ويقال إنه تغيّر عقل أبى على البصير قبل موته بقليل، وكان يثوب إليه عقله، فيأسى على نفسه وما أصابه من خرف الشيخوخة، وفى ذلك يقول:
خبا مصباح عقل أبى علىّ ... وكانت تستضيئ به العقول
إذا الإنسان مات الفهم منه ... فإن الموت بالباقى قليل
ولعل فى كل ما ذكرناه من شعره ما يدل على حذقه حقّا وأنه كان خصب الذهن. وكان لا يزال يعرض على معاصريه ما يزيدهم به إعجابا وبشعره استحسانا.
أحمد (١) بن أبى طاهر
اسم أبى طاهر طيفور، وأحمد ابنه رزق به فى بغداد لسنة ٢٠٤، وأصل الأسرة من مرو، ويقال إنها من سلالة ملوك خراسان. أخذ عن علماء بغداد، حتى إذا استوى عوده جلس للتعليم فى بعض الكتاتيب، ثم ترك التعليم واحترف الوراقة، مما جعله يقرأ كثيرا من مصنفات عصره والعصر السابق له، وسرعان ما تحوّل إلى مؤرخ كبير، كما يشهد بذلك كتابه تاريخ بغداد فى أخبار الخلفاء والأمراء وأيامهم. وهو أحد المصادر الأساسية التى اعتمد عليها الطبرى فى تأليف كتابه تاريخ الرسل والملوك: أهم مرجع تاريخى للخلفاء حتى أوائل القرن الرابع الهجرى. وله بجانب ذلك كتاب المنثور والمنظوم الذى يشتمل على أبرع الرسائل المدوّنة فى العصر. وله كتاب فضائل الورد على النرجس وكأنه صنعه ردّا على ابن الرومى وأمثاله ممن كانوا يفضلون النرجس على الورد. وكان يتشيّع، ولكن ليس لدينا من شعره الشيعىّ سوى القصيدة التى أشرنا إليها فى غير هذا الموضع والتى رثى بها يحيى بن عمر الطالبى المقتول بالكوفة فى زمن المستعين. ويبدو أنه كان إماميّا يأخذ بالتقيّة، ولا يجد بأسا فى مديح الخلفاء العباسيين ورجال دولتهم،
стр. 1892
وفتحوا له جميعا أبوابهم. وربما كان من أهم الأسباب فى فتحها كتابه السالف «تاريخ بغداد» الذى أرّخ فيه للدولة وخلفائها. وفتح له كتاب المنثور والمنظوم أبواب الأدباء لا فى بغداد وحدها، بل أيضا فى سامرّاء طوال اتخاذها حاضرة للخلافة.
وبجانب تصنيفاته كان شاعرا بارعا، ولكن قبل أن نعرض لشعره يحسن أن نقف عند ما قاله بعض معاصريه من أنه «كان مؤدّب كتّاب عاميّا ثم تخصص وجلس فى سوق الوراقين فى الجانب الشرقى ببغداد، وليس فيمن شهر بمثل ما شهر به من التصنيف للكتب وقول الشعر أكثر تصحيفا منه ولا أبلد علما ولا ألحن، قال:
ولقد أنشدنى شعرا يعرضه علىّ فى إسحق بن أيوب لحن فى بضعة عشر موضعا منه وكذا قال لى البحترى فيه». وشهادة البحترى فيه مردودة، لأنهما كانا يتهاجيان ولا يرضى كل منهما عن صاحبه، ونفس أبى طاهر-كما فى كتاب الموشح للمرزبانى-يصف البحترى باللحن فى شعره. وبالمثل شهادة هذا المعاصر له مردودة لأنه كان يخاصمه على ما يبدو. وليس فى شعره الذى بين أيدينا ما يصوّر هذا اللحن، ونرى معاصريه ومن جاءوا بعدهم يشهدون له بالفصاحة والبلاغة، فالخطيب البغدادى-ومثله ياقوت-يقولان: «كان أحد البلغاء الشعراء الرواة». وشعره يشهد ببلاغته، وأخباره تدل على إعجاب معاصريه به وبشعره. وكان يغدو به ويروح على الوزراء، فيسبغون عليه جوائزهم من مثل قوله فى أبى الصقر إسماعيل بن بلبل وزير المعتمد يهنئه بأحد أعياد النيروز أوائل الربيع:
أبا الصّقر لا زالت من الله نعمة ... تجدّدها الأيام عندك والدّهر
ولا زالت الأعياد تمضى وتنقضى ... وتبقى لنا أيامك الغرر الزّهر
فإنك للدنيا جمال وزينة ... وإنك للأحرار ذخر هو الذّخر
رأيت الهدايا كلها دون قدركم ... وليس بشئ عند مقداركم قدر
فأهديت من حلى المديح جواهرا ... مفصّلة يزهى بها النظم والنّثر
وكانوا يتقدمون للوزراء وعلية القوم فى أعياد النيروز بالهدايا كل حسب قدرته من الجواهر أو من الرياحين، ورأى ابن أبى طاهر أن خير ما يهديه لإسماعيل بن بلبل عقود أشعاره المرصوفة بالجواهر واللآلئ. والأبيات قوية جزلة مصقولة، وتدل
стр. 1893
على أن يد شاعر صناع هى التى كتبتها وصاغتها هذه الصياغة المتينة. وأروع من هذه القصيدة قصيدته فى أبى أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر نائب أخيه محمد فى حكم بغداد، ثم حاكمها بعد وفاته سنة ٢٥٢، وهى تلتقى بقصيدة تروى لابن الرومى سبق أن أنشدنا منها فى ص ٣١٠ بعض أبيات ولعل القصيدتين اختلطتا فى أذهان الرواة؛ ومن قصيدة ابن أبى طاهر فى مديح أبى أحمد كما جاءت عند بعض الرواة:
من لم يكن حذرا من حدّ صولته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
حلو إذا أنت لم تبعث مرارته ... فإن أمرّ فحلو عنده الصّبر
سهل الخلائق إلا أنه خشن ... لين المهزّة إلا أنه حجر
إذا الرجال دجت آراوهم وعموا ... بالأمر ردّ إليه الرّأى والنظر
الجود منه عيان لا ارتياب به ... إذ جود كلّ جواد عنده خبر
وبلغ من إعجاب القدماء بهذا المديح أن قال بعض أدبائهم: لو استعمل الإنصاف لكان هذا أحسن مدح قاله متقدم ومتأخر. وهى أبيات-إن صحّ أنها لابن أبى طاهر-تدل على بصر بالشعر وروعة فنونه البديعية، وله رسالة فى سرقات البحترى تدل من بعض الوجوه على ثقافته الشعرية، بل لقد اتسعت دراسته للشعر العربى على نحو ما يصور ذلك كتابه المنظوم والمنثور. وقد مضى يحكم فى القصيدة التقسيم كما فى الأبيات الأربعة الأولى، كما أحكم الطباق والتقابل بين المعانى والألفاظ على نحو ما يتضح فى الأبيات الأربعة الثانية. وكان يحكم -بجانب المديح-الهجاء اللاذع الذى يلسع كما تلسع الإبر دون فحش من مثل قوله فى أبى العيناء الضرير نديم المتوكل والخلفاء ومضحكهم بإجاباته ونوادره:
كنّا نخاف من الزما ... ن عليك إذ عمى البصر
لم ندر أنك بالعمى ... تغنى ويفتقر البشر
وكان يتعرض أحيانا للمبرّد، فيخشى معرّة لسانه، ويقال إنه استقبله فى
стр. 1894
يوم صيف شديد الحرارة فأكرمه وبالغ فى إكرامه، فأطعمه غذاء طيبا، وسقاه باردا، وأخذ يباسطه فى الحديث، مؤملا أن يمتدحه ببعض شعره، وإذا هو ينشده:
ويوم كحرّ الشّوق فى صدر عاشق ... على أنه منه أحرّ وأرمد
ظللت به عند المبرّد قائلا ... فما زلت فى ألفاظه أتبرّد (١)
فقال له المبرّد: قد كان يسعك إذا لم تحمد أن لا تذم، ومالك عندى جزاء إلا أن تغرب عن عينى. فتركه وهو يضحك من أثر دعابته فى نفس المبرد شيخ العربية لعصره. وأنشد له ابن داود طائفة كبيرة من غزلياته، من مثل قوله:
حبيبى حبيب يكتم الناس أنه ... لنا-حين ترمينا العيون-حبيب
يباعدنى فى الملتقى وفؤاده ... -وإن هو أبدى لى البعاد-قريب
ويعرض عنى والهوى منه مقبل ... إذا خاف عينا أو أشار رقيب
فتخرس منا ألسن حين نلتقى ... وتنطق منا أعين وقلوب
فهما يتناكران أمام الناس، وكل منهما شديد الكلف والولع، يتجرع غصص الهوى وآلامه، ولا يستطيع البوح بما فى ضميره، وهما لذلك يصطنعان التحفظ والاحتشام، وقلوبهما تحترق وجدا، وقد خرست منهما الألسنة ونطقت العيون بمكنون الضمير. وهو مع ذلك يكثر من الاختلاف إلى دارها ومجلس مولاها وليس من رسل بينه وبينها سوى لغة العيون، يقول:
إذا ما التقينا والوشاة بمجلس ... فليس لنا رسل سوى الطّرف بالطّرف
فإن غفل الواشون فزت بنظرة ... وإن نظروا نحوى نظرت إلى السّقف
فهو يسارقها النظر ويختلس منها النظرة فى الحين بعد الحين، حتى لا يفتضح أمرهما للواشين ويجعلهم يقفون على حبه للمرأة وحبها له وأنها لا تفرّط فيه، بل شديدة الحرص عليه. ومع ذلك يجرى بينهما حديث صامت لا أول له ولا آخر
стр. 1895
عن عذابهما فى الحب وما يصطليان من ناره، على الرغم من الرقباء والوشاة، يقول:
عرفت بالسلام عين الرّقيب ... وأشارت بلحظ طرف مريب
وشكت لوعة النّوى بجفون ... أعربت عن ضمير قلب كئيب
ربّ طرف يكون أفصح من لف ... ظ وأبدى لمضمرات القلوب
فهى تلفته بلحظها الفاتن إلى الرقيب، وتشكو لوعة النّوى وحرقة الحب بعيونها، واصلة نظرها الشّزر إلى الرقيب بنظرها اللّين إليه معربة عن ضميرها وما يخفى فى صدرها من الحب له والكلف به. وهو يحدثها بنفس اللغة، فيفهم قلبها عن قلبه وضميرها عن ضميره، وتبادله بنفس اللغة أنها على الوفاء له مقيمة، يقول:
ألا حظها خوف المراقب لحظة ... فأشكو بطرفى ما بقلبى من الوجد
فتفهمه عن لحظ عينى بقلبها ... فتومى بطرف العين أنى على العهد
فهما دائما يتكلمان بلغة الطرف، لغة يصمت فيها اللسان، وتنطق القلوب بما تضمنت من الوجد ولوعاته، وهما يتغامزان بالنظرات ويتلاحظان، وكأنما لا يتكلمان بتلك اللغة الصامتة الفصيحة فقط بل يتراسلان بها ويتكاتبان مكاتبات حارة، يقول:
كتبت إلى الحبيب بكسر عينى ... كتابا ليس يقرؤه سواه
فأخبرنى تورّد وجنتيه ... وكسر جفونه أن قد قراه
ولعل فى كثرة رسوم ابن أبى طاهر لهذا الموقف ما يدل على دقة حسّه من طرف وثراء خواطره وأفكاره من طرف آخر، وفى كثير من هذه الرسوم براعة فى التصوير كما نرى فى البيت الأخير، ومن بديع تصويره قوله فى إحدى المحجّبات اللائى شغف بهن:
حجاب فإن تبدو فللدّمع جولة ... يكون له من دون رؤيتها سترا
стр. 1896
فهو دائما منها فى حجابين، حجاب حين لا يلقاها. وحجاب من دموعه حين يلقاها، وكأنها محجبة دائما، وراء أستار من الحجاب صفيقة وأستار أخرى رقيقة من الدموع الغزار. ويحدثنا ياقوت نقلا عن أحد الرواة أنه كان يلمّ ببعض الأديرة أحيانا فى طريقه إلى سامرّاء أو بعد رجوعه منها، وينشد له خمرية، ويبدو أن الخمر لم تكن من متاعه إلا فى بعض أحوال عارضة. وما زال يعنى بالتصنيف ونظم الشعر حتى توفى سنة ٢٨٠ للهجرة.
