فلو كان مسرورا بما هو واقع ... كما هو محزون بما يتوقّع
لكان سواء برءه وسقامه ... ولكنّ وشك البين أدهى وأوجع
وهو يشكو من لوعات الحب التى تكاد تمزّق قلبه حسرات. وهو يخاف البين قبل وقوعه، فيبكى بدموع غزار، فما باله والبين يوشك أن يقع؟ إنه يمعن فى البكاء ويمعن فى الالتياع ويمعن فى الألم والعذاب، ومن قوله:
تمتّع من حبيبك بالوداع ... إلى وقت السرور بالاجتماع
فكم جرّبت من وصل وهجر ... ومن حال ارتفاع واتّضاع
وكم كأس أمرّ من المنايا ... شربت فلم يضق عنها ذراعى
ولم أر فى الذى لاقيت شيئا ... أمرّ من الفراق بلا وداع
تعالى الله كلّ مواصلات ... وإن طالت تؤول إلى انقطاع
وهو يدعو إلى ألا يشكو المحب من الفراق ولحظة الوداع التى طالما عصرت قلوب المحبين، ويقول إنها ليست آخر لحظة يلقى فيها الحبيب، فستأتى بعدها لحظات لقاء، وهكذا الحب أحوال من وصل وفراق ولقاء وهجر. ويقول كم شرب من الحب كئوسا مرة أمر من الموت، فتحمّلها صابرا. وليس أمر من الفراق بلا وداع ولا سلام ولا حتى تحية من بعيد، فإن هذا عذاب لا يطاق، عذاب كأنه الجحيم.
ويثوب الفقيه إلى رشده فالله قد كتب على كل شئ الزوال والفناء. ومن تتمة ذلك عند الفقيه أن يرضى بالقدر المقدور وما كتبه القضاء المحتوم، كأن يقول فى بعض غزله:
أفوّض أسبابى إلى الله كلّها ... وأقنع بالمقدور فيها وأرتضى
فهو دائما يسلّم-فى عذابه بالحب وآلامه فيه وما يصلى من هجر وبعد وفراق-بما أرادته له المقادير. وتشيع فى شعره كلمات فقهية كثيرة مثل كلمات الحلال والحرام والتوبة، ويعلن غير مرة أن حبه عفيف نقى طاهر لا تشوبه أدنى شائبة، يقول:
стр. 1927
لا تلزمنّى فى رعى الهوى سرفا ... وما أوفّيه إلا دون ما يجب
فى عفّة أن يلم بها ... سوء الظنون وأن تغتالها الرّيب
ويكثر فى غزله من ذكر المنازل والديار والفيافى والقيعان والرّكبان والمطايا، وهو يتساءل والمنازل لا تجيب، فقد رحل الأحبة وخلفوا له وجدا ما مثله وجد، وعبثا يخفيه فكل ما حوله يبصره، يقول:
يخفى هواه وما يخفى على أحد ... حتى على العيس والرّكبان والحادى
ويذيع شعره فى بغداد ويغنىّ فيه المغنون والمغنيات، وهو لا يدرى من أمره شيئا فقد كان منكبّا دائما على حلقات الدرس وعلى التصنيف والتأليف. ويساير ذات يوم القاضى محمد بن يوسف فيسمع جارية تغنىّ بقوله:
أشكو غليل فؤاد أنت متلفه ... شكوى عليل إلى إلف يعلّله
سقمى تزيد على الأيام كثرته ... وأنت فى عظم ما ألقى تقلّله
الله حرّم قتلى فى الهوى سلفا ... وأنت يا قاتلى ظلما تحلّله
ويلتفت إلى صاحبه قائلا: كيف السبيل إلى ارتجاع مثل هذا الشعر الذى تلوكه أفواه المغنين والمغنيات، فيوئسه من ردّه قائلا؛ هيهات سارت به الركبان.
