← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

بها نحو سنة ويعود إليها فى سنة ٣١٧ ويظل بها سنة أخرى، وكان عونه فى حكمه لحلب ابنه العباس، ويضفى عليهما مدائح كثيرة، ويبدو أن صلات العباس له كانت متوالية، ولذلك أكثر من مديحه. كما مدح محمود بن حبك الخراسانى الذى حكم حلب بعد ولاية ابن كيغلغ الأولى عليها وظل يحكمها حتى سنة ٣١٢ ونمضى مع الشاعر بعد ولاية ابن كيغلغ الثانية فنجده يمدح طريفا السبكرى حتى إذا خلفه أحمد بن سعيد الكلابى سنة ٣٢٤ وجّه إليه مدائحه. وتدخل حلب فى حكم ابن رائق صاحب دمشق ويعينه فى حكمها أبو الحسين بن مقاتل منذ سنة ٣٢٧ ويمدحه الصنوبرى مهنئا له بشهر رمضان، وسرعان ما يستولى يانس المؤنسى من قبل الحسن بن عبد الله بن حمدان صاحب الموصل على حلب سنة ٣٣٠ ويمدحه الصنوبرى بمثل قوله (١): هو الفارس المروى من الدم سيف ... إذا لم يطق رىّ السيوف الفوارس وتنشب حروب بين الإخشيد والحمدانيين أصحاب الموصل من جهة وبين الخليفة والبريدى من جهة أخرى، وينزل الخليفة عند الحمدانيين وينصرونه على خصومه لسنة ٣٣٠ فيخلع على الحسن بن عبد الله بن حمدان لقب ناصر الدولة، كما يخلع على أخيه على لقب سيف الدولة. وتشتعل الحروب بينه وبين الإخشيد فى سنة ٣٣٣ ولكنهما يفيئان إلى الصلح وتخلص حلب لسيف الدولة، وهو فى أثناء ذلك ينازل الروم ويكبدهم خسائر فادحة فى الأرواح. ومنذ قرع سيف الدولة لأبواب حلب واستيلائه عليها نجد الصنوبرى يقدّم له مدائحه، وأعجب به سيف الدولة، فلم يكتف بما أجزل إليه من صلات إذ اتخذه أمينا لمكتبته (٢). ويبدو أن سيف الدولة لم يتعرف عليه قبل نزوله حلب، وقد يؤكد ذلك أننا لا نجد فى ديوانه مديحا لأخيه ناصر الدولة وآبائهما فى الموصل، مع أن نجم الأسرة الحمدانية كان قد أخذ فى التألق منذ أواخر القرن الثالث الهجرى، ومع أنها كانت أسرة شيعية، وكان الصنوبرى نفسه شيعيّا، غير أنه ظل منحرفا عنها، حتى قدم سيف الدولة حلب وقد يرجع ذلك إلى اضطراب الأحوال فى بغداد واشتراك هذه الأسرة فى الفتن التى كانت تتعاقب

стр. 1822

هناك، ولعل هذه الفتن نفسها هى التى جعلته ينأى بنفسه عن بغداد وتقديم مدائحه لوزرائها وحكامها المختلفين. على أنه كان كثير المقام بالرقة، وكان يمدح بعض ذوى الوجاهة والنباهة بها ولكنه لم يفكر فى مديح أمرائها الحمدانيين، إلا إذا كانت هناك أشعار أخرى لم يحملها ديوانه خصّها بمديحهم. على أن هذا الجانب يجعلنا نفكر فى شأن تشيعه، فديوانه يمتلئ بمراث لآل البيت وللحسين خاصة، مما يؤذن بأنه كان متشيعا حقّا، وهو يذكر فيه ما يؤمن به الشيعة من أن الخلافة ليست مفوضة للأمة وأنها تنتقل بالوصية من الرسول إلى على وأبنائه، على نحو ما نرى فى مثل قوله (١): حباه بالوصيّة إذ ... حباه وهو ذو دنف ويبدو أنه لم يكن غاليا فى تشيعه، بل يبدو أنه لم يعتنق مذهب الإمامية الاثنى عشرية الذى كان قد أخذ ينتشر فى بعض أركان العراق لعصره. وفى ديوانه قصيدة وجّه بها إلى جعفر بن على صاحب الزاب فى المغرب الأوسط، وصلة جعفر وأبيه على بالدعوة الإسماعيلية التى كانت قد أخذت فى الذيوع بتلك الديار مشهورة، ولكن ينبغى ألا نفهم من ذلك أن الصنوبرى كان على صلة بتلك الدعوة لا فى مقرها الجديد بالمهدية فى المغرب ولا فى مقرها القديم بسلمية فى الشام (٢)، وقد يؤكد ذلك أننا نجده يهاجم القرامطة (٣) الذين كانوا متصلين بتلك الدعوة حين أغاروا على الحجيج يوم التروية لسنة ٣١٧ وقتلوهم قتلا ذريعا، كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. وربما كان أكثر من ذلك تأكيدا أننا نجده يمدح زيادة الله بن الأغلب صاحب تونس، بعد أن هزمه أبو عبد الله الشيعى داعية الفاطميين لسنة ٢٩٦، وخرج من بلاده إلى العراق وأقام-حسب أوامر الخليفة-بالرقة (٤)، وظل بها حتى توفى سنة ٣٠٤ للهجرة (٥). ونرى الصنوبرى حينئذ يمدحه بغير قصيدة (٦) ولو أنه كان على صلة بالدعوة الفاطمية الإسماعيلية ما نظم فيه بيتا مثنيا عليه أو مادحا. ونجده

стр. 1823

حين يمدح آل البيت يمدح حمزة وجعفرا الطيار كما يمدح العباس (١) جد العباسيين. وهو يكثر من مديح بعض الهاشميين من سلالة على بن أبى طالب، ولكنه أيضا يكثر من مديح الهاشميين من سلالة العباسيين أمثال أبى العباس أحد أحفاد الرشيد وله يقول (٢): أأبناء الخلافة من قريش ... وساسة أمر عالمنا المسوس ألنتم من حزون الدهر حتى ... توهمت الحزون من الوعوس (٣) وفى ديوانه ما يدل بوضوح على أنه كان لا يزال يرحل من حلب إلى الرقة على الفرات، حتى لتعدّ كأنما كانت موطنه الثانى وخاصة فى أيام شبابه وإدمانه على اللهو وخلعه للعذار. وكان لا يزال يؤمّ فيها مع بعض الفتيان والرفاق دير زكّى لجمال متنزهاته، ولما كان يجاوره من أماكن الصيد برّا وبحرا. وكثيرا ما كان يلمّ بمدينة الرّها هناك وكان بها دكان ورّاق يسمى سعدا، وكان يجتمع فيه بكثير من أدباء العراق والشام ومصر. ومن الرقة حتى دمشق كان ينزل فى كل ما بينهما من البلدان، ولم يدع جوادا أو حاميا من حماة الأدب فى تلك الأنحاء حتى قدم له مدائحه، ونستطيع أن نميز بين ممدوحيه عبد الرحمن الجلأبى من أهل حرّان بالموصل وابن كوجك فى طرابلس وعلى بن سهل بن روح فى حمص، أما الحلبيون فكثيرون من مثل أسرة السبيعيين، وكان منهم من يعنى برواية الحديث النبوى مثل الحسن بن أحمد السبيعى وله كتاب «التبصرة فى فضيلة العترة الطاهرة» ومثل القاضى أبى عبد الرحمن بن أخى الإمام ومثل على بن محمد بن حمزة العباسى الهاشمى وكان له قصر منيف وبساتين فى موضع يسمى فارث، وله فيه قصائد رائعة، ومثل أبى عبد الله الكرخى صاحب الخراج. وكثير هم العلويون الذين مدحهم مثل إسماعيل بن الفضل الهاشمى وابنه أبى بكر وحفيده أبى عيسى ومثل طاهر بن محمد ومحمد بن الحسين الهاشميين. وكان يختلط فى كل البلدان التى ينزل فيها بشعرائها وأدبائها، وكان من أقربهم إلى

стр. 1824

نفسه المعوج الرقى ويقال إنه أستاذه، وقد توفى سنة ٣٠٧ وبكاه بمرثية طويلة يقول فيها (١): يا سماء الشعر التى لى عليها ... كلّ يوم سماء دمع تفيض كيف تجنى الأفهام زهر المعانى ... بعد ما جفّ روضهنّ الأريض ولعل أهم صداقة كانت بينه وبين شاعر الصداقة التى انعقدت بينه وبين كشاجم، ونظن ظنّا أنها بدأت فى الرقة، وكان كشاجم قد اتصل هناك بأبى الهيجاء عبد الله بن حمدان والد سيف الدولة، فرعاه وصار من حاشيته، ثم صار من حاشية ابنه، ورافقه حين ألقى عصاه بحلب، حتى نهاية حياته، وكان أصغر سنّا من الصنوبرى، وكأنه اتخذ منه معلمه ورائده فى الشعر، فنسج على منواله، فى وصف الرياض وفى الخمريات والغزل، وبينهما مداعبات ومعابثات واستعطافات كثيرة، وكأن الأستاذ دائما كان حريصا على رضا تلميذه. وتمنى التلميذ يوما لو أصهر إلى أستاذه فى ابنة (٢) له، ولعل عالما لغويّا لم يحظ بصداقة الصنوبرى كما حظى على بن سليمان الأخفش الصغير، وكان قد رحل عن بغداد إلى مصر سنة ٢٨٧ ثم تركها سنة ٣٠٠ موليا وجهه نحو حلب، فظل فيها حتى سنة ٣٠٥. وفى هذه السنوات الخمس انعقدت له حلقة كبيرة بالمسجد الجامع أمّها الشباب للتثقف، وكان بينهم الصنوبرى، فملك الأخفش عليه لبّه، وإذا هو ينظم فيه قصيدة طويلة يصوّر فيها نهله هو ورفاقه من ينبوعه العظيم، بمثل قوله (٣): كرعنا منه فى أبح ... ر علم غير منزوفه وطالعنا رياض العل ... م بالآداب محفوفه وتضطره بعض ظروفه إلى أن يبرح محاضراته إلى أنطاكية مسقط رأسه، فيكتب إلى الأخفش متشوقا كما يقول، واصفا فراقه لهذا الفردوس العلمى، متمنيا لو فاءت عليه ظلاله. وتمتد به الأيام بعد ذلك نحو ثلاثين عاما يقضى معظمها فى اللهو، ويفيق مرة من كئوسه فى نحو الستين من حياته فيتمنى لو زهد فى الدنيا ومتاعها الزائل

