وجرت لنا سنحا جآذر رملة ... تتلو المها كاللؤلؤ المتبدّد (١)
قد أطلعت إبر القرون كأنها ... أخذ المراود من سحيق الإثمد (٢)
وكان ابن المعتز قد سبق بوصف إبر القرون وأطرافها المدبّبة بالمراود المغموسة فى الكحل شديد السواد واللمعان، فما زال يحاول النفوذ إلى صورة جديدة حتى قال يصف ثورا وحشيّا يقود إجلا أو قطيعا من بقر الوحش (٣):
كأنى على طاو من الوحش ناهض ... تخال قرون الإجل من خلفه غابا
فقرون البقر تتكاثر حتى ليخالها ابن المعتز غابة نبتت فى الفلاة فجأة.
وكان الشعراء يعرضون أحيانا مع الربيع ووصفه للحديث عن الخمر، على نحو ما كان يصنع أسلافهم العباسيون، وشاعت حينئذ التهنئة بعيد النيروز وبيوم المهرجان الكبير، وكانت بغداد وضواحيها تتحول فيه إلى ساحات كرنفالات ضخمة على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، وكان الشعراء يهنئون الخلفاء والولاة به، وكثيرا ما كانوا يتحدثون عن ملاهيه، وقد يسوقون الحديث إلى الخمر، على نحو ما يلقانا عند ابن الرومى فى قصيدة يوم المهرجان التى مدح بها عبيد الله بن طاهر محافظ بغداد حينئذ، ونراه يصور تصويرا رائعا ما كان بمجلسه من قيان يتغنين غناء يأسر القلوب، يقول (٤):
وقيان كأنها أمّهات ... عاطفات على بنيها حوان
مطفلات وما حملن جنينا ... مرضعات ولسن ذات لبان (٥)
كلّ طفل يدعى بأسماء شتّى ... بين عود ومزهر وكران (٦)
أمّه دهرها تترجم عنه ... وهو بادى الغنى عن الترجمان
غير أن ليس ينطق الدهر إلا ... بالتزام من أمه واحتضان (٧)
стр. 1682
وقد مضى يتحدث عن تأثير هؤلاء القيان بغنائهن وبماكن يحملن من آلات الطرب على صدورهن، وكأنها أطفال لهن، فهن يعانقنها وكأنما يرضعنها، ولكن لا بلبن وإنما بألحان شجية تشفى المحزون من دائه، ولكل منهن جمالها وسحرها وفتنتها وصوتها الذى يدلع الحزن والفرح جميعا، صوت تمده وتعلو به كما أرادت أو كما يقول فى قصيدته:
ذات صوت تهزّه كيف شاءت ... مثلما هزّت الصّبا غصن بان
وإنما أردنا بذلك كله أن نصور كيف أن شاعر المديح فى هذا العصر حاول أن يضيف إلى عناصره الموروثة عناصر مستمدة من بيئته الحضارية، ممثلا فيها كثيرا من المعانى والصور الدقيقة، وكانوا دائما يلائمون بين مدائحهم وممدوحيهم، فإذا مدحوا وزيرا مثلا عرضوا لسياسته وتفننه فى الكتابة، وإذا منحوا قائدا عرضوا لوقائعه وأمجاده الحربية، وإذا مدحوا عالما أشادوا بعلمه، وكذلك إذا مدحوا مغنيا أشادوا بغنائه. واضطرم حينئذ الهجاء كما اضطرم المديح، ولم يكد يترك الشعراء خليفة ولا وزيرا ولا قاضيا ولا عالما ولا مغنيا إلا كالوا له الهجاء كيلا، وأدّاهم تنافسهم إلى أن يتبادلوا الهجاء ويريشوا كثيرا من سهامه. واقرأ فى أى ديوان من دواوين العصر فستجد دائما هجاء كثيرا على نحو ما يلقانا فى ديوان البحترى مثلا، وقد اشتهر بهجائه بعض ممدوحيه حين يقلب لهم الدهر ظهر المجن، مثل أحمد ابن الخصيب ممدوحه، فإنه حين نكبه المستعين أنشده قصيدة يحثه فيها على مصادرة أمواله وسفك دمه، وظل يسلقه بلسانه طويلا بمثل قوله (١):
لابن الخصيب الويل كيف انبرى ... بإفكه المردى وإبطاله
كاد أمين الله فى نفسه ... وفى مواليه وفى ماله
والرأى كلّ الرأى فى قتله ... بالسيف واستصفاء أمواله
وله قصائد كثيرة يمجد فيها المستعين وعهده، حتى إذا خلع وولّى الترك بعده المعتز أصلاه نارا حامية من هجائه فى ثنايا مديحه للخليفة الجديد. ولم يكن البحترى حاذقا فى هذا الفن، غير أنه كان هناك كثيرون يتقنونه، مثل على
стр. 1683
ابن بسام، وكان يتعرض فى هجائه كثيرا للخلفاء والوزراء وقلما سلم أحد من لسانه ومن قوله فى العباس بن الحسن وزير المكتفى (١):
وزارة العباس من نحسها ... تستقلع الدولة من أسّها
شبّهته لما بدا مقبلا ... فى حلل يخجل من لبسها
جارية رعناء قد قدّرت ... ثياب مولاها على نفسها (٢)
وكان أكثر ما يعتمدون عليه فى الهجاء من معان التهوين والتحقير والتصغير وما إلى ذلك من طعنات مصمية نافذة، بما تحمل من سموم الانتقاص والسخرية المريرة، كقول إبراهيم بن العباس فى صديق تنكر له وجحد معروفه (٣):
ولما رأيتك لا فاسقا ... تهاب ولا أنت بالزاهد
وليس عدوّك بالمتقى ... وليس صديقك بالحامد
أتيت بك السوق سوق الرقيق ... فناديت هل فيك من زائد
على رجل غادر بالصديق ... كفور لنعمائه جاحد
فما جاءنى رجل واحد ... يزيد على درهم واحد
سوى رجل حار منه الشّقا ... وحلّت به دعوة الوالد
فبعتك منه بلا شاهد ... مخافة أدرك بالشاهد
وأبت إلى منزلى سالما ... وحلّ البلاء على الناقد (٤)
والمقطوعة تمسخ هذا الصديق مسخا، حتى لتجعله حيّا كميت وموجودا كمعدوم، فلا هو من أهل المجون ولا من أهل الزهد ولا يخشى بأسه عدو ولا يحمده صديق، إنه كنود مهين، ولذلك ذهب ببيعه الصولى فى سوق الإنسان الكبيرة، معلنا عيوبه من الغدر وكفر النعمة والجحود، مما جعل الناس يكفّون عن شرائه إلا
стр. 1684
أن يكون بدرهم واحد، إلا ما كان من رجل سيئ الحظ كأنما استجيبت فيه دعوة لأبيه، أقدم على شرائه، فباعه منه بدراهم معدودة، وولى الصولى على وجهه يطلب السلامة من هذا البلاء الذى كان حلّ به. وكان مما يؤذى المهجوين حينئذ إيذاء شديدا أن يوصفوا بالقذارة، إذ كان العرب قد تحضروا وأسرفوا فى صور النظافة وفى التطيب بالعطور، وكأن من يوصف بنتن الرائحة يتلطخ بعار ما بعده عار، ويستغل ذلك الصولى فى أحد مهجويه قائلا له (١):
وكن كيف شئت وقل ما تشا ... وأبرق يمينا وأرعد شمالا
نجابك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا
فليكن كما يشاء فإن أحدا لن يستطيع التعرض له لحقارته وقذارته. ومعروف أن ابن الرومى هو أكبر شعراء الهجاء فى العصر وأكثرهم سهاما لمهجويه، وكان يعرف كيف يصب عليهم التصغير والحقارة والضعة، كقوله المشهور فى وصف بخيل (٢):
يقتّر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد
ففتحة أنف واحدة كانت تكفيه، ولو أنه رأى فيها حقّا كفاية ما انتفع بالفتحة الأخرى، ولا حاول ذلك حرصا وبخلا وشحّا جبل عليه. وكانت لابن الرومى حاسة تلتقط العيوب الجسدية وتستطيع تكبيرها على نحو ما يصنع أصحاب الصور الكاريكاتورية الهزلية، فإنهم يعرفون كيف يستغلون دقائق العيوب فى الوجوه والأجسام، وتستحيل مقطوعات وقصائد كثيرة فى ديوان ابن الرومى إلى صور ساخرة من مهجويه، حتى ليأخذوا أحيانا شكل حيوانات مجترة وغير مجترة، كقوله فى بعض مهجويه (٣):
ما ظننت الإنسان يجترّ حتى ... كنت ذاك الإنسان عين اليقين
стр. 1685
أما أبو سليمان الطنبورى المغنى فقد استمع إلى غنائه القبيح يوما، فتراءى له فى صورة بغل لطحّان ما يزال يحرك فكيه فى أكل طعامه من الفول وغيره، أو كما يقول (١):
وتحسب العين فكيه إذا اختلفا ... عند التنغم فكّى بغل طحّان
وهو جانب طريف عند ابن الرومى سنعرض له ثانية فى ترجمته، والمهم أن نعرف الآن أنه استطاع أن ينمى الهجاء فى هذا الجانب الساخر إلى ذروة لم يصل إليها الشعر العربى قبله ولا بعده.
وظل الفخر نشطا فى العصر، وكان قد ضعف الفخر القبلى منذ العصر الماضى وظل ضعيفا فى هذا العصر لضعف الشعور بالعصبية القبلية، وإن كنا نجد هذا الشعور من حين إلى حين. ولكنه على كل حال كان شعورا خافتا، ونجده أحيانا على لسان البحترى حين يفتخر بطيئ قبيلته. وكذلك على لسان ابن الجهم القرشى حين يفتخر بقريش وجدها فهر بن مالك قائلا (٢):
أبت لى قروم أنجبتنى أن أرى ... وإن جلّ خطب خاشعا أتضجّر
أولئك آل الله فهر بن مالك ... بهم يجبر العظم الكسير ويكسر
هم المنكب العالى على كل منكب ... سيوفهم تفنى وتغنى وتفقر
وبقيت من ذلك بقية عند ابن المعتز، إذ نراه يفخر طويلا على بنى عمومته العلويين، وهو فخر سياسى يدور حول الخلافة وأن العباسيين أولى بها من العلويين، وربما كان أروع من هذا الفخر عنده فخره العام الذى يخلطه بشكواه، والذى يتحدث فيه عن حبه مقدما لبعض صواحبه فضائله من الشجاعة والبأس والكرم الفياض والوفاء، ومن طريف فخره قوله (٣):
لا أشرب الماء إلا وهو منجرد ... من القذى ولغيرى الشّوب والرّنق (٤)
عزمى حسام وقلبى لا يخالفه ... إذا تخاصم عزم المرء والفرق (٥)
стр. 1686
ميت السّرائر ضحّاك على حنق ... ما دام يعجز عن أعدائى الحنق
فهو يشرب الماء صفوا وغيره يشربه كدرا وشوبا وطينا، وهو قوى العزيمة، يكتم سره ونيته، أو هو بعبارة أخرى رجل كامل المروءة، وقد تغنى الشعراء معه طويلا بالكرامة والعزة والأنفة والشيم العربية الرفيعة التى ظلت لا تبرح ذاكرة العرب على مر العصور.
