على الشباب من شأنه أن يبكى صاحبه بدموع غزار، ثم أخذ يصوّر سخرية الفتيات بخضابه باكيا الشباب بكاء لاذعا. ويحذف المقدمة أحيانا طلبا للاختصار والوقوف عند عشرات الأبيات لا عند المئات-وتبلغ بعض المقدمات عنده أحيانا نحو مائة بيت-ويتفنن بعد ذلك فى المديح، ومن الطريف أنه كان يلاحظ أن الشعراء فيه يبالغون ويفرطون فى مبالغاتهم فينسبون إلى الممدوحين ما لا يفعلون، مسّة لا تمحى وعار ما بعده عار، حتى ليصدق عليهم قوله تعالى: ﴿(وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ)﴾ ويستوحى ابن الرومى الآيات قائلا (١):
يقولون مالا يفعلون مسبّة ... من الله مسبوب بها الشعراء
وما ذاك فيهم وحده بل زيادة ... يقولون مالا يفعل الأمراء
فهم يقولون ما لا يفعلون، وليس ذلك فحسب، بل يقولون أيضا ما لا يفعل الأمراء. كذبا وبهتانا. وكأن ابن الرومى أحسّ فى قوة ما كان يحمله المديح لعصره من كذب صراح. وإذا كنا لاحظنا أنه حاول التنويع فى مقدمات المديح فإننا نلاحظ أنه حاول التنويع فى المديح نفسه، فإنه لم يقصره على المعانى المطروقة، ويوضح ذلك مديحه لعلى بن يحيى المنجم فى بائيته التى أشرنا إليها، آنفا، فإنه مضى فيها يمدحه على هذه الشاكلة:
لوذعىّ له فؤاد ذكىّ ... ماله فى ذكائه من ضريب
ألمعىّ يرى بأول ظنّ ... آخر الأمر من وراء المغيب
لا يروّى ولا يقلّب كفّا ... وأكفّ الرجال فى تقليب
حازم الرأى ليس عن طول تجري ... ب لبيب وليس عن تلبيب
يتغابى لهم وليس لموق ... بل للبّ يفوق لبّ اللبيب
ليّن عطفه فإن ريم منه ... مكسر العود كان جدّ صليب
وواضح أن هذا مديح من نوع غير مألوف، مديح بالطباع والشمائل والملكات؛
стр. 1787
فهو يمدحه بالذكاء وحسن البديهة والنظر الثاقب، دون إبطاء فى الرأى أو ندم يلحقه، وهو حازم لبيب بالفطرة، يتغابى قصدا وسيد القوم المتغابى، ويبدو ليّن الملمس وهو صلب العود صلابة شديدة. ومصدر هذا الجانب فى مديحه بدون ريب قدرته الخارقة على تحليل المعانى واستقصائها، وكانت له قدرة خارقة أيضا على النفوذ إلى كثير من الأخيلة المبتكرة من مثل قوله فى حسّاد صاعد مصورا مجده الوطيد (١):
وضد لكم لا زال يسفل جدّه ... ولا برحت أنفاسه تتصعّد
ولو قاس باستحقاقكم ما منحتم ... لأطفأ نارا فى الحشا تتوقّد
وآنق من عقد العقيلة جيدها ... وأحسن من سربالها المتجرّد
وكانت لديه قدرة بارعة على عرض أخيلته فى مثل هذه الأقيسة، فصاعد يستحق مجدا عظيما فوق ما منح من مجد الوزارة الذى أسبغ عليه بفضل خزمه وحسن تدبيره، وما مثل الوزارة بالقياس إليه إلا مثل العقد فى الجيد الجميل جمالا يفوقه، بل مثل الثوب يضفى على الجسد الفاتن. ويجمع بين جمال الخلقة والأخلاق فى بعض ممدوحيه وينفذ إلى هذه الصورة البديعة (٢):
كلّ الخصال التى فيكم محاسنكم ... تشابهت منكم الأخلاق والخلق
كأنكم شجر الأترجّ طاب معا ... حملا ونورا وطاب العود والورق
فهم مثل شجر الأترج يطيب عوده وورقه وزهره وثمره، طيب على طيب، وكثيرا ما تلقانا مثل هذه الأخيلة الدقيقة فى مديحه كقوله فى بعض ممدوحيه:
أوفى بأعلى رتبة وتواضعت ... آلاؤه فأحطن بالأعناق
كالشمس فى كبد السماء محلّها ... وشعاعها فى سائر الآفاق
والهجاء فنّه الذى لا يبارى فيه، وهو يتخذ عنده لونين: لونا قاتما كله إقذاع وسبّ وهتك للأعراض وقد يطيل فيه إلى مئات من الأبيات، ولونا زاهيا ينحو
стр. 1788
فيه منحى السخرية والإضحاك، وهو اللون الأهم فى هجائه، لأن اللون السابق كثيرا ما نجده عند سابقيه ومعاصريه، أما الهجاء الساخر فقد نمّاه إلى أبعد حد تسعفه فى ذلك قدرة بارعة على استغلال العيوب الجسدية فى مهجويّه، حتى ليصبح شبيها أدق الشبه بأصحاب الصور الكاريكاتورية، فهم يستغلون العيوب الخلقية ويبرزونها بالطول أو بالعرض أو بالتضخيم أو بالتصغير إبرازا مضحكا فى كل صوره، وكذلك كان ابن الرومى هجّاء ساخرا يعرف كيف يصور العيوب الجسدية والمعنوية تصويرا مضحكا، ومرّ بنا فى الفصل الماضى تصويره لشحّ عيسى بن موسى بن المتوكل وأنه لو استطاع لتنفس من منخر واحد أو فتحة واحدة من فتحتى أنفه بخلا وحرصا، وكذلك تصويره لبعض مهجويه بحيوانات مجترة، ولم يعجبه بعض المغنين فصوّره فى تحرك فكّيه بالغناء بالبغل حين يحرك فكيه لأكل طعامه. ومرّ بنا أنه كانت تؤذيه إيذاء شديدا رؤية جار له أحدب، وانتقم لنفسه منه بقوله فيه (١):
قصرت أخادعه وغاب قذاله ... فكأنّه متربّص أن يصفعا
وكأنما صفعت قفاه مرّة ... وأحسّ ثانية لها فتجمّعا
فجعله الدهر مصفوعا يحاول أن يتقى صفعه بتجميع قفاه إلى ظهره، وكانت تؤذيه اللخى حين تخرج عن مقدارها الطبيعى فيهجوها ويهجو أصحابها هجاء ساخرا مضحكا، وله فيها مقطوعات هزلية قصيرة وطويلة، ومن أطرفها وأجمعها للهزؤ والسخرية قوله فى لحية بعض مهجويّه (٢):
إن تطل لحية عليك وتعرض ... فالمخالى معروفة للحمير
علّق الله فى عذاريك مخلا ... ة ولكنها بغير شعير
أرع منها الموسى فإنك منها ... يشهد الله فى أثام كبير
ما تلقّاك كوسج قطّ إلا ... جرّر الله أيما تجوير
لحية أهملت فطالت وفاضت ... فإليها تشير كفّ المشير
стр. 1789
ما رأتها عين امرئ ما رأتها ... قطّ إلا أهلّ بالتكبير
روعة تستخفّه لم يرعها ... من رأى وجه منكر ونكير
فاتّق الله ذا الجلال وغيّر ... منكرا فيك ممكن التغيير
أو فقصّر منها فحسبك منها ... نصف شبر علامة التذكير
لو رأى مثلها النبىّ لأجرى ... فى لحى الناس سنّة التقصير
واستحبّ الإحفاء فيهنّ والحل ... ق مكان الإعفاء والتوفير
وقد استهل ابن الرومى المقطوعة بتشبيه تلك اللحية بمخلاة حمار ولكن بدون شعير، ونصح صاحبها أن يجعل الموسى يرعاها ويأخذها من جميع أطرافها، وجعل محافظته عليها إثما كبيرا فإن الكوسج خفيف اللحية إذا رآها نسب إلى الله الجور والظلم فى قسمة الأرزاق، وقد طالت حتى غدت فرجة للرائحين والغادين يشيرون إليها بأكفهم وأصابعهم متعجبين، بل إنهم ليصيحون الله أكبر، للروعة الشديدة التى تأخذهم، وإنها لأكثر هولا من وجه ملكى القبر: منكر ونكير، ويدعوه أن يتقى الله ويغير هذا المنكر الذى يحمله على وجهه فى ذهابه وإيابه، أو ليقصّرها، فنصف شبر منها كاف على التذكير والرجولة، ويقول إن الرسول ﵇ لو رآها لأبدل السنّة فلم يجعلها تطويل اللحى بل جعلها تقصيرها، بل لعله كان يجعل السنّة قصّيا ومحوها محوا. وهو يشير فى البيت الأخير إلى الحديث النبوى: «احفوا الشوارب واعفوا اللّحى». وكان كاتب مسيحى للقاسم بن عبيد الله يسمى عمرا كثيرا ما كان يحجبه، فأصلاه نارا حامية من أهاجيه (١).
وكان لا يزل يلمح العيوب الجسدية فى مهجوية، عابثا بهم عبثا كله سخرية وفكاهة وتندير.
وكان ابن الرومى يجيد فن الرثاء، بحكم قدرته على التعبير عن الأحاسيس والمشاعر، وأيضا فإنه كان يستشعر فى أعماقه حزنا ممضّا، لأنه لا يأخذ حقوقه فى عصره بالقياس إلى غيره من الشعراء الذين يتفوق عليهم تفوقا واضحا، فكان شعوره
стр. 1790
بالبؤس والحرمان يضاعف حزنه، وكأنما الحياة كلها أمامه كانت أحزانا ومآتم، وتصادف أن مات له ثلاثة أبناء، فبكاهم بكاء حارّا، ومرّ بنا فى الفصل الماضى بكاؤه على ابنه الأوسط الذى مات منزوفا وهو لا يزال فى المهد طفلا صبيّا، وقد نصب بقصيدته له مأتما كبيرا صوّر فيه موته ونزيفه تصويرا محزنا، ثم بكاه بكاء مرّا.
ومن قوله فى رثاء ابنه الثالث (١):
أبنىّ إنك والعزاء معا ... بالأمس لفّ عليكما كفن
ما فى النهار-وقد فقدتك-من ... أنس ولا فى الليل لى سكن
ما أصبحت دنياى لى وطنا ... بل حيث دارك عندى الوطن
وله مرثية فى أمه وأخرى فى أخيه محمد، وبجانب ذلك نجد له عزاء من حين إلى حين، وأسلفنا فى الفصل الماضى عزاءه فى ابنة على بن يحيى المنجم، وله عزاء مشابه للمسيّبى الكاتب صديقه يعزيه عن ابنته بأن أحدا لن يخلد فى الدنيا، وأن تلك إرادة الله ولا راد لمشيئته، يقول (٢):
أصبت وما للعبد عن حكم ربه ... محيص وأمر الله أعلى وأقهر
تعزّيت عمن أثمرتك حياته ... ووشك التعزى عن ثمارك أجدر
فلا تهلكن حزنا على ابنة جنّة ... غدت وهى عند الله تحيا وتحبر
وكان ما ينى ينفذ إلى أخيلة ومعان طريفة حتى فى الموت، ولعله أول من حبّب الموت إلى غيره، وكأنما كان يراه خلاصا من حياته ومن الناس والأصدقاء الذين لا ينصفونه، مما جعله يقول (٣):
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا ... للموت ألف فضيلة لا تعرف
فيه أمان لقائه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف
وتعبيره عن أن الموت أمان للإنسان من خوفه المروّع بلقائه من أدق ما يمكن، وهو لا يبارى فى النفوذ إلى كثير من المعانى والأحاسيس الدقيقة. وقد عرضنا فى
стр. 1791
الفصل الماضى مرثيته الملتهبة للبصرة حين حرقها الزنج ودمروها.