ابن (١) دريد
هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، من أزد عمان، كانت أسرته على شئ من اليسار، وقد استوطن أبوه البصرة، وفيها ولد له سنة ٢٢٣ وعنى عمه الحسين بتعليمه فألحقه منذ نعومة أظفاره بالكتاتيب ثم بحلقات العلماء، وكانت له ذاكرة عجيبة لا يكاد شئ يسمعه يفلت منها، مما أعدّه لأن يكون من كبار اللغويين فى عصره. وقد أكبّ على محاضرات الرّياشى وأبى عثمان الأشناندانىّ وأبى حاتم السجستانى وغيرهم من علماء البصرة، فأخذ كل ما عندهم. ولما استباح الزنج البصرة سنة ٢٥٧ ونكلوا بأهلها تنكيلا شديدا فرّ مع عمه الحسين إلى عمان وطن قبيلته الأزد، وظل بها اثنى عشر عاما إلى أن قضى الموفق على ثورة الزنج قضاء نهائيّا، وحينئذ يعود إلى البصرة حين عاد إليها الأمن والسلام. ويظل بها إلى أن يستدعيه عبد الله بن محمد بن ميكال والى الأهواز وفارس لتأديب ابنه أبى العباس إسماعيل وتثقيفه. ويلبىّ الدعوة، ويرحب به الوالى ترحيبا عظيما، ويقلده ديوان إمارته فارس وتقبل عليه الدنيا إذ تنهال عليه الأموال. وينظم فى الوالى وابنه قصيدته الطويلة المشهورة باسم المقصورة، التى عرضنا لها فى حديثنا عن الشعر التعليمى وتطير شهرتها وتتكاثر شروحها، وتطبع فى عصرنا بشرح التبريزى وبشروح
стр. 1897
أخرى وتكثر تخميساتها على مرّ القرون. وفى أثناء عمله عند ابن ميكال ألّف الجمهرة لابنه إسماعيل، وهى معجم لغوى بدأ فيه على طريقة معجم العين المنسوب إلى الخليل بالثنائى ثم بالثلاثى ثم بالرباعى ثم بملحقه ثم بالخماسى والسداسى وملحقاتهما، وجمع النوادر فى باب منفرد. أملاها أولا فى فارس، ثم أملاها فى البصرة ثم فى بغداد ولذلك اختلفت نسخها اختلافات كثيرة. وكان من أهم ما ألفه لإسماعيل، كى يحسن العربية، كتاب الأربعين حديثا، قصّ فيه حكايات عربية قديمة تقوم على الحب غالبا كما تقوم على التاريخ، ويقول الحصرى عن هذه الأحاديث إنها هى التى ألهمت بديع الزمان مقاماته (١). ويبدو أنه ألّف عند ابنى ميكال كثيرا من مصنفاته، ومما نشر له منها فى عصرنا كتاب الاشتقاق وكتاب السّرج واللجام وكتاب صفة السحاب والغيث وكتاب الملاحن ويشتمل على ألغاز لغوية. وما زال يعيش فى رحاب ابنى ميكال حتى عزلا عن فارس، فانتقل إلى مسقط رأسه، ثم تركها إلى بغداد سنة ٣٠٨ وكان صيته وشهرته العلمية سبقاه، فاستقبلته بغداد استقبالا حافلا، وأجرى عليه المقتدر خمسين دينارا شهريا إلى أن توفى سنة ٣٢١ عن نحو ثمانية وتسعين عاما. وأهم مدائحه وأشعاره مقصورته التى ذكرناها آنفا، وقد حلّلناها فى حديثنا عن الشعر التعليمى، ونقف منها الآن عند مديحه للأمير عبد الله بن محمد بن ميكال وابنه أبى العباس إسماعيل، وفيهما يقول:
تلافيا العيش الذى رنّقه ... صرف الزمان فاستساغ وصفا (٢)
وأجريا ماء الحيا لى رغدا ... فاهتزّ غصنى بعد ما كان ذوى (٣)
إن ابن ميكال الأمير انتاشنى ... من بعد ما قد كنت كالشئ الّلقا (٤)
ومدّ ضبعىّ أبو العباس من ... بعد انقباض الذّرع والباع الوزى (٥)
стр. 1898
ذاك الذى ما زال يسمو للعلا ... بفعله حتى علا فوق العلا
لو كان يرقى أحد بجوده ... ومجده إلى السّماء لا رتقى
ما إن أتى بحر نداه معتف ... على أوارى علم إلا ارتوى (١)
نفسى الفداء لأميرىّ، ومن ... تحت السماء لأميرى الفدا
وطبيعى أن يعنى ابن دريد فى هذا المديح بإدماج شئ فيه من الألفاظ الغريبة، لأنه أراد بالقصيدة أن تكون متنا لغويّا، وتحققت له إرادته، لا بما وضع فيها من ألفاظ غريبة فحسب، بل أيضا بما حشد فيها من الألفاظ المقصورة. ومع ذلك فقد استطاع فيها أن يوازن بين ما جمع من الألفاظ الغريبة ولغة الشعر العذبة، فاختار لها أسلوبا وسطا بين الإغراب والسهولة، كما أشرنا إلى ذلك فى غير هذا الموضع. وهذه الأبيات نفسها تصور هذا المسلك، فهى لا تتعمق فى الإغراب، بل تظل فيها نضرة الشعر وجماله. وله وراءها مدائح مختلفة لا يغمسها فى الغريب وألفاظه من مثل قوله فى أبى أحمد حجر الجويمىّ أحد رجالات فارس النابهين:
حجر بن أحمد فارع الشرف الذى ... خضعت لعزّته طلى الأعناق (٢)
انظر أنامله فلسن أناملا ... لكنهن مفاتح الأرزاق
وانظر إلى النور الذى لو أنه ... للبدر لم يطبع برين محاق (٣)
وكان يجيد فن الرثاء، وله مرثية بديعة فى عمه الحسين بن دريد الذى تعهد تربيته. ومن خير مراثيه مرثية فى محمد بن جرير الطبرى علم الدراسات الدينية والكتابات التاريخية فى عصره. وفيها يقول:
إن المنية لم تتلف به رجلا ... بل أتلفت علما للدين منصوبا
كان الزمان به تصفو مشاربه ... والآن أصبح بالتّكدير مقطوبا (٤)
كلا وأيامه الغرّ التى جعلت ... للعلم نورا وللتقوى محاريبا
стр. 1899
وتنسب له قصيدة فى ذكرى الرسول ﵇ نسلك؟ ؟ ؟ فى نسبتها إليه لأن قصائد هذه الذكرى إنما ذاعت وشاعت فى عصر متأخر. وله قصيدة طويلة فى رثاء الإماء الشافعى أو بعبارة أدق فى بيان مكانته العلمية الخطيرة، وفيها يقول:
لرأى ابن إدريس ابن عمّ محمّد ... ضياء-إذا ما أظلم الخطب-صادع
إذا المعضلات المشكلات تشابهت ... سما منه نور فى دجاهنّ ساطع
أبى الله إلا رفعه وعلوه ... وليس لما يعليه ذو العرش واضع
وهى قصيدة بديعة. وبحقّ يقول المسعودى إنه كان يذهب فى الشعر كل مذهب، فطورا يجزل وطورا يرقّ، وطورا يصبح بدويّا متعمقا فى الفلوات وفى وصف الإبل والخيل. وطورا يصبح حضريّا يصف الرياض والزهور، ومن قوله فى النرجس:
عيون ما يلمّ بها الرّقاد ... ولا يمحو محاسنها السّهاد
لها حدق من الذهب المصفّى ... صياغة من يدين له العباد
وأجفان من الدّرّ استفادت ... ضياء مثله لا يستفاد
ومن تمام هذا الإحساس الحضارى عنده أن نجده يتغزل أحيانا غزلا رقيقا، من مثل قوله واصفا مدى فتنة الناس بمحبوبته، حتى كأنهم جميعا شركاء له فى الحب وضناه:
أعاد من أجلك لا من ضنى ... وسائر العوّاد أشراكى
ولست أشكوك إلى عائد ... أخاف أن أشكو إلى شاكى
فالناس يزورونه من ضناه فى حب صاحبته لا من ضنا مرض ألمّ به، وهو لا يشكو لهم من عذابه فى حبها ولا من وصبه فيه، لأنه يراهم جميعا مثله، يعانون ما يعانيه من لوعات الحب وآلامه. وكان يتورط فى الخمر وإثمها، كما كان يتعلق بالغناء وآلاته، حتى ليقول بعض معاصريه ممن كانوا يزورونه فى شبخوخته إنه كان يستحى مما يرى من الشراب والعيدان المعلقة. ومن قوله يصف الخمر قبل المزج وبعده:
стр. 1900
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبى نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفا فسلّطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق
ويقال إنه عرض له فى أواخر عمره فالج (شلل) وسقى الدرياق فبرئ، ورجع إلى أفضل أحواله وإملائه على تلامذته. ثم مرض به ثانية، وظل سنتين توفّى فى نهايتهما، وتصادف أن كانت وفاته فى نفس اليوم الذى توفى فيه أبو هاشم الجبّائى المتكلم المعتزلى المشهور، ودفنا معا ببغداد فى مقبرة الخيزران.
