وأنهما ليسا كشئ مصرّف ... يصرّفه ذو نكبة حين ينكب
وليسا كما ظنوهما بل كلاهما ... لكل لبيب مستطاع مسبّب
يصرّفه المختار منا فتارة ... يراد فيأتى أو يذاد فيذهب
فالصبر الجميل والجزع الذميم مكتسبان يكتسبهما الإنسان بمحض إرادته واختياره، ولا جبر فيهما ولا طبع، بل هما من عمل الإنسان وبمشيئته، إن شاء جزع عند المصيبة وإن شاء لم يصبه جزع ولا هلع، بل عصم نفسه منهما واحتملهما صابرا جلدا شجاعا أروع ما تكون الشجاعة والجلد والصبر.
وأخذ التصوف ينمو سريعا منذ فاتحة هذا العصر ويستقل عن الزهد استقلالا تامّا، إذ مضى أصحابه يتحدثون عن الحب الإلهى ومقاماته وأحواله، وكانوا يأخذون أنفسهم بمجاهدات عنيفة فى التقشف والنسك مع الانقطاع عن الدنيا والخلوص التام للمحبة الإلهية والنشوة بها إلى درجة الفناء فى الذات العلية، ولهم أشعار كثيرة يصورون بها هذا العشق وما دلع فى قلوبهم من لوعة لا يمكن إطفاؤها، لوعة حب قوى حار، استأثر بكل ما فى قلوبهم من عواطف ومشاعر، وشغلهم عن كل شئ، إذ شغفوا بمحبوبهم شغفا عظيما، بل لقد تحول هذا الشغف عقيدة جمعوا فيها بين محبة الله وبين تقديسه وعبادته، آملين منه فى الوصال وأن يرفع ما بينه وبينهم من حجب، ولكن أنى يكون ذلك؟ إن الدرب دائما يبدو طويلا ودونه أهوال لا حصر لها، أهوال تملأ قلوبهم حسرات ألا يستطيعوا آخر الأمر لقاء المحبوب، ويصور ذلك من بعض الوجوه أبو الحسن النورى إذ يقول (١):
كم حسرة لى ولد غصّت مرارتها ... جعلت قلبى لها وقفا لبلواك
وحقّ ما منك يبلينى ويتلفنى ... لأبكينّك أو أحظى بلقياك
وواضح أن النورى يتجرّع غصصن الحسرات المرة، بل إنه لينتظر البلى والتلف فى سبيل فرحة نفسه باللقاء المنتظر، وإنه ليحس الضنا، بل إنه ليحس السقم والعلة، ولا يجد شفاء لعلته وسقمه، بل إنه ليجد لذة لا تعد لها لذة فى هذا
стр. 1717
السقم وما يتصل به من عذاب هذا الحب الظامئ وناره التى لا تخمد أبدا، حتى ليقول (١):
إن كنت للسقم أهلا ... فأنت بالشكر أولى
عذّب فلم تبق قلبا ... يقول للسّقم مهلا
فهو يشكره على سقمه لأنه يجد فيه متاعا لا يشبهه متاع، بل إنه ليطلب عذابه لأنه لم يعد يشعر بقلبه ولا بما قد يألم من العذاب والسقم.
وكان طبيعيّا أن ينمو فى العصر الشعر الذى يصور حياة الشعب وما كان يجرى فيها من بؤس وإقلال ومسغبة، ومن خير الشعراء الذين يصورون هذا الجانب جحظة البرمكى، إذ نراه يكثر من بيان الشقاء والبؤس اللذين يعيش فيهما بمثل قوله (٢):
إنى رضيت من الرحيق ... بشراب تمر كالعقيق
ورضيت من أكل السّمي ... ذ بأكل مسودّ الدقيق
ورضيت من سعة الصح ... ون بمنزل ضنك وضيق
وكان يذهب مذهبه فى الكدية واحتراف التصعلك والشحاذة الأدبية غير شاعر، وكان لهذه الطائفة مقدمات فى العصر العباسى السالف، ولكنها اتسعت فى هذا العصر، وأصبح هناك كثيرون يتخذون الكدية حرفة لهم يبتزون بها أموال الناس.
وظلت مجالس الخلفاء وعلية القوم تعنى بالفكاهات والنوادر المستملحة، وأشاع ذلك روحا هزلية فى كثير من الشعراء، وكانوا ما يزالون يتخذون الوسائل إلى ذلك، كأن نجد شخصا يسمى سعيد بن أحمد بن خوسنداد يهدى إلى ابن حمدون شاة هزيلة، فينظم فى وصفها كثيرا من المقطوعات، تارة يصور هزالها وتارة يصور جوعها وحرمانها وبؤسها فى أبيات كلها دعابة وكلها سخرية وفكاهة من مثل قوله (٣):
стр. 1718
لسعيد شويهة ... سلّها الضّرّ والعجف
قد تغنّت وأبصرت ... رجلا حاملا علف
بأبى من بكفّه ... برء ما بى من الدّنف
فأتاها مطمّعا ... وأتته لتعتلف
فتولى فأقبلت ... تتغنى من الأسف
ليته لم يكن وقف ... عذّب القلب وانصرف
فهى ليست شاة بل شويهة مصغرة من الضنا والهزال الذى أصابها لطول تعلقها بالعلف، ولا تجده ولا تراه، حتى إذا رأت يوما رجلا يحمل علفا توسلت إليه وتضرعت أن يبرئها من سقمها، وأطمعها الرجل، ولكنه سرعان ما تولى عنها تاركا لها الحسرة واللوعة، وهى تتمنى لو أنه يقف، فقد آلم قلبها وانصرف.
ومن الموضوعات التى تندروا بها كثيرا فى العصر وصف الثقلاء والأكلة وموائد البخلاء وما عليها من قلة الطعام، ولابن الرومى فى ذلك كله أشعار كثيرة، وقد أشرنا فيما أسلفنا إلى ابتكاره فى الهجاء لونا جديدا من التصوير الهزلى وقد تعقب فيه أصحاب العيوب الخلقية من مثل جاحظ العينين والأحدب وأصحاب اللحى الطويلة، فعرضهم عرضا هزليّا مضحكا فى كل رسومه وصوره.
٥ - نمو الشعر التعليمى
عرفنا فى كتاب العلوم؟ ؟ ؟ العباسى الأول أن الشعراء استحدثوا فيه فن الشعر التعليمى وأن أبرع من استخدمه أبان بن عبد الحميد، فقد نظم فيه كليلة ودمنة فى نحو أربعة عشر ألف بيت، والأحكام الفقهية المتعلقة ببابى الصوم والزكاة، وسيرتى أردشير وأنوشروان كما نظم قصيدة فى مبدأ الخلق ضمنها شيئا من المنطق. وظل هذا الفن قائما بعد أبان، كما ظل ينمو عند بعض الشعراء، وفى مقدمتهم على بن الجهم وابن
стр. 1719
المعتز وابن دريد. أما ابن الجهم فعنى بنظم مزدوجة فى التاريخ تقع فى أكثر من ثلثمائة بيت، جعلها فى جزءين: جزء تناول فيه بدء الخليقة وتاريخ الأنبياء، وجزء تناول فيه تاريخ الإسلام والخلفاء، وربما تأثر فى الجزء الأول بالقصيدة المنسوبة إلى أبان والتى قال الرواة عنها إنها كانت فى بدء الخلق، أما الجزء الثانى وهو الخاص بتاريخ الخلفاء، فيعد سابقا فيه فإن الشعراء من قبله لم يفكروا فى نظم هذا التاريخ، ونراه حريصّا فى مفتتح الجزء الأول على ذكر مصادره فيه إذ يقول، وقد بدأ بقصة خلق آدم:
يا سائلى عن ابتداء الخلق ... مسألة القاصد قصد الحقّ
أخبرنى قوم من الثّقات ... أولو علوم وأولو هيئات
تفرّغوا فى طلب الآثار ... وعرفوا موارد الأخبار
ودرسوا التوراة والإنجيلا ... وأحكموا التأويل والتنزيلا
أن الذى يفعل ما يشاء ... ومن له القدرة والبقاء
أنشأ خلق آدم إنشاء ... وقدّ منه زوجه حوّاء
ويستمر فى قصة حواء وآدم ووسوسة إبليس لهما وهبوطهما من الجنة إلى الأرض، وواضح أنه عنى بذكر مآخذه لهذه القصة وما يليها من قصص الأنبياء عن رجال الآثار والأخبار، الذين درسوا التوراة والإنجيل وأحكموا دراسة التنزيل أو القرآن الكريم، ويعرض لا بنى آدم قاين (قابيل) وهابيل، ويأخذ فى عرض تاريخ الرسل تباعا، بادئا بنوح وقصة الطوفان وخالفيه من الرسل وأقوامهم، وخاصة إبراهيم وما كان من كسره للأصنام ودعوته إلى التوحيد، ويذكر زوجتيه:
هاجر وسارة وسكنى هاجر فى البلد الأمين مع ابنها إسماعيل فى جوار القبيلة القديمة جرهم، ويتحدث عن إسحق ويعقوب وقصة يوسف وإخوته ويصور عصيان بنى إسرائيل لأنبيائهم، ويذكر أخبارهم مع بختنصّر، كما يذكر سليمان وأيوب ويونس والخضر وزكريا ويحيى وعيسى، وبذلك ينتهى الجزء الأول من الأرجوزة. ويأخذ فى التقديم للجزء الثانى فيتحدث عن أحوال الأمم بين أهل السبت؟ ؟ ؟
стр. 1720
ومجئ الإسلام وما ساد من شرك وإثم إلى أن أشرقت الدنيا بطلعة الرسول ﷺ ، يقول:
ثم أزال الظلمة الضياء ... وعاودت جدّتها الأشياء
أتاهم المنتجب الأوّاه ... محمد صلى عليه الله
ويتحدث عن رسالته وموقف أهل مكة منه وخصومتهم له وهجرته إلى المدينة ثم يتحدث عن خلافة أبى بكر من بعده محددا لها بالسنة والشهر، ودائما يحدد المدة التى وليها كل خليفة تحديدا دقيقا، كما يعرض لأهم الأعمال فى عهده، يقول:
وقام من بعد أبى بكر عمر ... فبرزت أيامه تلك الغرر
تضعضعت منه ملوك فارس ... وخرّت الروم على المعاطس (١)
ويتحدث عن عثمان وعلى بن أبى طالب، ثم ينتقل إلى بنى أمية متعقبا لهم خليفة خليفة، كما يتعقب أهم الأحداث فى عهودهم، وينحى على يزيد بن معاوية باللوم والتعنيف لمقتل الحسين فى عهده، ولا يكاد يثنى على سيرة خليفة أموى إلا ما كان من عمر بن عبد العزيز فإنه خصّه ببعض الثناء. ثم انتقل إلى الحديث عن الخلفاء العباسيين مهللا لخلافتهم وتحوّل صولجان الملك إليهم، منوها بهم، حتى إذا انتهت الخلافة إلى جعفر المتوكل أشاد بخلافته وانتظام شئون الملك والرعية لعهده، ويأسى لقتل الفراغنة الأتراك له وما صارت إليه الخلافة من الاختلال يقول:
وبايغ الناس الإمام جعفرا ... خليفة الله الأغرّ الأزهرا
قد سكّن الله به الأطرافا ... فما ترى فى ملكه خلافا
ثم تولّى قتله الفراغنه ... وساعدتهم عصبة فراعنه
لأربع خلون من شوّال ... فأصبح الملك أخا اختلال
стр. 1721
ويذكر بعده الخليفة المنتصر ثم المستعين الذى تلاه لسنة ٢٤٨ للهجرة، وقد توفى لعهده سنة ٢٤٩ وكأنه نظم هذه الأرجوزة بأخرة من حياته. والأرجوزة قوية النسج مع سهولة فى الصياغة ونصاعة فى العبارة.
