأ، وإنما كان لإحساس الشاعر إحساسا عميقا بتعبير هذا المطلع عن كل ما ينمحى من حياة الإنسان إلى غير مآب، سواء فى ذلك حبه وغير حبه، فدائما لحظات ماضيه تذهب منه إلى غير مآب فى الشباب وغير الشباب ولا يستطيع لها رجعة ولا أوبة. وكأنما تصوّر الأطلال نوازع الفناء التى تطبق مخالبها على كل ما يمضى من حياة الإنسان، وعادة تطبق هذه المخالب عليه آخر الأمر، فيصبح أثرا بعد عين، وهو لذلك يقف بالأطلال باكيا بدموع غزار، متمنيا لو عادت إليها نضرة الحياة القديمة، ولذلك قد يستسقى لها السحاب حتى تعود إليها النباتات والظلال وحتى تدبّ فيها الحياة، فمن ذلك قول ابن المعتز يصف دارا وأطلالا (١):
стр. 1679
لا مثل منزلة الدّويرة منزل ... يا دار جادك وابل وسقاك
بؤسا لدهر غيّرتك صروفه ... لم يمح من قلبى الهوى ومحاك
لم يحل للعينين بعدك منظر ... ذمّ المنازل كلّهن سواك
أىّ المعاهد منك أندب طيبه ... ممساك بالآصال أم مغداك
أم برد ظلّك ذى الغصون وذى الجنا ... أم أرضك الميثاء أم ريّاك (١)
وكأنما سطعت مجامر عنبر ... أوفتّ فأر المسك فوق ثراك
وكأنما حصباء أرضك جوهر ... وكأن ماء الورد دمع نداك
وكأنما أيدى الربيع ضحيّة ... نشرت ثياب الوشى فوق رباك
وابن المعتز يلمّ بتلك الدار، ويراها وقد فقدت بهجتها القديمة وغيّرتها صروف الزمان حتى محت أطلالها الدوارس، ولا يزال هواه بها ماثلا فى قلبه، وهو يدعو لها الغيث أن يجودها حتى تستعيد حلّتها الداثرة. وتتراءى له من خلال ذكرياته وعهود حبه الماضية، فيرى كل الديار دونها ولا تقاس إلى جمالها، ويبكيها ويندبها، ويندب كل معهد فيها وما كان ينتشر فيه من طيب على الصباح الباكر وعلى الآصال فى المساء وعلى الغصون ذات الظلال والثمار، وتفوح الأرض برائحتها الساطعة، وكأنما تفوح مجامر عنبر، أو كأنما تفوح فأرة مسك، وحتى الحصى كأنه جواهر سقطت من أهل تلك الدار، وكأن قطرات الندى ماء ورد عاطر، والربيع ينشر بها وشيا عجيب الألوان. وهو وصف يحمل حنينا ووجدا لا نهاية لهما للدار وما كان بها من لقاء بين الأحبة، لقاء جعل كل ما حولهم يبدو فى هذه الصورة القاتنة المحفورة فى ذهن ابن المعتز حفرا لا يمكن أن يطمس أو تأتى عليه الأيام.
