بكى المنبر الشرقىّ إذ خار فوقه ... على الناس ثور قد تدلّت غباغبه (١)
فكيف رأيت الحقّ قرّ قراره ... وكيف رأيت الظلم آلت عواقبه
وكان المعتز من أقرب الخلفاء إلى نفسه، فأكثر من مديحه ووصف قصوره وتسجيل الأحداث لزمنه، ومدح معه ابنه عبد الله وتوثقت بينهما الصداقة، ومما سجله من الأحداث لعهده وعهد المستعين قتل القائد التركى أتامش وكاتبه شجاع (٢) لسنة ٢٤٩ وقتل بغا الشرابى (٣) قاتل المتوكل لسنة ٢٥٤ ونراه يمدح القائد التركى وصيفا (٤) الكبير وابنه صالحا (٥) ويكرر حينئذ تشوقه إلى وطنه، ويستأذن مرارا فى الإلمام به. ويكثر من مديح الشاه ابن ميكال قائد المستعين ووزيره أبى صالح محمد بن يزداد وابنه عبيد الله وأخيه القاسم. ويضطر قواد الترك المعتزّ إلى خلع نفسه فى سنة ٢٥٥ ويتولى المهتدى بعده الخلافة لنحو عام واحد، ويغدو إليه ويروح بقصائده مصورا تقاه وزهده وانصرافه عن الملاهى ومتاع الحياة الزائل ونشره للعدل فى ربوع دولته وإذلال جيوشه للروم ونزولهم على إرادته صاغرين. وسرعان ما ثار عليه الأتراك وخلعوه وولوا بعده المعتمد، وهو آخر الخلفاء الذين مدحهم البحترى، وكان الخليفة الحقيقى لعهده أخاه الموفق، وكان حازما شجاعا واسع التدبير، وهو الذى قضى على ثورة الزنج وهزم يعقوب الصفار الثائر بإيران هزيمة ساحقة. ويصور البحترى فى مديحه للمعتمد بأس جيوشه وانتصاراتها الحربية، ويصف القصر الذى احتفل ببنائه وسماه المعشوق ونوّه به، وله قصيدة رائعة يهنئ فيها الموفق بقمعه لثورة الزنج، وفيها يخاطبه بقوله (٦):
أخذت بوتر الدين مثنى وظفّرت ... يداك فلم يفلت عدوّ تطالبه
ولم يترك حينئذ وزيرا ولا كاتبا كبيرا إلا ويمدحه ويأخذ جوائزه، وكان المعتمد استوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان الذى وزر قديما لأبيه المتوكل، فلزمه البحترى، وفكّر فى أن يرتجع منه الضياع الكثيرة التى كان المتوكل أقطعها إياه؛ فأكثر الشاعر من التوسل إليه، حتى يتركها له. وقصيدته (٧):
стр. 1752
أمرتجع منى حباء خلائف ... توليت تسيير المديح لهم وحدى
تصور جزعه المفرط، ويتوفّى عبيد الله سنة ٢٦٣ ويخلفه الحسن بن مخلد، فيمدحه بقصائد مختلفة شاكيا ضارعا، فيجعل أمره إلى كاتبه السّيبى، ولا يسارع إلى استرضائه، فيشكوه إلى ابن مخلد بحائيته (١):
لك الخلائق فينا السهلة السّمح ... والنّيل يسلس للرّاجى وينسرح
ولا يكاد يسمعها الحسن حتى يبلغ بالبحترى ما يريد، ويزيل المطالبة عنه.
ويترك الحسن الوزارة سريعا ويتولاها سليمان بن وهب الذى استوزره المهتدى من قبل، ويقدم إليه البحترى مدائحه، ويعصف به الموفق فى سنة ٢٦٥ فيحبسه ويصادر أمواله. ويخلفه على الوزارة أحمد بن صالح بن شيرزاد لمدة شهر واحد، وللبحترى فيه مدائح مختلفة، ويلى الوزارة بعده أبو الصقر إسماعيل بن بلبل بينما يلى الكتابة للموفق صاعد بن مخلد، ويكثر البحترى من مديح ابن بلبل، ويهجو له فى بعض مديحه ابن شيرزاد الذى طالما مدحه، ويمدح كاتبه جرادة على حين يذم كاتبا آخر كان نصرانيّا يسمى إسرائيل، ويلحّ على ابن بلبل فى قصائد كثيرة أن يأذن له بالرحيل إلى موطنه بمثل قوله (٢):
وأعتقت الرّقاب فمر بعتقى ... إلى بلدى وأنت به جدير
وأكثر حينئذ من مديح صاعد بن مخلد كاتب الموفق، وكان من وجوه النصارى، وحين استكتبه الموفق أعلن إسلامه وله فيه وفى أخيه عبدون الراهب وابنه أبى عيسى العلاء مدائح كثيرة. وكان أبو عيسى مثقفا ثقافة واسعة بعلم الفلك، مما جعل البحترى يكثر له فى إحدى مدائحه من ذكر النجوم (٣). ومن كبار الكتّاب الذين مدحهم حينئذ أبو العباس أحمد بن ثوابة صاحب ديوان الرسائل. وفى أثناء ذلك كان يمدح كثيرين من العمال والولاة وأصحاب الخراج والكتّاب والقواد مثل وصيف الصغير وأذكوتكين والهيثم بن عبد الله التغلبى والى الموصل وأحمد بن محمد بن بسطام والى الشام وسيما الطويل والى حلب والعواصم ورافع بن هرثمة والى الرى
стр. 1753
وكتّاب الجبل وأنفذ إليهم ذات مرة غلامه نصرا ليطالبهم برسومه (١). وممن كان يمدحهم كثيرا أبو جعفر أحمد بن محمد الطائى والى الكوفة وآل نوبخت. وكان كثير الإلمام ببغداد، وعنى بمديح كثيرين من آل طاهر حكّامها كما مرّ بنا، كما مدح بعض أعيانها وعلمائها مثل عبد الله بن الحسين بن سعد القطرّبلى والمبرّد النحوى، ومدح عبيد الله بن خرداذبة الجغرافى صاحب البريد بناحية الجبل. ويبدو أن أصحاب الخراج عادوا يتعقبون البحترى ويطالبونه بخراج إقطاعاته الكثيرة، مما جعله يسأل ابن بلبل المعونة فى خراجه، كما يسأل المعتمد نفسه قائلا (٢):
أخشى الخراج وقد دعوت لعظمه ... ملك الملوك ورافد الرّفّاد
ومضى عمال الخراج يشقلون عليه، وهو كل يوم يمثل بين أيديهم شاكيا ملحّا فى أن يحطّوا عن كاهله ما يطلبونه منه، ولا يكاد يظفر بما يبتغى منهم، فيفكر فى مبارحة العراق، ويمدح ابن طولون صاحب مصر والشام حينئذ ويصرّح فى مديحه له بما فى نفسه قائلا (٣):
فأصبحت فى بغداد لا الظلّ واسع ... ولا العيش غضّ فى غضارته رطب
أأمدح عمّال الطّساسيج راغبا ... إليهم ولى بالشام مستمتع رغب (٤)
وكل شئ يؤكد أن البحترى كان قد أثرى ثراء فاحشا منذ عصر المتوكل، فإنه نثر عليه أموالا جمة وإقطاعات عديدة، بالإضافة إلى ما أغدق عليه الفتح بن خاقان وغيره من رجال الدواوين، وخاصة آل المدبر وفى مقدمتهم إبراهيم، وكان هو وأخوه أحمد من كبار الموظفين فى دواوين الخراج والضياع، ويقول الصولى إنه كان يوجب على إبراهيم فى كل سنة أن يسقط أكثر خراجه أو يؤديه عنه، وإنه استماحه مرة لشراء ضيعة فلامه لكثرة ضياعه، وقال له: تكفيك ضياعك فقد
стр. 1754
كثرت وعظمت، غير أن البحترى تمادى فى إلحاحه عليه، وأنشده قصيدته التى يقول فيها (١):
وما زالت العيس المراسيل تنبرى ... فيقضى لدى آل المدبّر حاجها (٢)
ولم لا أغالى بالضّياع وقد دنا ... علىّ مداها واستقام اعوجاجها
إذا كان لى ترييعها واغتلالها ... وكان عليك عشرها وخراجها (٣)
فأمر له بالمال الذى يشترى تلك الضيعة به (٤). وكلما تقدمنا مع البحترى فى الزمن بعد المتوكل زادت ضياعه، وقد وصلته من المعتز ضياع وأموال كثيرة، وهو مع ذلك لا يزال يلحّ عليه بالطلب حتى ليستهديه خاتم ياقوت ويهديه إليه (٥). وكان المعتز قد أهدى إلى ابنه عبد الله إقطاعا جاوره البحترى فى بعضه، وكأنه لم يكتف بما صار فى يده، فقد مضى يسأل عبد الله أن يهب له من إقطاعه الضيعة التى تجاوره، وتشفّع إليه بأبيه وصنع فى ذلك أشعارا، منها قوله للمعتز:
يا واحد الخلفاء غير مدافع ... كرما وأحسنهم ندى وصنيعا
فاتجه إلى ابنه عبد الله قائلا له: اقض حاجة البحترى، فوهبها له (٦).
وتظل عنده شهوة تملك الضياع والإقطاعات؛ إذ نراه يطلب من صاعد بن مخلد إقطاعا (٧) ومن ابنه أبى صالح ضيعة (٨) ومن سليمان بن عبد الله بن طاهر حين أصبح حاكما لبغداد إقطاعا (٩). ويكثر عنده أن يسأل ممدوحيه أفراسا (١٠) وسيوفا (١١)
стр. 1755
وشرابا (١) وثيابا (٢) وغلمانا (٣). وبذلك نستطيع أن نوفق بين شحّه وما يقال من أنه كان يمشى فى موكب من غلمانه (٤)، فقد كانوا جميعا هبات من ممدوحيه، وخصّ نسيما من بينهم بغزل كثير، وكان قد أهداه إليه محمد (٥) بن عيسى القمى كاتب أبى سعيد الثغرى، وفى الأغانى «أن البحترى جعله بابا من أبواب الحيل على الناس فكان يبيعه ويتعمد أن يصيّره إلى ملك بعض أهل المروءات ومن ينفق عنده الأدب، فإذا حصل فى ملكه شبّب به وتشوّقه ومدح مولاه حتى يهبه له، ولم يزل ذلك دأبه حتى مات نسيم فكفى الناس أمره» (٦). وقد يكون أبو الفرج مبالغا فى ذلك، فإنه لم يثبت أن أحدا اشتراه سوى إبراهيم بن الحسن بن سهل، وقد مدحه بأشعار كثيرة يصور فيها ندمه، فرده عليه (٧)، ولعل فى ذلك كله ما يصور مدى ثراء البحترى من جانب وشدة طمعه من جانب آخر، وقد ظلّ يلحف فى سؤال العطاء والضياع فكان طبيعيّا أن يلفت إليه أنظار معاصريه، وحتى الخراج أو عشر الثمار كان ما ينى يحتال فى التخلص منه بالتضرع إلى وزير أن يدفعه عنه أو إلى كاتب كبير مثل إبراهيم بن المدبر. ويفكر فى الإفادة من أحمد بن طولون -كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-فيمدحه لسنة ٢٦٩ ويمدح بعض كتابه وقواده مثل عفاص ويونس بن بغا وجعفر بن عبد الغفار ومحمد بن العباس الكلابى.
ويتوفّى ويخلقه ابنه أبو الجيش خمارويه لسنة ٢٧٠ وترى البحترى فى بعض قصيده (٨) يجمع بين مديحه ومديح أبى الصقر إسماعيل بن بلبل وزير المعتمد.
