أحببت من أجله من كان يشبهه ... وكلّ شئ من المعشوق معشوق
حتى حكيت بجسمى ما بمقلته ... كأن سقمى من جفنيه مسروق
وقوله يصف الدموع فى ساعة الوداع، وهى تسقط بيضاء سقوطا متتابعا على خدود حمراء حمرة الورد فى الربيع:
لو كنت يوم الوداع حاضرنا ... وهنّ يطفئن لوعة الوجد
لم تر إلا الدموع جارية ... تسقط من مقلة على خدّ
كأن تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد
وكان ينفذ فى أثناء ذلك إلى كثير من الصور النادرة الغريبة التى تنبئ عن شاعرية جيدة من مثل قوله فى بيان إعجابه بغناء إحدى القيان:
وغناء أرق من دمعة الصّ ... بّ وشكوى المتيم المهجور
وله فى وصف أرمد ومحاولة تعليل رمده بعلة غريبة لا تقع إلا فى عقل واهم بعيد الخيال بيتان كان القدماء يعجبون بهما إعجابا شديدا إذ يقول:
يكسر لى طرفا به حمرة ... قد خلط النرجس فى ورده
ما احمرت العين ولكنه ... يكحلها من وردتى خدّه
وكأن هذه الأبيات وما وراءها من أبيات فى الخمر لم نروها كانت تصدر عن نفسه، مما جعل صياغتها سويّة وأخيلتها بديعة بعيدة الغرابة فى بعض الأحيان. وله بجانب ذلك حكم يصوّر فيها عبر الدهر ومواعظه من مثل قوله:
يا بانيا والدهر فى نقضه ... يا راكضا يسرع فى ركضه
يلهو وأيدى الموت أخّاذة ... من طوله طورا ومن عرضه
فالإنسان يبنى. ولا يعرف أن داره ستنقضّ بعد أيام، بل هو نفسه سينقضه الدهر ويحيله ضعفا من بعد قوة. يوهن عظمه وينحل جسمه، ويحنى
стр. 1857
ظهره ويأخذ من طوله ومن عرضه، حتى يصبح أنقاضا خالصة، وكأنما الدنيا أضغاث أحلام. والصولى فى كل هذه المقطوعات الأخيرة شاعر بارع، لا تنقصه جزالة الصياغة ولا روعة الخيال.
٢ - شعراء الشيعة
ذكرنا فيما أسلفنا أن الخوارج خمدت دعوتهم وحروبهم منذ العصر العباسى الأول، وعمّ هذا الخمود فى هذا العصر التالى بحيث لم يعودوا يكوّنون حزب معارضة حقيقيّا للدولة العباسية، وقد نهض بتلك المعارضة فى أحد صورها حزب الشيعة فكان كثير من العلويين يخرجون ويعلنون خروجهم ويشهرون هم وأنصارهم سيوفهم فى وجه الدولة، وكانت تلقاهم بجيوشها وقلما كتب لهم النصر، ولكن ما كانت حرب لهم تكاد تخمد حتى تنشب حرب أخرى ويشتد أوارها وبذلك ظلت المعارك بينهم وبين الدولة محتدمة طوال العصر. وتنبّه لذلك المتوكل، فرأى أن يقف زيارة الشيعة لقبر الحسين وبكاءهم عنده وتفجعهم عليه، ومضى يأخذهم بغير قليل من الشدة، محرّضا شعراءه على النّيل منهم ومن آل على عامة، وأمر-فيما أمر-بحبس الطالبيين فى سامرّاء (١) وأخذ ينزل بهم نكالا شديدا، ومع ذلك لم يسلم عهده من خروج نفر منهم فى الحجاز على نحو ما سنرى عما قليل فى حديثنا عن محمد بن صالح العلوى.
ولا بد أن نلاحظ أن الكوفة كانت لا تزال أكبر مركز للشيعة وأن مذاهبهم التى عرفناها فى العصر العباسى الأول كانت لا تزال حية، فكان كثيرون يؤمنون بالنظرية الزيدية، وأكثر منهم من كان يؤمن بالنظرية الإمامية الاثنى عشرية، وأخذت النظرية الإسماعيلية تجد لها أنصارا، واستغلها القرامطة فى ثورتهم، دون أن تصبح عقيدة حقيقية لهم، وبذلك كان ينبغى أن ننحيهم عن الشيعة. وملاحظة ثانية هى أن المذهب الشيعى الذى غلب على العراق حينئذ كان مذهب الإمامية، وكان يجعل
стр. 1858
التقية أصلا من أصوله، فكان يعمل سرّا وقلّما عمل جهرا، وكان يأذن لأنصاره أن يمدحوا العباسيين تقيّة، ومضى كثيرون منهم يمدحونهم طلبا لما فى أيديهم من أموال، وهم يسرّون لهم كرها وحنقا، ومن هنا كنا كثيرا ما نقرأ عن شاعر أنه مدح هذا الخليفة أو ذاك ويقال إنه كان يتشيع. وهم أكثر من أن نسميهم أو نحصيهم. وملاحظة ثالثة هى أنه قيل شعر شيعى كثير فى العصر، وهو موزّع بين بعض آل البيت وبين أنصارهم ممن يشدون الشعر وينظمونه، ومن أهم الشعراء العلويين حينئذ محمد بن صالح العلوى الآنف ذكره والحمّانى وسنخصه هو الآخر بترجمة قصيرة، ومنهم محمد (١) بن على بن عبد الله أحد أحفاد العباس بن على بن أبى طالب، وكان فى أيام المتوكل، وهو يكثر من الافتخار بآبائه وبنسبه الطاهر إلى الرسول الكريم، ويردّد فى أشعاره نظرية بيته العلوى فى الخلافة وأن الرسول ﵇ أوصى بها إلى جده على حين نزل بغدير خمّ إذ قال له:
«أنت منى بمنزلة هرون من موسى» وإلى ذلك يشير بقوله:
وجدّى وزير المصطفى وابن عمّه ... علىّ شهاب الحرب فى كل ملحم
وأول من صلّى ووحّد ربّه ... وأفضل زوّار الحطيم وزمزم
وصاحب يوم الدّوح إذ قام أحمد ... فنادى برفع الصوت لا بتهمهم
جعلتك منى يا علىّ بمنزل ... كهرون من موسى النجىّ المكلّم
وما نصل إلى سنة ٢٥٠ فى عصر المستعين حتى تثور ثائرة الشعراء الشيعيين، وذلك أنه كان قد أعلن الثورة فى الكوفة يحيى بن عمر الطالبى، وكان قد تورّع عن أخذ أموال الناس ظلما وأمر بحقن الدماء، وكان ورعا زاهدا ناسكا، فتبعته ألوف، ونشب القتال بينه وبين جيوش محمد بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد وجنوبى العراق. وتمزّقت جموعه، وخرّ قتيلا، وحمل رأسه إلى بغداد. وضجّ الناس لمقتله وصلب رأسه، ويروى أنه لما جلس محمد بن عبد الله بن طاهر للشعراء يستقبل تهانيهم بالفتح دخل عليه أبو هاشم الجعفرى، وقال له: أيها الأمير إنك لتهنّأ بقتل رجل لو كان رسول الله صلى الله عليه حيّا لعزّى به، فلم يجبه
стр. 1859
الأمير، فولّى وجهه خارجا، وهو يقول (١):
إن وترا يكون طالبه الل ... هـ لوتر نجاحه بالحرىّ
ونصب له الشيعة مأتما كبيرا ناح فيه الشعراء وبكوا طويلا، ومرت بنا فى غير هذا الموضع مرثية ابن الرومى له، وهى صرخة من أعماقه تناول فيها العباسيين تناولا ذميما، واصفا لهم بالظلم والطغيان هم وولاتهم، ومنذرا برجوع الحق إلى نصابه، بل متوعدا بجيش يأخذ بثأر يحيى ويدمر خصومه تدميرا. وكثر رثاؤه وندبه والنواح عليه بمثل قول أحمد بن أبى طاهر (٢):
سلام على الإسلام فهو مودّع ... إذا ما مضى آل النبىّ فودّعوا
فقدنا العلا والمجد عند افتقادهم ... وأضحت عروش المكرمات تضعضع
لقد أقفرت دار النبى محمّد ... من الدين والإسلام فالدار بلقع
وقتّل آل المصطفى فى خلالها ... وبدّد شمل منهم ليس يجمع
وسرعان ما يثور فى نفس السّنة بطبرستان الحسن بن زيد العلوى سليل الحسن بن على بن أبى طالب، ويغلب عليها وعلى جرجان بعد حروب ومعارك كثيرة، ويظل مسيطرا عليها إلى أن يليى نداء ربه لسنة ٢٧٠ وطبيعى أن يصبح مقصدا للشعراء. وأن يتغنى غير شاعر باسمه فى المناسبات المختلفة، ونجد شاعرا من جرجان يسمى محمد بن إبراهيم يهنئه حين افتصد بقوله (٣):
قد رأينا مجالسا عطرات ... هيّئت عندنا لفصد الإمام
إنما غيّب الطبيب شبا المب ... ضع عندى فى مهجة الإسلام
سرّت الأرض حين صبّ عليها ... دم خير الورى وأعلى الأنام
والنزعة الشيعية واضحة فى الأبيات. وكان من الشعراء حينئذ من يستر تشيعه ماكرا برجال الدولة العباسية، إذ ينزل عليهم بسياط هجائه، لا لشئ إلا لأنهم
стр. 1860
يخاصمون آل على، وربما اتخذ لذلك وسائل ماكرة، وممن اشتهر بهذه الطريقة أبو نعامة الدقيقى الكوفى، إذ قال الرواة إنه استنفد شعره فى هجاء رجال الجيش العباسى، يرميهم بالأبنة، وصنع فى قوّادهم ورؤساء الدولة قصيدة مزدوجة سماها السنيّة، رماهم فيها بالقبائح الشنيعة. وما زال هذا شأنه، حتى تصادف أن دخل بغداد مفلح القائد التركى فى طريقه إلى حرب صاحب الزنج، فدلّه عليه قوم من أهل بغداد، وقالوا إنه يتشيع وشهدوا عليه بالرّفض، فضربه مفلح بالسياط حتى تلفت نفسه ومات لسنة ٢٦٠.
وكان قد خلف الحسن بن زيد على طبرستان حين توفى أخوه محمد، واستقام أمره فيها وعظم شأنه، فدخل ديار الدّيلم ودانت له، حتى إذا كانت سنة ٢٨٧ جهّز جيوشا كثيرة من الديلم وغيرهم لغزو جرجان، فلقيته جيوش إسماعيل بن أحمد السامانى صاحب خراسان من قبل العباسيين، ودارت عليه الدوائر وأثخن بالجروح، وتوفى، فدفن بباب جرجان، يقول المسعودى: وقبره هناك معظم إلى اليوم. ويبدو أنه كانت له بطانة كبيرة من الشعراء تنصر دعوته من مثل محمد بن حبيب الضبىّ القائل فيه (١):
إن ابن زيد كلّ يوم زائد ... علا علوّا لا يساويه أحد
لو صال بالطود إذن أذلّه ... أو زجر البحر إذن صار زبد
وأهم من هذا الشاعر شاعر يسمى أبا المقاتل نصر بن نصير الحلوانى، نراه يغلو فى مديحه، حتى لنصبح وكأننا بإزاء بعض غلاة الشيعة وما يحيطون به أئمتهم من هالة قدسية ترفعهم عن البشر درجات، وفيها يقول (٢):
لا تقل بشرى وقل لى بشريان ... غرّة الداعى ويوم المهرجان
ابن زيد مالك رقّ الزمان ... بالعطايا والمنايا والأمانى
خلقت كفّاه موتا وحياة ... وحوت أخلاقه كنه الجنان
مختف فكرته فى كل شئ ... فهو فى كل محلّ ومكان
стр. 1861
يتناءى لفظنا عنه ولكن ... هو بالأوصاف فى الأذهان دان
كافر بالله جهرا والمثانى ... كلّ من قال: له فى الخلق ثان
ويبدو أن محمد بن زيد كان قد خطا فى الدعوة الشيعية خطوات فسمّى نفسه الداعى، وأخذ يوحى إلى الشعراء أن يسبغوا عليه صفات إلهية، فهو ظاهر فى العيان، وهو مختف فى كل مكان، وهو لا تحدّه الألفاظ، وإنّما تقرّبه الأوصاف وليس له ندّ ولا شبيه، وكافر بالله والمثانى السبع أو القرآن من يقول له فى الخلق ثان. ونحن نعرض ثلاثة من شعراء الشيعة منهم اثنان علويان والثالث من الأنصار المخلصين، وهم محمد بن صالح العلوى والحمّانى والمفجّع البصرى.