ويكثر العتاب فى ديوان ابن الرومى، وقصيدته فى عتاب أبى القاسم التوّزى الشطرنجى مشهورة، ومرّ بنا فى الفصل السالف قطعة بديعة منها فى وصف لعب أبى القاسم بالشطرنج، وكان أمهر معاصريه فى لعبه، غير أنا نقف الآن عند عتابه، وقد عرضه عرضا طويلا طريفا، إذ أخذ يذكره بما كان بينهما من صفاء، ثم نشأت بعد ذلك هنوات لا يرضاها الصديق، يقول:
كشفت منك حاجتى هنوات ... غطّيت برهة بحسن اللقاء
تركتنى ولم أكن سيّئ الظّ ... نّ أسئ الظنون بالأصدقاء
قلت لما بدت لعينىّ شنعا ... ربّ شوهاء فى حشا حسناء
ومضى فى حوار طويل بينه وبين تلك الهنوات الصغيرة، يقول لها ليتنى لم أهتك ستركنّ وهن يقلن له بل لقد صنعت حسنا، إذ لو لم تفعل ذلك لظللت فى ظلم الشك من صاحبك ضالا حائرا، وإن من الخير أن ننكشف لك حتى تعرف أمكنة الداء منه وتطبّ لها طبّا يداويها دواء يشفى الصديق، ويعتب على أبى القاسم أنه لم ينله نوالا ولا ردّا كريما، ويظل يستعطفه طويلا. وقد أسلفنا فى الفصل الماضى قطعة بديعة له فى عتاب آل وهب.
ولابن الرومى غزل كثير يأتى به مستقلا تارة، وتارة فى مقدمات قصائده، وقلما يصوغه بصيغة المذكر مما يدل على أنه لم يكن صاحب غلمان مثل أبى نواس أو حتى مثل البحترى، ومرت فى الفصل الماضى قطع مختلفة له فى وصف العناق وجمال العيون ومن بديع ماله فى وصف الشعر المسترسل حتى مواطئ القدم قوله (١):
وفاحم وارد يقبّل مم ... شاك إذا اختال مسبلا غدره (٢)
أقبل كالليل من مفارقه ... منحدرا لا يذمّ منحدره
حتى تناهى إلى مواطئه ... يلثم من كل موطئ عفره (٣)
كأنه عاشق دنا شغفا ... حتى قضى من حبيبه وطره
стр. 1792
وهى صورة فريدة أسعفته بها قدرته على الاستقصاء فى وصف المحسوسات، وكثيرا ما يفجأ قارئه بمثل هذه الصور النفيسة فى غزله، وكأنما تحول عقله إلى ما يشبه كنزا سائلا بالدرر، فهو لا ينى يطرف قارئه بمعنى مستحدث أو خيال مبتكر من مثل قوله (١):
لا شئ إلا وفيه أحسنه ... فالعين منه إليه تنتقل
فوائد العين منه طارفة ... كأنما أخرياتها الأول
فكل شئ وكل عضو فى صاحبته فتنة من الفتن حسنا وجمالا، فالعين ما تزال تنتقل، وكلما تركت عضوا عادت إليه مفتونة، حتى لكأنما انمحت فكرة الأول وأعقابها، فكل شئ من الأول، وكل شئ لا يكاد النظر يفرغ منه حتى يعود إلى التملىّ به. وله قافية نظمها فى جارية سوداء لممدوح له من البيت العباسى هو عبد الملك بن صالح، وفيها يقول معللا علة حسنة لسوادها:
أكسبها الحب أنها صبغت ... صبغة حبّ القلوب والحدق
ويبدو أن بعض الجوارى عبثن به وغدرنه فى حبه ومكرن مكرا خبيثا، ولذلك نراه فى نونيته المسماة بدار البطيخ يصدر أحكاما قاسية على النساء عامة، من مثل قوله (٢):
ومن عجائب ما يمنى الرجال به ... مستضعفات لهم منهن أقران
مناضلات بنبل لا تقوم له ... كتائب التّرك يزجيهنّ خاقان
ولا يدمن على عهد لمعتقد ... أنّى وهن-كما شبّهن-بستان
يميل طورا بحمل ثم يعدمه ... ويكتسى ثم يلفى وهو عريان
يغدرن والغدر مقبوح يزيّنه ... للغاويات وللغاوين شيطان
وقد يكون دافع ابن الرومى إلى مثل هذه الأحكام القاسية على المرأة فى عصره شيوع دور القيان ببغداد وأن كثيرات من الجوارى لم تكن سيرتهن حسنة.
стр. 1793
وكانت الطبيعة تستأثر بكل مشاعره وعواطفه، مما جعله يكلف بها كلفا شديدا، بل لقد تحوّل عاشقا لها عشقا لا نألفه عند شعراء العربية من قبله، فهو يعيش فيها مع كل حركة وكل همسة وكل وسوسة معيشة قوية حارة، معيشة محب واله، يرى الطبيعة من حوله، وقد تحولت وجوها فاتنة ناطقة، وكل شئ فيها يغريه بالنظر واللمس والشم، حتى لنحس كأنما يفنى فى الطبيعة فناء أصحاب المنزع الرومانسى الغربى، وكأنما الحجب ترفع بينه وبينها فى كل يوم فيزداد بها ولها ويزداد سرورا وغبطة، وقد عرضنا فى الفصل الماضى منظر الغروب وتجسيده لوداع الشمس للطبيعة وهى تلفظ أنفاسها الأخيرة. ونكتفى هنا بأن نسوق مثلا لتصويره الربيع، يقول (١):
ورياض تخايل الأرض فيها ... خيلاء الفتاة فى الأبراد
ذات وشى تناسجته سوار ... لبقات بحوكه وغوادى (٢)
فهى تثنى على السماء ثناء ... طيّب النّشر شائعا فى البلاد
من نسيم كأن مسراه فى الأر ... واح مسرى الأرواح فى الأجساد
منظر معجب تحيّة أنف ... ريحها ريح طيّب الأولاد
تتداعى بها حمائم شتّى ... كالبواكى وكالقيان الشوادى
تتغنّى القران منهن فى الأي ... ك وتبكى الفراد شجو الفراد
فالأرض تتراءى له كأنها فتاة حسناء تختال فى برود الربيع البهيجة، ووشيها الذى نسجته السحب نسجا بديعا، وهى تثنى على السماء ثناء عاطرا، والنسيم يسرى فى الأرواح سريان الأرواح فى الأجساد، وما أجمله من منظر وما أروعه من عطر للطبيعة يملأ النفس حنانا وعطفا كرائحة الأولاد النجباء، والحمائم تتناغى بين باكيات وشاديات، أما الشاديات فيتغنين لرفقائهن، وأما الباكيات فمنفردات ليس لهن قرين، وكأنهن يبكين الانفراد. والقطعة تعجّ بالحياة، بل قل إنها تعج بالحب حب شاعر أغرم بالطبيعة وملأت قلبه برّا وحنانا ومودة. ولفت هذا الجانب
стр. 1794
عند ابن الرومى العقاد، فقال إنه أثر من آثار وراثته اليونانية، ولكن اليونان لم يعرف عندهم شعر الطبيعة، هم ملأوها بالآلهة، ولكنهم لم يفصحوا عن مشاعرهم إزاءها على نحو ما نجد عند ابن الرومى، وأوربا نفسها فى عصرها الكلاسيكى فى أثناء القرنين السابع عشر والثامن عشر، حين كانت تحاكى الآثار اليونانية، لم يعرف عندها هذا النوع من الشعر، إنما عرف فى العصر الرومانسى فى أثناء القرن التاسع عشر، حين انفكّت من محاكاة الآثار اليونانية (١). على كل حال كان ابن الرومى يشغف بالطبيعة ويكلف بها كلفا لم يعرف لشاعر قديم.
وجعلته قدرته على نقل المشاهد الحسية يبرع فى وصف مجالس الأنس وما يجرى فيها من خمر وسماع. وهو لا يتورط فى المجون والإثم تورط أبى نواس وأمثاله، وليس معنى ذلك أنه لم يكن يحتسى الخمر، فقد كان شربها شائعا فى عصره، ومرّت بنا فى غير هذا الموضع الأبيات المشهورة التى يقول فيها إن أبا حنيفة أحلّ النبيذ. ودعا الخمر فى بعض شعره ريق الدنيا، يقول:
فتى هجر الدنيا وحرّم ريقها ... وهل ريقها إلا الرّحيق المبرّد
وقد أكثر من وصف مجالس السماع، وجعله ذلك يكثر من وصف المغنين والمغنيات، وكانت أذنه مرهفة وشعوره حادّا، فإذا لم يقع المغنى أو المغنية من أذنه موقعا حسنا صبّ عليهما شواظا من هجائه، على نحو ما مرّ بنا فى هجائه لشنطف، ولعل أروع تصوير لمغنية محسنة تصويره لغناء وحيد، وكانت فتنة صوتا وحسنا، وفيها يقول (٢):
تتغنىّ كأنها لا تغنّى ... من سكون الأوصال وهى تجيد
لا تراها هناك تجحظ عين ... لك منها ولا يدرّ وريد (٣)
من هدوّ وليس فيه انقطاع ... وسجوّ وما به تبليد (٤)
مدّ فى شأو صوتها نفس كا ... ف كأنفاس عاشقيها مديد
стр. 1795
واشتهر بإكثاره من وصف ألوان الطعام والفاكهة، وقد ذكرنا له فى الفصل الماضى قطعا مختلفة فى وصف دجاج مشوىّ ومرققات وقطائف وعنب رازقى، وديوانه زاخر بأمثالها، وهى أثر من آثار نهمه فى الطعام، وأيضا من آثار براعته فى وصف كل ما يشاهده ويقع عليه حسه، وله قطعة معروفة فى وصف الرّقاق وأخرى فى وصف قالى الزلابية يقول فيها (١):
كأنما زيته المقلّى حين بدا ... كالكيمياء التى قالوا ولم تصب
يلقى العجين لجينا من أنامله ... فيستحيل شبابيكا من الذهب (٢)
وهذا الجانب عنده جعله قريبا من ذوق العامة، وأدنى إلى أن يصبح شاعرا شعبيّا، ومن تتمة هذه الشعبية فيه أن نراه يصف الحمّالين والشوّائين، كما يصف الثياب البالية، وكان قد تعلق بوصفها الشاعر المعروف باسم الحمدونى، فنزع منزعه فى هذا الجانب بمثل قوله (٣):
معمّر قال نوح حين أبصره ... إنا محيوك فاسلم أيّها الطّلل
أميل فى الطّرق خوفا من مزاحمة ... تهدّه فكأنى شارب ثمل
وأكبر الظن أن هذا الجانب الشعبى هو الذى جعله يهتم بالزهاد والوعاظ، وليس فى حياته ما يصله بالوعظ والزهد، وقد ذكرنا له موعظة فى الفصل الماضى، وكأنما كان يتغنى مشاعر الشعب فى وعظه وتصويره للزهاد. وحقّا أن ديوانه يجرى فيه تشاؤم واسع، ولكن التشاؤم شئ والزهد شئ آخر، فالزهد انصراف عن الدنيا ومتاعها الزائل، والتشاؤم-وخاصة عند ابن الرومى-نقمة على فقدان المتاع بالحياة، وهى نقمة صبّت على شاعر نابه امتاز بقلب ذكى وحس مرهف وشعور دقيق، فمضى فى كثير من جوانب شعره يصور الحياة سوداء حالكة، ويتخذها هى والناس وشرورهم وطباعهم موضوعا لدرسه وشعره. وعلى نحو ما كانت لديه قدرة على وصف كل ما يقع عليه حسه بجميع جزئياته كانت لديه قدرة على النظرات الكلية الجامعة، فإذا
стр. 1796
هو يضع لبعض الأخلاق الذميمة صورا مجسمة كصورة المتكبر (١) والأكول (٢) والثقيل (٣)، وبالمثل الأخلاق المحمودة كالصبر والتجلد، وقد مثلنا فى الفصل الماضى لهما بقطعة من شعره.