واحتدم الرثاء فى العصر، فلم يمت خليفة ولا وزير ولا قائد ولا نابه مشهور إلا رثاه الشعراء، وكان يحدث أن يقتل الخليفة أو يخلع ويموت فى سجنه، وكان من الشعراء من يتأثر لذلك تأثرا عميقا، فتتفجر لوعاته على لسانه رثاء حارّا، ومما يصور ذلك مقتل المتوكل الذى مرّ بنا الحديث عنه، وكان البحترى حاضرا مقتله فتعمق التأثر نفسه، فبكاه بقصيدته (١):
محلّ على القاطول أخلق داثره ... وعادت صروف الدهر جيشا تغاوره
ويقال إنه نظمها حين ولى ابنه المعتز الخلافة وهى ليست رثاء ولا تأبينا فحسب، بل هى أيضا ثورة على الجناة وفى مقدمتهم ولى العهد المنتصر، إذ تحول صدره إلى ما يشبه بركانا لا يزال يقذف بالحمم الملتهبة، حتى ليحرم على نفسه كل متاع إلا أن يهب من يأخذ بثأر المتوكل ويسفح دماء قاتليه دما بدم، ويعجب أن ابنه وولى عهده يشترك فى دمه، ويدعو الله ألا يمتعه بتراثه، يقول:
حرام علىّ الرّاح بعدك أو أرى ... دما بدم يجرى على الأرض مائره (٢)
أكان ولىّ العهد أضمر غدرة ... فمن عجب أن ولّى العهد غادره
فلا ملّى الباقى تراث الذى مضى ... ولا حملت ذاك الدعاء منابره (٣)
وكان ابن المعتز صديقا حميما للخليفة المعتضد، وكان لا يبارى فى شجاعته وبأسه. وكانت أيامه أيام أمن وسعود للخلافة، فلما وافاه القدر جزع عليه ابن المعتز جزعا شديدا، وبكاه وبكى دولته بطائفة من المراثى الحارة، منها مرثيته (٤):
стр. 1687
يا دهر ويحك ما أبقيت لى أحدا ... وأنت والد سوء تأكل الولدا
وقد مضى فيها يندب سكناه فى دار موحشة، وقد خلّف من ورائه الجيوش والكنوز التى لم تكن تحصى عددا، والسرير أو العرش الذى كان يملؤه مهابة وسؤددا، ويذكر سحقه للأعادى سحقا لا يبقى ولا يذر، والجياد والرماح تغدو عليهم وتروح، كما يذكر قصوره ووصائفه وملاهيه وأمجاده الحربية، يقول:
ثم انقضيت فلا عين ولا أثر ... حتى كأنك يوما لم تكن أحدا
وعلى نحو ما تفجعوا على الخلفاء تفجعوا على أبنائهم وعزّوهم فيهم، وبالمثل صنعوا مع الوزراء وذوى النباهة والشأن، ومرّ بنا فى حديثنا عن خزانات الكتب ما أقام على بن يحيى المنجم فى ضيعة له من خزانة ضخمة للكتب كان الناس يؤمونها من كل بلد، فيجدون فيها نفقتهم وما يشاءون من كتب لا تكاد تحصى، وكأن الخلفاء منذ المتوكل يسبغون عليه عطايا جزيلة، فكان ينفقها على مكتبته وعلى الناس من شعراء وغير شعراء، فلما توفى رثاه على بن بسام رثاء رائعا على هذا النمط (١):
قد زرت قبرك يا علىّ مسلّما ... ولك الزيارة من أقلّ الواجب
ولو استطعت حملت عنك ترابه ... فلطالما عنى حملت نوائبى
ودمى فلو أنى علمت بأنه ... يروى ثراك سقاه صوب الصائب
لسكبته أسفا عليك وحسرة ... وجعلت ذاك مكان دمع ساكب
فلئن ذهبت بملء قبرك سؤددا ... لجميل ما أبقيت ليس بذاهب
والقطعة تفيض حسرة ولوعة، حتى ليتمنى ابن بسام أن لو فداه بروحه ومات مكانه وحمل عنه ترابه، ويقول إنه لو عرف أن دمه يروى ثراه لسكبه عليه ولم يسكب دموعه المنهلة. ثم يسترجع نفسه فجميل ما أسدى إلى الناس من صنع لن يذهب سدى، بل سيظل خالدا على مر الزمان. وكانوا يعزون الآباء فى البنات وأن يحتسبوهن عند الله، ولهم فيهن تعزيات طريفة، من ذلك تعزية ابن الرومى
стр. 1688
لابن المنجم المذكور فى ابنة له على هذه الشاكلة (١):
لا تبعدنّ كريمة أودعتها ... صهرا من الأصهار لا يخزيكا
إنى لأرجو أن يكون صداقها ... من جنّة الفردوس ما يرضيكا
لا تيأسنّ لها فقد زوّجتها ... كفؤا وضمّنت الصداق مليكا
وكانوا يحاولون النفوذ إلى العزاء بأن الموت مصير لا بد منه، وأن أحدا لن يعيش إلا إلى أجل محدود فنحن دائما مشدودون إلى الموت، وكل لحظة تمضى تموت ولا تعود إلى الحياة أبدا، فالدهر لا يعيدها ولا تعيدها أيامه، بل لكأن الأيام خلقت لكى تنزل الكوارث على الناس، أما ما قد تجلبه لهم من حسن ونعم فهى إنما تجلبه عن غير عمد، وفى ذلك يقول ابن المعتز فى بعض مراثيه (٢):
ألست ترى موت العلا والمحامد ... وكيف دفنّا الخلق فى قبر واحد
وللدّهر أيام يسئن عوامدا ... ويحسنّ إن أحسنّ غير عوامد
وسعر موت الأبناء وذوى الرحم قلوب الشعراء، فبكوهم بدموع غزار وأنوا أنينا حارّا من قلوب جريحة كوتها نار الفراق الملتهبة، ومضوا يتأوهون وجذوات الحزن الممض تلذع أفئدتهم لذعا، ويشتهر فى هذا الجانب ابن الرومى برثائه لابنه الأوسط وقد مات منزوفا وهو لم يزل فى المهد صبيّا، وأحس كأن القدر اختطف منه فلذة كبيرة من كبده، فامتلأت نفسه حزنا وشقاء، وقعهما على قيثارته ودموعه تنحدر على خديه، وإنه ليخاطب عينيه أن ترسل الدموع غزيرة، علّها تنفس عنه شيئا من محنته فى ابنه، يقول (٣):
بكاؤكما يشفى وإن كان لا يجدى ... فجودا فقد أودى نظيركما عندى (٤)
أريحانة العينين والأنف والحشا ... ألاليت شعرى هل تغيّرت عن عهدى
كأنى ما استمتعت منك بضمّة ... ولا شمّة فى ملعب لك أو مهد
وأنت وإن أفردت فى دار وحشة ... فإنى بدار الأنس فى وحشة الفرد
стр. 1689
والقصيدة جميعها على هذا النمط من التحسر الممض واللوعة المحرقة، حتى لكأنما أصبحت الدنيا كلها فى عين ابن الرومى قبرا موحشا كبيرا، قبرا يصبّ عليه حزنا ثقيلا. وممن رزئ بابنين له وبكاهما طويلا إبراهيم بن العباس الصولى، وكان الموت قد فجأه فى أولهما، ثم لم يلبث أن فجأه فى الثانى، فقال (١):
كلّ لسانى عن وصف ما أحد ... وذقت ثكلا ما ذاقه أحد
ما عالج الحزن والحرارة فى الأ ... حشاء من لم يمت له ولد
فجعت بابنىّ ليس بينهما ... إلا ليال ما بينها عدد
وكلّ حزن يبلى على قدم ال ... دّهر وحزنى يجدّه الكمد
وشاعرية الصولى كانت دون شاعرية ابن الرومى، ولذلك لم يبلغ فى تصوير حزنه وأساه على فلذتى كبده ما بلغه ابن الرومى من تصوير كارتته فى ابنه وفاجعته فيه.
وذكرنا فى كتاب العصر العباسى الأول أن شعراء هذا العصر بكوا بغداد حين أصابتها كوارث النهب والتحريق فى حروب المأمون والأمين، وبذلك عرف الشعر العربى لأول مرة رثاء المدن، ونجد فى هذا العصر الجديد بقية لهذا الرثاء حين هجم صاحب الزنج بجموعه على البصرة وأنزل بها النهب والسلب والحرق وفتك بأهلها فتكا ذريعا، حتى قيل إنه قتل منهم فى هذا الهجوم ثلاثمائة ألف على نحو ما مر بنا فى هذا الموضع، وقد أشرنا هناك إلى مراثى الشعراء لتلك المدينة وفى مقدمتها مرثية ابن الرومى:
ذاد عن مقلتى لذيذ المنام ... شغلها عنه بالدموع السّجام
وهو يستهلها ببيان ضخامة الحادثة وخطورتها، فقد نزل بالبصرة من ضروب الذل والهوان والخسف والعسف ما ملأ نفسه ألما وهو لا وحسرة ولوعة، حتى إنه ليبكى بكاء مرّا طوال نهاره وطوال ليله، فقد انتهك الزنج محارم الإسلام، وإن
стр. 1690
لهفته عليها لتدلع لهبا فى قلبه كلهب النار التى حرقتها، وإنه ليندب مجدها وأمنها ومن سفكوا الدم فيها، حتى كان الأخ لا يفكر فى أخيه ولا الأب فى بنيه، فالجميع مشغولون بأنفسهم كل يريد النجاة ولا منجى فالسيوف تحصدهم حصدا، أما النساء فساقوهن سبايا حاسرات الوجوه، وباعوهن بيع الرقيق. وخرّت المدينة الكبيرة عند أقدام الزنج تترنّح إعياء، وأصبحت القصور بالتحريق تلالا، وأصبح الناس أشلاء مبعثرة فى كل مكان، وأصبح المسجد الجامع قفرا من عبّاده ونسّاكه. ويتحول ابن الرومى من وصف الكارثة المروعة إلى استصراخ الناس كى يردوا سيل الزنج الكاسح عن البصرة ومدن العراق، ويرفع لهم شعارات الجهاد الدينى، ويستحثهم بما يكون بينهم وبين الله من حوار إزاء تلك الفاجعة إن هم قعدوا عنها، ويناديهم بلسان الرسول ﷺ أن يردّوا عدوان الزنج الأثيم، ويستنفرهم فى حماسة بالغة لرد هذا العار وللثأر والانتقام، ويختم ابن الرومى المرثية ببيان فضل المجاهدين وما أعدّ لهم من الجنان والرضوان العظيم. وهى بذلك تعدّ مرثية من جهة واستصراخا واستنفارا لحرب الزنج من جهة ثانية، وهو استنفار يكتظ بالغيظ والحنق الشديد.
