← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بصوت القصب وخفافها بالمطارق. وقد يشبونها بالجبل ويشبهون صدرها بالطريق. وكانوا يشبهونها بكثير من الحيوان مثل الظليم والثور وحمار الوحش، وحينئذ يستطردون إلى وصف هذه الحيوانات وما يكون من عراك بينها وبين كلاب الصيد (١)، يقول الجاحظ: «ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مرثية أو موعظة أن تكون الكلاب هى التى تقتل بقر الوحش، وإذا كان الشعر مديحا وقال كأن ناقتى بقرة من صفتها كذا أن تكون الكلاب هى المقتولة. ليس على أن ذلك حكاية عن قصة بعينها ولكن الثيران ربما جرحت الكلاب وربما قتلتها. وأما فى أكثر ذلك فإنها تكون هى المصابة والكلاب هى السالمة والظافرة وصاحبها الغانم» (٢). وكأنهم كانوا يتخذون قتل الكلاب فى المديح رمزا لأعداء الممدوح، وكانوا فعلا يشبهونهم بالكلاب (٣). وعلى نحو ما أكثروا من وصف الإبل أكثروا من وصف الماعز كما أكثروا من وصف الخيل وشبهوها بضروب من السباع المنعوتة بالمخالب وطول الأظفار. ولامرئ القيس قطعة بديعة بمعلقته يصف فيها فرسه الذى اتخذه للصيد، وفيها يقول: له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرجان وتقريب تتفل (٤) يقول أبو عبيدة: «رمما يشبه خلقه من خلق النعامة طول وظيفها (٥) وقصر ساقيها وعرى نسييها (٦) ومما يشبه من خلقه خلق الأرنب صغر كعبيها، ومما يشبه من خلقه خلق الحمار الوحشى غلظ لحمه وظمأ فصوصه وسراته (٧) وتمحّص (٨) عصبه وتمكن أرساغه (٩) وعرض صهوته (١٠). . ومما يشبه من خلقه خلق الكلب هرت (١١) شدقه وطول لسانه وكثرة ريقه وانحدار قصّه (١٢) وسبوغ ضلوعه وطول ذراعيه ورحب

стр. 212

جلده ولحوق (١) بطنه (٢)». وكثيرا ما وصفوا كلاب الصيد وسموها أسماء كثيرة. ولأبى زبيد الطائى قصيدة طريفة يصور فيها معركة بين كلب له وأسد، وقد حطمه الأسد حطما (٣). وكما ذكروا الأسد ووصفوه وصفوا الذئب كقول طفيل الغنوى وقد شبه فرسه بذئب (٤): كسيد الغضا العادى أضلّ جراءه ... على شرف مستقبل الريح يلحب (٥) وذكروا الهر والديك والخنزير فى وصفهم لنشاط الناقة فقال أوس بن حجر (٦) كأن هرّا جنيبا عند مغرضها ... والتفّ ديك برجليها وخنزير وقد ذكروا كثيرا الضباع والرخم والعقبان والنسور والغربان وأكلها القتلى (٧) كما ذكروا الحبارى والضب واليربوع والجرذان والجراد والأرانب والضفادع والوعول أو المعز الجبلية، وتعرضوا كثيرا لوصف الحيات والأفاعى، ويشبه عنترة نفسه إزاء بعض أعدائه بأسود قد علق فيه نابه، ويقول فى بعض وصفه له (٨): رقود ضحيّات كأن لسانه ... إذا سمع الأجراس مكحال أرمدا (٩) وعلى نحو ما وصفوا الحيوان والزواحف وصفوا الطير، وكثيرا ما يستطردون من وصف فرسهم بالعقاب إلى وصفها (١٠). وكانوا يذكرون الغراب كثيرا ويتشاءمون به، وفيه يقول عنترة (١١): ظعن الذين فراقهم أتوقّع ... وجرى ببينهم الغراب الأبقع (١٢)

стр. 213

حرق الجناح كأنّ لحيى رأسه ... جلمان بالأخبار هشّ مولع (١) إن الذين نعبت لى بفراقهم ... هم أسهروا ليلى التّمام فأوجعوا (٢) وكانوا يذكرون القطا والجراد والعصافير والنمل والعنكبوت والحمام ونوحه وما يهيج فيهم من شوق وشجا. وقد أفاض الجاحظ بكتابه الحيوان فيما جاء على ألسنتهم من وصف ذلك كله وتصويره وينبغى أن لا نعتد بما جاء فيه من قصص أسطورى عن طوق الحمامة والديك والغراب والهدهد والحيات مما ساقه على لسان أمية بن أبى الصلت، فقد حمل عليه شعر كثير وضعه القصاصون والرواة. وقد استرعى الجاحظ كثرة ما جاء على ألسنتهم من وصف فلواتهم (٣) ووصف البرد وقوارصه والحر وهواجره (٤)» وما يجرى فى ديارهم أحيانا من خصب بعد مطر غزير (٥). وفى معلقة امرئ القيس قطعة طويلة يصف فيها سيلا عرما نزل فى مواطن بنى أسد بالقرب من تيماء. ويتردد هذا الوصف فى شعره وشعر شاعرهم عبيد بن الأبرص. وكما أكثروا من ذكر الخصب ورطوبة النبات ولدونة الأغصان وكثرة الماء أكثروا من وصف الجدب وطالما وصفوا وعوثة الصحراء ومخاوفهم فى لياليها من الجن والشياطين. وكادوا لا يتركون شيئا يتصل بهم إلا وصفوه، فوصفوا الرعى والمراعى. ووصفوا الأسلحة والحروب، ووصفوا الخمر وأوانيها وسقاتها ومجلسها وأثرها. وكانوا يقحمونها كما قدمنا فى حماستهم. ويفتخرون بأنهم يسقونها الصحاب والرفاق على صوت القيان ومع نحر الجزور، يقول ثعلبة بن صعير فى حماسية له (٦): أسمىّ ما يدريك أن رب فتية ... بيض الوجوه ذوى ندى ومآثر باكرتهم بسباء جون ذارع ... قبل الصباح وقبل لغو الطائر (٧)

стр. 214

فقصرت يومهم برنّة شارف ... وسماع مدجنة وجدوى جازر (١) وهذه الموضوعات التى قدمناها جميعا كانت تتداخل فى القصيدة الطويلة وكان يتداخل معها ضرب من الحكم والمعانى التهذيبية، فالشاعر ما يزال يدلى فى تضاعيف قصيدته بتجاربه، وقد يفرد لها مقطوعات، إذا اتجه بها إلى تقديم وصية لبنيه، على نحو ما صنع عمرو بن الأهتم فى وصيته لابنه التى يستهلها بقوله (٢): وإن المجد أوّله وعور ... ومصدر غبّه كرم وخير (٣) وممن كثرت الحكمة فى شعرهم زهير والأفوه الأودى وعلقمة بن عبدة، وهى تكثر فى ميمية الأخير وتتوالى فى أبيات متعاقبة من مثل قوله (٤): الحمد لا يشترى إلا له ثمن ... مما يضنّ به الأقوام معلوم والجود نافية للمال مهلكة ... والبخل باق لأهليه ومذموم وكلّ حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لا بدّ مهدوم ويلخص لنا رأى الجاهليين فى المرأة وما تطلبه من الرجل، فيقول فى بائيته (٥): فإن تسألونى بالنساء فإننى ... بصير بأدواء النساء طبيب إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له من ودّهن نصيب ويظهر أن الحكمة قديمة عندهم، فنحن نجدها فى معلقة عبيد بن الأبرص، وفيها يقول: وكلّ ذى غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يئوب ويقول عبدة بن الطبيب (٦): والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل

стр. 215

ويقول عدى بن رعلاء الغسانى (١): ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء وتلك هى الموضوعات الأساسية التى تنظم فى سلك القصيدة الجاهلية، فالشاعر يبدؤها بالتشبيب أو النسيب بالأطلال والديار، ويصف فى أثناء ذلك حبه، ثم يصف رحلته فى الصحراء، وهى أول ما يقدمه للمرأة من ضروب جرأته، وحينئذ يصف ناقته أو فرسه، وقد يؤخرهما إلى نهاية القصيدة، ويقدم عليهما غرضه من الحماسة أو الهجاء أو الرثاء أو المديح، مفتنّا فى أثناء ذلك فى وصف ما يقع تحت عينه، وناثرا حكمه وتجاربه. ٤ - الخصائص المعنوية لعل أول ما يلاحظ على معانى الشاعر الجاهلى أنها معان واضحة بسيطة ليس فيها تكلف ولا بعد ولا إغراق فى الخيال سواء حين يتحدث عن أحاسيسه أو حين يصور ما حوله فى الطبيعة، فهو لا يعرف الغلو ولا المغالاة، ولا المبالغة التى قد تخرج به عن الحدود المعقولة. ومرجع ذلك فى رأينا إلى أنه لم يكن يفرض إرادته الفنية على الأحاسيس والأشياء بل كان يحاول نقلها إلى لوحاته نقلا أمينا، يبقى فيه على صورها الحقيقية دون أن يدخل عليها تعديلا من شأنه أن يمسّ جواهرها. ومن أجل ذلك كان شعره وثيقة دقيقة لمن يريد أن يعرف حياته وبيئته برملها ووديانها ومنعرجاتها ومراعيها وسباعها وحيوانها وزواحفها وطيرها. وعرف القدماء ذلك فكلما تحدثوا عن عادات الجاهليين وألوان حياتهم استشهدوا بأشعارهم. وحينما كتب الجاحظ كتاب الحيوان وجد فى هذه الأشعار مادة لا تكاد تنفد فى وصفه ووصف طباعه وكل ما يتصل به من سمات ومشخصات. ومعنى ذلك أن الشاعر الجاهلى لم يغتصب الحيوان لنفسه، فيسكب عليه من خياله ما يحيله عن حقيقته، ونستطيع أن نلاحظ ذلك فى وصفه