стр. 1825

معلنا أنه بلغ السابعة والخمسين وآن له أن يزدجر ويرعوى ويكف عن اللهو وآثامه، يقول (١): ألقت رداء اللهو عن عاتقى ... خمس وخمسون مضت واثنتان وفى البيت ما يدل على أنه لم يمت وقد ناهز الخمسين كما يقول ياقوت (٢)، بل مات وقد ناهز على الأقل الستين، ولا ندرى هل هجر اللهو فعلا كما تمنى أو ظل يشرب كئوسه صافية وممزوجة حتى الأنفاس الأخيرة من حياته لسنة ٣٣٤ للهجرة. وكان يعيش على ما يظهر فى يسر دائما، إذ نراه يذكر-كما يذكر ذلك كشاجم- أن له بحلب ضيعة وبستانا وقصرا حوله الأشجار والورود والرياحين (٣). وكثيرا ما نراه يدعو صحابه ورفاقه لمآدب عنده (٤) وأخذ كثيرون يروون أشعاره وهو على قيد الحياة، وعنى أحد تلاميذه من الشعراء وهو أبو العباس الصفرى برواية ديوانه وعنه رواه القاضى أبو عمر عثمان بن عبد الله الطرسوسى (٥)، واهتم به معاصره أبو بكر الصولى فجمعه ورتبّه على حروف الهجاء فى مائتى ورقة (٦). ولم يلبث الديوان أن دخل الأندلس بعد وفاة صاحبه بنحو عشرين عاما لعهد الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ). على يد مواطن للصنوبرى ترجم له ابن الفرضى فى تاريخ (٧) علماء الأندلس، هو محمد بن العباس الحلبى، وعنه رواه اللغوى المشهور أبو بكر الزبيدى الإشبيلى، وذاعت هذه الرواية بين أدباء الأندلس، ونرى ابن خير يذكر طرقها فى فهرسته (٨). ولم يصل إلى عصرنا من الديوان إلا جزء منه يشتمل على قصائده من قافية الراء حتى القاف، أما الجزء الذى يسبقه والآخر الذى يلحقه فمفقودان، وحقّق الجزء الباقى تحقيقا علميّا الدكتور إحسان عباس وألحق به ما وجده فى المصادر المخطوطة والمطبوعة من أشعار الصنوبرى

стр. 1826

ونشر هذا الملحق مع الجزء المذكور باسم ديوان الصنوبرى ومعه فهارسه فى نحو ٥٨٠ صفحة. ومن يقرأ فى شعر الصنوبرى يلاحظ توّا أنه كان يعنى بصناعة شعره وأنه أكبّ على الشعراء من قبله يقرأ فيهم ويستوعب ويتمثل، وخاصة أبا تمام والبحترى وابن الرومى وابن المعتز، فهو أحيانا يكثر من الجناس ومن فنون البديع على طريقة أبى تمام، وأحيانا لا يذهب بعيدا فى استخدام هذه الفنون على طريقة البحترى، وهو يكثر من التشبيهات والصور على طريقة ابن المعتز كما يكثر من وصف الطبيعة على طريقة ابن الرومى. وظل يمرن نفسه على نظم الشعر ويروضها على صناعته حتى قال (١): ما حلّ بى منك وقت منصرفى؟ ... ما كنت إلا فريسة التّلف كم قال لى الشوق قف لتلثمه ... فقال خوف الرقيب لا تقف بسطت خطوى كرها وقد قبضت ... رجلى عن الخطو شدة الكلف فكان جسمى فى زىّ منطلق ... وكان قلبى فى زى منعطف فارتضى حينئذ أن يعلن عن شاعريته وأن يقدم أشعاره لمن حوله، والأبيات فيها غير قليل من التكلف فى التعبير، وخاصة البيت الثانى، ومع ذلك تنمّ عن شاعرية جيدة، وواضح فيها العناية بالطباق والمقابلة على نحو ما يلاحظ القارئ لبيتيه الثالث والرابع. وأخذ يسلس له الشعر وأسلم له قياده حتى أصبح من المجلّين فيه البارعين. وإذا أخذنا نستعرض موضوعات الشعر عنده لاحظنا أنه عنى بالمديح عناية واسعة، إذا اتخذ شعره متجرا له ومربحا. فهو يقدّمه لولاة حلب ونوابهم وأبنائهم ومساعديهم وكثيرا ما يصرّح فيه بتنجز الوعود، وأنه لا يزال ينتظر هبة الممدوح وجائزته، وأكثر من مديح العباس بن أحمد بن كيغلغ، وفيه يقول (٢):

стр. 1827

وكيغلغىّ المجد يلفى مجده ... ثبت الدعائم محصد الأمراس (١) فرد الكيان فكفّه من رحمة ... تسع الأنام وقلبه من باس أعدى على صرف الليالى المعتدى ... وألان من طبع الزمان القاسى يوماه ذا عيد وذا عرس وإن ... جلاّ عن الأعياد والأعراس يأبى الحجاب وليس يحجب بشره ... عن أعين الندماء والجلاّس والأبيات مليئة بالجناسات والمقابلات والتقسيمات، على نحو ما يلاحظ فى أعدى والمعتدى والحجاب ويحجب، وفى الكف والقلب واللين والقسوة والعيد والعرس. وكأنما كتب أشعاره على أضواء من ديوان أبى تمام، وإن كان لا يبلغ مبلغه فى اقتناص المقابلات والجناسات. فقد كان أبو تمام أكثر دقة وأنفذ بصيرة. ولا نبالغ إذا قلنا إن أجود ما صاغه من مدائح صاغه فى الهاشميين من عباسيين وعلويين. وأهم هاشمى عباسى أسبغ عليه مديحه على بن محمد بن حمزة الهاشمى، وكانت له-كما مرّ بنا-ضياع يتوسطها قصر فى مكان يسمى فارث، وكان الصنوبرى كثيرا ما ينزل عنده بهذا القصر وينعم بما فيه من ترف ومن أسباب النعيم ووسائله، وله فيه قصيدة عينية رائعة يصور فيها ما نعم به عنده من غناء بعض الجوارى ومن راح وخمر. كما يصور بستانا حافلا بالورود والرياحين وبركة حساء تنهل فيها النجوم ويتحول إلى مديح ابن حمزة هاتفا (٢): ابقوا بنى العباس ما بقى الحصا ... لندى يؤمّل أو لخرق يرقع (٣) ويمدح كثيرا من العلويين المقيمين بحلب وغير حلب. ودائما يذكر أنهم عترة المصطفى وأنهم الجوهر المصفّى وسراج الدنيا، ومن خير مدائحه فى الهاشميين مدائحه لأبى إسحق السلمانى، ويصفه بالعلم الغزير والاطلاع الواسع على الثقافة اليونانية حتى ليرفعه درجات على أرسططاليس وبقراط، قائلا (٤): وأدقّ من رسطالس نظرا إذا ... ناظرته وأشفّ من بقراط

стр. 1828

فكر غدت أقفال فكر كلّها ... لكنهنّ مفاتح استنباط والرثاء كثير فى الديوان بصوره الثلاث من العزاء والتأبين والندب، فهو يعزى جعفر بن طاروف عن أخيه (١) بأن تلك حال الزمان يعصف بكل الأحياء، وقديما عصف بجرهم وطسم وأقيال حمير وكسرى وقيصر، ويعزّى ابن حمزة الهاشمى العباسى صديقه عن زوجته (٢) وأن طائرا لم يطر إلا كما طار وقع، ولا شرب أحد فى دنياه جرعة حلوة إلا أعقبتها جرعة مرة. وحزن طويلا على صديقه أبى إسحق السلمانى حين وافاه القدر، فأبّنه كثيرا واصفا علمه وباكيا عليه بمثل قوله (٣): غاب أبو إسحق فى الأرض بل ... غاب سراج الأرض فى الأرض بكته عيناى وفوق البكا ... حتى بكى بعضى على بعضى ومن أروع مراثيه ندبه للنبى ﵇ ولآله، وهو فيه يتحدث عن ابنته فاطمة الزهراء وعن على واصفا مقتله الأثيم ومؤكدا وصية الرسول له بالخلافة كما أسلفنا، ويذكر حديثه له فى غدير خم وأنه منه بمنزلة هرون من موسى، ويعرض مقتل الحسين وما صبّه فى نفوس المسلمين من جزع وكمد. ويخصّه بمراث كلها تفجع عليه ولوعات وزفرات، ونراه فى بعضها (٤) يصوّر سيرة جده المصطفى العاطرة ليظهر مدى الإثم فى مقتله، كما يصور سيرة أبيه على ونصرته للإسلام وماله من حقوق على الأمة، ويبكى مقتله فى كربلاء بالقرب من الفرات، وهو ساغب، يريد بعض الماء، فتلعق السيوف من دمه ودم شباب وصغار من بيته كانوا معه، وتعول أم كلثوم ومن كان فى ركبه من النساء عويلا مرّا، ويندد بقاتليه وفظاعة جريمتهم وما يزال يئنّ لمصرع الحسين وهتك حرمه بمثل قوله (٥): يوم الحسين على الد ... ين كنت يوما عسيرا ملأت والله كربا ... يا كربلاء الصدورا

стр. 1829

والفاطميون تقري ... هم السيوف الطيورا والفاطميات ينحر ... ن بالدموع النّحورا ونراه فى جوانب من تفجعه على الحسين وآل البيت يتوسل إلى الرسول ﵇ وفاطمة الزهراء وعلى ابنيه الحسن والحسين أن يكونوا شفعاء له يوم القيامة، حتى يغفر الله له ذنوبه، وهو يضيف إلى شفاعة الرسول المقررة عند أهل السنة شفاعة آل البيت، تشيعا لهم، كأنهم ورثوها فيما ورثوه عن النبى ﷺ . ويلتقى فى الديوان تفجعه على الحسين بتفجعه على ابنته ليلى وحيدته كما يقول، ويندبها فى كثير من القصائد والمقطوعات، وقد امتلأت نفسه شقاء وعناء ممضّا وامتلأ قلبه حسرات ولوعات محرقة، وما يزال يطلب إلى السحب أن تكسو الأرض من حول قبرها وشيا بعد وشى وحريرا بعد حرير وأزهارا وأنوارا فائحة العبير، ويناجيها فى رمضان ذاكرا عبادتها فيه وعكوفها على القرآن الكريم، وكيف تحوّل العيد بعدها لغيابها عنه مأتما، ويبكيها فى قصيدة ضادية، ويبكى معها أختها التى ماتت منه فى الرقة، وفى ذلك يقول (١): لنا فى الرّقّتين مضيض حزن ... وفى حلب المضنيض على المضيض وظل جرحه فى ليلى لا يرقأ، وكانت عروسا، فانقلبت الفرحة حزنا بل كارثة، وانقلب الرحيق حريقا يصطلى الصنوبرى بناره، ويتعذب عذابا شديدا، ولا مغيث له ولا ملجأ سوى الدموع والأنات والزفرات وأن ينوح عليها بمثل قوله (٢): يا ربة القبر المضئ الذى ... يضئ ضوء الكوكب السّارى أشتاق رؤياك فآتى فلا ... أرى سوى ترب وأحجار قومى إلى دارك قد أنكرت ... صبرك عنها أىّ إنكار استوحشت دارك من أهلها ... واستوحش الأهل من الدار ومن أروع مراثيه مرثيته فى أمه، وهو من أقدم من رثوا أمهاتهم إن لم يكن