ومن موضوعات الرثاء التى استحدثت فى العصر العباسى الماضى رثاء المدلل من الحيوانات المستأنسة، ونرى شعراء هذا العصر يحاكون أسلافهم فى هذا الباب، ومن أروع ما نظموه فيه مرثية الحسن بن على بن أحمد بن بشار المعروف بابن العلاّف الضرير النهروانى، وكان من أصدقاء ابن المعتز وابن الفرات وزير المقتدر، وكان له هر يأنس به تعوّد أن يدخل أبراج الحمام لدى الجيران ويأكل أفراخها، وكثر ذلك منه، فأمسكه بعض أربابها وذبحوه، وحزن عليه ابن العلاف، فرثاه رثاء حارّا وكأنه يرثى صديقا عزيزا لديه نكبه بعض الخلفاء، ولذلك قيل إنه كنى بالهر عن ابن المعتز وقيل عن ابن الفرات، خوفا على نفسه من المقتدر الذى نكبهما إن هو صرّح بالاسم الحقيقى، ويضيف ابن خلكان إلى هذين القولين قولا ثالثا، هو أنه كانت لعلى بن عيسى وزير المقتدر جارية هويت غلاما لابن العلاف، ففطن بهما فقتلا، وبكى ابن العلاف غلامه وكنى عنه بالهر. وفى رأينا أن روعة هذه المرثية هى التى جعلت القدماء يظنون بها هذه الظنون، وهى خمسة وستون بيتا،
стр. 1691
كلها من عيون الرثاء وغرره. وفيها يقول (١):
يا هرّ فارقتنا ولم تعد ... وكنت منّا بمنزل الولد
فكيف ننفكّ عن هواك وقد ... كنت لنا عدّة من العدد
تطرد عنا الأذى وتحرسنا ... بالغيب من حبّة ومن جرد (٢)
وتخرج الفأر من مكامنها ... ما بين مفتوحها إلى السّدد
حتى اعتقدت الأذى لجيرتنا ... ولم تكن للأذى بمعتقد
وحمت حول الرّدى بظلمهم ... ومن يحم حول حوضه يرد
صادوك غيظا عليك وانتقموا ... منك وزادوا ومن يصد يصد
ما كان أغناك عن تصعّدك ال ... برج ولو كان جنة الخلد
والمرثية كلها تفجع على هذا المنوال، وتزخر بالحكم مع الحسرة على فقد الهرّ ومع التأمل فى الموت وحقائق الحياة. ومن طريف ما نجد من مرثيات فى العصر رثاء أبى الشبل البرجمىّ التميمى لقنديل حطمه كبش دخل بيته وعاث فيه (٣) وكذلك بكاؤه قرطاسا سرق منه خلسة (٤).
وأكثر الشعراء فى العصر من العتاب والاعتذار، سواء بين المتحابين أو بين الأصدقاء، وقد تفننوا فى ذلك على صور شتى تسعفهم ملكاتهم العقلية الخصبة بمعان وخواطر لم تفد على سابقيهم، أو لعلها وفدت ولكنهم أبرزوها إبرازا جديدا، تسعفهم فى ذلك مشاعرهم المرهفة وأذواقهم المتحضرة الرقيقة ومهارتهم فى الإتيان بالمعانى التى تروق وتروع العقول والقلوب جميعا، وربما كان من أجمل ما صاغوه فى العتاب قول سعيد بن حميد (٥):
أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل
стр. 1692
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولعل أحداث المنيّة والرّدى ... يوما ستصدع بيننا وتحول
فلئن سبقت لتبكينّ بحسرة ... وليكثرنّ عليك منك عويل
ولتفجعنّ بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت-ولا سبقت-ليمضين ... من لا يشاكله لدىّ خليل
وأراك تكلف بالعتاب وودّنا ... صاف عليه من الوفاء دليل
ولعل أيام الحياة قليلة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
إنها حماقة أن يتمادى الأصدقاء فى العتاب، والحياة من شأنها ألا تجرى سويّة، وكل ما نبكى منه يوما نبكى عليه فى يوم تال، فأولى بنا ألا نفضى إلى التشاؤم.
إذ سرعان ما يطوى بساط الحياة، ولذلك خليق بالأصدقاء أن يعفوا عما قد يظنون بصداقتهم من كدر. ويعرض ابن حميد على صديقه الفراق الأخير الذى لا بد منه فراق الموت وكيف سيملأ صديقه عليه الفزع ويلتاع لوعة لا ينفعه إزاءها صراخ ولا عويل، وكذلك شأنه إن سبقه صديقه، وقيم العتاب وصداقتهما كلها صفاء وبرّ، وحرى بهما أن ينعما بتلك الصداقة قبل أن يقرع الموت الأبواب ويفترق الصديقان افتراقا لالقاء بعده. ولابن الرومى فى العتاب كثير من المعانى البارعة، من مثل قوله فى آل وهب (١):
تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا ... نبال العدا عنى فكنتم نصالها
وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها
فإن أنتم لم تحفظوا لمودّتى ... ذماما فكونوا لا عليها ولا لها
وعفاء على هؤلاء الأصدقاء فقد كان يتخذهم دروعا وتروسا، فإذا هم عون للأعداء، وإذا هم يخذلونه خذلانا مروعا، خذلان اليمين للشمال، وإنه ليتوسل إليهم إن لم يحفظوا ذمام مودته وحرمته أن يكفوه شرهم كما كفوه خيرهم، فيكونوا
стр. 1693
لا عليه ولا له. ولعل أشهر شعراء العصر فى الاعتذار وأكثرهم تفننا فيه البحترى، وقد أجمع القدماء على الإعجاب باعتذاراته للفتح بن خاقان وزير المتوكل ومن طريف ماله فيها قوله من قصيدة ميمية مدحه بها (١).
عذيرى من الأيام رنّقن مشربى ... ولقّيننى نحسا من الطير أشأما (٢)
وأكسبننى سخط امرئ بتّ موهنا ... أرى سخطه ليلا مع الليل مظلما (٣)
وقد كان سهلا واضحا فتوعّرت ... رباه وطلقا ضاحكا فتجهّما (٤)
أعيذك أن أخشاك من غير حادث ... تبيّن أو جرم إليك تقدّما
ولو كان ما خبّرته أو ظننته ... لما كان غروا أن ألوم وتكرما (٥)
أقرّ مما لم أجنه متنصّلا ... إليك على أنى إخالك ألوما (٦)
لى الذنب معروفا، وإن كنت جاهلا ... به فلك العتبى علىّ وأنعما (٧)
ومثلك إن أبدى الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمما (٨)
ولم ننقل الاعتذار كله فى القصيدة لطوله، وجميعه يجرى على هذه الشاكلة من التلطف ورقة الحاشية، وحسن التأتى، ودقة التنصل، مع التضخيم للذنب الذى لا يعرفه والذى جعل الفتح يتغير عليه. وهو لذلك يقدم شتى المعاذير، فقد أتى جرما لا يغتفر، جرما لم يجنه، كدّر ورده، وأحال أيام سعده نحسا لا يطاق، إذ غضب عليه الفتح، وكأنما اسودّت الدنيا فى عينه، ومثل الفتح حرىّ بالعفو لو أن هناك جريرة حقيقية، فما بالنا ولا جريرة ولا جرم ولا ذنب، ويسلّم البحترى بذنبه رقة وتلطفا، منوها بالفتح وفعاله الحميد ومعروفه الذى يواليه، وكيف أنه من أهل الصفح الجميل.
ولا نغلو إذا قلنا إن أهم موضوع استغرق الشعراء واستنفد أشعارهم الغزل، وكانوا ينظمونه تعبيرا عن عاطفة الحب الإنسانية الخالدة، وتلبية لحاجات الناس
стр. 1694
الوجدانية وحاجات المغنين والمغنيات من المقطوعات والأشعار التى كانت توقّع على الآلات والمعارف الموسيقية، ولذلك تطلبها دائما دور القيان والطرب، وكان الشعراء يختلفون إلى هذه الدور لسماع الغناء فى أشعارهم ولمغازلة الجوارى والإماء.
وكان منهن من يتقنّ نظم الشعر، ومنهن من كن يطارحن الشعراء فى أغانى الحب وأناشيده. ولعبن دورا واسعا فى دفع المجتمع العباس نحو الصبابة والعشق، وكان منهن من ينحرفن عن الطريق السوىّ، كما كان من الشعراء والشباب من حولهن شياطين لا يعرفون دينا ولا خلقا ولا عرفا. وكان ذلك سببا فى أن يكثر الغزل الإباحى، الذى لا يحتشم فيه الشاعر، بل الذى يعبر فيه أحيانا عن جوعه الجسدى وغرائزه الحيوانية. ومن الحق أن ذلك كان امتدادا لموجة الغزل المكشوف الذى شاع فى العصر العباسى الأول. وكأنما ظلت لتلك الموجة حدّتها، وكانت دور القيان آنفا من أسباب هذه الحدة، إذ كان بعض جواريها يتحولن أدوات للإغراء والريبة والمجون، وساعدهن على ذلك أنهن كن يبعن ويشرين ولم يكن يشعرن
من الكرامة. وكن يعشن بين الخلعاء والمجّان وبين كثيرين ممن لا يعرفون دينا ولا صيانة مروءة ولا يفكرون فى عقاب ولا ثواب، إنما يفكرون فى المتاع المادى وغرائزهم النوعية ومآربهم الرخيصة، وطبيعى لذلك أن يشيع الغزل الإباحى المكشوف الذى لا يعرف للمرأة كرامة ولا للرجل مروءة، إنما يعرف الهوان والابتذال البغيض.
وعلى نحو ما ظل الغزل الماجن الخليع شائعا فى هذا العصر ظل كذلك الغزل الشاذ بالغلمان الذى يزرى بكرامة الرجال. وأكبر انظن أن كثيرا من هذا الغزل وسالفه لم يكن يصور حقائق واقعة. إنما كان يصور حقائق خيالية من بعض الوجوه.
إذ كان يراد به إلى التندير والفكاهة فى مجالس هؤلاء المجان الخليعين. فهم ينظمونه ويتداولونه للضحك والدعابة. وعادة يصحبه الشاعر فى إنشاده بحركات ليزيد من ضحك السامعين. ونظن ظنّا أنه فات مؤرخى الأدب العباسى أن يلاحظوا هذه الظاهرة، وكأنه يشبه من بعض الوجوه ما قد يجرى على بعض الألسنة فى عصرنا من نكت جنسية. وليس معنى ذلك أننا نريد أن ننكر إنكارا باتّا الغزل المكشوف وأخاه الشاذ فى العصر العباسى الأول والثانى. إنما نريد أن نلفت إلى أن كثيرا منه صنع للتندير والفكاهة. وأنه غاب ذلك عمن أرخوا للأعب العباسى.
وتاريخهم لذلك فى حاجة إلى غير قليل من التصحيح. ولا بد أن نلاحظ من جهة
стр. 1695
ثانية أن هذا الغزل المادى الماجن كانت تحفّه دائما وتتخلله معانى الغزل العربى العفيف الذى شاع فى العصر الأموى، وكانت هذه المعانى تخفف من ماديته كما كانت تشعل فيه جذوة الحب الظامئ وآلامه الثقال، فلم يسقط فى كثير من جوانبه ومقطوعاته، إذ ظلت فيه الحيرة والحنان والتضرع والاستعطاف وظل الشوق الجامع الذى يملك على النفس عواطفها وحسها وشعورها وأهواءها.
وأيضا لا بد أن نلاحظ بجانب ذلك أن الغزل العذرى العفيف نفسه ظل حيّا لا من خلال معانيه التى تسربت فى الغزل المادى الصريح كما ذكرنا آنفا، وإنما من خلال بعض الشعراء الذين ارتفعوا عن أدران الحسّ وأعراضه، وعاشوا فى حبهم معيشة طاهرة نقية أعظم ما يكون الطهر والنقاء على نحو ما هو معروف عن محمد ابن داود الأصبهانى صاحب كتاب «الزهرة» فى الحب وأشعاره. وملاحظة أخيرة هى أن الضربين من الغزل المادى الإباحى والعذرى العفيف استطاعت تكلّف؟ ؟ ؟ الشعراء الخصبة حينئذ أن تستثير فيهما كثيرا من خطرات الحب ودقائقه البديعة، وابن الرومى لا يبارى فى نفوذه إلى هذه الدقائق، كقوله فى العناق وطموحه إلى امتزاج الروحين (١).
أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها، وهل بعد العناق تدان
وألثم فاها كى تزول حرارتى ... فيشتد ما ألقى من الهيمان (٢)
كأن فؤادى ليس يشفى غليله ... سوى أن يرى الروحين يمتزجان
فالعناق لا يروى ظمأه، وفى قلبه جذوة لا تطفئها القبلات، بل تزيدها تلظيا واشتعالا، ويحسّ أن عذابه بحب صاحبته لن يخلصه منها إلا أن تمتزج روحه بروحها، حتى ينعم بالوصل الحقيقى. وكثيرا ما يلم بالعناق وكثيرا ما يودع فيه صورا طريقة، كقوله (٣):
طالما التفّت إلى الصّب ... ح لنا ساق بساق
فى قناع من لثام ... وإزار من عناق
стр. 1696
فقد كانا مكسوّين طوال الليل كسوة غريبة من اللثام والعناق، ونحس دائما عنده بطفرات الفكر العبقرى وأخيلته كأن نراه يقول فى الصدور (١):
صدور فوقهنّ حقاق عاج ... وحلى زانه حسن اتّساق
يقول الناظرون إذا رأوها ... أهذا الحلى من هذى الحقاق
وهى صورة لا تفد بحق فى ذهن شاعر من هذا العصر سوى ذهن ابن الرومى الذى كان يشبه متحفا كبيرا ما يزال يستخرج منه الدرر والتحف النفيسة، من مثل قوله فى جمال العيون ومدى تأثيرها وسحرها فى العشاق (٢):
نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ... ثم انثنت عنه فكاد يهيم
ويلاه إن نظرت وإن هى أعرضت ... وقع السهام ونزعهنّ أليم
وكان من حوله من الشعراء لا يزالون يحاولون بكل ما وسعهم أن يأتوا بدرة أو تحفة تخلب الباب سامعيهم، ولتكن خاطرة طريفة أو صورة بديعة، ولا يهم أن يكون أصلها قد دار على ألسنة الشعراء، فالمهم طرافة العرض وتحوير المعنى أو الصورة، من مثل قول ابن المعتز (٣):
يا غصنا إن هزّه مشيه ... خشيت أن يسقط رمّانه
وقول أبى العباس الناشى فى بكاء إحدى صواحبه وقد أحسّت أن فراقه لها سيطول أمده، فقال وهو محزون الفؤاد (٤):
كأن الدموع على خدّها ... بقيّة طلّ على جلنّار
وينفذ أحمد بن صالح بن أبى فنن إلى معنى دقيق فإنه حين ينظر إلى صاحبته تتورد وجنتها خجلا، فتقتص منه فى قلبه بما تصيبه به من سهام عينيها المصمية، يقول (٥):
أدميت باللحظات وجنتها ... فاقتصّ ناظرها من القلب
стр. 1697
ومرّ بنا فى فصل الحياة الاجتماعية أن موجة المجون ظلت على تفاقمها وحدتها فى هذا العصر، وظل معها شرب الخمر المعتقة، وكانت حاناتها تكتظ بها الكرخ فى بغداد ودور النخاسة والبساتين كما كانت تكتظ بدنانها وكئوسها الديارات. وكان سقاتها أخلاطا من النصارى والمجوس واليهود، وأقبل يعبّها المجّان؟ ؟ ؟ والفسّاق وكان منهم المتمرد على الدين الحنيف، ومنهم المجوسى، ومنهم من لا يؤمن بأى دين، فأكبوا عليها جميعا، دون رادع أو وازع، ويفيض كتاب الأغانى بأخبارهم، وكذلك كتاب الديارات للشابشتى، حيث يتوقف مع كل دير ليترجم لماجن كبير مثل الحسين بن الضحاك وأبى الشبل البرجمى وعبد الله بن العباس الربيعى، وغيرهم ممن كانوا يعكفون على الشراب فى الأديرة وغير الأديرة، وممن عاشوا سكارى لا يفيقون إلا لكى يعودوا إلى الشراب والمجون، وهم فى أثناء ذلك يصفون الخمر والنشوة بها وكئوسها ودنانها وسقاتها مضيفين إلى ذلك غزلا مسعورا بالجوارى والغلمان. ويخيل إلى الإنسان كأنما تردّى فى حمأة هذه الرذيلة أكثر شعراء العصر، ولذلك تزخر دواوينهم وأشعارهم بنعت الخمر والنشوة بها، وجعلوا يحاولون فيها ما حاولوه فى أغراض الشعر الأخرى من النفوذ إلى معان وأخيلة تبهر السامعين، من مثل قول ابن المعتز (١):
شربنا بالكبير وبالصغير ... ولم نحفل بأحداث الدهور
وقد ركضت بنا خيل الملاهى ... وقد طرنا بأجنحة السرور
وهو يصور نشوته بتلك الخمر التى شربوها بالقداح الكبيرة والصغيرة، فملأتهم مسرة وفرحة، حتى لكأنما يحملهم الاغتباط على خيوله، بل على جناحيه، فهم يطيرون طيرانا، ولم يبلغ شاعر مبلغ ابن الرومى فى بيان ما تفسح الخمر من آمال السكران حتى ليتمنى المستحيلات، يقول (٢):
ومدامة كحشاشة النّفس ... لطفت عن الإدراك والحسّ
لنسيمها فى قلب شاربها ... روح الرجاء وراحة النفس
وتمدّ فى أمل ابن نشوتها ... حتى يؤمّل مرجع الأمس
وكأنها وكأن شاربها ... قمر يقبّل عارض الشمس
стр. 1698
وقد صور ابن الرومى فى البيتين الأولين رقة المدامة وخفتها حتى لتكاد تدق عن الحس، كما صور أثرها فى قلب شاربها وما تمنحه من أمل بعد يأس وراحة بعد تعب، بل إنها لتمد فى أمله، حتى ليظن أن ما يستحيل رجوعه سيعود ثانية وأنها تخلو من كل كدرة.
وينبغى أن نؤمن بأن حركة المجون فى العصر لم تكن تعم الناس جميعا، إنما كانت تعم فى بعض قصور ذوى السلطان ومن كانوا يفيضون عليه من أموالهم من المغنين والشعراء، أما عامة الشعب فكانت تربض فى مسغبة شديدة وقلما عرفت شيئا من الترف أو من الفراغ والثراء.
وكان الموضوع الذى يتصل بالعامة حقّا هو الزهد وما نشأ عنه من التصوف، وبدون شك كانت الحانات والأديرة لا تقاس من حيث الكثرة ولا من حيث عدد من يؤمونها إلى المساجد، وكانت تكتظ بالفقهاء والمحدثين والعبّاد والنسّاك الذين رفضوا متاع الحياة الدنيا، وعكفوا على عبادة الله. وكان بينهم كثيرون من الوعاظ الذين يعظون الناس صباح مساء، وقد رفعوا نصب أعينهم ثواب الآخرة من الجنان والفراديس وعقابها من الجحيم والعذاب المقيم، وهم فى أثناء ذلك يدعون إلى الزهد وازدراء المتاع الفانى والإقبال على ما عند الله من المتاع الباقى، مكررين الحديث عن الموت وأن الحياة إنما هى رحلة قصيرة والناس فيها كركب وقوف ينتظر كل منهم دوره، وسرعان ما يختطفهم الموت، فأولى لهم أن يتدبروا حياتهم وأن يتزودوا زادا كبيرا لآخرتهم، زادا من التقوى والصلاح والقناعة. ويكثر الشعر الزاهد فى العصر حتى ليتّخذ أحيانا مقدمة للمديح من مثل قول على بن الجهم (١):
وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التفضّل
وما المال إلا حسرة إن تركته ... رغنم إذا قدّمته متعجّل
وللخير أهل يسعدون بفعله ... وللناس أحوال بهم تتنقّل
ولله فينا علم غيب وإنما ... يوفّق منا من يشاء ويخذل
وبلغ من شيوع شعر الزهد حينئذ أن اشترك فيه كثير من الشعراء الذين تطفح
стр. 1699
دواوينهم بالحديث عن الخمر والمجون، لما كانوا يتنفسون فيه من ترف بالغ مثل ابن المعتز، فكانوا ينظمون منه مقطوعات وأحيانا قصائد طويلة، ولابن الرومى فيه قصائد، بل مواعظ بديعة، من مثل قوله (١):
نبل الرّدى يقصدن قصدك ... فأجدّ قبل الموت جدّك (٢)
ودع البطالة والغوا ... ية جانبا وعليك رشدك
فكأننى بك قد نعي ... ت وقد بكى الباكون فقدك
وتركت منزلك المش ... يد معطّلا وسكنت لحدك
وخلوت فى بيت البلى ... وخلا بك الملكان وحدك
وسلاك أهلك كلهم ... ونسوا على الأيام عهدك
يتمتّعون بما جمع ... ت ولا يرون عليه حمدك
متنعّمين وأنت تح ... ت الرّمس يرعى الدود جلدك
وهو يرفع الموت نصب أعين الناس، وكأنه مطبق عليهم، حتى يرتدعوا عن البطالة والغىّ، فعمّا قريب سينزل بهم، وسيرتفع الصياح والضجيج عليهم، وسيتركون القصور المشيدة وينزلون اللحود المقفرة، ويسألهم الملكان عما قدمت أيديهم، ويسلوهم الأهل وينسونهم كأن لم يكونوا شيئا مذكورا، على حين يتمتعون بأموالهم التى جمعوها دون حمد لهم أو ثناء عليهم، وعلى حين يرعى الدود جثثهم وجلودهم، فحرى بالعاقل أن يتدبر أمره، وأن يتزود للآخرة زادا كبيرا من التقوى، فإن الموت له بالمرصاد، وهنيئا لمن انتفع بالموعظة وقدم من يومه وبره لغده.
وقد أخذ ينمو من هذا الزهد موضوع جديد من موضوعات الشعر العربى هو التصوف وسنعرض له فى غير هذا الموضع.
стр. 1700
٤ - نمو الموضوعات الجديدة
على نحو ما حدث فى الموضوعات القديمة من إضافات كثيرة سواء من حيث المعانى أو من حيث التصاوير، أخذت الموضوعات الجديدة التى عرضنا لها فى كتاب العصر العباسى الأول تدخلها إضافات متنوعة، كما أخذت فروع من الموضوعات القديمة تستقل وتنمو نموّا واسعا حتى لتصبح موضوعات جديدة جدة خالصة، وأول ما نقف عنده مما تفرع عن الموضوعات القديمة أو تولد منها، شعر التهانى الذى تحول إليه شعر المديح فى بعض جوانبه، وخاصة التهانى بأعياد النيروز والمهرجان كما مر بنا آنفا، وكان أول من افتتح التهانى أحمد بن يوسف للمأمون (١)، ثم أصبح ذلك سنة عامة، ثم أخذ هذا الموضوع يتسع. فأكثروا من التهنئة بالمواليد، وأيضا فإنهم أكثروا من إرفاق الهدايا بأبيات من الشعر الرقيقة، من مثل قول سليمان بن وهب.