ونرى ابن المعتز يعنى بنظم سيرة المعتضد الخليفة العباسى معاصره وكانت بينهما صداقة وثيقة، وكان أبوه الموفق من قبله ولى عهد المعتمد، وقد أعادا معا للخلافة العباسية هيبتها على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع فقضيا على ثورة الزنج وهزما الصفار وأخمدا أنفاس كل ثائر، واستقامت شئون الملك السياسية. وكانت أيام المعتضد أيام أمن ورفاهية وازدهار، وكان لذلك وقع بعيد فى نفس صديقه ابن المعتز فرأى أن ينظم فى سيرته أرجوزة (١) تصور استقرار الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية وما عمّ البلاد من العدل فى عهده، مقارنا بين تشعث الأمور قبله وانتظامها لزمنه، وهى فى نحو أربعمائة بيت، وقد افتتحها بحمد الله والصلاة على رسول الله ﷺ ، ثم أخذ فى تصوير سيرة المعتضد وكيف كانت الخلافة قبله مختلة، فالترك يخلعون الخلفاء ويقتلونهم وينتهكون الحرمات وينهبون الأموال:
كذاك حتى أفقروا الخلافه ... وعوّدوها الرعب والمخافه
وارتكبت عظائم الآثام، وهبّ الثوار فى كل مكان، يتقدمهم قائد الزنج قاتل الشيوخ والأطفال ومخرب البصرة والأهواز. ويذكر ابن المعتز القواد الذين هزمهم، حتى تصّدى له الموفق وابنه المعتضد، وكان الموفق صورة للبأس الذى ليس بعده بأس والحزم الذى ليس بعده حزم، وبعد جهاد وصراع شديدين قضى الله له بالنصر المبين-وحارب يعقوب الصفار بعد الزنج، فهزمه هزيمة ساحقة-ويذكر تنكيله بالوزير أبى الصقر إسماعيل بن بلبل لتفاقم طغيانه وما أذاق عماله وجنوده الشعب من ظلم لا يطاق، حتى كان الوارث لا يرث أباه الموسر إلا إذا دفع الرشوة الباهظة، وحتى كان التاجر الثرى تغتصب منه أمواله قسرا، مع مجونه وإيمانه بالتعطيل واعتناقه للشرك. هكذا كان الظلم فاشيا قبل المعتضد حتى إذا ولى شئون الرعية نشر فيها العدل الذى لا تصلح حياتها بدونه، وسارع الثوار
стр. 1722
بالإذعان خوفا من بطشه وانتقامه، وهرب اللصوص. وقبض الجند على أصحاب النهب والسلب وكبلوهم بالأصفاد والأغلال. وبعث برسله إلى ابن عيسى بن الشيخ ينذره ويتوعده، فاستسلم خائفا وأدّى أموالا جليلة، واستنزل حمدان من حصنه فى ماردين. وأسرهرون صاحب الشراة الخوارج، ويطيل فى ذمه وذم عقيدته وأنصاره، كما يطيل فى ثورة رافع بن هرثمة بخراسان وما كان من القضاء عليها وصلبه ببغداد. وكان المعتضد قد أخر المطالبة بالخراج من شهر آذار إلى الحادى عشر من حزيران حتى يتم الحصاد، وكان ذلك صنعا جميلا بالزراع والناس، فأشاد ابن المعتز بهذه المكرمة وصوّر فى ثنايا ذلك صفوف التعذيب التى كانت تصبّ على الناس صبّا لاستخراج أموال الخراج منهم بالعنف.
وقد عرضنا لذلك فى حديثنا عن الحياة السياسية، إذ كانوا لا يزالون يرهقونهم وينكلون بهم حتى لا تبقى فيهم قدرة على المقاومة، وحتى يتنازلوا عن كل ما يملكون جملة.
ويتحدث عن أبنية المعتضد الشامخة وخاصة قصره الرباب وبركته الكبيرة، وهو أحد قصوره المعروفة باسم الثريا. ويعود إلى حديثه عن إخماد المعتضد للثورات وينوه بموظفيه وعلى رأسهم القاسم بن عبيد الله وزيره، ويصور كيف فتك بعض قواده بصالح بن مدرك الذى كان يعيث فى الأرض فسادا قاطعا الطريق على الحجاج سافكا للدماء ومنتهكا للحرمات وناهبا للأموال، كما يصور قضاء إسماعيل بن أحمد السامانى والى خراسان على عمرو بن الليث الصفار الذى طالما تمادى فى غيه بفارس، فعادت مذعنة إلى الطاعة. ومثلها طبرستان وقضاء السامانيين فيها على محمد بن زيد العلوى. وكذلك قضاؤه على وصيف الخادم حين نقض الطاعة فى الثغور. ويتحدث ابن المعتز عن القرامطة وتمزيق قواد المعتضد لهم ولجنودهم فى عهده، ويذكر وصول وفد الروم يحملون كتاب إمبراطورهم صاغرين طالبين الهدنة والفداء. ويعود إلى القرامطة، ويفيض فى ذم الكوفة مستقر الفرق الشيعية الغالية التى نبتت منها-فى رأيه-فرقة القرامطة، وفيها يقول:
واستمع الآن حديث الكوفه ... مدينة بعينها معروفه
كثيرة الأديان والأئمّه ... وهمّها تشتيت أمر الأمه
стр. 1723
ويتحدث عن خذلان أهلها لعلى بن أبى طالب وقتله وقعودهم عن نصرة الحسين ومصرعه تحت أعينهم دون أن يهبوا لنجدته ويعصفوا بقتلته، يقول:
ثم بكوا من بعده وناحوا ... جهلا كذاك يفعل التمساح
ويبالغ فى ذمهم حتى ليجعلهم أس كل ضلال ومنبت كل الفرق لا من الشيعة فحسب، بل أيضا من الخوارج. وينوه بانتصار شبل غلام الطائى على القرامطة فى سواد الكوفة وأسره لقائدهم ابن أبى قوس على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، وما كان من صلبه لسنة ٢٨٩ على الجسر ببغداد، وهى السنة التى توفى فيها المعتضد. وقد يدل ذلك على أن ابن المعتز لم يفرغ من نظمه لتلك الأرجوزة إلا فى هذه السنة، وربما فرغ منها قبل ذلك وأضاف إليها بأخرة هذا الجزء، ولا ريب فى أنه ألحق بها الأبيات الثلاثة الأخيرة التى تشير إلى وفاة المعتضد وانتهاء خلافته لعام تسع وثمانين ومائتين. والأرجوزة قوية النسج، وهى تتفوق فى هذا الجانب على أرجوزة ابن الجهم، إذ تتناسق فيها الصياغة تناسقا بديعا، وتبدو فيها بوضوح عواطف ابن المعتز ومشاعره، مما يجعلها تخفق بحيوية قوية.
وقد استطاع أن يودع فيها سيرة المعتضد وأحوال الشعب فى عهده من جميع جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبون بعيد بينها. وبين كتب التاريخ مثل الطبرى من هذه الناحية، ففى تلك الكتب إنما نعرف الثورات والحروب وبعض الأعمال الكبرى، وقلما اطلعنا على جانب من جوانب حياة الشعب، أما فى تلك الأرجوزة فالشعب ماثل أمامنا وسياط جباة الضرائب تنوشه ويزجّ به فى السجون ظلما وعدوانا وأمواله تسلب منه بغيا وطغيانا.
وأما ابن دريد فكان عالما لغويّا كبيرا، ينظم الشعر ويحسنه، وله ديوان مطبوع، وقد عنى بتضمين طائفة من أشعاره بعض المعارف، وأشهر ماله فى هذا الباب مقصورته (١) التى مدح بها عبد الله بن محمد بن ميكال والى الأهواز وابنه إسماعيل، وقد بنى قافيتها على الحرف المقصور وجعلها فى نحو مائتين وخمسين بيتا، ويقال إنه ضمّنها ثلث المقصور فى اللغة (٢)، وقد استهلها بالنسيب على طريقة
стр. 1724
الشعراء القدماء مفتتحا لها بقوله:
يا ظبية أشبه شئ بالمها ... ترعى الخزامى بين أشجار النّقا (١)
وقد مضى يشكو من شيبه وحبه وسهاده لطول الفراق، وكيف أنه يحتمل من آلام الشوق وعذابه ما لا يحتمله الصخر الأصم، حتى لقد ذوى غصنه الرطيب وأصبحت حياته كلها غصصا لا تطاق، ويتجه إلى الدهر الذى يصب عليه المحن بالخطاب قائلا:
يا دهر إن لم تك عتبى فاتّئد ... فإن إروادك والعتبى سوا (٢)
لا تحسبن يا دهر أنى جازع ... لنكبة تعرقنى عرق المدى (٣)
مارست من لو هوت الأفلاك من ... جوانب الجوّ عليه ماشكا
لكنها نفثة مصدور إذا ... جاش لغام من نواحيها عما (٤)
وهو يبدى أمام محن الدهر وخطوبه صلابة وقوة لا حد لها حتى لو خرّت عليه الأفلاك ما تألم ولا شكا، وقد مضى يتعزى بمن سطا الدهر عليهم قبل أن يحققوا آمالهم من أمثال امرئ القيس ويزيد بن المهلب، واستطرد يتحدث عن بعض ذوى الهمم الشامخة أمثال سيف بن ذى يزن وعمرو بن هند، وكأنما سرت فى روحه شجاعتهم فإذا هو فى عدّة الحرب رفيقاه السيف والفرس، ويفيض فى وصفهما وخاصة فى أوصاف الفرس، وكأنه يكتب فيه رسالة لغوية مستقلة. ويصف رحلته إلى الأهواز بفارس، ثم يأخذ فى مديح الأميرين. حتى إذا فرغ منه وصف فتاة ساحرة خلبت لبه، ويعقب ذلك بطائفة من الحكم يحشدها حشدا من مثل قوله:
وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثا حسنا لمن وعى
стр. 1725
ويستطرد إلى وصف رحلة له فى الصحراء مع بعض الفتية، مصورا ما تجشمه فى السّرى من الصعاب وما كان ينزله من الآبار والذئاب تعوى حوله، ثم ينتقل فجأة إلى وصف الخمر، وكان منهوما بها، وهو يصرح بذلك ولا يخفيه، بل إنه يتسع فى تصريحه بأنه عبّ من كل ما كان يشتهيه. والطريف أن هذه الأرجوزة التى قصد بها ابن دريد إلى أخذ الناس بحفظ الألفاظ المقصورة فى اللغة لا تتعمق فى الإغراب اللفظى، فقد استطاع أن يسلك الكثرة من ألفاظها فى أساليب سهلة يسيرة، وحتى الأساليب والصياغات الأخرى لا تتعمق فى الإغراب، مما يدل على مقدرته الشعرية البارعة.
ولابن دريد وراء هذه القصيدة قصائد أخرى تتضح فيها هذه الغاية اللغوية التعليمية، من ذلك قصيدته (١) فى المقصور والممدود، وقد اشتملت على سبع وخمسين كلمة مقصورة ومثلها ممدودة من نفس مادتها، وقد بدأها بما يفتح أوله فيقصر ويمدّ والمعنى مختلف من مثل قوله:
لا تركننّ إلى الهوى ... واحذر مفارقة الهواء
يوما تصير إلى الثّرى ... ويفوز غيرك بالثراء
وتلا ذلك بما يكسر أوله فيقصر ويمد والمعنى مختلف من مثل: الّلوى (٢) واللواء. ثم ما يكسر أوله فيقصر، ويفتح فيمد، والمعنى واحد مثل: سوى وسواء. ثم ما يضم أوله فيقصر، ويكسر فيمد والمعنى واحد، مثل: لقا ولقاء.