стр. 216

للمعارك الدائرة بينهم، إذ نراه يعترف بهزيمة قومه إن هزموا (١)، وبفراره إن ولّى الأدبار ونكص على أعقابه (٢)، وفى أثناء ذلك لا يبخل على أعدائه بوصف شجاعتهم وبلائهم فى الحروب، ولهم فى ذلك قصائد تلقب بالمنصفات، مرّ الحديث عنها. وجاءهم ذلك من أنهم لا يبدلون فى الحقائق ولا يعدّلون فى علاقاتها ومعانيها، بل يخضعون لها ويضبطون خيالاتهم وانفعالاتهم إزاءها. ونحن بهذا الوصف إنما نقصد إلى جمهور أشعارهم، فقد تندّ بعض أبيات تحمل ضربا من المبالغة، ولكن ذلك يأتى شاذّا ونادرا. ونظن ظنا أن شيوع هذه الروح فيهم هو الذى طبع أفكارهم بنزعة تقريرية، إذ تعودوا أن يسندوا أقوالهم بذكر الحقيقة عارية دون خداع يموّهها أو طلاء يزيفها. ومن هنا كانت معانيهم محددة تحديدا يبرزها فى أتم ما يكون من ضياء، ومن ثمّ تبدو فى كثير من جوانبها كأنها شئ راسخ ثابت. ويتضح ذلك فى حكمهم التى تصور أحكاما سليمة وخبرات صائبة كما يتضح فى جوانب كثيرة من تأبينهم ومديحهم وغزلهم وحماستهم، إذ يقدم الشاعر المعانى منكشفة كأنها أشياء صلبة محسوسة، فهى حقائق تسرد سردا وقلما شابها الخيال، إلا ليزيدها إمعانا فى الوضوح والجلاء. واقرأ فى أشعاره فستجد معانيه حسية، واضحة، لا يقف بينك وبينها أى غموض، أو أشراك ذهنية تضل فى ممراتها وشعبها الفكرية، إذ يعرض عليك هذه المعانى دائما مجسمة فى أشخاص أو فى أشياء. وخذ فضائلهم التى طالما أشادوا بها فى حماستهم ومراثيهم ومدائحهم، فستجدها دائما تساق فى مادة الإنسان الحسية، فهم لا يتحولون بها إلى معنى ذهنى عام يصور إحساسهم بالبشرية جميعها فى هذه الفضيلة أو تلك، فالكرم مثل البخل والوفاء وغيرهما من الفضائل والرذائل لا بد أن يقترن بشخص معين يتحدثون عنه. وهذه النزعة فى الشاعر الجاهلى جعلته لا يحلل خواطره ولا عواطفه إزاء ما يتحدث فيه من حب أو غير حب، فهو لا يعرف التغلغل فى خفايا النفس الإنسانية ولا فى أعماق الأشياء الحسية. وتتضح هذه النزعة فى خياله وتشبيهاته فهو ينتزعها من عالمه المادىّ، ولنرجع مثلا إلى تشبيهاته للمرأة فهو يشبهها بالشمس والبدر والبيضة والدرّة والدّمية والرمح والسيف والغمام والبقرة والظبية والقطاة، ويشبه

стр. 217

أسنانها بالأقحوان وبنانها بالعتنم وثغرها بالبلاور وخدها وترائبها بالمرآة وشعرها بالحبال والحيات والعناقيد ووجهها بالدينار وثديها بأنف الظبى ورائحتها بالمسك وبالأترجة وريقها بالخمر وبالعسل وعينها بعين البقرة والغزال وعجزها بالكثيب وساقها بالبردية. أما الرجل فيشبّهه بالبحر وبالغيث وبالأسد وبالذئب وبالعقاب وبالبعير وبالبدر والقمر وبالرمح والسيف وبالبقرة والتيس والضبع وبالأفعوان والحية وبالكلب والحمار وبالصخرة وبالصقر وبالفحل. وعلى هذه الشاكلة من الحسية فى التشبيه الشعر الجاهلى جميعه، فالشاعر يستقى أخيلته من العالم الحسى المترامى حوله. وجعلهم تمسكهم بهذه الحسية إذا وصفوا شيئا أدقّوا النظر فى أجزائه وفصّلوا الحديث فيها تفصيلا شديدا، وكأنما يريدون أن ينقلوه إلى قصائدهم بكل دقائقه، وكأن الشاعر نحات لا يصنع قصيدة، وإنما يصنع تمثالا، فهو يستوفى ما يصفه بجميع أجزائه وتفاصيله الدقيقة. وخير مثل لذلك وصف طرفة لناقته فى معلقته فقد نعت جميع أعضائها وكل دقيقة فيها وجليلة. ولم يترك منها شيئا دون وصف أو بيان. وهذه الحسية فيهم جعلهم لا يتسعون بمعانيهم، بل جعلتهم يدورون حول معان تكاد تكون واحدة، وكأنما اصطلحوا على معان بعينها، فالشعراء لا ينحرفون عنها يمنة ولا يسرة، فما يقوله طرفة فى الناقة يقوله فيها غيره. وما يقوله امرؤ القيس فى بكاء الديار يقوله جميع الشعراء، واقرأ حماسية كمعلقة عمرو بن كلثوم فستجد الشعراء الحماسيين لا يكادون يأتون بمعنى جديد. وقل ذلك فى غزلهم ومديحهم ورثائهم فالشعراء يتداولون معانى واحدة وتشبيهات وأخيلة واحدة. ومن ثم تبدو فى أشعارهم نزعة واضحة للمحاكاة والتقليد، وجنى عليهم ذلك ضيق واضح فى معانيهم. غير أنه من جهة ثانية أتاح لهم التدقيق فيها وأن يجلوها ويكشفوها أتم كشف وجلاء. واقرأ فى المفضليات والأصمعيات فستجد دائما نفس المعانى. وستجد أيضا براعة نادرة فى إعادتها وصوغها صوغا جديدا. فكل شاعر يحاول أن يعطيها شيئا من شخصيته، وخذ مثلا تشبيه المرأة بالظبية، فشاعر يشبهها بها تشبيها عاديا. وشاعر يشبهها بها وهى تمد عنقها إلى شجر السّلم الناضر، يريد أن يستتم بذلك منظرا بديعا

стр. 218

للظبية، يقول علباء بن أرقم (١): فيوما توافينا بوجه مقسّم ... كأن ظبية تعطو إلى ناضر السّلم وثالث يشبه جيدها بجيد الظبية فى استوائه وطوله وجماله، يقول الحادرة (٢): وتصدّفت حتى استبتك بواضح ... صلت كمنتصب الغزال الأتلع ورابع يجعل وجه الشبه حور العين، وخامس يجعله فى التنفس كقول المنخّل اليشكرى: ولثمتها فتنفّست ... كتنفس الظبى البهير وما يزال كل شاعر يضيف تفصيلا جديدا. وخذ مثلا تصويرهم للرجال بالكواكب والنجوم، يقول عامر المحاربى (٣): وكنا نجوما كلما انقضّ كوكب ... بدا زاهر منهنّ ليس بأقتما ويقول طفيل الغنوى فى مديح قوم (٤): نجوم ظلام كلما غاب كوكب ... بدا ساطعا فى حندس الليل كوكب ويقول لقيط بن زرارة وقد أضاف إلى هذا المعنى زيادة بديعة (٥): وإنى من القوم الذين عرفتم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه نجوم سماء كلما غار كوكب ... بدا كوكب تأوى إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه (٦) وألمّ النابغة بهذه الصورة فنقلها نقلة جديدة، إذ قال فى النعمان بن المنذر مقارنا بينه وبين الغساسنة (٧):

стр. 219

وإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ومعنى ذلك أن ضيق الدائرة فى معانيهم لم يحل بينهم وبين النفوذ منها إلى دقائق كثيرة، فقد تحولوا يولدونها ويستنبطون منها كثيرا من الخواطر والصور الطريفة. وملاحظة ثانية هى أنهم لم يعرضوا علينا معانيهم الحسية جامدة، بحيث تنشر الملل فى نفوسنا، فقد أشاعوا فيها الحركة، وبذلك بثّوا فيها كثيرا من الحيوية، وما من شك فى أن هذه الحركة مشتقة من حياتهم التى لم تكن تعرف الثبات والاستقرار، فهم دائما راحلون وراء الغيث ومساقط الكلأ، ومن ثمّ كانوا إذا وصفوا الحيوان وصفوه متحركا لا واقفا جامدا، وارجع إلى وصف طرفة لناقته فستجده يصفها وهى سائرة به فى طريق إلى غاية تصبو إليها نفسه، يقول: أمون كألواح الإران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد (١) وهو يشبه الطريق بكساء مخطط، يجد فيه جمالا، كما يجد فيها روعة وبهاء، فيستمر فى وصفها وكأنه تدلّه بها حبّا، فهو لا يترك شيئا دون أن يقيده، وكأنه يصنع لها تمثالا يريد أن يحفره حفرا فى أذهان العرب الذين كانوا يعجبون بنوقهم ويودون لو أتيح لهم من ينصبها لهم تمثالا بديعا. وعلى هذا النحو كانوا يصفون خيولهم وكانوا ينتقلون منها ومن وصف النوق إلى وصف النعام وبقر الوحش وثورها والأتن وحمارها ويصورونها لنا وهى تجرى فى الصحراء تطلب الماء، والصائد إما فى طريقها بكلابه أو على الماء مستترا منها، وما تلبث أن تنشب معركة هائلة لا تقل عن معاركهم هولا. وطبيعى أن يفيض هذا الجزء من قصائدهم بحركة واسعة، فالحركة أساسه، وقد يدخلون هذه الحركة فى المقدمة نفسها، فالشاعر لا يكتفى بالوقوف بالأطلال وبكاء الديار، بل كثيرا ما يصور ظعن حبيبته وصواحبها فى القافلة، وقد خرجت تطلب مرعى جديدا، فلا تزال متنقلة من موضع إلى موضع وعين الشاعر بإزائها نسجل هذه الرحلة الدائبة تسجيلا بديعا.

стр. 220

وهذه الحركة فى حياتهم التى تعنى عدم الثبات والاستقرار، وبالتالى تعنى عدم التوقف عند شئ وإطالة النظر فيه هى التى جعلت معانيهم سريعة. أو على الأقل كانت من أهم البواعث على سرعتها. فالشاعر لا يقف طويلا عند المعنى الذى يلم به بل لا يكاد يمسه حتى يتركه إلى معنى آخر. فحياته لا تثبت ولا تستقر. وهو كذلك فى معانيه لا يثبت ولا يستقر، بل ينتقل من معنى إلى معنى فى خفة وسرعة شديدة. ومن ثم غلب عليه الإيجاز. فهو لا يعرف الإطناب ولا ما يتصل به من هدوء وسكون. ولعل هذا هو الذى جعل البيت فى قصائدهم وحدة معنوية قائمة بنفسها. وتتألف القصيدة من طائفة من الأبيات أو البيوت المستقلة التى يكتفى فيها كل بيت غالبا بنفسه. غير متوقف على ما يسبقه ولا على ما يلحقه إلا نادرا. وربما كان هذا هو السبب الحقيقى فى أن القصيدة الطويلة لا تلم بموضوع واحد يرتبط به الشاعر. بل تجمع طائفة من الموضوعات والعواطف لا تظهر بينها صلة ولا رابطة واضحة. وكأنها مجموعة من الخواطر يجمع بينها الوزن والقافية وتلك هى كل روابطها، أما بعد ذلك فهى مفككة، لأن صاحبها لا يطيل المكث عند عاطفة بعينها أو عند موضوع بعينه. ومن أجل ذلك زعم بعض النقاد أن الاستطراد أساس فى الشعر الجاهلى. ومن حقنا أن نعطيه اسما جديدا مشتقا من حياته، وهو التنقل السريع. وما أشبه القصيدة عندهم بفضائهم الواسع الذى يضم أشياء متباعدة لا تتلاصق، فهذا الفضاء الرحب الطليق المترامى من حولهم فى غير حدود هو الذى أملى عليهم صورة قصيدتهم. فتوالت الموضوعات فيها جنبا إلى جنب بدون نسق ولا نظام ولا محاولة لتوجيه فكرى. إنما هى موضوعات أو أشكال متجاورة يأخذ بعضها برقاب بعض فى انطلاق غريب كانطلاق حياة الشاعر فى هذا الفضاء الصحراوى الواسع الذى لا يكاد يتناهى ولا يكاد يحد، والذى تتراءى فيه الأشياء متناثرة غير متجاورة. على أن هذه الحركة قد أتاحت لشعرهم ضربا من الروح القصصية، لا نراه ماثلا فى وصفهم للحيوان الوحشى فحسب، بل نراه أيضا فى وصف الصعاليك لمغامراتهم على نحو ما تعرض علينا ذلك تائية الشنفرى التى أنشدها المفضّل الضّبى والتى يستهلها بقوله (١):