وكان ابن الرومى لا يعود إلى أشعاره بتنقيح ولا تهذيب، وكان إذا نظم أكثر وامتد نفسه امتدادا بعيدا. فكان طبيعيّا أن يكون فى أشعاره ما يهبط درجات عما حوله، ففيها المصقول وغير المصقول، وفيها ما يرتفع إلى الأفق الأعلى وما يدنو إلى الآفاق الدنيا، بحكم أنه لا يعاود عمله، ويؤكد ذلك ما يروى عن تلميذه أبى عثمان الناجم من أنه رآه ذات مرة قد غضب، فصنع قصيدة طويلة لساعته كلها هجاء، فسأله أين مسوّدتها؟ . فأجابه: هى هذه، فقال له الناجم: ما فيها حرف مصلح، فقال:
قد استوت بديهتى وفكرتى فما أعمل شيئا فأكاد أصلحه. وليس معنى ذلك أنه يوجد فى أشعاره غثّ كثير، فقد تلافى ذلك عنده ما امتاز به من أفكار وأخيلة نادرة، وما كان يحرص عليه من بث الفنون الجديدة فى أشعاره وخاصة الجناس، وكانت له أذن موسيقية رائعة. وكل ذلك حمى الصياغة عنده من الهبوط عن المستوى الرفيع إلا ما كان يريد أن يقترب فيه من الذوق الشعبى، لشعبية كانت متأصلة فى ذات نفسه.
والحق أنه كان شاعرا بارعا، بل لا شك فى أنه أبرع شعراء العصر لما يحفل به ديوانه من الموضوعات والمعانى والأخيلة المبتكرة مما يملأ النفس إعجابا متصلا به وبأشعاره.
٤ - ابن المعتز (٤)
ولد عبد الله لأبيه المعتز بسامرّاء قبل مقتل جده المتوكل فى سنة ٢٤٧ للهجرة بأربعين يوما، فلم يكد يستقبل الحياة حتى صرع جده هذا المصرع الخطير،
стр. 1797
صرعه جنده وقواده الأتراك الذين فسح لهم فى الحكم والسلطان والتسلط، فإذا هم يسفكون دمه غير مراعين عهدا ولا ذمّة. وسرعان ما يتوفّى ابنه المنتصر الذى خلفه، ويصبح الخلفاء لعبة فى أيديهم، فيولّون المستعين ويخلعونه ويقتلونه، ويولّون المعتز (٢٥٢ - ٢٥٥ هـ) وكان لا يزال فى نحو العشرين من عمره، وكان جميل الوجه، وكأنما ورث جمال أمه الرومية التى سماها المتوكل قبيحة لجمال صورتها، من أسماء الأضداد، وكان مرهف الحس رقيق الذوق دقيق المشاعر، مما أنطقه بالشعر المصفّى. وكان يعكف على اللهو والصيد، فمجالسه لا تزال غاصة بشارية وعريب وزنام وابن بنان وغير هؤلاء من المغنيات والمغنين، ومواكبه لا تزال ذاهبة آيبة من الصيد. وفى مواضع مختلفة من كتاب الديارات للشابشتى نرى قصفه وشرابه وسماعه للغناء فى قصره وفى بعض الأديرة (١)، ونطلع على جانب من ترفه فى قصريه «الزوّ» و «الكامل» بسامراء، ومرّ بنا وصف البحترى للقصر الأخير وبستانه الممتد أمامه، ولعله نفس البستان الذى كان يزخر بالحيوانات، والذى كان يتسلّى بالفرجة فيه هو وأصدقاؤه على السبع والفيل كيف يتواثبان (٢).
وكانت أم عبد الله بدورها من الجوارى، ولعلها كانت أيضا رومية الأصل مثل جدته، فقد كان جميل المحيّا، وورث عن أبيه كل طباعه، فهو مثله جميل السجايا رقيق المشاعر. وكان ذكى القلب صافى العقل، فأضاف إلى ترفه الذى نشأ منغمسا فيه إقبالا متصلا على الدرس منذ نعومة أظفاره، حتى ليلفت ذلك البحترى، وهو لا يزال فى التاسعة من عمره، فيمدحه قائلا (٣):
أبا العباس برّزت على قوم ... ك آدابا وأخلاقا وتبريزا
فأما حلبة الشعر فتستولى ... على السبق بها فرضا وتمييزا
стр. 1798
وقد يكون فى ذلك مبالغة على عادة الشعراء فى الديح، لكن على كل حال فى البيتين وقصيدتهما ما يدل بوضوح على أن ابن المعتز كان يكبّ على القراءة وأن موهبة الشعر بدأت تستيقظ فى نفسه فى هذه السنّ الصغيرة. ويبدو أن أباه كان معجبا به إعجابا شديدا مما جعله يضرب باسمه الدنانير. ويسجل ذلك البحترى فى مدحة (١) طويلة له، يصور فيها جمال طلعته وشمائله الكريمة، ثم يقول:
وأبهجنا ضرب الدنانير باسمه ... وتقليده من أمرنا ما تقلّدا
وفى الشطر الثانى ما يصور إرهاض البحترى للمعتز بأن يولىّ عبد الله العهد، ومضى يصرّح بذلك ويطالب به ويهتف فى وضوح. ونراه فى قصيدة (٢) ثالثة يتشفع لعبد الله بأبيه كى يهب له من إقطاع أقطعه له ضيعة تجاور ضياعه بالشام، وفى ذلك يقول فى قصيدة رابعة (٣):
وملّيت عبد الله إنّ سماحه ... هو القطر فى إسباله وأخو القطر
شفعت إليه بالإمام وإنما ... تشفّعت بالشمس اقتضاء إلى البدر
ولم يلبث الدهر أن قلب ظهر المجن للمعتز وابنه، فإن جند الأتراك طالبوه فى السنة الرابعة من خلافته برواتبهم وكانت خزائن القصر خالية من المال، فاعتذر، ولم يقبلوا عذره، وظلوا يفاوضونه حتى قبلوا أن يدفع إليهم خمسين ألفا، ولكنه لم يجدها، فصمموا على خلعه، وهجموا عليه وضربوه بالدبابيس، ثم جعلوه فى بيت أو صدوا بابه حتى مات بعد أن أشهدوا عليه أنه خلع نفسه. وصادروا أموال أمه قبيحة كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، ونفوها إلى مكة ونفوا معها عبد الله ابنه وابنى عميه قصىّ بن المؤيد وعبد العزيز بن المعتمد. وهما محنتان قاسيتان أثّرتا فى نفس الصبى آثارا بعيدة: محنته التى امتحن بها فى أبيه الذى منحه الحياة والذى كان يغمره ببرّه وحنانه وعطفه، ومحنته بالنفى وعذابه ونكاله وعنائه، وما مرّ به فى أثناء ذلك من أمل ويأس ورجاء وقنوط، مع ما صلى به من حزن عميق على أبيه، مما ظل له أثر بعيد فى نفسه، وهو أثر يتراءى بوضوح فى أشعاره، إذ يطالعنا
стр. 1799
فيها دائما الإحساس بآلام الحياة وما تكتظ به من كوارث وفواجع، كبّرها فى نفسه وخياله ما؟ ؟ ؟ به فى صباه من ترف وحياة لاهية لم تلبث أن حفّت بها الدماء المسفوكة، ؟ ؟ ؟ ، كما حفّ بها النفى والتشريد، فإذا النعيم يصبح جحيما، وينقضى عهده إلى غير مآب، وفى ذلك يقول ابن المعتز باكيا صباه بدموع غزار (١):
لهفى على دهر الصّبا القصير ... وغصنه ذى الورق النّضير
وسكره وذنبه المغفور ... ومرح القلوب فى الصّدور
وطول حبل الأمل المجرور ... فى ظلّ عيش غافل غرير
ودار عام وتولّى المعتمد الخلافة لسنة ٢٥٦ فأرسل فى طلبه وطلب جدته وابنى عمه وردّهم إلى سامرّاء، وكانت شئون القصر أخذت تستقيم، فلم يعد للترك تسلطهم ولا استطالتهم على الخلفاء، إذ جعل المعتمد الأمر والنهى والسلطان لأخيه الموفق طلحة، وكان من أحزم بنى العباس وأشجعهم وأنبغهم فى إدارة السياسة والحرب وهو الذى قضى على ثورة الزنج وثورة الصفّاريين كما أسلفنا فى غير هذا الموضع.
فاطمأن الغلام المروّع وأخذت جدته قبيحة تعنى بتربيته، وأحضرت له المعلمين فى الفقه والحديث والأدب واللغة، من مثل محمد بن عمران والحسن العنزى الإخباريين، ومحمد بن هبيرة صاحب الفراء، ويبدو أنه كان يلقى المبرد وثعلبا فى أثناء زياراتهما لسامراء قبل انتقاله ونزوله ببغداد لسنة ٢٧٦. وفى المختار من شعر بشار أن ثعلبا كان أحد مؤدبيه فقطعه وقتا، فكتب إليه من قصيدة طريفة (٢):
يا فاتحا لكل علم مغلق ... وصيرفيّا عالما بالمنطق
إنا على البعاد والتفرّق ... لنلتقى بالذكر إن لم نلتق
وكان يقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم (٣). وأهم معلميه أحمد بن سعيد الدمشقى المحدّث الإخبارى، ويروى أن البلاذرى المؤرخ سعى عند جدته كى يصبح من معلميه ومؤدبيه، فغضب ابن سعيد ولزم بيته، وكانت سن ابن المعتز
стр. 1800
حينئذ ثلاثة عشر عاما، وعلم بغضب أستاذه فكتب إليه أبياتا يترضاه بها، وهى تصور ثقافته تصويرا دقيقا، إذ يخاطبه بقوله (١):
أصبحت يابن سعيد حزت مكرمة ... عنها يقصّر من يحفى وينتعل
سر بلتنى حكمة قد هذّبت شيمى ... وأجّجت غرب ذهنى فهو مشتعل
أكون إن شئت قسّا فى خطابته ... أو حارثا وهو يوم الفخر مرتجل
وإن أشأ فكزيد فى فرائضه ... أو مثل نعمان ما ضاقت بى الحيل
أو الخليل عروضيّا أخا فطن ... أو الكسائىّ نحويّا له علل
عقباك شكر طويل لا نفاد له ... تبقى معالمه ما أطّت الإبل (٢)
وهو يقول إن ابن سعيد خرّجه خطيبا فصيحا. لا يقل عن قسّ فى خطابته التى اشتهر بها بين الجاهليين، كما لا يقل عن الشاعر الجاهلى الحارث بن حلزة فى شعره وبداهته، ولا عن زيد بن ثابت فى عمله بالميراث، ولا عن أبى حنيفة فى علمه بالفقه، ولا عن الخليل بن أحمد فى علمه بالعروض، ولا عن الكسائى فى النحو واستنباط علله. وهذه هى مواد ثقافته فى سن الثالثة عشرة، ولم يذكر بينها فلسفة ولا منطقا، غير أنه ينبغى أن نحذر التعميم فى الحكم على ثقافته مما قاله عن نفسه فى تلك السن المبكرة، ومن الطبيعى-وكان نهما بالقراءة-أن يكون قد أطلع على شئ من الفلسفة وقرأ بعض كتب الفلك والتنجيم، ففى أشعاره إشارات لهما (٣)، وإن كنا نظن ظنّا أنه لم يلمّ بذلك فى مطالع حياته. ولعل من الطريف أن نجده يقول (٤):
ولا تفزعن من كل شئ مفزّع ... فما كل تربيع النجوم بضائر
وكأنه كان يتشكك فى حسابات المنجمين وما يزعمونه من طوالع السعد والنحس.