٥ - شعراء الهجاء
مرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول أن شعر العصبيات القبلية خبت ناره فيه وخبت معه نار النقائض، وحل محله شعر شعوبى أحيانا، ولكن الكثرة الكثيرة كانت هجاء شخصيّا يتعرض للأعراض مزريا بالمهجوّين محقّرا لهم ومهوّنا. ونستطيع أن نطرد هذا الحكم فى العصر العباسى الثانى، مع ملاحظة أن الشعر الشعوبى خبت ناره بدوره. ويبدو أن الفرس هم الذين كانوا يمدون تلك النار بوقود جزل، فلما ضعف شأنهم فى العصر وحل الترك محلهم فى السلطان ولم يعد لهم حول ولا قوة خفّت حدّة شعوبيتهم ولم يعد شعراؤهم يتغنون بها إلا نادرا وحتى هذا النادر لم تحتفظ به المصادر إلا قليلا جدا، لأنه لم يكن لشعراء نابهين إنما كان لشعراء مغمورين قلما عنى بهم أحد مثل محمد بن أبان الذى كان يكثر من الافتخار بالعجم (١)، ولم يبق من افتخاره شئ. وبذلك كان الهجاء الشخصى هو اللون العام فى العصر، وسبق أن لا حظنا فى كتاب العصر العباسى الأول أن شعراءه أكثروا فى هجائهم من القول الفاحش المقذع فى الأمهات والأخوات وظل ذلك فى هذا العصر وظل معه ذكر العورات مما ينبو عن الذوق هو وكل ما يتصل به من بذاءة، لن نقف عندها، إنما نقف عند الهجاء غير البذئ، وكانت نيرانه مضطرمة طوال العصر، فالشعراء
стр. 1901
يسارعون إليه كلما حجبهم وزير أو قصّر فى عطائهم، وكذلك كلما لقيهم قائد أو وال أو كاتب أو شخص نابه أو عالم لقاء غير حميد. وكثيرا ما كانت تجرّهم المنافسة إلى الدخول فى معارك هجاء حامية الوطيس. ومرّ بنا فى غير هذا الموضع، ما قيل عن البحترى من أنه هجا كثيرا من ممدوحيه، وبالغ بعض القدماء فقالوا إنه هجا نحوا من أربعين رئيسا ممن مدحهم، منهم خليفتان هما المنتصر والمستعين، وساق بعدهما الوزراء ورؤساء القواد ومن جرى مجراهم من جلة الكتاب والعمال ووجوه القضاة والكبراء (١). وإذا صح هذا عن البحترى الذى كانت تفتح له الأبواب الموصدة، وكان يمشى-بفضل جوائزه الكثيرة-فى موكب من عبيده فضلا عما كان يملك من الضياع فإن كثيرين غيره تورطوا فى الهجاء للرؤساء بأكثر من تورطه. ومرّ فى حديثنا عن ابن الرومى إكثاره من الهجاء ونفوذه فيه إلى لون من التصوير الهزلى الساخر يكبّر فيه عيوب المهجوين الجسدية والمعنوية. وابن الرومى والبحترى أكبر شعراء العصر، وعلى غرارهما كان الشعراء جميعا يسهمون فى هذا الفن، وكثيرا ما كانوا يخصّون به الوزراء حين يحرمونهم الجائزة، ولن ينفع الوزير عندهم أن يكون ممدّحا، بلى لعل ذلك أدعى إلى أن يسلّط عليه الشاعر سهام هجائه، من مثل قول دندن فى عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل وكاتبه ابن يزداد (٢):
وإن ابن يزداد لأحول حوّل ... ولكنه يقرا (إذا الشمس كوّرت)
فقل لعبيد الله أحييت دولتى ... مكاسير زمنى (عطّلت) فتحيّرت
وأنت إذا ميّزت-أبلد منهم ... فصوتكم: حىّ المنازل أقفرت
ومجيئه بالآية القرآنية وكلمة ﴿(عُطِّلَتْ)﴾ الواردتين فى سورة التكوير يريد أن يشير بذلك إلى خراب الدولة، لأن السورة فى وصف نهاية العالم وما يكون بعد ذلك من البعث والنشور. وكان الشعراء كثيرا ما يتعرضون لأحمد بن إسرائيل وزير المعتز بالهجاء من مثل قول محمد بن مكرم (٣):
стр. 1902
إن زمانا أنت مستوزر ... فيه زمان عسر أنكد
يذمّك الناس جميعا فما ... يلقاك منهم أحد يحمد
ولما انتكست الوزارة فى عصر المقتدر وكثرت الرشوة وعم الفساد فى الحكم وعم معه الظلم كما عمت مصادرة الأموال، توالى على الوزارة اثنا عشر وزيرا، ومنهم من تولى الوزارة مرتين وثلاثا، وكل وزير يصادر الذى قبله ويعمل كل ما فى وسعه لينهب أكثر ما يمكن من أموال الدولة، لما حدث كل هذا الانتكاس لأداة الحكم كثر هجاء الوزراء من مثل قول بعضهم فى هجاء الخاقانى الوزير (١):
للدواوين-مذ وليت-عويل ... ولمال الخراج سقم طويل
يتلقى الخطوب حين ألمّت ... منك رأى غثّ وعقل ضئيل
إن سمنتم من الخيانة والجو ... ر فللإرتفاع جسم نحيل
وكان الخاقانى معروفا بسوء السيرة والتدبير، وأخذ الرشوة ممن يولّيهم الأعمال، ولذلك كثرت فى أيامه الولاية والعزل، وكأن الدولة أصبحت دولة لصوص وقطّاع طرق. ومن هؤلاء اللصوص وقطاع الطرق ابن البريدى الوزير بأخرة من العصر وفيه يقول أبو الفرج الأصبهانى من قصيدة طويلة (٢):
يا سماء اسقطى ويا أرض ميدى ... قد تولّى الوزارة ابن البريدى
هدّ ركن الإسلام وانهتك المل ... ك ومحّت (٣) آثاره فهو مودى
فاستهلّى يا عين بالدمع سحّا ... وقليل أن تذرفى وتجودى
ومرّ بنا آنفا أن المنافسة بين الشعراء كثيرا ما دفعتهم إلى التهاجى، وممن تعرّضوا له بالهجاء كثيرا مروان بن أبى الجنوب شاعر المتوكل، إذ كانوا ينفسون عليه الجوائز الطائلة التى كان يخصّه بها المتوكل، حتى من كانت تصلهم منه جوائز مماثلة، وكأنه تحاسد أهل الحرفة الواحدة، على نحو ما حدث بينه وبين على بن
стр. 1903
الجهم، وكان أكثر توقرا منه فى هجائه، إذ لم يكن يسفّ فيه إلى ذكر الأعراض.
ويتهاجى مع أبى نعامة الدقيقى، ويكويه بمثل قوله فى نعت شعره (١):
رأينا البرد مشتدّا ... فساءلنا عن القصّه
فقالوا منشد ينش ... د شعر ابن أبى حفصه
وكان أبو نعامة كما مرّ بنا شيعيّا وكان خبيث اللسان، فقصر شعره على هجاء القواد ورؤساء الدولة فى أيام المتوكل ورماهم بأشنع القبائح، وهو هجاء كانت بواعثه سياسية. وكانوا ربما يهجون بالتزندق والانحراف عن الدين والإلحاد من مثل قول الجمّاز فى الجاحظ (٢):
يا فتى نفسه إلى ... ملّة الكفر تائقه
لك فى الفضل والتزه ... د والنّسك سابقه
فدع الكفر جانبا ... يا دعىّ الزنادقه
وهو كذب وبهتان على الجاحظ أحد المحامين عن الإسلام فى عصره المدافعين المناضلين، ولكنه الهجاء يصم الناس بوصمات كاذبة افتراء وبهتانا. ومن مثل هذا الافتراء والبهتان قول شاعر فى محمد بن يزيد المبرّد العالم النحوى المشهور (٣):
سألنا عن ثمالة كلّ حىّ ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله
وثمالة هى عشيرة المبرد، والبيتان يحملان تحقيرا شديدا وتهوينا بعيدا للمبرد وأنه خامل الذكر، وكان قد طبّق آفاق البلاد العربية شهرة فى عصره وقصده الطلاب من كل بلد يحملون عنه علمه. وبلغ من شيوع الهجاء حينئذ وانتشاره فى كل الأوساط أن المرأة شاركت فيه، وكان لها قديما مشاركة فى رثاء أهلها وندبهم والتفجع عليهم والنواح، وكذلك كان لها مشاركة فى الغزل والتعبير عن عواطف الحب ومشاعره، حتى إذا كان هذا العصر رأيناها تضيف إلى هذين الموضوعين مشاركة فى الهجاء من
стр. 1904
مثل قول الخنساء جارية هشام المكفوف فى أبى الشبل الشاعر الماجن، تهوّن من رجولته طاعنة له فى الصميم (١):
ما ينقضى عجبى ولا فكرى ... من نعجة تكنى أبا الشّبل
لما اكتنيت لنا أبا الشّبل ... ووصفت ذا النقصان بالفضل
كادت تميد الأرض من جزع ... وترى السماء تذوب كالمهل
وهى تصوره متمردا على حقيقته، فهو من النعاج ويزعم أنه من الآساد، وكأنما الدنيا انقلبت صورها وأوشكت على الزوال، فالأرض تميد جزعا، وكأن يوم القيامة حل موعده، فالسماء تذوب كالمهل أو الزيت المغلى. ولعل من الخير أن نعرض ثلاثة من كبار الهجائين فى العصرهم الصّيمرى والحمدونى وابن بسّام.