стр. 221

ألا أمّ عمرو أجمعت فاستقلّت ... وما ودّعت جيرانها إذ تولّت فإنه يقصّ علينا بعد غزلها الطريف قصة غزوة له مع بعض رفاقه من الصعاليك، وهو لا يسردها فى إجمال، بل يسرد تفاصيلها، إذ يذكر أنهم أعدّوا العدّة للغزو والسلب، يحملون قسيّهم الحمر، وقد خرجوا من واديين: مشعل والجبا راجلين، وقد حمل زادهم تأبط شرّا الصعلوك المشهور، وكان يقتّر عليهم فى الطعام خشية أن تطول بهم الغزوة فيهلكوا جوعا. ويصف لنا الشنفرى جعبة السهام التى كانت معهم، وكيف أنهم كانوا يحملون حساما صارما، بل سيوفا قاطعة كأنها قطع الماء فى الغدير لمعانا، بل كأنها أذناب البقر الصغير تحركه، وقد نهلت وعلّت من دماء محرم ساق هديه إلى الكعبة، فقتلوه دون غايته وأخذوا ما معه، كما قتلوا بعض من كانوا يرافقونه، ومن لم يقتل أخذوه أسيرا. وينهى القصة مفتخرا بشجاعته وأنه لا يرهب الموت. ويكثر الصعاليك من قصّ مثل هذه المغامرة، ويلقانا فى حماسياتهم كثير من وصف معاركهم، وقد يحاولون سردها، وهو سرد تتمشى فيه الروح القصصية على نحو ما تمثّل ذلك معلقة عمرو بن كلثوم وقصائد بشر بن أبى خازم فى المفضليات، إذ يتحدث فيها حديثا مفصلا عن يومى النّسار والجفار، فالقصص يتخلل شعرهم، وقد أفردوا له فى مطوّلاتهم قطعة وصف الحيوان الوحشى. ونراه ماثلا فى غزلهم على نحو ما مر بنا فى غزلية المنخّل اليشكرى، وإنما تمثلنا بقطعة منها، وهو ماثل فى غزل المرقّش الأصغر مما رواه صاحب المفضليات. فإذا قلنا بعد ذلك كله إن معانيهم كان يسودها فى بعض جوانبها ضرب من الروح القصصية لم نكن مبالغين، وهى روح لم تتسع عندهم، فقد أضعفتها حركتهم وميلهم إلى السرعة والإيجاز. وبذلك لم يظهر عندهم ضرب من ضروب الشعر القصصى، فقد ظل شعرهم غنائيّا ذاتيّا، يتغنى فيه الشاعر بأهوائه وعواطفه، غير محاول صنع قصة، يجمع لها الأشخاص والمقومات القصصية، ويرتبها ترتيبا دقيقا، فإن شيئا من ذلك لم يخطر بباله، إذ كان مشغولا بنفسه، لا يهمه إلا أن يتغنى بها وممشاعره.

стр. 222

٥ - الخصائص اللفظية من أهم ما يلاحظ على الشعر الجاهلى أنه كامل الصياغة، فالتراكيب تامة ولها دائما رصيد من المدلولات تعبر عنه، وهى فى الأكثر مدلولات حسية، والعبارة تستوفى أداء مدلولها، فلا قصور فيها ولا عجز. وهذا الجانب فى الشعر الحاهلى يصور رقيّا لغويّا، وهو رقى لم يحدث عفوا فقد سبقته تجارب طويلة فى غضون العصور الماضية قبل هذا العصر، وما زالت هذه التجارب تنمو وتتكامل حتى أخذت الصياغة الشعرية عندهم هذه الصورة الجاهلية التامة، فالألفاظ توضع فى مكانها والعبارات تؤدّى معانيها بدون اضطراب. وقد يكون من الأسباب التى أعانتهم على ذلك أن الشعراء كما أسلفنا كانوا يرددون معانى بعينها، حتى لتتحول قصائدهم إلى ما يشبه طريقا مرسوما، يسيرون فيه كما تسير قوافلهم سيرا رتيبا، وكانوا هم أنفسهم يشعرون بذلك شعورا دقيقا، مما جعل زهيرا يقول بيته المأثور-إن صح أنه له-: ما أرانا نقول إلا معارا ... أو معادا من لفظنا مكرورا فهو يشعر أنهم يبدئون ويعيدون فى ألفاظ ومعان واحدة، ويجرون على طراز واحد، طراز تداولته مئات الألسنة بالصقل والتهذيب، فكل شاعر ينقّح فيه ويهذب ويصفى جهده حتى يثبت براعته. ولم تكن هناك براعة فى الموضوعات وما يتصل بها من معان إلا ما يأتى نادرا، فاتجهوا إلى قوالب التعبير، وبذلك أصبح المدار على القالب لا على المدلول والمضمون، وبالغوا فى ذلك، حتى كان منهم من يخرج قصيدته فى عام كامل، يردّد نظره فى صيغها وعباراتها حتى تصبح تامة مستويه فى بنائها (١). وربما دل ذلك على أن مطولاتهم لم تكن تصنع دفعة واحدة، بل كانت تصنع على دفعات، ولعل هذا هو سبب تكرار التصريع فى طائفة منها، ولعله أيضا السبب

стр. 223

فى تفككها واختلاف عواطفها، فقد كان الشاعر يصنعها فى أزمنة مختلفة. وأغلب الظن أنه كان إذا صنع قطعة عرضها على بعض شعراء قبيلته وبعض من يلزمه من رواته، فكانوا يروونها بصورة، وما يلبث أن يعيد فيها النظر فيبدّل فى بعض أبياتها، يبدل كلمة بكلمة، وقد يحذف بيتا. ومعنى ذلك أن صناعة المطولات أعدّت منذ العصر الجاهلى لاختلاف الرواية فيها بسبب ما كان يدخله صاحبها عليها من تعديل وتنقيح. وفى أسماء شعرائهم وألقابهم ما يدل على البراعة فى هذا التنقيح وما يطوى فيه من تجويد، فقد لقبوا امرأ القيس بن ربيعة التغلبى بالمهلهل لأنه أول من هلهل ألفاظ الشعر وأرقّها (١) ولقبوا عمرو بن سعد شاعر قيس بن ثعلبة بالمرقّش الأكبر لتحسينه شعره وتنميقه (٢) ولقبوا ابن أخيه ربيعة بن سفيان بالمرقّش الأصغر، كما لقبوا طفيلا بالمحبّر لتزيينه شعره (٣)، ولقبوا علقمة بالفحل لجودة أشعاره (٤) ولقبوا غير شاعر بالنابغة فى شعره، ومن ألقابهم التى تدل على احتفالهم بتنقيح الشعر المثقّب والمتنخّل. وقد استطاعوا حقّا أن يبهروا العصور التالية بما وفّروه لأشعارهم من صقل وتجويد فى اللفظ والصيغة. ونحن نعرف أن الصيغة فى الشعر صيغة موسيقية، وقد أسلفنا كيف أحكموا هذه الصيغة، فقد كان الشاعر يتقيد فى قصيدته بالنغمة الأولى، وما زالوا يصفّون فى نغم القصيدة، حتى استوى استواء كاملا، سواء من حيث اتحاد النغم أو اتحاد القوافى وحركاتها، وبرعوا فى تجزئة الأوزان حتى يودعوا شعرهم كل ما يمكن من عذوبة وحلاوة موسيقية على نحو ما نلاحظ فى غزلية المتنخل اليشكرى السابقة. وحقّا هو فى جمهوره جزل، ولكنها جزالة تستوفى حظوظا من الجمال الفنى، ولذلك ظلت ماثلة فى شعرنا العربى عند شعرائه الممتازين إلى عصورنا الحديثة. واقرأ فى حوليّات زهير وقصائده المطولة وفى غيره من المبرزين أمثال النابغة وعلقمة الفحل والمرقشين والأعشى وطرفة والمتلمس وعنترة ودريد بن الصّمّة وسلامة بن جندل والحادرة والمثقب العبدى فستجدك أمام قصائد باهرة، قد أحكمت صياغتها وضبطت أدق ضبط، وسنعرض قطعا منها فى حديثنا عن الشعراء، لنصور براعتهم

стр. 224

فى هذا الجانب وكيف حققوا لموسيقاهم مهما جزلت وتضخمت كل ما يمكن من بهاء ورونق. وقد استعانوا منذ أقدم أشعارهم، لغرض التأثير فى سامعيهم، بطائفة من المحسنات اللفظية والمعنوية، وأكثرها دورانا فى أشعارهم التشبيه، فلم يصفوا شيئا إلا قرنوه بما يماثله ويشبهه من واقعهم الحسى، فالفرس مثلا يشبّه من الحيوان بمثل الظبى والأسد والفحل والوعل والذئب والثعلب ويشبّه من الطير بالعقاب والصقر والقطاة والباز والحمام، ويشبه بالسيف والقناة والرمح والسهم وبالأفعوان والحبل والهراوة والعسيب والجذع وتشبّه ضلوعه بالحصير وصدره بمداك العروس وغرته بخمار المرأة والشيب المخضوب ومنخره بالكير وعرفه بالقصبة الرطبة وحافره بقعب الوليد وعنقه بالرمح والصعدة وعينه بالنقرة والقارورة ولونه بسبائك الفضة وارتفاعه بالخباء. وكل هذه الأوصاف والتشبيهات مبثوثة فى المفضليات والأصمعيات، ويعرض علينا امرؤ القيس فى وصفه لفرسه بمعلقته طائفة طريفة منها. وعلى نحو ما لا حظنا آنفا كانوا يحاولون الإطراف فى التشبيه، حتى يخلبوا ألباب سامعيهم، وقد يقعون على صور نادرة كتصوير المتنخل اليشكرى لغدائر بعض النساء بأنها كالحيات، يقول (١): يعكفن مثل أساود ال ... تّنّوم لم تعكف لزور (٢) وكانوا يشبهون المرأة بالبدر والشمس، وألمّ سويد بن أبى كاهل بهذا التشبيه، وحاول أن يخرجه إخراجا جديدا فقال (٣): حرّة تجلو شتيتا واضحا ... كشعاع الشمس فى الغيم سطع (٤) فجعل أسنان صاحبته المفلجة البيضاء كشعاع الشمس يبزغ من خلل الغيم. وكانوا يشبهون الرمح بالجمر ولهبه، وألمّ عميرة بن جعل بهذا التشبيه فأضاف إليه إضافة جديدة، إذ قال (٥):