ومضى يمنح أوقاته للشعر والأدب، وكأنما قرر بينه وبين نفسه الانصراف عن السياسة وشئون السلطان، فقد بلا منهما فى جده المتوكل وأبيه المعتز ما جعله يقرر فى حزم
стр. 1801
الفراغ للحياة الأدبية، وأنفق فى ذلك أعواما كثيرة. وكان يقرأ كتابات سابقيه ويفكر فيما يقرأ منها ناقدا محللا، وما نصل إلى سنة ٢٧٤ للهجرة حتى نجده يصنّف كتابه «البديع» محاولا أن يضع من جهة لأول مرة فنونه وضعا علميا دقيقا، وأن يثبت من جهة ثانية أن هذه الفنون قديمة فى الأدب العربى وكل ما للمحدثين العباسيين منها إنما هو الإكثار، أما بعد ذلك فهى منثورة فى القرآن الكريم والحديث النبوى وأشعار الجاهليين والإسلاميين. وألف كتبا أدبية أخرى كثيرة مثل كتاب الزهر والرياض ومكاتبات الإخوان بالشعر وكتاب الجوارح والصيد، وكتاب فصول التماثيل فى الشراب وآدابه، وكتاب السرقات، وكتابه «طبقات الشعراء المحدثين» ذائع مشهور وهو يصور ثقافة واسعة بالشعر العباسى الحديث كما يصور نظرات نقدية طريفة وذوقا مهذبا صافيا. وكان يعنى منذ فواتح حياته بالغناء والموسيقى، وفى ذلك يقول أبو الفرج الأصبهانى: «كان عبد الله حسن العلم بصناعة الموسيقى والكلام على النغم وعللها، وله فى ذلك وفى غيره من الآداب كتب مشهورة، ومراسلات جرت بينه وبين عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وبين بنى حمدون وغيرهم تدل على فضله وغزارة علمه وأدبه (١)». ويسوق أبو الفرج رسالة لعبيد الله إلى ابن المعتز، ومنها نعرف أنه كان يميل فى الغناء إلى التجديد ولا ينكر أن يغير الإنسان بعض نغم الغناء القديم، ثم يورد أبو الفرج من صنعته بعض أصوات أو أدوار تدل فى وضوح على أنه استطاع أن يتخطى دور المتاع بالغناء لعصره إلى دور الإنتاج فيه إنتاجا ممتازا جعل العصور تحمله من بعده، وكثيرا ما كان يزوره بعض المغنين والمغنيات ويغنونه فيما يصنع من الشعر. ومن الجوارى اللائى كن يكثرن من الاختلاف إليه والغناء فى شعره زرياب وبنت الكراعة وخزامى، على نحو ما يحدثنا عنهن أبو الفرج فى ترجمته.
وكان ابن المعتز يأخذ بنصيب غير قليل من متاع الحياة (٢)، وكأنه ورث عن أبيه كل مزاجه، أو قل هى حياة القصور المترفة التى تدفع من يعيشها إلى اللهو، مما جعله يفتح بيته للندماء فى بعض الأيام وبعض الليالى يسمعون ويشربون، وكان أكثرهم من الشعراء أمثال النميرى، وبينهما مراسلات شعرية طريفة، وعلى بن مهدى
стр. 1802
الأصبهانى الكسروى وبينهما مكاتبات بالأشعار ومجاوبات (١) وجحظة وهو الذى أعطاه لقبه الذى اشتهر به. وكان شغوفا مثل أبيه بالصيد، وسنعرض لبعض أشعاره فيه. وينبغى أن نلاحظ أن مجالسه لم تكن لهوا خالصا، فقد كان يختلف إليه نابهون كثيرون من علماء اللغة والأدب وفى مقدمتهم المبرد وثعلب أستاذاه وصديقاه، ويقول الصولى فى ترجمته له بكتابه الأوراق: «كانت داره مغاثا لأهل الأدب وكان يجالسه منهم جماعة».
ومرّ بنا أن أباه وهبه إقطاعا كبيرا بالشام، ولا بد أن يكون قد وهبه إقطاعا أو إقطاعات أخرى فى العراق، ومن أجل ذلك كنا نخالف من زعموا أنه كان يعيش فى إقلال، ثم كان عنده ما ورثه عن جدته قبيحة وإن كان القائد التركى صالح ابن وصيف صادر أموالها، فقد كانت لها بقية عاشت منها حتى توفيت سنة ٢٦٤. ولا بد أنه كان ينال راتبا كثيرا أو قليلا من الدولة لعهد عمه المعتمد الذى امتد حتى سنة ٢٧٩، ويروى الصولى قصيدتين له مدحه بهما، وفى إحداهما يقول (٢):
أهلا وسهلا بالإمام ومرحبا ... لو أستطبع إلى اللقاء سبيلا
ولعل ابن المعتز نظم هذه القصيدة بعد أن ردّ الموفق أخاه المعتمد عن الموصل إلى بغداد لسنة ٢٦٩ وكان قد ظن بأخيه الموفق الظنون وعزم على اللحاق بمصر. وقد يكون فى ذلك ما يدل على أن الناس ومعهم ابن المعتز كانوا يخشون حينئذ لقاء الخليفة خوفا من غضب أخيه وبطشه. وفى أخبار ابن المعتز أنه كان يروى أشعار عمه المعتمد، مما يدل على أنه كان كثير الاختلاف إلى مجالسه، وكان عاكفا على الملاذ والملاهى، فكان طبيعيّا أن يتصل الودّ بين العم وابن أخيه وخاصة إذا كان مثل ابن المعتز شاعرا وإخباريّا ظريفا. ونراه يسوق إلى عمه الموفق الذى أبلى بلاء عظيما فى محاربة الزنج والقضاء على صاحبهم قضاء مبرما غير مدحة، ويبدو أنه
стр. 1803
أكثر حينئذ من تهانيه بظفره. من مثل قوله (١):
ولما طغى أمر الدعىّ رميته ... بعزم يردّ السيف وهو كليل
وأعلمته كيف التصافح بالقنا ... وكيف تروّى البيض وهى محول (٢)
ويتوفى الموفق فى سنة ٢٧٨ ويخلفه ابنه المعتضد وكان لا يقل شجاعة وحزما عنه وكان عونه وظهيره فى حرب الزنج، ويسلم عمه المعتمد مقاليد الأمور إليه، ويتوفى سنة ٢٧٩ فيخلفه المعتضد، وكان مهيبا شديد الوطأة، فخافه قواد الترك، وظلوا كما كانوا فى عهد أبيه خانعين. ويتحول بالخلافة إلى بغداد وتصبح حاضرة الدولة، ونرى ابن المعتز يوجه إليه مدائح مختلفة يطلب فيها الإذن له بالتحول من سامراء إلى بغداد من من مثل قوله (٣):
لعمرى لئن أمسى الإمام ببلدة ... وأنت بأخرى شائق القلب نازع
وما أنا فى الدنيا بشئ أناله ... سوى أنا أرى وجه الخليفة قانع
ويأذن له المعتضد وينزل بغداد، وتتحول داره إلى ندوة كبيرة للعلماء والأدباء، ويكثر المبرد من الاختلاف إليه فيها، وتروى كتب الأدب بعض ما كان يدور بينهما من محاورات فى الشعر والشعراء (٤). ويصبح من ندماء ابن عمه ورفقائه على الشراب والسماع إلى الغناء، وتقبل الدنيا عليه، وتنعقد صداقة بينه وبين عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد القديم وصديق أبيه، ويهنئه باختيار ابنه محمد لشرطة بغداد قائلا (٥):
فرحت بما أضعافه دون قدركم ... وقلت عسى قد هبّ من نومه الدّهر
فترجع فينا دولة طاهريّة ... كما بدأت والأمر من بعده الأمر
وتتوثق صداقة ثانية بينه وبين عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد، ويبدو أنها صداقة قديمة منذ وزر عبيد الله للمعتمد، وهو يكثر من مدحه وشكره
стр. 1804
على ما يصله به من أعطيات الدولة، وتنشأ بينه وبين ابنه القاسم الذى وزر بعده صداقة ثالثة ومودة أكيدة، وفى ذلك يقول منوّها بتلك الأسرة (١):
لآل سليمان بن وهب صنائع ... إلىّ ومعروف لدىّ مقدّما
هم علّموا الأيام كيف تبرّنى ... وهم غسلوا عن ثوب والدى الدّما
ويتوفّى المعتضد سنة ٢٨٩، وكان ابنه المكتفى غائبا، ويضطر رئيس الحرس مؤنس إلى حبس جماعة من وجوه العباسيين حتى تؤخذ البيعة للمكتفى، وتمضى بسلام، ويسلك فيهم ابن المعتز، ونراه يجأر إلى القاسم بالشكوى من هذا الحبس الاضطرارى وسرعان ما يردّ إليه القاسم حريته، كما يرد إليه أعطياته ويوالى له العطاء، فيكثر ابن المعتز من مدحه، معترفا له بصنيعه من مثل قوله (٢):
أصلح بينى وبين دهرى ... وقام بينى وبين حتفى
ولا يلبث القاسم أن يلبى نداء ربه لسنة ٢٩١ ويظل المكتفى يفسح لابن المعتز فى مجالسه، وابن المعتز يكثر من مدائحه، وينوه بانتصارات جيوشه على قرامطة الشام وزعيمهم الحسين بن زكرويه القرمطى المعروف بصاحب الشامة، وينادمه ويحضر مجالس سماعه وشرابه.
ويتوفّى المكتفى لسنة ٢٩٥ للهجرة ويتولى الخلافة من بعده ابنه المقتدر وسنه لا تتجاوز الثالثة عشرة فيكثر اللغط حوله ويتكلم الناس فى شأنه ويقولون كيف يتولى الخلافة من لم يبلغ الحلم، كما يقول كثيرون ينبغى خلعه. وتدخل سنة ٢٩٦ وما يوافى شهر ربيع الأول حتى يزداد اللغط والكلام لاستيلاء أمه شغب وقهرمانتها على الحكم كما مر بنا فى غير هذا الموضع ولقصوره الواضح عن تدبيره شئون الخلافة. وفى يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول اجتمعت جماعة كبيرة من القواد والقضاة واتفقت على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتز وبايعته فى اليوم التالى (٣)، وكان الرأس المدبر لذلك محمد بن داود بن الجراح الكاتب،
стр. 1805
وقلّده ابن المعتز الوزارة وتكلم فى المقتدر قائلا: إنه لم يبلغ الحلم وإنه لا تصح للناس صلاة معه ولا حج ولا غزو وقد آن للحق أن يتضح وللباطل أن يفتضح. ولم يكد يمر يوم على هذه البيعة حتى هبّ مؤنس الخادم فى جند كثيرين فنقضها وجدّد للناس بيعة المقتدر وأخرج لهم الأموال وزاد فى الأعطية. ولم يبق مع ابن المعتز أحد فهرب إلى دار ابن الجصاص تاجر الجواهر المشهور وقبض عليه مؤنس وقتله، وبذلك لم تتم له الخلافة إلا لمدة يوم وليلة، وقيل بل لمدة نصف نهار فحسب. وما كان أحراه أن يبتعد عنها، متعظا بما أصاب أباه منها، ولكن النفس أمارة بالسوء.
ولعل فيما سبق ما يوضح العناصر التى كونت شخصية ابن المعتز الأدبية، فهو عربى عباسى يعتز بعروبته وأسرته، ولد فى القصر العباسى وفى كل ما انبثّ فيه من لهو وطرب، على نحو ما هو معروف عن آبائه: الرشيد والمتوكل والمعتز، إذ كانوا يفرغون للهوهم ومتاعهم كلما أتيح لهم الفراغ، وقد يكون فى ذلك بعض البواعث عنده على الإحساس المادى للأشياء، أو قل على وصفها وصفا ماديّا، إذ كان هذا الوصف هو الذى يلائم مزاجه المترف، كما كان يلائم عقله الذى يعيش فى النعيم فلا يستطيع أن يتعمق الأشياء، وإنما يقف عند ظاهرها الحسى المكشوف، وقديما أشار ابن الرومى إلى تأثير بيئته المترفة فى شعره، وإن كانت إشارته من طرف آخر ولكنه يلتقى بما قدمنا، فقد سأله شخص: لم لا تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ فقال له: أنشدنى شيئا من شعره أعجز عن مثله، فأنشده وصف ابن المعتز للهلال:
انظر إليه كزورق من فضّة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
فقال ابن الرومى له: زدنى، فأنشده:
كأن آذريونها ... والشمس فيه كاليه (١)
مداهن من ذهب ... فيها بقايا غاليه (٢)
وصاح ابن الرومى: واغوثاه! لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ذلك إنما
стр. 1806
يصف ماعون بيته، لأنه ابن الخلفاء وأنا مشغول بالتصرف فى الشعر وطلب الرزق به، أمدح هذا مرّة وأهجو هذا كرّة. وأعاتب هذا تارة وأستعطف هذا طورا (١).