وكان الشاعر القديم ينزع نفسه من الأطلال وما يتصل بها من ذكريات الهوى والشباب الداثرة، مفضيا إلى وصف رحلة له فى الصحراء، يتحدث فيها عر طول سراه وعن الفلوات وحيوانها الأليف والوحشى ومدى ضنا بعيره فى رحلته
стр. 1680
الطويلة الشاقة، وكأنما يريد أن يجذب نفسه جذبا من أفكار الغناء ويتغلغل فى نوازع الحياة. وتبعه الشاعر العباسى مستبقيا على كل هذه العناصر فى قصيدة المديح، وقد يفرد لوصف هذه الرحلة قصائد أو مقطوعات طريفة، وهى متناثرة فى دواوين الشعراء من مثل قول على بن الجهم (١):
كم قد تجهّمنى السّرى وأزالنى ... ليل ينوء بصدره متطاول
وهززت أعناق المطىّ أسومها ... قصدا ويحجبها السواد الشامل
حتى تولّى الليل ثانى عطفه ... وكأن آخره خضاب ناصل
ورأيت أغباش الدّجى وكأنها ... حزق النّعام ذعرن فهى جوافل (٢)
وهو يصور سراه فى ليل متطاول يجثم سواده على آفاق الكون، وما زال يقطعه حتى نصل خضابه الأسود وبدت أغباشه وبقاياه وكأنها نعام مذعور، فهى تفر فرارا من الضوء الذى أخد ينتشر على قطع الظلام. وطالما وصف الشعراء نحول إبلهم وضناها كناية عن طول سراها ومدى ما عانته من نصب فى وعثاء السفر الطويل الذى لا يكاد ينتهى. وألمّ شعراء العصر كثيرا بهذا المعنى كقول البحترى فى وصف ابله (٣):
يترقرقن كالسّراب وقد خض ... ن غمارا من السّراب الجارى
كالقسىّ المعطّفات بل الأس ... هم مبريّة بل الأوتار (٤)
فهى لا تكاد تبين نحولا وهزالا حتى لكأنها أصبحت سرابا، وإنها لتشبه القسىّ المنحنية، بل هى أكثر نحولا فهى كالأسهم، بل هى أيضا أكثر ضنا وهزالا حتى غدت كالأوتار ضمورا. وكانوا فى أثناء ذلك يعرضون لوصف حمر الوحش وأتنها التى يصادفونها فى الفلاة، وكذلك لوصف الظباء وبقر الوحش، وكل يحاول أن ينفذ إلى صورة دقيقة من مثل قول ابن المعتز (٥):
стр. 1681
وجرت لنا سنحا جآذر رملة ... تتلو المها كاللؤلؤ المتبدّد (١)
قد أطلعت إبر القرون كأنها ... أخذ المراود من سحيق الإثمد (٢)
وكان ابن المعتز قد سبق بوصف إبر القرون وأطرافها المدبّبة بالمراود المغموسة فى الكحل شديد السواد واللمعان، فما زال يحاول النفوذ إلى صورة جديدة حتى قال يصف ثورا وحشيّا يقود إجلا أو قطيعا من بقر الوحش (٣):
كأنى على طاو من الوحش ناهض ... تخال قرون الإجل من خلفه غابا
فقرون البقر تتكاثر حتى ليخالها ابن المعتز غابة نبتت فى الفلاة فجأة.
وكان الشعراء يعرضون أحيانا مع الربيع ووصفه للحديث عن الخمر، على نحو ما كان يصنع أسلافهم العباسيون، وشاعت حينئذ التهنئة بعيد النيروز وبيوم المهرجان الكبير، وكانت بغداد وضواحيها تتحول فيه إلى ساحات كرنفالات ضخمة على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، وكان الشعراء يهنئون الخلفاء والولاة به، وكثيرا ما كانوا يتحدثون عن ملاهيه، وقد يسوقون الحديث إلى الخمر، على نحو ما يلقانا عند ابن الرومى فى قصيدة يوم المهرجان التى مدح بها عبيد الله بن طاهر محافظ بغداد حينئذ، ونراه يصور تصويرا رائعا ما كان بمجلسه من قيان يتغنين غناء يأسر القلوب، يقول (٤):
وقيان كأنها أمّهات ... عاطفات على بنيها حوان
مطفلات وما حملن جنينا ... مرضعات ولسن ذات لبان (٥)
كلّ طفل يدعى بأسماء شتّى ... بين عود ومزهر وكران (٦)
أمّه دهرها تترجم عنه ... وهو بادى الغنى عن الترجمان