محمد بن صالح العلوى (١)
من فتيان البيت العلوى وشجعانه وشعرائه، امتعض لبيته حين أنزل به المتوكل ما أنزل من سخطه وغضبه، وما كان من هدمه لقبر الحسين ومنعه الناس من زيارة قبره وقبر أبيه على بالنجف. وكان موطنه سويقة فى بادية الحجاز كان ينزلها مع أسرته من الحسنيين أحفاد الحسن بن على بن أبى طالب، فعزم على الخروج وأخذ يجمع الناس لذلك، وتصادف أن حجّ بالناس فى نفس السنة أبو الساج أحد قواد المتوكل الترك فسمع بنيّته وأنه لبس البياض مع كثير من أنصاره، وكأن البياض كان حينئذ يتخذ شعارا للعلويين ضد العباسيين المسوّدين أو الذين يتخذون السواد شعارا لهم. وفاجأه هو وأنصاره أبو الساج فأخذهم وقيّدهم وقتل نفرا منهم وأخرب سويقة وحرق منازلهم بها واستأصل كثيرا من نخلها وأثر فيها آثارا سيئة، وحمل محمد بن صالح فيمن حمل منهم إلى سامرّاء، فحبس ثلاث سنوات، ثم عفا عنه المتوكل بسبب شعره وبفضل وساطة وزيره الفتح بن خاقان له، وذلك أنه نظم أبياتا جيدة يعزّى فيها نفسه عن حبسه، ويتجمّل بالصبر قائلا:
стр. 1862
طرب الفؤاد وعاودت أحزانه ... وتشعّبت شعبا به أشجانه
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألّق موهنا لمعانه
فدنا لينظر كيف لاح فلم يطق ... نظرا إليه وردّه سجّانه
فالنار ما اشتملت عليه ضاوعه ... والماء ما سحّت به أجفانه
ثم استعاذ من القبيح وردّه ... نحو العزاء عن الصّبا إيقانه
وبدا له أن الذى قد ناله ... ما كان قدّره له ديّانه
والشعر جزل مصقول، والشاعر يبثّ فى أوائله حنينا لأيامه الماضية وكأنها عهود هوى وحب سقطت منه، وينظر إلى البرق متطلعا لليوم الذى تردّ إليه فيه حريته، فيعنف به السجّان، ويحس كأن نار الوجد اندلعت فى ضلوعه ظمئا إلى أهله وموطنه. وتسحّ الدموع وتنهلّ لا تجفّ، ويرده إيمانه ويقينه، فيستسلم للقضاء محزون الفؤاد شجيّه. وتشيع الأبيات وتصل إلى سمع الفتح بن خاقان ومغنى المتوكل بنان، ويصنع بنان فيها صوتا يلحنه أمام المتوكل فيستحسن الشعر واللحن ويسأل عن قائله، فيذكر له، ويكلمه الفتح فى أمره وما يزال يرقق قلبه حتى يعفو عنه، غير أنه يشترط أن يظل عند الفتح وفى يده وألا يبرح سامرّاء حتى لا تحدثه نفسه بالعودة إلى الثورة. وتردّ إليه حريته فيمدح المتوكل ويغدق عليه من صلاته، كما يمدح المنتصر. ونراه يبالغ فى التقية من المتوكل فلا يكتفى بمديح له عام، بل يسوق الدليل والبرهان على أن العباسيين أحق من العلويين بالخلافة، يقول:
يابن الخلائف والذين بهديهم ... ظهر الوفاء وبان غدر الغادر
وابن الذين حووا تراث محمّد ... دون الأقارب بالنصيب الوافر
نطق الكتاب لكم بذاك مصدّقا ... ومضت به سنن النبىّ الطاهر
وهو يشير فى البيت الأخير إلى قوله تعالى ذكره فى سورة الأنفال: ﴿(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ)﴾ يريد أن العباسيين مقدّمون فى وراثة الخلافة على أبناء بنت الرسول ﵇، لأن العم يتقدمهم فى الميراث كما تنصّ
стр. 1863
على ذلك شريعة الإسلام فى القران الكريم، وكما مضت بذلك السنة النبوية الطاهرة. و؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ فيما كان يتورط فيه شعراء بغداد من التعلق بالجوارى والإماء، فقد كان يكلّف بزوجه وحدها، وكانت تحتلّ قلبه بجمالها، ويشغف بها شغفا شديدا وفيها يقول:
لعمر حمدونة إنى بها ... لمغرم القلب طويل السّقام
مجاوز للقدر فى حبها ... مباين فيها لأهل الملام
جشّمنى ذلك وجدى بها ... وفضلها بين النساء الوسام
زيّنها الله وما شانها ... وأعطيت منيتها من تمام
وكان جميل المحضر حلو الحديث رقيق الشمائل، فانعقدت الصداقة بينه وبين نفر من الأدباء، فى مقدمتهم سعيد بن حميد أحد كتّاب الديوان المجيدين وممّن كانوا يحسنون صنع الشعر بجانب إحسانهم لفن الكتابة، وكان محمد بن صالح يمنحه ودّا حقيقيّا وفيه يقول:
أصاحب من صاحبت ثمّت أنثنى ... إليك أبا عثمان عطشان صاديا
وكنا إذا جئناك لم نبغ مشربا ... سواك وروّينا العظام الصّواديا
وتصويره لمودته له وأن عطشه للقائه يبلغ منه عظامه تصوير جيد، وكان إبراهيم ابن المدبر زميل سعيد فى الدواوين يوليه فضلا كثيرا، وانعقدت بينهما صداقة وثيقة حتى كانا يمضيان كثيرا من الليالى والأيام معا لا يفترقان، وله رائية طويلة فى مديحه، وفيها يقول:
أخ واساك فى كلب الليالى ... وقد خذل الأقارب والنّصير
فإن تشكر فقد أولى جميلا ... وإن تكفر فإنك للكفور
وله مقطوعة يصور فيها جوارى يندبن ويلطمن عند قبر لبعض ولد المتوكل، وهو فيها يتحدث عن فتور عيونهن وجمالها، ويخال كأنما سينفخ هذا الجمال
стр. 1864
الفاتن فى العظام الهامدات، فتعود مرة ثانية إلى الحياة الدنيا، يقول:
رأيت بسامرّا صبيحة جمعة ... عيونا يروق الناظرين فتورها
تزور العظام الباليات لدى الثّرى ... تجاوز عن تلك العظام غفورها
فلولا قضاء الله أن تعمر الثّرى ... إلى أن ينادى يوم ينفخ صورها
لقلت عساها أن تعيش وأنها ... ستنشر من جرّا عيون تزورها
ولعل فى كل ما قدمنا ما يصوّر شاعرية محمد بن صالح العلوى الفذّة، ويظلّه عصر المنتصر فيصيبه فيه جدرىّ ويلبى نداء ربه، ويرثيه غير صديق باكيا خصاله الحميدة.
الحمّانى العلوىّ (١)
سمى الحمّانى نسبة إلى حى بالكوفة نشأ وعاش فيه؛ وهو على بن محمد بن جعفر العلوىّ، خرج أبوه محمد الملقب بالديباجة فى المدينة لأوائل عصر المأمون قبل تحوله من خراسان إلى بغداد، غير أن ثورته ضد العباسيين لم تنجح، وحمل إلى بغداد، ونفى منها إلى خراسان، فنزل بساحة المأمون هناك، وسرعان ما وافاه الموت ويقال إنه لما حمل الرجال نعشه دخل المأمون بين عموديه، فاشترك فى حمله حتى نزوله فى لحده، وكان مما قال: هذه رحم مجفوّة منذ مائتى سنة.
وانتقلت أسرة الديباجة بعده إلى الكوفة، وبها نشأ ابنه على، وعنيت الأم والأسرة بتثقيفه، فلم يحسن صنع الشعر فحسب، بل أحسن صنوفا من الآداب وعلوم الشريعة، مما جعل العلويين فى تلك البلدة يختارونه نقيبهم ومدرّسهم ولسانهم، كما يقول المسعودى. ونمى إلى المتوكل أن فى داره سلاحا وأن الشيعة يجتمعون عنده، وقيعة فيه من بعض حساده، فوجّه إليه جندا اقتحموا عليه داره فجأة، فوجدوه يتعبّد ربه فى غرفة مغلقة مرتديا ثوبا بسيطا من الصوف،
стр. 1865
ولا بساط فى البيت إلا الرمل والحصى، وهو يتلو القرآن مترنما بآيه. فحملوه إلى المتوكل ووصفوا له ما يعيش فيه من شظف، فرقّ له، وسأله: ما يقول آل بيتك فى العباس بن عبد المطلب (جد العباسيين)، فأجابه بقوله: وما يقول آل بيتى يا أمير المؤمنين فى رجل افترض الله طاعة نبيه على خلقه وافترض طاعته على نبيه؟ ولان قلب التوكل له فأمر بإعطائه أربعة آلاف دينار، وقيل بل مائة ألف درهم. ولم يرد الحمّانى فى إجابته ظاهرها من طاعة العباس على نبيه كما يتضح فى الشطر الثانى من الجواب، وإنما أراد طاعة الله على نبيه.
ومرّ بنا أن الشعراء أكثروا فى عصر المتوكل من ذمّ العلويين إرضاء له، وكان من أكثرهم قدحا فى على وآله على بن الجهم وكان ينتسب إلى بنى سامة بن لؤىّ القرشيين، وافتخر مرارا بهذا النسب فى أشعاره، وكان طبيعيّا أن لا يسكت الحمّانى على هذا القدح، وخاصة أنه تتداوله الألسنة وتعمل بغداد على نشره، فطعن على بن الجهم طعنة بطعنات، ولكن لا بالقدح فى خلقه وعرضه على عادة الشعراء فى عصره، وإنما بالقدح فى نسبه إلى سامة، فهو ليس من أحفاده، وبالتالى ليس قرشيّا ولا فيه من القرشية شئ يقول:
وسامة منّا فأما بنوه ... فأمرهم عندنا مظلم
أناس أتونا بأنسابهم ... خرافة مضطجع يحلم
وعرف على بن الجهم له فضله وحقه وحق أسرته العلوية، فلم ينبس ببنت شفة واجدا عليه ولا هاجيا، وإنما اكتفى بأبيات ينوّه فيها بفضله، ويعترف له فيها بحقه وحقوق بيته.