وابن الرومى يلاحظ التأثير المادى المترف للبيئة على ابن المعتز. وعنصر آخر اشترك فى تكوين شخصيته الأدبية بقوة، وهو عنصر ثقافته العربية الإسلامية، وقد جعله ذلك أقرب إلى ذوق المحافظين منه إلى ذوق المجددين، حتى إذا انقسمت بيئات النقاد فى عصره إلى مجددين مسرفين فى التأثر بمقاييس البلاغة اليونانية وتحكيمها فى الشعر العربى من جماعة المترجمين ومن التف حولهم، ومحافظين مسرفين فى رفض هذه المقاييس والتأثر بالمقاييس العربية الخالصة من جماعة اللغويين أمثال ثعلب والمبرد والبحترى من الشعراء، ومعتدلين يتأثرون الضربين من المقاييس دون إفناء الشخصية الأدبية العربية فى المقاييس الأجنبية من أمثال أبى تمام وابن الرومى وجدناه يأخذ صف المحافظين لتعمق إحساسه بعروبته وتغلغل الثقافة العربية الإسلامية فى نفسه، ويصرّح بذلك فى كتابه البديع الذى أنشأه ليثبت أن كل ما استحدثه العباسيون المستظهرون للثقافة اليونانية الفلسفية ليس محدثا فى حقيقته، بل هو يستمد من أصول قديمة فى الشعر الجاهلى والإسلامى والقرآن الكريم والحديث النبوى.
وخصّ أبا تمام برسالة احتفظ بها فى ترجمته كتاب الموشح للمرزبانى، وهى تحمل كل الأسس التى كوّن منها الآمدى حملته على أبى تمام. ومعنى ذلك أنه على الرغم من ذوقه المرهف وحسه الرقيق كان ينحو نحو المحافظين فى فهم الشعر ونقده ونظمه. وكتابه «طبقات الشعراء المحدثين»، يدل على ثقافة واسعة بالشعر العباسى ولكنه استعان بتلك الثقافة نفسها على تأكيد الاتجاه المحافظ عنده؛ إذ سخرّها كما يتضح فى كتابه «البديع» لإثبات أن العباسيين لم يأتوا بشئ ذى بال، وأن كنوز الشعر العربى القديم لا تزال مفتوحة على مصاريعها ليشتق منها العباسيون كل بارع طريف.
ولا بد أن نلاحظ بجانب ذلك مؤثرا نفسيّا أثر فيه وفى شخصيته وشعره آثارا عميقة، ونقصد به مقتل أبيه وجده من قبله، مما آذى نفسه إيذاء شديدا إذ نشأ لا يعرف الأمن ولا اطمئنان القلب، وظل يرافقه هذا الإحساس طوال حياته،
стр. 1807
إذ يجلل شعره يأس عميق، وحقّا كان يكبّ كثيرا على اللهو يغرق فيه أحزانه.
ولكنها كانت أعظم من أن تغرق أو تنمحى من نفسه، ولعل ذلك ما جعله يكثر من الفخر بشجاعته، وهو يخاف الترك وغير الترك ويتملق عمومته وأبناءهم خوفا على حياته وإيثارا لعافيته.
وتلك هى مكونات شخصيته، بيئة مترفة ينغمس من فيها فى ضروب عدة من اللهو والمتاع بالحياة، وثقافة عربية إسلامية محافظة، وأحداث خطيرة جعلت الشر يلمّ به مبكرا، وتدلهمّ من حوله الخطوب، فيفكر فى الحياة والموت وما فى الدنيا من بؤس وآلام، وكأنما كتب عليه ألا يشرب كئوس الترف واللهو صافية، فدائما أو قل كثيرا ما تمتزج بها صور من الضيق بالحياة وما فيها من شر ونكر وما ينتظر الإنسان من مصيره المحتوم، وابن المعتز مع ذلك كله غزل ظريف حلو الدعابة جميل المحضر يألفه كثير من الأدباء.
ويبدو أن أكبر شاعر محدث كان يعجب به هو البحترى، فقد روى عنه أنه قال: كان مما حبّب الشعر إلىّ أنى سمعت البحترى ينشد الماضى (يريد أباه المعتز) شعرا تشوّقه الناس واستحسنوه ووصفوه، تصرّف فيه بغزل ووصف ومدح وشكر، وعدّد أصناف ما أخذ، وطلب خاتم ياقوت، وهو عندى من أحسن شعره، وهو:
بودّى لو يهوى العذول ويعشق ... فيعلم أسباب الهوى كيف تعلق (١)
والبحترى يستهل القصيدة بغزل ملئ بالشوق إلى علوة صاحبته الحلبية، ويصف طيفها الذى ألمّ به فى حلمه ولهفته على لقائها، وعناقها وصبابته بها ودموعهما وقبلاتهما والتصاق خددوهما حين يلتقيان، حتى ليقول:
فلو فهم الناس التّلاقى وحسنه ... لحبّب من أجل التلاقى التفرّق
ويفيض فى مديح المعتز وما أضفى عليه من عطايا، ويستوهبه فى رقة ولطف خاتما. ويلفتنا إعجاب ابن المعتز بهذه القصيدة التى أنشدها البحترى أباه وسنه
стр. 1808
لا تتجاوز التاسعة، وتذوقه لها فى هذه السن الباكرة يدل ذلك على أنه كان قد حفظ كثيرا من الشعر، حتى تكوّن له ذوق يستطيع به أن يفقه ما فى الشعر من جمال.
ومرّ بنا وصف البحترى له فى حياة أبيه بأنه يستولى على حلبة الشعر مما يدل على أن الشعر سال على لسانه وهو بعد فى الثامنة أو التاسعة من حياته.
ولم يكن البحترى وحده أستاذه فى مطالع حياته، فأهم منه أبوه المعتز إذ كان شاعرا بارعا، ولو قدّر له أن تمتد حياته لشغل النقاد بأشعاره على نحو ما شغلهم ابنه، وكان ينفق كثيرا من أوقاته فى اللهو والمجون والصيد، وينظم فى ذلك كله أشعاره ويطلب إلى هذا المغنى أو ذاك أن يتغنى فيما ينظم، وكل ذلك ورثه ابن المعتز عن أبيه. وبذلك كان له فى أوائل حياته أستاذان: أستاذ من بيته هو أبوه الذى كان يدرّبه على نظم الشعر، وأستاذ من غير بيته هو البحترى.
ومن المحقق أن نسيج صياغته لا يرتفع فى متانته وجزالته إلى مرتبة صياغة البحترى، حقّا كثيرا ما يرتفع، ولكنه قد يهبط درجات عن صياغته الجزلة الرصينة، مما جعل كثيرين فى عصره وبعد عصره يحملون عليه، وتصدى لهم أبو الفرج ملوّحا فى وجوههم بقوله: «شعره إن كان فيه رقّة الملوكية وغزل الظرفاء وهلهلة المحدثين فإن فيه أشياء كثيرة تجرى فى أسلوب المجيدين ولا تقصر عن مدى السابقين وأشياء ظريفة من أشعار الملوك فى جنس ما هم بسبيله ليس عليه أن يتشبّه فيها بفحول الجاهلية، فليس يمكن واصفا لصبوح فى مجلس شكل ظريف بين ندامى وقيان على ميادين من النّور والبنفسج والنّرجس ومنضود من أمثال ذلك. . . أن يعدل عما يشبهه من الكلام السّبط (السهل) الرقيق الذى يفهمه كل من حضر إلى جعد الكلام ووحشيّه وإلى وصف البيد والمهامه والظّبى والظّليم والناقة والجمل والديار والقفار والمنازل الخالية المهجورة، ولا إذا عدل عن ذلك وأحسن قيل له مسئ، ولا أن يغمط حقّه كلّه إذا أحسن الكثير وتوسّط فى البعض وقصّر فى اليسير وينسب إلى التقصير فى الجميع لنشر المقابح وطىّ المحاسن. فلو شاء أن يفعل هذا كلّ أحد بمن تقدّم لوجد مساغا (١)». وأبو الفرج بذلك أنصف ابن المعتز، ووضعه فى مكانه الصحيح، فهو فى أكثر شعره محسن، وهو فى بعضه متوسط الإجادة، وفى اليسير
стр. 1809
منه مقصّر، وأكبر الظن أن هذا اليسير من شعر الارتجال إنما كان فى أثناء سمره أو فى أثناء سماعه للغناء وشربه. على أنه لا بد أن نشير إلى مهارته فى الغناء والموسيقى وأن هذه المهارة جعلته من أصحاب الآذان الدقيقة التى تزن جرس الكلام، ولذلك كنا نحس عنده دائما بأنه لا يهمل الأسماع فى شعره، إذ كان يحاول أن يلذّها بأنغامه وألحانه.
وظاهرة ثانية فى أشعاره هى عنايته فيها بالتشبيهات والاستعارات والجناس والطباق وهى ظاهرة طبيعية، إذ كتب فى هذه الفنون كتابه «البديع» ونوّه بها، غير أنه لم يفرط فى الجناس والطباق إفراطا بعيدا، وقد عاب أبا تمام بذلك فى كتابه، لأنه يخرج فيه على طريقة القدماء. والمحافظون من أمثاله وأمثال البحترى كانوا يوازنون بين البديع المستحدث وصوره عند القدماء، فلم يكونوا يسرفون فيه مثل أبى تمام ومسلم ابن الوليد.