ثم ما يفتح أوله فيقصر، ويكسر فيمد، والمعنى واحد مثل: الغدا والغذاء.
ثم ما يفتح أوله فيقصر، ويكسر فيمد، والمعنى مختلف، مثل: السّحا والسحاء (٣).
ثم ما يضمّ أوله فيقصر، ويفتح فيمد، والمعنى مختلف، مثل: ضحى وضحاء (٤).
وفى ديوانه قصيدة (٥) ملأها بالغريب، نظمها تحديا لبعض علماء اللغة موردا عليه طائفة كبيرة من ألفاظها الآبدة، وهى لذلك تضمّ إلى القصيدتين التعليميتين السابقتين،
стр. 1726
فغايتها هى الأخرى علمية أو تعليمية واضحة. وأيضا فى الديوان بجانب ما قدمنا ثلاث مقطوعات (١) أودع فى أولاها ما يذكر من أعضاء الجسم ولا يؤنث، وفى ثانيتها ما يؤنث ولا يذكّر، وفى ثالثتها ما يجوز فيه التذكير والتأنيث. وعلى هذا النحو سخر ابن دريد الشعر ليحمل مواد لغوية تعليمية بجانب ما حمل قبله من مواد تاريخية وغير تاريخية.
стр. 1727
الفصل الخامس:
أعلام للشعراء
١ - على بن الجهم (١)
يرجع نسب على بن الجهم إلى بنى سامة بن لؤىّ القرشيين، وقد نزل أحد أجداده مدينة مرو بخراسان واستوطن هذا البلد النائى مع من استوطنه من أبناء العرب الفاتحين لأواسط آسيا. وإلى هذا الموطن يشير على بن الجهم فى إحدى مدائحه للمتوكل، إذ يفاخر بأنه من أهل خراسان الذين أدالوا للعباسيين من الأمويين قائلا (٢):
مذهبى واضح وأصلى خراسا ... ن وعزّى بعزّكم موصول
ويبدو أن الجهم رحل عن موطن أجداده بخراسان مبكرا إلى بغداد مع بعض إخوته وأسرته طلبا للرزق وشغل بعض الوظائف فى الدولة. ويفتح له المأمون أبوابه، ويولّيه بريد اليمن وبعض الثغور ويتولّى فى عهد الواثق شرطة بغداد (٣) وفى ديوان أبى تمام أشعار فى أخيه عثمان وابنه إدريس، مما يدل-من بعض الوجوه-على أنه كان لهذه الأسرة بعض الجاه والوجاهة. ولا تعرف بالضبط السنة التى أنجب فيها الجهم ابنه عليا، ويغلب أن يكون مولده سنة ١٩٠ للهجرة وأن تكون بغداد مسقط رأسه؛ ونراه فى نعومة أظفاره يختلف من داره فى شارع دجيل
стр. 1728
إلى كتّاب بالحى كان يتعلم فيه الأطفال ذكورا وإناثا مجتمعين، ولفتته ذات يوم بنيّة صغيرة بمحاسنها الدقاق فكتب إليها فى بعض الألواح (١):
ماذا تقولين فيمن شفّه سهر ... من جهد حبك حتى صار حيرانا
وسرعان ما أجابته البنيّة فى نفس اللوح على البديهة:
إذا رأينا محبّا قد أضرّ به ... جهد الصبابة أو ليناه إحسانا
وفى بعض الروايات أن هذا البيت أول شعر نظمه، وكأن هذه البنيّة هى التى ألهمته الشعر وأنطقته. وكان لا يزال يملأ الدار على أبيه شغبا وعبثا ولعبا، فسأل معلمه فى الكتّاب أن يحبسه تأديبا له، وأجابه المعلم إلى حبسه، فاغتاظ على من أبيه غيظا شديدا، ولم يلبث أن كتب إلى أمه فى شقّ لوح مستغيثا (٢):
يا أمّتا أفديك من أمّ ... أشكو إليك فظاظة الجهم
قد سرّح الصبيان كلهم ... وبقيت محصورا بلا جرم
وتوسطت له أمه عند أبيه وأطلق سراحه، وكأنما كان هذا الهجاء لأبيه إرهاصا بما سيصير إليه من حدة لسانه التى سيصلى فيما بعد نارها. والحادثتان كلتاهما تدل على أن موهبته الشعرية تفتحت مبكرة، فإنه لم يكد ينهى دروسه فى الكتّاب حتى كان قد أصبح شاعرا ينظم الشعر فى يسر. وكانوا يتعلمون فى الكتّاب شيئا من علم الحساب ومن النحو والعروض وبعض سور القرآن وبعض الأشعار والأحاديث النبوية. ولا ريب فى أنه كان يغدو ويروح بعد ذلك مع الشباب إلى حلقات العلماء المتكلمين فى المساجد ينهل منها، وربما اطلع على شئ من علوم الأوائل صنيع لداته فى عصره. وكانت فى المسجد الجامع حلقة كثيرا ما اختلف إليها وكثيرا ما اجتذبته، ونقصد حلقة الشعراء إذ «كانوا يجتمعون كل جمعة فى القبة المعروفة بهم فى جامع بغداد، ينشدون الشعر ويعرض كل منهم على أصحابه ما يكون قد نظمه بعد مفارقتهم فى الجمعة السابقة». وفى هذه الحلقة تعرف
стр. 1729
على كثير من شعراء عصره وفى مقدمتهم أبو تمام الذى أصفاه ودّه وصوّر ذلك تصويرا رائعا فى شعره بمثل قوله (١):
إن يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدّر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلّف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد
ولم يكد على يتجاوز العشرين ربيعا حتى أخذ نجمه بين الشعراء المعاصرين له فى الصعود، وإذا هو يصبح من مدّاح المعتصم ومن يحظون بالوفود عليه، ويعجب به، فيجعله على مظالم حلوان بالعراق (٢). ويفد على الواثق يمدحه، غير أن ابن الزيات وزيره كان يزور عنه، ويبدو أنه عزله عن عمله، إذ نراه يصبّ عليه جام غضبه (٣). وفى هذه الأثناء نراه يعقد صلة وثيقة بينه وبين عبد الله بن طاهر أمير خراسان، مؤتسيا فى ذلك بصديقه أبى تمام، ويتوفى سنة مائتين وثلاثين للهجرة، فيعزّى فيه ابنه طاهرا خليفته على ولاية خراسان ويبكيه بكاء حارّا.
وتقبل الدنيا على ابن الجهم مع خلافة المتوكل سنة ٢٣٢ للهجرة إذ يصبح من أقرب الشعراء إلى نفسه، ويتخذه جليسا ونديما، ويسرّ إليه بما يدور بينه وبين جواريه ومحظيّاته من مثل محبوبة وقبيحة أم المعتز، ويغدق عليه أمواله وجوائزه حتى ليروى الرواة أنه دخل عليه يوما وبيده درّتان نفيستان يقلّبهما تعجبا واستحسانا، ويبالغ الرواة فيقولون إن الواحدة منهما كانت تزيد قيمتها على مائة ألف، وأنشده ابن الجهم قصيدة جعلته يقدم له إحدى الدّرّتين، وكانت فى يمينه، والأخرى لا تزال فى يساره، فأسرع ابن الجهم يقول على البديهة:
بسرّ من را إمام عدل ... تغرف من بحره البحار
الملك فيه وفى بنيه ... ما اختلف الليل والنهار
يرجى ويخشى لكل أمر ... كأنّه جنّة ونار
стр. 1730
يداه فى الجود ضرّتان ... عليه كلتاهما تغار
لم تات منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثله اليسار
واهتز المتوكل طربا وأعطاه الثانية (١). وقد يكون فى منادمته للمتوكل وملازمته له ما يدل على أنه كان ظريفا جميل المحضر. ونراه يتحول منذ اليوم الأول فى خلافته داعية كبيرا من دعاته، بل لقد تحول إلى ما يشبه أداة إعلام، فليس هناك عمل ينهض به المتوكل إلا ويدعو له إن احتاج إلى دعوة، بل إنه ليبالغ فى الدعوة له مبالغة مفرطة. وليس هناك عمل يستحق التنويه إلا ويهتف به فى أشعاره ويشيد إشادة بعيدة، وحتى هو إن غضب على بعض الوزراء أو بعض الكتّاب والعمال رأيناه يسقط عليهم بسياط أشعاره طالبا لهم التنكيل الشديد. وكان أول عمل عامّ نهض به المتوكل وقفه محنة القول بخلق القرآن على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، فقد كان الخلفاء منذ المأمون جعلوا هذا القول عقيدة رسمية للدولة، وعنفوا بالفقهاء المنكرين لذلك وفى مقدمتهم أحمد بن حنبل عنفا شديدا حتى إذا ولى المتوكل وقف هذه المحنة التى أوشكت أن تؤدى إلى فتنة خطيرة، وبذلك أفل نجم أصحابها من المعتزلة الذين كانوا يغرون الخلفاء بها وسطع نجم الفقهاء وأهل السنة. ولا يزال ابن الجهم يشيد بهذا الصنيع، إذ رأب المتوكل صدع فتنة كان يخشى أن تتفاقم وتؤدى إلى شر خطير، ونراه فى أثناء ذلك يكيل هجاء ذميما للمعتزلة حتى ليصفهم بالكفر على شاكلة قوله (٢):
قام وأهل الأرض فى رجفة ... يخبط فيها المقبل المدبر
فى فتنة عمياء لا نارها ... تخبو ولا موقدها يفتر
فقال والألسن مقبوضة ... ليبلغ الغائب من يحضر
إنّى توكلت على الله لا ... أشرك بالله ولا أكفر
لا أدّعى القدرة من دونه ... بالله حولى وبه أقدر
стр. 1731
وابن الجهم يزعم فى الأبيات أن القول بأن القرآن مخلوق من شأنه أن يؤدى بالإنسان إلى الكفر والشرك بالله، وقد مضى ينفى عن المتوكل القول بحرية الإرادة وأن الإنسان يصرّف أفعاله كما تشاء له قدرته، على نحو ما كان يؤمن المعتزلة، فهو سنىّ يأخذ بأقوال أهل السنة، وبأن كل شئ بقضاء وقدر مقدور على الإنسان لا حول له إزاءه ولا قوة. ونراه فى نفس القصيدة يزعم بأن أبا بكر قضى على الردة الأولى فى الإسلام وأن المتوكل قضى على هذه الردة الثانية للمعتزلة. وكل ذلك زلل منه، وكان حريا به ألا يرسل لسانه فى المعتزلة وأن يقف بعيدا عن خصومتهم، أو على الأقل ألا يصمهم بوصمات الردة والشرك والكفر، ولكنه كان قد وضع نفسه موضع الداعية للمتوكل وأعماله المحامى عنه أمام خصومه، فبالغ وتورط فى مبالغته أكثر مما ينبغى.