وقد حزن الحمّانى حزنا شديدا على ابن عمه يحيى بن عمر حين خرج لعهد المستعين داعيا لنفسه بالخلافة، وقتل دون أمنيته، وحدث أن الحسن بن إسماعيل قائد الجيش الذى نكّل به دخل الكوفة عقب انتصاره مهدّدا متوعدا، ولم يمض الحمانى للسلام عليه، وكان الوحيد الذى تخلّف من العلويين عن لقائه، ولا حظ ذلك الحسن بن إسماعيل، فبعث إليه بجماعة أحضروه حتى إذا دخل مجلسه أظهر شجاعة
стр. 1866
وجلدا وأنه لا يخشى سطوة القائد، ولم يلبث أن أنشده:
قتلت أعزّ من ركب المطايا ... وجئتك أستلينك فى الكلام
وعزّ علىّ أن ألقاك إلا ... وفيما بيننا حدّ الحسام
وهو موقف كريم إذ لم يتملق القائد كما كان يظن ولا داراه، بل جاهره بما فى نفسه دون خوف أو وجل. وله مراث كثيرة فى يحيى، يبكيه فيها ويندبه، ويصور أنه مات موتا كريما، موت البطل الشجاع الذى لا يرهب الموت بل يلقاه فى قوة وصلابة مهما ادلهمت الخطوب من حوله، ومهما أظلمت الدنيا فى عينيه، حتى لتهول بطولته خصومه، وحتى ليطلبون لقبره السّقيا وله الرحمة، يقول:
فإن يك يحيى أدرك الحتف يومه ... فما مات حتى مات وهو كريم
وما مات حتى قال طلاّب روحه ... سقى الله يحيى إنه لصميم
ويصوّر فى مراثيه له مأساة البيت العلوى وأن أفراده دائما بين قتيل وجريح.
وللحمّانى مراث كثيرة-بجانب مراثيه لابن عمه يحيى-فى أهله، وفى أخيه لأمه إسماعيل وهو لا يرثى فيه الأخ والرحم القريبة فقط، بل أيضا يرثى الصديق شقيق النفس والروح، ويتفجّع عليه تفجّعا شديدا بمثل قوله:
هذا ابن أمى عديل الروح فى جسدى ... شقّ الزمان به قلبى إلى كبدى
من لى بمثلك يا روح الحياة ويا ... يمنى يدىّ التى شلّت من العضد
قد ذقت أنواع ثكل أنت أبلغها ... على القلوب وأخناها على الجلد
فاليوم لم يبق شئ أستريح له ... إلا تفتّت أحشائى من الكمد
قل للرّدى لا يغادر بعده أحدا ... وللمنيّة من أحببت فاعتمدى
إن السرور تقضّى بعد فرقته ... وآذن العيش بالتكدير والنّكد
والمرثية مؤثرة وهى سيل من الدموع والزفرات والأنين الموجع. وللحمّانى
стр. 1867
غزليات كثيرة تتداولها بعض كتب الأدب وهى تنمّ على شعور رقيق وخيال خصب من مثل قوله:
متى أرتجى يوما شفاء من الضّنا ... إذا كان جانيه علىّ طبيبى
وله فخر يتحدث فيه عن آبائه. ويصوّر سمو نفسه وارتفاعها عن النقائص، كما يصور كبر همته وأنها ملء قلبه بل أكبر من قلبه، يقول:
قلبى نظير الجبل الصعب ... وهمتى أكبر من قلبى
فاستخر الله وخذ مرهفا ... وافتك بأهل الشرق والغرب
ولا تمت إن حضرت ميتة ... حتى تميت السيف بالضرب
وهو ممن أكثروا من ذم الشيب وكراهته، وصوّر ذلك فى أشعار كثيرة كأن نراه يكره الشيب ويكره مفارقته لأنها تعنى فقده للحياة، وكأنه-على بغضه له-يود أن لا يفارقه، يقول:
بكى للشيب ثم بكى عليه ... فكان أعزّ فقدا من شباب
فقل للشيب لا تبرح حميدا ... إذا نادى شبابك بالذهاب
وبجانب ذمه للشيب يأسى كثيرا على الشباب وأيام لهوه ومتاعه بالنظر إلى الغانيات فقد ضل ذلك منه، أضله الشيب، وهل من غانية تنظر إلى شيخ فان، يقول:
لقد كنت تملك ألحاظهنّ ... فصرن يعرنك لحظا معارا
وأصبحن أعقبن بعد الوداد ... بعادا وبعد السكون النّفارا
وله وصف كثير فى سرى الليل وفى اعتساف الفلوات بالإبل والخيل نجد منه مقتطفات فى كتب الشعر، ومن طريف نعته لطول الليل وسكونه وجثومه على الكون دون أى حركة قوله:
كأن نجوم الليل سارت نهارها ... ووافت عشاء وهى أنضاء أسفار
فخّمن حتى تستريح ركابها ... فلا فلك جار ولا كوكب سار
стр. 1868
وكان يكثر من ذكر المنازل والديار، وله قصيدة بديعة يتحدث فيها عن المنازل القريبة من الكوفة مثل آثار قصرى الخورنق والسّدير، وكانا من قصور الحيرة، وديارات الأساقف المطلة على نهر الغدير هناك وما حول هذه المنازل من رياض نضرة ترفّ فيها الأنوار والأزهار، ومن قوله فى تلك القصيدة:
كم وقفة لك بالخور ... نق لا توازى بالمواقف
بين الغدير إلى السّدي ... ر إلى ديارات الأساقف
دمن كأن رياضها ... يكسين أعلام المطارف
تلقى أوائلها أوا ... خرها بألوان الزخارف
وواضح من هذه الأشعار التى وقفنا عندها للحمانى أنه كان شاعرا مجيدا، فعنده كثير من الخواطر والأخيلة البارعة، وبالغ بعض الشيعة المتحمسين له فقالوا إنه كان أشعر شعراء قرنه. وقد توفى سنة ٢٦٠ للهجرة.
المقجّع البصرىّ (١)
هو أبو عبيد الله محمد بن أحمد الكاتب، عالم أديب، وتدل كلمة الثعالبى فى اليتيمة أنه حين توفى ابن دريد العالم اللغوى الإخبارى المشهور سنة ٣٢١ قام مقامه فى التأليف والإملاء، على أنه كان واسع الرواية وصاحب معرفة دقيقة باللغة والأخبار، ويشهد لذلك أنه ترك مصنفات مختلفة مثل كتاب سماه كتاب الترجمان فى الشعر ومعانيه. وفى كتاب الفهرست لابن النديم بيان كامل بأسماء مصنفاته. ويلفت النظر أنه شيعى وليس من أهل الكوفة بل من أهل البصرة، ومعروف أن الكوفة كانت حتى القرن الثالث الهجرى مركز التشيع وداره. بينما كانت البصرة بعيدة عن التشيع وأهله (٢)، وكأنما امتد تيار التشيع مع نهاية القرن الثالث وأوائل الرابع إلى البصرة، وأخذت تتحول إلى مركز من مراكزه.
стр. 1869
ويبدو أن المفجع كان شيعيّا إماميّا، فقد شاع مذهب الإمامية فى العراق من قديم، ويقولون إن لقبه المفجع لزمه ببيت قاله، وأكبر الظن أنه لقب بهذا اللقب إشارة إلى تفجعه الكثير على قتلى العلويين، وكان-على ما يظهر- يكثر من مديح الهاشميين، وخاصة أبا الحسن محمد بن عبد الوهاب الزينبى الهاشمى البصرى وفيه يقول:
للزينبىّ-إلى جلالة قدره- ... خلق كطعم الماء غير مزنّد
وشهامة تقص الليوث إذا سطا ... وندى يفرّق كل بحر مزبد (١)
يحتلّ بيتا فى ذؤابة هاشم ... طالت دعائمه محل الفرقد
بضياء سنّته المكارم تقتدى ... وبجود راحته السحائب تهتدى
وله قصيدة طويلة يمدح فيها عليّا-رضى الله عنه-سماها «ذات الأشباه» إشارة إلى أثر مسند إلى أبى هريرة ذكر فيه أن رسول الله ﷺ ، قال وهو فى محفل من أصحابه: «إن تنظروا إلى آدم فى علمه ونوح فى همه وإبراهيم فى خلقه وموسى فى مناجاته وعيسى فى سنّه ومحمد فى هديه وحلمه فانظروا إلى هذا المقبل. فتطاول الناس فإذا هو على بن أبى طالب». وعلى هدى هذا الأثر نظم المفجع قصيدته مصورا فيها مناقب على وهى تطرّد على هذا النمط:
أيها اللاّئمى لحبّى عليّا ... قم ذميما إلى الجحيم خزيّا
أشبه الأنبياء كهلا وزولا ... وفطيما وراضعا وغذيّا (٢)
كان فى علمه كآدم إذ علّ ... م شرح الأسماء والمكنيّا
وكنوح نجّى من الهلك من س ... يّر فى الفلك إذ علا الجوديّا (٣)
وجفا فى رضا الإله أباه ... واجتواه وعدّه أجنبيّا
كاعتزال الخليل آزر فى الل ... هـ وهجرانه أباه مليّا (٤)
ولو أنّ الوصىّ حاول مسّ النّ ... جم بالكف لم يجده قصيّا
стр. 1870
وطبيعى أن تفقد القصيدة العذوبة لأنها إلى الشعر التعليمى أقرب منها إلى الشعر الغنائى وافر النغم والألحان. وليس معنى ذلك أن شعره جميعه يجرى على هذا المنوال فالأبيات السابقة فى مديح الزينبى أسلوبها مستو وليس فيه استواء فقط، بل أيضا فيه جزالة ورصانة. ويقول الثعالبى إن شعره كثير الحلاوة يكاد يقطر منه ماء الظرف من مثل قوله:
زفرات تعتادنى عند ذكرا ... ك وذكراك ما تريم فؤادى
وسرورى قد غاب عنى مذ غب ... ت فهل كنتما على ميعاد
ليس لى مفزع سوى عبرات ... من جفون مكحولة بالسّهاد
وبحسبى من المصائب أنى ... فى بلاد وأنتم فى بلاد
وكان مثل أستاذه ابن دريد لا يجد بأسا فى أن يقبل أحيانا على الشراب، إذا صح ما روى عنه من احتساء الخمر، ونراه يصف مجلسا من مجالسها فى ليلة من ليالى الأنس بها، يقول:
أداروها وللّيل اعتكار ... فخلت الليل فاجأه النهار
فقلت لصاحبى والليل داج ... ألاح الصّبح أم بدت العقار
فقال: هى العقار تداولوها ... مشعشعة يطير لها شرار
ولولا أننى أمتاح منها ... حلفت بأنها فى الكأس نار
وبين أشعاره مقطوعات فى بعض الغلمان، ومرّ بنا ما قلناه من أن أكثر ما كان ينظمه الشعراء فيهم إنما كانوا ينظمونه دعابة وفكاهة على مجالس الخمر بقصد التندير والضحك، ولذلك كان ينبغى ألا نصنع صنيع المستشرقين فى تضخيمهم لهذه السّوءة سواء عند المفجع البصرى أو عند غيره. ورآه «متز» ينظم قصيدة فى الجامع الكبير بالبصرة ومن فيه من الغلمان قائلا:
ألا يا جامع البصر ... ة لا خرّبك الله
وسقىّ صحنك المزن ... من الغيث فرّواه
стр. 1871
فكم ظبى من الإنس ... مليح فيك مرعاه
نصبنا الفخّ بالعلم ... له فيك فصدناه
وكم من طالب للشّع ... ر بالشعر طلبناه
فظن أنه وقع على وصمة كبرى، وذهب يقول إن الشاعر يحكى كيف كان يغوى الصبيان فى الجامع المذكور ويستنزل العاصى الصعب منهم (١). والدليل على أنه لم يكن خالص النية فى حكمه أنه أنشد القصيدة وأسقط منها هذين البيتين:
ألا يا طالب الأمر ... د كذب ما ذكرناه
فلا يغررك ما قلنا ... فما بالجدّ قلناه
فالمفجّع إنما قال ما قال من هذه القصيدة كذبا وبهتانا وعبثا ودعابة، فكان يحسن بمتز أن لا يسوقها فى مجال الحديث عن التولع بالغلمان ونصب الشباك لهم وأين؟ فى المساجد الطاهرة، فالمفجع إنما أراد إلى أن يدفع سامعيه إلى الفكاهة والضحك العريض. ولم يطل به المقام فى مكان أستاذه ابن دريد يملى ويحاضر الطلاب، فما هى إلا ست سنوات بعد وفاة ابن دريد حتى لبّى نداء ربه سنة ٣٢٧ للهجرة.