ولعل من الواجب أن نستعرض فنون الشعر عنده، لتتضح لنا شاعريته، وأول ما نقف عنده من تلك الفنون المديح، ومرّ بنا أنه مدح من الخلفاء المعتمد والمعتضد كما مدح عمه الموفق البطل المظفر، ونحس ببهجة حقيقة ومشاعر صادقة فى مديحه لابن عمه المعتضد، أما مديحه فى غيره ففاتر، وكان المعتضد كما أسلفنا بطلا مغوارا واستطاع-كما استطاع أبوه الموفق-أن يخضد شوكة الترك، بل أن يقلم أظفارهم، وكأنما كان يشفى غليل ابن المعتز وضغنه القديم عليهم، إذ هم قتلة أبيه وسافكو دمه، وليس ذلك فحسب هو الذى جعل المعتضد يقرب من نفسه، فقد اتخذه نديما وجليسا وتوالت عطاياه عليه، فكان إذا مدحه انبعث فى مديحه عن عاطفة صادقة حارة، وربما كانت خير مدائحه فيه رائيته التى يستهلّها بقوله (١):
سلمت-أمير المومنين-على الدّهر ... ولا زلت فينا باقيا واسع العمر
حللت الثريّا خير دار ومنزل ... فلا زال معمورا وبورك من قصر
فليس له فيما بنى الناس مشبه ... ولا ما بناه الجنّ فى سالف الدّهر
والثريا مجموعة من الدور والقصور بناها المعتضد، ويقال-كما مر بنا فى غير
стр. 1810
هذا الموضع-إنه أنفق عليها أربعمائة ألف دينار وإنها كانت تمتد نحو ثلاثة فراسخ، ومن حولها البساتين والرياض، وقد صوّرها ابن المعتز تصويرا رائعا، إذ يقول فى نفس القصيدة:
وأنهار ماء كالسلاسل فجّرت ... لترضع أولاد الرياحين والزهر
جنان وأشجار تلاقت غصونها ... فأورقن بالأثمار والورق الخضر
ترى الطير فى أغصانهنّ هواتفا ... تنقّل من وكر لهنّ إلى وكر
ويتحدث عن بأس المعتضد وجراءته وأنه يفوق فيهما ليث الغاب الذى يجرّ إلى أشباله كل ليلة ذبيحة وحش أو ذبيحا من البشر، والذى ما يزال يفزع الناس بزئيره وبمن يفترس منهم ويقضمه قضما. وكان المعتضد حقّا شجاعا شجاعة خارقة، ويصور ابن المعتز ما بسط فى البلاد من عدل ومن رفق بالعباد وجبروت شديد بمثل قوله فى القصيدة:
حكمت بعدل لم ير الناس مثله ... وداويت بالرّفق الجموح وبالقهر
وليس فى أشعاره مديح أو تهنئات لولاة أو وزراء سوى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وعبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد وابنه القاسم كما أسلفنا، وخير مدائحه فيهم جميعا ما مدح به عبيد الله بن سليمان بن وهب، وهو على كل حال لا يبالغ فى إطرائه له على عادة الشعراء المتكسبين بأشعارهم، إنما هى أبيات ينفث بها صدره من مثل قوله (١):
أيا موصل النّعمى على كل حالة ... إلىّ قريبا كنت أو نازح الدّار
كما يلحق الغيث البلاد بسيله ... وإن جاد فى أرض سواها بأمطار
لقد عمر الله الوزارة باسمه ... وردّ إليها أهلها بعد إقفار
وكانت زمانا لا يقرّ قرارها ... فلاقت نصابا ثابتا غير خوّار
стр. 1811
وفى ديوانه وبين أشعاره مراث قليلة وأهمها ما نظمه فى ممدوحيه السالفين وخاصة المعتضد صديقه فقد حزن عليه حزنا شديدا، إذ أحسّ كأنما انهار ركن العباسيين الوطيد وانقض من أساسه، كما أحسّ أن أيام أنسه عادت ظلاما، فقد طوت المنية صديقة الحميم، وطار قلبه فزعا، واسودّت الدنيا من حوله، وقد مضى يرثيه ويتفجع عليه وعلى دولته وما بذله فى حمايتها ووقايتها من جهد جهيد وبأس له شديد، يقول والدموع تنهمر من عينيه وتكاد تخنقه خنقا (١):
يا ساكن القبر فى غبراء مظلمة ... بالطاهريّة مقصى الدّار منفردا (٢)
أين الجيوش التى قد كنت تسحبها ... أين الكنوز التى لم تحصها عددا
أين السرير الذى قد كنت تملؤه ... مهابة، من رأته عينه ارتعدا
أين الرّماح التى غذّيتها مهجا ... مذ متّ ما وردت قلبا ولا كبدا
ويتحسر على قصره الثريا ووصائفه وملاهيه، وكأنما أصبح طللا مهجورا، ولا أثر ولا عين، كأنما لم يكن به المعتضد يوما. ويحزن حين توفى قبله وزيره عبيد الله ابن سليمان بن وهب، ولكنه لا ينظم فيه قصائد إنما ينظم أبياتا قليلة يبكى فيها قدرته الكتابية أو قدرته السياسية فى الحكم والتدبير من مثل قوله (٣):
هذا أبو القاسم فى نعشه ... قوموا انظروا كيف تسير الجبال
يا ناصر الملك بآرائه ... بعدك للملك ليال طوال
وطبيعى ألا نجد عند ابن المعتز هجاء، فقد كان يرتفع بنفسه عن هذا الفن الذى يستحيل فى أيدى الشعراء سهاما يسددونها إلى خصومهم، ولم يكن له خصوم، ولا كان يكنّ لأحد خصومة إلا ما قد يقوله تندّرا ودعابة من مثل قوله لعلى بن بسام هجّاء عصره (٤):
يا قذى فى العيون يا حرقة بي ... ن التراقى حزازة فى الفؤاد
يا طلوع العذول ما بين إلف ... يا غريما وافى على ميعاد
стр. 1812
يا ركودا فى يوم غيم وصيف ... يا وجوه التجار يوم الكساد
خلّ عنا فإنما أنت فينا ... واو عمرو أو كالحديث المعاد
ويكثر ابن المعتز فى شعره من الفخر بجوده وشجاعته ومضائه فى الحروب وفروسيته، وهو يحاكى فى ذلك القدماء فى حماستهم، فهو فخر مصطنع متكلّف فى جمهوره، ويفخر طويلا بأسرته وبجده العباس عم الرسول ﷺ وبلائه فى موقعة حنين، وبشجاعة آبائه وعمومته وبلاغتهم، وفى ذلك يقول (١):
إنا لننتاب العداة وإن نأوا ... ونهزّ أحشاء البلاد جموعا
ونقول فوق أسرّة ومنابر ... عجبا من القول المصيب بديعا
قوم إذا غضبوا على أعدائهم ... جرّوا الحديد أزجّة ودروعا
وكأن أيدينا تنفّر عنهم ... طيرا على الأبدان كنّ وقوعا
والصورة الأخيرة بديعة، فهو يتصور رءوس الأعداء كأنها طير يتطاير بالسيوف مزايلا لمكانه من أبدانهن. ويمتزج الفخر عنده بشكوى كثيرة، وهى شكوى مردّها إلى ما كان يتعمق نفسه من حزن وألم منذ ألمت به محنته فى مقتل أبيه، على نحو ما مرّ بنا آنفا، فقد خلّفت هذه المحنة فى نفسه ضيقا شديدا ولعل ذلك ما جعله يشكو من إخوانه أحيانا.
وكان كثيرا ما يوجه فخره بأسرته إلى العلويين، مبينا أن بيته أحق بالخلافة من بيتهم، وقد ظلت ثوراتهم مشتعلة لا تخمد طوال عصره، مما جعله يكثر من وعيدهم وتهديدهم، مذكرا لهم بأن بيته هو الذى استطاع أن يثأر لهم من الأمويين قتلة الحسين وزيد حفيده (٢)، ويحاول فى مقطوعات وقصائد مختلفة أن يستلّ البغض والإحن من نفوسهم على شاكلة قوله (٣):
بنى عمّنا عودوا نعد لمودّة ... فإنّا إلى الحسنى سراع التعطّف
لقد بلغ الشيطان من آل هاشم ... مبالغه من قبل فى آل يوسف
стр. 1813
فهم فى رأيه بيت واحد وإخوة وينبغى أن يتحابوا لا أن يتباغضوا ويتقاطعوا كما حدث بين إخوة يوسف ﵇ وبينه، حتى باعوه لسيّارة بثمن بخس دراهم معدودة. ويبدو أن بعض معاصريه لامه على ما يوجه للعلويين من لوم وأشاعوا أنه يسب على بن أبى طالب، فنظم قصيدة طويلة فى مديحه والثناء عليه، يقول فى مطالعها (١):
أآكل لحمى وأحسو دمى ... فيا قوم للعجب الأعجب (٢)
علىّ يظنّون بى بغضه ... فهلاّ سوى الكفر ظنّوه بى
ومضى يقول إن الذى يشيع ذلك هم القرامطة الذين حادوا عن جادّة الدين باسم التشيع لعلى وهو منهم برئ وفضله لا ينكره أحد، وأخذ يصور بسالته وبلاغته وأخوّته للرسول ﵇ ونفوذ بصيرته فى الحكم والقضاء وزواجه من السيدة فاطمة بنت الرسول، وسمّاه بحر العلوم، وذكر مواقفه العظيمة، وأشاد بالحسن والحسين وما كان من مقتل الأخير بيد الأمويين الغاشمة، وبكاء العباسيين عليه وأخذهم لثأره. ولا بد أن نفصل بين شعر ابن المعتز الموجّه إلى العلويين، والآخر الموجه إلى القرامطة والروافض، فهو فى الأول يغلب عليه الاعتدال والميل إلى الإنصاف أما فى الثانى فيملؤه بإنذارات وتهديدات شديدة، مع ما يسمهم به من الإلحاد والكفر والزندقة.
وتلقانا فى ديوانه مقطوعات غزلية كثيرة، ولكنها لا تنبئ عن حب حقيقى كان يكتوى بناره، فهى مقطوعات وقد تكون استهلالات لقصائد، لا تصدر عن وجد شديد، وإنما تصدر غالبا عن ود، وكأن مثله من أبناء القصور لا يستطيع الحب أن يتعمقه، ولذلك كنا نفقد عنده الإلحاح فى الطلب والأمل والشوق المبرح والتضرع الحار، وكل ما نجد إنما هو حب الشباب المترف الذى لا ينبع من أعماق النفس والقلب، أو قل هى أبيات ينظمها فيمن كن يغشين مجالسه من الجوارى أمثال نشر وشرّة على سبيل الدعابة من مثل قوله (٣):
стр. 1814
وابلائى من محضر ومغيب ... وحبيب منى بعيد قريب
لم ترد ماء وجهه العين إلا ... شرقت قبل ريّها برقيب
وقوله (١):
زاحم كمّى كمّه فالتويا ... وافق قلبى قلبه فاستويا
وطالما ذاقا الهوى فاكتويا ... يا قرّة العين ويا همى ويا
وهى أبيات لا تصور عذابا فى الحب ولا ألما من ناره المحرقة، إنما هى أقرب ما تكون إلى الدعابة، وختم البيت الرابع بقوله: «ويا» كما يقول الناس: يا أختى ويا ويا مستغنين بذلك عن الشرح. وقد تحولت هذه الصورة من التعبير فيما بعد إلى لون من ألوان البديع سمّاه المتأخرون باسم الاكتفاء. واقرأ فى ابن المعتز فإنك لن تقف على حب لاهب، إنما تقف على دعابات وصور وفنّ من مثل قوله (٢):
تقول العاذلات تعزّ عنها ... واطف لهيب قلبك بالسّلوّ
وكيف وقبلة منها اختلاسا ... ألذّ من الشماتة بالعدوّ