وفى سنة ٢٧٢ يغضب الموفق على صاعد كاتبه ويقبض عليه وعلى ابنيه أبى عيسى العلاء وأبى صالح وعلى أخيه عبدون ويصادر جميع أموالهم وأسبابهم (٩)، ويتوفّى أبو عيسى العلاء فى الحبس بعد ثلاثة عشر يوما ويكتئب البحترى، ويرثيه بقصيدة يقول فيها (١٠):
стр. 1756
ولم أر كالدنيا حليلة وامق ... محبّ متى تحسن بعينيه تطلق
تراها عيانا وهى صنعة واحد ... فتحسبها صنعى لطيف وأخرق
وحين سمع بعض خصومه البيتين شنّعوا عليه بأنه ثنوى يؤمن بإلهى النور والظلمة، وشاع ذلك فى عامة بغداد وكانت غالبة عليها حينئذ، فخافهم البحترى على نفسه وخرج إلى منبج. ويبدو أن إقامته بها لم تطل وأنه عاد منها إلى سامراء وبغداد بعد حين إذ يحكى الصولى أن أول ما رأى البحترى سنة ٢٧٦ بمجلس المبرد فى مسجده ببغداد. ونظن ظنّا أن رحلاته إلى العراق لم تنقطع إلا بعد قبض الموفق على صديقه إسماعيل بن بلبل سنة ٢٧٧ وكأنما كانت هذه الحادثة سببا فى أن يصمم على مبارحة العراق إلى الأبد. وربما ولّى وجهه حينئذ نحو مصر وصاحبها خمارويه (١). ويبدو أنه كان يلقاه فى رحلاته بالشام، ثم مدّها إلى مصر للقائه.
ويؤكد نزوله بها كثرة مدائحه لكاتب خمارويه إسحق بن نصير. غير أنه كانت علته كبرة فلم يقم بمصر طويلا وعاد إلى منبج، وظل بها سنواته الأخيرة حتى لبّى نداء ربه لعام ٢٨٤.
وكان البحترى يأخذ بحظوظ مختلفة من الثقافة الإسلامية والعربية فى عصره، وليس معنى ذلك أنه تخصص فى أحد فروعها، ولكنه كان يلم بها، إذ كانت حلقاتها مفتوحة للصادر والوارد فى جميع أنحاء العالم العربى حينئذ، ويرمز إلى ذلك فى شعره أننا نراه فيه يعرض لبعض اصطلاحات علم الحديث، إذ يقول فى مديحه لإبراهيم بن الحسن بن سهل (٢):
خلق أتيت بفضله وسنائه ... طبعا فجاء كأنه مصنوع
وحديث مجد عنك أفرط حسنه ... حتى ظننّا أنه موضوع
وفى ذلك ما يؤكد صلته بالدراسات الإسلامية لعصره من حديث نبوى وتفسير وفقه، وبالمثل كان على صلة بالدراسات العربية من تاريخية ولغوية ونحوية، وهذا طبيعى لأنه أعد نفسه ليكون شاعرا مرموقا، فكان لا بد له أن يتزوّد من اللغة ومن
стр. 1757
النحو ومن التاريخ العربى الإسلامى، ونراه فى بعض شعره يعرض لعالم لغوى فى عصره هو الفضل بن محمد اليزيدى، رآه يزرى على جميل وكثيّر، فيقول إنه لا علم له بالشعر، وكل علمه إنما هو التعمق فى الفاعل والمفعول (١).
وكان لا يبارى فى ثقافته بالشعر، مما جعله يضع فيه ديوان حماسة مشاكلة ومشابهة لأستاذه أبى تمام فى حماسته المشهورة، ويقول ابن النديم إن له كتابا ثانيا فى معانى الشعر، غير أن هذا الكتاب سقط من يد الزمن. والكتاب الأول كاف فى تصور إكبابه على الشعر القديم إكبابا منقطع النظير. وبالمثل كان يكبّ على دواوين الشعراء المحدثين، مما أتاح له ثقافة شعرية واسعة. ولكن هل نستطيع بذلك كله أن نقول إن البحترى كان مثقفا بالثقافة الحديثة لعصره وما يتصل بها من علوم الأوائل؟ حقّا له قصيدة، كما أسلفنا، أكثر فيها من ذكر النجوم، ولكن هذا لا يعنى أنه كان ملمّا بعلم الفلك والنجوم لعصره، فقد كان منصرفا عن هذا العلم وغيره من علوم الأوائل. وكان إذا ألم بها يلمّ من الظاهر إن صح هذا التعبير، فهو لا يتعمقها أو هو بعبارة أدق لا يستطيع أن بتعمقها إذ كانت نشأته نشأة بدوية كما لا حظ القدماء، وإن كان قد تحضّر فيما بعد، ولكنه ظل بعيدا عن الفقه بالثقافة الحديثة، وخاصة الثقافة الفلسفية والمنطقية.
وكانت قد أخذت تتكوّن فى النقد والبلاغة-كما أشرنا إلى ذلك فى غير هذا الموضع-ثلاث بيئات: بيئة محافظة مسرفة فى المحافظة ترى أن الشعر ينبغى ألا يقاس إلا بالمقاييس العربية الخالصة، وهى بيئة اللغويين، وبيئة مجددة مسرفة فى التجديد ترى أن يقاس الشعر بمقاييس البلاغة اليونانية، وهى بيئة المتفلسفة، ممن كانوا يترجمون عن اليونان أو يقرءون ما ترجم عنهم، وبيئة معتدلة، فهى لا تحافظ محافظة اللغويين ولا تجدد تجديد المتفلسفة، بل تقف موقفا وسطا، فهى تقرأ ما يترجم وهى تنظر فيما أثر عن العرب من ملاحظات بلاغية، ثم تحاول أن تنفذ من ذلك إلى مقاييس للبلاغة العربية تزنها موازين دقيقة، وهى بيئة المتكلمين، على نحو ما نعرف عن الجاحظ فى كتابه البيان والتبيين، وانحاز الشعراء غالبا إلى البيئتين المحافظة والمعتدلة، وقلما انحاز أحد منهم إلى البيئة الثالثة
стр. 1758
لأنها كانت تجافى الذوق العربى. غير أن هذه البيئة أخذت تشنّ حسلات شعواء على بيئة المحافظين وخاصة على ممثلها البحترى الذى لم يكن يتقن الثقافة الفلسفية، ونرى بعض من يمثلون البيئة المعتدلة ينضمون إلى هذه الحملة بعامل المنافسة بينهم وبين البحترى وفى مقدمتهم ابن الرومى. وكانت قد ساءت العلاقة بين البحترى وعبيد الله بن عبد الله بن طاهر صاحب شرطة بغداد، ونظن ذلك حدث فى بعض فترات عزله عن وظيفته، وسارع البحترى فلمّح إليه فى بعض شعره بما يشبه الذم، وردّ عليه عبيد الله يمدّه صديقه ابن الرومى بأشعار ملتهبة، ويبدو أنهما ندّدا بضعف ثقافة البحترى وأنه لا يعرف فلسفة ولا منطقا، مما جعله يهجو عبيد الله ببائية يقول فيها (١):
كلّفتمونا حدود منطقكم ... والشعر يغنى عن صدقه كذبه
ولم يكن ذو القروح يلهج بال ... منطق ما نوعه وما سببه
والشّعز لمح تكفى إشارته ... وليس بالهذر طوّلت خطبه
وحقا لم يكن امرؤ القيس الملقّب بذى القروح يعرف فلسفة ولا منطقا لا لأنه صدّ عن ذلك، ولكن لأن عصره كله لم يكن يعرفهما، ولو أنه تأخر به الزمن إلى عصر البحترى لعكف على الفلسفة والمنطق كما عكف ابن الرومى وأضرابه وغذّى بهما شاعريته غذاء رفيعا. وهو يلمّح فى الشطر الأخير إلى ابن الرومى وما اشهر به من مطولات شعره.
وقد ساعد الذوق المحافظ الذى ساد فى العصر كما أشرنا الى ذلك؟ ؟ ؟ مرارا-إلى أن ترجح كفّة البحترى المحافظ كفّة ابن الرومى المجدد، وأن يقف فى صفّه لا علماء اللغة وحدهم من أمثال المبرد بل كثرة كثيرة من الشعراء، على حين كان ابن الرومى يعيش لعصره فيما يشبه عزلة من معاصريه مع تفوقه على زميله تفوقا واضحا بملكاته الشعرية الخصبة، ولكنه لم يكن يحتفظ للشعر بصياغته الموروثة وتقاليدها على نحو ما يحتفظ البحترى، فوقع بعيدا عن ذوق الكثرة الغالبة من الشعراء والنقاد.
стр. 1759
وليس معنى ذلك أن البحترى انفصل تماما عن روح العصر، فقد كان يلائم بين شعره وبين تلك الروح عن طريق ثقافة واسعة بشعر أستاذه أبى تمام وشعر من سبقوه. . . أمثال مسلم وأبى نواس وبشار، المرة تلو المرة، والمرات تلو المرات، حتى أصبح ذلك جزءا لا يتجزأ من جوهر شعره، ولذلك نعته معاصروه طويلا بأنه يغير على أشعار من سبقوه فيسلبها لنفسه، وفى ذلك يقول ابن الرومى لأبى عيسى العلاء بن صاعد حين نشر الأمن فى ربوع بغداد (١):
أيسرق البحترىّ الناس شعرهم ... جهرا وأنت نكال الّلصّ ذى الرّيب
وأهم ديوان ألحّ على تمثله ديوان أستاذه أبى تمام، ولا حظ ذلك كله القدماء فأفردوا سرقاته بالبحث، وكان أول من عنى بذلك عنده معاصره أحمد بن أبى طاهر؛ إذ استخرج له ستمائة بيت ردها إلى أصولها عند الشعراء وخاصة عند أبى تمام، وقد بلغ ما سلبه منه فى رأى ابن أبى طاهر مائة بيت. وتلاه بشر بن تميم بمصنف ذكر فيه سرقاته من أبى تمام، وعليه اعتمد الآمدى فى الفصل الذى عقده لهذا الجانب من سرقات البحترى. وفى رأينا أنه استطاع بذلك أن يتلافى نقص ثقافته الحديثة، فقد خالط الشعراء المحدثين وخاصة أبا تمام مخالطة نادرة، بحيث تمثل المعانى والأخيلة الحديثة، بل قل بحيث استخلصها لنفسه، وأخذ يصدر عنها كما يصدر الضوء عن الشمس والشذى عن الزهرة. وحقّا أنه يوجد بون بعيد بين عرض هذه الأخيلة والمعانى عنده وعند أبى تمام، فقد كان أبو تمام يغمس أفكاره وأشعاره فى ليقة المنطق، فإذا القصيدة عنده توشك أن تتحقق فيها الوحدة العضوية، فالمعانى والصور يتولد بعضها من بعض ولا خنادق ولا ممرات بين الأبيات، على حين تكثر هذه الممرات والخنادق عند البحترى، ولا حظ ذلك القدماء فقالوا إنه لا يحسن الخروج من موضوع إلى موضوع فى الشعر (٢)، لسبب بسيط وهو أنه لم يكن يخضع فى شعره للمنطق على نحو ما صرّح بذلك آنفا. وظاهرة ثانية هى أنه جارى أستاذه فى
стр. 1760
الاحتفال بألوان البديع واستظهارها فى أشعاره، ولكن حين نقرن أى لون عنده إلى أصله عند أبى تمام سنجد مفارق واسعة، فأبو تمام مثلا يجنح إلى استخدام نوافر الأضداد فى أسعاره كما مر بنا فى كتاب العصر العباسى الأول، ولم يكن البحترى يستطيع أن يتعمق هذا التعمق ولذلك نراه يكتفى بالطباق بحيث إذا ذكر الوصل مثلا ذكر معه الهجر، وإذا ذكر الذل ذكر معه الكبر، وإذا ذكرت السهولة ذكرت معها الوعورة، وإذا ذكرت الحرية ذكرت معها العبودية. ولون آخر يتعمقه أبو تمام هو الاستعارة على نحو ما مر بنا أيضا فى حديثنا عن العصر العباسى الأول، ولم يكن البحترى يتعمق هذا اللون تعمقا من شأنه أن يبعده عن الذوق القديم، ولذلك كله قال النقاد إنه يحافظ على عمود الشعر العربى (١)، يريدون محافظته على أصوله الموروثة، ومن تتمة ذلك عنده أنه لم يكن يكثر من ألوان البديع إكثار أبى تمام، ولا كان يستطيع أن يتغلغل فى دقائق الفكر والأخيلة على نحو ما كان يتغلغل أبو تمام بحكم ثقافته الفلسفية ومواردها التى لا تنضب فى أشعاره، ولذلك كان يشيع فى أشعاره الغموض، مما جعل القدماء يختلفون فى فهم كثير من أبياته وتفسيرها وتأويلها، لكثرة ما توحى به من معان، وهو اختلاف لا يضيع منك هباء، بل إنك تجد فى أثنائه ما يشبه أقواس قزح ممتدة فى أشعاره، وهى أقواس بهيجة، تزهى بالفكر العميق والخيال الواهم البعيد.