الصيمرىّ (٢)
هو أبو العنبس محمد بن إسحق، أصله من الكوفة، وتولى القضاء بالصّيمرة فنسب إليها، وهى نهر بالبصرة عليه قرى وبلد وزروع، قدم سامرّاء فى عصر المتوكل فقرّبه منه واتخذه نديما له، لما كان يمتاز به من الفكاهة والتندير، وكأنما أتيح له مبكرا أن يفرغ للتأليف، إذ روى له ابن النديم فى الفهرست طائفة كبيرة من المصنفات، ونجد بينها ما يتصل بالمنادمة، ككتب الأطعمة وكتاب الجوابات المسكتة. وكان عالما بالنجوم، وله فيها كتابان. ولم يكن يجمع بين الهزل والعلم، فقط، فقد كان يضيف إليهما الشعر، ويقولون إنه كان خبيث اللسان، هاجى أكثر شعراء زمانه، ومع ذلك لم يصلنا من هجائه إلا أشعار قليلة من مثل قوله فى إبراهيم بن المدبر، وكان قد تولى الولايات الكثيرة وترأس بعض الداوين، فى سامرّاء وبغداد:
стр. 1905
أسل الذى عطف الموا ... كب بالأعنّة نحو بابك
وأذلّ موقفى العزي ... ز على وقوفى فى رحابك
وأراك نفسك مالكا ... ما لم يكن لك فى حسابك
ألاّ يطيل تجرّعى ... غصص المنيّة من حجابك
وله خبر طويل مع البحترى هجاه فيه وسخر منه سخرية مرة، إذ حدّث الرواة أنه كان من عادة البحترى إذا أنشد المتوكل شعره أن يتشادق ويتزاور فى مشيه مرة متقدما ومرة متأخرا ويهز رأسه مرة ومنكبيه مرة أخرى ويشير بكمه ويقف عند كل بيت ويقول: أحسنت والله، ثم يقبل على المتوكل ومن فى مجلسه فيقول:
مالكم لا تقولون أحسنت؟ هذا والله ما لا يحسن أحد أن يقول مثله. وكان المتوكل يضجر من ذلك. فأقبل على الصيمرى والبحترى ينشده مدحته فيه:
عن أىّ ثغر تبتسم ... وبأى طرف تحتكم
وقال له: أما تسمع ما يقول؟ فقال له الصيمرى: بلى. فمرنى فيه بما أحببت، فقال: اهجه على هذا الرّوىّ، فحضرته على البديهة قصيدة هجاء طويلة من نفس الوزن والقافية، وفيها يقول:
يا بحترىّ حذار وي ... لك من قضاقضة ضغم (١)
فبأىّ عرض تعتصم ... وبهتكه جفّ القلم
ولقد أسلت بوالدي ... ك من الهجا سيل العرم
يا بن الثقيلة والثّقي ... ل على قلوب ذوى النّعم
ومضى يفحش فى القصيدة ويقذع فيها إقذاعا قبيحا. ولا ريب فى أن نظمه قصيدة طويلة بهذا النمط على البديهة يدل على شاعرية قوية. وظلّ خفيفا على قلوب الخلفاء. يسلكونه فى ندمائهم حتى عصر المعتمد. أو بعبارة أخرى حتى توفى فى عصر هذا الخليفة لسنة ٢٧٥. وله يهجو طبّاخه المسمى صالحا:
стр. 1906
يا طيب أيامى بمعشوق ... ونحن فى بعد من السّوق
إذا طلبت الخبز من فارس ... ينفخ لى صالح بالبوق
وله بجانب أهاجيه مدائح لبعض الوزراء ورؤساء الدواوين، ومما احتفظت له المصادر به قطعة فى مديح الحسن بن مخلد وزير المعتمد حين كان يتولى ديوان الضياع للمتوكل، وهى تطرد على هذا النمط:
زارنى بدر على غصن ... قابلا وصلى يقبّلنى
خلته لما أتى حلما ... وهو روحى ردّ فى بدنى
إن لى عن مثله شغلا ... بمقال الشعر فى الحسن
وأبيه مخلد فبه ... قد لبسنا سابغ المنن
كاتب قلّ النّظير له ... فاضل فى العلم واللّسن
وشعره يسيل غذوبة، وكأنما كان يقول أكثره ارتجالا، فلا تكلف فيه ولا تعمّل، ومع ذلك لا نجد فيه هلهلة فى النسيج، إنما نجد المتانة التى تجعله سائغا فى الآذان والأسماع. وله بعض نظرات وتأملات جيدة من مثل قوله:
كم مريض قد عاش من بعد يأس ... بعد موت الطبيب والعوّاد
قد يصاد القطا فينجو سليما ... ويحلّ القضاء بالصيّاد
وهى فكرة دقيقة، فقد يعيش المريض الميئوس من شفائه المبكىّ عليه من محبيه وأودّائه، ويموت الطبيب الصحيح المعافى. وبالمثل قد يصاد طائر، ويخطف الموت صائده، بينما تردّ له حريته ويعود إلى رفرفته فى الهواء طليقا.
стр. 1907
الحمدونى (١)
اسمه إسماعيل بن إبراهيم الحمدونى، جدّه حمدويه صاحب الزنادقة لعهد الرشيد الذى كان يتعقبهم ويأمر بحبسهم أو محاكمتهم، ونجد أبناءه وأحفاده فى أواخر العصر العباسى الأول وفى هذا العصر يخدمون الخلفاء ويتخذونهم ندماء لهم. وعرف إبراهيم أبو اسماعيل بأنه كان ينادم المعتصم ثم الواثق ثم المتوكل، وكان ابنه أحمد على غراره نديما للمتوكل ثم للمستعين. ولا نشك فى أن إسماعيل كان على شاكلة أخيه وأبيه ينادم الخلفاء. وكل شئ فيه كان يعدّه لهذه المنادمة، إذ كان فكها خفيف الروح، وكان شاعرا، وصاحب قصص وأخبار ونوادر مضحكة، واتجه بشعره إلى الهجاء، ولكن أى هجاء؟ الهجاء الذى يلسع لسع الإبر من مثل قوله فى سعيد بن حميد حين ولى رياسة ديوان الرسائل سنة ٢٤٩ ساخرا منه ومن ملابسه الديوانية الجديدة:
لبس السيف سعيد بعد ما ... عاش ذا طمرين لا نوبة له
إن لله لآيات وذا ... آية لله فينا منزله
فقد جرّده من كل استحقاق للوظيفة وزيّها والسيف الذى كان يتقلده من يشغلها لعصره. فهو خلو من كل كفاءة، حتى ليعد تعيينه فيها معجزة لله لا يعلم سرها سواه. وكان سعيد ممن أتقنوا فن الكتابة لعصره وبلغوا فيه شأوا بعيدا. ومن هجائه اللاذع قوله فى بغيض:
سألتك بالله إلا صدقت ... وعلمى بأنك لا تصدق
أتبغض نفسك من بغضها ... وإلا فأنت إذن أحمق
стр. 1908
فهو خليق بأن يشترك مع مبغضيه فى بغض نفسه، وكأنما أصبح تمثالا للبغض الكريه، لا عند الناس فحسب، بل أهم من ذلك عند نفسه. ويا ويل من كان يسلّط عليه سهام هجائه. فإنه كان ما ينى يرسلها عليه. وحدث أن ممدوحه أحمد بن حرب المهلبى الذى طالما دبّج فيه مدائحه وهب له طيلسانا أخضر لم يرضه، فمضى ينظم فى طيلسانه مقطوعات. وكلما فرغ من مقطوعة نظم مقطوعة جديدة حتى أكملها خمسين مقطوعة طارت على ألسنة الأدباء والناس فى عصره كل مطار منها:
يا بن حرب كسوتنى طيلسانا ... ملّ من صحبة الزمان وصدّا
إن تنفّست فيه ينشقّ شقّا ... أو تنحنحت فيه ينقدّ قدّا
طال ترداده إلى الرّفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهّدى
وألذع الأبيات البيت الأخير، بل كلها لاذعة، فالطيلسان أكل الدهر عليه وشرب، حتى لكأنما ملّ صحبة الدهر، فقد آن له أن يبلى ويستريح، وإن أى حركة فيه لتمزّقه إربا، وكل يوم ينخرق فيه خرق ويذهب به إلى دكان الرّفاء، حتى لو بعث به إليه لعرف الطريق من طول ترداد سيره فيه. وتنوّع هجاؤه لهذا الطيلسان القديم البالى، فهو تارة يضمنه بعض ألفاظ قرآنية من مثل قوله:
طيلسان لابن حرب جاءنى ... خلعة فى يوم نحس مستمرّ
فإذا ما الريح هبّت نحوه ... طيّرته كالجراد المنتشر
وقوله:
فيما كسانيه ابن حرب معتبر ... فانظر إليه فإنه إحدى الكبر
قد كان أبيض ثم ما زلنا به ... نرفوه حتى اسودّ من صدإ الإبر
стр. 1909
وتتوالى ألفاظ القرآن فى الأبيات كما هو واضح فى ألفاظ: ﴿(فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ)﴾ و (ك ﴿الْجَرادَ﴾ ال ﴿مُنْتَشِرٌ)﴾ و ﴿(إِحْدَى الْكُبَرِ)﴾. وكان يعرف كيف يضع اللفظة والآية القرآنية فى مكانها السوىّ. وتارة كان يضمّن هذا الهجاء بعض أبيات شعرية من مثل قوله:
وهبت لنا ابن حرب طيلسانا ... يزيد المرء ذا الضّعة اتّضاعا
ولست أشكّ أن قد كان قدما ... لنوح فى سفينته شراعا
وقد غنّيت إذ أبصرت منه ... جوانبه على تدنى تداعى
«قفى قبل التفرّق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا»
وسخرية مرة أن يزعم أن هذا الطيلسان العتيق كان شراعا لسفينة نوح فى أعتق الأزمنة، وصوّر نفسه ملتاعا إزاء تداعيه على جسده نفس لوعة القطامى التى اشتعلت فى صدره عند فراقه لصاحبته «ضباعة». وقطع كثيرة كان يتغنى فى نهايتها بأبيات على شاكلة بيت القطامى تصور أساه، ودائما يعرف كيف يختارها، مما جعل القدماء يقولون إنه كان يحسن التضمين فى شعره سواء لأبيات الشعر أو للألفاظ والآيات القرآنية. ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أن سعيد بن أحمد بن خوسنداذ أهداه شاة هزيلة فمضى يكثر من نظم مقطوعات كثيرة فى تلك الشاة مصورا هزالها وبؤسها، صانعا نفس ما صنعه بهجاء طيلسان ابن حرب من التضمين لأبيات الشعر المشهورة فى الغزل والحب، من مثل قوله:
مرّت على علف فقامت لم تسر ... عنه وغنّت والمدامع تسجم
«وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى ... متأخّر عنه ولا متقدّم»
والبيت الثانى من قطعة فى الغزل مشهورة لأبى الشيص كان يعجب بها معاصره أبو نواس إعجابا شديدا. وعلى الرغم مما كانت منادمة الخلفاء توفّره له من أموال كان يدعى الحاجة وأنه مقتّر عليه فى الرزق، وله يشكو ضيق عيشه. بينما غيره موسّع له فى الرزق ينعم أسباب الترف والنعم.
стр. 1910
من كان فى الدنيا له شارة ... فنحن من نظّارة الدّنيا
نرمقها من كثب حسرة ... كأننا لفظ بلا معنى
وله قصيدة رواها ابن عبد ربه فى العقد الفريد نظمها معارضة للامية تأبط شرا المشهورة، وفيها يتحدث عن حبه وفتوته وعزمه ومضائه وبأسه وشجاعته من مثل قوله:
هو سيف غمده بردتاه ... ينتضيه الحزم حين يسلّ
لا يشك السمع حين يراه ... أنه بالبيد سمع أزلّ (١)
وألفاظه فى القصيدة وقوافيه تلتقى مع قوافى تأبط شرا وألفاظه، وكأنما قصد إلى ذلك قصدا يريد تضمين قصيدته نفس كلماته. وله فى الغزل قطع تصور حبه ولوعته فيه وظمأه إلى رؤية محبوبته وما قد يصلاه من عذاب الهجر ونيرانه، وله فى وصف طروق طيف الخيال فى المنام قطعة جيدة يقول فى تضاعيفها:
وصل الحلم بيننا بعد هجر ... فاجتمعنا ونحن مفترقان
وكأن الأرواح خافت رقيبا ... فطوت سرّها عن الأبدان
ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور خصب شاعريته، ومن أكبر الدلالة على ذلك القطع الكثيرة التى أنشدها فى هجاء شاة سعيد وطيلسان ابن حرب، وكأنه كان يستمد من نبع لا ينضب رصيده.
стр. 1911
ابن بسام (١)
هو على بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام، من بيت كتابة وأدب، كان جده نصر يتولى دواوين الخاتم والنفقات والأزمّة فى أيام المعتصم وهو من ممدوحى أبى تمام، بينما كان أبوه محمد من ممدوحى البحترى، ويقول المسعودى إنه كان مترفا حسن الزىّ ظاهر المروءة مشغوفا بالبناء، ويروى عن بعض معاصريه ما يصوّر بذخه فى بناء داره وفى ثيابه وطعامه وشرابه. وكان قد تزوج أمامة بنت حمدون النديم.