ومشكلة ثانية تورط فيها على نحو ما تورط ضد المعتزلة مندفعا وراء المتوكل إذ كان شديد الانحراف عن على بن أبى طالب وآله، ومرّ بنا فى غير هذا الموضع ما يصور مدى هذا الانحراف إذ أمر فى سنة ٢٣٦ بهدم قبر الحسين فى كربلاء وهدم ما حوله من الدور وأن يحرث موضع القبر ويزرع ما حواليه، ونرى ابن الجهم منذ ولى المتوكل الخلافة يبدئ ويعيد فى أن العباسيين أولى الناس بالأمر وحكم الأمة. وحقّا بدأ ذلك عنده فى مدائحه للمعتصم، ولكنه أصبح الآن نغما مستمرّا يوقعه على قيثارته كلما مدح المتوكل، فبيته أحق من البيت العلوى بالخلافة، وهم أفضل الناس وخيرهم جميعا علويين وغير علويين، أما المتوكل فهو صفوة الله، اختاره لعباده، بل هو الميثاق والعهد الذى عاهد الله الناس عليه أن يسمعوا ويطيعوا، يقول له (١):
أنت ميثاقنا الذى أخذ الل ... هـ علينا وعهده المسئول
بك تزكو الصلاة والصوم والح ... جّ ويزكو التسبيح والتهليل
وكان هذا الموقف من على يثير عليه الشيعة ويجعلهم يبطنون له ضغينة مماثلة لما كان يبطنه له المعتزلة. وبجانب ذلك كان المتوكل كلما نكب أحدا زيّن عمله للرعية،
стр. 1732
ومعروف أنه نكب لأول عهده ابن الزيات وعذبه فى سجنه حتى مات، وكذلك نكب عمر بن فرج الرّخّجىّ وكان من علية الكتاب ومشاهيرهم، وينوّه ابن الجهم بعمله وأنه إنما انتقم منهما للرعية، إذ كان ابن الزيات-فى رأيه-ظالما جائرا يزرى على سنن النبى، وكان الرخجى يجور فى أحكامه وتصرفاته (١). ويعقد المتوكل البيعة فى سنة ٢٣٥ لبنيه الثلاثة محمد المنتصر وأبى عبد الله المعتز وإبراهيم المؤيد عاهدا إليهم بولاية العهد على التوالى، فيشيد ابن الجهم بهذا الصنيع وأن المتوكل أراد به صلاح الدين (٢). وأمر المتوكل كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع لسنة ٢٣٥ بأن يلبس النصارى وأهل الذمة جميعا الطيالسة العسلية تمييزا لهم ويشدّوا فى أوساطهم الزنانير وكتب بذلك إلى عماله فى الآفاق، فقال ابن الجهم (٣):
العسليّات التى فرّقت ... بين ذوى الرّشدة والغىّ
وما على العاقل أن يكثروا ... فإنه أكثر للفىّ
وآذى البيتان النصارى وأهل الذمة جميعا، وبذلك لم يوغر صدور المعتزلة والشيعة عليه وحدهما، فقد أوغر أيضا صدور النصارى وأهل الذمة، ولم يقف إيغاره الصدور عند هذه البيئات الثلاث، فقد أوغر أيضا صدور حاشية المتوكل جميعا شعراء وغير شعراء، وكان منهم مروان بن أبى الجنوب والبحترى والحسين بن الضحاك وعلى بن يحيى المنجم وأبو العيناء وابن حمدون وعزّون وبختيشوع الطبيب النصرانى وعبادة المضحك، وساءهم جميعا أنه كان كثير السعاية بهم إلى المتوكل والذكر لهم بالقبيح عنده، وتصدّى له منهم البحترى ومروان بن أبى الجنوب يهجوانه. وأخذ هؤلاء الندماء يسعون به إلى المتوكل، فتارة يقولون له إنه يجمّش غلمانك ويلاعبهم، وتارة ثانية يقولون له إنه كثير الإزراء عليك. وساعدهم كثيرون من حاشية المتوكل ممن لم نسمهم، وكان منهم المعتزلى والشيعى والنصرانى ومن يودلو انتقم منه شر انتقام، غير من كان يحسده على منزلته من المتوكل، فما زالوا يقعون فيه حتى ملأوا قلب المتوكل غيظا وحنقا عليه، فأمر بحبسه لسنة ٢٣٧ ونراه يرسل إلى أخيه من سجنه بقصيدة يصور فيها تجلده لنكبته وشكواه من رفاقه شكوى أليمة وأن
стр. 1733
أحدا منهم لم يحام عنه فى بلائه، بل لقد خذلوه جميعا، وما يلبث أن يقول (١):
تضافرت الرّوافض والنّصارى ... وأهل الإعتزال على هجائى
وكأنه كان يعرف فى وضوح خصومه الذين ما زالوا يرجفون به عند المتوكل حتى ألقى به فى غياهب السجون، إنهم المعتزلة والشيعة والنصارى من حواشى الخليفة ثم افسوه؟ ؟ ؟ من الشعراء والندماء وإن لم يتعرض لهم فى هذه القصيدة بالذكر؛ ويقول ابن المعتز: «إنما عنى بالروافض الطاهريين وبأهل الاعتزال بنى دؤاد وبالنصارى بختيشوع بن جبريل» (٢). ومعروف أن الطاهريين هم أسرة عبد الله بن طاهر، وكان ابنه محمد حاكما لبغداد لعهد المتوكل، وكان ابنه طاهر-كما أسلفنا- واليا لخراسان بعد أبيه عبد الله، وأسرّها طاهر لابن الجهم كما سنرى عما قليل.
وكان أحمد بن أبى دؤاد رأسا من رءوس الاعتزال، كان المتوكل يفسح له فى مجالسه، لأنه كان أحد من أخذوا له البيعة بعد وفاة الواثق، فحفظ له المتوكل صنيعه، على أنه لم يلبث أن نكبه هو وابنه أبا الوليد بعد نكبته لابن الجهم. أما بختيشوع فكان لا ينسى له ذكره العسليات فى بيتيه السابقين وكان يكنّ له عداوة شديدة.
وظل ابن الجهم فى محبسه يتوسل إلى المتوكل أن يعفو عنه، مرسلا له بقصائد يصور فيها ولاءه له وإخلاصه ووفاءه، منددا بخصومه بل هاجيا لهم أشد الهجاء وأعنفه، ورقّ له المتوكل فردّ إليه حريته بعد عام ولكن بطانة السوء من حوله دبروا لابن الجهم مكيدة لا تقبل فيها التعلاّت والمعاذير، إذ اتهموه عند المتوكل بأن نفسه سوّلت له أن يهجوه هجاء قبيحا، وثار المتوكل ثورة شديدة وأمر لسنة ٢٣٩ بمصادرة أمواله ونفيه إلى خراسان وكتب إلى أميرها طاهر بن عبد الله أن يصلب يوما إلى الليل، فلما وصل إلى ضاحية من ضواحى نيسابور تسمى الشّاذياخ حبسه طاهر بها، ثم أخرج من محبسه وصلب يوما إلى الليل مجرّدا ثم أنزل (٣)، وكأن طاهرا رأى فى ذلك فرصة
стр. 1734
أن يقتصّ من ابن الجهم على هذا النحو البشع، لوصفه السالف له هو وبيته فى أشعاره بأنهم روافض أو شيعة غالية، وكأنما يريد أن يسجل عليهم الخيانة للمتوكل ودولته. وظل فى سجن طاهر بالشاذياخ إلى أن كتب إليه المتوكل بإطلاقه فأطلقه، ومثل ابن الجهم بين يديه، يقول:
أطاهر إنى عن خراسان راحل ... ومستخبر عنها فما أنا قائل
فقال له طاهر: لا تقل إلا خيرا فإنى لا أفعل بك إلا ما تحبّ، ووصله وحمله وكساه (١)، وأخذ يبتغى إلى مودته كل الوسائل. ويبقى ابن الجهم فى جواره مدة يسمر فيها عنده ويلزمه فى غدوه ورواحه إلى الصيد (٢). وكان طبيعيّا أن تترك هذه المحنة التى طالت سنواتها والتى شقى بها فى بغداد وخراسان شقاء شديدا ظلاّ كئيبا على نفسه حتى لنراه عقب ردّ حريته إليه يطيل المكث فى القبور، ويسأله رجل ما يجلسك بين المقابر، فيجيبه (٣):
يشتاق كلّ غريب عند غربته ... ويذكر الأهل والجيران والوطنا
وليس لى وطن أمسيت أذكره ... إلا المقابر إذ صارت لهم وطنا
وعاد ابن الجهم إلى العراق، ولكنه لم يولّ وجهه نحو سامرّاء؛ فقد ازورّ عنه المتوكل وأغلقت أبواب قصوره من دونه، إنما ولّى وجهه نحو بغداد، ونراه حينئذ يأسى لانصراف الناس عنه، فقد تغير عليه الخليفة فتغير عليه الناس جميعا، ولم يعد يجد من بينهم الصديق الوفىّ ولا الأخ المخلص، وحزن لذلك حزنا شديدا، وأداه حزنه إلى أن يغرق أساه فى كئوس اللهو علّها تنسيه كارثته، ولزم جماعة ما جنة من فتيان بغداد كانوا يختلفون إلى منزل مقيّن (نخّاس) بالكرخ يسمى المفضّل، كان منزله مكتظّا بالجوارى العابثات اللائى يتفنّنّ فى جذب الشعراء والشباب إليهن.
ومرت بنا فى الفصل الثانى أبيات لابن الجهم من قصيدة يصف فيها هؤلاء الجوارى وكيف كن يعبثن بقلوب الفتيان ويسعرن أفئدتهم نارا (٤). وينعى إليه المتوكل لسنة ٢٤٧ للهجرة فيرثيه رثاء حارّا. وما توافى سنة ٢٤٩ حتى يتناقل العالم
стр. 1735
العربى المأساة التى سبق أن أشرنا إليها فى الفصل الأول، وهى مقتل البطلين عمر بن عبيد الله الأقطع وعلى بن يحيى الأرمنى فى حروب الروم، ويتصايح المتطوعون لتلك الحروب فى كل مكان، ونجد ابن الجهم كأنما يثوب إلى نفسه أخيرا، فيعتزم الجهاد فى سبيل الله مع المجاهدين، ويخرج فى قافلة إلى حلب لغزو الروم.
ويحاول أن يتجه من حلب إلى بعض الثغور (١)، ويعترضه أعراب من بنى كلب، ويقاتلونه، وهو يصيح فيهم بأشعار حماسية ملتهبة، وتصيبه طعنة قاتلة، فيقتل شهيدا دون غايته (٢).
وأشعار ابن الجهم موزعة بين المديح والاستعطاف والرثاء والهجاء والغزل والفخر والوصف والحكمة وجلّ مدائحه فى المتوكل، فقد كاد لا يترك فيه فضلا لغيره، ومرّ بنا آنفا أنه ظل منذ توليه الخلافة سنة ٢٣٢ للهجرة حتى سنة سجنه وسخطه عليه يسجل كل أعماله، بل لقد تحول داعية له، يحامى عنه ويدافع، بل يبرر ويزين ما يصدر عنه من فعل، وظل ينوه بموقفه من المعتزلة وفتنة خلق القرآن، بمثل قوله (٣)
به سلم الإسلام من كل ملحد ... وحلّ بأهل الزّيغ قاصمة الظّهر
وبالمثل كان يندد بالشيعة والعلويين، وكان ما يزال يرفع من المتوكل والعباسيين، حتى ليجعلهم فوق كل الناس علويين وغير علويين، وحتى ليقول (٤):
لنا فى بنى العباس أكرم أسوة ... فهم خير خلق الله طرّا وأفضل
ويقول للمتوكل (٥):
ولن يقبل الإيمان إلا بحبّكم ... وهل يقبل الله الصلاة بلا طهر
وكان لا ينى يمدح المتوكل حب الخير والرفق بالرعية والصفح عن الزلات ونشر الأمن الذى يحرر الناس من الخوف ونشر العدل الذى لا تصلح الحياة بدونه، يقول (٦):
стр. 1736
ملك باسط اليدين إلى الخي ... ر صفوح عن الذنوب غفور
أمّن الناس واستفاض به العد ... ل فلا خائف ولا مقهور
وله فى المتوكل وراء مدائحه تهنئة بعيد المهرجان، ونراه يسوق فى فاتحتها دعوة للصبوح بالحمر من أيدى الخرّد الغيد، ويشيد بمجالسها وما فيها من غناء تهفو إليه النفوس، ثم يأخذ فى مديح المتوكل وأن خلافته تفتح للناس أبواب الرحمة على مصاريعها وما تزال تمسهم بأجنحة من الرفق والعطف، ويعلن فى صراحة صريحة أنه خراسانى من شيعة بنى العباس أصحاب الرايات السود شعارهم أو كما يسميها الخرق السود، يقول (١):
نحن أبناء هذه الخرق السّو ... د وأهل التشيّع المحمود
وأروع من هذه التهنئة تهنئة المتوكل بقضاء قائده بغا قضاء مبرما على إسحق ابن إسماعيل الثائر بأرمينية وهى أرجوزة أنشدها ارتجالا، وفيها يصور بأس الجيش العباسى فى تلك الحرب، وكيف كان يهدم الحصون هناك بمجانيق ترسل عليهم صواعق من حجارة السجيل، يشير بذلك إلى سورة الفيل، وقد تخلل الاقتباس منها أبياته (٢)، وهى تدل على طواعية الشعر له وأنه كان يصدر فيه عن نبع غزير.