ولكن إذا كان البحترى لم يستطع أن يحقق لنفسه هذا المدى الرائع من الشعر والفن، بسبب ضعف ثقافته الفلسفية، فإنه استطاع أن يحقق لنفسه مدى مقابلا لا يقل روعة، وهو مدى الجمال الصوتى البديع، بحيث استطاع أن يرتفع باصطفاء الكلمات والملاءمة بينها فى الجرس! بل بين حروفها وحركاتها ملاءمة رفعته إلى مرتبة موسيقية لم يلحقه فيها سابق ولا لا حق، وكأنما كانت له أذن داخلية مرهفة، تقيس كل حرف وكل حركة وكل ذبذبة صوتية، فإذا به ينظم شعرا مصفى مروّقا، شعرا يلذ الألسنة والآذان والأذهان لذة لا تعادلها لذة. وقد وقفنا طويلا عند هذا الجانب فى الفصل الثانى من كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» وأوضحنا مدى مشاكلته بين أصوات الألفاظ والقوافى فى بعض القصائد وموضوعاتها كما أوضحنا
стр. 1761
مدى التوافق الصوتى عنده بين الحروف والكلمات والحركات والسكنات، وكأنما أعطت الموسيقى الشعرية كل مفاتيحها وكل أسرارها للبحترى، فإذا هو يوقع على قيثارته أروع ألحان عرفتها العربية (١). وبذلك استطاع أن يتلافى بقوة قصوره الثقافى.
فإذا هو يوضع على قدم المساواة مع أبى تمام، وإذا النقاد يتقابلون فى صفّين:
صفّ يرفع أبا تمام إلى الذروة، وهم المتفلسفة ومن يعنون بالتعمق فى المعانى والأخيلة.
وصف يرفع البحترى إلى نفس المرتبة، وهم أصحاب الآذان المرهفة الذين يكبرون اللذة الصوتية، وكان ينضم إليهم طوائف من المحافظين واللغويين، وكان البحترى نفسه إذا سئل عنه وعن أبى تمام قال: جيده خير من جيدى ورديئى خير من رديئه، وهو يريد بجيد أبى تمام معانيه وأخيلته الدقيقة التى لم يكن أحد من أهل زمانه يستطيع أن يحلق فى آفاقها، أما رديئه فيريد به بعض أبياته التى يضطرب فيها اللفظ لأنه لم يكن يعنى بألفاظه وأصواته عناية البحترى:
والمديح أهم موضوع استنفد شعر البحترى، فقد عاش، كما مرّ بنا، يمدح الخلفاء العباسيين من المتوكل إلى المعتضد ووزراءهم وولاتهم وقوادهم وكتّابهم، وكأنما وقف نفسه على الإشادة بالدولة ورجالاتها، بحيث يعدّ الشاعر الرسمى لها، وكان طبيعيا لذلك أن ينتصر للعباسيين ضد خصومهم العلويين، وأن يتغنى بذلك فى أشعاره، حتى يثبت ولاءه لهم وأنه يقف فى صفوفهم مدافعا عنهم مناضلا بمثل قوله للمتوكل (٢):
شرفا بنى العباس إن أباكم ... عمّ النبىّ وعيصه المتفرّع
إن الفضيلة للذى استسقى به ... عمر وشفّع إذ غدا يستشفع
وأرى الخلافة وهى أعظم رتبة ... حقّا لكم ووراثة ما تنزع
أعطاكموها الله عن علم بكم ... والله يعطى من يشاء ويمنع
فالعباس جد العباسيين وعم الرسول ﷺ من العيص ومنبت الشجر الضخم، يريد أنه من الأصول بينما على بن أبى طالب من الفروع، ويستدل على
стр. 1762
فضله بأن عمر استسقى به فى عام الرمادة حين أصاب الجزيرة القحط مستشفعا به لربه، ولم يستسق بابن أبى طالب، ويشير إلى حكم الميراث فى الإسلام وما فرضه من حجب العم لابن أخيه، فالخلافة حق من حقوق العباسيين، كما تقرر ذلك الشريعة الإسلامية، وليس لأبناء على وحفدته أى حق فى منازعتهم.
ويكرر البحترى فى مديحه للمتوكل وغيره من الخلفاء العباسيين تقواهم، وعدلهم الذى ينشرونه فى ربوع الدولة، ومدى رعايتهم للأمة ورفقهم بها ورقتهم لها وكيف يقومون على حمايتها بجنودهم وجموعهم الجرّارة. وكان ينتهز كل فرصة ليدبج قصائده فيهم، فمن ذلك قصيدته فى وصف موكب المتوكل فى أثناء خروجه لأداء الصلاة فى عيد الفطر، وقد صوّر فى فاتحتها قوة الإسلام حينئذ مجسمة فى جيش ضخم كان يحفّ بالمتوكل وكأنه جبال تتحرك، فترجف الأرض وتهتز لضخامته وعدده الكثيفة، ويتحدث عن جلال الموكب وما استدار حول المتوكل من هالات قدسية ومن محبة للشعب وإعظام، يقول (١):
افتنّ فيك الناظرون فإصبع ... يومى إليك بها وعين تنظر
يجدون رويتك التى فازوا بها ... من أنعم الله التى لا تكفر
ذكروا بطلعتك النبىّ فهلّلوا ... لما طلعت من الصفوف وكبّروا
حتى انتهيت إلى المصلّى لابسا ... نور الهدى يبدو عليك ويظهر
فلو انّ مشتاقا تكلف فوق ما ... فى وسعه لسعى إليك المنبر
ولعل أهم وزير استصفاه لنفسه الفتح بن خاقان، فله ألف ديوانه الحماسة، وقد عاش نحو خمسة عشر عاما يمدحه منوها بسياسته وحزمه وشجاعته وأناته فى تسديد الأمور، وعونه للضعيف ورده للمظالم ونشره للعدل الذى لا تصلح حياة الناس بدونه وبعد غوره ويقظته وكفايته لحمل أمانة الحكم على خير وجه ممكن، مع تقواه وتواضعه ومع صيانته للثغور وحطمه بجيوشه للثوار والأعداء حطما لا يبقى ولا يذر، ومع أخلاقه الرفيعة التى تتحلّى بها نفسه الأبية، وكان ربما بدر منه ما يجعل الفتح ينصرف عنه. فكان يعتذر له بأشعار رائعة، سبق أن صورناها فى الفصل الماضى. ومديحه
стр. 1763
فيه يكتظ بعاطفة حقيقية، فقد كان يكنّ له ودّا وحبّا وإخلاصا، وكان ما بنى يتغنّى بمديحه، ومن طريف قوله فيه مصورا هيبته (١):
إذا ما مشى بين الصفوف تقاصرت ... رءوس الرّجال عن طوال سميدع (٢)
وإن سار كف اللحظ عن كل منظر ... سواه وغضّ الصوت عن كل مسمع
فلست ترى إلا إفاضة شاخص ... إليه بعين أو مشير بإصبع (٣)
ومرّ بنا أن أول نابه اتصل به وخصه بمديحه محمد بن يوسف الثغرى ممدوح أبى تمام الذى كان فى مقدمة من قعوا ثورة بابك الخرمى، كما كان فى مقدمة جيوش المعتصم فى غزوه لعمورية. وقد ظل ينازل الروم ويمحق جموعهم حتى وفاته سنة ٢٣٦. وقد سجل البحترى حروبه وانتصاراته القديمة والحديثة جميعا، مجسما بأس جيوشه. وكيف كانوا يتهافتون على الوغى كما يتهافت الفراش على النار، إنهم أبناء موت يطرحون أنفسهم تحت رحاه، فلا تطحنهم وإنما تطحن أعداءهم طحنا، وله فى تمجيد شجاعة محمد بن يوسف الثغرى أشعار وقصائد كثيرة، ومن طريف ماله فى تصوير رباطة قلبه وسكون نفسه فى الحرب قوله (٤):
لقد كان ذاك الجأش جأش مسالم ... على أن ذاك الزّىّ زىّ محارب
تسرّع حتى قال من شهد الوغى ... لقاء أعاد أم لقاء حبائب
وصاعقة فى كفّه ينكفى بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب
فجأشه مطمئنّ ونفسه هادئة، حتى ليظن من يراه أنه فى سلم وأمن ودعة مع أن الزى زى محارب باسل. وإنه ليقبل على ميادين الحرب إقبال المحب على الحصى؟ ؟ ؟ معشوقته هانئا مغتبطا، وإن السيف فى يده ليشبه أدق الشبه صاعقة تسقط على الأعداء بشواظها من أصابعه الحمس، وكأنها خمس سحائب مائتى ترسل عليهم الصواعق المدمرة. والبطل الثانى فى ديوان البحترى هو أحمد بن دينار، وقد سجّل بطولته فى معركة بحرية دمّر فيها بأسطوله الأسطول البيزنطى تدميرا ذريعا، ومن عجب أن الطبرى وغيره من مؤرخى العرب لم يدونوا هذه المعركة الخطيرة،
стр. 1764
ولا أشاروا إليها، والمظنون أنها كانت لعهد المتوكل، ولعل فى تسجيل البحترى لها ما يؤكد ما قلناه مرارا من أن شعر المديح عند العرب يعدّ فى بعض جوانبه وثائق تاريخية مهمة، وفيها يقول البحترى مصورا زحف ابن دينار بمركبه «الميمون» ومن حوله المراكب تغص بجنوده البحريين الذين محقوا الأسطول البيزنطى وجنوده محقّا (١):
غدوت على الميمون صبحا وإنما ... غدا المركب الميمون تحت المظفّر
وحولك ركّابون للهول عاقروا ... كئوس الردى من دارعين وحسّر (٢)
صدمت بهم صهب العثانين دونهم ... ضراب كإيقاد اللّظى المتسعّر (٣)
يسوقون أسطولا كأن سفينه ... سحائب صيف من جهام وممطر (٤)
فما رمت حتى أجلت الحرب عن طلّى ... مقطّعة فيهم وهام مطيّر (٥)
وكل شئ يشهد بأن الشعر كان لا يستصعب على البحترى، فقد كان يتدفق على لسانه تدفقا، ومع ذلك يقال إنه نقل كثيرا من مدائحه، حتى ليبلغ ذلك عشرين قصيدة، إلى مدح أناس جدد (٦). وقد يكون فى ذلك مبالغة، على أننا نجد فى الديوان رائية مرددة بين أبى الصقر إسماعيل بن بلبل، والخضر بن أحمد والى الموصل، واختلفت لذلك رواية بعض أبياتها (٧). ويدخل فى هذه الظاهرة عند البحترى ما قيل من أنه هجا كثيرين ممن مدحهم، حتى ليبلغ بهم بعض الرواة أربعين شخصا (٨)، وقد عرضنا لذلك فى غير هذا الموضع، ولا شك فى أن فى العدد مبالغة.
وفى ديوانه أهاج مختلفة ترجع إما إلى حرمانه من جائزة، وإما إلى كفران صنيعة عند بعض معاصريه، وإما إلى منافسة بينه وبين الشعراء وخاصة من كان منهم
стр. 1765
يتعرض لشعره بالذم والنقد اللاذع. ويلاحظ أبو الفرج الأصبهانى فى ترجمته أن بضاعته من هذا الفن قليلة، ويروى عن ابنه أبى الغوث أن السبب فى ذلك أن أباه أحرق هجاءه فى الناس خوفا من مغبة عداوتهم له ولأبنائه، وكأن هذه الرواية لم تعجب أبا الفرج، فقد عاد يؤكد أن أكثر هجائه ساقط غث الألفاظ ركيك لا يشاكل طبعه ولا يليق بمذهبه (١).