ومن طريف ما يروى له:
فلا تطف نار الشوق بالشوق طالبا ... سلوّا فإن الجمر يسعر بالجمر
ولم تمتد حياته طويلا. فقد توفى سنة ٢٩٧ وهو فى الثانية والأربعين من عمره، ويقال إنه لما مات جلس ابن سريج مناظره المذكور آنفا فى مجلسه وبكى وجلس على التراب. وقال: ما آسى إلا على لسان أكله التراب من ابن داود. وحزن عليه تلاميذه حزنا شديدا. ويقال إن نفطويه جزع عليه جزعا عظيما. ولم يجلس فى حلقته للناس يحاضرهم سنة كاملة.
стр. 1928
فضل (١)
كانت أمها من مولّدات اليمامة، وكانت هى من مولّدات البصرة، نشأت فى دار رجل من قبيلة عبد القيس أدّبها وثقفها ثم باعها، ووقعت لرجل من النخّاسين فى الكرخ ببغداد يقال له حسنويه، فاشتراها منه محمد بن الفرج الرّخّجى، وأهداها إلى المتوكل سنة ٢٣٣ للهجرة. ولم يكن بين الجوارى فى زمانها أفصح منها ولا أشعر، ويقول فيها بعض النخاسين: كانت فى نهاية الجمال والكمال. ولما دخلت على المتوكل سألها أشاعرة أنت؟ فقالت: كذلك زعم من باعنى واشترانى، فضحك، وقال لها: أنشدينا شيئا من شعرك، فأنشدته تمدحه:
استقبل الملك إمام الهدى ... عام ثلاث وثلاثينا
إنا لنرجو يا إمام الهدى ... أن تملك الناس ثمانينا
لا قدّس الله امرءا لم يقل ... عند دعائى لك آمينا
فاستحسن الأبيات، وأمر لها بجائزة وأمر عريب أن تغنيه بها، فغنت وطرب طربا شديدا. وكانت حاضرة البديهة فكان الشعراء من حاشية المتوكل ومن غيرها يتعرضون لها ببعض أبيات يلقونها عليها، فتجيزها فى سرعة شديدة، وكان المتوكل نفسه يلقى عليها أحيانا بعض الأبيات فتسرع فى إجازتها ببديهتها الحاضرة، من ذلك قول بعض الشعراء:
تعلمت أسباب الرّضا خوف عتبها ... وعلّمها حبّى لها كيف تغضب
ولم يكد يلفظ بالبيت حتى قالت:
تصدّ وأدنو بالمودّة جاهدا ... وتبعد عنى بالوصال وأقرب
стр. 1929
وكما كان لها مديح كان لها هجاء خصّت به معاصرتها الخنساء، ولكن جمهور أشعارها كان فى الغزل، وهو غزل رقيق رقة شديدة من مثل قولها:
علم الجمال تركتنى ... فى الحب أشهر من علم
ونصبتنى يا منيتى ... غرض المظنة والتّهم
فارقتنى بعد الدن ... وّ فضرت عندى كالحلم
ما كان ضرّك لو وصل ... ت فخفّ عن قلبى الألم
وهى تقول لصاحبها إنك وصلتنى وشهرتنى بحبك ثم هجرتنى وأنزلتنى هذه المنزلة المخزية من القطيعة، حتى صرت وصارت أيام وصلك كأنها حلم وخيال، وهى تود لو ظفرت بحبه ثانية وظفرت بوصله، فخرجت من آلامها المبرّحة. وأكثر غزلها فى معشوقها سعيد بن حميد رئيس ديوان الرسائل لعصر المستعين، وله فيها بدوره غزل كثير، وبينهما محاورات ومكاتبات شعرية طريفة، من ذلك أنه عتب عليها يوما أنها لا تقبل عليه فى مجلسها ولا تذكره باسمه فى غزلها، فكتبت إليه:
وعيشك لو صرّحت باسمك فى الهوى ... لأقصرت عن أشياء فى الهزل والجدّ