٣ - شعراء الثورات السياسية
لم تكن ثورات الشيعة بزعامة العلويين وحدها هى التى أقضّت مضاجع الخلفاء فى هذا العصر، فقد اشتعلت بجانبها ثورات أخرى، كان بعضها يزيف لنفسه شعارا علويّا حتى يجمع العامة فى صفوفه وتحت لوائه. وكان من زعماء هذه الثورات من ينظم الشعر، فهو ثائر من جهة، وهو شاعر من جهة ثانية. ويهمنا الوقوف
стр. 1872
على هؤلاء الشعراء الثوار ومن كان يعينهم أحيانا بأشعاره من أنصارهم. ونلاحظ أن هؤلاء الشعراء من الأنصار لم تهتم بهم كتب التاريخ، فهى دائما تسوق ما قيل فى انتصارات العباسيين على الثوار ولا تعنى أى عناية بما قاله أصحاب هؤلاء الثوار فى قليل ولا كثير.
ومن أوائل من ثاروا فى العصر محمد بن البعيث لعهد المتوكل سنة ٢٣٤ وكان يحسن الشعر، وسنعرض له فى موضع آخر. وما نصل إلى رمضان لسنة ٢٥٥ للهجرة حتى يشعل فارسى ثورة الزنج بالبصرة متزعما لها، وفصّلنا فى الفصل الأول القول فى هذه الثورة وكيف دوّخت الدولة العباسية وعرّضتها لكارثة عظيمة، إذ استطاع أن يستثير الزنج ويجعلهم يستشعرون سخطا هائلا على كبار الملاّك الإقطاعيين الذين كانوا يسخرونهم فى كسح أرض البصرة وزرعها دون أى رحمة أو شفقة وبأجور زهيدة لا تكاد تحقق لهم غذاء ولا كساء. وتجمّع حوله الزنج واستحالوا إلى جيش لجب اجتاح جنوبىّ العراق وكاد يجتاح العراق كله فى بعض الأوقات لولا أن تجرد لهم ولزعيمهم الموفق ولى عهد الخليفة المعتمد، كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وكان بطلا مغوارا لا يشقّ غباره، وكانت الجيوش توالت فى حرب هذا الثائر وأصحابه، وكان يمزقها شر ممزق، حتى تولى قيادتها الموفق، فاستحالت الهزيمة نصرا، ولكن أى نصر؟ لقد كان نصرا بطيئا، إذ كانت تقف بينه وبين الثوار مستنقعات البصرة، وظل يأخذها منهم قطعة قطعة.
ومن المحقق أن هذه الثورة أقدم ثورة عرفها العرب فى المطالبة بالحرية ونقض الاسترقاق وتحقيق العدل الاجتماعى، ولكن زعيمها لم يمض بها فى السعى إلى هذه الغايات كما كان يعد فى أول ثورته، فقد استباح فى حروبه استرقاق الأحرار، وكأنما ألغى ردّه الحرية على الزنج بفرضه الاسترقاق على غيرهم، فانعكست صورة الاسترقاق، ولكنها ظلت كما هى وظلت طبقات من الناس تسترقّ طبقات أخرى. وكان قد رأى إنجاحا لثورته أن يضفى عليها مسحة دينية، كما مر بنا فى الفصل الأول، فأشاع فى الناس أن اسمه على بن محمد وأنه من سلالة زيد بن على بن الحسين، حتى يؤمنوا بأنه صاحب حق شرعى فى الخلافة وأن من حقه الثورة على العباسيين، بل من حقه عليهم أن ينصروه ويؤازروه. وانضم إليه كثيرون من
стр. 1873
الأحرار وأعراب البوادى بجانب من انضموا إليه من الزنج وعبيد العراق، ولكن ثورته باءت-بعد أربعة عشر عاما من المعارك العنيفة-بالإخفاق الذريع.
ولا نريد أن نقف عند هذه الثورة الآن وما كان من صاحبها الذى ظلت ثورته أربعة عشر عاما أو تزيد، والذى كان يسرف فى القتل وسفك الدماء، حتى قالوا إنه قتل فى البصرة فى يوم واحد من غاراته الكثيرة ثلاثمائة ألف، وإنه كان ينهب أصحابه الأموال ويحرق الدور والقصور. كل ذلك لا نريد أن نقف عنده، ولا عند ما يقال من أنه كان دائما يخطب فى أنصاره (١). إنما نريد أن نقف عند ما بقى لنا من بعض أشعاره (٢). يقول المرزبانى: «تروى له أشعار كثيرة فى البسالة والفتك»، ويذكر أن ابن دريد كان يؤكد أنها من نظمه وأنها قرئت عليه أمامه، فشهد بأنها له، ولم ينكرها، وكأن من معاصريه من كان يشكّ فى أنه شاعر يحسن صنع الشعر ونظمه، مما جعل ابن دريد يؤدى الشهادة السالفة. وكان من قرية تسمى ورزنين بإيران، وكأنه تلقّن فيها من الآداب العربية ما جعله يحسن الخطابة والشعر جميعا، وله يخاطب بنى العباس:
بنى عمّنا لا توقدوا نار فتنة ... بطئ على مرّ الليالى خمودها
بنى عمنا إنا وأنتم أنامل ... تضمّنها من راحتيها عقودها
بنى عمنا ولّيتم التّرك أمرنا ... بديئا وأعقابا ونحن شهودها
فأقسم لا ذقت القراح-وإن أذق ... فبلغة عيش-أو يبار عميدها (٣)
وهو يسوق كلامه إلى العباسيين كأنه حقّا ابن عمهم على بن أبى طالب أو حفيده، ويزعم أنهم يوقدون ضده نار فتنة، وكان ينبغى أن يستسلموا له فليسوا جميعا إلا أنامل يد هاشمية واحدة. ويلومهم أن أسلموا قيادة الدولة للأتراك، وأنه سيجاهدهم جهادا مريرا. وكان يكثر من تصوير ما يجرى فى قصورهم من خمر ومجون ينبغى أن تبرأ منه
стр. 1874
قصور الخلافة وأن تكون قصور نسك وطهارة لا قصور إثم وعصيان، وفى ذلك يقول:
لهف نفسى على قصور ببغدا ... د وما قد حوته من كلّ عاص
وخمور هناك تشرب جهرا ... ورجال على المعاصى حراص
لست بابن الفواطم الزّهر إن لم ... أقحم الخيل بين تلك العراص
وهو يسجل على العباسيين انصرافهم عن حياة الدين والعبادة إلى حياة اللهو والمجون والعبث واقتراف الآثام، حتى يستثير الناس معه. وينسب نفسه إلى فاطمة الزهراء، بل إلى الفواطم الزهر، حتى يستهوى القلوب. ويعلن أنه سيجاهد العباسيين ويستمر فى جهاده حتى تسقط بغداد. وظل ثابتا فى جهاده مخلصا له فى أحلك الظروف، حتى بعد أن فقد الأمل، فإنه لم يستسلم للموفق بعد أن استسلمت عامة أنصاره، ولا رضى الأمان حين عرضه عليه كما رضيه أكثر جنده والبقية الباقية منهم، بل ظلّ يقاتل حتى سفك دمه أمام منزله وهو ينشد:
عليك سلام الله يا خير منزل ... خرجنا وخلّفناه غير ذميم
تلقانا بعد ثورة صاحب الزنج ثورة بكر بن عبد العزيز بن أبى دلف فى الكرج وكان شاعرا، وسنعرض له عما قريب. ونشبت ثورة القرامطة، وكان دعاتها يصلونها بالدعوة الإسماعيلية الشيعية، كما مرّ بنا فى الفصل الأول. وكان غير ثائر من هؤلاء الدعاة يصل نفسه مباشرة بمحمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، مزيفا لذلك سلسلة نسب كاذبة، على نحو ما صنع صاحب الزنج لنفسه نسبا يصله بزيد بن على زين العابدين. وكان داعيتهم الأول قرمط مكوّن الفرقة قد التقى فى سواد الكوفة بأحد دعاة الحركة الإسماعيلية، فانضم إليه، وأخذ فى تنظيم حركته القرمطية واضعا لها من المبادئ الاشتراكية العادلة ما استهوى به قلوب العامة، فتبعه خلق كثير أخذ يغير بهم على سواد الكوفة. وما نصل إلى سنة ٢٨٩ حتى نجده يختفى فى ظروف غامضة، ويتولى زعامة حركته زكرويه الدّندانى، ويرى -كما مرّ بنا-الدولة بالمرصاد له ولجماعته، فيرسل بأبنائه: يحيى والحسين ومحمد إلى قبيلة كلب ببادية السماوية بين العراق والشام، لعلهم يستجيبون إلى دعوتهم، ويتبعهم كثيرون، ويبايعون أكبرهم يحيى بن زكرويه الذى زعم لهم أنه من سلالة
стр. 1875
محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وتسمّى لهم باسم أبى عبد الله على بن محمد، وقيل بل تسمى باسم محمد، وتكهّن لهم مدعيا أنه يوحى إليه، وكشف لهم عن عضد له ناقصة وزعم أنها آيته أو معجزته، كما زعم أن ناقته التى يركبها مأمورة وأنهم إذا ساروا وراءها فى لقاء أى عدو جاءهم نصر الله والفتح المبين. ومضى بجموعه فى سنة ٢٩٠ يهاجم المدن السورية ويعيث فى الأرض فسادا. وكانت الشام حينئذ تتبع الدولة الطولونية، ولقيه أحد قوادها فتغلب عليه ومضى إلى الرقة يقتل ويسفك الدماء، ودحر جيشا للعباسيين، وعاد يحاصر دمشق، غير أنه قتل على أبوابها. وكان شاعرا، ترجم له المرزبانى فى معجمه (١). ونراه فى بعض أشعاره على شاكلة صاحب الزنج ينسب نفسه إلى الفواطم من بنى هاشم، يقول:
أنا ابن الفواطم من هاشم ... وخير سلالة ذا العالم
وطئت الشام برغم الأنام ... كوطء الحمام بنى آدم
وهى نسبة كاذبة. ومن المؤكد أنه لم يكن يقصد بثورته نصرة العلويين ولا كان فيها متشيعا لهم، إنما كان متشيعا لنفسه يريد أن يصل إلى الملك والسلطان، ولذلك فصلناه مثل صاحب الزنج-على نحو ما مرّ بنا-عن العلويين وثوراتهم ودعواتهم السياسية، وله أبيات يذكر فيها النجوم والكواكب: المريخ والعيّوق وسعد الذابحين ملوّحا للعامة التى تتبعه بأن علم التنجيم قد كشف له عن نصر عظيم يلقاه فى الموصل ومدينة الرحبة؟ ؟ ؟ التى بناها طوق بن مالك ومدينة الرافقة، بل إنه سيدمر بغداد تدميرا وينهب كل ما فى قصورها من أموال يقول:
تقاربت النجوم وحان أمر ... قران قد دنا منه النذير
فمرّيخ الذبائح مستهلّ ... قوىّ ما لوقدته فتور
عيّوق الحروب له احمرار ... وسعد الذابحين له بدور
فبشّر رحبتى طوق بيوم ... من الأيام ليس له نظير
ورافقة الضلالة ليس يغنى ... إذا ما جئتها باب وسور
стр. 1876
وبغداد فليس بها اعتياص ... على أمرى وليس لها نكير
أصبّحها فأتركها هشيما ... وأحوى ما حوته بها القصور
ومن ثوار القرامطة الشعراء أبو طاهر الجنّابى صاحب الأحساء والبحرين، وكان أبوه أبو سعيد من أنصار قرمط، وكلفه بنشر الدعوة فى جنوبى إيران، وأخفقت مساعيه، وعاد إلى قرمط، فأرسله إلى البحرين والأحساء، وسرعان ما استجابت له قبيلة عبد القيس. ودخلت المنطقة فى سلطانه منذ سنة ٢٨٦ للهجرة، وقتله غلام صقلبى فى سنة ٣٠١ فخلفه ابنه أبو طاهر، وعظم أمره، إذ واقع عساكر الخليفة المقتدر مرارا كما مرّ بنا فى الفصل الأول وفتك بغير جيش من جيوشه، واتسع ملكه فى شرقى الجزيرة العربية، وكثر أتباعه وجنوده، ونال ما لم ينله قرمطى قبله.