وبالمثل الفخر عند البحترى ضعيف، هو حقّا يفخر فى بعض قصائده بآله وعشيرته بحتر وقبيلته طيئ ناعتا لهم بالكرم والشجاعة والكثرة والحصافة، ولكنه لا يصدر فى ذلك عن إيمان قوى بالمجد، وكأنما كانت عصبيته القبلية ضعيفة، بل لقد كان إحساسه بعروبته أيضا ضعيفا، ومرت بنا فى الفصل السالف قصيدته فى إيوان كسرى وبكاؤه لأمجاد الفرس، وكأنما لم يكن يستشعر شيئا من الإحساس العميق بالأمجاد العربية فى مقابل الأمجاد الفارسية، ولعله من أجل ذلك كان كثيرا ما يسترسل فى إشادته بالأصول الفارسية لبعض ممدوحيه، على نحو ما يلقانا فى مديحه للحسن بن سهل بمناسبة عيد المهرجان، وله يتوجه بالخطاب قائلا (٢):
إن للمهرجان حقّا على ك ... ل كبير من فارس وصغير
عيد آبائك الملوك ذوى التّي ... جان أهل النّهى وأهل الخير (٣)
ويعدّد طائفة من هؤلاء الملوك فى مقدمتهم يزدجرد، وكسرى، وأردشير، ويصور ما كان لهم من أبهة الملك وما كانوا يغدون ويروحون فيه من السندس والحرير.
وحتى العاطفة الإسلامية بدورها نجدها ضعيفة عند البحترى، إذ امتدح كثيرين من النصارى على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع.
وذكرنا فى الفصل السالف مرثيته للمتوكل، وأوضحنا كيف أعلنها ثورة مدوية على قاتليه وولى العهد الذى ناصرهم، وقد استهلها بوصف قصر الجعفرى الذى قتل به الخليفة وما حلّ عليه من سواد وكآبة، حتى غدا كأنه مأتم كبير،
стр. 1766
ويصور فزع سيداته الجميلات حين علمن بالخبر الفاجع وكيف انتهكت حرماته ثم يصف القتل والقتلة وصفا مؤثرا. وله مرثية رائعة يرثى بها طائفة من بنى حميد الطوسى خرّوا صرعى فى ميادين الثغور دفاعا عن العرين العربى، وفيهم يقول (١):
قبور بأطراف الثّغور كأنما ... مواقعهم منها مواقع أنجم
مضوا يستلذّون المنايا حفيظة ... وحفظا لذاك السؤدد المتقدّم
وكلّهم أفضى إليه حمامه ... أميرا على تدبير جيش عرمرم (٢)
مساع عظام ليس يبلى جديدها ... وإن بليت منهم رمائم أعظم
والمرثية بكاء حار لهؤلاء الأبطال الذين استشهدوا تحت ظلال السيوف فداء لوطنهم بأرواحهم واستبسالا بعد أن أذاقوا الأعداء كئوس الموت دهاقا.
واشتهر البحترى بإجادته للغزل، ومرّ بنا أنه أحبّ فى شبابه علوة الحلبية وظلت ذكراها لا تبارحه، وظلت تستولى على قلبه، وكانت قد صبت إليه كما صبا إليها وبادلته ودا بود، ثم تزوجها الذفافى كما أسلفنا، فسلت عنه، ولكنه لم يسل عنها، وفى ديوانه مقطوعة يهجوها بها قد يكون نظمها فيها ساعة غضب انتابته، وإن كنا نظن ظنّا أنها منحولة عليه، فقد ظل قلبه لها فى سامرّاء وبغداد كما ارتحل عنها، فهو لا ينى يذكرها بمثل قوله فى مقدمة مدحه للمعتز (٣):
كم ليلة فيك بتّ أسهرها ... ولوعة فى هواك أضمرها
وحرقة والدموع تطفئها ... ثم يعود الجوى فيسعرها
يا علو علّ الزمان يعقبنا ... أيام وصل نظلّ نشكرها
وكأن السنوات الطويلة التى مضت بين حبه لها فى شبابه ومديحه للمعتز وهو فى نحو الخمسين من عمره لم تطفئ لوعته وحرقته، فقد ظلت نار شوقه وحبه
стр. 1767
لها مشتعلة بين جوانحه، وظل يصدر عنها فى قطع مفردة وفى مقدمات مدائحه من مثل قوله (١):
وخلاف الجميل قولك للذّا ... كر عهد الأحباب صبرا جميلا
لا تلمه على مواصلة الدّم ... ع فلؤم لؤم الخليل الخليلا
على ماء الدموع يخمد نارا ... من جوى الحبّ أو يبلّ غليلا
وكانت لدى البحترى قدرة بارعة فى وصف مظاهر العمران، بما أتيح له من دقة فى التصوير والتعبير، ولم يكد يترك قصرا بناه المتوكل دون أن يصفه موجزا أو مسهبا، وبالمثل وصف ما بناه الخلفاء بعده من قصور. ومرّ بنا وصفه الرائع لإيوان كسرى، ومن القصور التى أجاد فى وصفها قصر الكامل الذى بناه المعتز وفيه يقول (٢):
ذعر الحمام وقد ترنّم فوقه ... من منظر خطر المزلّة هائل (٣)
رفعت لمنخرق الرّياح سموكه ... وزهت عجائب حسنه المتخايل (٤)
وكأن حيطان الزجاج بجوّه ... لجج يمجن على جنوب سواحل
لبست من الذهب الصقيل سقوفه ... نورا يضئ على الظلام الحافل (٥)
وقد مضى يصف رخامه وخطوطه المتقابلة وما امتد أمامه من بستان أنيق وما يجرى فيه من مياه دجلة المفضضة ومن نسيم الصّبا الحانى. وكان القدماء يعجبون أشد الإعجاب بوصفه لبركة أقامها المتوكل بأحد قصوره فكانت فتنة للناظرين، وفيها يقول البحترى (٦):
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات إذا لاحت مغانيها (٧)
تنصب فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها
стр. 1768
كأنما الفضّة البيضاء سائلة ... من السبائك تجرى فى مجاريها
فرونق الشمس أحيانا يضاحكها ... وريّق الغيث أحيانا يباكيها
إذا النجوم تراءت فى جوانبها ... ليلا حسبت سماء ركّبت فيها
ويتحدث عن السمك المحصور فى البركة والصحن الممتد فى أسفلها والبهو الممتد فى أعاليها وتمثال الدّلفين الذى كان مقاما عليها، والبساتين والرياض التى تحف بها والأزهار التى تشبه ريش الطواويس فى تلاوينها العجيبة. ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور شاعرية البحترى الرائعة وكيف أنه استطاع أن يتلافى بملكاته الخصبة القصور فى ثقافته الحديثة، فإذا هو يملك من أدوات التعبير ما يستحيل به شعره إلى أنغام وألحان خالصة.
٣ - ابن الرومى
هو على (١) بن العباس بن جريج، ويبدو أن أول من أسلم من آبائه أبوه القريب العباس، وقد نشأ على الولاء لعبد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور العباسى. وكان يونانى الأصل كما يشهد بذلك اسم جده، ونراه فى شعره ينسب نفسه إلى اليونان مرارا وقد يسميهم الروم أحيانا من مثل قوله:
ونحن بنو اليونان قوم لنا حجى ... ومجد وعيدان صلاب المعاجم
стр. 1769
وقوله فى مواليه العباسيين:
مولاهم وغذىّ نعمتهم ... والرّوم-حين تنصّنى-أصلى
ولم تكن أمه رومية، بل كانت فارسية، وعلى نحو افتخاره بأصوله من الروم يفتخر بأصوله وخئولته من الفرس، حتى لينسب نفسه إلى ملوكهم الساسانيين، وهى نسبة لم يكن عليها حجاب، فكان كثير من الشعراء ذوى الأصول الفارسيّة يدّعونها، ومن فخره بنسبه العريق-فى رأيه-من قبل أبيه وأمه قوله:
كيف أغضى على الدنيّة والفر ... س خئولى والروم هم أعمامى
وقد ولد لأبويه ببغداد سنة ٢٢١ للهجرة نضوا ضئيلا نحيلا دميم الوجه تقتحمه العيون، وظل طوال حياته ينعى على نفسه دقة جسمه وضآلته وقبحه، وله فى ذلك أشعار كثيرة يصرح فيها بدمامته وما انضم إلى ذلك من صلعه الذى كان يأخذ معظم رأسه حتى اضطر ألا يخلع العمامة أبدا، وله مقطوعة يصور فيها صلعه وقبح وجهه، ونراه يختمها بقوله (١):
شغفت بالخرّد الحسان وما ... يصلح وجهى إلا لذى ورع
كى يعبد الله فى الفلاة ولا ... يشهد فيها مساجد الجمع
ويبدو أن أباه كان على شئ من اليسار، وحقّا توفى فى مطالع حياته، ولكن يظهر أنه ترك للأسرة ما يتيح لها على الأقل كفاف العيش. وكان له ابن آخر يسمى محمدا عمل فى الدواوين الحكومية، كما كانت له فتاة مائت قبل أمها، وابن الرومى فى نحو الخمسين من عمره. على كل حال مكّن يسار هذه الأسرة لابن الرومى أن يتجه إلى التعلم فالتحق ببعض الكتاتيب، وكانت تعنى بتحفيظ القرآن الكريم وتلقين الناشئة النحو وبعض الأشعار والخطب وشيئا من الحساب، فالتهم ذلك كله الصبى، ثم مضى يختلف إلى حلقات العلماء فى المساجد تارة يستمع إلى محمد بن حبيب الراوية المعروف أو إلى زميله ثعلب، وأخرى يستمع إلى بعض المحدّثين أو بعض الفقهاء أو بعض رواة التاريخ والأخبار. وكانت دار الحكمة التى عنى
стр. 1770
بها الرشيد والمأمون مدّ يده وعينه، وكانت تكتظ بكتب الفلسفة وعلوم الأوائل فانقض عليها انقضاضا يقرأ ويستوعب ويستسيغ ويتمثل تمثلا نادرا (١). وتكثر فى أشعاره الإشارة إلى حكماء اليونان الأقدمين، كما تكثر أسماء الكواكب والنجوم.
ومما لاريب فيه أنه كان-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-يعتنق الاعتزال.
ويذكر معاصروه أنه كان ضيق الصدر سريع التغير والانقلاب، وسنرى أثر ذلك فى أشعاره إذ كثيرا ما كان يضيق ببعض ممدوحيه فينقلب هاجيا لهم، ويذكر معاصروه أيضا أن من كان يلقاه يراه كالمتوجّس المذعور، وكأنما كان فى أعصابه شئ من الاختلال، ولعل ذلك هو الذى أعدّه لأن يصبح أكبر شاعر متطيّر فى عصره. وكان إذا روجع فى كثرة تطيّره احتج بقوله إن النبى ﷺ كان يحب الفأل ويكره الطيرة، أفتراه كان يتفاءل بالشئ ولا يتطيّر من ضده، ويقول إن عليّا لم يكن يغزو غزاة والقمر فى برج العقرب، وكان يزعم أن الطّيرة موجودة فى الطباع قائمة فيها (٢). ويقصّ معاصروه عن طيرته أخبارا كثيرة، من ذلك أنه أغلق باب داره ثلاثة أيام لما تصادف من أنه كان يصير إلى الباب والمفتاح معه فيضع عينه على ثقب فى خشب الباب فيرى جارا له أحدب كان نازلا بإزائه يقعد على الباب. فإذا نظر إليه رجع عن عزمه على الخروج وخلع ثيابه وقال لا يفتح أحد الباب (٣). وافتقده فى مجلسه بعض الأمراء، وكان يعلم حاله من الطيرة، فأرسل له غلاما يسمى إقبالا ليتفاءل به عند سماع اسمه، غير أنه لم يكد يعزم على المضى معه حتى بدا له اسمه معكوسا هكذا:
لا بقاء، فقال له امض إلى سيدك وأنبأه بما فى نفسه! . وأرسل له بعض الأصدقاء غلاما له يسمى حسنا، وكان حسن الوجه، طالبا إليه أن يزوره، فخرج معه، وإذا أمام داره دكان خياط درفتاه على هيئة اللام ألف، هكذا: لا، وحانت منه التفاتة فرأى تحت الدرفتين نوى تمر، فتطير، وقال إن هذا يشير إلى:
стр. 1771
أن «لا تمر» ورجع إلى داره ولم يذهب مع الغلام (١). ومن المؤكد أن هذه الأخبار وما يماثلها دخلتها مبالغة كثيرة، وقد يكون بعضها اختلق عليه اختلافا. ويتوقف القدماء عند قصيدة بائية مدح بها أبا العباس بن ثوابة الكاتب، وكان قد دعاه لزيارته فى سامرّاء، فتعلل على سبيل الفكاهة بتصوير مخاطر الرحلة إليها من بغداد برا وبحرا بمثل قوله (٢):
لقيت من البرّ التباريح بعد ما ... لقيت من البحر ابيضاض الذوائب
وقد مضى يصف دجلة وبلاء الركوب فيه متفكها، فأدخلوا ذلك فى باب طيرته، ولا طيرة ولا ما بشبه الطيرة. وليس معنى ذلك أننا نريد أن ننفى تطيره، إنما ننفى المبالغة فيه، أما بعد ذلك فقد كان ابن الرومى يتطير حقّا، واشتهر بالملك بين معاصريه، حتى لنرى الأخفش على بن سليمان النحوى، وكان قد هجاه، يقتصّ لنفسه منه، بأن يقرع عليه الباب فى الصباح، فإذا قال من القارع؟ أجابه بمثل مرّة بن حنظلة أو حرب بن مقاتل وغير ذلك من الأسماء التى تملؤه طيرة، فيحبس نفسه فى بيته، ولا يخرج يومه أجمع (٣).