стр. 1830

أقدمهم، وهو فى رثائه لها يصور شعورا عميقا بالحزن، وقد استهله بقوله: (١) قد صوّحت روضتى المونقه ... وانتزعت دوحتى المورقه ومضى يصور مرضها قبل موتها وكيف كان يئن لها أنينا متصلا. وله مرثية طريفة لثوب أبلاه الدهر. وهزّته بل أثّرت فى نفسه تأثيرا عميقا فاجعة الحرم المكى الكبرى لسنة ٣١٧ حين هجم القرامطة على الحجاج، وهم يهلون ويلبسّون يوم التّروية فأعملوا فيهم السيوف فى طرق مكة وفى البيت الحرام وهم متعلقون بأستاره، حتى ليقال إنهم قتلوا منهم نحو عشرة آلاف، ونرى الصنوبرى يبكيهم بكاء حارّا، هاتفا (٢): دموعهم تجرى خشوعا وخشية ... وأرواحهم تجرى على البيض والسّمر وما غسلوا بالماء بل بدمائهم ... وما حنّطوا إلا من التّرب لا العطر ومضى يصف القرامطة بالكفر وأنهم لا يعرفون صلاة ولا سجودا ولا طهرا ولا وضوءا ولا صوما ولا حجّا ولا شيئا من فرائض الإسلام. وله قصائد عدة فى الفخر، وهو كثيرا ما يفخر فيها بقبائل قيس والقبائل المضرية عامة وبضبة قبيلته، وأيضا كثيرا ما يفخر فيها بالمصطفى وآله. ونراه فى قافية له يضيف إليه أبا بكر الصديق وعمر الفاروق وخلفاء بنى العباس، إذ يقول فى عدّ قومه لمناقبهم ومفاخرهم (٣): عدّوا النبىّ الهاشمىّ ورهطه ... ووزيره الصدّيق والفاروقا ولهم خلائف من بنى العباس قد ... أعيوا جميع العالمين لحوقا وفى ذلك ما يدل بوضوح على أنه لم يكن غاليا فى تشيعه، إذ يرتضى خلافة الصديق والفاروق وخلفاء العباسيين، بل يمجّدها ويشيد بها فى قوة. وله أهاج كثيرة يملؤها بالفحش، ومن أطرفها هجاؤه لزوج ابنته ليلى التى رثاها طويلا، و؟ ؟ ؟

стр. 1831

أنها توفيت عقب إعراسه بها، فعدّه طائر شؤم وطالع نحس بغيض، وهجاه مرارا وتكرارا بمثل قوله (١): ألا يابن الجنيد اسمع ... وما أنت بذى سمع على التّفريق إملاك ... ك هدّا لا على الجمع (٢) على التّعس على الغمّ ... على النّحس على الفجع علىّ تحرّق القلب ... علىّ تحدّر الدمع وله قصيدة (٣) فى هجاء بعض الشمامسة، يصفه فيها بالشره فى الأكل وببعض العادات القبيحة، وبالثقل حتى إنه ليتفوق على جبل رضوى فى ثقله، وبالشؤم حتى ليوازى البوم فى شؤمه، ومن قوله فى ثقيل (٤): لو مرّ من ميل توهمته ... قد مرّ بين العين والحاجب وفى ديوانه معاتبات واستعطافات بينه وبين بعض أصدقائه، وألطفها ما نظمه فى استعطاف صديقه ورفيقه الحميم كشاجم، وكانا كأنهما روح واحدة فى جسدين أو جسد واحد فى ثوبين، فقد جمعت بينهما لحمة الشعر، ووثقت بينهما من الصداقة ما لا توثقه قرابة الدم، وله يقول متودّدا مستعطفا (٥): أخ لى عاد من بعد اجتنابه ... وفرّق بين قلبى واكتئابه وخاطبنى فخلت بأن زهر ال ... رّبى الموشىّ يجنى من خطابه فقرّب بين أجفانى وغمضى ... وباعد بين دمعى وانسكابه أتانى أرى منطقه فعفّى ... على ما ذقته من طعم صابه (٦) وله غزليات كثيرة، غير أن كثيرا منها فى الغلمان، وحاولنا-فى غير هذا الموضع-أن نخفف من حدّة هذه المثلبة السيئة عند الصنوبرى وغيره، فقلنا إن

стр. 1832

كثيرا من شعر الغلمان، إن لم يكن جلّه، كان يقال على سبيل الدعابة والتندير فى أثناء السكر وشرب الخمر. وله غزل فى فتيات ونساء كثيرات، ويغلب عليه التكلف إذ نراه يبحث غالبا عن تشبيه أو صورة، ومن غزلياته الطريفة قوله (١): تزايد ما ألقى فقد جاوز الحدّا ... وكان الهوى مزحا فصار الهوى جدّا وقد كنت جلدا ثم أوهننى الهوى ... وهذا الهوى ما زال يستوهن الجلدا فلا تعجبى من غلب ضعفك قوّتى ... فكم من ظباء فى الهوى غلبت أسدا جرى حبّكم مجرى حياتى ففقدكم ... كفقد حياتى لا رأيت لكم فقدا ومع ذلك فالقطعة لا تخلو من تكلف، حين يحوّل الهوى من المزح إلى الجد وحين يصبح واهنا بعد أن كان جلدا، وحين يغلب الضعف القوة، كل ذلك ليأتى بالطباق. وأطرف من هذه المقطوعة مقطوعته التالية (٢): لا النوم أدرى به ولا الأرق ... يدرى بهذين من به رمق إن دموعى من طول ما استبقت ... كلّت فما تستطيع تستبق ولى مليك لم تبد صورته ... مذ كان إلا صلّت له الحدق نويت تقبيل نار وجنته ... وخفت أدنو منها فأحترق والقطعة مع ما يترقرق فيها من جمال يتعمقها التكلف، على نحو ما يلاحظ فى البيت الثانى وتعب دموعه من استباقها وتقاطرها على خديه، وتعبيره عن عبادته لمليكه بصلاة الحدق فيه أيضا غير قليل من التكلف، وواضح أن الشطر الأول فى البيت الأخير مجلوب اجتلابا ليهيئ مكانا للشطر الأخير. وله مقطوعة نظمها فى فتاة مسيحية، تمضى على هذا النمط (٣): لا ومكان الصّليب فى النّحر ... منك ومجرى الزنّار فى الخصر والحلق المستدير من سبج ... على الجبين المصوغ من درّ (٤)

стр. 1833

وسكر أجفانك التى حلف ال ... فتور ألا تفيق من سكر وأقحوان بفيك منتظم ... على شبيه الغدير من خمر ما صبر المشوق لى فأصبر يا ... من حسنه فيه قلّة الصّبر ويكثر الصنوبرى من الحديث عن الخمر ووصف كئوسها وسقاتها ونداماها ومجالسها، يفرد لذلك القصائد والمقطوعات. وقد يضع نعت الخمر فى مقدمة بعض مدائحه، مضيفا إليها نعت بعض ليالى الأنس وما كان فى مجالسها من غناء وقيان وجوار معقربات الأصداغ. وقد يضيف إلى ذلك وصف البستان وما فيه من أزهار ممتدة حول القصور ومجالسها. وكثيرا ما يقرن وصف الربيع إلى الخمر، فهو ربيع الدنيا وهى ربيع الفرح والسرور فى رأيه. ويقرنها أيضا دائما إلى الأمطار، ولعله أول من قرنها بالثلج وانتثاره فى الطبيعة، وعرف له القدماء ذلك فقالوا إنه أول من تغنى بالثلجيات على شاكلة قوله (١): ذهب كئوسك يا غلا ... م فإن ذا يوم مفضّض الجوّ يجلى فى البيا ... ض وفى حلّى الدّرّ يعرض أظننت ذا ثلجا وذا ... ورد على الأغصان ينفض ورد الربيع ملوّن ... والورد فى كانون أبيض وهو يفرح بهذا اليوم من أيام كانون شهر الشتاء القارس، الذى يكسو الأشجار ثيابا بيضاء، وكأنها تجلى فيها، فهو يوم من أيام عرسها، وهو يعبّ فيه من كئوس الخمر المذهبة الصافية، فرحا بمنظر الثلج على الأغصان، وكأنما قطعه فى عينه ورود تنفض على الأغصان وعلى الأرض، ورود بيضاء، تكسو الطبيعة غلائل فضية بهيجة. وكان أكثر ما يفرغ لخمره ولهوه ولذاته فى الرقة، وكان يختلف مع رفاقه إلى بساتينها ومتنزهاتها على جداول البليخ والهنىّ والمرىّ. وله رائية (٢) يصور فيها نزهة فى بساتين تلك الجداول وفى دير زكىّ الذى كان يجاورها، ذاكرا قراها التى كان يتنقّل بينها من مثل هرقلة والصالحية

стр. 1834

وبطياس والرافقة وما كان يمتد فى المروج هناك من أنوار وأزهار، ويصف عكوفه على الخمر وسقاتها من الغلمان والجوارى، كما يصف صيده بالكلاب هناك من الغزلان، وكذلك صيده بالجوارح من الصقور والبزاة للطير من مختلف الألوان. ويصوّر من معه من الرفاق كما يصور نهر الفرات وسفنه المسرعة. وله وراء ذلك أشعار كثيرة فى دير زكىّ ونزهه فى بساتينه وخلعه مع بعض رفاقه للعذار فيه ولهوهم مع بعض فتياته، على نحو ما يحدّثنا فى قوله (١): لو على الدّير عجت يوما لألهت ... ك فنون وأطربتك فنون كم عزال فى كفّه الورد مبذو ... ل وفى الخدّ منه ورد مصون ويبدو أنه ارعوى حين تقدمت به السنّ بعد الخمسين، وربما كان لموت ابنته ليلى أثر فى ذلك، فقد صحا من خمره ولهوه على موتها فى سن البراعم الغضة، ولعل ذلك ما جعله يعلن أنه كفّ عن النبيذ فى حزم وعزم أكيد، حتى ليقول (٢): كنت أحبّ النبيذ جدّا ... فصار حبّى النبيذ بغضا فلست أرضاه لى شرابا ... والحمد لله لست أرضى وينضم؟ ؟ ؟ بعض أشعار فى الزهد، وله فيه قصيدة (٣) طويلة، يتحدث فيها عن الموت وعن ذنوبه ومعاصيه وأنه آن له بعد ما اقترف من الأثام أن يرعوى ويكف عن السير فى طريق اللهو ودروبه. ويتصل بهذا الموضوع عنده أن نجده يفرد بعض القصائد لنصائح خلقية وسلوكية فى الحياة، وهو الباب الذى يسمّى فى الشعر وأغراضه باسم باب الأدب، حيث تتوالى النصائح للبصر بالحياة ومسالكها الصعبة، من مثل قوله فى إحدى قصائده التى خصّها بهذا الباب (٤): أضاع الحزم من أمسى مطيعا ... طوال الدهر ذا حزم مضاع وأكثر ما استطعت الحلم إنى ... رأيت الحلم من كرم الطباع ولا تتع أخا سفه ودعه ... وكن للحرّ-دهرك-ذا اتباع

стр. 1835

ولم نتحدث حتى الآن عن الموضوع الأساسى فى شعره. وهو وصف الطبيعة التى عاش لها وعاش بها وعاش فيها معيشة جعلته أستاذ هذا الموضوع فى العربية. وقد مضى معاصروه من حوله ومن خلفهم فى العصور التالية لا فى المشرق وحده. بل أيضا فى المغرب والأندلس يسيرون على هديه فيه. حتى ضرب المثل بروضياته. وحقّا كان ابن الرومى مشغوفا بالطبيعة ووصف الرياض فى الربيع، ولكنه لم يعش لهذا الموضوع معيشة الصنوبرى ولا اتخذ له بستانا يزرع فيه الورود والرياحين والأزهار ويتعهدها تعهد المحب الوامق كما صنع الصنوبرى. فهو بحق شاعر من شعراء الطبيعة، عاش يتغذى خياله وروحه منها، واصفا لحدائقها وبساتينها ورياضها، حتى ليصبح ذلك كل شغله وكل وكده من حياته، وقديما عاش تلك المعيشة أبو نواس. ولكن فى الصهباء وكئوسها ودنانها، مما جعله يعلى وصفها على وصف الأطلال والديار العافية، وبالمثل نجد الصنوبرى يعلى وصف الطبيعة على وصف الديار والأطلال، فى مثل قوله (١): وصف الرياض كفانى أن أقيم على ... وصف الطلول فهل فى ذاك من باس يا واصف الروض مشغولا بذلك عن ... منازل أوحشت من بعد إيناس قل للذى لام فيه هل ترى كلفا ... بأملح الروض إلا أملح الناس فهو يعلى وصف طبيعة بلاده على وصف الأطلال، وكأنه أول تعبير قوى عن شغف شعراء الشام بطبيعة ديارهم الخلاّبة. ورأيناه فى غزله لا يهيم بالمرأة، وكأنما استأثرت الطبيعة بكل ما فيه من عاطفة، وشغلته بجمالها الهاجع فى الكون عن كل شئ، حتى لكأنما يعيش لها كل لحظة من حياته، وفى كل لحظة يصبو لها قلبه ويشتد وجده وتتتابع أنفاسه. ويصور ذلك فى قصيدة الأبيات السالفة قائلا عن رفاق له فى أحد البساتين: ما كدت أكتمهم وجدى بنرجسه ... إلا استدلّوا على وجدى بأنفاسى فهو يجد بالرياض وجدا لا يكاد يشبهه وجد، وكان يشتد به هذا الوجد فى الربيع، حين تأخذ الأرض زخرفها ويعبق الجو بروائح الأنوار والأزهار، وتتغنّى