غير أن ليس ينطق الدهر إلا ... بالتزام من أمه واحتضان (٧)
стр. 1682
وقد مضى يتحدث عن تأثير هؤلاء القيان بغنائهن وبماكن يحملن من آلات الطرب على صدورهن، وكأنها أطفال لهن، فهن يعانقنها وكأنما يرضعنها، ولكن لا بلبن وإنما بألحان شجية تشفى المحزون من دائه، ولكل منهن جمالها وسحرها وفتنتها وصوتها الذى يدلع الحزن والفرح جميعا، صوت تمده وتعلو به كما أرادت أو كما يقول فى قصيدته:
ذات صوت تهزّه كيف شاءت ... مثلما هزّت الصّبا غصن بان
وإنما أردنا بذلك كله أن نصور كيف أن شاعر المديح فى هذا العصر حاول أن يضيف إلى عناصره الموروثة عناصر مستمدة من بيئته الحضارية، ممثلا فيها كثيرا من المعانى والصور الدقيقة، وكانوا دائما يلائمون بين مدائحهم وممدوحيهم، فإذا مدحوا وزيرا مثلا عرضوا لسياسته وتفننه فى الكتابة، وإذا منحوا قائدا عرضوا لوقائعه وأمجاده الحربية، وإذا مدحوا عالما أشادوا بعلمه، وكذلك إذا مدحوا مغنيا أشادوا بغنائه. واضطرم حينئذ الهجاء كما اضطرم المديح، ولم يكد يترك الشعراء خليفة ولا وزيرا ولا قاضيا ولا عالما ولا مغنيا إلا كالوا له الهجاء كيلا، وأدّاهم تنافسهم إلى أن يتبادلوا الهجاء ويريشوا كثيرا من سهامه. واقرأ فى أى ديوان من دواوين العصر فستجد دائما هجاء كثيرا على نحو ما يلقانا فى ديوان البحترى مثلا، وقد اشتهر بهجائه بعض ممدوحيه حين يقلب لهم الدهر ظهر المجن، مثل أحمد ابن الخصيب ممدوحه، فإنه حين نكبه المستعين أنشده قصيدة يحثه فيها على مصادرة أمواله وسفك دمه، وظل يسلقه بلسانه طويلا بمثل قوله (١):
لابن الخصيب الويل كيف انبرى ... بإفكه المردى وإبطاله
كاد أمين الله فى نفسه ... وفى مواليه وفى ماله
والرأى كلّ الرأى فى قتله ... بالسيف واستصفاء أمواله
وله قصائد كثيرة يمجد فيها المستعين وعهده، حتى إذا خلع وولّى الترك بعده المعتز أصلاه نارا حامية من هجائه فى ثنايا مديحه للخليفة الجديد. ولم يكن البحترى حاذقا فى هذا الفن، غير أنه كان هناك كثيرون يتقنونه، مثل على
стр. 1683
ابن بسام، وكان يتعرض فى هجائه كثيرا للخلفاء والوزراء وقلما سلم أحد من لسانه ومن قوله فى العباس بن الحسن وزير المكتفى (١):
وزارة العباس من نحسها ... تستقلع الدولة من أسّها
شبّهته لما بدا مقبلا ... فى حلل يخجل من لبسها
جارية رعناء قد قدّرت ... ثياب مولاها على نفسها (٢)
وكان أكثر ما يعتمدون عليه فى الهجاء من معان التهوين والتحقير والتصغير وما إلى ذلك من طعنات مصمية نافذة، بما تحمل من سموم الانتقاص والسخرية المريرة، كقول إبراهيم بن العباس فى صديق تنكر له وجحد معروفه (٣):
ولما رأيتك لا فاسقا ... تهاب ولا أنت بالزاهد
وليس عدوّك بالمتقى ... وليس صديقك بالحامد
أتيت بك السوق سوق الرقيق ... فناديت هل فيك من زائد
على رجل غادر بالصديق ... كفور لنعمائه جاحد
فما جاءنى رجل واحد ... يزيد على درهم واحد
سوى رجل حار منه الشّقا ... وحلّت به دعوة الوالد
فبعتك منه بلا شاهد ... مخافة أدرك بالشاهد
وأبت إلى منزلى سالما ... وحلّ البلاء على الناقد (٤)
والمقطوعة تمسخ هذا الصديق مسخا، حتى لتجعله حيّا كميت وموجودا كمعدوم، فلا هو من أهل المجون ولا من أهل الزهد ولا يخشى بأسه عدو ولا يحمده صديق، إنه كنود مهين، ولذلك ذهب ببيعه الصولى فى سوق الإنسان الكبيرة، معلنا عيوبه من الغدر وكفر النعمة والجحود، مما جعل الناس يكفّون عن شرائه إلا