وقد تفتحت موهبته الشعرية مبكرة، وهو لا يزال حدثا فى الكتّاب، إذ تروى له أبيات حينئذ فى هجاء غلام عباسى يسمى جعفرا كان زميلا له، وكأن ذلك كان إرهاصا بأن الهجاء سيغلب عليه طوال حياته. وقد مضى يتخذ الشعر -كلداته-حرفة يتكسب بها، فهو يعرضه على علية أهل بغداد، وكان طبيعيّا أن يعرضه على كبار الموظفين ورجال الدولة وفى مقدمتهم أبو العباس محمد بن طاهر حاكم بغداد منذ سنة ٢٣٧، وأسرة الطاهريين معروفة كان طاهر بن الحسين قائدا للمأمون وهو الذى قضى على ثورة الأمين، وكان ابنه عبد الله بن طاهر أميرا لخراسان وخلفه عليها ابنه طاهر. وحاول ابن الرومى الزلفى إلى محمد بالمديح، ويبدو أنه لم يكن يتسع فى ثوابه ومكافأته، وكان على علم بالشعر، فأخذ ينقد بعض أشعار ابن الرومى، وغاظ الشاعر الشاب نقده. بل لقد أخذ يحرمه نواله، مما جعل ابن
стр. 1772
الرومى يوجه إليه مثل قوله (١):
مدحت أبا العباس أطلب رفده ... فخيّبنى من رفده وهجا شعرى
ويبدو أنه كان بخيلا، وأن بخله كان السبب الحقيقى فى انصرافه عن الشاعر، متعللا بأنه لا يعجب بشعره، مما جعل ابن الرومى يصبّ عليه سياطا حامية من الهجاء، وهو يعمم فلا يقف بهجائه له عنده وحده، بل يعمّ به أسرة الطاهريين جميعا من مثل قوله (٢):
إذا حسنت أخلاق قوم فبئسما ... خلفتم به أسلافكم آل طاهر
جنوا لكم أن تمدحوا وجنيتم ... لموتاكم أن يشتموا فى المقابر
وترنو عينه إلى سامرّاء حاضرة الخلافة ومجمع كبراء رجال الدولة ووزرائها وموظفيها العظام، ويقدم عليها لعهد المنتصر سنة ٢٤٨، ويمدح أحمد بن الخصيب وزيره، ويعود سريعا إلى بغداد ويظهر أنه وجد الأبواب مغلقة أمامه. وقد يكون السبب الحقيقى فى ذلك أنه عزف عن سامراء لتشيّع فيه كان يضمره فى نفسه، فتركها وعاد إلى مسقط رأسه. ولا يلبث يحيى بن عمر العلوى أن ينهض بثورة عارمة فى الكوفة ضد الدولة، ويجند جيشا كثيفا لحرب العباسيين، ويلتقى به محمد بن عبد الله بن طاهر لسنة ٢٥٠، وتدور عليه الدوائر، ويقتل فى ساحة المعركة ويغضب له ابن الرومى غضبا شديدا، ويرثيه بجيمية (٣) طويلة، يندبه فيها ندبا حارّا، مصورا حرقة حزنه عليه بمثل قوله:
سلام وريحان وروح ورحمة ... عليك وممدود من الظل سجسج
ويا أسفى أن لا يردّ تحيّة ... سوى أرج من طيب نشرك يأرج
ألا إنما ناح الحمائم بعد ما ... ثويت وكانت قبل ذلك تهزج
ولا يبكيه وحده، بل يبكى العلويين جميعا منذ شهيدهم الحسين المقتول فى كربلاء، ويتفجع على قتله مصورا جزاءه فى عليّين، ويأسى أن يكون للعلويين
стр. 1773
دائما قتيل مضرج بالدماء دون خوف من الله وانتقامه ودون أى رعاية للرسول ﵇ وآل بيته، ويتناول العباسيين فى جرأة، ويتوعدهم أن يردّ الأمر إلى نصابه وأن يرجع الحق إلى أهله، على يد علوى ثائر، يحطم العباسيين بجيشه الكثيف حطما. ويتوجه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر بالخطاب متمنيا أن تزول دولته ودولة آله فى خراسان، ويعلن أنهم أعداء الرسول والإسلام جميعا، وأن دولتهم لا بد أن تدول وتمحق محقا فينطفئ غليل الصدور وتبرأ القلوب الكليمة.
وعلى هذا النحو أصبح ابن الرومى يجاهر بتشيعه، ولعل هذا الجانب فيه هو السبب الحقيقى فى أنه لم يحاول المثول بين يدى الخلفاء مادحا، وبالتالى لم يظهر فى مجالسهم بسامراء، ومع ذلك كان كثير التردد عليها، ولكنه لم يكن يتجاوز عتبة الوزراء، ويلاحظ أنه لم يحاول أن يمدح قواد الترك، وكأنهم كانوا أبعد من أن يفهموا الشعر أو يثيبوا عليه، ويشير الطبرى إلى ذلك بقوله: إنهم لم يكونوا يعرفون حدود الكلام (١). ونمضى مع ابن الرومى بعد مرثيته الشيعية الآنفة الذكر، فنجده يقف مع عامة بغداد لسنة ٢٥١ حين لجأ إليها الخليفة المستعين، ووقعت الحرب بينه-ومعه أهل بغداد-وبين المعتز الذى بايعه الترك والجند فى سامراء وينضم محمد بن عبد الله بن طاهر إلى عامة بغداد، ويحارب معهم جند المعتز، وتصفو العلاقة حينئذ بين ابن الرومى وابن طاهر، وبدا فى نهاية الأمر رجحان كفة جند المعتز، فجنح ابن طاهر إلى الصلح وخلع المستعين، وانتهت الأمور بعزله ثم قتله فى سنة ٢٥٢. ويغضب ابن الرومى ولكن كأنما ذلك كان سحابة عارضة، فتظل صلته بابن طاهر وثيقة، على نحو ما يتضح من دالية له يرثيه بها حين توفى سنة ٢٥٣ افتتحها بقوله (٢):
إن المنيّة لا تبقى على أحد ... ولا تهاب أخا عزّ ولا حشد
وفيها يشيد بكرمه وعدله فى الرعية واصفا حزنها لفقده وألمها لموته وما سكبت عليه من عبرات. ويتولى مكانه حكم بغداد أخوه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر،
стр. 1774
وهو أكثر الطاهريين معرفة وأدبا، وله كتب مصنفة مختلفة وأغان مدوّنة.
وهو أقرب ممدوحى ابن الرومى إلى نفسه، فقد أغدق عليه جوائز وأموالا كثيرة، وكان شاعرا، يحسن فهم الشعر وتذوقه، كما كان يحسن الفلسفة وفروعها المختلفة، ومرّ بنا تعرضه للبحترى ووقوفه ضده مع ابن الرومى ممثلا للذوق الجديد فى الشعر لعصره. ووجد فيه ابن الرومى راعيه الحقيقى، راعيه المادى الذى يجزل له فى العطاء وراعيه المعنوى الذى ينوّه بأشعاره ويصفق لطرائفه استحسانا، وراعيه ضد خصومه أصحاب الذوق الأدبى المحافظ من أمثال البحترى. وهكذا وجد عنده كل ما كان يبتغيه لنفسه، وكان عبيد الله يذهب إلى سامراء كثيرا للقاء الخليفة، فكان يصحب معه ابن الرومى. ونراه يمدح أحمد بن إسرائيل وزير المعتز لسنة ٢٥٣ ويتعرّف فى هذه الأثناء بأبى العباس أحمد بن ثوابة كاتب القائد التركى بايكباك لعهد المعتز والمهتدى، وأصبح فيما بعد رئيس ديوان الرسائل، وهو كاتب نابه، ومرّت بنا إشارة إلى مدحة له نظمها حين دعاه لزيارته فى سامراء معتذرا بمخاطر الرحلة برّا وبحرا، آملا أن تصله مكافأته فى بغداد، ولا تمضى صلته بابن ثوابة إلى نهاية الطريق (١). وهكذا هو دائما سرعان ما يتغير على ممدوحيه، إما لقلة الجائزة وإما لمنعها منه وحرمانه، وإما لأنه تخيّل أى شئ عارض جعله يظن بصديق الأمس الظنون. ويتعرف عنده على أبى الحسن بن على الباقطائى كاتبه ونراه يعاتبه لتقديمه البحترى عليه (٢). وأهم من ابن ثوابة وكاتبه أنه تعرف منذ سنة ٢٥٥ على أبى الصقر إسماعيل بن بلبل رئيس ديوان الضياع، إذ نراه يهنئه برياسته لهذا الديوان، وسنراه فيما بعد يكثر من مديحه حين أصبح وزيرا للمعتمد. ويتردد على واسط ليمدح آل أبى شيخ.
ويعزل عبيد الله بن عبد الله بن طاهر عن حكم بغداد سنة ٢٥٥ ويولّى مكانه أخوه سليمان، وكان أميرا لطبرستان فأخرجه منها الحسن بن زيد العلوى بعد حروب ومعارك طاحنة، وكأنما أعطى بغداد مكافأة له على هزيمته! . ويقف ابن الرومى فى صف عبيد الله، ويعجب كيف يعزل ويولّى مكانه هارب، وكأنما يجزى بذلك خير الجزاء، أو قل كأنما هى غنيمة نالها يبأسه وشجاعته، وإنه
стр. 1775
لخذلان من شانه أن يصرف الناس عن الإقدام فى الحروب، ويسخر منه فى مقطوعات مختلفة من مثل قوله (١):
هو الأسد الورد فى قصره ... ولكنه ثعلب المعركه
ويحدث أن يجمع الأتراك أمرهم ويصمموا على خلع المعتز، لإقدامه على قتل بعض رؤسائهم، ويرسلوا إلى سليمان بن عبيد الله بن طاهر حاكم بغداد أن يبعث إليهم بمحمد بن الواثق ليبايعوه بالخلافة، ويبعث به، وكأنما يجد ابن الرومى فى فى ذلك نكثا من سليمان لبيعته للمعتز، فيصليه بقطعة من هجائه قائلا (٢):
جاء سليمان بنى طاهر ... فاجتاح معتزّ بنى المعتصم
كأن بغداد لدن أبصرت ... طلعته نائحة تلتدم
مستقبل منه ومستدبر ... وجه بخيل وقفا منهزم
ونتطور الظروف، ويجيب المعتز قواد الأتراك إلى الخلع، ويحبس ويقتل فى محبسه بعد خلعه بستة أيام، وحينئذ نرى ابن الرومى يغيّر موقفه من المعتز فيحذّره حين حبس من أن يعاوده التفكير فى الخلافة، وينظم فى ذلك قصيدة بائية يقول فيها (٣):
دع الخلافة يا معتزّ من كثب ... فليس يكسوك منها الله ما سلبا
ويتغيّر تبعا لذلك موقف ابن الرومى من سليمان بن عبد الله بن طاهر، ويهديه بعض مدائحه، ويمنحه سليمان بعض الجوائز، ثم يحدث أن جارا ماكرا له من تجار بغداد كان يعرف باسم ابن أبى كامل تطمح نفسه إلى شراء داره، ويحاول أن يجبره على بيعها باغتصابه لبعض جدرانها وإفساد بعض جوانبها، ويستعدى عليه سليمان (٤) بن عبد الله بكافية طريفة سبق أن أنشدنا منها فى الفصل الماضى تعليله المشهور فيها لمحبة الأوطان، وهو يدور على كل لسان، وفيها يقول مصرّا على أنه لن يبيع داره:
ولى وطن آليت أن لا أبيعه ... وأن لا يرى غيرى له الدهر مالكا
стр. 1776
ولوّح لسليمان بأنه يريد منه عونا ماليّا يصلح به داره، ولكن سليمان لم يبادر إلى عونه، فسخط عليه سخطا شديدا وعاد إلى هجائه بالجبن والبخل، وكان جده طاهر يلقب بذى اليمينين، فقال فيما قال من هجائه:
له شمالان حاز إرثها ... عن ذى اليمينين شدّ ما اختلفا
ويدخل عصر المعتمد وأخيه الموفق الذى كان يعدّ الحاكم الحقيقى حينئذ، إذ قلّم أظفار الجند الأتراك وقضى على ثورة الزنج قضاء مبرما وهزم يعقوب الصفار هزيمة نكراء، ودان له الولاة: الطولونيون وغيرهم مذعنين خاضعين، وكان يتخذ صاعد بن مخلد كاتبا له، ورفعه إلى مرتبة الوزارة سنة ٢٦٥ وامتد يمنه حينذاك إلى ابنه العلاء فأصبحت بغداد وواليها تابعين له، وكان عبيد الله قد عاد إلى حكم بغداد سنة ٢٥٩ وظل يحكمها ثلاث سنوات، ثم وليها محمد بن طاهر بن عبد الله ابن طاهر ثم عاد إليها عبيد الله تابعا للعلاء بن صاعد سنة ٢٦٦ حتى سنة ٢٧١.