стр. 1836

الطيور على الأشجار، وكأنما تتحوّل الرياض فى عينيه إلى أعياد وأعراس، حتى ليقول (١): ما الدهر إلا الربيع المستنير إذا ... أتى الربيع أتاك النّور والنّور (٢) فالأرض ياقوتة والجو لؤلؤة ... والنبت فيروزج والماء بلّور (٣) تظلّ تنثر فيه السّحب لؤلؤها ... فالأرض ضاحكة والطير مسرور حيث التفتّ فقمرىّ وفاختة ... يغنّيان وشفنين وزرزور (٤) إذا الهزاران فيه صوّتا فهما السّ ... ر ناى والنّاى بل عود وطنبور (٥) فالربيع كأنه دكان ملئ بالجواهر، والدنيا مليئة بالبشر والسرور والطيور تغنى ويشدو عندليبان بصوتهما الساحر، وكأنما تجتمع جوقة موسيقية تخلب الألباب بأغانيها الجميلة. ويهتف بالناس أن يفتحوا عيونهم وأبصارهم فى الربيع ليروا مفاتنه ويهتف بصواحبه من النساء أن يتأملن فى جماله الذى يملأ القلوب غبطة وابتهاجا، يقول (٦): يا ريم قومى الآن ويحك فانظرى ... ما للرّبى قد أظهرت أعجابها (٧) كانت محاسن وجهها محجوبة ... فالآن قد كشف الربيع حجابها ورد بدا يحكى الخدود ونرجس ... يحكى العيون إذا رأت أحبابها وكأن خرّمه البديع وقد بدا ... روس الطّواوس إذ تدير رقابها (٨) والسّرو تحسبه العيون غوانيا ... قد شمّرت عن سوقها أثوابها (٩) فهو يوقظ صاحبته لترى الطبيعة وقد حسر الربيع نقابها، فبدت خدودها وعيونها الرانية ورءوسها الزاهية، وكأنما السرو غانيات أقبلت مشمرة عن سيقانها

стр. 1837

تريد الرقص فى هذا الجو العطر البهيج. ويفرد كثيرا من مقطوعاته لوصف بعض الأزهار، ولم يكن زهر يملك لبّه كما كان يملكه زهر النرجس، وهو أعظم الأزهار فى الشام وأكثرها انتشارا فيه، وقد تغنى به طويلا على نحو ما نرى فى قوله (١): أرأيت أحسن من عيون النّرجس ... أم من تلاحظهن وسط المجلس درّ تشقّق عن يواقيت على ... قضب الزمرّد فوق بسط السّندس أجفان كافور حبين بأعين ... من زعفران ناعمات الملمس وهو فى كثير من وصفه للنرجس يستهدى بابن الرومى، إذ كان معجبا به مثله، ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أن ابن الرومى أدار مناظرة فى شعره بينه وبين الورد، وقف فيها مع النرجس موردا من الحجج من يؤكدّ فضله على الورد وأنه يفوقه حسنا وجمالا، وكأنما أراد الصنوبرى أن يعارضه فنظم مقطوعه (٢) نصر فيها الورد، ثم عاد فأقام معركة بين الأزهار، حاول فيها أن ينتصر للنرجس، وفيها يقول (٣): خجل الورد حين لاحظه النر ... جس من حسنه وغار البهار (٤) فعلت ذاك حمرة وعلت ذا ... حيرة واعترى البهار اصفرار وغدا الأقحوان يضحك عجبا ... عن ثنايا لثاتهنّ نضار (٥) عندها أبرز الشّقيق خدودا ... صار فيها من لطمه آثار (٦) وأضرّ السّقام بالياسمين ال ... غضّ حتى أذابه الإضرار ويمضى الصنوبرى على هذا النمط واصفا القتال بين النرجس والأزهار المختلفة، وكل منها يبوء بالهزيمة أمام النرجس وما يسلط من سهام عيونه الساحرة. وكان كلما وصف بلدة من بلدان الشام وصف طبيعتها الجميلة، وله فى دمشق والرقة قصائد بديعة، وأبدع منها قصيدته فى موطنه حلب، وهى أربعة أبيات ومئة استهلّها

стр. 1838

بالتشبيب. ثم أخذ فى وصف متنزهاتها وقراها ونهرها قويق وبركها، ثم وصف المدينة نفسها وجامعها وفيه يقول (١): حبذا جامعها الجا ... مع للنفس تقاها ومراقى منبر أع ... ظم شئ مرتقاها وذرى مئذنة طا ... لت ذرى النّجم ذراها قبة أبدع باني ... ها بناء إذ بناها لو رآها مبتنى قبّ ... ة كسرى ما بناها وتحدث عن حلقاتها الأدبية والعلمية. ووصف الطبيعة حولها وأشجارها وأزهارها وصفا رائعا، وتحدث مرارا عن نهر قويق مصرحا بضحولة مياهه وأنه ليس فيه شئ من سفن الفرات ولا من تماسيح النيل وإنما فيه فقط نقيق الضفادع. وكان طبيعيّا أن يصف الفستق أعظم نقل تشتهر به حلب وفيه يقول (٢): زبرجدة ملفوفة فى حريرة ... مضمّنة درّا مغشّى بياقوت وكانت لديه قدرة على ملاحظة دقائق الأشياء. ولذلك كان يحسن وصف أى شئ وصفا دقيقا. ومما اشتهر به وعرف له وصفه لديك الصباح الذى ينبهه وينبه الرّفاق معه لخمر الصباح التى تسمى بالصّبوح، وكان الشعراء قبله يلمّون به أحيانا. أما هو فخصّه بمقطوعة طريفة وفيها يقول (٣): مغرّد الليل ما يألوك تغريدا ... ملّ الكرى فهو يدعو الصّبح مجهودا (٤) لما تطرّب هزّ العطف من طرب ... ومدّ للصوت-لما مدّه-الجيدا كلابس مطرفا مرخ جوانبه ... تضاحك البيض من أطرافه السودا (٥) ران بفصّى عقيق يدركان له ... من حدّة فيهما ما ليس محدودا حالى المقلّد لو قيست قلادته ... بالورد قصّر عنها الورد توريدا

стр. 1839

وكان كثيرا ما يخرج مع رفاقه للصيد والقنص، وخاصة فى الرقة. يصدون بالكلاب الغزلان أو يصيدون بالجوارح طير الماء. وقد يصيدون السمك من الفرات بالشباك، وكل ذلك نجد وصفه فى أشعاره، وله طائية (١) يصف فيها جواده الذى يركبه للصيد وقد جنّ جنونه من السرعة حتى لكأنه حاقد على الفضاء، أما؟ ؟ ؟ فكأنها منبر للشاهين الذى سيطلقه على بطّ الماء أو طيره، وفيه يقول: كأنما مخلبه ... لأذن الطّير قرط ويصور سرعة مضيه حتى كأنه سهم يخرج عن قوس، فلا يكاد يرتد البصر حتى يأتى بصيده. ويتركه إلى وصف ما معه من كلاب الصيد، مصورا سرعتها هى الأخرى وهيئتها وانقضاضها على فرائس الصيد من الغزلان وغير الغزلان، وفيها يقول: موكّلات بالفلا ... يطوينها طىّ البسط كأنما آذانه ... نّ سوسن لم يحن قطّ كأنما أجفانها ... عن قطع الجمر تعطّ (٢) وساعدته حاستة التصويرية على أن يصور كل ما حوله وكل ما يقع عليه نظره، من ذلك تصويره للجرذان والهرّ (٣)، ونراه يقدم لذلك بتصوير هيئة كل منهما، فالهر أحدب الظهر منتصب الرأس، والجرذان دقيقة الخراطيم والآذان والأذناب حادة الأظفار والأنياب، ثم يتحدث عن إفسادها لكل شئ وكيف تنقب الحيطان والجدران وتصيب من كل طعام وشراب، والهرّ لها بالمرصاد، يقول: ناصب طرفه إزاء الزّوايا ... وإزاء السقوف والأبواب يسحب الصّيد فى أقل من اللّم ... ح ولو كان صيده فى السحاب ويصور لنا فرحه به حتى لقد ألبسه قرطا وقلاده، وخضبه بالحنّاء، وكأنه عروس مقلدة عقدا نفيسا، تمشى بأقدامها الحمراء على عنّاب وكل ذلك

стр. 1840

فرح بهذا الليث الذى قضى له على الجرذان قضاء مبرما. ومن تصاويره قوله فى شمعة (١): مجدولة فى قدّها ... تحكى لنا قدّ الأسل كأنها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل وهى صورة طريفة، ولعل فى كل ما أسلفنا ما يشهد بخصب خيال الصنوبرى وأنه كان خيالا خالقا، لا يزال يرسل الصور الطريفة تلو الصور، صور تحفل بما يملأ نفس قارئه إعجابا، وكان إلى ذلك شغوفا بالرياض والطبيعة شغفا ملك عليه حواسّه، حتى أصبح فيه قدوة للعصور التالية.