ويدخل ابن الجهم السجن، ويتحول من مديح المتوكل إلى استعطافه، ونراه فى ميمية قدّمها إليه يذكر سنّه التى أشرفت على الخمسين، وكيف أن الناس أخذوا ينكرونه لإن؟ ؟ ؟ الخليفة له، ويظل يأسى لقلة الصديق حتى يقول للمتوكل مستعطفا (٣):
أما وأمير المؤمنين لقد رمى ال ... عدوّ فلا نكسا ولا متهضّما
ولا ناسيا ما كان من حسن رأيه ... لخطّة خسف سامنيها محتّما
فخطة الخسف والظلم والهوان ستنقشع عنه، ولكنها لم تنقشع، فعاد إلى
стр. 1737
استعطافه فى لامية له استهلّها بالحديث عن الصبر الجميل، ويسترسل فى مديحه، ويقول إنه خير خلق الله وأعدلهم وأشدهم توخيا للإنصاف، وكأنه يشير إلى ما يأمل منه من العفو والصفح والغفران حين يقول (١):
يعاقب تأديبا ويعفو تطوّلا ... ويجزى على الحسنى ويعطى ويجزل
ولا يتبع المعروف منّا ولا أذى ... ولا البخل من عاداته حين يسأل
رعاك الذى استرعاك أمر عباده ... وكافاك عنا المنعم المتفضّل
وينكل به طاهر بن عبد الله بن طاهر، كما أسلفنا، وكان يمدح أباه وبيته، غير أنه زلّ زلّته التى تحدثنا عنها حين أحسّ أن الطاهريين لا يتوسطون له عند المتوكل ولا يهمهم أمره، فسماهم رافضة، وكأنما أراد من المتوكل أن يطير بهم طيرة بطيئا سقوطها، وظل طاهر يسرّها له، حتى تمكن منه، ويرسل له ابن الجهم من سجنه فى الشاذياخ شعرا يستعطفه به من مثل قوله (٢):
إن كان لى ذنب فلى حرمة ... والحقّ لا يدفعه الباطل
وحرمتى أعظم من زلّتى ... لو نالنى من عدلكم نائل
ولكن الزلة فى رأى طاهر كانت أكبر من الحرمة، فلم يأبه باستعطافه، حتى أمره المتوكل برد حريته إليه. حينئذ خشى معرّة لسانه، فقرّبه منه وجعله من ندمائه وجلسائه.
ولابن الجهم مراث قليلة فى مقدمتها مرثيته لعبد الله بن طاهر، يعزى بها طاهرا ابنه، مصورا عظم الفادحة فيه، حتى ليظن كأن ركنا من أركان الإسلام انقضّ انقضاضا، فى يوم عبوس من أخنى الأيام وأشدها بلاء على الأنام، على نحو ما يقول فى مطلعها (٣):
أى ركن وهى من الإسلام ... أى يوم أخنى على الأيام
ومضى يعزى آل الفقيد مصورا عظم الكارثة فيه، ثم انتقل إلى مديح طاهر
стр. 1738
ابنه وأنه نعم الخلف لسلفه. وأهم من هذه المرثية مرثيته لصديقه الروحى أبى تمام، وهى أبيات أربعة صور فيها شاعريته وكيف عدت عليها الأيام، حتى إن الشعر ليبكيه بكاء مرّا، فقد هلك مثقفه ومروّض قوافيه وجفّ غدير روضته، وجفت بدائع فطنته، يقول (١):
غاضت بدائع فطنة الأوهام ... وعدت عليها نكبة الأيّام
وغدا القريض ضئيل شخص باكيا ... يشكو رزيّته إلى الأقلام
وتأوّهت غرر القوافى بعده ... ورمى الزمان صحيحها بسقام
أودى مثقّفها ورائض صعبها ... وغدير روضتها أبو تمام
ومرّ بنا أنه رثى المتوكل رثاء حارّا حين قتله بعض حرسه وحواشيه، وهو يستهل رثاءه له بوصف سحابة أطلّت العراق وملأته أمطارا وخصبا، غير أن عاصفة هوجاء نحتّها عنه، وكأنما يرمز بها إلى المتوكل، ثم أخذ يتفجع عليه تفجعا مريرا، مزريا على جنوده أن لم ينصروه. منددا بمن قتلوه تنديدا شديدا (٢).
والهجاء عنده ليس كثيرا، وهو يخز فيه وخز الإبر، وأحيانا يطعن طعنات دامية، مما جعل ابن المعتز يقول: إنه كان هجّاء يضع لسانه حيث يشاء، ويقول المسعودى: «كان فى لسانه فضل قلّ من سلم معه منه»، ولعله يقصد تعرضه للشيعة والعلويين والمعتزلة. وكان يشتد هجاؤه حين يحس بأنه أوذى أو وقعت عليه إهانة، وممن تعرّض لهم بالهجاء كثيرا أحمد بن أبى دؤاد شيخ المعتزلة، لأنه سأله الشفاعة حين أمر المتوكل بحبسه فقعد عنه ولم يهتم به، حتى إذا نكبه المتوكل شمت به هو وابنه أبى الوليد، وسلّ عليهما لسانه بمثل قوله (٣):
يا أحمد بن أبى دؤاد دعوة ... بعثت إليك جنادلا وحديدا
ما هذه البدع التى سميتها ... بالجهل منك العدل والتوحيدا
أفسدت أمر الدين حين وليته ... ورميته بأبى الوليد وليدا
стр. 1739
وكان أبو الوليد يتولى المظالم بسامرّاء وعزله عنها المتوكل حين صادر أمواله وأموال أبيه لسنة ٢٣٧ وابن الجهم يشير بالعدل والتوحيد إلى مبدأين أساسيين فى الاعتزال، إذ كان المعتزلة يوجبون العدل على الله مما أداهم إلى القول بفكرة خلق الناس لأفعالهم وحرية إرادتهم حرية تامة دون جبر أو إلزام، حتى يثابوا ويعاقبوا على أعمالهم وما يأتون من الخير والشر. وأما التوحيد فأرادوا به تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، بحيث لا يحصره مكان ولا زمان. وكان مروان بن أبى الجنوب كثير التعرض له يذمه ويهجوه، ويقال إنه هجاه يوما فى مجلس المتوكل، فأطرق ثم رماه بهذين البيتين المصميين (١):
بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذى حسب ودين
يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك فى عرض مصون
وقد جرّده من الحسب والدين والعرض والشرف.
ولابن الجهم غزل كثير، وهو تارة يضعه فى مقدمات قصائده، مذيبا فيه لواعج حبه، وتارة يفرده بمقطوعات تصور ما يثير الحب فى فؤاده من العواطف والمشاعر، ومن مقدماته المشهورة التى طارت على كل لسان قوله فى فاتحة إحدى مدائحه للمتوكل (٢):
عيون المها بين الرّصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدرى ولا أدرى
أعدن لى الشّوق القديم ولم أكن ... سلوت ولكن زدن جمرا إلى جمر
وهو تصوير بديع لما ترسل العيون من سهام الحب التى تفد من كل مكان مكشوف وخبئ من حيث يدرى ابن الجهم ومن حيث لا يدرى، وقد أعدن له جذوة الحب القديم التى لا سبيل إلى إطفائها وأوقدن بجانبها جذوات كثيرة حديثة، وقلبه يلتاع لوعة شديدة. ومضى يتحدث عن صواحب تلك العيون وكيف أنهن يضئن من بعيد كالأهلة تتزود منها الأبصار، ولا متاع سوى متاع النظر والخيال،
стр. 1740
وقد التهبت منه جوانح الفؤاد، ويشكو المشيب ويذكر اقتطافه زهرات الحب ذات ليلة، ثم يعود إلى الشكوى من الهجر والفراق، ويجرى حوارا طريفا عن حبة بين فتاتين تتبادلان الرأى فى وصله وصدّه، ومن طريف ما له فى الغزل قوله (١):
سقى الله ليلا ضمّنا بعد فرقة ... وأدنى فوادا من فوادا من فؤاد معذّب
فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الرّاح فيما بيننا لم تسبّب
وكأنهما أصبحا روحين فى بدن.
والفخر كثير فى أشعار ابن الجهم، وهو يردد الفخر بقرشيته وبفتوته التى أغرته بأن يكون صاحب لهو ومجون على الأقل فى فترات من حياته، وصوّر حين حبس وصلب عريانا صلابة نفس غير مألوفة، إذ ظلت نفسه قوية وظلت لا تنكسر أبدا. ويستشعر هذا المعنى فى عمق حين يفتتح إحدى قصائده التى استعطف بها المتوكل بقوله (٢).
هى النفس ما حمّلتها تتحمّل ... وللدهر أيام تجور وتعدل
ولا عار إن زالت عن الحرّ نعمة ... ولكنّ عارا أن يزول التجمّل
وكان لا يزال يشعر بقرشيته وأنه من أرفع الأسر العربية مكانة وأعلاها منزلة، وكاد له خصومه عند المتوكل واستتبع كيدهم السجن والقيود والأغلال والظلم والعسف، ولكنه احتمل وقاوم، حتى ليقول لبعض صواحبه (٣):
فلا تجزعى إمّا رأيت قيوده ... فإن خلاخيل الرجال قيودها
إنها ليست قيودا وسلاسل بل هى حلىّ الرجولة والفتوة، وهو خليق أن يتحلّى بها مهما عرضته لشر أو ضيق أو ضر، ويحاول مرارا وتكرارا أن يظهر تجلده واحتماله لأثقال السجن وقيوده. فنفسه لا تضعف ولا تهون، بل لعل نيران هذه المحنة قد زادتها صلابة فوق صلابة، إنها من جوهر كريم لا تذيبه المحن والخعلوب
стр. 1741
ولا كل ما يسام به من ضروب الخسف والعسف، ويبلغ ابن الجهم من ذلك حدّا يفوق كل وصف حين يقول لصاحبته (١):
قالت حبست فقلت ليس بضائرى ... حبسى وأىّ مهنّد لا يغمد (٢)
أو ما رأيت اللّيث يألف غيله ... كبرا وأوباش السّباع تردّد (٣)
والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد
والبدر يدركه السّرار فتنجلى ... أيّامه وكأنّه متجدّد (٤)
والغيث يحصره الغمام فما يرى ... إلا وريّقه يراح ويرعد (٥)
والنار فى أحجارها مخبوءة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند
والزّاعبيّة لا يقيم كعوبها ... إلا الثّقاف وجذوة تتوقّد (٦)
وهو يمثل نفسه لصاحبته سيفا مسلولا وضع فى غمده، بل كأنه أسد فى أجمته وشمس فى حجابها وبدر فى سراره، بل لكأنه غيث مضمر فى غمامه ونار مكنونة فى زندها ورمح يصقله مثقفه. وهى صور تعبر عن نفس صلبة قوية وأنها ظلت على الرغم من محنة السجن سالمة لم يصبها وهن ولا خور. وينفى إلى خراسان ويسجن ويصلبه أميرها يوما عاريا وتظل له نفسه الصلبة ويزأر منشدا (٧):
ما عابه أن بزّ عنه لباسه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا
فهو مثل السيف أهول وأهيب ما يرى حين يجرّد من غمده ويصوّب إلى الرقاب.