وقوله (٣):
إذا اجتنى وردة من خدّها فمه ... تكوّنت تحتها أخرى من الخجل
وكان-كما أسلفنا-ينفق على شاكلة أبناء القصور-كثيرا من أوقاته فى اللهو والخمر، وديوانه طافح بكئوسها ودنانها وسقاتها وأديرتها، فهو لا يشربها فى بيته ومجالسه مع أصدقائه فحسب، بل يشربها أيضا فى أمكنتها المعروفة لعصره وخاصة الأديرة مثل دير عبدون، وهو يصرّح بأنه كان يغرق فيها همومه إذ يقول (٤):
وليس للهمّ إلا شرب صافية ... كأنّها دمعة من عين مهجور
стр. 1815
فهو يقبل عليها لتنسيه همومه، ولتمسح على كدر حياته بنصاعتها وصفائها، وليتسلى ويتعزّى عن مقتل أبيه الذى لم ينسه يوما، ومثله فى الخمر مثله فى الحب، فهو لا يتعبّد لها كما كان يتعبد أبو نواس ولا يسبّح بآلائها مقدّما إليها قرابينه من الشعر، إنما هو يتسلّى بها ويتسلّى بما ينظمه فيها بمثل قوله فى مديح الصبوح (١):
اسقنى الراح فى شباب النهار ... وانف همّى بالخندريس العقار (٢)
قد تولّت زهر النجوم وقد بشّ ... ر بالصّبح طائر الأسحار
ما ترى نعمة السماء على الأر ... ض وشكر الرياض للأمطار
وغناء الطيور كلّ صباح ... وانفتاق الأشجار بالأنوار
فكأنّ الربيع يجلو عروسا ... وكأنا من قطره فى نثار (٣)
وهى أبيات تصور إحساسه بما ينعكس على بصره من جمال الطبيعة صباحا فى الربيع، ولكنها لا تصور حبّا ولا تهالكا على الخمر، ولا عاطفة جامحة أو متقدة، إنها ليست أكثر من أبيات يتسلى بها ويتعزى ويظهر مقدرته على النظم فى الخمر، ولذلك يكون من السهل عليه أن ينقض هذا المدح للصبوح ويضع قصيدة بل قل مزدوجة (٤) فى ذمه امتدت إلى نحو مائة وعشرين بيتا وفيها يقول:
فأىّ فضل للصّبوح يعرف ... على الغبوق والظلام مسدف (٥)
ويطيل فى الأسباب التى من أجلها يذمه ذمّا قبيحا، كأن يعرّض المصطبحين للبرد القارص شتاء والحر اللافح صيفا. وقد يكون مصدر هذا الذم شيوع المناظرات لعصره وبيان محاسن الشئ ومساوئه، كما مرّ بنا عند ابن الرومى فى ذمه للورد، ولكن من المؤكد أن ابن المعتز لم يصور فى ذلك عاطفة، وإنما صور عبثا عقليّا، وقد
стр. 1816
يكون أهم من هذا العبث وصفه للبستان فى مزدوجة مشهورة له، إذ يقول:
وياسمين فى ذرى الأغصان ... منتظم كقطع العقيان
والسّرو مثل قضب الزبرجد ... قد استمدّ العيش من ترب ندى
على رياض وثرى ثرى ... وجدو كالمبرد الجلىّ
وجلّنار كاحمرار الخدّ ... أو مثل أعراف ديوك الهند
ويستمر فى رصف مثل هذه التشبيهات والصور، وكانت لديه مهارة خارقة فى اجتلابها، والملاءمة بينها وبين ماعون بيته كما لاحظ ذلك ابن الرومى آنفا. وقد لا يستمدها من ماعون بيته، ولكن نحس كأنما عقله كان كنزا زاخرا بالتشبيهات والصور. وأكثر من تصوير أضواء الصباح وهى تحسر عن الأفق خيوط الظلام وسواده، فتارة يشبه الظلام بحبشى أسود والصباح يفترّ عن أسنانه ضاحكا من فراره، أو يشبهه بغراب قوادمه بيضاء أو مقصوص الجناح، أو بأسود عريان يمشى فى الدجى بسراج، وقد يشبه الهلال بزورق من فضة مملوء بالعنبر، ومن بديع تشبيهاته له تصويره بقوله (١):
كمنجل قد صيغ من فضّة ... يحصد من زهر الدّجى نرجسا
وتكثر فى الديوان مثل هذه التشبيهات البارعة لعناصر الطبيعة، ولم يقف عند الطبيعة المتحضرة وحدها فقد كان يلم بالطبيعة الصحراوية. ولعل أبا الفرج الأصبهانى لم يرد فى دفاعه عنه الذى مرّ بنا أن ينكر عليه أنه نظم بعض شعره فى الأطلال والبيد وحيواناتها، إنما أراد الإكثار من النظم فى الصحراء إذ له أشعار مختلفة فى وصفها، وقد مرت بنا فى غير هذا الموضع أبيات طريفة له فى وصف الأطلال والديار الخالية، وأخرى فى وصف ثور الوحش وبقره، ومن طريف ماله فى وصف الإبل قليلة اللبن وهى تحلب قوله (٢):
رأيت انهمار الدرّ بين فروجها ... كما عصرت أيدى الغواسل أثوابا
стр. 1817
وقوله فى أخرى وسراه عليها طوال الليل، كأنها هائمة تطلب شيئا ضالا منها (١):
فكأن أيديهنّ دائبة ... يفحصن ليلتهن عن صبح
وله فى الخيل أشعار مختلفة، وطبيعى أن يعنى بها، إذ كان شغوفا بالصيد، حتى ليحتل الطّرد جزءا كبيرا من ديوانه وأشعاره، ومن طريف ما نعته بها قوله فى مقدمة إحدى طردياته يصف فرسا له (٢):
قد أغتدى والصبح كالمشيب ... فى أفق مثل مداك الطيب (٣)
بقارح مسوّم يعبوب ... ذى أذن كخوصة العسيب (٤)
أو آسة أوفت على قضيب ... يسبق شأو النظر الرحيب (٥)
أسرع من ماء إلى تصويب ... ومن رجوع لحظة المريب
وينتقل من وصف الفرس إلى وصف الصقر أداته فى تلك الرحلة للصيد، ويصف مهارته فى تعقب طرائده من الطير وانقضاضه عليها بمنسره ومخالبه، يخزها ويطعنها مسيلا لدمائها مزهقا لأرواحها، يقول:
وأجدل أحكم بالتأديب ... سوط عذاب واقع مجلوب (٦)
يهوى هوىّ الماء فى القليب ... ما طار إلا لدم مصبوب (٧)
وعلى نحو ما يصور الصقور الجارحة فى طرده وصيدها للطير يصور البزاة بأبصارها الثاقبة ومناسرها الحادة المرهفة كالأسنة المشرعة، ومن طريف ماله فى تصوير عين باز قوله (٨):
ومقلة تصدقه إذا رمق ... كأنها نرجسة بلا ورق
стр. 1818
وله فى الكلاب طرديات كثيرة يأتسى فيها بأبى نواس، بل هو فى طردياته جميعا يأتسى به ويحاكيه حتى فى ألفاظه التى يفتتح بها تلك الطرديات، من مثل: قد أغتدى. وقد مضى فى إثره يتحدث عن ضمورها ومتانة أعضائها وشدة سمعها وحدّة براثنها ونشاطها وسرعة عدوها على شاكلة قوله فى إحدى طردياته (١):
ومخطف موثّق الأعضاء ... ذى أذن ساقطة الأرجاء (٢)
كوردة السّوسنة الشّهلاء ... وبرثن كمثقب الحذّاء (٣)
ومقلة قليلة الأقذاء ... صافية كقطرة من ماء
تنساب بين أكم الصحراء ... مثل انسياب حيّة رقطاء (٤)
وله طرديات أخرى فى الفهد، وفى قوس البندق، ويكثر فيها جميعا من التشبيهات والصور الطريفة، ومن الحق أنه كان بارعا فى تصوير أى شئ يلم به من كوكب فى السماء أو نجم أو سحابة أو رياض وأزهار فى الطبيعة المتحضرة أو حيوانات وأطلال فى الطبيعة المتبدية، وليس بين المحدثين من وصف الحيّة وصفه لها فى قوله (٥):
كأنّنى ساورتنى يوم بينهم ... رقشاء مجدولة فى لونها بلق
كأنها حين تبدو من مكامنها ... غصن تفتّح فيه النور والورق
ينسلّ منها لسان تستغيث به ... كما تعوّذ بالسّبّابة الغرق
وله مراسلات بالشعر بينه وبين إخوانه وهى تكثر كثرة تجعلنا نظن ظنّا أنه من أوائل من أعدوا لفتح باب الإخوانيات فى الشعر العربى، وهو فى طائفة منها ينحو نحو الدعابة. ويكثر فى شعره-كما قدمنا-من التفكير فى الموت ومصير الحياة
стр. 1819
والشكوى من الدنيا ومن الأصدقاء، وعللنا ذلك آنفا بأنها طوابع طبعتها فى نفسه نكبته بأبيه ونفيه إلى مكة فى صباه، وقد ظل يحنّ إلى سامراء بعد نزوله ببغداد وما لقى من بعوضها ونقيق ضفادعها (١).
وقد تحدثنا فى غير هذا الموضع عن اهتمامه بالشعر التعليمى ونظمه فيه مزدوجة تاريخية صوّر فيها سيرة صديقه وابن عمه المعتضد والأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية لعصره. ولعل فى كل ما أسلفنا ما يشهد ببراعته وامتيازه بين الشعراء لعصره.
٥ - الصنوبرى (٢)
هو أحمد بن محمد بن الحسن الضبى الصّنوبرىّ، وفى بعض المصادر أن اسمه محمد (٣)، وهو خطأ، إذ ذكر اسمه فى ديوانه غير مرة باسم أحمد، من مثل قوله معزيا نفسه فى بعض الظروف:
ارض حكم الزمان يا أحمد ارضه ... إن تذق ضيمه فقد ذقت محضه (٤)
وصحّف لقبه «الضبى» نسبة إلى قبيلة ضبّة فى فوات الوفيات، فصار «الصيبى» ولا علاقة له بالصين، إنما هو تصحيف النساخ. أما لقبه الثانى «الصنوبرى» فزعم هو نفسه أن جدّه كان يعمل فى دار الحكمة لعهد المأمون فاشترك فى مناظرة بين يديه وأعجب به فقال له: إنك لصنوبرى الشكل دلالة على ذكائه وحدة مزاجه، ولعل المأمون لم يرد بذلك إلا سمته وصورته وأن وجهه على
стр. 1820
هيئة ثمر الصنوبر المخروط الصورة، ويفخر الصنوبرى بهذا اللقب لأسرته قائلا (١):
إذا عزينا إلى الصّنوبر لم ... نعز إلى خامل من الخشب
لا بل إلى باسق الفروع علا ... مناسبا فى أرومة الحسب
وهو من أهل أنطاكية، ولكن منشأه ومرباه فى حلب، ولا ندرى كيف تحوّل أبوه به إليها، وقد مضى مثل لداته يحفظ شيئا من القرآن ويكبّ على حفظ الشعر وتعلم العربية، وكانت حلب مثلها مثل المدن الكبرى فى العالم العربى تزخر بعلماء اللغة والحديث والفقه وكان بها بعض الأطباء، وكانت الكتب على رفوف المكتبات تحت أعين الصبية والشبان. وفى ديوانه إشارات مختلفة إلى بعض العلماء فى اللغة وإلى بعض القضاة وبعض الأسر المهتمة برواية الحديث النبوى وإلى بعض المتطببين، ونراه يذكر أرسططاليس وبقراط فى بعض أشعاره (٢). وقد يدل ذلك من بعض الوجوه على أنه عكف منذ نعومة أظفاره على الدرس والتحصيل، وأنه قضى فى ذلك شطرا من حياته حتى تخرج شاعرا مثقفا، على الأقل ملمّا بالثقافات لعصره، إن لم يكن إلماما عميقا، فإنه على كل حال معرفة واطلاع.