стр. 1841

الفصل السّادس: شعراء السياسة والمديح والهجاء ١ - شعراء الخلفاء العباسيين عرفنا فى كتاب العصر العباسى الأول أن حزب الخوارج الذى كان يصارع الأمويين مصارعة عنيفة خمد أواره، ولم تسبق منه حينئذ إلا أسراب قليلة حتى إذا كنا فى هذا العصر العباسى الثانى كادت تجفّ هذه الأسراب، ولم يعد من يعلن أنه خارجى أو يدافع عن الخوارج إلا أفراد قد نجدهم هنا أو هناك دون أن يكوّنوا حزبا أو يعملوا على نشر دعوة، إنما هى أفكار قد تعنّ لشخص، وقد يتبنّاها، ولكن دون أن يحمل من أجلها السلاح ودون أن يتغنّى بها شعرا، إلا ما كان من صاحب الزنج فإنه مزج فى دعوته بين التشيع ومذهب الأزارقة من الخوارج على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، إذ كان يستحلّ قتل أطفال المسلمين ونساءهم ويرى المسلمين جميعا كفارا ينبغى استفصالهم، بالضبط على نحو ما كان يذهب الأزارقة. ولكن حتى هذه الحركة الثائرة حركة الزنج لا تستطيع أن نسميها حركة من حركات الخوارج، لأنها كانت تزعم أو يزعم صاحبها أنها حركة شيعية ناسبا نفسه إلى فاطمة الزهراء كذبا وافتراء. وكأنما كان اضمحلال مذاهب الخوارج هو الذى جعله ينسب دعوته إلى البيت العلوى. أما حزب الشيعة فقد ظلت نيرانه لا تخمد فى هذا العصر، بل لعلها ازدادت اشتعالا، بكثرة من كانوا يثورون من العلويين فى الحجاز وفى طبرستان وشرقى الدولة، وكان وراء هذه الثورات شعر كثير يؤازرها ويناصرها ويرمى بقذائفه وشعله على العباسيين. وكان كثير من الشعراء يقف مع العباسيين، بل لقد كانت كثرتهم

стр. 1842

الغامرة تقف معهم؛ لأنهم أصحاب الدولة وفى أيديهم خزائنها وأموالها يكيلون لهم منها كيلا، فكان طبيعيا أن يكثر مدّاحهم ودعاتهم، بل إن كثيرين من شعراء الشيعة أنفسهم كانوا يظهرون غير ما يبطنون، فيمدحون هذا الخليفة العباسى أو ذاك لقاء ما ينشر عليهم من دراهم ودنانير. وكان منهم الخليفة المعتدل الذى لا يحمل على البيت العلوى ولا يضطغن مثل المنتصر، وكان منهم المتحامل المبغض مثل أبيه المتوكل أول خلفاء هذا العصر، وقد مرّ بنا أمره بحرث قبر الحسين ومحو أرضه ومنع الناس من زيارة مكانه وكذلك زيارة قبر أبيه فى النجف، وغدا آل أبى طالب فى محنة عظيمة طوال عهده يخافون على أنفسهم من القتل أو من المجلس. وتقرّب إليه غير شاعر من مثل على بن الجهم بشتم على رضى الله عنه كما أسلفنا، إما نصّا وإما تعريضا كقول الجمّاز أحد ندمائه (١): ليس لى ذنب إلى الش ... يعة إلا خلّتين حبّ عثمان بن عفّا ... ن وحبّ العمرين يريد بالعمرين أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب، ملوّحا بأنه من أهل السنّة، وأنه على مذهب المتوكل فى التّسنّن ومقت الشيعة. وفتح المتوكل أبوابه للشعراء كى يمدحوه ويمدحوا بيته ويبرهنوا على أنه هو البيت الوارث حقّا للخلافة، ملوّحين فى وجوه العلويين ومن يقفون معهم من الشيعة. وعرف الشعراء فيه هذا الجانب، فاستغلوه يقدمهم ابن الجهم ومروان بن أبى الجنوب وغيرهما كثيرون، وأتوه من كل فجّ من الشام والموصل والكوفة والبصرة والجزيرة العربية. وكان ممن أقبل عليه من الكوفة أبو الشّبل البرجمىّ، حتى إذا دخل عليه أنشده قصيدة مؤلفة من ثلاثين بيتا استهلّها بقوله (٢): أقبلى فالخير مقبل ... واتركى قول المعلّل وثقى بالنّجح إذ أب ... صرت وجه المتوكل وما إن انتهى منها حتى أمر له بألف درهم لكل بيت، فانصرف بثلاثين ألف

стр. 1843

درهم. وكان يغدو ويروح وفى ركابه البحترى يمدحه فى كل مناسبة مشيدا بآبائه ووراثته لنور النبوة وإمامته وعهده وعدله، ويتحول إلى ما يشبه داعية له فى كل عمل من أعماله. ومن طريف ما نقرأ من مدائح للمتوكل عند غيره مدحة لإبراهيم بن المدبر وكان لا يزال شابّا يعمل فى دواوينه، فمرض المتوكل ثم عوفى، ودخل الناس على طبقاتهم يهنئونه بالإبلال من مرضه، ودخل إبراهيم، ولم يكد يقف بين يديه حتى أنشده قصيدة يهنئه فيها بسلامته مهللا مبتهجا مع المبتهجين المهللين، وفيها يقول (١): اليوم عاد الدّين ع ... ضّ العود ذا ورق نضير يا رحمة للعالمي ... ن ويا ضياء المستنير يا حجة الله التى ... ظهرت له بهدى ونور والمبالغة واضحة وكأننا بإزء غال من غلاة الشيعة يمدح إمامه، وقد لعبت فيما بعد كلمة «حجة الله» دورا كبيرا فى المذهب الإسماعيلى الفاطمى. وكان طبيعيّا أن يطرب المتوكل حين سمع القصيدة، فيأمر له بخمسين ألف درهم ويتقدم إلى وزيره عبيد الله بن يحيى أن يوليه عملا جليلا ينتفع به. وكان كثيرون يسيل لعابهم لمثل هذا العطاء الجزيل، حتى كبار الكتّاب من أمثال إبراهيم بن العباس الصوبى. وكانوا ما يزالون ينتهزون الفرص من الأعياد والمناسبات، وكان من أكبر هذه المناسبات عقد المتوكل البيعة لولاة العهود أبنائه الثلاثة: المنتصر فالمعتز فالمؤيد، وصنع لذلك موكبا ضخما، سار فيه مع أولاده حتى نزل القصر الذى سمّاه العروس وأذن للناس فدخلوا إليه، فلما تكاملوا بين يديه وقف الصولى بين الصّفّين، واستأذن فى الإنشاد فأذن له فقال (٢): أضحت عرى الإسلام وهى منوطة ... بالنّصر والإعزاز والتأييد بخليفة من هاشم وثلاثة ... كنفوا الخلافة من ولاة عهود

стр. 1844

قمر توافت حوله أقماره ... فحففن مطلع سعده بسعود كنفتهم الآباء واكتنفت بهم ... فسعوا بأكرم أنفس وجدود فأمر له المتوكل بمائة ألف درهم وأمر له ولاة العهود بمثلها. ويتولى بعده المنتصر، فيرفع المحنة عن آل أبى طالب ويدفع عنهم الأذى ويردّ عليهم الأمن، ويتغنى شعراؤه بهذا الصنيع، يتغنّى البحترى ويتغنى غيره، ويتغنى شعراء الشيعة من أمثال يزيد (١) بن محمد المهلبى. وسرعان ما يخلفه المستعين، وفيه يقول أحمد بن يحيى البلاذرى (٢): ولو أنّ برد المصطفى إذ لبسته ... يظنّ لظنّ البرد أنك صاحبه وقال وقد أعطيته ولبسته ... نعم هذه أعطافه ومناكبه ويتولّى الخلافة بعده المعتز، وكان شاعرا مجيدا، ولو امتدت به الخلافة لكان مثل ابنه عبد الله فى خصب ملكاته الشعرية، وقصده كثير من الشعراء، ليأخذوا جوائزه أو ليصبحوا من ندمائه إذ كان صاحب لهو وقصف، فلم يكد يتسلم مقاليد الخلافة حتى فتح أبوابه لهم، وكان ممن دخل عليه وأنشده مهنئا أبو على البصير قائلا (٣): آب أمر الإسلام خير مآبه ... وغدا الملك ثابتا فى نصابه مستقرّا قراره مطمئنّا ... آهلا بعد نأيه واغترابه وتطول مدة المعتمد نحو عشرين عاما أو تزيد سنوات، وكان فيه لهو وانغماس فى الترف، ولكن يده كانت مكفوفة عن المال، كفّها أخوه وولىّ عهده الموفق أشد بنى العباس شكيمة لعصره وأحزمهم بكل معانى الحزم وأروعه. وكأنما اختاره القدر فى عصر أخيه لينازل الزنج وصاحبهم فى ثورتهم العارمة ويقضى عليها قضاء مبرما. فكان طبيعيّا أن ينصرف الشعراء عن الخليفة إلى ولى عهده وأمجاده الحربية فى وقائعه مع الزنج من جهة ومع يعقوب الصفّار من جهة ثانية. وقد صورنا هذه

стр. 1845

الوقائع فى غير هذا الموضع، وفى وقائعه مع الصفار يقول ابن فيد الطائى مصوّرا. انتصاره (١): وولىّ عهد المسلمين موفّق ... بالله أمضى من شهاب ثاقب يا فارس العرب الذى ما مثله ... فى الناس يعرف آخر لنوائب وتولّى الخلافة المعتضد، وكان مثل أبيه شجاعة وفروسية وحزما، ومرّ بنا أنه كان من مدّاحه ابن الرومى فهو يهنئه فى الأعياد المختلفة وينتهز كل مناسبة لينظم فيه أشعاره مهللا ممجدا. ونظم فيه ابن المعتز كثيرا من مدائحه. كما أسلفنا، وكان قرّة عينه، وله صنع أرجوزته التاريخية التى صوّر فيها عهده تصويرا بارعا، وفيها أصلى خصوم العباسيين نارا حامية، مصورا بشاعة ثورتى الزنج والقرامطة، وكأنما جرّد من نفسه محاميا أمام أبناء عمومته العلويين مدافعا عن بيته وحقوقه فى الخلافة، ومرّ بنا ذلك فى حديثنا عنه. ويتولّى المكتفى بعد أبيه المعتضد ويسبغ عليه ابن المعتز مدائحه، كما يسبغها أبو بكر الصولى وغيره. ثم تكون خلافة المقتدر وتأخذ الدولة فى الانتكاس. ويظل الشعراء يقدمون مدائحهم للخلفاء طلبا للنوال من أمثال ابن بسّام (٢) وغير ابن بسام. ونحن نقف عند ثلاثة من شعراء العصر طالما مدحوا خلفاءه، وهم مروان بن أبى الجنوب وعلى بن يحيى المنجم وأبو بكر الصولى. مروان بن أبى الجنوب أبو السمط (٣) حفيد مروان بن أبى حفصة شاعر الخليفة المهدى، أصل موطنهم اليمامة، وقد سلك مسلك جدّه فى الطعن على آل على بن أبى طالب، فكان طبيعيّا أن يفتح له جعفر المتوكل أبواب قصره وقد بلغ من حنقه على أبناء عمه العلويين

стр. 1846

ما صوّرناه فى غير هذا الموضع. ويبدو أن الواثق لم يكن يعجب به ولا بشعره فنفاه إلى اليمامة، فلما ولى الخلافة بعده المتوكل بعث إلى ابن أبى دؤاد مستشاره بقصيدة مدحه بها، ذم فيها ابن الزيات وزير الواثق ذمّا قبيحا، وكان المتوكل قد قبض على أمواله وعذّبه فى تنّور من خشب ملأه بمسامير من حديد حتى مات فقال فيه مروان: وقيل لى الزّيّات لاقى حمامه ... فقلت أتانى الله بالفتح والنّصر لقد حفر الزيات بالغدر حفرة ... فألقى فيها بالخيانة والغدر وكان ابن الزيات أول من عمل هذا التنّور، وعذّب به نفرا. وما إن صارت القصيدة إلى ابن أبى دؤاد حتى طار إلى المتوكل وأنشده البيتين السالفين، فأمره بإحضاره. فقال له إنه باليمامة، كان الواثق نفاه لمودّته لأمير المؤمنين، وعليه دين: ستة آلاف دينار، فقال المتوكل: يعطاها. فأعطيت له، وجئ به إلى سامرّاء، فدخل على المتوكل وأنشده قصيدة لامية يقول فيها: كانت خلافة جعفر كنبوّة ... جاءت بلا طلب ولا بتنحّل وهب الإله له الخلافة مثلما ... وهب النبوة للنبىّ المرسل فأمر له بخمسين ألف درهم. وأخذت هبات المتوكل الغدقة تنثر عليه نشرا، فهو يغدو ويروح عليه بالمدائح، والمتوكل يسبغ عليه عطاياه، وكان مما أخذ فيه نوالا كبيرا قصيدته التالية التى أنشدها المتوكل حين عقد ولاية العهد لأبنائه الثلاثة: محمد المنتصر وعبد الله المعتز وإبراهيم المؤيد، وفيها يقول: ثلاثة أملاك فأما محمّد ... فنور هدى يهدى به الله من يهدى وأما أبو عبد الإله فإنه ... شبيهك فى التقوى ويجدى كما تجدى وذو الفضل إبراهيم الناس عصمة ... تقىّ وفىّ بالوعيد وبالوعد فأولهم نور وثانيهم هدى ... وثالثهم رشد وكلهم مهدى فلما أتمّ إنشادها أمر له المتوكل بمائة وعشرين ألف درهم وخمسين ثوبا وببغلة وفرس وحمار، فما برح حتى قال فى شكره:

стр. 1847

تخيّر ربّ الناس للناس جعفرا ... فملّكه أمر العباد تخيّرا حينئذ ردّ عليه ضياعه التى كان ابن الزيات قد صادرها، وجعل له راتبا فى الديوان، ولعل أهم من كل هذا المديح أنه دافع بحرارة فى جوانب من مديحه عن حقوق العباسيين فى الخلافة مؤتسيا فى ذلك بجدّه مروان بن أبى حفصة، وائتسى به أيضا فى الرد على العلويين ونقض ما يدّعونه من وراثة الرسول فى الخلافة، إذ هم أبناء السيدة فاطمة الزهراء والعمّ مقدم على أولاد البنت فى الوراثة حسب حكم الشريعة. ومن خير ما يصور ذلك عنده قصيدته الميمية التى تمضى على هذا النمط: ملك الخليفة جعفر ... للدين والدنيا سلامه لكم تراث محمّد ... وبعدلكم تنفى الظّلامه يرجو التراث بنو البنا ... ت وما لهم فيها قلامه والصّهر ليس بوارث ... والبنت لا ترث الإمامه أخذ الوراثة أهلها ... فعلام لومكم علامه وهو يشير بوضوح فى الأبيات إلى أن مصاهرة على بن أبى طالب للرسول ﵇ لا توجب له وراثة، كما يشير إلى أن السيدة فاطمة بنت، والبنت لا ترث الولاية على المسلمين ولا تحق لها الإمامة، فكيف تورث الإمامة من قبلها؟ والشريعة واضحة فى ذلك. وطار المتوكل حين سمع القصيدة ابتهاجا، وقلّده اليمامة والبحرين وخلع عليه أربع خلع، وخلع عليه ولى عهده المنتصر. وأمر المتوكل له بثلاثة آلاف دينار فنثرت على رأسه، وأمر ابنه المنتصر وسعدا الإيتاخىّ يلتقطانها له دون أن يلتقط هو منها شيئا إكراما له، ويقال إنه حشا فمه جوهرا، ومن طريف ماله فيه قوله: تخشى الإله فما تنام عناية ... بالمسلمين وكلهم بك نائم لو كان ليس لهاشم فيما مضى ... سلف سنواك لقدّمت بك هاشم وقال بعض معاصريه إن المتوكل أعطاه مائتى ألف دينار من ورق (فضة)

стр. 1848

ذهب؟ ؟ ؟ وكسوة. وكانت هذه العطايا الغامرة تملأ نفوس بعض الشعراء من حوله وحول المتوكل حسدا أن تعلو جائزته جوائزهم، فكانوا يتبادلون معه بعض الأهاجى حتى شاعر نابه مثل على بن الجهم نراه يتهاجى معه. ولم يكن مروان يصمت بل كان يبادر أحيانا إلى الهجاء، ويروى أن ابن الجهم قال فى فاتحة قصيدة له فى المتوكل: الله أكبر والنبىّ محمّد ... والحق أبلج والخليفة جعفر ولم يكد يسمع مروان قوله، حتى أعمل فكره، وبادره يقول له ساخرا منه سخرية شديدة بل سخرية مرة شديدة المرارة: أراد ابن جهم أن يقول قصيدة ... بمدح أمير المومنين فأذّنا فقلت له لا تعجلن بإقامة ... فلست على طهر فقال: ولا أنا وكان يقدّم لمدائحه بنسيب رقيق يحيّى فيه نجدا ويدعو لها ولأهلها بالسقيا ويتمنى زورة لهم أو إلمامة قصيرة. وله أبيات جيدة يتحدث فيها عن الشيب، والشباب وعهده وعهوده، وحبه الماضى، وفيها يقول: شمس الشباب علىّ اليوم طالعة ... وسوف تغرب إن الدهر ذو غير إذا الشباب مضت عنا بشاشته ... فما نبالى متى صرنا إلى الحفر لنا من الشوق أكباد مصدّعة ... وأعين كحلت بالدّمع والسّهر سقيا ورعيا لأظعان مولّية ... فيها خرائد كالغزلان والبقر ودّعتهن وداعا زادنى كمدا ... ما كان إلا كورد الطائر الحذر وله شعر فى المعتز رواه المسعودى فى المروج مما يدل على أنه عاش حتى عصره. ولعل فيما قدمنا من أشعاره ما يدل على خصب شاعريته وأنه كان مثل جدّه يعنى بصقل أشعاره وانتخاب ألفاظه حتى تروق سامعيه بما فيها من جزالة وطلاوة.

стр. 1849

على (١) بن يحيى المنجم من أصل فارسى أسلم أبوه يحيى على يد المأمون وخصّ به. ويقال إن جدّ يحيى أبرسام البزرج كان وزيرا لأردشير وصاحب أمره. وشملته عناية المأمون هو وابنه على، وتوالى عليهما برّه، وأخذ نجم الأسرة فى التألق ببلاط المأمون والمعتصم، وتوثقت الصلة بين على ومحمد بن إسحق بن إبراهيم المصعبى. ثم بينه وبين الفتح بن خاقان وزير المتوكل، ووصفه له وقدّمه إليه، وأعجب به المتوكل وقرّبه منه، حتى صار أكبر ندمائه، يساعده فى ذلك علمه الواسع بالرواية والأخبار. وكان أشبه بالموسوعيين فهو يأخذ من كل علم وكل أدب بطرف. مع إحسانه اختيار الطرائف والنوادر، حتى كان المتوكل لا يصبر على بعده. ويقال إنه بلغ مجموع ما وصله به ثلاثمائة ألف دينار. وخلفه المنتصر فغلب عليه أيضا، وقدّمه على جميع جلسائه، وقلّده أعمال الحضرة، وأقرّه المستعين على ما تقلده من تلك الأعمال. ثم خلص الأمر للمعتز، فكان أول من طلبه لمنادمته على بن يحيى، وحين قدم عليه تلقاه أجمل لقاء وخلع عليه ووصله. وقلّده الأسواق والعمارات، وقدّمه على جميع الندماء ووصله بثلاثة وثلاثين ألف دينار وقلّده قصره الكامل فبناه ووصله عند فراغه منه بخمسة آلاف دينار، وأقطعه ضيعة كبيرة. ثم أفضى الأمر إلى المعتمد، فحظى فى عهده حظوة كبيرة، ووصله صلات سنيّة، وقلّده أعمال الحضرة، وما زال يحظى برعايته ورعاية أخيه الموفق حتى نهاية حياته. وابن المنجم نموذج رفيع لندماء الخلفاء، فقد كان هناك ندماء كثيرون مضحكون كل همهم إضحاك الخلفاء وإدخال السرور على نفوسهم بما يوردون على أسماعهم من الأجوبة الهازلة أو ما يدخلون على ملابسهم وحركاتهم من الصور المضحكة. وكان ابن المنجم مع ظرفه وما يورد على الخلفاء من النوادر والأخبار والقصص المستحبّة، بل قل مع اكتمال خصال المنادمة فيه ومعرفته بضروب الثقافات. حتى

стр. 1850

قيل إنه طبيب ومنجم وأديب وشاعر ومغن وجليس ومضحك. مع هذا كله كان فيه غير قليل من الوقار، وكان يعدّ من رعاة الأدب فى عصره حتى كان بيته مألفا للأدباء، وكان يصل كثيرا منهم بالخلفاء والأمراء، ويستخرج لهم منهم الصلات، وكان يبلغ من عنايته بهم أن يهدى إلى الخلفاء والوزراء عنهم الهدايا الطريفة، حتى ينفحوهم بالنوال السابغ، وكان كثيرا ما يهب من ماله لمن يحرمون الصلات من الأدباء. وليس ذلك كل ما يرفع منه، فقد ألهمه تفكيره الصائب أن يستغلّ الأموال الكثيرة التى كانت تنشر عليه من المتوكل وغيره من الخلفاء فى إقامة مكتبة ضخمة، مرّ بنا حديث عنها فى غير هذا الموضع، وكان طلاّب العلم يقصدونها من كل مكان والكتب مبذولة لهم، وكذلك النفقة مهما طالت إقامتهم. وبذلك كان من رعاة طلاب العلم والأدب فى عصره، بل لعله كان أكبر رعاتهما، ولا شك فى أن ما عرف عنه من خبرة تامة بالكتب وثقافة واسعة بها هو الذى جعل الفتح بن خاقان يطلب إليه صنع مكتبة له يباهى بها معاصريه. ومن تتمة ثقافته أن يذكر له من التصانيف كتاب الشعراء القدماء والإسلاميين، وكتاب أخبار إسحق الموصلى وكتاب الطبيخ، والكتابان الأخيران بتصلان بمنادمته لاتصالهما بأخبار المغنين وبتذوّق الأطعمة. وكان شاعرا، وله شعر كثير كما يقول ياقوت فى ترجمته، غير أنه لم يكن يعجب بشعره، ولذلك لم يكثر من الاستشهاد به إلا ما جاء فى سياق أخباره، ولو أنه صنع لاطلعنا بوضوح على أشعاره فى الخلفاء والوزراء. ولعل أول شعر قاله ما نظمه فى رثاء المأمون ومديح المعتصم، مما رواه ياقوت فى ترجمته، وبدون ريب كانت له أشعار كثيرة فى المتوكل ومن تلاه من الخلفاء، ونستطيع أن نتخذ صورة لهذه الأشعار قوله فى المعتز حين استولى على مقاليد الخلافة: بدا لابسا برد النبىّ محمد ... بأحسن مما أقبل البدر طالعا سمىّ النبىّ وابن وارثه الذى ... به استشفعوا أكرم بذلك شافعا وكل عزيز خشية منه خاشع ... وأنت تراه خشية الله خاشعا وهو شعر متوسط. شعر يعتمد على المناسبة الحاضرة، ولذلك كان يستساغ فى