ولكننى أبدى لهذا مودتى ... وذاك وأخلو فيك بالبثّ والوجد
فكتب إليها سعيد:
تنامين عن ليلى وأسهره وحدى ... وأنهى جفونى أن تبثّك ما عندى
فإن كنت لا تدرين ما قد فعلته ... بنا فانظرى ماذا على قاتل العمد
وكان لا يقلّ عنها كلفا ولا غراما، وكانا كثيرا ما يتغاضبان ويتعاتبان ويعودان إلى الرضا بعد أن يصف كل منهما هيامه بصاحبه ودموعه المتحدرة، وكانت لاتنى الرقاع والرسائل بينهما ذاهبة راجعة، ومما كتبته له فى إحدى الرقاع:
الصّبر ينقص والسّقام يزيد ... والدار دانية وأنت بعيد
أشكوك أم أشكو إليك فإنه ... لا يستطيع سواهما المجهود
стр. 1930
وكان حريّا بصاحب الأغانى أو قل بمعاصريهما أن يحتفظوا للأجيال التالية بهذه الرسائل التى اتصلت بينهما. ولكنهم لم يحتفظوا منها إلا بالقليل مع أنها تعد من طرائف الشعر العباسى. ويقال إنه بلغها أنه واصل جارية من جوارى مقيان وملأت قلبه فتونا. فكتبت إليه غاضبة ساخطة:
يا عالى السّنّ سيّئ الأدب ... شبت وأنت الغلام فى الأدب
ويحك إن القيان كالشّرك ال ... منصوب بين الغرور والعطب
لا يتصدّين للفقير ولا ... يتبعن إلا مواضع الذهب
فالجارية لا تحبه لشخصه وإنما تحبه لذهبه ودنانيره، وكأنها تريد أن تقطع أوصال هذه العلاقة الناشئة. حتى لا يعود إلى التفكير فى تلك الجارية أبدا. ويقال إنها كانت فى الغاية والنهاية من التشيع. فلما هويت سعيدا انتقلت إلى مذهبه من الاخراف عن آل الرسول ﵇. وكانت منذ مقتل المتوكل تمر بها أوقات حزينة تشعر فيها بالبؤس فكانت تنفّس عن نفسها بمثل قولها:
إن الزمان بذحل كان يطلبنا ... ما كان أغفلنا عنه وأسهانا (١)
مالى وللدهر قد أصبحت همّته ... ما لى وللدهر، ما للدهر، لا كانا
والبيتان رائعان، ويدلان كما تدل الأبيات السابقة على نبع شعرى غزير.
واختلف فى زمن وفاتها، فقيل سنة ٢٥٨ وقيل سنة ٢٦٠، ويقال إن سعيد بن حميد كان يقول بعد موتها: ما رسائلى المدوّنة عند الناس إلا من إنشائها تجلّة لها ولأدبها وملكتها الشعرية.
٢ - شعراء اللهو والمجون
ظل كثيرون من الشعراء ينغمسون فى اللهو والمجون كما انغمس أسلافهم فى العصر الماضى. وكان بعض هذا الانغماس يرجع إلى تحلل فى الأخلاق، وبعضه يرجع إلى الهروب من الحياة والتخفف من أعبائها الثقيلة، وساعد على ذلك اختلال فى الموازين
стр. 1931
وفساد فى القيم شاعا فى حياة الدولة وفى حياة الناس. وكان الشك يتسلط على نفوس كثيرين وتتسلط معه ألوان الإلحاد والزندقة، وكان الكرخ مليئا بالحانات وبدور النخاسين، والشعراء المجّان يغدون ويروحون ليل نهار، وبعض الجوارى لم يكنّ يعرفن حشمة ولا وقارا إنما كنّ يعرفن اللهو والابتذال. وكانت هناك الديارات متناثرة حول بغداد وعلى طول الطرق إلى البصرة والكوفة جنوبا والموصل شمالا، وكانت مفتوحة الأبواب للشعراء دائما لا فى الأعياد المسيحية فحسب.