стр. 225

جمعت ردينيّا كأنّ سنانه ... سنا لهب لم يتّصل بدخان وكان الجاحظ يعجب إعجابا شديدا بوصف عنترة لبعض الرياض وتصويره للذباب وحركة جناحيه حين يسقط، إذ يقول (١): جادت عليها كلّ عين ثرّة ... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم (٢) فترى الذباب بها يغنّى وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنّم غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم (٣) فقد شبه قرارات الروضة وحفرها بالدراهم، وشبه صوت الذباب بصوت الشارب المترنم، وما زال يطلب صورة نادرة حتى وقع على الصورة الأخيرة إذ شبه الذباب فى حركة أجنحته الدائبة حين يسقط برجل مقطوع اليدين يقدح النار من عودين أو زندين فلا تقتدح، فيستمر فى قدحه لا يفتر. وبجانب التشبيهات الكثيرة التى تلقانا فى شعرهم نجد الاستعارة بفرعيها من التصريحية والمكنية، وهى مبثوثة فى أقدم أشعارهم. نجدها عند امرئ القيس ومعاصريه كما نجدها عند من جاءوا بعده، ومن أمثلتها الطريفة عند امرئ القيس تصويره طول الليل وفتوره وبطئه ببعير جاثم لا يريم، إذ يقول فى معلقته مخاطبا الليل: فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل (٤) وأنشد ابن المعتز فى كتابه «البديع» كثيرا من استعاراتهم مثل قول أوس بن حجر: وإنى امرؤ أعددت للحرب بعد ما ... رأيت لها نابا من الشرّ أعصلا (٥) وقول علقمة بن عبدة: بل كلّ قوم وإن عزّوا وإن كرموا ... عريفهم بأثافى الشرّ مرجوم (٦)

стр. 226

وقول طفيل الغنوى فى وصف ناقته: وجعلت كورى فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرّحل (١) وقول الحارث بن حلّزة اليشكرى: حتى إذا التفع الظّباء بأط ... راف الظّلال وقلن فى الكنس (٢) وفى شعرهم كثير من هذه الاستعارات الطريفة، وسنعرض لطائفة منها ومن التشبيهات فى دراستنا لشعرائهم المبرزين، وكانوا يضيفون إلى ذلك عناية ببعض المحسنات التى شاعت فى الشعر العباسى وكثر استخدامها فيه حتى اتخذها بعض الشعراء مذهبا يطبقها على جميع أبياته أو جمهورها، ونقصد الطباق والجناس، فلهما أصول فى الجاهلية، ونحن نجدهما عند امرئ القيس فى وصفه لفرسه إذ يقول: مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه ... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل (٣) والطباق واضح فى البيت الأول ومثله الجناس فى البيت الثانى. وقد أنشد المفضل الضبى لعبد الله بن سلمة الغامدى قصيدة كثر فى آخرها الجناس كثرة مفرطة، حتى لكأننا بإزاء شاعر عباسى من شعراء البديع، يقول عبد الله (٤): ولقد أصاحب صاحبا ذا مأقة ... بصحاب مطّلع الأذى نقريس (٥) ولقد أزاحم ذا الشّذاة بمزحم ... صعب البداهة ذى شذا وشريس (٦)

стр. 227

ولقد أداوى داء كلّ معبّد ... بعنيّة غلبت على النّطّيس (١) فقد جانس فى البيت الأول بين أصاحب وصاحبا وصحاب، وجانس فى البيت الثانى بين أزاحم وبمزحم والشذاة وشذا وأدخل حرف الشين على كلمة شريس، وجانس فى البيت الأخير بين أداوى وداء. وتلك كلها محسنات كان الشاعر الجاهلى يعنى بها حتى يؤثر فى نفوس سامعيه ويخلب ألبابهم، وهى تصور مدى ما كان يودعه قصيدته من جهد فنى، وخاصة من حيث التصوير ودقته وبراعته، فقد كان ما يزال يجهد خياله حتى يأتى فيه بالنادر الطريف.

стр. 228

الفصل السابع امرؤ القيس ١ - قبيلته وأسرته (١) امرؤ القيس من قبيلة كندة، ومن بيت السيادة فيها، وهى قبيلة يمنية (٢) كانت تنزل فى غربى حضرموت، وهاجرت منها جماعة كبيرة إلى الشمال مع هجرات اليمنيين المعروفة، واستقرت جنوبى وادى الرّمّة الذى يمتد من شمالى المدينة إلى العراق. وقد احتلت كما مرّ بنا مكانا بارزا فى نجد منذ أواسط القرن الخامس للميلاد، فإننا نجد على رأسها أميرا يسمى حجرا آكل المرار (٣) تعاقبت الإمارة فى بنيه من بعده، ويظهر أنه استطاع أن يفرض سيادته على كثير من القبائل الشمالية، وأنه كان يدين بالطاعة لملوك حمير اليمنيين (٤). وهذه الإمارة الكندية النجدية كانت تقابل إمارة المناذرة فى الحيرة والغساسنة فى الشام، وقد أدى وقوعها بينهما ومحاولتها بسط نفوذها على قبائل معد من حولها إلى أن تصطدم بالإمارتين المجاورتين لها جميعا، وهو اصطدام تروى أخباره منذ قيام حجر آكل المرار، إذ كثيرا ما كان يشتبك فى حروب مع الغساسنة (٥). وما زال يمد رقعة ملكه حتى بلغت حدود المناذرة، ويتوفّى فيخلفه ابنه عمرو ويحافظ على ما ورث عن أبيه من سلطان، ويصهر إليه ملك الحيرة (٦) مما يدل على اتساع نفوذه، ويعقبه

стр. 229

ابنه الحارث، وهو أهم أمراء هذه الأسرة، والمظنون أنه بدأ حكمه حوالى سنة ٤٩٠ للميلاد. ويذكر المؤرخون البيزنطيون أنه كان كثير الإغارة على الحدود الرومانية وكان يقود غاراته ابناه حجر ومعد يكرب، وقد أغار على فلسطين الرومانية فى عامى ٤٩٧ و ٥٠١ للميلاد (١). ولا نتقدم فى القرن السادس حتى يعظم سلطان الحارث فى نجد. وحدث أن غضب قباذ ملك الفرس على المنذر بن ماء السماء أمير الحيرة بسبب رفضه لمذهب المزدكية، كما مر بنا فى غير هذا الموضع، فعزله وولى على الحيرة مكانه الحارث ختنه (٢)، فتحقق له حلم آبائه بتقويض الإمارة اللخمية، وولّى أبناءه على القبائل، فجعل-كما تقول بعض الروايات-حجرا على أسد وغطفان، وشرحبيل على بكر ومعد يكرب على تغلب وسلمة على قيس (٣) وسرعان ما تطورت الأحداث، فإن الأحباش استولوا على اليمن وتوفى قباذ وخلفه كسرى أنوشروان سنة ٥٢٨ وكان يكره مزدك والمزدكية، فاضطهد أنصارها فى بلاده، وأعاد المنذر بن ماء السماء إلى الحيرة عاصمته، وقد أدار مع الحارث معارك طاحنة، انتهت بقتل الحارث. وتبع المنذر أبناءه يوقع بهم ويؤلب القبائل عليهم، وسرعان ما سقط معديكرب وسلمة فى معركة تعرف بيوم أوارة الأول (٤) ويقال إن معد يكرب أصابه الجنون، وكان شرحبيل قد سقط قبل ذلك فى معركة بينه وبين أخيه سلمة تعرف بيوم الكلاب الأول (٥). أما حجر وهو أبو امرئ القيس فقتلته قبيلة بنى أسد، ويروى صاحب الأغانى أربع روايات مختلفة فى قتله (٦)، أما الأولى فقد رواها عن هشام بن الكلبى (المتوفى سنة ٢٠٤ هـ) وهى تزعم أن حجرا كان له على بنى أسد إتاوة يؤدونها كل عام، فلما قتل أبوه أرسل إليهم جباته فمنعوهم وضربوهم ضربا مبرحا، فسار إليهم حجر بجند من ربيعة وقيس وكنانة، فاستسلموا له، فأخذ سادتهم، وجعل يقتلهم بالعصا

стр. 230

-فسمّوا عبيد العصا-وأباح أموالهم، وطردهم من منازلهم فى جنوبى وادى الرّمّة إلى تهامة، وحبس سيدهم عمرو بن مسعود الأسدى، وشاعرهم عبيد بن الأبرص وقد استعطفه بقصيدة يقول له فيها: أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامه فأثر ذلك فى نفس حجر، وعفا عنهم، ولكنهم أضمروا له الانتقام، وأصابوا منه غرّة، فقتلوه فى قبّته، ونهبوا ما كان معه من أموال. والرواية الثانية رواها أبو الفرج عن أبى عمرو الشيبانى (المتوفى سنة ٢١٣ هـ) وهى تزعم أن حجرا خاف على نفسه من بنى أسد، فاستجار بعوير بن شجنة التميمى لبنته هند وأهله، ثم مال على بعض بنى سعد بن ثعلبة فأدركه علباء بن الحارث الأسدى، وغافله، وقتله. والرواية الثالثة رواها أبو الفرج عن الهيثم بن عدى (المتوفى سنة ٢٠٦) وهى تذكر أن حجرا لما استجار عوير بن شجنة لبنيه وأهله تحول عن بنى أسد فأقام فى عشيرته كندة مدة، وجمع لبنى أسد منهم جمعا عظيما، وأقبل مدلاّ بمن معه من الجنود، فتآمرت بنو أسد بينها، وقالوا: والله لئن قهركم هذا ليحكمن عليكم حكم الصبى! وما خير عيش يكون بعد قهر وأنتم بحمد الله أشدّ العرب فموتوا كراما. فساروا إلى حجر وقد ارتحل نحوهم فلقوه، فاقتتلوا قتالا عنيفا، وكان صاحب أمرهم علباء بن الحارث فحمل على حجر فطعنه، فقتله، وانهزمت كندة وفيهم يومئذ امرؤ القيس بن حجر، فهرب على فرس له شقراء، وأعجزهم. وقد قتلوا من أهل بيته طائفة وأسروا أخرى وملأوا أيديهم من الغنائم، وأخذوا جوارى حجر ونساءه وكل ما كان معه من أموال، واقتسموا ذلك جميعه. أما الرواية الرابعة فرواها أبو الفرج عن ابن السّكّيت (المتوفى سنة ٢٤٤) وهى تزعم أن حجرا أقبل بعد موت أبيه راجعا إلى بنى أسد، وكان قد أساء ولايتهم. وتشاورت بنو أسد فيه، وأجمع أمرهم على إعلان الحرب عليه، وخرج إليه بعض شجعانهم، فقتلوا من كان يقدم ركبه من غلمانه وسبوا جواريه. وعلم حجر بذلك فقاتلهم غير أنهم هزموه وأسروه، ووثب منهم فتى كان له عنده ثأر، فقتله.