والحديث عن بنى حمدون فى المصادر مضطرب، ويبدو أنها كانت أخت إسماعيل المترجم له آنفا. ومنها أنجب ابنه عليّا، وقد عنى بتربيته أبوه، حتى أصبح شاعرا، وحتى أصبح التأليف إحدى هواياته. ويروى له ابن النديم ومترجموه كتبا مختلفة عن عمر بن أبى ربيعة والأحوص ومناقضات الشعراء، ويذكرون له ديوان رسائل، مما يدل على أنه كان كاتبا كما كان شاعرا. ونراه يتجه منذ نشأته بشعره نحو الهجاء، وقد يكون لخاله الحمدونى أثر فى ذلك. وكان شيعيا، وربما كان لتشيعه أثر فى ذلك أيضا، فقد كان الشيعة ناقمين على الدولة والناس انصرافهم عنهم. بل كانت نقمتهم على الدولة أشد وأدهى. للزّجّ بهم فى السجون وتقتيلهم.
وكأنما اتخذ الهجاء سلاحا له ضد الخلفاء والمجتمع ويبدو أن أباه كان مواليا للعباسيين. ولعل هذا هو السر فى كثرة أهاجيه له، حتى عدّ فى العققة الذين لا يبرّون آباءهم بل يجحدون فضلهم، وله فى أبيه أهاج كثيرة من مثل قوله فيه وكان يكنى أبا جعفر:
بنى أبو جعفر دارا فشيّدها ... ومثله لخيار الدّور بنّاء
فالجوع داخلها والذلّ خارجها ... وفى جوانبها بؤس وضرّاء
وكانت قصرا عظيما يدور من حوله بستان وتلمع أمامه بركة ويموج بالغزلان والطيور البهيجة الألوان. ويتمادى فى هجائه له حتى ليقول فيه وفى داره أيضا:
стр. 1912
شدت دارا حلتها مكرمة ... سلّط الله عليها الغرقا
وأرانيك صريعا وسطها ... وأرانيها صعبدا زلقا (١)
صورة سيئة من العقوق أن يتلقى من أبيه الحياة، فلا يشعر بأن له عليه دينا إذ منحه الوجود وقام على تربيته، بل لكأنما جنى عليه جناية لا تغتفر، ولا يمكن أن يزيلها عن نفسه ويمسح أوضارها عن جسده إلا اللعنات يصبّها على أبيه.
ومضى يصبها على الخلفاء والوزراء والكتّاب وكبار رجال الدولة غير هيّاب ولا وجل، بل كأنما كان يبحث عمن ينتقم منه ويطير به طيرة بطيئا سقوطها. وكان من أوائل من تعرض لهم بالهجاء الموفق صاحب البلاء العظيم فى حروب الزنج والصفار.
ونراه ينظم فيه وفى ولاته ووزرائه وموظفيه قصيدة يستهلّها بقوله:
أيرجو الموفّق نصر الإله ... وأمر العباد إلى دانيه
ويأخذ فى هجاء ولاته من مثل الطائى أمير البصرة وإسحق بن عمران أمير الكوفة ووزرائه من مثل إسماعيل بن بلبل، وصاعد بن مخلد وكان نصرانيّا وأسلم واستوزره الموفق، ويصيح:
فخلّ الزمان لأوغاده ... إلى لعنة الله والهاويه
ويظلّه عصر المعتضد المعروف بجبروته وأنه كان يلقى الأسد وحده وأنه إذا غضب على قائد أمر أن تحفر له حفيرة ويلقى فيها وتطمّ عليه، ومع ذلك نراه لا يخاف بطشه ولا يخشى بأسه، إذ نراه يتعرض له بالهجاء، وتارة يقذع فيه وتارة يخز وخز الإبر من مثل قوله فى احتفاله بختان ابنه المقتدر:
انصرف الناس من ختان ... يرعون من جوعهم خزامى (٢)
فقلت لا تعجبوا لهدا ... فهكذا تختن اليتامى
وهو يصفه بالبخل الشديد وأن احتفاله بهذا الختان كان بائسا، حتى لكأنما هو ختان بعض اليتامى الذين لا يجدون من يتيح لهم احتفالا عظيما بختانهم.
стр. 1913
ونراه يكثر من هجام إسماعيل بن بلبل، على نحو ما أكثر من هجاء صاعد ابن مخلد، وفيه يقول:
سجدنا للقرود رجاء دنيا ... حوتها دوننا أيدى القرود
فما نالت أناملنا لشى ... عملناه سوى ذل السجود
وكان نصيب عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير الموفق وأخيه الخليفة المعتمد من أهاجيه كبيرا، تارة يصفه بخطل الرأى، وتارة يهدده بسوء المصير. ونراه ينتهز فرصة وفاة ابنه الحسن فيهجو ابنه القاسم، مادحا للحسن حتى يملأ نفس القاسم غيظا وحنقا إذ يقول:
قل لأبى القاسم المرجىّ ... قابلك الدهر بالعجائب
مات لك ابن وكان زينا ... وعاش ذو الشّين والمعايب
حياة هذا كموت هذا ... فلست تخلو من المصائب
ولاكت الألسنة البيت الأخير وسمعه المعتضد فنصح وزيره القاسم أن يوظفه فى عمل وأن يبرّه ويصله حتى يكفّ عن هجائه، فولاّه بريد الصّيمرّة وما والاها، وقيل بل ولاه بريد قنّسرين والعواصم. وبقى فى عمله إلى آخر أيام المعتضد، ويبدو أن العباس بن الحسن وزير المكتفى رأى الاستغناء عنه، ولعله لذلك أكثر من هجائه، ومرّ بنا بعض هذا الهجاء فى حديثنا عن نشاط الشعر، وفيه يقول:
تحمّل أوزار البريّة كلّها ... وزير بظلم العالمين يجاهر
واتخذ من شعره سياطا يلهب بها ظهور ابن الفرات والخاقانى وزيرى المقتدر وله فى الأخير أهاج كثيرة تصور خياناته لأموال الأمة وما كان يدفع إليه الناس من تقديم الرشوة فى كل عمل يحققه لهم، وسبق أن عرضنا بعض هذا الهجاء فى حديثنا عن فساد الحكم حينئذ. وكانت له مناقضات مع الشعراء يقصد بها إلى الدعابة، ومرّ بنا فى حديثنا عن ابن المعتز أنه نظم فيه مقطوعة دالية داعبه فيها واصفا ثقله، ونرى ابن بسام يردّ عليه بقوله على نفس طريقته:
стр. 1914
فقدتك يا قذاة فى شراب ... دخلت من الدناءة كلّ باب
وأثقل-حين تبدو-من رقيب ... وأكذب-حين تنطق-من سراب
وأغدر للصديق من الليالى ... وأنكى للقلوب من العتاب
وكان يناقض جحظة البرمكى كثيرا، وكان على غراره كثير الهجاء، وكان قبيح الخلقة تقتحمه العيون، وصوّر ذلك ابن بسام عابثا به وبقبحه، إذ يشكره على إقباله عليه بدابّته وانصرافه عنه بوجهه الذميم. يقول:
لجحظة المحسن عندى يد ... أشكرها منه إلى المحشر
لما أرانى وجه برذونه ... وصاننى عن وجهه المنكر
وعلى هذا النحو لم يسلم من هجاء ابن بسام خليفة ولا وزير ولا أمير ولا صغير ولا كبير، بل لم يسلم منه أبوه وأهل بيته. وله وراء هذا الهجاء مديح لبعض الوزراء مثل ابن مقلة ونعت لبعض الأزهار مثل النرجس. وله فى الزهد وفناء الحياة أبيات طريفة تجرى على هذا النمط:
أقصرت عن طلب البطالة والصّبا ... لما علانى للمشيب قناع
لله أيام الشباب ولهوه ... لو أن أيام الشباب تياع
فدع الصّبا يا قلب واسل عن الهوى ... ما فيك بعد مشيبك استمتاع
وانظر إلى الدنيا بعين مودّع ... فلقد دنا سفر وحان وداع
والحادثات موكّلات بالفتى ... والناس بعد الحادتات سماع
والأبيات تصوّره قد وخطه الشيب وأخذ يفكر فى غده ويستعدّ لمصيره، بعد تلك الرحلة الطويلة التى كان يجاهد فيها مجتمعه بأهاجيه حتى وفاته سنة ٣٠٣ للهجرة. ومن المؤكد أن أهاجيه تصور العصر فى صورة أدق من تلك التى يصورها المديح. وأن الحياة فيه لم تكن صافية ولا رائقة، بل كانت كدرة قائمة، اختلّت فيها الموازين والقيم اختلالا شديدا.
стр. 1915
الفصل السّابع:
طوائف من الشعراء
١ - شعراء الغزل وشاعراته
ظل تيّار الغزل حادّا فى العصر، وظل الشعراء ومن كان ينطق به من الجوارى ينظمونه. مضيفين فيه كثيرا من الخواطر والمعانى، ويخيّل إلى الإنسان كأن كل من شد؟ ؟ ؟ بالشعر نظم فيه، مصوّرا ألوانا من هذا الحب الذى كان يستأثر بالنفوس ويملك عليها من أمرها كلّ شئ. وكانوا ينظمونه فى نفس الاتجاهين اللذين عرضنا لهما فى العصر العباسى الأول، ونقصد اتجاه الغزل الصريح واتجاه الغزل العفيف، وكان الاتجاه الأول هو الغالب على الشعراء، بسبب كثرة الإماء ودور النخاسين التى كانت تزخر بالجوارى من كل جنس: روميات وفارسيات وغير فارسيات وروميات. ويصور الجاحظ فى رسالته الخاصة بالقيان مدى ما كنّ يشبعن فى جوّ بغداد من التحلل الخلقى، فكان طبيعيّا أن تنفق سوق الغزل المادى، وخاصة أن القيان والجوارى كن يكثرن من التغنىّ به على إيقاعات الطبول والآلات الموسيقية، فسعرن قلوب الشعراء شبانا وكهولا، ولم يعودوا يستطيعون أن يردّوا أنفسهم إلى شئ من القصد، فقد أخذ الحب الصريح يثور فى نفوسهم وأخذوا يعبرون عنه تعبيرا صريحا حرّا، بل حارّا له حرارة الحمّى.
وظل اتجاه الغزل العفيف النقى الطاهر حيّا بجانب هذا الاتجاه، وكانت تمده أسراب كثيرة من غزل العذريين فى العصر الأموى ومن غزل من ساروا فى دروبهم من شعراء العصر العباسى الأول أمثال العباس بن الأحنف، غزل له حمّاه ولكن بثوره لا تظهر على الجسد، غزل قوى حار، لا يعرف المتاع المادى ولا اقتطاف زهرات الحب وثماره، إنما يعرف ناره المحرقة كما يعرف الحرمان والشقاء به، مهما أمّل صاحبه ومهما استعطف ومهما تضرّع، فليس
стр. 1916
هناك إلا العذاب وإلا تجرّع الغصص واحتمال الأهوال والآلام، ولا مشفق ولا رسيم.