بل طوال العام، فهم يلمّون بها ويتناولون الخمر منها، وقد يعكفون على الشرب فيها أياما متصلة. وكل ذلك عمل على أن يكثر بين الشعراء أصحاب الخلاعة والمجون فى أسوأ صورهما، حتى لنجد كثيرين يتغزلون غزلا شاذّا بالغلمان، وصمة ظلت فى هذا العصر كما كانت فى العصر الماضى، وكثير من هذا الغزل كان ينظم فى أثناء السكر وشرب الخمر، للضحك والفكاهة، ولكن تبقى بقايا وراء ذلك تصوّر الفساد الخلقى فى أبشع صوره. وحقا لا نجد خليفة تورط فى حب غلام، ولكن أيضا كان كثيرون منهم يعكفون على الملاهى والملذات، وكانت قصورهم تطفح بجماعات المجان فى صورة ندماء ومضحكين، وأكثرهم كانوا مجّانا محترفين. وفى كل مكان نلتقى بهذه الجماعات أو العصابات، وكانوا يتعاشرون ويترافقون تارة فى الديارات وتارة فى دور النخاسين أو فى الحانات أو فى بيوتهم، ومن أهمهم جماعة أو عصابة أبى هفان ومحمد بن الفضل ومحمد بن مكرم وأبى على البصير وأبى العيناء، وفيهم يقول المرزبانى: كانوا يتعاشرون وكانوا شياطين العسكر فى الظرف والمجون (١)، ومنهم جماعة أبى السفاح الأنصارى وعبد الله بن رضا وإسماعيل بن يوسف، وقد تعاهدوا ألا يقولوا شعرا إلا فى صفة الخمر. ويقول ابن المعتز إنهم ظلوا على ذلك إلى أن ماتوا (٢). وكان لشيوع مجالس الخمر حينئذ أثرها فى ظهور كتابات كثيرة عن آداب المنادمة والنديم، ومما اشترطوه لها قلة الخلاف والمعاملة بالإنصاف والمسامحة فى الشراب والتغافل عن رد الجواب وإدمان الرضا واطّراح ما مضى وإسقاط التكليف وستر العيب وحفظ الغيب. ونعرض لبعض هؤلاء الشياطين وخمرياتهم فمنهم أبو العيناء الضرير. وكان ظريفا لسنا سريع الجواب، واتخذه
стр. 1932
المتوكل فى ندمائه. وكان ينزل مع رفاقه الأديرة ويستطيب خمرها المعتقة، وقد يبقى فيها أياما لا يفيق من سكره، وله فى دير باشهرا، وكان بين سامرّاء وبغداد قوله (١):
نزلنا دير باشهرا ... على قسّيسه ظهرا
وسقّانا وروّانا ... من الصّافية العذرا
وطاب الوقت فى الدّير ... فرابطنا به عشرا
ونلنا كلّ ما نهوا ... هـ من لذّاتنا جهرا
ومن كبار الشياطين فى العصر مصعب الوراق. وكان من أشد المجان تهتكا وأكثرهم خلاعة وتطرحا فى الحانات والديارات، وكثيرا ما كان يلم بدير الزعفران من ديارات الموصل، وفيه يقول (٢):
عمرت بقاع دير الزّعفران ... بفتيان غطارفة هجان (٣)
بكل فتى يحنّ إلى التصابى ... ويهوى شرب عاتقة الدّنان
بكل فتى يميل إلى الملاهى ... وأصوات المثالث والمثانى (٤)
ظللنا نعمل الكاسات فيه ... على روض كنقش الخسروانى
وأغصان تميل بها ثمار ... قريبات من الجانى دوانى
وممن كانوا يتورطون حينئذ فى الخمر وآثامها أبو عثمان الناجم راوية ابن الرومى.