стр. 231

والرواية الأولى رواية هشام الكلبى. وهو متهم فيما يرويه. فهى رواية ضعيفة. ومما يدل على فسادها قصيدة عبيد التى ذكر فى تضاعيفها يوم القيامة: ومن أين له بمعرفة هذا اليوم الذى جاء فى القرآن الكريم وهو جاهلى وثنى؟ . ومثلها الروايتان الثانية والرابعة، فأثر الافتعال فيهما واضح، لسبب بسيط. وهو أن حجرا يموت غيلة. ولا نرى عشيرته كندة تثأر له أو تشتبك من أجله فى حرب مع بنى أسد. لذلك نرجح الرواية الثالثة رواية الهيثم بن عدى، وهى تتفق مع ما ردده عبيد بن الأبرص فى شعره مرارا من أن قبيلته نكّلت بكندة وصاحبها حجر. وكان عبيد معاصرا للحوادث وشاهد عيان لها، ومن قوله فى ذلك يخاطب امرأ القيس (١): وركضك لولاه لقيت الذى لقوا ... فذاك الذى أنجاك مما هنالكا وهو يشير بذلك فى وضوح إلى فرار امرئ القيس من المعركة التى قتل فيها أبوه، ونراه يصف هذه المعركة، ويصرح بهزيمة كندة فيها وقتل حجر إذ يقول معرّضا بامرئ القيس وساخرا من وعيده وتهديده لقومه (٢): ياذا المخوّفنا بقت ... ل أبيه إذلالا وحينا (٣) أزعمت أنك قد قتل ... ت سرابنا كذبا ومينا (٤) هلاّ على حجر ابن ... أمّ قطام تبكى لا علينا هلا سألت جموع كن ... دة يوم ولّوا أين أينا أيام نضرب هامهم ... ببواتر حتى انحنينا (٥) ويتكرر فى ديوان عبيد وصف نهاية حجر وملك كندة على أسد بهذه الصورة مرارا (٦) مما يدل على أن رواية الهيثم بن عدى أكثر قربا إلى الصحة والصدق وأن الروايات الأخرى دخلها الفساد والانتحال.

стр. 232

٢ - حياته تتردد فى كتب الأدب أسماء مختلفة لامرئ القيس، فيسمى حندجا وعديّا ومليكة (١)، ويكنى بأبى وهب وأبى زيد وأبى الحارث ويلقّب بذى القروح والملك الضّليل (٢)، وأشهر ألقابه امرؤ القيس، والقيس من أصنامهم فى الجاهلية كانوا يعبدونه وينتسبون إليه. وأبوه حجر بن الحارث كما مر بنا. أما أمه ففاطمة بنت ربيعة أخت كليب ومهلهل التغلبيين (٣). ووهم بعض الرواة فى نسبه، فقالوا إنه امرؤ القيس بن السّمط بن امرئ القيس بن عمرو الكندى، وإن أمه تملك بنت عمرو بن زبيد بن مذحج من رهط عمرو بن معد يكرب (٤). وهو خلط أوقعهم فيه تشابه اسمه مع اسم هذا الشاعر، وكان فى الجاهلية ستة عشر شاعرا كلهم يتسمى باسم امرئ القيس. ولا نعرف سنة مولده، ويظن أنه ولد فى أوائل القرن السادس للميلاد، وليس بين أيدينا أى شئ واضح عن نشأته وكيف أمضى أيامه الأولى فى شبابه إلا أخبارا تغلب عليها الأسطورة، من ذلك ما رواه (٥) هشام الكلبى إذ يزعم أن أباه حجرا طرده وآلى (أقسم) أن لا يقيم معه أنفة من قوله الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك، فكان يسير فى أحياء العرب ومعه أخلاط من شذّاذ القبائل: من طيئ وكلب وبكر ابن وائل، فإذا صادف غديرا أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه فى كل يوم وخرج إلى الصيد، فتصيّد ثم عاد، فأكل وأكلوا معه، وشرب الخمر، وسقاهم، وغنته قيانه. ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير، ثم ينتقل عنه إلى

стр. 233

غيره. فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمّون من أرض اليمن، أتاه به رجل من بنى عجل يقال له عامر الأعور أخو الوصّاف، فلما أتاه بذلك قال: تطاول الليل علىّ دمّون ... دمّون إنا معشر يمانون وإننا لأهلنا محبّون ثم قال: ضيّعنى صغيرا وحمّلنى دمه كبيرا، لا صحو اليوم ولا سكر غدا، اليوم خمر وغدا أمر. فذهبت مثلا، ثم قال: خليلىّ لا فى اليوم مصحى لشارب ... ولا فى غد إذ ذاك ما كان يشرب ثم شرب سبعا، فلما صحى آلى أن لا يأكل لحما ولا يشرب خمرا ولا يدّهن بدهن (طيب) ولا يقرب النساء حتى يدرك بثأره، فلما جنّه الليل رأى برقا، فقال: أرقت لبرق بليل أهلّ ... يضئ سناه بأعلى الجبل أتانى حديث فكذّبته ... بأمر تزعزع منه القلل (١) بقتل بنى أسد ربّهم ... ألا كلّ شئ سواه جلل (٢) فأين ربيعة عن ربّها ... وأين تميم وأين الخول (٣) ألا يحضرون لدى بابه ... كما يحضرون إذا ما أكل وواضح أن هذا الخبر يخالف روابة الهيثم بن عدى السابقة فى مقتل حجر والتى تذكر أن امرأ القيس كان مع أبيه فى حربه لبنى أسد وأنه فرّ حين هزمت كندة وقتل أبوه، فهو من منحولات ابن الكلبى. ومثله الخبر الذى ساقه ابن قتيبة، إذ يقول إن أباه طرده لما صنع فى الشعر بفاطمة ابنة عمه ما صنع، وكان لها عاشقا، فطلبها زمانا فلم يصل إليها، وكان يطلب منها غرّة، حتى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ما كان فقال قصيدته: (قفا نسبك من ذكرى حبيب ومنزل) فلما بلغ ذلك أباه دعا مولى يقال له ربيعة، فقال له: اقتل امرأ القيس وائتنى بعينيه،

стр. 234

فذبح جؤذرا (١)، فأتاه بعينيه. وندم حجر على ذلك، فقال: أبيت اللعن! إنى لم أقتله، قال: فأتنى به. . فردّه إلى أبيه، فنهاه عن قول الشعر، ثم إنه قال قصيدته: (ألا انعم صباحا أيها الطلل البالى) فبلغ ذلك أباه فطرده، فبلغه مقتل أبيه بدمّون (٢). وواضح أن هذا الخبر يلتقى بسابقه ويكتمل بنفس أسلوبه فهو منتحل، صنع تعليقا وتوضيحا لبعض أبيات معلقته التى يذكر فيها صاحبته فاطمة ويذكر معها يوم دارة جلجل. ومثل هذين الخبرين ما قاله بعض الرواة من أن أباه طرده لتغزله ببعض نسائه. والحق أن هذه الأخبار ظاهرة الانتحال هى وكل ما يتصل بها من أشعار يسوقونها على لسانه، وكأن ابن الكلبى وغيره من الرواة استلهموا ما تدل عليه أشعاره الصحيحة من أنه كان صبّا بالشراب والصيد ومغازلة النساء، فلفقوا هذه الأخبار، وضمنوها بعض الأشعار. وفاتهم أنه عاش فى عصر الوثنية وأنه كان أميرا من أسرة تفرض سيادتها على كثير من القبائل فلا عجب أن يحيا حياة لاهية لا تتورع عن الإثم. على أن الدهر لم يلبث أن قلب لهذا الفتى العاكف على الصيد واللهو ظهر المجنّ، فإذا أبوه يقتل، وإذا هو موتور، لا بد له من أخذ ثأره على عادة العرب، ولا بد أن يجاهد فى سبيل استرداد ملك آبائه وملك كندة قبيلته على بنى أسد قتلة أبيه. ويظهر أن بنى أسد خافوا العاقبة، فأرسلوا إليه-فى رواية للخليل بن أحمد-وفدا للمفاوضة، وعرض عليه الوفد إحدى ثلاث: القصاص أو الفداء أو النّظرة (الإمهال) حتى تضع الحوامل، فتعقد الرايات وتكون الحرب، فقال: «لقد علمت العرب أن لا كفء لحجر فى دم، وإنى لن أعتاض به جملا أو ناقة، فأكتسب بذلك سبّة الأبد، وفتّ العضد، وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنّة فى بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببا، وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل القلوب حنقا وفوق الأسنة علقا (دما) ورويدا ينكشف لكم دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير، فنهضوا عنه (٣)» وقد عرفوا أنه طالبهم.

стр. 235

ويلقانا قصص كثير عن طلبه لبنى أسد، وأكثره مما رواه ابن الكلبى (١)، إذ يزعم أنه ارتحل حتى نزل بكرا وتغلب فسألهم النصر على بنى أسد، وعلمت بنو أسد بما يدبّر لهم، فارتحلوا ولجئوا إلى بنى كنانة، فاختلطوا بهم. وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب حتى انتهى إلى بنى كنانة، وهو يحسبهم بنى أسد، فوضع السلاح فيهم، فأعلموه أنهم ليسوا طلبته. وكان بنو أسد قد عرفوا قدومه بمن معه، فرحلوا، فتبعهم حتى لحقهم، وقاتلهم، حتى كثرت الجرحى والقتلى فيهم، وحجز الليل بينهم، فهربت بنو أسد، فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوهم، وقالوا له: قد أصبت ثأرك، وانصرفوا عنه. ومضى لوجهه حتى لحق حمير، فاستنصر أزد شنوءة فأبوا أن ينصروه، فنزل بقيل (أمير) يدعى مرثد الخير الحميرى فأمدّه بخمسمائة رجل، وتبعه شذاذ من العرب واستأجر من القبائل رجالا، فسار بهم إلى بنى أسد، ويقال إنهم عادوا فتركوه، ويقال إنه لجأ إلى عمرو بن المنذر ابن ماء السماء وذكر ما بينهما من صهر فأجاره، وبلغ المنذر مكانه فطلبه، فهرب. وفى رواية إن المنذر ألحّ فى طلبه ووجه الجيوش إليه فلجأ إلى الحارث بن شهاب من بنى يربوع بن حنظلة، فأرسل إليه المنذر مائة من رجاله ينذره بالحرب إن لم يسلم امرأ القيس ومن معه من بنى آكل المرار. فخرج امرؤ القيس على وجهه حتى نزل فى أرض طيئ وقيل بل نزل قبلهم على سعد بن الضّباب الإيادى فأجاره، ثم تحول عنه إلى المعلّى بن تيم الطائى، فأكرمه. وولى وجهه نحو عشيرة بنى نبهان الطائية، فبذلت له من مالها، ثم خرج عنها فنزل بعامر بن جوين الطائى. وكان المنذر لا يزال يتبعه، فتحول عن طيئ إلى رجل من بنى فزارة يسمى عمرو بن جابر فدله على السموأل بن عادياء صاحب حصن الأبلق بتيماء، فلجأ إليه. وهنا يزعم ابن الكلبى وغيره من الرواة أنه طلب منه أن يكتب له إلى الحارث بن جبلة الغسانى بالشام ليوصّله إلى قيصر، واستودعه أهله وأمواله وما كان معه من سلاح. ومضى حتى انتهى إلى قيصر فى القسطنطينية، وهو حينئذ جوستنيان فأكرمه ورفع منزلته، وضم إليه جيشا كثيفا. ولما فصل اندس إلى جوستنيان رجل من بنى أسد يقال له الطمّاح فقال له: «إن امرأ القيس غوىّ عاهر، وإنه لما انصرف عنك بالجيش ذكر أنه