وكان يزعم أنه داعية عبيد الله المهدى الخليفة الفاطمى الإسماعيلى، وكان شأنه قد أخذ يعظم فى إفريقية، ولم يكن يدعو له حقيقة، بل كان يتخذ ستارا لخروجه على الخلافة العباسية. وكان كثيرا ما يغير على البصرة وينكّل بأهلها، ويسفك دماءهم، ويحرق دورهم كما يحرق المساجد. وكثيرا ما كان يغير على قوافل الحجاج يفتك ويقتل وينهب، وجيوشه تغدو وتروح إلى عاصمته «هجر» محمّلة بالأموال، فكان طبيعيّا أن يمتدّ به طمعه وطموحه إلى أن يستولى على بغداد، بل إلى أن يستولى على العالم الإسلامى كله وبلغ به تهويله على العامة أن كان يزعم لها أنه سيظل حيّا حتى ينزل عيسى من السماء بأخرة، وفى ذلك كله يقول من قصيدة طويلة مهددا متوعدا (١):
فمن مبلغ أهل العراق رسالة ... بأنى أنا المرهوب فى البدو والحضر
فياويلهم من وقعة بعد وقعة ... يساقون سوق الشّاء للذّبح والبقر
سأصرف خيلى نحو مصر وبرقة ... إلى قيروان التّرك والرّوم والخزر
أكيلهم بالسيف حتى أبيدهم ... فلا أبق منهم نسل أنثى ولا ذكر
أعمّر حتى يأت عيسى بن مريم ... فيحمد آثارى وأرضى بما أمر
وعزم فى سنة ٣١٥ على غزو بغداد، فخرج إليها فى ألف فارس وخمسة
стр. 1877
آلاف راجل، فجهّز المقتدر لحربه جيشا بقيادة يوسف بن أبى السّاج، والتقى الجيشان، ودارت الدوائر على ابن أبى الساج وجيشه، وأخذ أسيرا، وأسرع مؤنس بجيش كثيف فى نحو أربعين ألفا، وانضم إليه الحمدانيون وغيرهم من عرب العراق والموصل، والتقى بأبى طاهر وجيشه عند الأنبار، غير أن أبا طاهر انصرف راجعا إلى بلاده، ولم يواقعه مؤنس مع ما اشتهر به من شدة بأسه، وكأنما خشى على نفسه مغبّة الحرب، مما جعل أبا طاهر يرسل له بالأبيات التالية ساخرا منه سخرية شديدة (١):
قولوا لمؤنسكم بالرّاح كن أنسا ... واستتبع الراح سرنايا ومزمارا
وقد تمثلت عن شوق تقاذف بى ... بيتا من الشعر للماضين قد سارا
نزوركم لم نؤاخذكم بجفوتكم ... إن الكريم إذا لم يستزر زارا
وهو يهزأ به وبشجاعته التى عرف بها، ويقول له إنك لست من أهل الحرب والبأس، وإنما أنت من أهل الكاس والطاس وآلات الطرب من السرناى وغير السرناى، ويستمر فى هزؤه، فهو سيزوره ويزور بلاده للفتك به وبجنوده.
وتطغى أبا طاهر الجنّابى انتصاراته على جند الخلافة، ويغرّه بالله الغرور، ويشتهر عنه أنه لا يصلى ولا يصوم ولا يعرف حدود الله. وما يوافى شهر ذى الحجة فى سنة ٣١٧ حتى ينقل غاراته على الحجّاج من قوافلهم إلى البيت الحرام، وإذا السيوف تنوشهم وتسيل دماؤهم أنهارا يوم التّروية، وهم يهللون لربهم ويلبّون، وهو وأنصاره ينحرون فيهم، كأنهم كباش أعدّت للذبح، دون أى شفقة أو رحمة. ولم يكتفوا بمن ذبحوهم فى فجاج مكة، فقد دخلوا المسجد الحرام ينحرون ويذبحون والناس يتعلقون بأستار الكعبة وهم يمزقونها ويمزقون جلودهم بسيوفهم، ولا شفيع لهم ولا نصير من هذا الشيطان الرجيم. وبلغ من سفهه وخرقه أن أمر بطرح القتلى فى بئر زمزم، واقتلع الحجر الأسود من موضعه، وأخذه معه إلى هجر وظل بها حتى سنة ٣٣٩ إذ أعاده القرامطة إلى مكة خوفا من الخليفة المطيع وخشية من بأسه وبأس البويهيين. وجرّد أبو طاهر الكعبة من كل ما كان بها من تحف
стр. 1878
أهداها الخلفاء على مرّ السنين. وروى المؤرخون أنه كان فى أثناء هذا العمل الوحشى الفظيع يترنّم بأشعار له مبتهجا؛ وكأنما كان يشفى غليل نفسه من الإسلام وصاحبه وأهله بما ارتكبه من هذه الخطايا الموبقات، وبما كان ينشده من هذه الأشعار التى يحادّ بها الله ورسوله من مثل قوله (١):
ولو كان هذا البيت بيتا لربّنا ... لصبّ علينا النار من فوقنا صبّا
لأنا حججنا حجّة جاهليّة ... محلّلة لم تبق شرقا ولا غربا
ولكنّ ربّ العرش ﷻ ... ولم يتخذ بيتا ولم يتخذ حجبا
وكأنه بذلك يعلن كفره، صريحا غير موار، بفريضة الحج إلى بيت الله، التى تعدّ ركنا أساسيّا من أركان الإسلام. وبذلك يتضح أن أبا طاهر لم يكن ثائرا عنيفا فحسب مثله مثل يحيى بن زكرويه وصاحب الزنج، بل إنه يتقدمهما خطوات فى الثورة الدامية والعنف والانفصال عن العلويين، إذ خلع الإسلام كله من عنقه ومضى يحارب أهله ويسيل دماءهم ويذبحهم ذبحا حيث لا يحل صيد الحيوانات ولا الطيور، غير ما انتهكه من حرمات بيت الله المقدس انتهاكا ليس له سابقة ولا لاحقة فى التاريخ. ولعل من الخير أن نبسط القول قليلا فى شاعرين ثارا على الخلافة العباسية فى القرن الثالث الهجرى، وهما محمد بن البعيث وبكر بن عبد العزيز بن أبى دلف.
محمد (٢) بن البعيث
من فتيان بنى أسد نزلت عشيرته فى أذربيجان، واشتهر أبوه بأنه كان من الفتّاك الصعاليك، واستطاع محمد أن يمتلك فى تلك الديار قلعتين: قلعة تسمى شاهى وأخرى تسمى بكدر، وكانت شاهى أشد مناعة فكان يقيم فيها كثيرا.
واشتهر أمره فى عصر المعتصم وحروب بابك، فإنه كان يحاول أن يكون محايدا بين الطرفين المتخاصمين، فإذا نزلت سرايا أحدهما أضافها وأحسن الضيافة، وهو فى أثناء ذلك يراوغ، وقد ينقل للجيش العباسى وقواده أخبار بابك، وقد ينقل إلى بابك
стр. 1879
أخبار الجيش العباسى. وكان هواه مع العباسيين، غير أن وقوفه متفرجا دون أن يقحم نفسه فى تلك الحروب وينصر العباسيين جعل إسحق بن إبراهيم المصعبى أحد قواد المعتصم يقبض عليه ويلقى به فى غياهب السجون. ويتوسط له بعض القواد، فيفرج عنه، على ألا يبرح سامرّاء حتى إذا كانت سنة ٢٣٤ لعصر المتوكل هرب إلى دياره وحصونه فيها، واختار حصن مرند، فجمع فيه عدده وأسلحته وأنصاره وزادهم، ورمّ ما كان وهى من سورها، وكان فى داخلها وخارجها بساتين، تدور من حولها أشجار كثيرة. ووجّه إليه المتوكل بعض الجيوش فلم تستطع أن تصل إليه، ثم وجّه إليه بغا الشرابى، فزحف إلى الحصن وقطع ما حوله من الشجر نحوا من مائة ألف شجرة، ونصب عليه المجانيق، ويئس ابن البعيث من مطاولة الحصار، ففرّ على وجهه وهو ينشد:
كم قد قضيت أمورا كان أهملها ... غيرى وقد أخذ الإبلاس بالكظم (١)
لا تعذلينى فيما ليس ينفعنى ... إليك عنى جرى المقدار بالقلم
سأتلف المال فى عسر وفى يسر ... إن الجواد الذى يعطى على العدم
وتبعه نفر من الجيش العباسى، فلحقوه، وهو راكب دابة متقلد سيفا يريد أن يصير إلى نهر عليه رحى ليستخفى فى الرّحى، وأخذوه أسيرا ذليلا، وانتهب الجند داره ودور أصحابه وبعض دور المدينة، ونادى مناد بالامتناع عن النهب. وأتى بابن البعيث إلى المتوكل، فأمر بضرب عنقه، فطرح على نطع، وجاء السّيّافون فلوّحوا له بسيوفهم، وقال له المتوكل حانقا غاضبا: ما دعا يا محمد إلى ما صنعت؟ فأجابه: الشقوة وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإنّ لى فيك لظنّين أسبقهما إلى قلبى أولاهما بك، وهو العفو، ثم اندفع ينشده:
أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلى ... إمام الهدى والصّفح بالحرّ أجمل
وهل أنا إلا جبلة من خطيئة ... وعفوك من نور النبوة يجبل (٢)
تضاءل ذنبى عند عفوك قلّة ... فمنّ بعفو منك والعفو أفضل
فإنك خير السابقين إلى العلا ... ولا شك أن خير الفعالين تفعل
стр. 1880
فقال المتوكل: أفعل خيرهما وأمنّ عليك، ارجع إلى منزلك، وخفّف عنه الحكم من الإعدام إلى الحبس وظل فيه حتى وافاه الموت. وفى الطبرى أنه كما كان ينظم بالعربية بعض أشعار له كان ينظم بالفارسية أشعارا أخرى. وكان جوادا ممدّحا طالما قصده الشعراء بمدحهم، وأجزل لهم فى عطائه، وممن ذكر منهم المرزبانى فى معجمه يحيى (١) بن أحمد من أهل مدينة الرّحبة فى الموصل، وفيه يقول: «كان فى ناحية محمد بن البعيث، ومدحه مدحا كثيرا» منه قصيدة أولها:
لا زال محسودا على أفعاله ... وحسوده فى الناس غير محسّد
شطراه بين معاقب أو غافر ... أو عائد متفضّل أو مبتدى
شفعا ووترا كلّ ذاك فعاله ... كالدهر إلا أنه لا يعتدى
فالناس تحت لوائه من راغب ... أو راهب أو رائح أو مغتدى
وكان ابن البعيث يستخدم يحيى فى الدعاية له، وهو يصوره فارسا رائحا غاديا على أعدائه، والناس بين راهب من بطشه وراغب فى كرمه الفياض، وتارة يعاقب أعداءه عقابا أليما، وتارة يعفو عفوا رحيما، ويدعو له أن يظل محسودا متسنما لذروة المجد الرفيعة. ومن قوله فيه:
متى ألق من آل البعيث محمّدا ... أحلّ رياضا للعلا بمحمّد
وتضحك أم البشر عنى بنيله ... فأرجع محسودا بنيل محسّد
ويبدو أن ابن البعيث كان شخصية ممتازة، فهو جواد، وهو شجاع من أهل البأس والفتوة، وهو أديب يحسن العربية والفارسية. وبلغ من ثبات جأشه وجنانه أن أنشد المتوكل الأبيات السالفة وهو على النطع والسيّاف شاهر سيفه يريد أن ينقضّ عليه وأن يحزّ رأسه ويزهق روحه، وشرر الغضب يتطاير من عينى المتوكل وقد انتفخت أوداجه. وكأن ذلك كله لم يملأ نفسه خوفا ولا هلعا، فظل رابط الجأش مجتمع القلب، لا تخونه الكلمة فى اللحظة الحرجة، بل لا يخونه البيت
стр. 1881
الذى يستلّ الغضب من نفس المتوكل. وقد بلغ منه مبلغا خطيرا، حتى أوشك أن يقضى عليه قضاء مبرما. وهى قدرة نفسية كانت تمتزج بقدرته البيانية.