إذ روى عنه أكثر شعره وكان يلزمه ولا يكاد يفارقه، وله كثير من المعانى الدقيقة فى الخمر وغير الخمر، وكأنما كان يتأثر بأستاذه، وفيها يقول (٥):
مشمولة كشعاع الشمس فى قدح ... مثل السّراب يرى من رقّة شبحا
إذا تعاطيتها لم تدر من لطف ... راحا بلا قدح عاطتك أم قدحا
وكثيرا ما كان يلمّ بدير الخوات، وهو دير كبير شمالى سامرّاء وسط البساتين والكروم، وكانت تسكنه نساء مترهبات، وكان من منازل القصف ومواطن اللهو،
стр. 1933
وذكره كثيرا فى أشعاره. ومثله دير العذارى وكان قريبا من بغداد، وواضح من اسمه أنه كان ينزله جوار متبتلات عذارى، ونزل به عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد، فأقام به يومين واستطابه وشرب فيه، وله مقطوعة يصوّر فيها ما لعتد حول الدّير من بساتين فاتنة وعكوفه على الشرب فيه بمثل قوله (١):
ورياض كأنهن برود ... كلّ يوم لهن صبغ جديد
وكأن الشّقيق فيها عشيق ... وكأن البهار صبّ عميد (٢)
وكأن الثمار والورق الخض ... ر ثياب من تحتهن نهود
فاسقنيها راحا تريح من اله ... مّ وتبدى سرورنا وتعيد
وانتهز فرصة اللذاذات فى دي ... ر العذارى فعلّها لا تعود
وكان كثيرون لا يغلون فى المجون ولا يغرقون فى اللذات، وإنما يلمون بالخمر من حين إلى حين. وقد يكون فى حياتهم ما دفعهم إلى ذلك، إما سخط شديد على الحياة السياسية، وإما شك واستهانة بكل شئ، وإما محنة نزلت بهم أو إحساس بضرب من ضروب الإخفاق. وبذلك نستطيع أن نعلل إقبال بعض المتكلمين على تناولها أحيانا أو قل بعبارة أدق على وصفها، إذ ربما وصفوها مجاراة للشعراء فى عصرهم، على نحو ما نجد عند أبى العباس الناشئ إذ يقول (٣):
ومدامة يخفى النهار لنورها ... وتذلّ أكناف الدّجى لضيائها
صبّت فأحدق نورها بزجاجها ... فكأنها جعلت إناء إنائها
وتكاد إن مزجت لرقّة لونها ... تمتاز عند مزاجها من مائها
صفراء تضحى الشمس إن قيست بها ... فى ضوئها كالليل فى أضوائها
وإذا تصفحت الهواء رأيته ... كدر الأديمة عند حسن صفائها
لا شئ أعجب من تولّد برئها ... من سقمها ودوائها من دائها
стр. 1934
وهى خمرية بديعة لعب فيها خيال الناشئ بفكرة ضوء الخمر، فهى تارة تحيل الشمس ظلاما، ونارة ترى وكأنما لا يحملها إناؤها أو قل كأسها الزجاجى.
وهى متناهية فى الرقة حتى لتكاد تتميز من الماء حين يمزج بها، وهى أيضا متناهية فى الصفاء حتى ليرى الجو الصافى كدرا بالقياس إليها، وهى داء ودواء وسقام وشفاء. ونقف عند ثلاثة اشتهروا باللهو والمجون فى العصر. وهم الحسين بن الضحاك وأبو الشبل البرجمىّ وعبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع.
الحسين (١) بن الضحاك
من كبار الخلعاء المجان، ولد بالبصرة ونشأ بها، ثم تركها إلى بغداد لعصر الأمين. وربما قبل عصره، فقد عاش دهرا طويلا، وكان ظريفا، فاتخذه الأمين نديما له، ونادم من بعده المعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر ابنه. وقد جزع جزعا شديدا حين توفى الأمين، ورثاه مراثى كثيرة، وكان مما قال فيه باكيا متفجعا.
هلا بقيت لسدّ فاقتنا ... فينا وكان لغيرك التّلف
قد كان فيك لمن مضى خلف ... فاليوم أعوز بعدك الخلف
فلما جاء المأمون من خراسان إلى بغداد علم بموقفه منه، وأنه طالما نظم أشعارا ضد طاهر بن الحسين قائده فى حرب الأمين كما نظم أشعارا يبكى بها بغداد حين ضربها طاهر بالمجانيق. وكان أشد ما أسخطه عليه البيتان السالفان ودعاؤه فيهما عليه بالتلف، فلما ذكر له فى الشعراء قال: لا حاجة لى به ولا يرى وجهى إلا على قارعة الطريق أى فى مواكبه العامة. وظل لا يقرب القصر طوال خلافة المأمون، بل لقد بارح بغداد إلى البصرة، حتى إذا خلفه المعتصم استقدمه من موطنه وقرّبه منه، فمضى يمدحه وينال جوائزه، وقد أقطعه كما أقطع رجال
стр. 1935
حاشيته دارا فى سامرّاء، واتخذه الواثق نديما له، وله فيه مدائح كثيرة، وخلفه المتوكل فسلكه فى ندمائه، وكذلك صنع ابنه المنتصر، وله فيه مدائح مختلفة مثل أبيه، ومن قوله فى تهنئته له بالخلافة:
هنتك أمير المؤمنين خلافة ... جمعت بها أهواء أمة أحمد
وأعجب المنتصر بالقصيدة، فقال له: إن فى بقائك بهاء للملك، ولحق بعده عصر المستعين، وفيه توفى سنة ٢٥١ للهجرة.