وقد عاش حياته فى حلب، وكان يلم كثيرا بالموصل والرقتين، وألم بدمشق، ونجده لا يترك واليا على موطنه إلا ويقدم له مدائح وأشعارا كثيرة، وهو يستهلّ ذلك بمديحه لذكا (٣) بن عبد الله الأعور والى حلب منذ سنة ٢٩٥ حتى سنة ٣٠٢ وتحتفظ بقية الديوان المنشورة باسم الصنوبرى بقصيدة فى مديح ابنه المظفر (٤) يصفه فيها بالكرم والشجاعة، ويوصيه بشاعر يسمى الطبرانى أن يسبغ عليه من كرمه وعوده وكان هذا الوالى يتخذ يحيى بن محمد التفرى وزيرا له وعونا وظهيرا، وللصنوبرى فيه قصيدة طنانة يصور فيها بلاغته وبعوثه لحروب القرامطة والروم، ويخلف هذا الوالى على حلب أحمد بن كيغلغ القائد المشهور فى العصر ويظل
стр. 1821
بها نحو سنة ويعود إليها فى سنة ٣١٧ ويظل بها سنة أخرى، وكان عونه فى حكمه لحلب ابنه العباس، ويضفى عليهما مدائح كثيرة، ويبدو أن صلات العباس له كانت متوالية، ولذلك أكثر من مديحه. كما مدح محمود بن حبك الخراسانى الذى حكم حلب بعد ولاية ابن كيغلغ الأولى عليها وظل يحكمها حتى سنة ٣١٢ ونمضى مع الشاعر بعد ولاية ابن كيغلغ الثانية فنجده يمدح طريفا السبكرى حتى إذا خلفه أحمد بن سعيد الكلابى سنة ٣٢٤ وجّه إليه مدائحه. وتدخل حلب فى حكم ابن رائق صاحب دمشق ويعينه فى حكمها أبو الحسين بن مقاتل منذ سنة ٣٢٧ ويمدحه الصنوبرى مهنئا له بشهر رمضان، وسرعان ما يستولى يانس المؤنسى من قبل الحسن بن عبد الله بن حمدان صاحب الموصل على حلب سنة ٣٣٠ ويمدحه الصنوبرى بمثل قوله (١):
هو الفارس المروى من الدم سيف ... إذا لم يطق رىّ السيوف الفوارس
وتنشب حروب بين الإخشيد والحمدانيين أصحاب الموصل من جهة وبين الخليفة والبريدى من جهة أخرى، وينزل الخليفة عند الحمدانيين وينصرونه على خصومه لسنة ٣٣٠ فيخلع على الحسن بن عبد الله بن حمدان لقب ناصر الدولة، كما يخلع على أخيه على لقب سيف الدولة. وتشتعل الحروب بينه وبين الإخشيد فى سنة ٣٣٣ ولكنهما يفيئان إلى الصلح وتخلص حلب لسيف الدولة، وهو فى أثناء ذلك ينازل الروم ويكبدهم خسائر فادحة فى الأرواح. ومنذ قرع سيف الدولة لأبواب حلب واستيلائه عليها نجد الصنوبرى يقدّم له مدائحه، وأعجب به سيف الدولة، فلم يكتف بما أجزل إليه من صلات إذ اتخذه أمينا لمكتبته (٢). ويبدو أن سيف الدولة لم يتعرف عليه قبل نزوله حلب، وقد يؤكد ذلك أننا لا نجد فى ديوانه مديحا لأخيه ناصر الدولة وآبائهما فى الموصل، مع أن نجم الأسرة الحمدانية كان قد أخذ فى التألق منذ أواخر القرن الثالث الهجرى، ومع أنها كانت أسرة شيعية، وكان الصنوبرى نفسه شيعيّا، غير أنه ظل منحرفا عنها، حتى قدم سيف الدولة حلب وقد يرجع ذلك إلى اضطراب الأحوال فى بغداد واشتراك هذه الأسرة فى الفتن التى كانت تتعاقب
стр. 1822
هناك، ولعل هذه الفتن نفسها هى التى جعلته ينأى بنفسه عن بغداد وتقديم مدائحه لوزرائها وحكامها المختلفين. على أنه كان كثير المقام بالرقة، وكان يمدح بعض ذوى الوجاهة والنباهة بها ولكنه لم يفكر فى مديح أمرائها الحمدانيين، إلا إذا كانت هناك أشعار أخرى لم يحملها ديوانه خصّها بمديحهم.
على أن هذا الجانب يجعلنا نفكر فى شأن تشيعه، فديوانه يمتلئ بمراث لآل البيت وللحسين خاصة، مما يؤذن بأنه كان متشيعا حقّا، وهو يذكر فيه ما يؤمن به الشيعة من أن الخلافة ليست مفوضة للأمة وأنها تنتقل بالوصية من الرسول إلى على وأبنائه، على نحو ما نرى فى مثل قوله (١):
حباه بالوصيّة إذ ... حباه وهو ذو دنف
ويبدو أنه لم يكن غاليا فى تشيعه، بل يبدو أنه لم يعتنق مذهب الإمامية الاثنى عشرية الذى كان قد أخذ ينتشر فى بعض أركان العراق لعصره. وفى ديوانه قصيدة وجّه بها إلى جعفر بن على صاحب الزاب فى المغرب الأوسط، وصلة جعفر وأبيه على بالدعوة الإسماعيلية التى كانت قد أخذت فى الذيوع بتلك الديار مشهورة، ولكن ينبغى ألا نفهم من ذلك أن الصنوبرى كان على صلة بتلك الدعوة لا فى مقرها الجديد بالمهدية فى المغرب ولا فى مقرها القديم بسلمية فى الشام (٢)، وقد يؤكد ذلك أننا نجده يهاجم القرامطة (٣) الذين كانوا متصلين بتلك الدعوة حين أغاروا على الحجيج يوم التروية لسنة ٣١٧ وقتلوهم قتلا ذريعا، كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. وربما كان أكثر من ذلك تأكيدا أننا نجده يمدح زيادة الله بن الأغلب صاحب تونس، بعد أن هزمه أبو عبد الله الشيعى داعية الفاطميين لسنة ٢٩٦، وخرج من بلاده إلى العراق وأقام-حسب أوامر الخليفة-بالرقة (٤)، وظل بها حتى توفى سنة ٣٠٤ للهجرة (٥). ونرى الصنوبرى حينئذ يمدحه بغير قصيدة (٦) ولو أنه كان على صلة بالدعوة الفاطمية الإسماعيلية ما نظم فيه بيتا مثنيا عليه أو مادحا. ونجده
стр. 1823
حين يمدح آل البيت يمدح حمزة وجعفرا الطيار كما يمدح العباس (١) جد العباسيين. وهو يكثر من مديح بعض الهاشميين من سلالة على بن أبى طالب، ولكنه أيضا يكثر من مديح الهاشميين من سلالة العباسيين أمثال أبى العباس أحد أحفاد الرشيد وله يقول (٢):
أأبناء الخلافة من قريش ... وساسة أمر عالمنا المسوس
ألنتم من حزون الدهر حتى ... توهمت الحزون من الوعوس (٣)
وفى ديوانه ما يدل بوضوح على أنه كان لا يزال يرحل من حلب إلى الرقة على الفرات، حتى لتعدّ كأنما كانت موطنه الثانى وخاصة فى أيام شبابه وإدمانه على اللهو وخلعه للعذار. وكان لا يزال يؤمّ فيها مع بعض الفتيان والرفاق دير زكّى لجمال متنزهاته، ولما كان يجاوره من أماكن الصيد برّا وبحرا. وكثيرا ما كان يلمّ بمدينة الرّها هناك وكان بها دكان ورّاق يسمى سعدا، وكان يجتمع فيه بكثير من أدباء العراق والشام ومصر. ومن الرقة حتى دمشق كان ينزل فى كل ما بينهما من البلدان، ولم يدع جوادا أو حاميا من حماة الأدب فى تلك الأنحاء حتى قدم له مدائحه، ونستطيع أن نميز بين ممدوحيه عبد الرحمن الجلأبى من أهل حرّان بالموصل وابن كوجك فى طرابلس وعلى بن سهل بن روح فى حمص، أما الحلبيون فكثيرون من مثل أسرة السبيعيين، وكان منهم من يعنى برواية الحديث النبوى مثل الحسن بن أحمد السبيعى وله كتاب «التبصرة فى فضيلة العترة الطاهرة» ومثل القاضى أبى عبد الرحمن بن أخى الإمام ومثل على بن محمد بن حمزة العباسى الهاشمى وكان له قصر منيف وبساتين فى موضع يسمى فارث، وله فيه قصائد رائعة، ومثل أبى عبد الله الكرخى صاحب الخراج. وكثير هم العلويون الذين مدحهم مثل إسماعيل بن الفضل الهاشمى وابنه أبى بكر وحفيده أبى عيسى ومثل طاهر بن محمد ومحمد بن الحسين الهاشميين.
وكان يختلط فى كل البلدان التى ينزل فيها بشعرائها وأدبائها، وكان من أقربهم إلى
стр. 1824
نفسه المعوج الرقى ويقال إنه أستاذه، وقد توفى سنة ٣٠٧ وبكاه بمرثية طويلة يقول فيها (١):
يا سماء الشعر التى لى عليها ... كلّ يوم سماء دمع تفيض
كيف تجنى الأفهام زهر المعانى ... بعد ما جفّ روضهنّ الأريض
ولعل أهم صداقة كانت بينه وبين شاعر الصداقة التى انعقدت بينه وبين كشاجم، ونظن ظنّا أنها بدأت فى الرقة، وكان كشاجم قد اتصل هناك بأبى الهيجاء عبد الله بن حمدان والد سيف الدولة، فرعاه وصار من حاشيته، ثم صار من حاشية ابنه، ورافقه حين ألقى عصاه بحلب، حتى نهاية حياته، وكان أصغر سنّا من الصنوبرى، وكأنه اتخذ منه معلمه ورائده فى الشعر، فنسج على منواله، فى وصف الرياض وفى الخمريات والغزل، وبينهما مداعبات ومعابثات واستعطافات كثيرة، وكأن الأستاذ دائما كان حريصا على رضا تلميذه. وتمنى التلميذ يوما لو أصهر إلى أستاذه فى ابنة (٢) له، ولعل عالما لغويّا لم يحظ بصداقة الصنوبرى كما حظى على بن سليمان الأخفش الصغير، وكان قد رحل عن بغداد إلى مصر سنة ٢٨٧ ثم تركها سنة ٣٠٠ موليا وجهه نحو حلب، فظل فيها حتى سنة ٣٠٥.
وفى هذه السنوات الخمس انعقدت له حلقة كبيرة بالمسجد الجامع أمّها الشباب للتثقف، وكان بينهم الصنوبرى، فملك الأخفش عليه لبّه، وإذا هو ينظم فيه قصيدة طويلة يصوّر فيها نهله هو ورفاقه من ينبوعه العظيم، بمثل قوله (٣):
كرعنا منه فى أبح ... ر علم غير منزوفه
وطالعنا رياض العل ... م بالآداب محفوفه
وتضطره بعض ظروفه إلى أن يبرح محاضراته إلى أنطاكية مسقط رأسه، فيكتب إلى الأخفش متشوقا كما يقول، واصفا فراقه لهذا الفردوس العلمى، متمنيا لو فاءت عليه ظلاله. وتمتد به الأيام بعد ذلك نحو ثلاثين عاما يقضى معظمها فى اللهو، ويفيق مرة من كئوسه فى نحو الستين من حياته فيتمنى لو زهد فى الدنيا ومتاعها الزائل
стр. 1825
معلنا أنه بلغ السابعة والخمسين وآن له أن يزدجر ويرعوى ويكف عن اللهو وآثامه، يقول (١):
ألقت رداء اللهو عن عاتقى ... خمس وخمسون مضت واثنتان
وفى البيت ما يدل على أنه لم يمت وقد ناهز الخمسين كما يقول ياقوت (٢)، بل مات وقد ناهز على الأقل الستين، ولا ندرى هل هجر اللهو فعلا كما تمنى أو ظل يشرب كئوسه صافية وممزوجة حتى الأنفاس الأخيرة من حياته لسنة ٣٣٤ للهجرة.
وكان يعيش على ما يظهر فى يسر دائما، إذ نراه يذكر-كما يذكر ذلك كشاجم- أن له بحلب ضيعة وبستانا وقصرا حوله الأشجار والورود والرياحين (٣). وكثيرا ما نراه يدعو صحابه ورفاقه لمآدب عنده (٤)
وأخذ كثيرون يروون أشعاره وهو على قيد الحياة، وعنى أحد تلاميذه من الشعراء وهو أبو العباس الصفرى برواية ديوانه وعنه رواه القاضى أبو عمر عثمان بن عبد الله الطرسوسى (٥)، واهتم به معاصره أبو بكر الصولى فجمعه ورتبّه على حروف الهجاء فى مائتى ورقة (٦). ولم يلبث الديوان أن دخل الأندلس بعد وفاة صاحبه بنحو عشرين عاما لعهد الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ). على يد مواطن للصنوبرى ترجم له ابن الفرضى فى تاريخ (٧) علماء الأندلس، هو محمد بن العباس الحلبى، وعنه رواه اللغوى المشهور أبو بكر الزبيدى الإشبيلى، وذاعت هذه الرواية بين أدباء الأندلس، ونرى ابن خير يذكر طرقها فى فهرسته (٨). ولم يصل إلى عصرنا من الديوان إلا جزء منه يشتمل على قصائده من قافية الراء حتى القاف، أما الجزء الذى يسبقه والآخر الذى يلحقه فمفقودان، وحقّق الجزء الباقى تحقيقا علميّا الدكتور إحسان عباس وألحق به ما وجده فى المصادر المخطوطة والمطبوعة من أشعار الصنوبرى