стр. 236

كان يراسل ابنتك ويواصلها، وهو قائل فى ذلك أشعارا يشهّرها بها فى العرب، فيفضحها ويفضحك. فبعث إليه القيصر حينئذ بحلّة وشى مسمومة منسوجة بالذهب، وقال له: إنى أرسلت إليك بحلتى التى كنت ألبسها تكرمة لك، فإذا وصلت إليك فالبسها باليمن والبركة، واكتب إلىّ بخبرك من منزل منزل. فلما وصلت إليه لبسها واشتد سروره بها، فأسرع فيه السم وسقط جلده، فلذلك سمّى ذا القروح، وقال فى ذلك: لقد طمح الطمّاح من بعد أرضه ... ليلبسنى مما يلبّس أبؤسا (١) فلو أنها نفس تموت سويّة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا فلما صار إلى بلدة من بلاد الروم تدعى أنقرة احتضر بها، فقال: رب خطبة مسحنفره ... وطعنة مثعنجره (٢) وجفنة متحيّره ... حلّت بأرض أنقره (٣) ورأى قبر امرأة من أبناء الملوك ماتت هناك فدفنت فى سفح جبل يقال له عسيب فسأل عنها، فأخبر بقصتها فقال: أجارتنا إن المزار قريب ... وإنى مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب ثم مات فدفن إلى جنب المرأة، فقبره هناك! ». وهذه الأخبار عن امرئ القيس بعد مقتل أبيه ومصيره رويت فى جملتها عن ابن الكلبى المتهم فيما يرويه، والتلفيق فيها بين واضح. ويمكن أن يكون لها أصل، تشهد به الحوادث، وهو أن يكون امرؤ القيس حاول عبثا استرداد ملك آبائه، ولكنه مات دون تحقيق غايته. ومن الممكن أيضا أن يكون قد حاول اللجوء إلى الحارث بن جبلة الغسانى وأنه أوصله إلى جوستنيان فى القسطنطينية، غير أنه مات فى الطريق. ومن المحقق أن قصة ثأر جوستنيان لشرفه منه قصة منتحلة، نسجها القصاص حين

стр. 237

وجدوه فى شعره يفخر بمغامراته الغرامية، وكأنهم أرادوا أن لا يخلوه فى القسطنطينية من ضرب من ضروب هذه المغامرات الجريئة، وقد تمادوا فجعلوه يدخل مع القيصر الحمام وقالوا إنه كان ينادمه، وإن ابنته نظرت إليه فعشقته وواصلته. والحق أن القصص لعب دورا واسعا فى حياة امرئ القيس، بحيث طمست معالمها، سواء قبل مقتل أبيه أو بعده، ومن ثمّ ذهب طه حسين إلى أن حياته بتفاصيلها وبما تزعمه من ذهابه إلى قيصر وموته فى رجوعه من عنده إنما هى تمثيل لحياة عبد الرحمن بن الأشعث الكندى الذى ثار على الحجاج وحاول الاستعانة بملك الترك، وأخفق فى مسعاه (١). وفيما ذهب إليه طه حسين ضرب من المبالغة والخيال البعيد. وإذا رجعنا إلى المؤرخين البيزنطيين لم نجد عندهم أى إشارة إلى امرئ القيس ابن حجر الكندى وزيارته لبيزنطة وطلبه النصرة منها ضد المنذر بن ماء السماء: وقد ورد عند «بروكوبيوس» اسم شخص يدعى قيسا اقترن اسمه بغزو الحبشة لليمن سنة ٥٢٤ للميلاد، ويقال إن القيصر طلب منه أن يقود الجيوش ضد الفرس، وذكر «نونوسوس» أن جوستنيان كلفه بالسفارة لديه (٢). ومن ثم ظن كوزان دى برسفال أن قيسا المذكور عند هذين المؤرخين هو امرؤ القيس (٣)، وخاصة حين رآه يزور القسطنطينية، وأكبر الظن أن هذا مجرد تشابه فى الأسماء. على أن بعض المصادر التاريخية اليونانية ذكرت فى صراحة اسم شخص يدعى امرأ القيس كان من العرب التابعين لملوك الفرس، وقد جعل يغير على القبائل فى شمالى الحجاز ويبسط سلطانه عليها وقد استطاع أن يستولى على جزيرة يوتابه - Iotabe جزيرة تيران الحالية فى مدخل خليج العقبة-ويطرد منها عمال المكوس من الروم، وعاد فرأى أن يصانع الروم، مخافة غزوهم له، فأرسل إلى بيزنطة أسقف العرب الذين خضعوا لحكمه سنة ٤٧٣ للميلاد، ليفاوض قيصر فى أن يعينه حاكما على جنوبى الأردن وساحل خليج العقبة، ويمنحه لقب فيلارك. ونجح الأسقف فى

стр. 238

سفارته، ودعا القيصر امرأ القيس لزيارة عاصمته. وبالغ فى إكرامه، وعاد إلى بلاده (١). وواضح، مما تذكره تلك المصادر اليونانية عن هذا الأمير وأنه كان من العرب التابعين لملوك الفرس، أنه كان من اللخميين، ولعل من الطريف أن محمد بن حبيب يذكر فى كتابه «المحبر» أن فيروز ملك الفرس (٤٥٧ - ٤٨٣ م) هو الذى نصب امرأ القيس بن المنذر اللخمى ملكا، وإذا رجعنا إلى ملوك الحيرة فى هذا التاريخ لم نجد بينهم من يتسمى بهذا الاسم، وفى ذلك ما يؤكد ما تذكره المصادر اليونانية من أنه كان ملكا فى شمالى الحجاز، وكأنه بدأ كما تقول المصادر اليونانية مواليا للفرس، ثم استقل عنهم، وأصفى ولاءه للروم. ومرّ بنا فى أخبار الحارث الكندى أنه استطاع أن يفرض سلطانه على القبائل العدنانية فى الشمال، ومر بنا أيضا أنه كان يغير فى أواخر القرن الخامس على تخوم الروم، وكان يقود هذه الغارات ابناه حجر ومعد يكرب. وقد يكون فى ذلك ما يدل على أن الحارث استطاع أن يقضى على امرئ القيس اللخمى فى شمالى الحجاز وسواحل خليج العقبة، وكأنه قضى على اللخميين فى غربى الجزيرة، ومر بنا أنه استطاع أن يخضع إمارة الحيرة لسلطانه؛ فكأنه قضى على دولتهم فى الغرب والشرق، وإن كان ذلك لم يدم طويلا، إذ سرعان ما ظهر المنذر بن ماء السماء يمده كسرى أنو شروان بجيوشه، فقضى على خصمه الكندى، وعادت الإمارة اللخمية الشرقية، أما الإمارة الغربية فلم تعد، فقد دخلت أملاكها فى ملك الغساسنة. وإنما أطلنا فى بيان ذلك لندل على أن أخبار امرئ القيس بن حجر الكندى اختلطت فى ذاكرة العرب بأخبار امرئ القيس اللخمى (٢)، ومن هنا كنا نظن ظنّا أن امرأ القيس الشاعر الكندى لم يزر قيصر بيزنطة، وكنا ندفع هذه القصة

стр. 239

الطويلة التى نسجت حول مقتله. غير أننا لا نرتاب فى أنه حاول أن يأخذ بثأر أبيه ولكن محاولاته ذهبت أدراج الرياح. ولم يلبث أن مات، ولا نعرف بالضبط تاريخ موته، ويغلب أن يكون بين سنتى ٥٣٠ و ٥٤٠ فإن القبائل انتقضت على أبيه وأعمامه منذ سنة ٥٢٨ وهى السنة التى توفّى فيها أو قتل جده الحارث. ٣ - ديوانه طبع ديوان امرئ القيس مرارا، وكان أول من طبعه دى سلان (De Slane) بباريس سنة ١٨٣٧ وقد أخرجه من مخطوطتين لكتاب «دواوين الشعراء الستة» للشنتمرى، وهى دواوين امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة وعلقمة بن عبدة، ومعروف أن الشنتمرى يحتفظ فى شرحه لهذه الدواوين برواية الأصمعى، وبعد أن ينتهى منها فى كل شاعر يضيف إليها بعض الزيادات من روايات أخرى. وقد نشر دى سلان الديوان باسم «نزهة ذوى الكيس وتحفة الأدباء فى قصائد امرئ القيس» وجرّد نشرته من شرح الشنتمرى. وعنى المستشرق ألوارد (Ahlwardt) بنشر الدواوين الستة فى سنة ١٨٧٠ ولم يأخذ برواية الشنتمرى فى ديوان امرئ القيس، فقد نشره من نسخة مروية عن السكرى، وألحق به غير قصيدة ومقطوعة مما وجده منسوبا إليه فى كتب الأدب والتاريخ. وطبع الديوان بعد ذلك من صنعة أبى بكر البطليوسى فى مصر والهند وإيران. وأخرجه حسن السندوبى فى نشرة مرتبة على حروف المعجم ساق فيها كل ما وجده منسوبا إليه فى الكتب الأدبية والتاريخية. كما أخرجه مصطفى السقا مع بقية الشعراء الستة معتمدا على رواية الشنتمرى فى مجموعته التى سماها «مختار الشعر الجاهلى» وفى سنة ١٩٥٨ نشر محمد أبو الفضل إبراهيم الديوان نشرة علمية جديدة بدار المعارف فى القاهرة، واعتمد فى نشرته على طائفة من المخطوطات، استطاع من خلالها أن يوزعه على رواياته، وبدأ برواية الأصمعى نقلا عن نسخة الشنتمرى التى تضم الدواوين الستة كما قدمنا والتى تحتفظ بسند وثيق يصل بين الشنتمرى والأصمعى، فهى رواية موثقة، وهى تشتمل على ثمان وعشرين قصيدة ومقطوعة