وأقبلت الدنيا على ابن الرومى مع إقبالها على صديقه عبيد الله. فكانت تلك السنوات أهنأ أيامه، وأكثر فيها من مديح عبيد الله مع كل مناسبة: مع أعياد النيروز والمهرجان ومع عيدى الفطر والأضحى. وفى ديوانه مدائح مختلفة لصاعد وابنه العلاء، ويغلب أن يكون اتصل بهما مبكرا، حتى إذا أصبحت بغداد وعبيد الله ابن عبد الله بن طاهر تابعين للعلاء أكثر من الصلة بهما ومن مديحهما، وله فيهما دالية (١) طويلة. وفيهما يقول:
وكل مديح لم يكن فى ابن صاعد ... ولا فى أبيه صاعد فهو حابط
وكانت قد أخذت المنافسة بينه وبين البحترى تمتدّ، وانقسم الأدباء قسمين:
قسما هو الأكثر لما كان يؤازره من اللغويين، وهم أنصار البحترى، وقسما مقابلا هو أنصار ابن الرومى وفى مقدمتهم عبيد الله بن عبد الله بن طاهر كما أسلفنا، ونرى ابن الرومى يهجو خصمه ببائية طويلة (٢) يقول فيها إن الحظ أعمى ولولا ذلك ما نال البحترى ما نال من الشهرة بشعره الغث فى رأيه، ويزعم أنه ليس له فيه شئ فكله إغارات وسرقات ونهب من دواوين أسلافه، ويستعدى عليه-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضوع-العلاء بن صاعد الذى أمّن الطرق من اللصوص قائلا:
стр. 1777
أيسرق البحترىّ الناس شعرهم ... جهرا وأنت نكال اللصّ ذى الرّيب
يعيب شعرى وما زالت بصيرته ... عمياء عن كل نور ساطع اللهب
وفى البيت الثانى ما يدل على أن البحترى كان بدوره يبادله نقدا لشعره، وغضب له عبيد الله بن عبد الله بن طاهر كما مرّ بنا، وأصلى البحترى أشعارا حامية، نعى فيها عليه أنه غير مثقف بالثقافة الفلسفية الحديثة مثل ابن الرومى الذى لا يلحق شأوه، والذى تعمق الفلسفة والمنطق. وردّ عليه البحترى كما أسلفنا فى حديثنا عنه. وما زالت المنافسة مشتدة بين الشاعرين حتى جمع بينهما بعض الأدباء مثل سليمان بن الحسن بن مخلد وعبد الله بن الحسين القطربلىّ، فتصافيا وتوادّا واعترف كل منهما بفضل صاحبه.
ومن الغريب أن ابن الرومى لم يكن يستطيع أن يبقى على علاقة حسنة بوزير أو بابن وزير، فقد كان يكفى كل منهما ألا ينفذ إليه الجائزة أو يقلل منها، فإذا هو خصم لدود، وإذا هو يسلّ لسانه ويبرى شعره سهاما مدمية. وهو ما حدث بينه وبين صاعد وابنه العلاء، فقد أخذا يهملان نواله على مدائحهما بعض الإهمال واستشاط غضبا، وأخذ ينزل عليهما شواظ هجائه من مثل قوله (١):
ليهنكم أن ليس يوجد منكم ... لبوس ثياب المجد لكن خلوعها
وظل يتشفّى حتى بعد سقوطهما والإلقاء بهما فى غياهب السجون سنة ٢٧٢.
وكان يتصل ببعض كبار موظفى الدولة، وكان منهم من يتعصب للبحترى فكانوا يردّونه ردّا قبيحا، وقد يهملونه ولا ينيلونه أى عطاء على ما يقدّم إليهم من المدائح ومن خير الأمثلة على ذلك إبراهيم بن المدبر ممدوح البحترى وصديقه الذى ولى ديوان الرسائل حينا وتولى ولايات مختلفة. وكان قد اشترك-كما مر بنا فى الحديث عن البحترى-فى حرب الزنج، ومدحه ابن الرومى فلم يلتفت إليه، وتصادف أن كان يلى خراج الأهواز سنة ٢٥٧ ودخلها بعض جنود صاحب الزنج فثبت لهم فيمن ثبتوا، وأصابته شجّة فى وجهه، وأسر، واستطاع التخلص من أسره، ونرى ابن الرومى يشمت به، ويسجل عليه جبنه وبخله فى قصائد ومقطوعات مختلفة، وله يقول (٢):
стр. 1778
قل لى بأية حيلة أعملتها ... هتفوا بأنك-لا حفظت-جواد
لقد استفاض لك الثناء بحيلة ... صعب الأمور بمثلها ينقاد
ومرّ بنا أنه تعرف على أبى الصقر إسماعيل بن بلبل منذ عصر المعتز حين أصبح رئيس ديوان الضياع فى سامرّاء. وظل منذ هذا الحين موصولا به، وكان الموفق قرّبه منه واتخذه كاتبا له، فكان يغدو عليه ويروح سواء حين يكون فى سامرّاء، أو مع الموفق فى واسط فى أثناء معاركه مع الزنج. ورفعه الموفق إلى مرتبة الوزارة فترة لسنة ٢٦٥ حتى إذا نكّل بصاعد سنة ٢٧٢ استوزره من بعده له ولأخيه المعتمد، وفرح ابن الرومى بما ناله، فدبّج فيه قصيدة طويلة (١)، استهلها بالغزل نافذا إلى طريقة جديدة، إذ عرض من خلال وصفه لصاحبته ما فى الحدائق من فواكه شهية، حتى سماها عبيد الله بن عبد الله بن طاهر دار البطيخ أى حانوت الفواكه، ومضى بعد ذلك فى مديح أبى الصقر مدحا رائعا، غير أنه لما استمع إلى قوله:
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمرى ولكن منه شيبان
ظن أنه يعرّض به، لأنه كان يدعى نسبه من شيبان ولم يكن شيبانيّا حقيقة فقال: هجانى، وراجعه بعض الحاضرين قائلا له: إن هذا من أحسن المدح، ألا تسمع ما بعده:
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان
فقال: أنا بشيبان، وليست شيبان بى، وملأه الغيظ والغضب على ابن الرومى، فقيل له: ألم تسمعه يقول:
ولم أقصّر بشيبان التى بلغت ... بها المبالغ أعراق وأغصان
لله شيبان قوم لا يشوبهم ... روع إذا الرّوع شابت منه ولدان
فاستمر فى غيّه وسوء فهمه، وقال: والله لا أثيبه على هذا الشعر (٢). وواضح أن أبا الصقر لم يفهم معانى القصيدة ولا مراد ابن الرومى فى البيت الأول وغيره من
стр. 1779
الأبيات، فكان طبيعيّا أن يحرمه الجائزة، وكأنه أيضا لم يفهم قوله فى القصيدة مادحا له:
فرد جميع يراه كلّ ذى بصر ... كأنه الناس طرّا وهو إنسان
ولم يكن هذا وبالا على ابن الرومى بقدر ما كان حربا على ابن بلبل فقد أخذ يهجوه ابن الرومى هجاء مرّا ساخرا من ادعائه أنه شيبانى حقيقة، مثبتا عليه أنه دعىّ فى شيبان لصيق بها، يقول ساخرا هازئا به (١):
تشيبن حين همّ بأن يشيبا ... لقد غلط الفتى غلطا عجيبا؟
وقد مضى يذكر أن شيبان ستشيب من هذا الخطب الجسيم، إذ يدعى النسب فيها أعجمى نبطى، وينعى كيمياء الحظوظ التى أتاحت له مجد الوزارة. ويظل يهجوه حتى يزج به المعتضد فى السجن لعام ٢٧٩ وما يلبث أن يموت فى سجنه، وابن الرومى فى أثناء هذه النكبة التى حلّت به يهجوه أهاجى كثيرة من مثل قوله (٢):
فلئن نكبت لطالما نكبت ... بك همة لجأت إلى سندك
يا نعمة ولّت غضارتها ... ما كان أقبح حسنها بيدك
وكان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قد عزل عن حكمه لبغداد سنة ٢٦٢ ثم عاد إلى حكمها-كما مرّ بنا-فى سنة ٢٦٦ فكان يكتفى بالمعيشة فى ظلاله.
وكانت العلاقة بينهما-كما أسلفنا مرارا-وثيقة، ووظّف له أخوه محمد فى بعض فترات حكمه لبغداد، ومات وهو فى خدمته وماتت قبله بمدة أمه، وله فيهما مرثيتان.
وكان طبيعيّا أن يكثر مديحه لبعض ذوى البيوتات فى بغداد وفيما حولها من المدن والضواحى، وممن نراهم ماثلين فى ديوانه بنو فياض وهم يرجعون إلى أصول فارسية، وكانت لهم إقطاعات وضياع واسعة فى دير العاقول بالقرب من بغداد، وتمثل فى ديوانه أسرة بنى نوبخت الفارسية الأصل، وهى تشتهر من قديم بثقافة
стр. 1780
أبنائها وكثرة ما ترجموا من الفارسية إلى العربية، وأهمّ شخص يكثر من مدحه بينهم أبو سهل إسماعيل بن على، وكان من رءوس الشيعة، ويقال إنه مؤسس الفرقة الإثنى عشرية، وفى صلته به ما يؤكد تشيعه وأن من الممكن أن يكون على مثاله إماميّا يعتنق مذهب الاثنى عشرية. ومن الأسر التى أكثر من مدحها أسرة بنى حماد قضاة بغداد، خاصة منهم القاضى إسماعيل بن حماد المتوفى سنة ٢٨٢ ونراه يمدحه فى قصيدة بائية محاولا أن يبرئ نفسه من تهمته بالزندقة التى نقلت إليه، ويستشهد على صحة براءته بابنين عدلين للقاضى يعرفان حقيقة أمره، ويستحثه على التنكيل بوشاة السوء الذين دبّروا اتهامه بهذه التهمة النكراء، ويقول إنهم هم الذين دبّروا الثورة عليك وجعلوا العامة ترمى دارك بالحصى والحجارة، يقول (١):
حملوا حملة على الدين تحكى ... حملة الروم رافعين الصّليبا
وأرادوا بك العظيمة لكن ... أوسع الله سعيهم تخييبا
وكأن الغوغاء لما تغاووا ... فرموا داركم قضوا تحصيبا (٢)
زعموا أن ذاك غزو وحجّ ... تبّب الله أمرهم تتبيبا
ولم ترو كتب التاريخ هذه الفتنة أو الثورة ضد القاضى، ولعل فى ذلك ما يدل على أن الشعر فى هذا العصر يقدم إلى المؤرخين وثائق تاريخية قد لا يجدونها فى كتب التاريخ المعروفة، على نحو ما مرّ بنا عند البحترى وتسجيله لمعركة ابن دينار البحرية ضد الأسطول البيزنطى وحرقه، فإن كتب التاريخ لم تشر إلى ذلك بحرف.