وقد أهدى إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر سلال رطب من ضيعته (٢):
أذن الأمير بفضله ... وبجوده وبنيله
لوليّه فى برّه ... بجناه سكّر نخله
فبعثت منه بسلّة ... تحكى حلاوة عدله
وكثيرا ما كانوا يتهادون بالورود والرياحين فى أيام الربيع ويرسلون معها ببعض الأشعار، وكذلك كانوا يتهادون ببعض التحف والطرف النفيسة، وقد يصفون ما يهدونه تظرفا كقول ابن الرومى فى قدح أهداه إلى على بن يحيى المنجم (٣):
وبديع من البدائع يسبى ... كلّ عقل ويطّبى كل طرف
كفم الحبّ فى الملاحة بل أش ... هى وإن كان لا يناجى بحرف
وسط القدر لم يكبّر لجرع ... متوال ولم يصغّر لرشف
стр. 1701
وظل الشعراء يقدمون لمدائحهم كثيرا بوصف الأطلال كما مر بنا، ونفذ البحترى من ذلك إلى موضوع جديد هو الحديث عن آثار الفرس ممثلة فى إيوان كسرى على نحو ما هو معروف فى قصيدته السينية التى تعدّ من روائع الشعر العباسى، وفيها يصور أطلال هذا الإيوان التى لا تزال ماثلة جنوبى بغداد إلى اليوم، وكان قد زاره بعد قتل المتوكل، فبكى همومه وأشجانه، وبكى الأطلال الكسروية ودولة الفرس القديمة ودولتهم الحديثة التى أدال منها الترك لعصره وأصبح لهم السلطان والصولجان، فإذا هم يطيحون بالخليفة، وإذا هم يسفكون دمه غير مراعين إلاّ ولا عهدا. وإنه ليذكر يد الفرس فى العصر العباسى الأول وتشييدهم لحضارته ومدنيته، مما يجعله ينوه بمجدهم القديم حتى ليكاد يرفعهم على العرب تحسرا على ما آلت إليه شئون الملك والحضارة فى عهد الترك. وهو لا يكاد يتماسك حزنا وحسرة ولوعة فى مستهل قصيدته لنبوّ ابن عمه عنه، وكأنه يرمز بذلك لقتل المتوكل، فإن أحدا من أهل بيته أو من أبناء عمومته لم ينصره، بل لقد اشترك ابنه وولى عهده المنتصر فى مؤامرة قتله، ويشتد بنفسه تأثير المحنة، فيتجه إلى المدائن عاصمة الفرس القديمة وإيوان كسرى تنفيسا عن نفسه، ويلمّ به كثير من الشجون، ويذكر إيران القديمة واتساع ملكها فى الشمال من باب الأبواب على بحر قزوين إلى جبال أرمينية، كما يذكر رفاهة العيش التى كانت بها، ولين الحياة ونعيمها وتملأ نفسه أطلال الإيوان وما نقش عليها من الرسوم والصور وخاصة ما سجّل بها من تصوير معركة حامية الوطيس بين الفرس بقيادة كسرى والروم وقعت بإنطاكية سنة ٥٤٠ للميلاد، يقول وقد لفظ كلمة الإيوان باسمها الفارسى «الجرماز (١)»:
فكأن الجرماز من عدم الإن ... س وإخلاقه بنيّة رمس (٢)
لو تراه علمت أنّ الليالى ... جعلت فيه مأتما بعد عرس
وإذا ما رأيت صورة أنطا ... كيّة ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشر ... وان يزجى الصفوف تحت الدّرفس (٣)
وعراك الرجال بين يديه ... فى خفوت منهم وإغماض جرس (٤)
стр. 1702
من مشيح يهوى بعامل رمح ... ومليح من السّنان بترس (١)
تصف العين أنهم جدّ أحيا ... ء لهم بينهم إشارة خرس
يغتلى فيهم ارتيابى حتى ... تتقراهم يداى بلمس (٢)
والبحترى لا يبارى فى تصويره الحسى، حتى لكأنما ينقل المشهد بحذافيره، لا لنبصره فحسب، بل أيضا لنلمسه بأيدينا، فهذا الإيوان لم يعد إيوان قصر يكتظ بالترف والنعيم، بل أصبح بناء قبر ضخم لحضارة الفرس الباذخة وحال كل ما كان فيه من أعراس إلى مآتم، غير أن صفحة منه لا تزال ناطقة بشجاعة الفرس ومجدهم الحربى، إذ تجسدت فيها صورة معركة أنطاكية بين الروم والفرس، وكسرى هاجم بجموع جيشه تحت العلم الفارسى الكبير، يمزق جموع الروم تمزيقا، والفرسان بين مهاجم ومدافع ولا صوت فى المعركة ولا جلبة، إنما هو تصوير ولكن بلغ من نطقه وقوة تعبيره أن تظن العين أنها ترى المعركة كأنما تحدث تحت بصرها، بل إن هذا الظن ليزداد فى نفس البحترى، حتى ليندفع إلى الصورة، يلمسها بيده ارتياعا وانبهارا. ويمضى فى الحديث عن الإيوان وثباته على الدهر حتى لكأنما قدّ أو نحت فى جبل عال ويصور ما يجلله من كآبة ممضة، وكأنما هو أليف غاب عنه أنس أليفه، أو زوج محزون لفراق عروسه، فانعكست أيامها ولياليها، بل لقد انعكست ليالى هذا الأيوان فغربت عنه كواكب السعد وأطلت عليه كواكب النحس المقيم، حتى ما كان يرفل فيه من بسط الديباج وستور الحرير نزع عنه نزعا، ومع ذلك لا تزال له كبرياؤه ولا تزال شرفاته شامخة شموخ جبال المدينة والقدس تختال فى ثيابها البيضاء الرائعة. وينقله خياله إلى ماضى هذا الإيوان التليد، فالوفود مزدحمة بأبوابه والجوارى من كل صنف تغص بها المقاصير والغرف، وكأن ذلك كان أول أمس، كان اللقاء والفراق، وصارت الرباع التى كانت مكتظة بالسرور ومتاعه منازل للعزاء والحزن الذى لا يريم، والبحترى يبكيها بدموع غزار، لما كان لأهلها قديما من عون للعرب فى حروبهم من الأحباش وما كان لهم حديثا من عون فى تشييد الخلافة العباسية وما رافقها من ازدهار الحضارة العربية،
стр. 1703
ويبكى من خلال ذلك همومه وحزنه لمقتل المتوكل بأيدى الترك الذين صار إليهم بعد الفرس ال؟ ؟ ؟ والصولجان.
وإذا كان وصف الأطلال القديم أوحى للبحترى بهذا الموضوع الجديد، فإنه أوحى له ولكثيرين من حوله أن يصفوا قصور الخلفاء التى كانوا يشيدونها ويطيلون فى وصفها ووصف ما حولها من رياض وما يتقدمها من فوّارات وبرك على شاكلة قول على بن الجهم فى وصف أحد القصور الكثيرة التى كان يسكنها المتوكل بضواحى سامراء ووصف فوارتها أو نافورتها (١):
صحون تسافر فيها العيون ... وتحسر عن بعد أقطارها
وقبّة ملك كأن النجو ... م تفضى إليها بأسرارها
لها شرفات كأن الربيع ... كساها الرياض بأنوارها
نظمن الفسيفس نظم الحلىّ ... لعون النّساء وأبكارها (٢)
فهنّ كمصطبحات برزن ... بفصح النصارى وإفطارها (٣)
فمنهنّ عاقصة شعرها ... ومصلحة عقد زنّارها (٤)
وفوارة ثأرها فى السّماء ... فليست تقصّر عن ثارها
تردّ على المزن ما أنزلت ... على الأرض من صوب مدرارها
وواضح أنه صوّر سعة أفنية هذا القصر وعظم قبّته وصعودها فى السماء حتى لكأنما تفضى إليها النجوم بأخبار الغيب وأنبائه، كما صوّر شرفات القصر وما زينت به من الفسيفساء الملونة الجميلة جمال الحلى على جيد النساء وأعناقهن، وتنوعت أشكال تلك الشرفات، حتى لقد أشبهت الفتيات حاملات الشموع فى عيد الفصح
стр. 1704
وذكرى قيامة المسيح، ومنهن من تلبّد شعرها وتشدّه وتجمّعه، ومنهن من تنتطق بأحزمة الزنّار مختالة، وفوارة ماتنى ترسل سهامها إلى السماء كأنما لها ثأر عندها، وكأنما تردّ على المزن قطرها.
وأهم من وصف القصور وصف الطبيعة، وكان الشعراء فى العصر العباسى الأول أكثروا من تصويرها فى مقدمات مدائحهم، وتبعهم شعراء هذا العصر يصفونها تارة فى إيجاز وتارة فى إطناب وإسهاب رامزين بها إلى عهد الممدوح وجماله، وكثيرا ما وصفوا فى هذه المقدمات الغيث والسحب والبروق لبيان كرم الممدوح من جهة وما شمل البلاد فى زمنه من خصب وامتد على صفحاتها من جنات وعيون وزروع، وتصور ذلك من بعض الوجوه حائية ابن المعتز فى مديح المعتضد، وقد استهلها بوصف البرق والسحاب الهاطل من مثل قوله (١):
من رأى برقا يضئ التماحا ... ثقب الليل سناه فلاحا (٢)
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا
فى ركام ضاق بالماء ذرعا ... حيثما مالت به الريح ساحا (٣)
لم يدع أرضا من المحل إلا ... جاد أو بعد عليها جناحا (٤)
وسقى أطلال هند فأضحت ... يمرح القطر عليها مراحا
فالليل أضاءته مصابيح البروق، وكأنها حين تشتعل وتنطفئ مصاحف بأيدى قرّائها تنفتح وتنطبق، وسيول المطر تتدافع من كل صوب نافئة لعابها من جدب إلى جدب ومن حوض إلى حوض. والسحب تمد جناحها وتبسط ركامها والأرض تمرح فى نباتاتها ورياحينها وبطاحها الخضراء.