ولابن الجهم أشعار كثيرة فى وصف الطبيعة الصحراوية وأطلالها ونوقها وفى وصف الطبيعة الحضرية ورياضها ورياحينها، ومرت بنا فى الفصل الماضى قطعة له بديعة
стр. 1742
فى وصف الورد وتهاديه ووصف شذاه العطر الذى يشفى القلوب الكليمة. وله أشعار مختلفة فى وصف اللهو والملاهى، ومن قوله فى وصف مجلس أنس (١):
الورد يضحك والأوتار تصطخب ... والنّاى يندب أشجانا وينتحب
والرّاح تعرض فى نور الربيع كما ... تجلى العروس عليها الدرّ والذهب
وقد مضى يصور نشوته بالراح وبالورد وبالغناء. وأنشدنا فى الفصل الماضى قطعة من وصفه لقصر من قصور المتوكل ونافورته العجيبة، وكذلك وصفه للعبة الشطرنج وله قصيدة جيدة فى وصف سفينة (٢).
وجعلته نكبته يكثر من التأمل فى الحياة وفى سلوك الناس وأخلاقهم وأصنافهم، مما جعل تجاربه تتسع وجعله ينثر منها كثيرا فى أشعاره من مثل قوله (٣):
ومن طلب المعروف من غير أهله ... أطال عناء أو أطال تندّما
ومن سامح الأيام يرض حياته ... ومن منّ بالمعروف عاد مذمّما
وواضح مما أسلفنا من أشعار ابن الجهم أنه لم يكن ممن يتكلفون فى أشعارهم ولا ممن يكثرون من ترصيعها بأصناف البديع وأصدافه، ومما لا ريب فيه أن ملكاته كانت خصبة، وكان كثيرا ما يلم بمعان دقيقة وصور طريفة مع سهولة الألفاظ ومع شفافيتها وصفائها ومع نصاعتها ورصانتها ومع جمال الجرس والأداء.
٢ - البحترى (٤)
هو أبو عبادة الوليد بن عبيد؛ طائىّ الأب شيبانىّ الأم غلب عليه لقب البحترى نسبة إلى عشيرته الطائية بحتر، ولد سنة ٢٠٤ للهجرة بمنبج إلى
стр. 1743
الشمال الشرقى من حلب على الطريق المؤدية منها إلى الفرات، وقيل: بل ولد بقرية تجاورها تسمّى «زردفنة» والرأى الأول أصح، لأن البحترى نفسه يكرّر كثيرا فى شعره «منبج» مسقط رأسه، وكانت تنزلها عشائر من طيئ. وهى كما يقول ياقوت فى معجم البلدان: مدينة كثيرة البساتين عذبة الماء باردة الهواء، أقطعها الرشيد عبد الملك بن صالح الهاشمى، وفى ديوان البحترى مدائح كثيرة لابنه محمد ولطائفة من أسرته عاشت فى منبج وحلب.
وليس لدينا أخبار عن هيئته وصورته إلا ما روى عنه فيما بعد من أنه كان أسمر طويل اللحية. وقد نشأ فى أحضان عشيرته يتغذى من فصاحتها ويبدو أنه اختلف مبكرا إلى الكتّاب، فحفظ القرآن أو شطرا كبيرا منه. كما حفظ كثرا من الأشعار والخطب، واختلف حين شبّ إلى حلقات العلماء فى المساجد يأخذ عنهم اللغة والنحو وشيئا من الفقه والتفسير والحديث وعلم الكلام. واستيقظت فيه موهبة الشعر مبكرة، وسرعان ما أخذ يكثر من نظمه فى بعض من عرفهم من عامة أهل بلدته أو كما يقول ابن خلكان من أصحاب البصل والباذنجان، وامتد به طموحه فتجاوز به بلدته إلى بلاد أكبر من حولها، إذ نراه ينزل حلب، وهناك تعرّف على علوة بنت زريقة التى شغفته حبّا، ويبدو أن زريقة كانت مغنية، وتعرّف أيضا على صديق يسمى الذفافى مدحه ببعض شعره، وهجاه فيما بعد لاقترانه بعلوة، على شاكلة قوله (١):
نبّئتها زوّجت أخا خنت ... أغنّ رطب الأطراف ليّنها
وظلت دار علوة قائمة بحلب، حتى عصر ياقوت إذ يقول: «وفى وسط البلد «حلب» دار علوة صاحبة البحترى». وقد يدل ذلك على يسار الذفافى وأنه شيد لها دارا فخمة. وظلت ذكراها لا تبرح ذاكرة البحترى حتى الأنفاس الأخيرة من
стр. 1744
حياته. واتسع برحلاته إلى حمص، وكأنما كان السّعد معه على ميعاد، فإذا هو يسمع بأن أبا تمام بها والشعراء يعرضون عليه أشعارهم، فعرض عليه شعره، فأقبل عليه، وقال له: أنت أشعر من أنشدنى فكيف حالك، فشكا إليه خلّة، فكتب إلى أهل معرّة النعمان: «يصل كتابى مع الوليد أبى عبادة الطائى وهو على بذاذته"سوء حاله"شاعر فأكرموه» واستقبلوه استقبالا حسنا ووظّفوا له أربعة آلاف درهم (١). وفى رأينا أنه لم يصله بأهل معرة النعمان فقط، فقد وصله أيضا ببعض ممدوحيه إذ نراه يقبل على بعض من خصّهم بمديحه فيمدحهم، مثل آل حميد الطوسى فى الموصل، وخالد بن يزيد الشيبانى والى أرمينية والثغور، وأبى سعيد محمد بن يوسف الثغرى الطائى الذى ولاه المعتصم حلب وثغور الشام والجزيرة، وقد لزمه ولزم ابنه يوسف، ويبدو أنه أول من اتصل بهم من ممدوحى أبى تمام.
وتخرج بعض الروايات ذلك مخرج القصص، فتذكر أنه دخل عليه وأبو تمام عنده، فأنشده قصيدته:
أأفاق صبّ من هوى فأفيقا ... أم خان عهدا أم أطاع شفيقا
فردّها أبو تمام عليه من حفظه كأنها من نظمه، وعرّفه أبو تمام نفسه، ولزمه البحترى (٢). ونظن أن الرواة زادوا فيها أنه لم يكن يعرف أبا تمام، فمعرفته به أسبق من ذلك كما أسلفنا، بل هو الذى حثه على مديح أبى سعيد الثغرى ولقائه له وهو عنده. ولم يكتف أبو تمام بتقديم الشاعر الشاب إلى بعض ممدوحيه، فقد مضى يتعهد شاعريته، ويلقنه كيف يجيد الشعر ويحسنه، حتى خرّجه فيه شاعرا ممتازا راع معاصريه، ويصرّح بذلك البحترى معترفا بجميل أستاذه إذ يقول (٣):
«كنت فى حداثتى أروم الشعر وكنت أرجع إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه. . . حتى قصدت أبا تمام، فانقطعت فيه إليه، واتكلت فى تعريفه عليه، فكان أول ما قال لى: يا أبا عبادة تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم. واعلم أن العادة فى الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شئ أو حفظه فى وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من
стр. 1745
النوم، فإذا أردت لنسيب فاجعل اللفظ رقيقا والمعنى رشيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق. وإذا أخذت فى مدح سيد ذى اياد، فأشهر مناقبه، واظهر مناسبه، وأبن معاطه، وشرّف مقامه وتقاص المعانى واحذر المجهول منها، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الزريّة.
وكن كأنك خيّاط يقطع الثياب على مقادير الأجسام وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب. واجعل شهوتك إلى قول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه، فإن الشهوة نعم المعين. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين، فما اسحسنه العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه ترشد إن شاء الله تعالى».
وكأنما وضع أبو تمام نصب عينى البحترى دستورا قويما لإحسانه صناعة الشعر، بل إن هذا بعض الدستور الذى وضعه؛ إذ لا بد أنه أوصى البحترى وصايا كثيرة حتى يتقن صناعته. وهو فى هذا الجزء من وصاياه ينصحه أن يتخير أوقات إلهامه، ثم يصف له الجودة التى يقوم عليها النسيب والمديح جميعا، مع العناية بدقائق المعانى وجمال الألفاظ والأساليب، ونظن ظنّا أنه حين وجد فى تلميذه حسن الاستجابة، واطمأن إلى أنه شاعر سيكون له شأن، أخذ يعرّفه لا على أهل معرة النعمان فحسب، بل أيضا على ممدوحيه فى حلب والشام والجزيرة والموصل وأرمينية. وكاد محمد بن يوسف الثغرى بطل حروب بابك قديما وحروب الروم حديثا أن يستخلصه لنفسه، وقد ظل يمدحه ويصف بلاءه فى الثغور حتى توفى سنة ٢٣٦ للهجرة، وتغنىّ طويلا بمدح كاتبه محمد بن عيسى القمى، ويتحول إلى ابنه يوسف الذى خلفه على إمارته الأخيرة فى أرمينية وأذربيجان ويكثر من مدائحه. ونظن ظنّا أن من أوائل مدائحه لأبى سعيد محمد بن يوسف الثغرى رائيته (١) التى يعزيه فيها عن المعتصم حين توفى سنة ٢٢٧ للهجرة. ويبدو أن أبا تمام دفعه بعد هذا التاريخ لزيارة سامرّاء بعد أن وثق من براعته الشعرية، إذ نراه ينزل بها، ونرى أبواب الخليفة الواثق ووزيره ابن الزيات وكاتبه الحسن بن وهب مفتوحة أمامه، وكأن صداقة أبى تمام للأخيرين
стр. 1746
هى التى فتحت له سريعا تلك الأبواب، وإذا هو يمثل بين أيديهم جميعا مادحا ممجدا.