بكر (١) بن عبد العزيز بن أبى دلف
حفيد أبى دلف القاسم بن عيسى العجلى الشيبانى البطل المغوار الذى أبلى بلاء عظيما فى حروب بابك لعهد المأمون والمعتصم، وكان هرون الرشيد ولاّه-وهو حدث السنّ-أعمال الجبل فى إيران، ولم يزل عليها إلى أن توفّى سنة خمس وعشرين ومائتين. وكان أديبا شاعرا وله مقطوعات تتردّد فى كتب الأدب، وهو ممدوح أبى تمام وعلى بن جبلة الذى قال فيه:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدنيا على أثره
وقد تولّى إقليم الجبل ابنه عبد (٢) العزيز وكان شاعرا، وشجاعا باسلا، وعزله عنه المعتز وولى عليه موسى بن بغا، فثارت ثائرة عبد العزيز وفرّ إلى قلعة له ولعشيرته فى الكرج بين همذان وأصفهان، وظل ينازل الدولة العباسية. ونراه فى سنة ٢٥٤ يجبى همذان. ويخلفه ابنه أحمد، فيتولى زعامة أسرته ويمدّ سلطانه إلى أصبهان ويتوفى سنة ٢٨٠ فيتنازع الرياسة بعده أخواه عمر وبكر، ويتمّ لعمر القيام بالأمر، ولا يرسل إليه الخليفة المعتضد بالولاية، حتى لا يثور بكر، غير أنه عاد فولّى فى سنة ٢٨٣ عيسى النّوشرى على أصبهان، وغضب بكر ومن كانوا ينضوون تحت لوائه من الأعراب، فولّى وجهه معهم نحو الأهواز، وخرج فى طلبه القائد التركى وصيف حتى بلغ حدود فارس. ولحقه، ولكنه لم يحاول أن يبادره بالحرب، وباتا كلّ واحد منهما قريب من صاحبه، وارتحل بكر ليلا ولم يتبعه وصيف، وعاد بكر إلى أصبهان ورجع وصيف إلى بغداد. وكتب المعتضد إلى بدر غلامه المعروف باسم بدر المعتضدى يأمره بطلب بكر بن عبد العزيز وعربه.
وكان بكر شاعرا انحدر إليه الشعر من أبيه وجده، وله ديوان صغير نشر فى
стр. 1882
دهلى باسم شعر بكر بن عبد العزيز وهو يتغنى فى أشعاره بفتوته وفروسيته، وله ميمية طريفة نظمها حين سمع بأن المعتضد أمر بدرا غلامه أن يتعقبه، وفيها يتوعده ويتهدده بمثل قوله:
ألقى الأحبّة بالعراق عصيّهم ... وبقيت نصب حوادث الأيام
وتشعّب العرب الذين تصدّعوا ... فذببت عن أحسابهم بحسامى
فلأقرعنّ صفاة دهر نابهم ... قرعا يهدّ رواسى الأعلام
ولأتركنّ الواردين حياضهم ... بقرارة لمواطئ الأقدام
يا بدر إنك لو شهدت مواقفى ... والموت يلحظ والصّفاح دوامى
لذممت رأيك فى إضاعة حرمتى ... ولضاق ذرعك فى اطّراح ذمامى
حرّكتنى بعد السكون وإنما ... حرّكت من حصنى جبال تهام
وواضح من حديثه فى مطالع هذه الأبيات أنه يأسى للعرب فى عصره، فقد تشعّبوا وتفرّقوا شيعا وطرائق شتى، فعضّهم الدهر بنايه وأصبحت حياضهم مباحة يردها الأعاجم وغير الأعاجم، وها هو وحده يقف للدفاع عن عرينهم، ولا معين له غير عزيمته الماضية وسيوفه القاطعة. وإنه ليتهدد الدهر أن ينزل به أشد النكال كما يتهدّد من استباحوا حمى العرب والعروبة بالذل والهوان حتى ليصبحون موطئا للأقدام، ويتحول إلى بدر المعتضدى واصفا له مواقفه البطولية حين تسلّ السيوف وتسدّد الرماح ويلتقم الموت الأبطال، حتى يستشعر الندم على تضييعه لذمامه وتحريكه للحرب المبيرة بعد سكونها. ويبدو أن بدرا رأى أن يكل أمره إلى غيره، فكلّف عيسى النّوشرىّ بمهاجمته، وصدع لتكليفه، ولكنه لم ينجح سريعا فى مهمته، واضطر فى بعض المواقف أن ينسحب بجيشه، فقال بكر يذكر فراره من بين يديه، ويتهدد بدرا صاحبه، من قصيدة طويلة:
ليس كالسيف مؤنس حين يعرو ... حادث معضل ويفدح أمر
أوقدوا الحرب بيننا فاصطلوها ... ثم حاصوا فأين منها المفرّ (١)
وبغوا شرّنا فهذا أوان ... قد بدا شرّه ويتلوه شرّ
стр. 1883
قد رأى النّوشرىّ لما التقينا ... من إذا أشرع الرماح يفرّ
جاء فى قسطل لهام فصلنا ... صولة دونها الكماة تهرّ
غرّ بدرا حلمى وفضل أناتى ... واحتمالى وذاك مما يغرّ
على أنه سرعان ما اضطرّ إلى الفرار أمام جيوش الخلافة سنة ٢٨٤ إذ التقى به النوشرى فى حدود أصفهان، فقتل رجاله واستباح عسكره. وأفلت فى نفر يسير، وغادر إقليم الجبل متجها إلى محمد بن زيد العلوى صاحب طبرستان. فأكرم وفادته عليه، وقرّبه منه، وولاه على إقليم رويان. غير أنه مات مسموما فى طريقه إليها لسنة ٢٨٥
٤ - شعراء الوزراء والولاة والقواد
لا نبالغ إذا قلنا إن جميع وزراء العصر وأكثر ولاته وقواده داروا على ألسنة الشعراء يمدحونهم طلبا للنوال، إذ كانت بأيديهم أموال الدولة، وكانوا ينثرونها نشرا على الدعاية لهم، ولم يكن للدعاية حينئذ لسان سوى الشعر. فالوزير وكذلك الوالى والقائد حين يطريه شاعر ويثنى عليه يطير اسمه فى الناس، ولذلك كان كثيرون يجمعون الشعراء من حولهم، لكى يعدّدوا مناقبهم، ويصوّروا كفاءتهم وأنهم من الصفوة المختارة للأمة. وكان من بينهم شعراء وأدباء يقدرون الشعر وأصحابه، ويرفعون منزلتهم عالية. وكان فى مقدمتهم لعصر المتوكل وزيره الفتح بن خاقان وكان كثيرون يكادون يقصرون أنفسهم على مديحه وما يصلهم من نواله (١)، وهو من ممدوحى البحترى كما مر بنا فى غير هذا الموضع، وكان شاعرا مرهف الذوق، وله البيت المشهور (٢):
ليس يستحسن فى شرع الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج
стр. 1884
ومثله من وزراء المتوكل فى كثرة مادحيه عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وهو أيضا، من ممدوحى البحترى، ومن مادحيه (١) محمد بن غالب الأصبهانى والقنبرىّ (٢)، وفيه يقول أبو هفّان يوم النّيروز وفيه تقدّم هدايا كثيرة (٣):
إذا نحن مدحناك ... رعينا حرمة المجد
وما استطرفت للإهدا ... ء إلا طرف الحمد
وكان يزر للمنتصر أحمد بن الخصيب ولم تكن له رصانة صاحبيه، بل كان فيه حمق كثير، ومع ذلك مدحه غير شاعر طلبا للربح والنوال، من مثل قول محمد بن غياث الكاتب فيه (٤):
سمّوه أحمد فالإسلام يحمده ... والدهر كاسم أبيه ممرع خصب
فلا فضائل إلا منه أوّلها ... ولا مواهب إلا دون ما يهب
ووزر للمستعين أبو محمد صالح بن يزداد، ويردّد البحترى فى ديوانه مديحه، وتلقانا مدائح فى وزراء المعتز مثل عيسى بن فرخانشاه وجعفر بن محمود الإسكافى.
ويتولى وزارة المهتدى سليمان بن وهب، وهو كما يقول الفخرى أحد كتّاب الدنيا وأحد عقلاء العالم، وكان يحسن الشعر كما كان يحسن الكتابة، وهو من ممدوحى البحترى، وفى كتاب الأغانى ترجمة طويلة له، وكثير من المدائح قدّمت إليه من مثل قول هرون بن محمد البالسى (٥):
أسفر الشّرق منك والغرب عن ضو ... ء من العدل فاق ضوء البدور
أنشر الناس غيثكم بعد ما كا ... نوا رفاتا من قبل يوم النّشور (٦)
ووزر للمعتمد الحسن بن مخلد، وكان ماهرا فى الكتابة، وهو أيضا من ممدوحى البحترى، وكان مقصدا للشعراء. ويخلفه إسماعيل بن بلبل، وهو كسابقه
стр. 1885
من ممدوحى البحترى، ومدائح ابن الرومى وأهاجيه فيه مشهورة. ويكثر البحترى وابن الرومى معا من مديح وزير المعتمد صاعد وابنه العلاء وأخيه عبدون، كما يكثر ابن الرومى من مديح عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتمد وابنه القاسم وزير المعتضد، وفى ديوان ابن المعتز مدائح لهما مختلفة. وتدور أسماء وزراء المكتفى والمقتدر على ألسنة الشعراء، وفى ابن الفرات وزير المقتدر يقول ابن العلاف (١):
يتلقّى النّدى بوجه حيىّ ... وصدور القنا بوجه وقاح
هكذا هكذا تكون المعالى ... طرق الجدّ غير طرق المزاح
ولأبى بكر يحيى بن محمد الصولى أشعار ومدائح كثيرة فى وزراء العصر المتأخرين منذ عصر المقتدر، وكان يدمج مديحهم فى مديح الخلفاء، وقد يمدحهم مدحا مستقلا من مثل قوله فى أبى عبد الله البريدىّ وزير الخليفة المتقى (٢):
ما رأى الناس بالوزير البريد ... ىّ كذا اليوم منه حسنا وفخرا
الذى يعشق المكارم والمج ... د ويشرى بالمال حمدا وشكرا
ولعل أكثر الولاة مديحا فى هذا العصر آل طاهر، وفى مقدمتهم طاهر بن عبد الله بن طاهر والى خراسان، ومحمد بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد وأخواه عبيد الله وسليمان، وعرضنا فيما أسلفنا مدائح البحترى وابن الرومى فيهم، وممن كان منقطعا إليهم أبو الأشعث المروزى (٣). وفى طاهر يقول مدرك بن غزوان الجعفرى من قصيدة (٤):
حمى طاهر شرق البلاد بيمنه ... وشعث النواصى لا تجفّ لبودها (٥)
ينيخ بها أرض العدو ويبتنى ... مآثر مجد كان قدما يشيدها
стр. 1886
وممن كان يخص محمد بن عبد الله بن طاهر بمدائحه ابن أبى؟ ؟ ؟ .