وعلى هذا النحو ظل الغزل الصريح بجوار الغزل العفيف، يحيى معه هذه الحياة التى تضيف إليه خصبا فوق خصب، إذ كان الغزلون الماديون يستمدون دائما من مخازن الغزل العفيف كثيرا من المعانى التى تصور لوعات الحب وعذابه.
ولن نستطيع أن نعرض طرائف النوعين. فقد مرت من ذلك لمحة، إنما يكفى أن نذكر شيوعهما على ألسنة الناس جميعا من خلفاء ووزراء وولاة وكتّاب ورجال ونساء، مكتفين ببعض النماذج والأمثلة. وأكبر شاعر بين الخلفاء-وإن لم تبق خلافته سوى يوم وليلة-هو ابن المعتز. ومرّ بنا حديث مفصّل عنه. وكان عمه المنتصر شاعرا، وله قطع مختلفة فى الحب، كان يطرحها على المغنين ويوقعونها على آلات الطرب، وفى مقدمتهم مغنيه بنان، ومما غنّاه به قوله (١):
رأيتك فى المنام أقلّ بخلا ... وأطوع منك فى غير المنام
ولو أن النعاس يباع بيعا ... لأغليت النعاس على الأنام
وكان أشعر منه الخليفة الراضى، وكان له ديوان شعر سقط من يد الزمن.
وروى له الصولى فى كتابه: «أخبار الراضى بالله والمتقى بالله» طائفة كبيرة من أشعاره. وله قطعة تداولتها الكتب فى ترجمته وهى فى وصف جارية مغنية كان يفتن بها، وتجرى على هذا النمط (٢):
قد أفصحت بالوتر الأعجم ... وأفهمت من كان لم يفهم
جارية تحبّ من لطفها ... مخاطبا ينطق لا من فم
جسّت من العود مجارى الهوى ... جسّ الأطباء مجارى الدّم
وكثير من الوزراء كانوا شعراء، ومعروف أنهم كانوا يختارون من صفوة كتّاب الدواوين. وكان كثير منهم يسيل الشعر على لسانه، فيعبّر به عن عواطفه
стр. 1917
ومشاعره وأهوائه، وطبيعى أن يوقد الحب فى نفوسهم الجذوة التى طالما أوقدها فى نفوس المحبين، فإذا هم ينظمون قطعا من الأبيات يسجلون بها بعض خواطرهم، من مثل قول الفتح بن خاقان وزير المتوكل (١):
أيها العاشق المعذّب صبرا ... فخطايا أخى الهوى مغفوره
زفرة فى الهوى أحطّ لذنب ... من غزاة وحجّة مبروره
وكان سليمان بن وهب وزير المهتدى يحسن الشعر ونظمه، وله فى الأغانى ترجمة طويلة ومثله القاسم حفيده وزير المعتضد كان يصوغ بعض خواطره شعرا، وروى له المرزبانى مقطوعات متعددة فى الحب من مثل قوله (٢):
كئيب حزين واكف الدّمع هامله ... تخوّنه من آجل البين عاجله
جريح صدود قد أضرّ به الهوى ... ورقّ له عوّاده وعواذله
واشتهر بعض كبار رجال الدولة من الولاة ورؤساء الدواوين ممن كانوا يحسنون الشعر بحب عنيف كان يحتلّ أفئدتهم ويستأثر بكل ما فيهم من عواطف ومشاعر، وفى مقدمتهم إبراهيم بن المدبر وسعيد بن حميد وعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وقد تولى إبراهيم-كما مرّ بنا-ولايات مختلفة منها ولاية البصرة ورأس بعض الدواوين التى كان يعمل بها منذ زمن المتوكل وكان يهوى عريب ولهما أخبار كثيرة ساقها أبو الفرج الأصبهانى فى ترجمته لكل منهما (٣). كما ساق كثيرا مما كان بينهما من المعاتبات والمحاورات، ومن قوله فيها (٤):
زعموا أنى أحب عريبا ... صدقوا والله حبّا عجيبا
حلّ من قلبى هواها محلاّ ... لم تدع فيه لخلق نصيبا
هى شمس والنساء نجوم ... فإذا لاحت أفلن غيوبا
وهو فى هذه الأبيات يصرّح بأنه لا يشرك معها جارية فى حبه وهيامه، ولكن
стр. 1918
يبدو أنه كان يشرك معها من حين إلى حين أخريات، كن يأسرنه بجمالهن وفتنتهن وما يزرعن فى القلوب من الهوى مثل جارية تسمى نبتا، كانت من الجوارى القيان، وفيها يقول (١):
نبت إذا سكتت كان السكوت لها ... زينا وإن نطقت فالدرّ ينتثر
وإنما أقصدت قلبى بمقلتها ... ما كان سهم ولا قوس ولا وتر
وكان سعيد بن حميد يعمل فى الدواوين، وأسندت إليه رياسة ديوان الإنشاء فى عهد المستعين، واشتهر بتبادله الحب مع فضل الشاعرة، وسنعرض فى ترجمتها لما كان بينهما من محاورات شعرية طريفة، وله فيها غزل كثير بديع من مثل قوله يشكو السهاد وطول الليل (٢):
يا ليل بل يا أبد ... أنائم عنك غد
يا ليل لو تلقى الذى ... ألقى بها أو تجد
قصّر من طولك أو ... ضعّف منك الجلد
أشكو إلى ظالمة ... تشكو الذى لا تجد
وقف عليها ناظرى ... وقف عليه السّهد
وعرف عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد بأن قينة تسمى شاجى شغفت قلبه حبّا، فنظم فيها شعرا كثيرا، وتزوجها وظل يهيم بها ويشملها بحبه وعطيه؟ ؟ ؟ وحنانه ويكلف بها كلفا شديدا، كما كان يكلف بها قبل زواجه وفى شبابه، وإلى ذلك يشير بقوله (٣):
زرعت وشاجى بيننا فى شبيبتى ... غراس الهوى فاعتمّ بالثمر العذب
وماتت قبله، فظل يبكيها بكاء مرّا، جازعا عليها جازعا لم ير مثله، وظل يزور قبرها وهو ينوح عليها ويتفجع بمثل قوله (٤):
стр. 1919
يمينا بأنى لو بليت بفقدها ... وبى نبض عرق للحياة وللنكس
لأوشكت قتل النفس عند فراقها ... ولكنها ماتت وقد ذهبت نفسى
وكثير من الجوارى فى العصر كن ينظمن الشعر ويحسنّ نظمه، وكنّ- كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-يكتبن أبياتا منه على طررهن وعصائبهن وجوانب ثيابهن. فيوقدن الحب فى قلوب الرجال ويشعلنه إشعالا. ونرى ابن المعتز يفرد لمجموعة منهن صحفا فى كتابه طبقات الشعراء المحدثين. ويذكر بينهن عريب وفضلا الشاعرة، والخنساء جارية هشام المكفوف. ومن الجوارى اللائى كن يحسنّ الشعر إحسانا بعيدا محبوبة جارية المتوكل، وكانت قد أدّبت وثقفت، وتمرنت على قول الشعر حتى أحسنته. وكانت تلحّنه وتغنى به على العود.
وكانت تحلّ من قلب المتوكل محلا رفيعا، ويروى أنه غاضبها ذات يوم، ولم يلبث قلبه أن نازعه إليها. فاقترب من حجرتها، فإذا هى تضرب على عود وتغنىّ على ضربها مصوّرة لوعتها من خصامه ومغاضبته وأنها لا تطيق الصبر عن لقائه (١):
أدور فى القصر لا أرى أحدا ... أشكو إليه ولا يكلمنى
حتى كأنى أتيت معصية ... ليس لها توبة تخلّصنى
فمن شفيع لنا إلى ملك ... قد زارنى فى الكرى وصالحنى
حتى إذا ما الصباح عاد لنا ... عاد إلى هجره وقاطعنى
فصفّق المتوكل طربا. ودخل إليها. وتصالحا. ويروى أنه رأى ذات يوم جارية من جواريه كتبت على خدها بالمسك اسمه: «جعفرا» فأعجبه ذلك وتمنى لو صوّر ذلك شاعر من شعرانه: البحترى أو على بن الجهم أو مروان بن أبى الجنوب. وبادرت محبوبة ممسكة بعودها، وتغنّت (٢):
وكاتبة فى الخدّ بالمسك جعفرا ... بنفسى محطّ المسك من حيث أثّرا
стр. 1920
لئن أودعت خطّا من المسك خدّها ... لقد أودعت قلبى من الوجد أسطرا
فيا من لمملوك يظلّ مليكه ... مطيعا له فيما أسرّ وأظهرا
وهى من أبيات قالتها على البديهة مما يدل على شاعرية جيدة. وكانت محبوبة وأضرابها يتطارحن مع الشعراء خواطرهن الرقيقة، وليس من ريب فى أنهن عملن على أن يعبر الشعراء فى الحب عن حس دقيق وذوق مرهف. ونعرض بالتفصيل ثلاثة: شاعرين وشاعرة اشتهروا بكثرة ما نظموا من الغزل فى العصر، وهم خالد ابن يزيد الكاتب، ومحمد بن داود، وفضل.