стр. 1851

وقتها كما تستساغ كلمات الندماء ونوادرهم وفكاهاتهم. وهكذا دائما شعرهم، فهو إنما يعجب فى لحظة قوله، ولذلك كان يروى مع أخبارهم. ومن هذا الطراز نفسه قصيدته فى الفتح بن خاقان التى أنشد ياقوت منها بعض أبياتها، وله وراء ذلك أشعار يصوّر بها سمو نفسه، لعل من أطرفها قوله. سيعلم دهرى إذ تنكّر أننى ... صبور على نكرانه غير جازع وأنى أسوس النفس فى حال عسرها ... سياسة راض بالمعيشة قانع كما كنت فى حال اليسار أسوسها ... سياسة عفّ فى الغنى متواضع وأمنعها الورد الذى لا يليق بى ... وإن كنت ظمآنا بعيد الشّرائع فهو تصور نفسه صابرة لا تجزع مهما ادلهمّت الخطوب، كما يصور نفسه لا تهون فى حال عسر او شدة، بل تتقبّلها راضية قانعة كما تقبّلت اليسر قبلا مزدرية مغرياته فى تواضع غير مسفّ دون أى إحساس باستعلاء، وإنه ليمنع نفسه الإلمام بأى ورد دنىّ مهما كان ظمآن، كاظما لظمئه، محتملا لحرارة عطشه. وله فى الطيف: بأبى والله من طرقا ... كابتسام الصبح إذ خفقا زادنى شوقا برؤيته ... وحشا قلبى به حرقا زارنى طيف الحبيب فما ... زاد أن أغرى بى الأرقا وكأنما أراد أن يحاكى البحترى فى كثرة أشعاره التى نظمها فى الطيف. ولا شك أنه من طراز متوسط، فأجنحته ليست من القوة بحيث تستطيع أن تحلق به فى الأفق الذى يحلق فيه البحترى. ومرّت بنا آنفا رعايته للأدباء والشعراء، مما جعل غير شاعر ينظم فيه بعض مدائحه، مصورا كرمه الفياض من مثل قول أبى هفان: لربيع الزمان فى الحول وقت ... وابن يحيى فى كل وقت ربيع رجل عنده المكارم سوق ... يشترى دهره ونحن نبيع

стр. 1852

ولذلك حين وافاه القدر سنة ٢٧٥ عن أربعة وسبعين عاما بكاه كثير من الشعراء، وفى مقدمتهم ابن بسّام، وقد أنشدنا فى غير هذا الموضع مرثيته له، وهى مرثية جيدة. أبو بكر الصولى (١) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولى من بيت كتابة وشعر، تقلد أصحابه كثيرا من الأعمال السلطانية، مثل عمه إبراهيم بن العباس، وكان أكبر كاتب فى دواوين المتوكل. وهما من أسرة صول تكين أحد أمراء جرجان. كان قد ظفر به يزيد بن المهلب فى بعض حروبه وهو وال على خراسان للحجاج، فأسلم على يديه، ولزمه وأصبح من رفاقه، حتى إذا ثار يزيد على بنى أمية فى أوائل القرن الثانى للهجرة ثار معه عليهم محاربا فى صفوفه، ودارت عليهما معا الدوائر فسقطا قتيلين فى ميادين المعارك. وقد تتلمذ أبو بكر لعلماء عصره فى بغداد: أبى داود السجستانى وثعلب والمبرد، وكذلك لأصحاب الأخبار والمؤرخين ولأصحاب الهندسة، وتدل صلته بالأخيرين على معرفته بعلوم الأوائل. وكان يحسن لعبة الشّطرنج حتى قالوا إنه كان أكبر حاذق لها فى زمنه. وأكبّ على معارف عصره إكبابا منقطع النظير، وجعله هذا الإكباب يعنى بجمع الكتب، وما زال يجمعها حتى كوّن لنفسه مكتبة ضخمة تحدث عنها معاصروه، كما أسلفنا، وراعتهم فيها جلود الكتب المختلفة الألوان. إذ جعل لكل صفّ من الكتب لونا، فصف أحمر وصف أخضر إلى غير ذلك. وفتحت له معارفه الواسعة ومهارته فى لعبة الشطرنج أبواب الخلفاء منذ عهد المعتضد. وهو مع ذلك يغدو عليهم ويروح بمدائحه، وهم ينثرون عليه أموالهم، مما جعله يعيش معيشة رغدة. وكلّفه المقتدر تعليم ولديه الراضى وهرون. فأحسن تعليمهما، وخرّج أولهما شاعرا وأديبا لسنا، حتى إذا ولى الخلافة اتّخذه نديمه ومستشاره. ويزورّ عنه الخليفة المتقى بعده فيترك بغداد إلى

стр. 1853

بجكم التركى حاكم واسط سنة ٣٢٩ ويتوفّى المتقى سنة ٣٣٣ فيعود إلى بغداد وسرعان ما تحل به ضائقة، فيتركها إلى البصرة سنة ٣٣٥ حيث لبّى نداء ربه ويقال بل إن الخليفة المستكفى عرف تشيعه لآل على بن أبى طالب فطلبه، وفرّ منه إلى البصرة. وقد صنع الصولى دواوين كثيرة لطائفة كبيرة من الشعراء المحدثين فى مقدمتهم أبو نواس وأبو تمام وابن الرومى وابن المعتز، وصنّف كتبا جليلة فى أخبار الخلفاء وسيرهم وأخبار من تقدم وتأخر من الشعراء والوزراء والكتّاب والرؤساء. ومن كتبه النفيسة كتابه «الأوراق» وقد نشر منه ثلاثة أجزاء: جزء خاص بأخبار الشعراء المحدثين وجزء خاص بأشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم وجزء خاص بالخليفتين: الراضى والمتقى. ونشر له مصنفه أدب الكتّاب وكتاب أخبار أبى تمام وهو فيه ينتصر له ضد خصومه، ولعل فى ذلك ما يصور بصره بالشعر العباسى، وأنه كان يقف فى دقة على أساليبه ومذاهبه؛ إذ نبّه على أن أبا تمام صاحب مذهب جديد فى الشعر ولام من يعيبونه ببعض أبيات فاته التوفيق فيها متناسين تحليقه فى آفاق الشعر العليا التى تنقطع من دونها الرقاب. وعلى هذا النحو كان أبو بكر الصولى شاعرا ناقدا عالما، وكان مثقّفا ثقافة واسعة بكل مواد المعرفة فى عصره. ولم يصل إلينا ديوانه ولكن وصلت طائفة من أشعاره التى كان ينشدها الراضى فى حفلات القصر وفى المناسبات المختلفة دوّنها بنفسه فى أخباره، كما وصلت إلينا مقطوعات متنوعة احتفظت بها الكتب الأدبية والتاريخية. وسقطت من يد الزمن مدائحه فى المعتضد إلا بعض أبيات دالية ذكر المسعودى أنه أنشدها فى قصيدة مدحه بها، وفيها يقول: لأمير المؤمنين المعتضد ... بحر جود ليس يعدوه أحد ولم يصل إلينا من مديحه للمكتفى سوى قصيدة واحدة، وقد اضطر-كما يقول-إلى أن ينشدها المتقى حين استولى على مقاليد الخلافة، وكان قد طلب إليه أن ينشده عاجلا قصيدة يهنئه فيها بالخلافة، ويقول إنه وضع فيها كلمة المتقى بدلا من كلمة المكتفى، وفيها يقول:

стр. 1854

مددت على الإسلام أكناف نعمة ... لأعطافها ظلّ عليه ظليل ولولا بنو العباس عمّ محمّد ... لأصبح نور الحق فيه خمول لكم جبلا الله اللذان اصطفاهما ... يقومان بالإسلام حين يميل نبوّته ثم الخلافة بعدها ... وما لهما حتى اللّقاء حويل (١) وكلّ ما فى القصيدة من صياغة وخيال يدلّ على أن الصولى كان يتكلف هذا المديح تكلفا. حقّا هو يبالغ فيه ويغلو على عادة شعراء الدعوة العباسية، ولكن نحس أن الكلام يفقد الروح وأنه لا يصدر عن عاطفة حقيقية، وبالمثل ما رواه له عريب فى ذيل الطبرى من مديح للمقتدر، وحتى الراضى تلميذه الذى أغدق عليه عطاياه حتى لكأنما تحولت إلى نهر فياض نجد فى مدائحه له نفس هذا الطراز المتكلف. وكان لا يترك مناسبة من عيد أو نيروز أو فتح إلا أنشده فيها قصيدة، وقد تطول طولا مسرفا، ومع ذلك نفقد فيها الحرارة من مثل قوله يهنئه بانتصار جيوشه على مردويج الثائر بأصبهان: آنس الله بالخليفة ملكا ... موحش الرّبع واهن التأسيس يا نسيم الحياة أضحكت دهرا ... كان لولاك دائم التّعبيس مردويج بسيف حظّك مقتو ... ل فأهون بذاك من مرموس (٢) قصفته رياح أيامك الغ ... رّ فأخمدن منه نار المجوس وتولّت بمأتم الدّهر أيا ... م أتتنا تجرّ ذيل العروس والتكلف واضح فى الأبيات، والصور لا تقع فى مكانها، فالخلافة كانت موحشة وكانت واهنة، والخليفة نسيم الحياة، نسيم أضحك دهرا كان عبوسا قمطريرا ومردويج لم يهزمه أبطال الدولة وإنما هزمه الحظ ورياح دولة الراضى الغراء، وخلعت الأيام سواد الحزن، وجاءت تجر ذيول الفرح. كلام متلاصق، وليس شعرا حيّا نابضا بروح، وربما كانت خير قصائده فيه قصيدته الدالية التى أنشدها فى مجلسه لسنة ٣٢٧ وفيها يقول:

стр. 1855

خليفة أكملت فضائله ... ففرعه طيّب ومحتده تعبّد المجد فهو يملكه ... طارفه عنده ومتلده قد رضى الراضى الإله لإص ... لاح زمان سواه مفسده فهو بتفويضه الأمور إلى الل ... هـ بحسن التوفيق يعضده ولا يخفى ما فى هذه الأبيات من تكلف يتضح فى بناء الشطر الثانى من البيت الأول على سابقه، كما يتضح فى جعل المجد عبدا للممدوح وكأنه استذلّه، والجناس بين رضى والراضى شديد التكلف، وكلمة سواه نابيه فى مكانها غير مستقرة والصياغة فى البيت الرابع تتنافر أجزاؤها تنافرا شديدا. ومن هذا الطراز نفسه عزاؤه للراضى فى أخيه هرون. وهو يستهلّه على هذا النمط: تعزّ يا خير الورى عن أخ ... لم يشب الإخلاص بالّلبس كان صديقا وافرا ودّه ... صداقة الأنفس والجنس تعزّ عنه بنبىّ الهدى ... محمّد إذ حلّ فى الرّمس والقصيدة مزيج من الندب والتأبين والعزاء، مع أنه افتتحها بطلب التعزّى والتسلى، فكان ينبغى أن يقصرها على العزاء لا أن يندب فى هرون إخلاصه وصداقته لأخيه كما فى هذه الأبيات، ولا يحاول أن يذكر همته وسؤدده مؤبنا له كما فى أبيات تالية. ونحس نبوّا شديدا فى البيت الثانى إذ يذكر عن هرون أنه كان وافر الودّ، وكان يحسن أن يغير كلمة وافر بكلمة أخرى مثل صادق، وأيضا فإنه جعل صداقته لأخيه صداقة جنس، والتعبير عن الرسول ﵇ بأنه حلّ فى الرمس خلو من رهافة الحس أو من الحس الأدبى الدقيق. وقد يكون مصدر التكلف فى العزاء والمديح جميعا أنه كان مواليا للعلويين كما قال بعض من ترجموا له، وكأن هذا الرثاء والمديح لم يكونا يتصلان بروحه وقلبه، فقلبه وروحه مع آل أبى طالب، ولسانه وحده مع العباسيين ومع ما يغدقون عليه من صلات ثرّة. وقد يشهد لذلك أننا إذا تركنا مدائحه لبنى العباس ونظرنا فيما روى له من غزل لقيتنا له مقطوعات كثيرة بديعة من مثل قوله:

стр. 1856

أحببت من أجله من كان يشبهه ... وكلّ شئ من المعشوق معشوق حتى حكيت بجسمى ما بمقلته ... كأن سقمى من جفنيه مسروق وقوله يصف الدموع فى ساعة الوداع، وهى تسقط بيضاء سقوطا متتابعا على خدود حمراء حمرة الورد فى الربيع: لو كنت يوم الوداع حاضرنا ... وهنّ يطفئن لوعة الوجد لم تر إلا الدموع جارية ... تسقط من مقلة على خدّ كأن تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد وكان ينفذ فى أثناء ذلك إلى كثير من الصور النادرة الغريبة التى تنبئ عن شاعرية جيدة من مثل قوله فى بيان إعجابه بغناء إحدى القيان: وغناء أرق من دمعة الصّ ... بّ وشكوى المتيم المهجور وله فى وصف أرمد ومحاولة تعليل رمده بعلة غريبة لا تقع إلا فى عقل واهم بعيد الخيال بيتان كان القدماء يعجبون بهما إعجابا شديدا إذ يقول: يكسر لى طرفا به حمرة ... قد خلط النرجس فى ورده ما احمرت العين ولكنه ... يكحلها من وردتى خدّه وكأن هذه الأبيات وما وراءها من أبيات فى الخمر لم نروها كانت تصدر عن نفسه، مما جعل صياغتها سويّة وأخيلتها بديعة بعيدة الغرابة فى بعض الأحيان. وله بجانب ذلك حكم يصوّر فيها عبر الدهر ومواعظه من مثل قوله: يا بانيا والدهر فى نقضه ... يا راكضا يسرع فى ركضه يلهو وأيدى الموت أخّاذة ... من طوله طورا ومن عرضه فالإنسان يبنى. ولا يعرف أن داره ستنقضّ بعد أيام، بل هو نفسه سينقضه الدهر ويحيله ضعفا من بعد قوة. يوهن عظمه وينحل جسمه، ويحنى

стр. 1857

ظهره ويأخذ من طوله ومن عرضه، حتى يصبح أنقاضا خالصة، وكأنما الدنيا أضغاث أحلام. والصولى فى كل هذه المقطوعات الأخيرة شاعر بارع، لا تنقصه جزالة الصياغة ولا روعة الخيال. ٢ - شعراء الشيعة ذكرنا فيما أسلفنا أن الخوارج خمدت دعوتهم وحروبهم منذ العصر العباسى الأول، وعمّ هذا الخمود فى هذا العصر التالى بحيث لم يعودوا يكوّنون حزب معارضة حقيقيّا للدولة العباسية، وقد نهض بتلك المعارضة فى أحد صورها حزب الشيعة فكان كثير من العلويين يخرجون ويعلنون خروجهم ويشهرون هم وأنصارهم سيوفهم فى وجه الدولة، وكانت تلقاهم بجيوشها وقلما كتب لهم النصر، ولكن ما كانت حرب لهم تكاد تخمد حتى تنشب حرب أخرى ويشتد أوارها وبذلك ظلت المعارك بينهم وبين الدولة محتدمة طوال العصر. وتنبّه لذلك المتوكل، فرأى أن يقف زيارة الشيعة لقبر الحسين وبكاءهم عنده وتفجعهم عليه، ومضى يأخذهم بغير قليل من الشدة، محرّضا شعراءه على النّيل منهم ومن آل على عامة، وأمر-فيما أمر-بحبس الطالبيين فى سامرّاء (١) وأخذ ينزل بهم نكالا شديدا، ومع ذلك لم يسلم عهده من خروج نفر منهم فى الحجاز على نحو ما سنرى عما قليل فى حديثنا عن محمد بن صالح العلوى. ولا بد أن نلاحظ أن الكوفة كانت لا تزال أكبر مركز للشيعة وأن مذاهبهم التى عرفناها فى العصر العباسى الأول كانت لا تزال حية، فكان كثيرون يؤمنون بالنظرية الزيدية، وأكثر منهم من كان يؤمن بالنظرية الإمامية الاثنى عشرية، وأخذت النظرية الإسماعيلية تجد لها أنصارا، واستغلها القرامطة فى ثورتهم، دون أن تصبح عقيدة حقيقية لهم، وبذلك كان ينبغى أن ننحيهم عن الشيعة. وملاحظة ثانية هى أن المذهب الشيعى الذى غلب على العراق حينئذ كان مذهب الإمامية، وكان يجعل

стр. 1858

التقية أصلا من أصوله، فكان يعمل سرّا وقلّما عمل جهرا، وكان يأذن لأنصاره أن يمدحوا العباسيين تقيّة، ومضى كثيرون منهم يمدحونهم طلبا لما فى أيديهم من أموال، وهم يسرّون لهم كرها وحنقا، ومن هنا كنا كثيرا ما نقرأ عن شاعر أنه مدح هذا الخليفة أو ذاك ويقال إنه كان يتشيع. وهم أكثر من أن نسميهم أو نحصيهم. وملاحظة ثالثة هى أنه قيل شعر شيعى كثير فى العصر، وهو موزّع بين بعض آل البيت وبين أنصارهم ممن يشدون الشعر وينظمونه، ومن أهم الشعراء العلويين حينئذ محمد بن صالح العلوى الآنف ذكره والحمّانى وسنخصه هو الآخر بترجمة قصيرة، ومنهم محمد (١) بن على بن عبد الله أحد أحفاد العباس بن على بن أبى طالب، وكان فى أيام المتوكل، وهو يكثر من الافتخار بآبائه وبنسبه الطاهر إلى الرسول الكريم، ويردّد فى أشعاره نظرية بيته العلوى فى الخلافة وأن الرسول ﵇ أوصى بها إلى جده على حين نزل بغدير خمّ إذ قال له: «أنت منى بمنزلة هرون من موسى» وإلى ذلك يشير بقوله: وجدّى وزير المصطفى وابن عمّه ... علىّ شهاب الحرب فى كل ملحم وأول من صلّى ووحّد ربّه ... وأفضل زوّار الحطيم وزمزم وصاحب يوم الدّوح إذ قام أحمد ... فنادى برفع الصوت لا بتهمهم جعلتك منى يا علىّ بمنزل ... كهرون من موسى النجىّ المكلّم وما نصل إلى سنة ٢٥٠ فى عصر المستعين حتى تثور ثائرة الشعراء الشيعيين، وذلك أنه كان قد أعلن الثورة فى الكوفة يحيى بن عمر الطالبى، وكان قد تورّع عن أخذ أموال الناس ظلما وأمر بحقن الدماء، وكان ورعا زاهدا ناسكا، فتبعته ألوف، ونشب القتال بينه وبين جيوش محمد بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد وجنوبى العراق. وتمزّقت جموعه، وخرّ قتيلا، وحمل رأسه إلى بغداد. وضجّ الناس لمقتله وصلب رأسه، ويروى أنه لما جلس محمد بن عبد الله بن طاهر للشعراء يستقبل تهانيهم بالفتح دخل عليه أبو هاشم الجعفرى، وقال له: أيها الأمير إنك لتهنّأ بقتل رجل لو كان رسول الله صلى الله عليه حيّا لعزّى به، فلم يجبه

стр. 1859

الأمير، فولّى وجهه خارجا، وهو يقول (١): إن وترا يكون طالبه الل ... هـ لوتر نجاحه بالحرىّ ونصب له الشيعة مأتما كبيرا ناح فيه الشعراء وبكوا طويلا، ومرت بنا فى غير هذا الموضع مرثية ابن الرومى له، وهى صرخة من أعماقه تناول فيها العباسيين تناولا ذميما، واصفا لهم بالظلم والطغيان هم وولاتهم، ومنذرا برجوع الحق إلى نصابه، بل متوعدا بجيش يأخذ بثأر يحيى ويدمر خصومه تدميرا. وكثر رثاؤه وندبه والنواح عليه بمثل قول أحمد بن أبى طاهر (٢): سلام على الإسلام فهو مودّع ... إذا ما مضى آل النبىّ فودّعوا فقدنا العلا والمجد عند افتقادهم ... وأضحت عروش المكرمات تضعضع لقد أقفرت دار النبى محمّد ... من الدين والإسلام فالدار بلقع وقتّل آل المصطفى فى خلالها ... وبدّد شمل منهم ليس يجمع وسرعان ما يثور فى نفس السّنة بطبرستان الحسن بن زيد العلوى سليل الحسن بن على بن أبى طالب، ويغلب عليها وعلى جرجان بعد حروب ومعارك كثيرة، ويظل مسيطرا عليها إلى أن يليى نداء ربه لسنة ٢٧٠ وطبيعى أن يصبح مقصدا للشعراء. وأن يتغنى غير شاعر باسمه فى المناسبات المختلفة، ونجد شاعرا من جرجان يسمى محمد بن إبراهيم يهنئه حين افتصد بقوله (٣): قد رأينا مجالسا عطرات ... هيّئت عندنا لفصد الإمام إنما غيّب الطبيب شبا المب ... ضع عندى فى مهجة الإسلام سرّت الأرض حين صبّ عليها ... دم خير الورى وأعلى الأنام والنزعة الشيعية واضحة فى الأبيات. وكان من الشعراء حينئذ من يستر تشيعه ماكرا برجال الدولة العباسية، إذ ينزل عليهم بسياط هجائه، لا لشئ إلا لأنهم

стр. 1860

يخاصمون آل على، وربما اتخذ لذلك وسائل ماكرة، وممن اشتهر بهذه الطريقة أبو نعامة الدقيقى الكوفى، إذ قال الرواة إنه استنفد شعره فى هجاء رجال الجيش العباسى، يرميهم بالأبنة، وصنع فى قوّادهم ورؤساء الدولة قصيدة مزدوجة سماها السنيّة، رماهم فيها بالقبائح الشنيعة. وما زال هذا شأنه، حتى تصادف أن دخل بغداد مفلح القائد التركى فى طريقه إلى حرب صاحب الزنج، فدلّه عليه قوم من أهل بغداد، وقالوا إنه يتشيع وشهدوا عليه بالرّفض، فضربه مفلح بالسياط حتى تلفت نفسه ومات لسنة ٢٦٠. وكان قد خلف الحسن بن زيد على طبرستان حين توفى أخوه محمد، واستقام أمره فيها وعظم شأنه، فدخل ديار الدّيلم ودانت له، حتى إذا كانت سنة ٢٨٧ جهّز جيوشا كثيرة من الديلم وغيرهم لغزو جرجان، فلقيته جيوش إسماعيل بن أحمد السامانى صاحب خراسان من قبل العباسيين، ودارت عليه الدوائر وأثخن بالجروح، وتوفى، فدفن بباب جرجان، يقول المسعودى: وقبره هناك معظم إلى اليوم. ويبدو أنه كانت له بطانة كبيرة من الشعراء تنصر دعوته من مثل محمد بن حبيب الضبىّ القائل فيه (١): إن ابن زيد كلّ يوم زائد ... علا علوّا لا يساويه أحد لو صال بالطود إذن أذلّه ... أو زجر البحر إذن صار زبد وأهم من هذا الشاعر شاعر يسمى أبا المقاتل نصر بن نصير الحلوانى، نراه يغلو فى مديحه، حتى لنصبح وكأننا بإزاء بعض غلاة الشيعة وما يحيطون به أئمتهم من هالة قدسية ترفعهم عن البشر درجات، وفيها يقول (٢): لا تقل بشرى وقل لى بشريان ... غرّة الداعى ويوم المهرجان ابن زيد مالك رقّ الزمان ... بالعطايا والمنايا والأمانى خلقت كفّاه موتا وحياة ... وحوت أخلاقه كنه الجنان مختف فكرته فى كل شئ ... فهو فى كل محلّ ومكان
следующие страницы →