ويتولى الخلافة المتوكل سنة ٢٣٢ للهجرة ويعصف بابن الزيات ويظل البحترى بعيدا خوفا على نفسه، وخاصة أنه كانت قد جرت على لسانه بعض أبيات يتعصب فيها للمعتزلة وقولهم بأن القرآن مخلوق ضد أهل السنة من مثل قوله فى بعض الخارجين على أبى سعيد الثغرى:
يرمون خالقهم بأقبح فعلهم ... ويحرّفون كلامه المخلوقا
وسأله سائل: أكنت معتزليّا، فأجابه: «كان هذا دينى فى أيام الواثق ثم نزعت عنه فى أيام المتوكل، فقال له: يا أبا عبادة! هذا دين سوء يدور مع الدول! » (١). فقد نزع عن نفسه لعهد المتوكل ثوب الاعتزال الذى كان يدين به الواثق ووزيره ابن الزيات، ولبس ثوب أهل السنة الذى فرضه المتوكل. وهو جانب سيئ فى البحترى إذ كان متقلبا مسرفا فى التقلب، يلتمس المنفعة لنفسه ما وجد إلى ذلك سبيلا. على كل حال أحسّ بادئ الأمر أن أبواب المتوكل موصدة من دونه، ولكن ذلك لم يدفعه عن طريقه، فقد أخذ يمدح بعض خاصّته وخاصّة وزيره الفتح بن خاقان وهو يحيى بن على المنجم، الذى اشتهر بوصله الشعراء بهما وأخذه لهم الصلات السنية منهما، ووعده علىّ أن يصله بالفتح، ونراه يستنجز وعده فى بعض شعره (٢)، وينجح على فى وصله بالفتح لسنة ٢٣٣ ويمدحه (٣) وينال جوائزه، ولكن عينه لا تزال طامحة إلى مديح المتوكل، ويلوّح للفتح بطموحه ويعده الفتح ويتعجله أن يفى بوعده فى غير قصيدة من مثل قوله (٤):
وعدت فأوشك نجح وعدك إنه ... من المجد إعجال المواعيد بالنّجح
وأنت ترى نصح الإمام فريضة ... وإخباره عنى سبيل من النّصح
стр. 1747
ويفتح له المتوكل بيد الفتح أبوابه، ويستمع إليه وتتواتر صلاته وإقطاعاته عليه، وكذلك إقطاعات الفتح وصلاته، فقد كان ديوان الخراج إليه. ونراه يمدح الوزير الثانى للمتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان، ولم يكد يترك أحدا من معاونى الفتح ومساعديه إلا مدحه، فهو يمدح أبا نوح عيسى بن إبراهيم أحد كتّابه فى دواوين الخراج وكان نصرانيّا، وكأن نصرانيته لم تمنعه من مديحه، وسنراه فيما بعد يكثر من مديح عبدون بن مخلد الراهب أخى صاعد وزير المعتمد. ويمدح أيضا من كتاب الخراج والدواوين أعوان الفتح من أمثال أحمد بن المدبر وأخيه إبراهيم، ويظل يمدحهما طويلا، حتى بعد خروج أحمد للعمل فى دواوين مصر والشام.
وكان قد ترك زوجته فى منبج وأنجب منها ابنه أبا الغوث فكان كثير الرحلة إلى مسقط رأسه، ويبدو أنه كان يقضى فى وطنه الصيف كله فرارا من حر العراق ولفحه، يقول (١):
نصبّ إلى طيب العراق وحسنها ... ويمنع منها قيظها وحرورها
هى الأرض نهواها إذا طاب فصلها ... ونهرب منها حين يحمى هجيرها
وكان لا يترك وجيها ولا وليّا ولا صاحب خراج فى طريقه من سامرّاء إلى منبج إلا ويقدّم إليه مدائحه ويأخذ جوائزه، من مثل بنى حميد الطوس الطائى وأبى سعيد الثغرى وابنه يوسف صاحبى أرمينية وأذربيجان وآل عبد الملك بن صالح الهاشمى، بل يبدو أنه كان يمد رحلاته فى الشام فيمدح بعض العمال والولاة مثل مالك بن طوق صاحب دمشق والأردن وأبى مسلم الكجّى، كما كان يمد رحلاته إلى بغداد وما وراءها من مدن العراق، ونراه يكثر من مديح القائمين عليها من آل طاهر. فهو يمدح منهم إسحق المصعبى ومحمد بن عبد الله بن طاهر الذى حكم بغداد منذ سنة ٢٣٧، وكذلك أخواه سليمان وعبيد الله، وله فى الأسرة شعر كثير.
وممن أكثر من مديحهم لعهد المتوكل قائداه عبد الله بن دينار وابنه أحمد، وإبراهيم ابن الحسن بن سهل وله فيه نحو عشر قصائد، وله فى الفتح بن خاقان تسع
стр. 1748
وعشرون قصيدة، ومن عمال المتوكل الذين مدحهم دليل بن يعقوب النصرانى (١).
وتحوّل إزاء أعمال المتوكل وكل ما حدث فى عصره إلى ما يشبه آلة راصدة، فهو يسجل لسنة ٢٣٥ عقده ولاية العهد لأبنائه الثلاثة: المنتصر والمعتز والمؤيد قائلا (٢):
قدّامهم نور النبىّ وخلفهم ... هدى الإمام القائم المحمود
ولا يترك نصرا على ثائر إلا ويدوّنه. وكان بطارقة أرمينية خلعوا الطاعة وفتكوا لسنة ٢٣٧ بيوسف بن محمد بن يوسف الثغرى والى إقليمهم، فوجه إليهم المتوكل جيشا سحقهم سحقا وألقوا عن يدوهم صاغرون، ونوّه البحترى بهذا الانتصار طويلا. وكانت قد حدثت فى أواخر العقد الرابع من القرن أو أوائل الخامس حروب دامية بين قبائل ربيعة: تغلب وشيبان وغيرهما، واستطاع الفتح بن خاقان أن يحقن الدماء بينها وأن يردّها إلى الطاعة، ومن الغريب أن لا تعنى كتب التاريخ بهذا الحدث العناية المنتظرة، بينما نرى البحترى يسجلها، وقد بلغ به الأسى أقصاه إذ يرى هذه القبائل المنحدرة من أب وأصل واحد تفقد ما ينبغى أن يكون بينها من البرّ والعطف، فإذا هى تفزع إلى السيف وإلى القوة والقهر وسفك الدماء، يقول (٣):
وفرسان هيجاء تجيش صدورها ... بأحقادها حتى تضيق دروعها
تقتّل من وتر أعزّ نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكّرت القربى ففاضت دموعها
شواجر أرماح تقطّع بينهم ... شواجر أرحام ملوم قطوعها (٤)
فبعضهم يسفك دم بعض ويده لا تطاوعه، والدماء تفيض والدموع تسيل والرماح تقطع علائق الأرحام. وأعاد المتوكل ووزيره الفتح الأمر إلى نصابه من الأمن والسلم، فأغمدت السيوف وقرّت القلوب الخافقة ونامت العيون المسهّدة. ويثب أهل حمص بعاملهم (٥) لسنة ٢٤٠ ويعودون إلى الوثوب والثورة فى سنة ٢٤١ وينكل
стр. 1749
بهم المتوكل وسرعان ما يعفو عنهم، ويسجل البحترى الحادث منوّها بعفوه قائلا (١):
تداركت بالإحسان حمص وأهلها ... وقد قارفوا فعل الإساءة والخرق (٢)
وترسل تذورة إمبراطورة القسطنطينية إلى المتوكل لسنة ٢٤١ وفدا يطلب الفداء بين أسرى الروم والعرب، ويستقبل الخليفة الوفد فى حفل كبير يصفه البحترى، ويطيل فى وصف السماط الذى مدّ فيه وما علا وجوههم وسيماهم من ذهول وحيرة (٣).
وكان المتوكل قد فكّر لسنة ٢٤٣ فى أن يجعل دمشق حاضرة الخلافة حتى يبتعد عن سامراء ومن بها من قواد الأتراك الطغاة، ورحل إليها فى سنة ٢٤٣ وتنبّهوا لمقصده فعملوا على العودة به إلى سامراء واضطرّ أن ينزل على إرادتهم، ويذكر البحترى خروجه إلى دمشق وقدومه منها فى غير قصيدة (٤). ويأخذ منذ سنة ٢٤٥ فى وصف قصوره التى سميت باسم المتوكلية والتى بلغت-كما مر بنا فى الفصل الثانى- نحو العشرين، وكان من أهمها البرج الذى عرضنا له هناك، ويتوقف البحترى مرارا فى مدائحه ليصف تلك القصور من مثل القصر المعروف بالجعفرى والصبيح والمليح وشبداز (٥)، وما يزال ينوه بها مباهيا الأمم والشعوب. وفى قصر الجعفرى لقى المتوكل ووزيره الفتح مصرعهما لسنة ٢٤٧ تحت بصر البحترى وسمعه، وهاله ما رأى، مما جعله يرثى المتوكل برائيته زاعما أنه دافع عنه بيديه، ويسجل على ابنه المنتصر-كما مرّ بنا فى الفصل الماضى-اشتراكه فى المؤامرة الباغية والفتك به، قائلا (٦):
أكان ولىّ العهد أضمر غدرة ... فمن عجب أن ولّى العهد غادره
وحرىّ بنا أن نذكر أن البحترى لم يتورط مثل ابن الجهم فى هجاء المعتزلة إرضاء للمتوكل ولا فى هجاء العلويين ولا فى هجاء النصارى. وأظلمت الدنيا فى عينيه بعد مقتل المتوكل وصاحبه الفتح، فخرج إلى المدائن يتعزى، وهناك نظم
стр. 1750
سينيته مودعا فيها حزنه وأساه، وعاد إلى سامراء وتركها إلى منبج وأهله. ودفعه الطمع إلى أن يعود إلى المنتصر سريعا وأن يقف بباب وزيره أحمد بن الخصيب متوسلا إليه بكاتبه الحسن بن مخلد حتى يقرّبه منه ويسترضيه له، ويجيبه إلى أمنيته، فيعفو عنه المنتصر، ويستمع إلى قصيدته فيه، وكان قد رفع المحنة التى أنزلها أبوه بالعلويين ودفع الأذى عنهم والتعرض لشبعتهم، فأشار إلى ذلك البحترى منشدا (١):
وآل أبى طالب بعد ما ... أذيع بسربهم فابذعر
ونالت أدانيهم جفوة ... تكاد السماء لها تنفطر
وصلت شوابك أرحامهم ... وقد أوشك الحبل أن ينبتر
ويتوفّى المنتصر بعد ستة أشهر من خلافته ويخلفه المستعين فيستبقى ابن الخصيب فى الوزارة، وسرعان ما يغضب عليه قواد الترك فتستصفى أمواله وينفى إلى جزيرة إقريطش (كريت) وحينئذ نجد البحترى يتنكّر له، ويبالغ فى تنكره إرضاء للمستعين وقواده، فيؤلبهم عليه، ويحثهم-كما مرّ بنا فى الفصل الماضى- على قتله قائلا (٢):
لابن الخصيب الويل كيف انبرى ... بإفكه المردى وإبطاله
وهو جانب فى البحترى لاحظه بعض معاصريه-كما مرّ فى غير هذا الموضع-إذ تحدثوا عن كفره للإحسان وعدم وفائه، حين يقلب الدهر مجنّه لبعض ممدوحيه أو حين يسبق إليهم الموت، فإنه بدلا من أن يثير ذلك فى نفسه ضروبا من الشفقة والرحمة، يسارع إلى الوقوف مع خصومهم الجدد أصحاب الحكم والسلطان ابتغاء ما فى أيديهم من المال والنفع، ويضرب القدماء لذلك مثلا موقفه من الخليفة المستعين إذ كان يمدحه، وينال جوائزه حتى إذا خلعه قواد الترك وتولى المعتز الذى يرتجى نفعه أسرع إليه بقصيدة يمدحه فيها ويهجو المستعين هجاء مقذعا بمثل قوله (٣):
стр. 1751
بكى المنبر الشرقىّ إذ خار فوقه ... على الناس ثور قد تدلّت غباغبه (١)
فكيف رأيت الحقّ قرّ قراره ... وكيف رأيت الظلم آلت عواقبه
وكان المعتز من أقرب الخلفاء إلى نفسه، فأكثر من مديحه ووصف قصوره وتسجيل الأحداث لزمنه، ومدح معه ابنه عبد الله وتوثقت بينهما الصداقة، ومما سجله من الأحداث لعهده وعهد المستعين قتل القائد التركى أتامش وكاتبه شجاع (٢) لسنة ٢٤٩ وقتل بغا الشرابى (٣) قاتل المتوكل لسنة ٢٥٤ ونراه يمدح القائد التركى وصيفا (٤) الكبير وابنه صالحا (٥) ويكرر حينئذ تشوقه إلى وطنه، ويستأذن مرارا فى الإلمام به. ويكثر من مديح الشاه ابن ميكال قائد المستعين ووزيره أبى صالح محمد بن يزداد وابنه عبيد الله وأخيه القاسم. ويضطر قواد الترك المعتزّ إلى خلع نفسه فى سنة ٢٥٥ ويتولى المهتدى بعده الخلافة لنحو عام واحد، ويغدو إليه ويروح بقصائده مصورا تقاه وزهده وانصرافه عن الملاهى ومتاع الحياة الزائل ونشره للعدل فى ربوع دولته وإذلال جيوشه للروم ونزولهم على إرادته صاغرين. وسرعان ما ثار عليه الأتراك وخلعوه وولوا بعده المعتمد، وهو آخر الخلفاء الذين مدحهم البحترى، وكان الخليفة الحقيقى لعهده أخاه الموفق، وكان حازما شجاعا واسع التدبير، وهو الذى قضى على ثورة الزنج وهزم يعقوب الصفار الثائر بإيران هزيمة ساحقة. ويصور البحترى فى مديحه للمعتمد بأس جيوشه وانتصاراتها الحربية، ويصف القصر الذى احتفل ببنائه وسماه المعشوق ونوّه به، وله قصيدة رائعة يهنئ فيها الموفق بقمعه لثورة الزنج، وفيها يخاطبه بقوله (٦):
أخذت بوتر الدين مثنى وظفّرت ... يداك فلم يفلت عدوّ تطالبه
ولم يترك حينئذ وزيرا ولا كاتبا كبيرا إلا ويمدحه ويأخذ جوائزه، وكان المعتمد استوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان الذى وزر قديما لأبيه المتوكل، فلزمه البحترى، وفكّر فى أن يرتجع منه الضياع الكثيرة التى كان المتوكل أقطعها إياه؛ فأكثر الشاعر من التوسل إليه، حتى يتركها له. وقصيدته (٧):
стр. 1752
أمرتجع منى حباء خلائف ... توليت تسيير المديح لهم وحدى
تصور جزعه المفرط، ويتوفّى عبيد الله سنة ٢٦٣ ويخلفه الحسن بن مخلد، فيمدحه بقصائد مختلفة شاكيا ضارعا، فيجعل أمره إلى كاتبه السّيبى، ولا يسارع إلى استرضائه، فيشكوه إلى ابن مخلد بحائيته (١):
لك الخلائق فينا السهلة السّمح ... والنّيل يسلس للرّاجى وينسرح
ولا يكاد يسمعها الحسن حتى يبلغ بالبحترى ما يريد، ويزيل المطالبة عنه.