خالد (١) بن يزيد الكاتب
كان أحد كتّاب الجيش، وأصله من خراسان، وليس بين أيدينا عنه أخبار كثيرة، وأول ما يلقانا من أخباره أنه كان على ديوان النفقات فى الجيش الذى خرج بقيادة على بن هشام أحد قواد المأمون للقضاء على فتنة بمدينة «قم» الفارسية وفى الطريق بلغ عليّا أنه شاعر فأحضره وأنس به واتخذه فى ندمائه. ولما وزر الفضل بن خالد للمعتصم قرّبه منه، حتى إذا أخذ المعتصم فى بناء سامرّا بادر خالد ينظم مقطوعة يشيد فيها بالخليفة وبناء تلك المدينة العظيمة، ونقلها الفضل إلى المعتصم فسرّ بها، وأمر لخالد بخمسة آلاف درهم، وينظم فيه وفى المدينة أشعارا أخرى ويغنىّ المغنون المعتصم بها، وينثر على خالد جوائزه. وظل قريبا منه ومن وزيره محمد بن عبد الملك الزيات. ولا نقرأ له أشعارا فى مديح الخلفاء فى العصر مع أنه عاصر منهم المتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدى والمعتمد، إذ يقال إنه توفى سنة ٢٦٢ وقيل بل سنة ٢٦٩. ويقول مترجموه إنه قصر نفسه على الغزل فكان لا ينظم إلا فيه، ولا يعنى بمديح ولا هجاء، ومع ذلك نجد له بعض الهجاء القليل فى بعض منافسيه من الشعراء، غير أنه لم يبرز فيه فانصرف عنه، وقصر نفسه على الغزل، ويقال إنه وسوس واختلط عقله
стр. 1921
فى أواخر حياته. ويجمع من ترجموا له على أنه لم يكن يتجاوز فى الغزل أربعة أبيات، وكأنه كان يرى الزيادة عنها فضلا، ويقول ابن المعتز: شعره حسن جدّا، وليس لأحد من رقيق الغزل ماله، وينشد من غزله قوله:
وضع الدموع مواضع الحزن ... حىّ السهاد وميّت الجفن
عبراته نطق بما ضمنت ... أحشاؤه ولسانه يكنى
فى كل جارحة له مقل ... تبكى على قلب له رهن
لم يدر إلا حين أسلمه ... قدر للحظة واحد الحسن
والأبيات فيها دقة فى التفكير وفيها خيال بعيد، وتعبيره بميت الجفن تعبير غريب، ومثله فى الحسن تعبيره عن الجوارح بأن لها مقلا تبكى على قلبه الذى رهنته منه صاحبته، وأيضا تعبيره عن صاحبته بأنها واحدة الحسن، وكأنه كان يحاول أن يأتى بأفكار مبتكرة، من مثل قوله:
كيف خانت عين الرقيب الرقيبا ... أخطأتنى لما رأيت الحبيبا
رحمتنى فساعدتنى فقبّل ... ت بعينى مع الحبيب الرقيبا
فهو لا يشكو من الرقيب على عادة الشعراء، فالرقيب قد رحمه وساعده، وقلب الشكوى المنتظرة شكرا، وإذا كان الشعراء ألموا بالليل ووصف استطالته شاكين من ذلك متبرمين فإنه يعترف بأن ليل المحبين دائما طويل لسهادهم المستمر، يقول:
رقدت ولم ترث للسّاهر ... وليل المحب بلا آخر
ولم تدر بعد ذهاب الرقا ... د ما صنع الدمع بالناظر
وهو ليس سهادا فحسب، بل هو سهاد ودموع وإحساس عميق بظلام لا ينتهى، وصاحبته بجانبه ولا تدرى ما يعانى من عذاب الحب المبرّح، وهو يتجرع غصص حبه محتملا مقاوما، والصباح كأنما ضل طريقه، فعم الكون ليل لا آخر له، ومن قوله:
стр. 1922
قد استعار الحسن من وجهه ... والغصن الناعم من قذّه
وقد تعاتبنا بأبصارنا ... فيما جناه الخلف من وعده
حتى تجارحنا بتكرارنا ... للّحظ فى قلبى وفى خدّه
فأدرك الثأر وأدركته ... وسرّنى بالصّدّ عن صدّه
فمنها يستعير الحسن جماله والغصن قدّه وقوامه، وهما يتعاتبان عتابا رقيقا، ويكرران النظر، وكأنما يؤلم طرفه خدّ صاحبته ويترك فيه أثرا من طول تكراره أما طرفها فيؤلم قلبه بما يرسله من سهامه التى تجرحه فى الصميم. وكأنما كل منهما ظفر من صاحبه بثأره. ولكن شتان ما بين الثأرين: ثأر يجرح الخدود وثأر يجرح القلوب. ويختم الأبيات بفكرة طريفة إذ يقول إنها صدّت عن الصد وانصرفت عن الهجر. وكان يلمّ أحيانا ببعض الأديرة أو يفضى إلى تعاطى بعض كئوس الخمر، أو لعله كان يذكر ذلك على سبيل الدعابة، وكان يمزج هذا الحديث بغزله على عادته، فالغزل دائما مبتغاه من شعره على نحو ما نرى فى قوله:
رأت منه عينى منظرين كما رأت ... من البدر والشمس المضيئة بالأرض
عشيّة حيّانى بورد كأنّه ... خدود أضيفت بعضهن إلى بعض
وناولنى كأسا كأنّ رضابها ... دموعى لما صدّ عن مقلتى غمضى
وولّى وفعل السّكر فى حركاته ... من الراح فعل الرّيح بالغصن الغضّ
وتشبيه الورود المجتمعة بخدود المحبين، وقد تلاصقت وسرى فيهم الخجل، نوّه به القدماء طويلا. وهذه الكأس التى ناولها صاحبته كأس المحبين التى طالما شربوا منها لا الخمر وإنما الدموع، دموعهم التى لا تجف والتى ماتنى تسقط فتمتلئ منها كئوسهم التى لا يعرف الناس أتمتلئ شرابا أم نارا. وله:
إذا كنت فى كلّى بكلّك مفرغا ... فأىّ مكان من مكانك ألطف
فمنّى إذا ما غبت فى كل مفصل ... من الشوق داع كلما غبت يهتف
فهما روحان فى جسد، وهو يحس فراغا لا حدّ له إذا غابت عنه، وكأن كل
стр. 1923
جزء فيه يفقد تمامه، فهو ماينى يهتف بها حتى يستكمل وجوده، فقد غاب نصفه وهو يتيعه، ويتبعه قلبه من ورائه؛ قلبه الممزق مثل مفاصله، ومثل كبده الجريح، يقول:
كبد شفّها غليل التّصابى ... بين عتب وسخطة وعذاب
كلّ يوم تدمى بجرح من الشو ... ق ونوع مجدّد من عذاب
يا سقيم الجفون أسقمت جسمى ... فاشفنى كيف شئت، لا بك ما بى
فهو يصلى نيران العتاب والسخط، وكل يوم يتجدد جرحه ويتجدد عذابه، وقد أعداه مريض الجفون ولكن لا فى جفونه وإنما فى جسمه بما أصابه به من نحول وذبول وهزال وضنا. ومن أرق الدعاء قوله فى آخر الأبيات: «لا بك ما بى». وتدور له فى كتب الأدب أبيات مفردة تروع بخفتها وطرافة فكرتها من مثل قوله:
كيف ترجى لذاذة الإغتماض ... لمريض من العيون المراض
وقوله:
ليت ما أصبح من رقّ ... ة خدّيك بقلبك
وقوله:
وبكى العاذل من رحمتى ... فبكائى لبكا العاذل
ولعل فى كل ما أسلفنا ما يدل أوضح الدلالة على صدق كلمة ابن المعتز عنه من أنه يبلغ الغاية فى رقة الغزل. وجعله ذلك مألفا لكثير من معاصريه أمثال على بن المعتصم. وكان كثيرون يدعونه إلى مجالسهم ليسمعوا منه غزله ويطرحوه على المغنين والمغنيات، ليكتمل الأنس والطرب، ونحس دائما أنه ظامئ إلى لقاء محبوبته، ويقال إنه فعلا أحب جارية فى مطالع حياته، ولم يستطع لقاءها وقد ظل ظامئا إلى هذا اللقاء حتى مماته.
стр. 1924
محمد (١) بن داود الظاهرى
أبوه داود بن على بن خلف الأصفهانى مؤسس المذهب الظاهرى فى الفقه، أصله من الكوفة ودرس ببغداد، واعتنق مذهب الإمام الشافعى. ومضى يجتهد حتى استطاع أن يؤسس له فى الفقه مذهبا مستقلا عن المذاهب الأربعة: المذهب الحنفى والمالكى والشافعى والحنبلى. وقد أقامه على رفض القياس والرأى والتقليد للأئمة المذكورين واشتقّ الأحكام الفقهية من ظاهر الكتاب والسنة. ولذلك سمى مذهبه باسم المذهب الظاهرى. وعنى بتربية ابنه محمد. وبدأ من ذلك بتحفيظه القرآن، ويقال إنه حفظه وله سبع سنوات. ثم دفعه إلى التأدب على ثعلب الإمام اللغوى والنحوى المشهور، وهو يروى فى كتاب الزهرة كثيرا من الأشعار عنه.
ولزم حلقة أبيه وتمثّل مذهبه ولما توفى سنة ٢٧٠ كان لا يجاوز السادسة عشرة من سنه، فخلفه على رياسة المذهب، ومضى يحاور ويجادل فيه العلماء وخاصة ابن سريج إمام المذهب الشافعى فى عصره. وكانت حلقة تدريسه تغصّ بالطلاب، وله مصنفات مختلفة فى المذهب الظاهرى. ومن أهم مصنفاته كتاب الزهرة الذى عنى نيكل وإبراهيم طوقان بنشر جزئه الأول. والكتاب كله مائة باب جعلها فى جزءين خصّ الأول منهما بالحب العذرى العفيف. وهو يتضمن خمسين بابا فى كل باب مائة بيت من الشعر، وبالمثل أبواب الجزء الثانى الخمسون. فكل منها يشتمل على مائة بيت. وأهمها ما دار فى تعظيم أمر الله والتنبيه على نعمه وقدرته والتحذير من سطوته. ويهمنا فى حديثنا عن الغزل الجزء الأول، وهو فى الأبواب الأولى منه يتحدث عن أسباب الهوى، ثم يتلوها بأحواله من الفراق والشوق ويخص الأبواب الأخيرة بالحديث عن الوفاء، وعادة يضع للباب عنوانا مسجوعا مثل «من كثرت لحظاته دامت حسراته» و «ليس بلبيب من لم يصف ما به لطبيب» و «التذلل للحبيب من شيم الأديب». وهى عناوين غير مضبوطة.
стр. 1925
وبالمثل ما يليها من الأشعار، ولاحظ هو نفسه ذلك فقال إنه اضطرّ لأن يضيف إلى البيت المتصل بموضوع الأبيات أبياتا أخرى حتى لا يكون مبتورا. والأبيات أو قل الشواهد فى الأبواب تمتد على طول الزمن من العصر الجاهلى حتى عصره.
وقد بدأ بتأليف الكتاب فى حياة أبيه وهو لا يزال حدثا، وفى ذلك يقول: «بدأت بعمل كتاب الزهرة وأنا فى الكتّاب ونظر فى أكثره». وكان فطنا ذكيّا نافذ البصيرة كما كان شاعرا. ويروى أن شخصا سأله فى حلقته عن حد السكر متى هو؟ ومتى يكون الإنسان سكران؟ فأجابه: إذا عزبت عنه الهموم، وباح بسره المكتوم. وفى هذه الإجابة ما يدل على أنه كان ظريفا. ويروى أيضا أن رجلا جاء إلى حلقته فدفع إليه ورقة، فأخذها وتأملها طويلا، وظن تلامذته أنها مسألة فقهية، وقلبها وكتب فى ظهرها الإجابة، فراجعوها. وخاصة حين عرفوا أن الرجل هو ابن الرومى الشاعر المشهور، وإذا فى الرقعة مكتوب:
يا بن داود يا فقيه العراق ... أفتنا فى قواتل الأحداق
هل عليهن فى الجروح قصاص ... أم مباح لها دم العشاق
وإذا الجواب:
كيف يفتيكم قتيل صريع ... بسهام الفراق والإشتياق
وقتيل التلاق أحسن حالا ... عند داود من قتيل الفراق
ويقال إنه كان يهوى فتى من أصبهان يقال له محمد بن جامع الصيدلانى العطار وكان طاهرا فى هواه. فهو إن صح كان هوى نقيّا، أو قل إنه كان تعلقا أوشك أن يكون هوى أو ظنه الناس هوى. وكان ترجمانا للهوى العذرى فى عصره كما كان مؤلفا فيه، إذ صنّف فى أشعاره الجزء الأول من كتابه الزهرة كما أسلفنا. وله فيه أشعار كثيرة يعزوها أو ينسبها إلى أهل عصره كما لاحظ ذلك المسعودى. من مثل قوله:
عن كبدى من خيفة البين لوعة ... يكاد لها قلبى أسى يتصّدع
يخاف وقوع البين والشمل جامع ... فيبكى بعين دمعها متسرّع
стр. 1926
فلو كان مسرورا بما هو واقع ... كما هو محزون بما يتوقّع
لكان سواء برءه وسقامه ... ولكنّ وشك البين أدهى وأوجع
وهو يشكو من لوعات الحب التى تكاد تمزّق قلبه حسرات. وهو يخاف البين قبل وقوعه، فيبكى بدموع غزار، فما باله والبين يوشك أن يقع؟ إنه يمعن فى البكاء ويمعن فى الالتياع ويمعن فى الألم والعذاب، ومن قوله:
تمتّع من حبيبك بالوداع ... إلى وقت السرور بالاجتماع
فكم جرّبت من وصل وهجر ... ومن حال ارتفاع واتّضاع
وكم كأس أمرّ من المنايا ... شربت فلم يضق عنها ذراعى
ولم أر فى الذى لاقيت شيئا ... أمرّ من الفراق بلا وداع
تعالى الله كلّ مواصلات ... وإن طالت تؤول إلى انقطاع
وهو يدعو إلى ألا يشكو المحب من الفراق ولحظة الوداع التى طالما عصرت قلوب المحبين، ويقول إنها ليست آخر لحظة يلقى فيها الحبيب، فستأتى بعدها لحظات لقاء، وهكذا الحب أحوال من وصل وفراق ولقاء وهجر. ويقول كم شرب من الحب كئوسا مرة أمر من الموت، فتحمّلها صابرا. وليس أمر من الفراق بلا وداع ولا سلام ولا حتى تحية من بعيد، فإن هذا عذاب لا يطاق، عذاب كأنه الجحيم.