ومرّ بنا أنهم كانوا يكثرون من وصف الربيع فى تهنئاتهم بعيد النيروز، وأخذ حينئذ وصف الطبيعة يستقل عن المديح ويصبح فنّا قائما بنفسه، له قصائده وأشعاره، وهى تارة تعنى بوصف جميع الأنوار فى الربيع، ولا يبارى ابن المعتز
стр. 1705
فى هذا الاتجاه، إذ يحاول فى كثير من قصائده إحصاء كل نور وكل زهر من أبيض وأحمر وأصفر، وكانت له مخيلة تشبه آلة تصويرية دقيقة، فهى ماتنى تصور وتلتقط الدقائق وكأنها لا تريد أن تترك شيئا، ومن خير ما يصور ذلك عنده أرجوزته البستانية التى ذم فيها الصبوح أو خمر الصباح، وهو يفتتحها على هذا النمط (١):
أما ترى البستان كيف نوّرا ... ونشر المنثور زهرا أصفرا
وضحك الورد إلى الشقائق ... واعتنق القطر اعتناق وامق
فى روضة كحلل العروس ... وخرّم كهامة الطاووس (٢)
ومضى يذكر الياسمين والخشخاش والسوسن والبهار والجلنار إلى غير ذلك من أزهار، ولكل زهر صورته، الحية النابضة. وتعلق كثيرون بوصف الورد والتعبير عن روعته وفتنته التى تأخذ بالألباب؛ ولابن الجهم فيه قطعة بديعة يتحدث فيها عن رياحين الربيع وطيوره الغردة ونشوة النفوس به نشوة لا تقل عن نشوة الراح يقول (٣):
لم يضحك الورد إلا حين أعجبه ... حسن الرياض وصوت الطائر الغرد
بدا فأبدت لنا الدنيا محاسنها ... وراحت الرّاح فى أثوابها الجدد
ما عاينت قضب الريحان طلعته ... إلا تبيّن فيها ذلّة الحسد
وقابته يد المشتاق تسنده ... إلى التّرائب والأحشاء والكبد
كأن فيه شفاء من صبابته ... أو مانعا جفن عينيه من السّهد
بين النديمين والخلّين مضجعه ... وسيره من يد موصولة بيد
قامت بحجّته ريح معطّرة ... تشفى القلوب من الأرعاب والكمد
وهو تصوير بارع لصبابة الناس بالورد، حتى إنهم ليضمونه إلى الصدور والأحشاء والكبد يريدون أن يطفئوا به نيران أشواقهم، ويشفوا به لوعات صباباتهم
стр. 1706
وسهادهم الطويل، وإنه ليتراءى دائما يتهاداه الأحبة وقد اتخذ مضجعه بينهم، وهم يتبادلون كئوس الحب الصافية، وأريجه ينتشر شذاه فى كل ما حولهم بلسما يشفى القلوب الكليمة. ولعل شاعرا لم يتعلق بالطبيعة فى العصر تعلق ابن الرومى والصنوبرى، ونحس عندهما بقوة الإحساس بفتنة الرياض النضرة والفاكهة اليانعة والمياه الجارية، وغلب ذلك على الشعراء حينئذ، حتى لنجد ابن قتيبة يدعو إلى نبذ وصف البساتين والورود والرياحين والعودة إلى وصف الفيافى وأزهارها ونباتاتها (١)، ولم يقف هذا التحول الجديد عند مجرد التخفف من موضوع الطبيعة الصحراوية الجافة والعناية بطبيعة الحياة الحضرية وورودها ورياحينها، بل لقد تحولت هذه العناية إلى فتنة شديدة بجمال الرياض والبساتين، فتنة خلبت ألباب الشعراء وملأت عليهم حواسهم وملكت عليهم قلوبهم، وخير من يصور ذلك ابن الرومى، إذ نحس فى وضوح شغفه بالطبيعة شغفا يفوق كل وصف، شغف العاشق بمعشوقته، حتى ليحس كأنما الدنيا فى الربيع تتبرج له ولكل ناظر، إذ يقول (٢):
تبرّجت بعد حياء وخفر ... تبرّج الأنثى تصدّت للذكر
بل لكأنما تحولت جوانبها تحت عينيه إلى معابد، فهو ما ينى يقدم لها قرابينه وأدعيته وابتهالاته مصورا جمالها المنبث فى كل أجزائها وما يجرى فيها من حياة، وبدون ريب يتقدم ابن الرومى شعراء العربية عامة فى الإحساس بخفقات الطبيعة وهمساتها وكل حركة فيها، حتى ليشبه فى هذا الجانب من بعض الوجوه شعراء الرومانسية الغربية الذين يفنون فى الطبيعة، ويحسون امتلاءها بالحياة، فكل ما فيها حى متحرك ناطق، وكل ما فيها يخفق بالأحاسيس والمشاعر، ومن خير ما يوضح ذلك عنده تصويره لمشهد الغروب، يقول (٣):
لقد رنّقت شمس الأصيل ونفّضت ... على الأفق الغربىّ ورسا مذعذعا (٤)
وودّعت الدّنيا لتقضى نحبها ... وشوّل باقى عمرها فتشعشعا (٥)
стр. 1707
ولا حظت النّوّار وهى مريضة ... وقد وضعت خدّا إلى الأرض أضرعا (١)
كما لاحظت عوّاده عين مدنف؟ ؟ ؟ ... توجّع من أوصابه ما توجعا (٢)
وبيّن إغضاء الفراق عليهما ... كأنهما خلاّ صفاء تودعا (٣)
وظلت عيون النّور تخضلّ بالندى ... كما اغرورقت عين الشجىّ لتدمعا (٤)
وأزكى نسيم الروض ريعان ظلّه ... وغنى مغنّى الطير فيه فسجّعا (٥)
وكانت أرانين الذّباب هناكم ... على شدوات الطير ضربا موقّعا (٦)
وهو يصور وداع الشمس للطبيعة ساعة الغروب وما ترسل من الشفق الأصفر الشبيه بنبات الورس وزهره، وأشعتها تتبدّد إلا بقايا قليلة، فهى توشك أن تلفظ أنفاسها، وقد غلبها النزع الأخير فهى تذل وتستكين وتضع خدها على الأرض إيذانا بالفراق وإعلانا لما ألم بها من شدة الأوصاب والآلام، آلام الوداع المرير للنوار والأزهار التى تترقرق عيونها بندى بل بدمع سخين كما تترقرق بالدموع عيون المحبين المحزونين. على حين كان النسيم العليل يزكو وينمو والطير يشدو مرجعا ومرددا، وحتى الذباب لا ينساه ابن الرومى فقد كان رنينه يخالط شدو الطير وغناءه. ولم يكن الصنوبرى يبلغ هذا المبلغ من الإحساس بالطبيعة وعناصرها الحية، ومع ذلك فهو أهم شعرائها فى العصر بعد ابن الرومى، إذ عاش مشغوفا برياض بلدته حلب شمالى الشام وحدائقها وأزهارها، وأشعاره لا تصور فتنة عميقة بتلك الرياض على نحو ما نجد عند ابن الرومى، وإنما تصور براعة فى الخيال وإبراز الصور الظاهرية أو؟ ؟ ؟ .
والطريف عند الصنوبرى وابن الرومى جميعا أنهما يعنيان بتصوير الفواكه والثمار بجانب عنايتهما بتصوير الرياحين والورود والرياض، ومما يدل على أن موضوع الطبيعة ازدهر فى العصر أن نجد حينئذ فصولا تفرد لها فى بعض الكتب مثل كتاب
стр. 1708
الموشى، فإن به فصلا خاصّا لما نظم فى وصف الورود، بل قد نجد كتبا فيها مثل كتاب مفاخرة الورد على النرجس لابن أبى طاهر أحد شعراء العصر النابهين.
ويدخل فى وصف الطبيعة وصف حيوانها الوحشى، ونرى البحترى يسوق مبارزة الفتح بن خاقان للأسد فى بعض مدائحه وكان قد خرج إلى الصيد، ففاجأه أسد فى طريقه، فنازله، وقتله، وصور ذلك البحترى فى مدحة بائية للوزير نراه فيها يتحدث حديثا مفصلا عن حياة الأسد فى الغابات والرياض وبطون الأودية وأعاليها، وكيف يهجم على قطعان الحمر وبقر الوحش وكيف يستلب عقائلها وينحرها لأشباله، ثم يصور المعركة بين الأسدين، إلى أن خرّ السبع يتضرج فى دمائه، يقول (١):
فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابة النّكس كّذبا (٢)
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا
فلم يغنه أن كرّ نحوك مقبلا ... ولم ينجه أن حاد عنك منكّبا
حملت عليه السيف لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدّت ولا حدّه نبا
ولا يكتفى البحترى بوصفه لهذا الحيوان الوحشى، فقد تصادف أن لقيه ذئب فى بعض أسفاره، فنازله وقضى عليه، وأفاض فى تصوير هذا الذئب مستمدّا من ملكته البارعة فى تصوير الحسيات تصويرا يجسد ما يصفه تجسيدا قويّا؛ على شاكلة قوله (٣):
وأطلس ملء العين يحمل زوره ... وأضلاعه، من جانبيه شوى نهد (٤)
له ذنب مثل الرّشاء يجرّه ... ومتن كمتن القوس أعوج منأدّ (٥)
طواه الطّوى حتى استمرّ مريره ... فما فيه إلا العظم والروح والجلد (٦)
стр. 1709
يقضقض عصلا فى أسرّتها الرّدى ... كقضقضة المقرور أرغده البرد (١)
سمالى وبى من شدة الجوع مابه ... ببيداء لم تعرف بها عيشة رغد (٢)
كلانا بها ذئب يحدّث نفسه ... بصاحبه والجدّ يتعسه الجدّ
وهو يصف لون الذئب المغير إلى سواد، وأعضاءه المكتنزة من الصدر والأضلاع واليدين والرجلين، وذنبه الرفيع ومتنه الصلب، وكيف أضامره الجوع وعزله حتى لم يبن فيه إلا العظم والجلد، وهو يصوّت بأنياب صلبة معوجة كأنها السكاكين القاطعة وكأنه مقرور تصطك أسنانه من شدة البرد وهوله. وقد التقيا فى فلاة موحشة، كأنما استحال البحترى فيها لجوعه بدوره ذئبا مفترسا. ويحدثنا البحترى عقب ذلك عن استثارته للذئب ونزاله وطعناته فيه حتى خرّ صريعا. ويشتهر البحترى بوصفه للخيل وإتقانه لهذا الوصف حتى ليسبق فيه معاصريه بمثل قوله فى وصف فرس (٣):
يهوى كما تهوى العقاب وقد رأت ... صيدا وينتصب انتصاب الأجدل (٤)
وتراه يسطع فى الغبار لهيبه ... لونا وشدّا كالحريق المشعل (٥)
هزج الصهيل كأنّ فى نغماته ... نبرات معبد فى الثقيل الأول (٦)
ملك العيون فإن بدا أعطينه ... نظر المحبّ إلى الحبيب المقبل
والفرس يسرع كأنه عقاب تنقض على فريسة، ويقف منتصبا انتصابا تامّا كالصقر المترقب، وكأنه حين يجرى فى الغبار المتكاثف شعلة نار أو كأنه البرق الخاطف، وإن لصيهله لرنينا جميلا جمال أنغام معبد المغنى المشهور فى العصر الأموى، وإنه ليسحر العيون حين تنظر إليه حتى ليقيدها به كما يقيدها المحبوب فلا تلتفت عنه يمينا ولا يسارا. ويكثر حينئذ وصف الديك والهرّ، وأهم من ذلك أنه يكثر شعر الطرد والصيد.