وتتردد فى الديوان أسماء أصدقاء كثيرين فى مقدمتهم أبو عثمان الناجم راويته، وقد حضر موته، وابن المسيب الكاتب وأحمد بن عبيد الله وأحمد بن بشر المرثدى وكان كاتبا فى ديوان الموفق وابن عمار (٣)، وكان شاعرا ومن نقدة الشعر فى عصره.
وأكثر قصائده التى وجه بها إلى المرثدى يطلب إليه فيها بعض السمك، ويقال إنه كان قد وعده أن يبعث إليه كل يوم بوظيفة منه لا يقطعها، فبعث إليه يوم سبت
стр. 1781
هدية منه، ولم يرسل السبت التالى. فكتب إليه قصيدة يقول فيها (١):
ما لحيتاننا جفتنا وأنّى ... أخلف الزائرون منتظريهم
قد سبتنا وما أتتنا وكانوا ... يوم لا يسبتون لا تأتيهم
ومن الشخصيات التى ظل يمدحها طويلا على بن يحيى المنجم، وهو من كبار المثقفين فى عصره، وسبق أن تحدثنا عن مكتبته العظيمة، وكان شاعرا ونديما رفيعا للخلفاء من المتوكل إلى المعتمد، ولا يعرف بالضبط بدء اتصال ابن الرومى به وله فيه قصائد ومقطوعات كثيرة، وله يعاتبه (٢):
لتهنأ رجال لا تزال تجودهم ... سحائب من كلتا يديك مواطر
عنيت بهم حتى كأنك والد ... لهم وهم-دونى-بنوك الأصاغر
وممن تدور أسماؤهم فى ديوانه جحظة، وكان شاعرا ويحسن الضرب على الطبل، وكان ينادم المعتمد، وهو نديم من نوع آخر غير نوع على بن يحيى المنجم، نديم مضحك، يتّخذ للهزؤ به والفكاهة. وكان يصطدم بكثير من الشعراء فى عصره فيكويهم بأهاجيه، وفى مقدمتهم مثقال وهو محمد بن يعقوب الواسطى، وإبراهيم البيهقى شاعر عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وأبو حفص الوراق، وابن أبى طاهر وابن الخبازة وخالد القحطبى، فقد كان يشبّ مع كل شاعر منهم معركة حامية الوطيس، وكان دائما هو المنتصر لخصب ملكاته وخياله. وتعرض بالهجاء للمبرد لأنه كان يقف فى صف البحترى ضده، وتبعه تلميذه الأخفش فى هذا التعصب ولم يكتف بإعلان رأيه فى شعره ونقده فقد كان يأتيه من قبل تطيره كما أسلفنا، وممن كان يعيب شعره نفطويه النحوى، ولذلك لم يسلم من أهاجيه.
ويظلّه عصر المعتضد منذ سنة ٢٧٩، وكانت قد عادت الخلافة إلى بغداد حاضرتها السابقة منذ سنة ٢٧٦، ويحس كأن الحياة أقبلت عليه وعلى مسقط رأسه كليهما. ويكثر من ذكر المعتضد فى قصائد ومقطوعات مختلفة، ويبدو أنه لم ينشد أمامه واحدة منها، فقد كان تشيعه لا يزال يبعده عن القصر، وفى رأينا أنه
стр. 1782
هو السبب الأهم فى أن الوزراء كانوا يقبلون عليه ثم يزورّون عنه اضطرارا لما ذاع من تشيعه. ونرى ابن الرومى يتعرض فى أشعاره له لبسالته فى حروب الزنج، ولتأخيره النيروز مفتتح الخراج إلى الحادى عشر من حزيران وسماه النيروز المعتضدى قاصدا بذلك إلى الرفق بالرعية-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-وكان عملا جليلا. ويذكر بسالته فى صيد الأسد، ويهنئه بالأعياد وبزواجه من قطر الندى الأميرة المصرية بنت خمارويه لسنة ٢٨١ وله يقول فى هذه المناسبة (١):
يا سيد العرب الذى زفّت له ... باليمن والبركات سيدة العجم
اسعد بها كسعودها بك إنها ... ظفرت بما فوق المطالب والهمم
ظفرت بملئى ناظريها بهجة ... وضميرها نبلا وكفّيها كرم
شمس الضحى زفّت إلى بدر الدّجى ... فتكشّفت بهما عن الدنيا الظّلم
وكانت الوزارة قد تحولت منذ سنة ٢٧٨ إلى آل وهب، ويبدو أن صلة الشاعر بهم ترجع إلى أمد أبعد من ذلك، وبمجرد وصولهم إلى الوزارة نراه يقدم مدائحه لعبيد الله بن سليمان بن وهب، وكان كاتبا مجيدا، ومدبرا لشئون الدولة حصيفا، وكان له أخ يسمى وهبا مدحه ابن الرومى فى غير قصيدة كما مدح ابنيه الحسن والقاسم، وهو يهلل طويلا لمجئ دولتهم، وتارة يمدحهم مجتمعين باسم آل وهب، وتارة يفرد لكل منهم القصائد الطويلة، ومن قوله فى مديح عبيد الله (٢):
إذا أبو قاسم جادت يداه لنا ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن مضى رأيه أو حدّ عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر
وإن أضاءت لنا أضواء غرّته ... تضاءل النيرّان: الشمس والقمر
ينال بالظن ما يعيى العيان به ... والشاهدان عليه: العين والأثر
وكان القاسم الابن الأصغر لعبيد الله إلا أنه كان مقدما عنده لذكائه، ولذلك
стр. 1783
أخذ يولّيه بعض المناصب وهو صغير، وكان إذا غاب أنابه عنه. وكان يعطف على ابن الرومى قبل تولى أبيه الوزارة، ويقال إنه كان يجرى عليه راتبا، حتى إذا دانت الدنيا لأبيه أخذ يجزل له فى العطاء، مما جعل ابن الرومى يصفيه مديحا رائعا. ولا نكاد نقبل على سنة ٢٨٢ حتى تعاود ابن الرومى طبيعته، وكأنما ضاق القاسم وأبوه بكثرة شكواه والحاحه المتكرر على العطاء، ويبدو أن بعض الوشاة الحساد أخذوا يدسون عليه عندهما، فحاولا إبعاده، وشعر بضيق شديد فأخذ يعاتبهما، وازداد الأمر-فيما يبدو-سوءا إذ منعا عنه الجائزة أحيانا، فأخذ يستعطفهما، غير أنهما لم يصيخا له، على الرغم من استصراخهما لبؤسه، وعبثا يناديهم ألا يضنوا عليه بالقوت وأن يعرفوا له حق الأديب (١) حينئذ يفزع إلى قوسه القديم، قوس الهجاء المرير، ويريش لهما سهاما مصمية من مثل قوله (٢):
تسميتم فينا ملوكا وأنتم ... عبيد لما تحوى بطون المزاود
لكم نعمة أضحت بضيق صدوركم ... مبرّأة من كلّ مثن وحامد
فإن هى زالت عنكم فزوالها ... يجدّد إنعاما على كل ماجد
ويفسد ما بينه وبين آل وهب فسادا لا يمكن رأبه.
وتتردد فى الديوان بأخرة من حياة ابن الرومى شخصيات من آل الفرات الذين سيسطع نجمهم فى عهد المقتدر، كما تتردّد أسماء شخصيات كثيرة مثل أحمد بن محمد الطائى والى الكوفة لعهد المعتمد، ويبدو أنه ظل متصلا به حتى أواخر حياته.
ويلقانا محمد بن داود بن الجراح الكاتب وأحمد بن محمد الواثقى صاحب شرطة بغداد وعيسى بن موسى المتوكل الذى نعى عليه بخله بمقطوعات ساخرة، وكاتب مسيحى للقاسم يسمى عمرا، وله فيه أهاج تقطر سمّا زعافا، وابن فراس وكان فيما يبدو لغويّا.
стр. 1784
ويغصّ الديوان بأسماء كثير من الجوارى القيان المطربات مثل بستان وجلنار وبدعة وشاجى ودريرة وغنّاء ووحيد ومظلومة وظلوم، وأكثرهن كن لوزراء أو لأمراء مثل عبيد الله بن عبد الله بن طاهر والقاسم بن عبيد الله، وكان بجوارهن قينات وجوار لا يعجب بأصواتهن ولا بسماعهن، مثل شنطف، وفيها يقول (١):
وإن سكوتها عندى لبشرى ... وإن غناءها عندى لمنعى
فقرّطها بعقرب شهر زور ... إذا غنّت وطوّقها بأفعى
ومن أهم جوانب الضعف فيه أنه كان نهما فى الأكل نهما شديدا، ولذلك يكثر فى أشعاره وصف الأطعمة من كل لون حلو وحامض، كما يكثر وصف الأشربة» ومن عجب أن القدماء وصلوا بين هذا النهم وموته لسنة ٢٨٣ أو ٢٨٤ فقالوا إن القاسم بن عبيد الله دسّ إليه السم فى خشكنانجة، فلما ازدردها أحسّ بالسم فى بطنه فقام مسرعا؛ فقال له القاسم إلى أين؟ فأجابه إلى حيث أرسلتنى.
فقال له: سلّم على والدى عبيد الله، فأجابه: ما طريقى على النار. والصحيح أنه توفى عن نحو ستين عاما نتيجة لعلله وأمراضه، وهى على كل حال سن عالية.
ولابن الرومى ديوان ضخم لم ينشر حتى الآن، إنما نشر منه الشيخ محمد شريف سليم جزءين، ونشر منه كامل كيلانى مختارات باسم ديوان ابن الرومى، وهو الذى نرجع إليه غالبا. ومن يتصفح ما نشر منه يلاحظ توّا أنه يختلف عن دواوين الشعر العربى التى عاصرته وسبقته، ففيه موضوعات متنوعة عن الحياة وشرورها وعن الناس وحرفهم وملابسهم وعن الموت وعن الأطعمة والأشربة ومتع الحياة، وعن طبائع الناس وعن النساء وأخلاقهن وعن الطّرد والقنص وعن المسرات والآلام، بحيث يصبح من الصعب تشكيل موضوعاته بأعداد رقمية. ومع ذلك سنعرض شعره على الموضوعات الأساسية للشعر العربى، مع ملاحظة ما يمتاز به من صفات خاصة به وبشخصيته الشعرية الخصبة. ومرّ بنا فى الفصل الماضى تصوير من بعض الوجوه لذخائره العقلية، وكيف أدّاه اعتزاله مبكرا إلى أن
стр. 1785
يتمثل جميع الثقافات فى عصره فلسفية وغير فلسفية. وإذا هو يستقصى المعانى استقصاء نادرا حتى لا يكاد يترك فى معنى شعبة دون عرضها والإلمام بها، وإذا هو يوغل فى الأفكار ويستنبط منها مستوراتها الخفية، وإذا هو يسلط عليها أشعة المنطق بكل أقيستها وعللها، فتبدو فى أضواء واضحة وضوحا مطلقا، وليس ذلك فحسب فإنه استطاع أن يغير فى سمات كل موضوع قديم بفضل ما ألقاه عليه من الأضواء والظلال العقلية. وهو بحق يمثل النزعة التجديدية فى العصر، على حين كان البحترى يمثل النزعة التقليدية على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع.