ويترك الحسن الوزارة سريعا ويتولاها سليمان بن وهب الذى استوزره المهتدى من قبل، ويقدم إليه البحترى مدائحه، ويعصف به الموفق فى سنة ٢٦٥ فيحبسه ويصادر أمواله. ويخلفه على الوزارة أحمد بن صالح بن شيرزاد لمدة شهر واحد، وللبحترى فيه مدائح مختلفة، ويلى الوزارة بعده أبو الصقر إسماعيل بن بلبل بينما يلى الكتابة للموفق صاعد بن مخلد، ويكثر البحترى من مديح ابن بلبل، ويهجو له فى بعض مديحه ابن شيرزاد الذى طالما مدحه، ويمدح كاتبه جرادة على حين يذم كاتبا آخر كان نصرانيّا يسمى إسرائيل، ويلحّ على ابن بلبل فى قصائد كثيرة أن يأذن له بالرحيل إلى موطنه بمثل قوله (٢):
وأعتقت الرّقاب فمر بعتقى ... إلى بلدى وأنت به جدير
وأكثر حينئذ من مديح صاعد بن مخلد كاتب الموفق، وكان من وجوه النصارى، وحين استكتبه الموفق أعلن إسلامه وله فيه وفى أخيه عبدون الراهب وابنه أبى عيسى العلاء مدائح كثيرة. وكان أبو عيسى مثقفا ثقافة واسعة بعلم الفلك، مما جعل البحترى يكثر له فى إحدى مدائحه من ذكر النجوم (٣). ومن كبار الكتّاب الذين مدحهم حينئذ أبو العباس أحمد بن ثوابة صاحب ديوان الرسائل. وفى أثناء ذلك كان يمدح كثيرين من العمال والولاة وأصحاب الخراج والكتّاب والقواد مثل وصيف الصغير وأذكوتكين والهيثم بن عبد الله التغلبى والى الموصل وأحمد بن محمد بن بسطام والى الشام وسيما الطويل والى حلب والعواصم ورافع بن هرثمة والى الرى
стр. 1753
وكتّاب الجبل وأنفذ إليهم ذات مرة غلامه نصرا ليطالبهم برسومه (١). وممن كان يمدحهم كثيرا أبو جعفر أحمد بن محمد الطائى والى الكوفة وآل نوبخت. وكان كثير الإلمام ببغداد، وعنى بمديح كثيرين من آل طاهر حكّامها كما مرّ بنا، كما مدح بعض أعيانها وعلمائها مثل عبد الله بن الحسين بن سعد القطرّبلى والمبرّد النحوى، ومدح عبيد الله بن خرداذبة الجغرافى صاحب البريد بناحية الجبل. ويبدو أن أصحاب الخراج عادوا يتعقبون البحترى ويطالبونه بخراج إقطاعاته الكثيرة، مما جعله يسأل ابن بلبل المعونة فى خراجه، كما يسأل المعتمد نفسه قائلا (٢):
أخشى الخراج وقد دعوت لعظمه ... ملك الملوك ورافد الرّفّاد
ومضى عمال الخراج يشقلون عليه، وهو كل يوم يمثل بين أيديهم شاكيا ملحّا فى أن يحطّوا عن كاهله ما يطلبونه منه، ولا يكاد يظفر بما يبتغى منهم، فيفكر فى مبارحة العراق، ويمدح ابن طولون صاحب مصر والشام حينئذ ويصرّح فى مديحه له بما فى نفسه قائلا (٣):
فأصبحت فى بغداد لا الظلّ واسع ... ولا العيش غضّ فى غضارته رطب
أأمدح عمّال الطّساسيج راغبا ... إليهم ولى بالشام مستمتع رغب (٤)
وكل شئ يؤكد أن البحترى كان قد أثرى ثراء فاحشا منذ عصر المتوكل، فإنه نثر عليه أموالا جمة وإقطاعات عديدة، بالإضافة إلى ما أغدق عليه الفتح بن خاقان وغيره من رجال الدواوين، وخاصة آل المدبر وفى مقدمتهم إبراهيم، وكان هو وأخوه أحمد من كبار الموظفين فى دواوين الخراج والضياع، ويقول الصولى إنه كان يوجب على إبراهيم فى كل سنة أن يسقط أكثر خراجه أو يؤديه عنه، وإنه استماحه مرة لشراء ضيعة فلامه لكثرة ضياعه، وقال له: تكفيك ضياعك فقد
стр. 1754
كثرت وعظمت، غير أن البحترى تمادى فى إلحاحه عليه، وأنشده قصيدته التى يقول فيها (١):
وما زالت العيس المراسيل تنبرى ... فيقضى لدى آل المدبّر حاجها (٢)
ولم لا أغالى بالضّياع وقد دنا ... علىّ مداها واستقام اعوجاجها
إذا كان لى ترييعها واغتلالها ... وكان عليك عشرها وخراجها (٣)
فأمر له بالمال الذى يشترى تلك الضيعة به (٤). وكلما تقدمنا مع البحترى فى الزمن بعد المتوكل زادت ضياعه، وقد وصلته من المعتز ضياع وأموال كثيرة، وهو مع ذلك لا يزال يلحّ عليه بالطلب حتى ليستهديه خاتم ياقوت ويهديه إليه (٥). وكان المعتز قد أهدى إلى ابنه عبد الله إقطاعا جاوره البحترى فى بعضه، وكأنه لم يكتف بما صار فى يده، فقد مضى يسأل عبد الله أن يهب له من إقطاعه الضيعة التى تجاوره، وتشفّع إليه بأبيه وصنع فى ذلك أشعارا، منها قوله للمعتز:
يا واحد الخلفاء غير مدافع ... كرما وأحسنهم ندى وصنيعا
فاتجه إلى ابنه عبد الله قائلا له: اقض حاجة البحترى، فوهبها له (٦).
وتظل عنده شهوة تملك الضياع والإقطاعات؛ إذ نراه يطلب من صاعد بن مخلد إقطاعا (٧) ومن ابنه أبى صالح ضيعة (٨) ومن سليمان بن عبد الله بن طاهر حين أصبح حاكما لبغداد إقطاعا (٩). ويكثر عنده أن يسأل ممدوحيه أفراسا (١٠) وسيوفا (١١)
стр. 1755
وشرابا (١) وثيابا (٢) وغلمانا (٣). وبذلك نستطيع أن نوفق بين شحّه وما يقال من أنه كان يمشى فى موكب من غلمانه (٤)، فقد كانوا جميعا هبات من ممدوحيه، وخصّ نسيما من بينهم بغزل كثير، وكان قد أهداه إليه محمد (٥) بن عيسى القمى كاتب أبى سعيد الثغرى، وفى الأغانى «أن البحترى جعله بابا من أبواب الحيل على الناس فكان يبيعه ويتعمد أن يصيّره إلى ملك بعض أهل المروءات ومن ينفق عنده الأدب، فإذا حصل فى ملكه شبّب به وتشوّقه ومدح مولاه حتى يهبه له، ولم يزل ذلك دأبه حتى مات نسيم فكفى الناس أمره» (٦). وقد يكون أبو الفرج مبالغا فى ذلك، فإنه لم يثبت أن أحدا اشتراه سوى إبراهيم بن الحسن بن سهل، وقد مدحه بأشعار كثيرة يصور فيها ندمه، فرده عليه (٧)، ولعل فى ذلك كله ما يصور مدى ثراء البحترى من جانب وشدة طمعه من جانب آخر، وقد ظلّ يلحف فى سؤال العطاء والضياع فكان طبيعيّا أن يلفت إليه أنظار معاصريه، وحتى الخراج أو عشر الثمار كان ما ينى يحتال فى التخلص منه بالتضرع إلى وزير أن يدفعه عنه أو إلى كاتب كبير مثل إبراهيم بن المدبر. ويفكر فى الإفادة من أحمد بن طولون -كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-فيمدحه لسنة ٢٦٩ ويمدح بعض كتابه وقواده مثل عفاص ويونس بن بغا وجعفر بن عبد الغفار ومحمد بن العباس الكلابى.
ويتوفّى ويخلقه ابنه أبو الجيش خمارويه لسنة ٢٧٠ وترى البحترى فى بعض قصيده (٨) يجمع بين مديحه ومديح أبى الصقر إسماعيل بن بلبل وزير المعتمد.
وفى سنة ٢٧٢ يغضب الموفق على صاعد كاتبه ويقبض عليه وعلى ابنيه أبى عيسى العلاء وأبى صالح وعلى أخيه عبدون ويصادر جميع أموالهم وأسبابهم (٩)، ويتوفّى أبو عيسى العلاء فى الحبس بعد ثلاثة عشر يوما ويكتئب البحترى، ويرثيه بقصيدة يقول فيها (١٠):