ويثوب الفقيه إلى رشده فالله قد كتب على كل شئ الزوال والفناء. ومن تتمة ذلك عند الفقيه أن يرضى بالقدر المقدور وما كتبه القضاء المحتوم، كأن يقول فى بعض غزله:
أفوّض أسبابى إلى الله كلّها ... وأقنع بالمقدور فيها وأرتضى
فهو دائما يسلّم-فى عذابه بالحب وآلامه فيه وما يصلى من هجر وبعد وفراق-بما أرادته له المقادير. وتشيع فى شعره كلمات فقهية كثيرة مثل كلمات الحلال والحرام والتوبة، ويعلن غير مرة أن حبه عفيف نقى طاهر لا تشوبه أدنى شائبة، يقول:
стр. 1927
لا تلزمنّى فى رعى الهوى سرفا ... وما أوفّيه إلا دون ما يجب
فى عفّة أن يلم بها ... سوء الظنون وأن تغتالها الرّيب
ويكثر فى غزله من ذكر المنازل والديار والفيافى والقيعان والرّكبان والمطايا، وهو يتساءل والمنازل لا تجيب، فقد رحل الأحبة وخلفوا له وجدا ما مثله وجد، وعبثا يخفيه فكل ما حوله يبصره، يقول:
يخفى هواه وما يخفى على أحد ... حتى على العيس والرّكبان والحادى
ويذيع شعره فى بغداد ويغنىّ فيه المغنون والمغنيات، وهو لا يدرى من أمره شيئا فقد كان منكبّا دائما على حلقات الدرس وعلى التصنيف والتأليف. ويساير ذات يوم القاضى محمد بن يوسف فيسمع جارية تغنىّ بقوله:
أشكو غليل فؤاد أنت متلفه ... شكوى عليل إلى إلف يعلّله
سقمى تزيد على الأيام كثرته ... وأنت فى عظم ما ألقى تقلّله
الله حرّم قتلى فى الهوى سلفا ... وأنت يا قاتلى ظلما تحلّله
ويلتفت إلى صاحبه قائلا: كيف السبيل إلى ارتجاع مثل هذا الشعر الذى تلوكه أفواه المغنين والمغنيات، فيوئسه من ردّه قائلا؛ هيهات سارت به الركبان.
ومن طريف ما يروى له:
فلا تطف نار الشوق بالشوق طالبا ... سلوّا فإن الجمر يسعر بالجمر
ولم تمتد حياته طويلا. فقد توفى سنة ٢٩٧ وهو فى الثانية والأربعين من عمره، ويقال إنه لما مات جلس ابن سريج مناظره المذكور آنفا فى مجلسه وبكى وجلس على التراب. وقال: ما آسى إلا على لسان أكله التراب من ابن داود. وحزن عليه تلاميذه حزنا شديدا. ويقال إن نفطويه جزع عليه جزعا عظيما. ولم يجلس فى حلقته للناس يحاضرهم سنة كاملة.
стр. 1928
فضل (١)
كانت أمها من مولّدات اليمامة، وكانت هى من مولّدات البصرة، نشأت فى دار رجل من قبيلة عبد القيس أدّبها وثقفها ثم باعها، ووقعت لرجل من النخّاسين فى الكرخ ببغداد يقال له حسنويه، فاشتراها منه محمد بن الفرج الرّخّجى، وأهداها إلى المتوكل سنة ٢٣٣ للهجرة. ولم يكن بين الجوارى فى زمانها أفصح منها ولا أشعر، ويقول فيها بعض النخاسين: كانت فى نهاية الجمال والكمال. ولما دخلت على المتوكل سألها أشاعرة أنت؟ فقالت: كذلك زعم من باعنى واشترانى، فضحك، وقال لها: أنشدينا شيئا من شعرك، فأنشدته تمدحه:
استقبل الملك إمام الهدى ... عام ثلاث وثلاثينا
إنا لنرجو يا إمام الهدى ... أن تملك الناس ثمانينا
لا قدّس الله امرءا لم يقل ... عند دعائى لك آمينا
فاستحسن الأبيات، وأمر لها بجائزة وأمر عريب أن تغنيه بها، فغنت وطرب طربا شديدا. وكانت حاضرة البديهة فكان الشعراء من حاشية المتوكل ومن غيرها يتعرضون لها ببعض أبيات يلقونها عليها، فتجيزها فى سرعة شديدة، وكان المتوكل نفسه يلقى عليها أحيانا بعض الأبيات فتسرع فى إجازتها ببديهتها الحاضرة، من ذلك قول بعض الشعراء:
تعلمت أسباب الرّضا خوف عتبها ... وعلّمها حبّى لها كيف تغضب
ولم يكد يلفظ بالبيت حتى قالت:
تصدّ وأدنو بالمودّة جاهدا ... وتبعد عنى بالوصال وأقرب
стр. 1929
وكما كان لها مديح كان لها هجاء خصّت به معاصرتها الخنساء، ولكن جمهور أشعارها كان فى الغزل، وهو غزل رقيق رقة شديدة من مثل قولها:
علم الجمال تركتنى ... فى الحب أشهر من علم
ونصبتنى يا منيتى ... غرض المظنة والتّهم
فارقتنى بعد الدن ... وّ فضرت عندى كالحلم
ما كان ضرّك لو وصل ... ت فخفّ عن قلبى الألم
وهى تقول لصاحبها إنك وصلتنى وشهرتنى بحبك ثم هجرتنى وأنزلتنى هذه المنزلة المخزية من القطيعة، حتى صرت وصارت أيام وصلك كأنها حلم وخيال، وهى تود لو ظفرت بحبه ثانية وظفرت بوصله، فخرجت من آلامها المبرّحة. وأكثر غزلها فى معشوقها سعيد بن حميد رئيس ديوان الرسائل لعصر المستعين، وله فيها بدوره غزل كثير، وبينهما محاورات ومكاتبات شعرية طريفة، من ذلك أنه عتب عليها يوما أنها لا تقبل عليه فى مجلسها ولا تذكره باسمه فى غزلها، فكتبت إليه:
وعيشك لو صرّحت باسمك فى الهوى ... لأقصرت عن أشياء فى الهزل والجدّ
ولكننى أبدى لهذا مودتى ... وذاك وأخلو فيك بالبثّ والوجد
فكتب إليها سعيد:
تنامين عن ليلى وأسهره وحدى ... وأنهى جفونى أن تبثّك ما عندى
فإن كنت لا تدرين ما قد فعلته ... بنا فانظرى ماذا على قاتل العمد
وكان لا يقلّ عنها كلفا ولا غراما، وكانا كثيرا ما يتغاضبان ويتعاتبان ويعودان إلى الرضا بعد أن يصف كل منهما هيامه بصاحبه ودموعه المتحدرة، وكانت لاتنى الرقاع والرسائل بينهما ذاهبة راجعة، ومما كتبته له فى إحدى الرقاع:
الصّبر ينقص والسّقام يزيد ... والدار دانية وأنت بعيد
أشكوك أم أشكو إليك فإنه ... لا يستطيع سواهما المجهود
стр. 1930
وكان حريّا بصاحب الأغانى أو قل بمعاصريهما أن يحتفظوا للأجيال التالية بهذه الرسائل التى اتصلت بينهما. ولكنهم لم يحتفظوا منها إلا بالقليل مع أنها تعد من طرائف الشعر العباسى. ويقال إنه بلغها أنه واصل جارية من جوارى مقيان وملأت قلبه فتونا. فكتبت إليه غاضبة ساخطة:
يا عالى السّنّ سيّئ الأدب ... شبت وأنت الغلام فى الأدب
ويحك إن القيان كالشّرك ال ... منصوب بين الغرور والعطب
لا يتصدّين للفقير ولا ... يتبعن إلا مواضع الذهب
فالجارية لا تحبه لشخصه وإنما تحبه لذهبه ودنانيره، وكأنها تريد أن تقطع أوصال هذه العلاقة الناشئة. حتى لا يعود إلى التفكير فى تلك الجارية أبدا. ويقال إنها كانت فى الغاية والنهاية من التشيع. فلما هويت سعيدا انتقلت إلى مذهبه من الاخراف عن آل الرسول ﵇. وكانت منذ مقتل المتوكل تمر بها أوقات حزينة تشعر فيها بالبؤس فكانت تنفّس عن نفسها بمثل قولها:
إن الزمان بذحل كان يطلبنا ... ما كان أغفلنا عنه وأسهانا (١)
مالى وللدهر قد أصبحت همّته ... ما لى وللدهر، ما للدهر، لا كانا
والبيتان رائعان، ويدلان كما تدل الأبيات السابقة على نبع شعرى غزير.
واختلف فى زمن وفاتها، فقيل سنة ٢٥٨ وقيل سنة ٢٦٠، ويقال إن سعيد بن حميد كان يقول بعد موتها: ما رسائلى المدوّنة عند الناس إلا من إنشائها تجلّة لها ولأدبها وملكتها الشعرية.
٢ - شعراء اللهو والمجون
ظل كثيرون من الشعراء ينغمسون فى اللهو والمجون كما انغمس أسلافهم فى العصر الماضى. وكان بعض هذا الانغماس يرجع إلى تحلل فى الأخلاق، وبعضه يرجع إلى الهروب من الحياة والتخفف من أعبائها الثقيلة، وساعد على ذلك اختلال فى الموازين