وتصادف أن كانت له ضيعة بجوار إقطاع له، وكان عامل الحراج والعشور يلح عليه فى طلب عشوره وخراجه. وربما آذاه، فكتب إلى محمد يستغيث به من قصيدة طويلة (١):
أبنى حسين إننى ... أصبحت فى كنف الأمير
ولنا معاش فى قطي ... عته على الماء النّمير
لولا تردّد عامل ... كالكلب فى يوم مطير
فهل الأمير بجوده ... من قبح طلعته مجيرى
فلما قرأ محمد القصيدة وقّع تحتها قد أجرناك أبا عبد الله وأمرنا لك باحتمال خراجك-وكان فى كل سنة ستة آلاف درهم-وحمل إليه ألف دينار، وحلف عليه أن يقبلها. قال ابن أبى فنن: وصرت منذ هذا الحين أمدحه فى كل عام بقصيدة. ومن الولاة الذين طالما مدحهم الشعراء أبو جعفر أحمد بن محمد الطائى والى الكوفة. وهو من ممدوحى البحترى وابن الرومى، ومثله إبراهيم بن المدبر الذى ولى الدواوين فى سامرّاء وبغداد وولى فى بعض السنوات البصرة فأغرق الشعراء بأمواله وأغرقوه بمدائحهم. وهو ممدوح البحترى. ونرى شاعرا يكاد يخصه بمديحه وخاصة طوال مقامه فى البصرة، وهو أبو شراعة شاعرها، وكان لا يفارقه أيام تفقده؟ ؟ ؟ لها ولا يمنعه حاجة ولا شفاعة يسألها إلا حققها له، وفيه يقول (٢):
إنما لذّتاك فى المال شتّى ... صونك العرض وابتذال المال
ما نبالى إذا بقيت سليما ... من تولّت به صروف الليالى
ومرّ بنا فى حديثنا عن البحترى أنه مدح أحمد بن طولون أمير مصر وابنه خمارويه وبعض قواده، وأنه كان يمدح الهيثم بن عبد الله التغلبى والى الموصل وسيما الطويل والى حلب ورافع بن هرثمة والى الرىّ، كما مدح بعض قواد الترك مثل وصيف الصغير وأذكوتكين. ولا بد أن شعرا كثيرا نظم فى مديح القواد، إذ تشير
стр. 1887
نصوص كثيرة إلى أن هذا الشاعر أو ذاك كان من شعراء العسكر، ومع ذلك نفتقد الشعر الذى يصوّر بطولة قواد العصر إلا ما نظم فى الموفق وابنه المعتضد، مما مرّت بنا الإشارة إليه عند البحترى وابن الرومى وابن المعتز. ويتعرض أبو بكر الصولى لبعض القواد فى عصره وخاصة فى مديحه لبعض الخلفاء من مثل محمد بن ياقوت القائد فى عصر الراضى، وكان يتحكم فى شئون الدولة حتى أصبح ابن مقلة الوزير معه كالعارية وله فيهما ضادية طويلة (١). وامتدح الشعراء كثيرين من الكتاب ورؤساء الدواوين-وأكثر من سميناهم من الوزراء عملوا فى الدواوين أولا-وممن كان ممدّحا منهم آل ثوابة، وقد توارثوا ديوان الرسائل منذ عصر المعتمد، وكان من أكثرهم جودا وكرما أبو العباس أحمد بن محمد بن ثوابة، وهو ممدوح البحترى، وكان يمدحه شعراء كثيرون دبّجوا فيه أشعارا بديعة من مثل قول أبى هفان (٢):
الثوابىّ فتى ليس له ... فى سوى السؤدد والمجد وطر
وقوله (٣):
نفسى نداء أبى العباس من رجل ... لم ينسنى قطّ فى نأى ولا كثب
يقرى وبالرّقة البيضاء منزله ... من بالعراقين من عجم ومن عرب
ولعل من الخير أن نعرض ثلاثة من شعراء هؤلاء الرؤساء ليتضح لنا مديحهم فى أضواء أكثر وضوحا، وهم أبو على البصير وأحمد بن أبى طاهر وابن دريد.
أبو على (٤) البصير
اسمه الفضل بن جعفر بن الفضل بن يونس، أصل أسرته من الأنبار، انتقلت إلى الكوفة فنزلت فى حى النّخع، وهى أسرة فارسية الأصل. وكان أبو على ضريرا
стр. 1888
ولقّب البصير على العادة فى التفاؤل أو لذكائه وفطنته. وكان شيعىّ الهوى على مذهب أهل بلدته الكوفة، وأكبر الظن أنه كان إماميّا يؤمن بالتقيّة، ولذلك لم ير بأسا فى أن يترك الكوفة إلى بغداد وسامرّاء. ونزل الأخيرة فى خلافة المعتصم ومدحه ومدح جماعة من قواده، ولزم المتوكل والفتح بن خاقان يمدحهما وينال جوائزهما، ولحق زمن المعتز وهنأه بالخلافة كما مر بنا فى غير هذا الموضع. ولم يكن شاعرا فحسب، بل كان أيضا صاحب رسائل نثرية بارعة، وفى الجزء الرابع من جمهرة رسائل العرب لأحمد زكى صفوت قطعة منها بديعة. ويقول المسعودى: «كان من أطبع الناس فى زمانه لا يزال يأتى بالبيت النادر والمثل السائر الذى لا يأتى به غيره، وله فى الفضل حفيد الحسن بن سهل:
ملك ندفع-ما نخشى-به ... وبه-نصلح منا ما فسد
ينجز الناس إذا ما وعدوا ... وإذا ما أنجز الفضل وعد
ودقة العبارة واضحة، وواضح معها دقة الفكرة فى البيت الثانى، فالفضل لا يزال يؤدى وعوده وكلما أدّى وعدا وعد ثانية، فهو بحر من الجود لا ينقطع فيضه، ومن طريف ماله فى الفتح بن خاقان قوله واصفا بلاغته وشعره:
سمعنا بأشعار الملوك فكلّها ... إذا عضّ متنيه الثّقاف تأوّدا
سوى ما رأينا لامرئ القيس إننا ... نراه متى لم يشعر الفتح أوحدا
أقام زمانا يسمع القول صامتا ... ونحسبه إن رام أكدى وأصلدا (١)
فلما امتطاه راكبا ذلّ صعبه ... وسار فأضحى قد أغار وأنجدا
فأشعار الملوك قبل الفتح لا تثبت عند الثقاف والتمحيص ولا تستقيم بل تتأوّد وتتثنى إلا ما كان من شعر امرئ القيس، ولكن بشرط ألا ينظم الفتح وكأنه يعلو به على أبى الشعر العربى كله. وصوّره يطيل إرهاف سمعه لمادحيه، حتى ليظن الرائى أنه لا يحسن قول الشعر ولا نظمه، حتى إذا رامه ونظمه ذاع فى طول البلاد وعرضها وفى حزنها وسهولها ونجادها وأغوارها. ويقول الرواة إنه كان يتشيع وإن له فى ذلك أشعارا، ولم يصلنا من هذه الأشعار شئ ولعل كثيرا منها كان فى مدح آل البيت.
стр. 1889
وروى له الحصرى تهنئة بمولود، نظن ظنّا أنه قدمها لأحد أفراد البيت العلوى، وفيها يقول:
أتانى البشير بأن قد رزقت ... غلاما فأبهجنى ما ذكر
فعمّرك الله حتى ترا ... هـ قد قارب الخطو منه الكبر
وحتى ترى حوله من بنيه ... وإخوته وبنيهم زمر
وأوزعك الله شكر العطاء ... فإن المزيد لعبد شكر
وصلّى على السّلف الصّالح ... ين منكم وبارك فيمن غبر
وكان يؤذى نفسه إيذاء شديدا أن يقدّم شعره أحيانا لبعض الرؤساء أو بعض رجال الدولة فلا يأبه له أو لا يعطيه ما يستحقه، وتصادف أن أفرادا مختلفين وقفوا منه هذا الموقف فى صور مختلفة، فعزّت عليه نفسه وكرامته، وأنشأ يقول:
وإنى قد بلوتكم جميعا ... فما منكم على شكرى حريص
وأرخصت الثناء فعفتموه ... وربّتما غلا الشّئ الرخيص
فعفت نوالكم ورغبت عنه ... وشرّ الزاد ما عاف الخصيص (١)
ولعل شخصا لم يؤذ نفسه وكبرياءه كما آذاه المعلّى بن أيوب أحد قواد الجيش، ولعل ذلك ما جعله يخصّه ببيتين كأنهما سهمان مصميان، إذ يقول فيه:
لعمر أبيك ما نسب المعلّى ... إلى كرم وفى الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرّت ... وصوّح نبتها رعى الهشيم (٢)
وكان يحسّ فقده لبصره إحساسا عميقا، ولكن ذلك لم يكسر نفسه ولا أصابه بهوان، إذ نراه يدلّ بأن غيره من المبصرين يستمدّون علمهم من الكتب المخلّدة، أما علمه فدفتره القلب وحبره السمع، ويعتذر اعتذارات طريفة عن أنه لا يستطيع شيئا إلا بغيره كما نرى فى مثل قوله:
стр. 1890
لئن كان يهدينى الغلام لوجهتى ... ويقتادنى فى السير إذ أنا راكب
لقد يستضيئ القوم بى فى أمورهم ... ويخبو ضياء العين والرّأى ثاقب
وهو كثير السخرية فى أشعاره. وله مداعبات ومجاوبات تدل على بديهة حاضرة حضورا شديدا، وكثير منها كان يدور بينه وبين أبى العيناء الضرير ويروى أنه قال له: إننى ولدت وقت طلوع الشمس، فقال له توّا: لذلك خرجت مكديا (شحاذا) لأنه وقت انتشار المساكين. وله غزل بارع من مثل قوله:
ألمت بنا يوم الرّحيل اختلاسة ... فأضرم نيران الهوى النّظر الخلس (١)
تأبّت قليلا وهى ترعد خيفة ... كما تتأبّى حين تعتدل الشّمس
فخاطبها صمتى بما أنا مضمر ... وأنبست حتى ليس يسمع لى حسّ (٢)
وولّت كما ولّى الشباب لطيّة ... طوت-دونها كشحا على نفسها-النّفس
والقطعة بديعة وتدل على رهافة الحس ودقة الشعور وخصوبة التفكير، وكأن البصير روى لنا قصة لا مجرد خطرات فى الحب والوجد. وكان يشارك أحيانا فى الخمر والمجون واللهو، وله دعابة نظمها وهو يريد الحج، صوّر فيها نفسه ألمّ بالكوفة والأديرة القائمة حولها فى الحيرة، فنازعته نفسه أن يشرب فى أحد الأديرة ويتزوّد من خمرها ما يكفيه حتى العودة، فقال لصاحبه: حطّ أثقالنا، وسار الناس وأقاما، يقول:
خرجنا نبتغى مك ... ة حجّاجا وزوّارا
فلما شارف الحير ... ة حادى جملى حارا
فقلت: احطط بها رحلى ... ولا تحفل بمن سارا
فقضّينا لبانات ... لنا كانت وأوطارا
وما ظنك بالحلفا ... ء إن أشعلتها نارا
стр. 1891
ويقال إنه تغيّر عقل أبى على البصير قبل موته بقليل، وكان يثوب إليه عقله، فيأسى على نفسه وما أصابه من خرف الشيخوخة، وفى ذلك يقول:
خبا مصباح عقل أبى علىّ ... وكانت تستضيئ به العقول
إذا الإنسان مات الفهم منه ... فإن الموت بالباقى قليل
ولعل فى كل ما ذكرناه من شعره ما يدل على حذقه حقّا وأنه كان خصب الذهن. وكان لا يزال يعرض على معاصريه ما يزيدهم به إعجابا وبشعره استحسانا.