стр. 1710
وكان الشعراء منذ العصر العباسى الأول يلمون بوصف الأطعمة وألوانها الحضارية الجديدة، ونراهم فى هذا العصر يكثرون من وصفها ويخصونها بقصائد طويلة، ويروى المسعودى فى كتابه «مروج الذهب» مجلسا للخليفة المستكفى جعله لإنشاد جلسائه وندمائه-ما نظمه الشعراء فى أنواع الطعوم المختلفة، وليس من شك فى أن ابن الرومى يعدّ أكبر من عنى بوصفها، وكان منهوما بالطعام، فكاد لا يترك لونا من ألوانه دون أن يخصه بقصيدة أو مقطوعة، من مثل قوله فى دجاجة مشوية وما قدّم معها من الثريد والمرققات والقطائف (١):
وسميطة صفراء ديناريّة ... ثمنا ولونا زفّها لك حزور (٢)
عظمت فكادت أن تكون إوزّة ... وثوت فكاد إهابها يتفطّر (٣)
ظلنا نقشّر جلدها عن لحمها ... وكأن تبرا عن لجين يقشر
وتقدّمتها قبل ذاك ثرائد ... مثل الرياض بمثلهن يصدّر
ومرقّقات كلهن مزخرف ... بالبيض منها ملبس ومدثّر (٤)
وأتت قطائف بعد ذاك لطائف ... ترضى اللهاة بها ويرضى الحنجر
ويخيل إلى الإنسان أنه لم يترك على موائد عصره طعاما إلا وصفه وصوّره مبدعا فى تصويره سواء أكان من طعام اللحوم أم طعام السمك، وربما كان من أسباب اهتمامه بذلك عناية معاصريه بالولاثم، ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أنّهم أكثروا حينئذ من التأليف فى الأطعمة، وأيضا فإن أشعاره تدل على شدة نهمه بالأطعمة وحدة شراهته، وكأن السببين جميعا جعلاه يولع بالحديث عن المآكل والمشارب، ومن طريف قوله فى الرءوس والأرغفة (٥):
روس وأرغفة ضخام فخمة ... قد أخرجت من جاحم فوار
كوجوه أهل الجنة ابتسمت لنا ... مقرونة بوجوه أهل النار
стр. 1711
ويحدثنا فى بعض شعره عن تخمته وبشمه، كما يحدثنا عن تشوقه دائما لكل ما على الموائد ولهفته عليه كقوله فى قطائف قدّمت إليه (١):
قطائف قد حشيت باللّوز ... والسكّر الماذى حشو الموز (٢)
تسبح فى آذىّ دهن الجوز ... سررت لما وقعت فى حوزى (٣)
سرور عباس بقرب فوز
فهو يغرم بتلك القطائف، وكأنها معشوقته أو كأنه عباس بن الاحنف الذى اشتهر بعشقه لفوز عشقا ملك عليه كل مشاعره وعواطفه وأهوائه.، ولم يكن بن الرومى يعشق القطائف وصنوف الحلوى والأطعمة فحسب، بل كان يعشق معها أيضا الفاكهة، وكأنها كانت غذاء لقلبه قبل أن تكون غذاء لمعدته، ومما كان يعشقه من ألوانها الموز وكذلك العنب الرازقى، وفيه يقول (٤):
ورازقىّ مخطف الخصور ... كأنه مخازن البلّور (٥)
وفى الأعالى ماء ورد جورى ... لم يبق منه وهج الحرور (٦)
إلا ضياء فى ظروف نور ... لو أنه يبقى على الدهور
قرّط آذان الحسان الحور ... له مذاق العسل المشور
ونكهة المسك مع الكافور
ومرّ بنا فى حديثنا عن الملاهى أنه كان من أهم ملاهيهم لعبتا النّرد والشطرنج، ويسوق المسعودى فى «مروجه» طائفة من الأشعار التى نظمت حينئذ فى اللعبتين، ويذكر أن أصحابهما وصفوهما فى أشعار كثيرة، ومما اختاره منها فى الشطرنج ووصف اللعب به وما يدور على رقاعه من معاركه قول على بن الجهم (٧):
стр. 1712
أرض مربعة حمراء من أدم ... ما بين إلفين موصوفين بالكرم
تذاكرا الحرب فاحتالا لها شبها ... من غير أن يأثما فيها بسفك دم
هذا يغير على هذا وذاك على ... هذا يغير وعين الحرب لم تنم
فانظر إلى الخيل قد جاشت بمعركة ... فى عسكرين بلا طبل ولا علم
ويبدو أنهم بلغوا حنيئذ مبلغا بعيدا من المهارة فى لعب الشطرنج، وكانوا يعقدون له مجالس يتفرجون فيها على لاعبيه وحذقهم فيه، وكانوا يملئونها بفنون النوادر، وممن اشتهر حينذاك بالبراعة فى لعبه وإحسانه إحسانا يفوق كل وصف أبو القاسم التوزّى الشطرنجى. ووصف ابن الرومى مهارته فى قصيدة طويلة وصفا رائعا، استهله ببيان نفاذ فكره وبصيرته فى تلك اللعبة، وكيف أنه كان يهزم كل من يلاعبه ويعصف به وبجنوده ورخاخه بتدبيره اللطيف الخفى، حتى ليوشك أن يكون أخفى من السر فى ضمير محب أدّبته عقوبة الإفشاء، وما يلبث أن يخاطبه بقوله (١):
غلط الناس لست تلعب بالشطرنج ... لكن بأنفس الّلعباء
لك مكر يدبّ فى القوم أخفى ... من دبيب الغذاء فى الأعضاء
أو دبيب الملال فى مستهامي ... ن إلى غاية من البغضاء
او مسير القضاء فى ظلم الغي ... ب إلى من يريده بالتواء
تقتل الشاه حيث شئت من الرّق ... عة طبّا بالقتلة النكراء
غير ما ناظر بعينيك فى الدّس ... ت ولا مقبل على الرّسلاء
بل تراها وأنت مستدبر الظه ... ر بقلب مصوّر من ذكاء
ما رأينا سواك قرنا يولّى ... وهو يردى فوارس الهيجاء
وأبو القاسم-فى رأى ابن الرومى-لا يلعب بالشطرنج ولكن يلعب بأنفس لاعبيه بدهاء أشد خفاء من سريان الغذاء فى الجسم، بل سريان الملال فى متحابين حتى ينتهى بهما إلى حافة البغضاء، بل مسير القضاء فى حجب الغيب إلى من
стр. 1713
يرديه، ويصوره قاتلا للشاه فى كل مكان من الرقعة بفنه وطبه، دون أن ينظر إليه وإلى مكانه من جنوده، بل أيضا يقتله وهو مدبر عن الدست بظهره، وكأنما له عين يرى بها من خلفه حدة ذكاء ونفاذ بصيرة.
وذكرنا فى كتاب العصر العباسى الأول كيف أن بعض الشعراء، وفى مقدمتهم أبو تمام، كانوا يضعون أحيانا فى مقدمات قصائدهم شكوى مرة من الزمن وهمومه وأن منهم من أفرد للشكوى بعض قصائد ومقطوعات، ولكن هذه الشكوى تظل فى العصر السالف فردية، أما فى هذا العصر العباسى الثانى فإنها تصبح موجة عامة قل من لم تعمه، لفساد الأحوال السياسية التى وصفناها فى غير هذا الموضع، فإذا المناصب يتولاها غير أهلها، وإذا السعايات تفشو ويفشو معها ارتفاع الوضيع وتعظم المحنة ويستسلم الناس إلى غير قليل من اليأس، ويحسون كأن لا أمل فى الإصلاح، فقد عم الظلم واضطربت القيم وكأنما لم يعد للشر والنّكر غاية ينتهيان إليها أوحد يقفان عنده، أو قل كأنما أصبحت الحياة يأسا متصلا، لذلك كان طبيعيا أن نجد الشكوى على كل لسان، شكوى مريرة من الزمن وأهله، على شاكلة قول الكندى الفيلسوف (١):
أناف الذّنابى على الأرؤس ... فغمّض جفونك أو نكّس (٢)
وضائل سوادك واقبض يديك ... وفى قعر بيتك فاستجلس
وعند مليكك فابغ العلوّ ... وبالوحدة اليوم فاستأنس
فإن الغنى فى قلوب الرجال ... وإن التعزّز بالأنفس
وكائن ترى من أخى عسرة ... غنىّ وذى ثروة مفلس
ومن قائم شخصه ميّت ... على أنه بعد لم يرمس (٣)
والكندى متشائم إلى أبعد حد، فقد اختلت موازين الحياة، فارتفع الوضيع وهبط الرفيع، ولم يعد هناك مفر من هذا البلاء ولا خلاص، فاعتزل الدنيا، وعش وحيدا بعيدا عن هذا النكر الذى يصطلى الناس ناره، ولا تؤمل فى أن ينقشع هذا
стр. 1714
الظلام، فلم يعد لك من أمل سوى الالتجاء إلى مليكك وساحات برّه. ويزدرى الكندى ما فى أيدى أصحاب الجاه والسلطان من مال تعافه النفوس الكريمة، فيقول إن الغنى غنى النفس العزيزة، وكم من فقير هو فى حقيقته غنى بقلبه وأخلاقه الرفيعة، وكم من غنى هو فى حقيقته فقير بأخلاقه الذميمة، بل إنه ميت وإن بدا حيّا، ميت لم يقبر ولم يوضع فى رمسه. وإذا كان الكندى قد بلغ من الشكوى هذا الحد فإن من عاصره من الشعراء ومن جاءوا بعده كانوا يشعرون بنفس المحنة، حتى من نشأ منهم فى بيوت الترف والدعة أمثال ابن المعتز، والشكوى تكثر فى ديوانه من مثل قوله (١):
لم يبق فى العيش غير البؤس والنّكد ... فاهرب إلى الموت من همّ ومن نكد
ملأت يا دهر عينى من مكارهها ... يا دهر حسبك قد أسرفت فاقتصد
وكان طبيعيّا أن يتعمق هذا الإحساس ابن الرومى الذى لم يكن يوسع له الوزراء والكبراء فى مجالسهم وعطاياهم، بل كانوا يلقونه فى كثير من الأحوال بالحرمان والنكران، وكان يعرف فى دقة عبقريته الشعرية، فضاق بالناس وضاق بالحياة، وكانت كما أسلفنا شرّا ونكرا خالصين، فعاش يتجرعها غصصا، ولا مغيث ولا مخلص ولا معين، فكان طبيعيّا أن يتحول متشائما وأن يصبح التشاؤم فلسفة له، فالحياة كلها سواد وكلها ظلام وكلها بلاء لا يطاق، ويصور ذلك تصويرا بديعا فى بكاء الطفل حين ولادته. يقول (٢):
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها مهدّد
وللنفس أحوال تظلّ كأنها ... تشاهد فيها كل غيب سيشهد
فالدنيا آلام ثقال وأهوال طوال، والطفل يشعر بذلك ساعة ولادته فيبكى بكاء مرا، وكان من الواجب أن يفرح لا أن يبكى؛ لأنه أخذ حظّا من الحرية
стр. 1715
بالقياس إلى المكان الذى كان فيه، وكأنما رأى بعينيه ما يتهدده فى دنياه من الأذى الممض الذى سيملأ نفسه شقاء وعناء.
وصوّر الشعراء-على غرار أسلافهم العباسيين-كثيرا من العواطف الدقيقة، وحللوا كثيرا من المشاعر والشيم الرفيعة والأخلاق الزرية، فمن ذلك تصوير ابن المعتز لحساده وما يأكل قلوبهم من الحسد والضغينة، يقول من قصيدة طويلة (١):
يا من يناجى ضغنه فى نفسه ... ويدبّ تحتى بالأفاعى اللّدّغ
ويبيت تنهض رفرة فى صدره ... حسدا وإن دميت جراحى يولغ (٢)
ما زال يبغى لى بكل قرارة ... حمة الأذى ويشير إن لم يلدغ (٣)
نغلت ضمائر صدره من دائه ... نغل الإهاب معطّنا لم يدبغ (٤)
لا تبتغى منى التى لا أبتغى ... إن كنت مشغولا بشأنى فافرغ
وابن المعتز يصور حسوده فى صورة كريهه، فهو ما يزال يدب من تحته بأفاعيه السامة وما تزال زفراته تصعد فى صدره وما يزال يلتمس جرحا له ليولغ فمه فى دمائه، وما يزال يريد به الطامة الكبرى، كعقرب إن لم تلدغ بحمتها أشارت تريد نزول الكارثة، وقد نغلت وفسدت طوايا صدره وكأنها إهاب معطن يتمزق. وابن الرومى لا يبارى فى تحليل مثل هذه المعانى وما يتصل بها من الطباع والشيم، وله قصيدة طويلة يحلل فيها شيمة الصبر وكيف أنها تحمد حين لا تكون لها ضرورة فكيف بها إذا أوجبتها الضرورة والحاجة الملحة حين تنزل بالإنسان مكاره ليس له منها مهرب. إن الصبر حينئذ يكون نعم الجنّة والدرع الواقى. ويدفع ما يقال من أن من الناس من خلق جزعا هلوعا، فهو لا يستطيع الصبر وكظم النفس عند الشدائد. يقول (٥).