وأول ما نقف عنده المديح، وبعض قصائده فيه يطول طولا مسرفا حتى لتبلغ القصيدة نحو ثلثمائة بيت، وعادة يقدم لمدائحه بما تعارف عليه الشعراء من قبله من مقدمات، ولكنه ينوّع فيها، فقد يختار النسيب مثلا، ولكنه يتحوّل به كما فى قصيدته النونية (١) التى مدح بها أبا الصقر إسماعيل بن بلبل إلى تجسيد فواكه البستان فى المرأة، حتى سمّى بعض معاصريه-كما أسلفنا-القصيدة باسم دار البطيخ وكانوا يطلقونها على دكان الفاكهة. وقد يختار وصف (٢) الطبيعة والربيع ويبدع فى وصفه، إذ كان مفتونا بها فتنة العاشقين الوالهين، مما يميزه بحق عن شعراء العربية. وقد يدمج فى القصيدة وصف مجلس سماع، فيصور آلات للطرب ومن يحملنها من القيان فى صور بديعة على نحو ما يلقانا فى نونيته التى مدح بها عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، والتى يفتتحها بقوله (٣):
وقيان كأنها أمهات ... عاطفات على بنيها حوان
وقد أنشدنا منها قطعة فى الفصل الماضى. ويضيف إلى وصف مثل هذا المجلس ذكر الخمر. وقد يختار بكاء الشباب الذى طالما تغنّى به الشاعر العربى، ولكنه يعرضه عرضا جديدا على نحو ما نرى فى مقدمة قصيدته البائية (٤) التى مدح بها على بن يحيى المنجم، فقد تحدث فيها عن الشيب والخضاب ودعاه حدادا كئيبا
стр. 1786
على الشباب من شأنه أن يبكى صاحبه بدموع غزار، ثم أخذ يصوّر سخرية الفتيات بخضابه باكيا الشباب بكاء لاذعا. ويحذف المقدمة أحيانا طلبا للاختصار والوقوف عند عشرات الأبيات لا عند المئات-وتبلغ بعض المقدمات عنده أحيانا نحو مائة بيت-ويتفنن بعد ذلك فى المديح، ومن الطريف أنه كان يلاحظ أن الشعراء فيه يبالغون ويفرطون فى مبالغاتهم فينسبون إلى الممدوحين ما لا يفعلون، مسّة لا تمحى وعار ما بعده عار، حتى ليصدق عليهم قوله تعالى: ﴿(وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ)﴾ ويستوحى ابن الرومى الآيات قائلا (١):
يقولون مالا يفعلون مسبّة ... من الله مسبوب بها الشعراء
وما ذاك فيهم وحده بل زيادة ... يقولون مالا يفعل الأمراء
فهم يقولون ما لا يفعلون، وليس ذلك فحسب، بل يقولون أيضا ما لا يفعل الأمراء. كذبا وبهتانا. وكأن ابن الرومى أحسّ فى قوة ما كان يحمله المديح لعصره من كذب صراح. وإذا كنا لاحظنا أنه حاول التنويع فى مقدمات المديح فإننا نلاحظ أنه حاول التنويع فى المديح نفسه، فإنه لم يقصره على المعانى المطروقة، ويوضح ذلك مديحه لعلى بن يحيى المنجم فى بائيته التى أشرنا إليها، آنفا، فإنه مضى فيها يمدحه على هذه الشاكلة:
لوذعىّ له فؤاد ذكىّ ... ماله فى ذكائه من ضريب
ألمعىّ يرى بأول ظنّ ... آخر الأمر من وراء المغيب
لا يروّى ولا يقلّب كفّا ... وأكفّ الرجال فى تقليب
حازم الرأى ليس عن طول تجري ... ب لبيب وليس عن تلبيب
يتغابى لهم وليس لموق ... بل للبّ يفوق لبّ اللبيب
ليّن عطفه فإن ريم منه ... مكسر العود كان جدّ صليب
وواضح أن هذا مديح من نوع غير مألوف، مديح بالطباع والشمائل والملكات؛
стр. 1787
فهو يمدحه بالذكاء وحسن البديهة والنظر الثاقب، دون إبطاء فى الرأى أو ندم يلحقه، وهو حازم لبيب بالفطرة، يتغابى قصدا وسيد القوم المتغابى، ويبدو ليّن الملمس وهو صلب العود صلابة شديدة. ومصدر هذا الجانب فى مديحه بدون ريب قدرته الخارقة على تحليل المعانى واستقصائها، وكانت له قدرة خارقة أيضا على النفوذ إلى كثير من الأخيلة المبتكرة من مثل قوله فى حسّاد صاعد مصورا مجده الوطيد (١):
وضد لكم لا زال يسفل جدّه ... ولا برحت أنفاسه تتصعّد
ولو قاس باستحقاقكم ما منحتم ... لأطفأ نارا فى الحشا تتوقّد
وآنق من عقد العقيلة جيدها ... وأحسن من سربالها المتجرّد
وكانت لديه قدرة بارعة على عرض أخيلته فى مثل هذه الأقيسة، فصاعد يستحق مجدا عظيما فوق ما منح من مجد الوزارة الذى أسبغ عليه بفضل خزمه وحسن تدبيره، وما مثل الوزارة بالقياس إليه إلا مثل العقد فى الجيد الجميل جمالا يفوقه، بل مثل الثوب يضفى على الجسد الفاتن. ويجمع بين جمال الخلقة والأخلاق فى بعض ممدوحيه وينفذ إلى هذه الصورة البديعة (٢):
كلّ الخصال التى فيكم محاسنكم ... تشابهت منكم الأخلاق والخلق
كأنكم شجر الأترجّ طاب معا ... حملا ونورا وطاب العود والورق
فهم مثل شجر الأترج يطيب عوده وورقه وزهره وثمره، طيب على طيب، وكثيرا ما تلقانا مثل هذه الأخيلة الدقيقة فى مديحه كقوله فى بعض ممدوحيه:
أوفى بأعلى رتبة وتواضعت ... آلاؤه فأحطن بالأعناق
كالشمس فى كبد السماء محلّها ... وشعاعها فى سائر الآفاق
والهجاء فنّه الذى لا يبارى فيه، وهو يتخذ عنده لونين: لونا قاتما كله إقذاع وسبّ وهتك للأعراض وقد يطيل فيه إلى مئات من الأبيات، ولونا زاهيا ينحو
стр. 1788
فيه منحى السخرية والإضحاك، وهو اللون الأهم فى هجائه، لأن اللون السابق كثيرا ما نجده عند سابقيه ومعاصريه، أما الهجاء الساخر فقد نمّاه إلى أبعد حد تسعفه فى ذلك قدرة بارعة على استغلال العيوب الجسدية فى مهجويّه، حتى ليصبح شبيها أدق الشبه بأصحاب الصور الكاريكاتورية، فهم يستغلون العيوب الخلقية ويبرزونها بالطول أو بالعرض أو بالتضخيم أو بالتصغير إبرازا مضحكا فى كل صوره، وكذلك كان ابن الرومى هجّاء ساخرا يعرف كيف يصور العيوب الجسدية والمعنوية تصويرا مضحكا، ومرّ بنا فى الفصل الماضى تصويره لشحّ عيسى بن موسى بن المتوكل وأنه لو استطاع لتنفس من منخر واحد أو فتحة واحدة من فتحتى أنفه بخلا وحرصا، وكذلك تصويره لبعض مهجويه بحيوانات مجترة، ولم يعجبه بعض المغنين فصوّره فى تحرك فكّيه بالغناء بالبغل حين يحرك فكيه لأكل طعامه. ومرّ بنا أنه كانت تؤذيه إيذاء شديدا رؤية جار له أحدب، وانتقم لنفسه منه بقوله فيه (١):
قصرت أخادعه وغاب قذاله ... فكأنّه متربّص أن يصفعا
وكأنما صفعت قفاه مرّة ... وأحسّ ثانية لها فتجمّعا
فجعله الدهر مصفوعا يحاول أن يتقى صفعه بتجميع قفاه إلى ظهره، وكانت تؤذيه اللخى حين تخرج عن مقدارها الطبيعى فيهجوها ويهجو أصحابها هجاء ساخرا مضحكا، وله فيها مقطوعات هزلية قصيرة وطويلة، ومن أطرفها وأجمعها للهزؤ والسخرية قوله فى لحية بعض مهجويّه (٢):
إن تطل لحية عليك وتعرض ... فالمخالى معروفة للحمير
علّق الله فى عذاريك مخلا ... ة ولكنها بغير شعير
أرع منها الموسى فإنك منها ... يشهد الله فى أثام كبير
ما تلقّاك كوسج قطّ إلا ... جرّر الله أيما تجوير
لحية أهملت فطالت وفاضت ... فإليها تشير كفّ المشير
стр. 1789
ما رأتها عين امرئ ما رأتها ... قطّ إلا أهلّ بالتكبير
روعة تستخفّه لم يرعها ... من رأى وجه منكر ونكير
فاتّق الله ذا الجلال وغيّر ... منكرا فيك ممكن التغيير
أو فقصّر منها فحسبك منها ... نصف شبر علامة التذكير
لو رأى مثلها النبىّ لأجرى ... فى لحى الناس سنّة التقصير
واستحبّ الإحفاء فيهنّ والحل ... ق مكان الإعفاء والتوفير
وقد استهل ابن الرومى المقطوعة بتشبيه تلك اللحية بمخلاة حمار ولكن بدون شعير، ونصح صاحبها أن يجعل الموسى يرعاها ويأخذها من جميع أطرافها، وجعل محافظته عليها إثما كبيرا فإن الكوسج خفيف اللحية إذا رآها نسب إلى الله الجور والظلم فى قسمة الأرزاق، وقد طالت حتى غدت فرجة للرائحين والغادين يشيرون إليها بأكفهم وأصابعهم متعجبين، بل إنهم ليصيحون الله أكبر، للروعة الشديدة التى تأخذهم، وإنها لأكثر هولا من وجه ملكى القبر: منكر ونكير، ويدعوه أن يتقى الله ويغير هذا المنكر الذى يحمله على وجهه فى ذهابه وإيابه، أو ليقصّرها، فنصف شبر منها كاف على التذكير والرجولة، ويقول إن الرسول ﵇ لو رآها لأبدل السنّة فلم يجعلها تطويل اللحى بل جعلها تقصيرها، بل لعله كان يجعل السنّة قصّيا ومحوها محوا. وهو يشير فى البيت الأخير إلى الحديث النبوى: «احفوا الشوارب واعفوا اللّحى». وكان كاتب مسيحى للقاسم بن عبيد الله يسمى عمرا كثيرا ما كان يحجبه، فأصلاه نارا حامية من أهاجيه (١).
وكان لا يزل يلمح العيوب الجسدية فى مهجوية، عابثا بهم عبثا كله سخرية وفكاهة وتندير.
وكان ابن الرومى يجيد فن الرثاء، بحكم قدرته على التعبير عن الأحاسيس والمشاعر، وأيضا فإنه كان يستشعر فى أعماقه حزنا ممضّا، لأنه لا يأخذ حقوقه فى عصره بالقياس إلى غيره من الشعراء الذين يتفوق عليهم تفوقا واضحا، فكان شعوره
стр. 1790
بالبؤس والحرمان يضاعف حزنه، وكأنما الحياة كلها أمامه كانت أحزانا ومآتم، وتصادف أن مات له ثلاثة أبناء، فبكاهم بكاء حارّا، ومرّ بنا فى الفصل الماضى بكاؤه على ابنه الأوسط الذى مات منزوفا وهو لا يزال فى المهد طفلا صبيّا، وقد نصب بقصيدته له مأتما كبيرا صوّر فيه موته ونزيفه تصويرا محزنا، ثم بكاه بكاء مرّا.
ومن قوله فى رثاء ابنه الثالث (١):
أبنىّ إنك والعزاء معا ... بالأمس لفّ عليكما كفن
ما فى النهار-وقد فقدتك-من ... أنس ولا فى الليل لى سكن
ما أصبحت دنياى لى وطنا ... بل حيث دارك عندى الوطن
وله مرثية فى أمه وأخرى فى أخيه محمد، وبجانب ذلك نجد له عزاء من حين إلى حين، وأسلفنا فى الفصل الماضى عزاءه فى ابنة على بن يحيى المنجم، وله عزاء مشابه للمسيّبى الكاتب صديقه يعزيه عن ابنته بأن أحدا لن يخلد فى الدنيا، وأن تلك إرادة الله ولا راد لمشيئته، يقول (٢):
أصبت وما للعبد عن حكم ربه ... محيص وأمر الله أعلى وأقهر
تعزّيت عمن أثمرتك حياته ... ووشك التعزى عن ثمارك أجدر
فلا تهلكن حزنا على ابنة جنّة ... غدت وهى عند الله تحيا وتحبر
وكان ما ينى ينفذ إلى أخيلة ومعان طريفة حتى فى الموت، ولعله أول من حبّب الموت إلى غيره، وكأنما كان يراه خلاصا من حياته ومن الناس والأصدقاء الذين لا ينصفونه، مما جعله يقول (٣):
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا ... للموت ألف فضيلة لا تعرف
فيه أمان لقائه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف
وتعبيره عن أن الموت أمان للإنسان من خوفه المروّع بلقائه من أدق ما يمكن، وهو لا يبارى فى النفوذ إلى كثير من المعانى والأحاسيس الدقيقة. وقد عرضنا فى