стр. 240

بشرح الشنتمرى، وأتبعها بتسع عشرة قصيدة ومقطوعة من رواية الطوسى وهى رواية كوفية، ويلى ذلك زيادات من هذه الرواية نصّ الطوسى على انتحالها، وتقع فى ٣٢ قصيدة ومقطوعة. ثم زيادات من نسخ السكرى وابن النحاس المصرى وأبى سهل عن بعض الكوفيين. وبذلك تبلغ قصائد الديوان ومقطوعاته مائة. وقد ألحق بها أبو الفضل تخريجا دقيقا. وإذا أخذنا نبحث فى هذه الروايات لاحظنا توّا أن أعلاها فى الثقة رواية الشنتمرى عن الأصمعى، فهى موصولة السند، وقد تلاها زيادات من روايات كوفية، وبمجرد النظر فى تخريجها نجد كثيرا منها شك فيه الرواة، ومعنى ذلك أن هذه الزيادات ليست وثيقة، ولا يصح الأخذ بمضمونها والاعتماد عليها، ومثلها الزيادات الأخرى عن السكرى وابن النحاس وأبى سهل. وإذن فالرواية التى ينبغى أن نناقش الديوان ونفحصه على أساسها هى رواية الأصمعى، وقبل مناقشتها ينبغى أن نلاحظ الشّبه العامة التى تحوم حول شعر امرئ القيس، ولعل أهمها ما جاء على لسان الأصمعى نفسه إذ روى عنه أنه كان يقول: «كل شئ فى أيدينا من شعر امرئ القيس فهو عن حماد الراوية إلا نتفا سمعناها من الأعراب وأبى عمرو بن العلاء» (١) وحماد فى أشعاره يقابل ابن الكلبى فى أخباره فأكثرها من منحوله. وفى الموشّح للمرزبانى: «يقال إن كثيرا من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه، وعن الرياشى يقال إن كثيرا من شعر امرئ القيس ليس له، وإنما هو لفتيان كانوا يكونون معه مثل عمرو بن قميئة وغيره» (٢). ولا بد أن نضيف إلى ذلك قدم عهد امرئ القيس، فقد بعدت الرواية بينه وبين عصور التدوين، وقد أديل من قومه، ولم يعد لهم شأن منذ زوال دولة آبائه. ولا بد أن نضيف أيضا أنه كان فى العصر الجاهلى كثير من الشعراء الذين تسموا باسم امرئ القيس، حتى يقال إنهم بلغوا ستة عشر، وقد تداخل شعرهم فى شعره. وينبغى أن لا ننسى أبدا أن رواية الأصمعى بشهادته غير وثيقة، لما دخلها من رواية حماد. وأمامنا الرواة الآخرون غير الأصمعى يلاحظون كثرة ما دخل من انتحال فى شعر امرئ القيس حتى لنرى الطوسى يفرد لذلك فصلين فى نسخته، فصل يذكر فيه القديم المنحول، وفصل يفرده للمستحدث المصنوع.

стр. 241

نحن إذن بإزاء شاعر زيّفت أخباره وزيف عليه كثير من أشعاره، ولذلك ينبغى أن نتلقى رواية الأصمعى بغير قليل من الحذر والاحتراس، وأول ما يلقانا فيها معلقته، وهى بين المعلقات التى يقال إن حمادا أول من رواها، غير أن روايته لها شفعت بروايات أخرى لرواة موثقين فقد رواها المفضل الضبى ورواها الأصمعى إلا أنه أنكر منها أربعة أبيات، وهى التى تبتدئ بقوله: وقربة أقوام جعلت عصامها ... على كاهل منى ذلول مرحّل (١) لأنها لا تشاكل شعره، إنما تشاكل شعر الصعاليك، ومن ثمّ نسبها بعض الرواة إلى تأبط شرّا (٢). وتليها قصيدته (ألا عم صباحا أيها الطلل البالى) وهى من روح القصيدة السابقة، ولم يشك فيها الرواة، فهى وثيقة عند المفضل الضبى والأصمعى وأبى عبيدة، ولذلك كنا نثبتها له. أما القصيدة الثالثة (خلبلىّ مرّابى على أم جندب) التى يقال إنه نظمها استجابة لزوجته أم جندب حتى تحكم بينه وبين علقمة الفحل أيهما أشعر فإن القدماء شكوا فيها واتهموها هى وما يطوى فيها من قصة أم جندب (٣) على أن من الرواة من لاحظ أنها اختلطت بقصيدة على وزنها ورويها لعلقمة بن عبدة (٤)، ولعل هذا هو الذى جعل بعض الرواة يصنع قصة المعارضة وأن أم جندب حكمت بين الشاعرين، غير ملاحظين أن علقمة كان يعيش فى أوائل القرن السابع، فهو ليس من معاصرى امرئ القيس. والقصيدة الرابعة (سمالك شوق بعد ما كان أقصرا) تصف رحلته إلى قيصر وصفا مسهبا، ويكفى ذلك لردها لأن كل ما يتصل بهذه الرحلة مما وضعه ابن الكلبى وأضرابه. وشك الأصمعى نفسه فى القصيدة الخامسة (أعنّى على برق أراه وميض) وقال إنها تنسب فى بعض الروايات لأبى دؤاد الايادى (٥). ويمكن أن نقبل القصيدة السادسة (غشيت ديار الحىّ بالبكرات) وربما كانت مما قاله بعد مقتل أبيه. أما القصيدة السابعة (ألا إن قوما كنتم أمس دونهم) وهى فى مديح عوير بن

стр. 242

شجنة التميمى فلم يروها الطوسى بين ما رواه عن المفضل الضبى (١)، ولذلك كنا ندفعها لأنها لم تثبت فيما يظهر عند المفضل. وشك أبو عبيدة فى القصيدة الثامنة (لمن طلل أبصرته فشجانى) وقال إنها محمولة عليه (٢). والقصيدة التاسعة (قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان) تذكر خشبات كان يحمل عليها فى مرضه، فهى تتصل بقصة رحلته إلى قيصر، وهى لذلك لا يمكن الاطمئنان إلى صحتها. والمقطوعة العاشرة (دع عنك نهبا صيح فى حجراته) قيلت فى مديح نبهانىّ أجاره فى أثناء طوافه فى القبائل ومطاردة المنذر له وربما كانت صحيحة. والقصيدة الحادية عشرة (أرانا موضعين لأمر غيب) جيدة، وهى مما رواه الأصمعى عن أبى عمرو ابن العلاء (٣). أما القصيدة الثانية عشرة (أماوىّ هل لى عندكم من معرّس) فقد روى أبو عمرو الشيبانى أنها لبشر بن أبى خازم الأسدى (٤). والقصيدة الثالثة عشرة (ألما على الرّبع القديم بعسعسا) تشير بعض أبياتها إلى قصة الحلة المسمومة، ولذلك كنا نرفضها. ويمكن أن نقبل القصيدة الرابعة عشرة التى نظمها فى مديح سعد بن الضباب الإيادى حين أجاره والتى يستهلها بقوله (لعمرك ما قلبى إلى أهله بحرّ) وهى مما أثبته له الأصمعى وأبو عبيدة والمفضل جميعا. وكذلك يمكن أن نقبل المقطوعة الحامسة عشرة (لمن الديار غشيتها بسحام) وهى فى عتاب سبيع بن عوف ومما قاله بعد مقتل أبيه. أما المقطوعة السادسة عشرة (يا دار ماويّة بالحائل) فقد أنكرها الطوسى وقال عن أحمد بن حاتم إنه لم يجد أحدا من الرواة يعرفها (٥). ولا ريب فى أن المقطوعة السابعة عشرة (رب رام من بنى ثعل) محمولة عليه، لأنها تصف عمرو بن المسبح الطائى ورميه للصيد، وكان من أرمى العرب له، وزمنه متأخر عن زمن امرئ القيس، إذ وفد على الرسول ﷺ فيمن وفد عليه من العرب (٦). والمقطوعة الثامنة عشرة (يا هند لا تنكحى بوهة) أنكر الآمدى نسبتها إليه، وقال إنها لامرئ القيس بن مالك الحميرى (٧). أما المقطوعة التاسعة عشرة (ألا قبح الله البراجم كلها) التى نظمها فى

стр. 243

هجاء قبائل من تميم حين خذلت عمه شرحبيل فى يوم الكلاب فقد كان ابن الأعرابى لا يعرفها (١). وأما المقطوعة رقم ٢٠ (إن بنى عوف ابتنوا حسبا) التى قالها فى مديح عوير بن شجنة فيمكن أن تكون صحيحة. وأما المقطوعة رقم ٢١ (والله لا يذهب شيخى باطلا) فأغلب الظن أنها منتحلة لأنهم يروون أنه قالها حين بلغه مقتل أبيه ومرّ بنا فى رواية الهيثم بن عدى أنه كان حاضرا مقتله. وقد أنكر الأصمعى المقطوعة رقم ٢٢ (ألا إلا تكن إبل فمعزى) (٢). ويمكن أن تكون المقطوعة رقم ٢٣ (ألا يا لهف هند إثر قوم) التى يقال إنه نظمها حين أخطأ بنى أسد وأوقع ببنى كنانة صحيحة، ومثلها المقطوعة رقم ٢٤ التى يمدح فيها المعلّى الطائى والمقطوعة الخامسة والعشرون وأختها السادسة والعشرون، وهما مما نظمه فى أثناء مطاردة المنذر له. أما المقطوعة السابعة والعشرون (ديمة هطلاء فيها وطف) فمما رواه الأصمعى عن أبى عمرو ابن العلاء عن ذى الرمة (٣)، وهى لذلك من شعره الوثيق، أما الثامنة والعشرون التى تدور على إجازة الشطور بينه وبين التوءم اليشكرى، بحيث يقول امرؤ القيس شطرا ويتم البيت التوءم فأغلب الظن أنها من صنع الرواة، ولعل اتهامها هو الذى جعل الطوسى لا يرويها بين ما أسند روايته إلى الراوى الثبت المفضل الضبى. وإذن لا يبقى صحيحا من رواية الأصمعى سوى القصيدتين الأوليين، وهما مطولتان، ومثلهما فى الصحة والثقة القصيدة الحادية عشرة والمقطوعة السابعة والعشرون لأنهما رويتا عن أبى عمرو بن العلاء، وتظل بعد ذلك المقطوعات أرقام ٦، ١٠، ١٤، ١٥، ٢٠، ٢٣، ٢٤، ٢٥، ٢٦ قابلة لأن تكون صحيحة. على أن كثرتها الكثيرة نظمت-إن صحت-بعد مقتل أبيه، يتعرض فيها لمن أجاروه ومن ردوه، وقد رويت طائفة منها على لسان ابن الكلبى فى أثناء حديثه الذى رواه له صاحب الأغانى عن طلب امرئ القيس لبنى أسد واستعدائه القبائل عليهم، ولذلك قلنا إنها يمكن أن تكون صحيحة. وكأنما الثابت الصحيح له إنما هو المعلقة أو القصيدة الأولى فى ديوانه، وتاليتها، ثم ما أنشده له أبو عمرو بن العلاء، أو بعبارة أخرى القصيدة الحادية عشرة والمقطوعة السابعة والعشرون.