وقد يتظنّى الناس أنّ أساهم ... وصبرهم فيهم طباع مركّب
стр. 1716
وأنهما ليسا كشئ مصرّف ... يصرّفه ذو نكبة حين ينكب
وليسا كما ظنوهما بل كلاهما ... لكل لبيب مستطاع مسبّب
يصرّفه المختار منا فتارة ... يراد فيأتى أو يذاد فيذهب
فالصبر الجميل والجزع الذميم مكتسبان يكتسبهما الإنسان بمحض إرادته واختياره، ولا جبر فيهما ولا طبع، بل هما من عمل الإنسان وبمشيئته، إن شاء جزع عند المصيبة وإن شاء لم يصبه جزع ولا هلع، بل عصم نفسه منهما واحتملهما صابرا جلدا شجاعا أروع ما تكون الشجاعة والجلد والصبر.
وأخذ التصوف ينمو سريعا منذ فاتحة هذا العصر ويستقل عن الزهد استقلالا تامّا، إذ مضى أصحابه يتحدثون عن الحب الإلهى ومقاماته وأحواله، وكانوا يأخذون أنفسهم بمجاهدات عنيفة فى التقشف والنسك مع الانقطاع عن الدنيا والخلوص التام للمحبة الإلهية والنشوة بها إلى درجة الفناء فى الذات العلية، ولهم أشعار كثيرة يصورون بها هذا العشق وما دلع فى قلوبهم من لوعة لا يمكن إطفاؤها، لوعة حب قوى حار، استأثر بكل ما فى قلوبهم من عواطف ومشاعر، وشغلهم عن كل شئ، إذ شغفوا بمحبوبهم شغفا عظيما، بل لقد تحول هذا الشغف عقيدة جمعوا فيها بين محبة الله وبين تقديسه وعبادته، آملين منه فى الوصال وأن يرفع ما بينه وبينهم من حجب، ولكن أنى يكون ذلك؟ إن الدرب دائما يبدو طويلا ودونه أهوال لا حصر لها، أهوال تملأ قلوبهم حسرات ألا يستطيعوا آخر الأمر لقاء المحبوب، ويصور ذلك من بعض الوجوه أبو الحسن النورى إذ يقول (١):
كم حسرة لى ولد غصّت مرارتها ... جعلت قلبى لها وقفا لبلواك
وحقّ ما منك يبلينى ويتلفنى ... لأبكينّك أو أحظى بلقياك
وواضح أن النورى يتجرّع غصصن الحسرات المرة، بل إنه لينتظر البلى والتلف فى سبيل فرحة نفسه باللقاء المنتظر، وإنه ليحس الضنا، بل إنه ليحس السقم والعلة، ولا يجد شفاء لعلته وسقمه، بل إنه ليجد لذة لا تعد لها لذة فى هذا
стр. 1717
السقم وما يتصل به من عذاب هذا الحب الظامئ وناره التى لا تخمد أبدا، حتى ليقول (١):
إن كنت للسقم أهلا ... فأنت بالشكر أولى
عذّب فلم تبق قلبا ... يقول للسّقم مهلا
فهو يشكره على سقمه لأنه يجد فيه متاعا لا يشبهه متاع، بل إنه ليطلب عذابه لأنه لم يعد يشعر بقلبه ولا بما قد يألم من العذاب والسقم.
وكان طبيعيّا أن ينمو فى العصر الشعر الذى يصور حياة الشعب وما كان يجرى فيها من بؤس وإقلال ومسغبة، ومن خير الشعراء الذين يصورون هذا الجانب جحظة البرمكى، إذ نراه يكثر من بيان الشقاء والبؤس اللذين يعيش فيهما بمثل قوله (٢):
إنى رضيت من الرحيق ... بشراب تمر كالعقيق
ورضيت من أكل السّمي ... ذ بأكل مسودّ الدقيق
ورضيت من سعة الصح ... ون بمنزل ضنك وضيق
وكان يذهب مذهبه فى الكدية واحتراف التصعلك والشحاذة الأدبية غير شاعر، وكان لهذه الطائفة مقدمات فى العصر العباسى السالف، ولكنها اتسعت فى هذا العصر، وأصبح هناك كثيرون يتخذون الكدية حرفة لهم يبتزون بها أموال الناس.
وظلت مجالس الخلفاء وعلية القوم تعنى بالفكاهات والنوادر المستملحة، وأشاع ذلك روحا هزلية فى كثير من الشعراء، وكانوا ما يزالون يتخذون الوسائل إلى ذلك، كأن نجد شخصا يسمى سعيد بن أحمد بن خوسنداد يهدى إلى ابن حمدون شاة هزيلة، فينظم فى وصفها كثيرا من المقطوعات، تارة يصور هزالها وتارة يصور جوعها وحرمانها وبؤسها فى أبيات كلها دعابة وكلها سخرية وفكاهة من مثل قوله (٣):
стр. 1718
لسعيد شويهة ... سلّها الضّرّ والعجف
قد تغنّت وأبصرت ... رجلا حاملا علف
بأبى من بكفّه ... برء ما بى من الدّنف
فأتاها مطمّعا ... وأتته لتعتلف
فتولى فأقبلت ... تتغنى من الأسف
ليته لم يكن وقف ... عذّب القلب وانصرف
فهى ليست شاة بل شويهة مصغرة من الضنا والهزال الذى أصابها لطول تعلقها بالعلف، ولا تجده ولا تراه، حتى إذا رأت يوما رجلا يحمل علفا توسلت إليه وتضرعت أن يبرئها من سقمها، وأطمعها الرجل، ولكنه سرعان ما تولى عنها تاركا لها الحسرة واللوعة، وهى تتمنى لو أنه يقف، فقد آلم قلبها وانصرف.
ومن الموضوعات التى تندروا بها كثيرا فى العصر وصف الثقلاء والأكلة وموائد البخلاء وما عليها من قلة الطعام، ولابن الرومى فى ذلك كله أشعار كثيرة، وقد أشرنا فيما أسلفنا إلى ابتكاره فى الهجاء لونا جديدا من التصوير الهزلى وقد تعقب فيه أصحاب العيوب الخلقية من مثل جاحظ العينين والأحدب وأصحاب اللحى الطويلة، فعرضهم عرضا هزليّا مضحكا فى كل رسومه وصوره.
٥ - نمو الشعر التعليمى
عرفنا فى كتاب العلوم؟ ؟ ؟ العباسى الأول أن الشعراء استحدثوا فيه فن الشعر التعليمى وأن أبرع من استخدمه أبان بن عبد الحميد، فقد نظم فيه كليلة ودمنة فى نحو أربعة عشر ألف بيت، والأحكام الفقهية المتعلقة ببابى الصوم والزكاة، وسيرتى أردشير وأنوشروان كما نظم قصيدة فى مبدأ الخلق ضمنها شيئا من المنطق. وظل هذا الفن قائما بعد أبان، كما ظل ينمو عند بعض الشعراء، وفى مقدمتهم على بن الجهم وابن
стр. 1719
المعتز وابن دريد. أما ابن الجهم فعنى بنظم مزدوجة فى التاريخ تقع فى أكثر من ثلثمائة بيت، جعلها فى جزءين: جزء تناول فيه بدء الخليقة وتاريخ الأنبياء، وجزء تناول فيه تاريخ الإسلام والخلفاء، وربما تأثر فى الجزء الأول بالقصيدة المنسوبة إلى أبان والتى قال الرواة عنها إنها كانت فى بدء الخلق، أما الجزء الثانى وهو الخاص بتاريخ الخلفاء، فيعد سابقا فيه فإن الشعراء من قبله لم يفكروا فى نظم هذا التاريخ، ونراه حريصّا فى مفتتح الجزء الأول على ذكر مصادره فيه إذ يقول، وقد بدأ بقصة خلق آدم:
يا سائلى عن ابتداء الخلق ... مسألة القاصد قصد الحقّ
أخبرنى قوم من الثّقات ... أولو علوم وأولو هيئات
تفرّغوا فى طلب الآثار ... وعرفوا موارد الأخبار
ودرسوا التوراة والإنجيلا ... وأحكموا التأويل والتنزيلا
أن الذى يفعل ما يشاء ... ومن له القدرة والبقاء
أنشأ خلق آدم إنشاء ... وقدّ منه زوجه حوّاء
ويستمر فى قصة حواء وآدم ووسوسة إبليس لهما وهبوطهما من الجنة إلى الأرض، وواضح أنه عنى بذكر مآخذه لهذه القصة وما يليها من قصص الأنبياء عن رجال الآثار والأخبار، الذين درسوا التوراة والإنجيل وأحكموا دراسة التنزيل أو القرآن الكريم، ويعرض لا بنى آدم قاين (قابيل) وهابيل، ويأخذ فى عرض تاريخ الرسل تباعا، بادئا بنوح وقصة الطوفان وخالفيه من الرسل وأقوامهم، وخاصة إبراهيم وما كان من كسره للأصنام ودعوته إلى التوحيد، ويذكر زوجتيه:
هاجر وسارة وسكنى هاجر فى البلد الأمين مع ابنها إسماعيل فى جوار القبيلة القديمة جرهم، ويتحدث عن إسحق ويعقوب وقصة يوسف وإخوته ويصور عصيان بنى إسرائيل لأنبيائهم، ويذكر أخبارهم مع بختنصّر، كما يذكر سليمان وأيوب ويونس والخضر وزكريا ويحيى وعيسى، وبذلك ينتهى الجزء الأول من الأرجوزة. ويأخذ فى التقديم للجزء الثانى فيتحدث عن أحوال الأمم بين أهل السبت؟ ؟ ؟
стр. 1720
ومجئ الإسلام وما ساد من شرك وإثم إلى أن أشرقت الدنيا بطلعة الرسول ﷺ ، يقول:
ثم أزال الظلمة الضياء ... وعاودت جدّتها الأشياء
أتاهم المنتجب الأوّاه ... محمد صلى عليه الله
ويتحدث عن رسالته وموقف أهل مكة منه وخصومتهم له وهجرته إلى المدينة ثم يتحدث عن خلافة أبى بكر من بعده محددا لها بالسنة والشهر، ودائما يحدد المدة التى وليها كل خليفة تحديدا دقيقا، كما يعرض لأهم الأعمال فى عهده، يقول:
وقام من بعد أبى بكر عمر ... فبرزت أيامه تلك الغرر
تضعضعت منه ملوك فارس ... وخرّت الروم على المعاطس (١)
ويتحدث عن عثمان وعلى بن أبى طالب، ثم ينتقل إلى بنى أمية متعقبا لهم خليفة خليفة، كما يتعقب أهم الأحداث فى عهودهم، وينحى على يزيد بن معاوية باللوم والتعنيف لمقتل الحسين فى عهده، ولا يكاد يثنى على سيرة خليفة أموى إلا ما كان من عمر بن عبد العزيز فإنه خصّه ببعض الثناء. ثم انتقل إلى الحديث عن الخلفاء العباسيين مهللا لخلافتهم وتحوّل صولجان الملك إليهم، منوها بهم، حتى إذا انتهت الخلافة إلى جعفر المتوكل أشاد بخلافته وانتظام شئون الملك والرعية لعهده، ويأسى لقتل الفراغنة الأتراك له وما صارت إليه الخلافة من الاختلال يقول:
وبايغ الناس الإمام جعفرا ... خليفة الله الأغرّ الأزهرا
قد سكّن الله به الأطرافا ... فما ترى فى ملكه خلافا
ثم تولّى قتله الفراغنه ... وساعدتهم عصبة فراعنه
لأربع خلون من شوّال ... فأصبح الملك أخا اختلال