أحمد (١) بن أبى طاهر
اسم أبى طاهر طيفور، وأحمد ابنه رزق به فى بغداد لسنة ٢٠٤، وأصل الأسرة من مرو، ويقال إنها من سلالة ملوك خراسان. أخذ عن علماء بغداد، حتى إذا استوى عوده جلس للتعليم فى بعض الكتاتيب، ثم ترك التعليم واحترف الوراقة، مما جعله يقرأ كثيرا من مصنفات عصره والعصر السابق له، وسرعان ما تحوّل إلى مؤرخ كبير، كما يشهد بذلك كتابه تاريخ بغداد فى أخبار الخلفاء والأمراء وأيامهم. وهو أحد المصادر الأساسية التى اعتمد عليها الطبرى فى تأليف كتابه تاريخ الرسل والملوك: أهم مرجع تاريخى للخلفاء حتى أوائل القرن الرابع الهجرى. وله بجانب ذلك كتاب المنثور والمنظوم الذى يشتمل على أبرع الرسائل المدوّنة فى العصر. وله كتاب فضائل الورد على النرجس وكأنه صنعه ردّا على ابن الرومى وأمثاله ممن كانوا يفضلون النرجس على الورد. وكان يتشيّع، ولكن ليس لدينا من شعره الشيعىّ سوى القصيدة التى أشرنا إليها فى غير هذا الموضع والتى رثى بها يحيى بن عمر الطالبى المقتول بالكوفة فى زمن المستعين. ويبدو أنه كان إماميّا يأخذ بالتقيّة، ولا يجد بأسا فى مديح الخلفاء العباسيين ورجال دولتهم،
стр. 1892
وفتحوا له جميعا أبوابهم. وربما كان من أهم الأسباب فى فتحها كتابه السالف «تاريخ بغداد» الذى أرّخ فيه للدولة وخلفائها. وفتح له كتاب المنثور والمنظوم أبواب الأدباء لا فى بغداد وحدها، بل أيضا فى سامرّاء طوال اتخاذها حاضرة للخلافة.
وبجانب تصنيفاته كان شاعرا بارعا، ولكن قبل أن نعرض لشعره يحسن أن نقف عند ما قاله بعض معاصريه من أنه «كان مؤدّب كتّاب عاميّا ثم تخصص وجلس فى سوق الوراقين فى الجانب الشرقى ببغداد، وليس فيمن شهر بمثل ما شهر به من التصنيف للكتب وقول الشعر أكثر تصحيفا منه ولا أبلد علما ولا ألحن، قال:
ولقد أنشدنى شعرا يعرضه علىّ فى إسحق بن أيوب لحن فى بضعة عشر موضعا منه وكذا قال لى البحترى فيه». وشهادة البحترى فيه مردودة، لأنهما كانا يتهاجيان ولا يرضى كل منهما عن صاحبه، ونفس أبى طاهر-كما فى كتاب الموشح للمرزبانى-يصف البحترى باللحن فى شعره. وبالمثل شهادة هذا المعاصر له مردودة لأنه كان يخاصمه على ما يبدو. وليس فى شعره الذى بين أيدينا ما يصوّر هذا اللحن، ونرى معاصريه ومن جاءوا بعدهم يشهدون له بالفصاحة والبلاغة، فالخطيب البغدادى-ومثله ياقوت-يقولان: «كان أحد البلغاء الشعراء الرواة». وشعره يشهد ببلاغته، وأخباره تدل على إعجاب معاصريه به وبشعره. وكان يغدو به ويروح على الوزراء، فيسبغون عليه جوائزهم من مثل قوله فى أبى الصقر إسماعيل بن بلبل وزير المعتمد يهنئه بأحد أعياد النيروز أوائل الربيع:
أبا الصّقر لا زالت من الله نعمة ... تجدّدها الأيام عندك والدّهر
ولا زالت الأعياد تمضى وتنقضى ... وتبقى لنا أيامك الغرر الزّهر
فإنك للدنيا جمال وزينة ... وإنك للأحرار ذخر هو الذّخر
رأيت الهدايا كلها دون قدركم ... وليس بشئ عند مقداركم قدر
فأهديت من حلى المديح جواهرا ... مفصّلة يزهى بها النظم والنّثر
وكانوا يتقدمون للوزراء وعلية القوم فى أعياد النيروز بالهدايا كل حسب قدرته من الجواهر أو من الرياحين، ورأى ابن أبى طاهر أن خير ما يهديه لإسماعيل بن بلبل عقود أشعاره المرصوفة بالجواهر واللآلئ. والأبيات قوية جزلة مصقولة، وتدل
стр. 1893
على أن يد شاعر صناع هى التى كتبتها وصاغتها هذه الصياغة المتينة. وأروع من هذه القصيدة قصيدته فى أبى أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر نائب أخيه محمد فى حكم بغداد، ثم حاكمها بعد وفاته سنة ٢٥٢، وهى تلتقى بقصيدة تروى لابن الرومى سبق أن أنشدنا منها فى ص ٣١٠ بعض أبيات ولعل القصيدتين اختلطتا فى أذهان الرواة؛ ومن قصيدة ابن أبى طاهر فى مديح أبى أحمد كما جاءت عند بعض الرواة:
من لم يكن حذرا من حدّ صولته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
حلو إذا أنت لم تبعث مرارته ... فإن أمرّ فحلو عنده الصّبر
سهل الخلائق إلا أنه خشن ... لين المهزّة إلا أنه حجر
إذا الرجال دجت آراوهم وعموا ... بالأمر ردّ إليه الرّأى والنظر
الجود منه عيان لا ارتياب به ... إذ جود كلّ جواد عنده خبر
وبلغ من إعجاب القدماء بهذا المديح أن قال بعض أدبائهم: لو استعمل الإنصاف لكان هذا أحسن مدح قاله متقدم ومتأخر. وهى أبيات-إن صحّ أنها لابن أبى طاهر-تدل على بصر بالشعر وروعة فنونه البديعية، وله رسالة فى سرقات البحترى تدل من بعض الوجوه على ثقافته الشعرية، بل لقد اتسعت دراسته للشعر العربى على نحو ما يصور ذلك كتابه المنظوم والمنثور. وقد مضى يحكم فى القصيدة التقسيم كما فى الأبيات الأربعة الأولى، كما أحكم الطباق والتقابل بين المعانى والألفاظ على نحو ما يتضح فى الأبيات الأربعة الثانية. وكان يحكم -بجانب المديح-الهجاء اللاذع الذى يلسع كما تلسع الإبر دون فحش من مثل قوله فى أبى العيناء الضرير نديم المتوكل والخلفاء ومضحكهم بإجاباته ونوادره:
كنّا نخاف من الزما ... ن عليك إذ عمى البصر
لم ندر أنك بالعمى ... تغنى ويفتقر البشر
وكان يتعرض أحيانا للمبرّد، فيخشى معرّة لسانه، ويقال إنه استقبله فى
стр. 1894
يوم صيف شديد الحرارة فأكرمه وبالغ فى إكرامه، فأطعمه غذاء طيبا، وسقاه باردا، وأخذ يباسطه فى الحديث، مؤملا أن يمتدحه ببعض شعره، وإذا هو ينشده:
ويوم كحرّ الشّوق فى صدر عاشق ... على أنه منه أحرّ وأرمد
ظللت به عند المبرّد قائلا ... فما زلت فى ألفاظه أتبرّد (١)
فقال له المبرّد: قد كان يسعك إذا لم تحمد أن لا تذم، ومالك عندى جزاء إلا أن تغرب عن عينى. فتركه وهو يضحك من أثر دعابته فى نفس المبرد شيخ العربية لعصره. وأنشد له ابن داود طائفة كبيرة من غزلياته، من مثل قوله:
حبيبى حبيب يكتم الناس أنه ... لنا-حين ترمينا العيون-حبيب
يباعدنى فى الملتقى وفؤاده ... -وإن هو أبدى لى البعاد-قريب
ويعرض عنى والهوى منه مقبل ... إذا خاف عينا أو أشار رقيب
فتخرس منا ألسن حين نلتقى ... وتنطق منا أعين وقلوب
فهما يتناكران أمام الناس، وكل منهما شديد الكلف والولع، يتجرع غصص الهوى وآلامه، ولا يستطيع البوح بما فى ضميره، وهما لذلك يصطنعان التحفظ والاحتشام، وقلوبهما تحترق وجدا، وقد خرست منهما الألسنة ونطقت العيون بمكنون الضمير. وهو مع ذلك يكثر من الاختلاف إلى دارها ومجلس مولاها وليس من رسل بينه وبينها سوى لغة العيون، يقول:
إذا ما التقينا والوشاة بمجلس ... فليس لنا رسل سوى الطّرف بالطّرف
فإن غفل الواشون فزت بنظرة ... وإن نظروا نحوى نظرت إلى السّقف
فهو يسارقها النظر ويختلس منها النظرة فى الحين بعد الحين، حتى لا يفتضح أمرهما للواشين ويجعلهم يقفون على حبه للمرأة وحبها له وأنها لا تفرّط فيه، بل شديدة الحرص عليه. ومع ذلك يجرى بينهما حديث صامت لا أول له ولا آخر
стр. 1895
عن عذابهما فى الحب وما يصطليان من ناره، على الرغم من الرقباء والوشاة، يقول:
عرفت بالسلام عين الرّقيب ... وأشارت بلحظ طرف مريب
وشكت لوعة النّوى بجفون ... أعربت عن ضمير قلب كئيب
ربّ طرف يكون أفصح من لف ... ظ وأبدى لمضمرات القلوب
فهى تلفته بلحظها الفاتن إلى الرقيب، وتشكو لوعة النّوى وحرقة الحب بعيونها، واصلة نظرها الشّزر إلى الرقيب بنظرها اللّين إليه معربة عن ضميرها وما يخفى فى صدرها من الحب له والكلف به. وهو يحدثها بنفس اللغة، فيفهم قلبها عن قلبه وضميرها عن ضميره، وتبادله بنفس اللغة أنها على الوفاء له مقيمة، يقول:
ألا حظها خوف المراقب لحظة ... فأشكو بطرفى ما بقلبى من الوجد
فتفهمه عن لحظ عينى بقلبها ... فتومى بطرف العين أنى على العهد
فهما دائما يتكلمان بلغة الطرف، لغة يصمت فيها اللسان، وتنطق القلوب بما تضمنت من الوجد ولوعاته، وهما يتغامزان بالنظرات ويتلاحظان، وكأنما لا يتكلمان بتلك اللغة الصامتة الفصيحة فقط بل يتراسلان بها ويتكاتبان مكاتبات حارة، يقول:
كتبت إلى الحبيب بكسر عينى ... كتابا ليس يقرؤه سواه
فأخبرنى تورّد وجنتيه ... وكسر جفونه أن قد قراه
ولعل فى كثرة رسوم ابن أبى طاهر لهذا الموقف ما يدل على دقة حسّه من طرف وثراء خواطره وأفكاره من طرف آخر، وفى كثير من هذه الرسوم براعة فى التصوير كما نرى فى البيت الأخير، ومن بديع تصويره قوله فى إحدى المحجّبات اللائى شغف بهن:
حجاب فإن تبدو فللدّمع جولة ... يكون له من دون رؤيتها سترا