стр. 1684
أن يكون بدرهم واحد، إلا ما كان من رجل سيئ الحظ كأنما استجيبت فيه دعوة لأبيه، أقدم على شرائه، فباعه منه بدراهم معدودة، وولى الصولى على وجهه يطلب السلامة من هذا البلاء الذى كان حلّ به. وكان مما يؤذى المهجوين حينئذ إيذاء شديدا أن يوصفوا بالقذارة، إذ كان العرب قد تحضروا وأسرفوا فى صور النظافة وفى التطيب بالعطور، وكأن من يوصف بنتن الرائحة يتلطخ بعار ما بعده عار، ويستغل ذلك الصولى فى أحد مهجويه قائلا له (١):
وكن كيف شئت وقل ما تشا ... وأبرق يمينا وأرعد شمالا
نجابك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا
فليكن كما يشاء فإن أحدا لن يستطيع التعرض له لحقارته وقذارته. ومعروف أن ابن الرومى هو أكبر شعراء الهجاء فى العصر وأكثرهم سهاما لمهجويه، وكان يعرف كيف يصب عليهم التصغير والحقارة والضعة، كقوله المشهور فى وصف بخيل (٢):
يقتّر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد
ففتحة أنف واحدة كانت تكفيه، ولو أنه رأى فيها حقّا كفاية ما انتفع بالفتحة الأخرى، ولا حاول ذلك حرصا وبخلا وشحّا جبل عليه. وكانت لابن الرومى حاسة تلتقط العيوب الجسدية وتستطيع تكبيرها على نحو ما يصنع أصحاب الصور الكاريكاتورية الهزلية، فإنهم يعرفون كيف يستغلون دقائق العيوب فى الوجوه والأجسام، وتستحيل مقطوعات وقصائد كثيرة فى ديوان ابن الرومى إلى صور ساخرة من مهجويه، حتى ليأخذوا أحيانا شكل حيوانات مجترة وغير مجترة، كقوله فى بعض مهجويه (٣):
ما ظننت الإنسان يجترّ حتى ... كنت ذاك الإنسان عين اليقين
стр. 1685
أما أبو سليمان الطنبورى المغنى فقد استمع إلى غنائه القبيح يوما، فتراءى له فى صورة بغل لطحّان ما يزال يحرك فكيه فى أكل طعامه من الفول وغيره، أو كما يقول (١):
وتحسب العين فكيه إذا اختلفا ... عند التنغم فكّى بغل طحّان
وهو جانب طريف عند ابن الرومى سنعرض له ثانية فى ترجمته، والمهم أن نعرف الآن أنه استطاع أن ينمى الهجاء فى هذا الجانب الساخر إلى ذروة لم يصل إليها الشعر العربى قبله ولا بعده.
وظل الفخر نشطا فى العصر، وكان قد ضعف الفخر القبلى منذ العصر الماضى وظل ضعيفا فى هذا العصر لضعف الشعور بالعصبية القبلية، وإن كنا نجد هذا الشعور من حين إلى حين. ولكنه على كل حال كان شعورا خافتا، ونجده أحيانا على لسان البحترى حين يفتخر بطيئ قبيلته. وكذلك على لسان ابن الجهم القرشى حين يفتخر بقريش وجدها فهر بن مالك قائلا (٢):
أبت لى قروم أنجبتنى أن أرى ... وإن جلّ خطب خاشعا أتضجّر
أولئك آل الله فهر بن مالك ... بهم يجبر العظم الكسير ويكسر
هم المنكب العالى على كل منكب ... سيوفهم تفنى وتغنى وتفقر
وبقيت من ذلك بقية عند ابن المعتز، إذ نراه يفخر طويلا على بنى عمومته العلويين، وهو فخر سياسى يدور حول الخلافة وأن العباسيين أولى بها من العلويين، وربما كان أروع من هذا الفخر عنده فخره العام الذى يخلطه بشكواه، والذى يتحدث فيه عن حبه مقدما لبعض صواحبه فضائله من الشجاعة والبأس والكرم الفياض والوفاء، ومن طريف فخره قوله (٣):
لا أشرب الماء إلا وهو منجرد ... من القذى ولغيرى الشّوب والرّنق (٤)
عزمى حسام وقلبى لا يخالفه ... إذا تخاصم عزم المرء والفرق (٥)