стр. 244

٤ - شعره حاول طه حسين أن يردّ شعر امرئ القيس جميعه، لأنه يمنى من كندة وشعره قرشىّ اللغة، وقد مرّ بنا فى غير هذا الموضع أن كندة إن كانت يمنية الجنس فقد كانت عدنانية اللغة، كما مر بنا أن لغة قريش هى التى سادت وذاعت منذ أوائل العصر الجاهلى على لسان جميع الشعراء الشماليين سواء منهم من ينتسب إلى القبائل العدنانية ومن ينتسب إلى القبائل اليمنية، وقد أسلفنا أن أشعاره وأخباره دخلها وضع كثير. غير أن هذا كله لا ينتهى بنا إلى إنكار شعره جملة، وقد رأينا أننا لم نبق منه إلا على قلة قليلة. ولعل أول ما يلاحظ على هذه الأشعار القليلة أنها تنقسم قسمين واضحين: قسما نظمه قبل مقتل أبيه وقسما نظمه بعد مقتله. أما القسم الأول فلا يعدو المعلقة، والمطولة الثانية فى ديوانه (ألا عم صباحا أيها الطلل البالى) وهما جميعا مما رواه الأصمعى والمفضل الضبى وأبو عبيدة كما يتبين من تخريجهما فى طبعة الديوان بدار المعارف. وإذا رجعنا إلى المعلقة وجدنا فيها جزءا خاصّا بوصف البرق والمطر والسيول، ونجد نفس الموضوع فى القطعة السابعة والعشرين التى رواها أبو عمرو بن العلاء عن ذى الرمة. ولعل فى ذلك ما يؤكد صحة هذا الجزء على الأقل. ونحن نعرف أن امرأ القيس شبّ فى ديار بنى أسد بالقرب من تيماء (١)، وأن عبيد بن الأبرص كان بعاصره، وقد اشتهر بين الرواة بوصفه للمطر وإحسانه فيه (٢). واجتماعهما على هذا الوصف دليل بيّن على صحة ما ينسب إلى امرئ القيس منه. ومعنى ذلك أن المعلقة تحمل بين ثناياها ما يؤكد نسبتها إلى امرئ القيس، وهو يستهلها بقوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدخول فحومل (٣)

стр. 245

وقد عدّ القدماء هذا المطلع من مبتكراته، إذ وقف واستوقف وبكى وأبكى من معه وذكر الحبيب والمنزل، ثم أخذ يصور لنا كيف كان أصحابه يحاولون أن ينفّسوا عنه، وهو غارق فى ذكرياته وبكائه وإرسال دموعه وزفراته. وانتقل انتقالا سريعا يقص علينا مغامراته مع النساء، وكأنه يريد أن يستثير صاحبته فاطمة وأن يزرع الغيرة فى قلبها، فهو يذكر لها بعض صواحبه اللائى أبكينه وبرّح حبهن مثل أم الحويرث وأم الرّباب، ثم يفيض فى وصف يوم عنيزة مصورا كيف كان ينال منها وكيف كانت تدلّ عليه أحيانا، وفى أثناء ذلك يتعهر ولا يتستر، فيقول لعنيزة بيته المشهور: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا ... فألهيتها عن ذى تمائم مغيل (١) ثم يعود فيبثّ فاطمة حبه مصورا دلالها، ومعاتبا لها عتابا رقيقا، فى تلك الأبيات البديعة: أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل ... وإن كنت قد أزمعت صرمى فأجملى (٢) وإن كنت قد ساءتك منى خليقة ... فسلّى ثيابى من ثيابك تنسل (٣) أغرّك منى أن حبك قاتلى ... وأنك مهما تأمرى القلب يفعل وما ذرفت عيناك إلا لتقدحى ... بسهميك فى أعشار قلب مقتّل (٤)

стр. 246

وما يلبث أن يرجع إلى استثارة فاطمة بمغامرة جريئة له مع من كنى عنها ببيضة خدر لا يرام خباؤها، مصورا كيف اقتحم إليها الأهوال والأحراس وكيف انتحى بها ناحية من الحى يتبادلان فيها الصبابة والغرام، يقول: وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتّعت من لهو بها غير معجل (١) تجاوزت أحراسا وأهوال معشر ... علىّ حراص لو يشرّون مقتلى (٢) إذا ما الثّريّا فى السماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل (٣) فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى السّتر إلا لبسة المتفضّل (٤) فقالت يمين الله مالك حيلة ... وما إن أرى عنك العماية تنجلى (٥) خرجت بها تمشى تجرّ وراءنا ... على أثرينا ذيل مرط مرحّل (٦) فلما أجزنا ساحة الحىّ وانتحى ... بنا بطن حقف ذى ركام عقنقل (٧) إذا التفتت نحوى تضوّع ريحها ... نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل (٨) إذا قلت هاتى نوّلينى تمايلت ... علىّ هضيم الكشح ريّا المخلخل (٩) فهو يذكر خدرها وأحراسها ومنعتها، وكيف وصل إليها وقد استعدّت للنوم وما كان بينه وبينها من حوار، وكيف أطاعته وخرجت معه من الحى إلى مكان بعيد

стр. 247

لا تراهما فيه العيون، وكيف كانت تعفّى آثار أقدامهما بأذيال ثوبها الموشى. واسترسل يصف محاسنها ومفاتن جسدها وأطرافها، مصورا كيف تستصبى الرجال وتعبث بقلوبهم. ومن يقرأ هذه المغامرات القصصية عند امرئ القيس تفد على ذهنه توّا مغامرات ابن أبى ربيعة فى غزله، لا من حيث حواره مع النساء وحكايته لأحاديثهن وكلامهن فحسب، بل أيضا من حيث وصف الدبيب إليهن فى الليل ومنعة أحراسهن على نحو ما تصور ذلك رائيته المشهورة: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجّر وقد لاحظ طه حسين هذا التشابه فى غزل الشاعرين، فأنكر ما ينسب إلى امرئ القيس من هذا الغزل القصصى الصريح وقال إنه انتحل انتحالا، انتحله بعض القصاص على غرار ما وجدوا منه عند ابن أبى ربيعة (١). وليس هناك ما يمنع أن يكون ابن أبى ربيعة قد عرف غزل امرئ القيس وتأثر به كما تقضى طبيعة التأثر إذ يتأثر اللاحق بالسابق، ومن التحكم أن نرفض ذلك. ولعل خيرا من هذا؟ ؟ ؟ الرفض أن نقارن بين صنيعى الشاعرين فى وصف مثل هذه وتقليل ما؟ ؟ ؟ بينهما من فروق، فكلاهما حقّا يتحدث عن زيارته لصواحبه وما يتجشم فيها من أهوال، وما يكون بينه وبينهن من لهو. غير أننا نلاحظ عند عمر كما تصور ذلك رائيته تفننا فى رقة النجوى وفى كلف صواحبه به، ونحس أثر الحضارة التى غمرت المدينة ومكة بعد الفتوح، فالمرأة تتعلق بالشباب، وتسوق معهم معابثات ومغازلات لم تكن تألفها المرأة الجاهلية لزمن امرئ القيس. ومعنى ذلك أن هذا المنحى من القصص الغرامى منحى قديم بدأه امرؤ القيس ونمّاه من بعده الأعشى (٢)، ثم كان العصر الأموى فتعلق به عمر بن أبى ربيعة وأضرابه. ولعل من الطريف أنه لا يتضح عند امرئ القيس فى المعلقة وحدها، فمثلها المطولة (ألا عم صباحا أيها الضّلل البالى) فإنها تذهب نفس المذهب الذى رأيناه فى المعلقة،

стр. 248

وهو يفتتحها بالوقوف على أطلال سلمى، ثم يفيض فى وصف مغامراته ولهوه مع بعض النساء بالضبط على نحو ما رأينا فى المعلقة يقول: سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال (١) فقالت: سباك الله إنك فاضحى ... ألست ترى السّمّار والناس أحوالى (٢) فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسى لديك وأوصالى فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذى شماريخ ميّال (٣) وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت فذلّت صعبة أىّ إذلال (٤) فأصبحت معشوقا وأصبح بعلها ... عليه القتام سيّئ الظنّ والبال (٥) يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه ... ليقتلنى والمرء ليس بقتّال (٦) أيقتلنى والمشرفىّ مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال (٧) وكأن امرأ القيس هو الذى سبق إلى هذا الغزل الفاحش الصريح، وتبعه الشعراء من بعده وإن لم يبلغوا مبلغه من الفحش والصراحة وقد تبعوه فى تشبيبه الذى يودعه مقدمات قصائده وما يطوى فيه من بكاء ولوعة. ورجع فى معلقته بعد حديثه عن بيضة الخدر يصف لصاحبته شقاءه بحبها وأنه لا يستمع فيه إلى نصيحة ناصح، ولا إلى عذل عاذل، ويصور كيف يقتحم إليها الليل المخوف، ويسترسل فى وصفه فيقول: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى (٨)

стр. 249

فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل (١) ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل (٢) فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدّت بيذبل (٣) كأن الثّريّا علّقت فى مصامها ... بأمراس كتّان إلى صمّ جندل (٤) فهو يتصور الليل بسواده وهمومه كأنه أمواج لا تنتهى، ويحس كأنه طال وأسرف فى الطول حتى ليظن كأن نجومه شدّت بأسباب وأمراس من الجنادل والجبال فهى لا تتحرك ولا تزول، كأنما سمّرت فى مكانها، فهى لا تجرى ولا تسير، وقد ردّد الشعراء بعده هذا المعنى طويلا. ونراه يخرج منه إلى وصف فرسه وصيده ولذاته فيه، وكأنه يريد أن يضع بين يدى صاحبته فروسيته وشجاعته ومهارته فى ركوب الخيل واصطياد الوحش، يقول: وقد أغتدى والطير فى وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل (٥) مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل (٦) كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه ... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل (٧) مسحّ إذا ما السابحات على الونى ... أثرن غبارا بالكديد المركّل (٨)

стр. 250

على العقب جيّاش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلى مرجل (١) يطير الغلام الخفّ عن صهواته ... ويلوى بأثواب العنيف المثقّل (٢) درير كخذروف الوليد أمرّه ... تقلّب كفّيه بخيط موصّل (٣) له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل (٤) كأنّ على الكتفين منه إذا انتحى ... مداك عروس أو صراية حنظل (٥) وهو وصف رائع لفرسه الأشقر، فقد صور سرعته تصويرا بديعا، وبدأ فجعله قيدا لأوابد الوحش إذا انطلقت فى الصحراء فإنها لا تستطيع إفلاتا منه كأنه قيد يأخذ بأرجلها. وهو لشدة حركته وسرعته يخيل إليك كأنه يفر ويكرّ فى الوقت نفسه وكأنه يقبل ويدبر فى آن واحد، وكأنه جلمود صخر يهوى به السيل من ذروة جبل عال، وإن لبده لشدة حركته ليسقط عنه وينزلق كما تنزلق الصخرة من منحدر بعيد. وهو يصبّ الجرى صبّا، ويسبق كل الخيل سبقا، لا يثير غبارا ولا نقعا، إنما هو أن يحركه راكبه فإذا به يغلى غليان القدر لا ينى ولا يفتر، وإذا راكبه لا يستطيع الثبات عليه، وما أشبهه فى سرعة انطلاقه بلعبة الخذروف الدوارة التى يلعب بها الصبيان، إذ يصلونها بخيط ويسرعون فى إمرارها إسراعا. وهو فرس ضامر كأنه ظبى نافر، فله خاصرتاه النحيلتان، بل لكأنه نعامة خفيفة فله ساقاها الضئيلتان الصلبتان، وهو يهوى فى الأرض كأنه الذئب الفزع ويقفز كأنه الثعلب الخائف. وإذا اعترضك خيّل إليك للمعانه وبريقه أنك تنظر إلى مداك عروس أو صراية حنظل. واستطرد امرؤ القيس يتحدث عن صيده، فوصف سربا من بقر الوحش عنّ لهم فى الصحراء مصورا كيف قيّده فرسه، فإذا هو يلحق بأوائله
следующие страницы →