وكان يعرف باسم الخليع لكثرة مجونه وعكوفه على الخمر، حتى أصبح اسمه مقرونا باسم أبى نواس أكبر ماجن فى العصر السابق، وهو مثله فارسى الأصل، وكان يصحب فى شبابه، ويبدو أنه تمثل أشعاره تمثلا نادرا وخاصة أشعار الخمر والمجون، حتى اختلط الأمر على القدماء فنسبوا كثيرا من أشعاره إلى أبى نواس، وزعم نفر منهم أن أبا نواس كان يحاكيه فى بعض أشعاره، والصحيح أن الحسين هو الذى كان يحاكى أستاذه وأستاذ الخمر والمجون فى العربية عامة. ويقول ابن المعتز إنه كان أنقى من أبى نواس شعرا وأقل تخليطا منه، وهى ملاحظة صحيحة غاية الصحة، فإن أبا نواس كان يختلط بأبناء الشعب البغدادى من المجّان وغيرهم فى الحانات بالكرخ وغير الكرخ وفى الأديرة، وكان لا يرتفع بلغته وألفاظه عنهم، بل كان يدنو منهم دنوّا شديدا. وكان ينظم كثيرا من خمريّاته فى أثناء سكره، فبدا فى أشعاره تخليط كما لاحظ ابن المعتز، فهو تارة يرتفع حين ينظم فى مجلس الأمين أو فى مجلس بعض الوزراء والنابهين، وتارة يسفّ حين ينظم فى مجالس العامة، وخاصة حين يخاطب غلمان الحانات وكانوا أخلاطا من الفرس ممن لا يحسنون العربية الفصيحة. أما الحسين فكان فى جمهور حياته يعيش فى قصور الخلفاء والوزراء وأبنائهم، فكان يعنى أشد العناية بلغته وألفاظه، ولا يكتفى فيها بالفصاحة بل يطلب أيضا الرصانة والجزالة حينا، وحينا العذوبة والنعومة وما يلائم الأذواق الرفيعة فى المجتمع، لذلك قل التخليط عنده كما يلاحظ ابن المعتز، بل كاد ينعدم انعداما، ولذلك أيضا شاع فى أشعاره النقاء والصفاء إذ كان يطلب فيها دائما أن تلذ الأسماع والأفئدة. وظاهرة ثانية يختلف فيها عن أستاذ المجون والخمر فى عصره هى شئ من الحشمة المصطنعة فى مجونه، فهو لا يذيع فيه ما يذيعه
стр. 1936
أبو نواس من الفحش، لأنه كان يعيش فى أوساط الخلفاء والوزراء وأبنائهم، فكان يحتشم وقلما يعلن أنه يقترف إثما منكرا، أما أبو نواس فلم يكن يعرف شيئا من الحشمة ولا كان يخفى شيئا من آثامه. وليس معنى ذلك أن الحسين كان أقل من أبى نواس مجونا وشغفا بالخمر، فقد كان مثله مفتونا بها فتنة شديدة، وكان يطلبها فى الحانات وفى الأديرة وكان دائم الاختلاف إليها، ومن طريف ما نظمه فى دير سابر بقرب بغداد وخمره المعتقة قوله:
وعواتق باشرت بين حدائق ... ففضضتهنّ وقد حسن صحاحا (١)
اتبعت وخزة تلك وخزة هذه ... حتى شربت دماءهن جراحا
أبرزتهنّ من الخدور حواسرا ... وتركت صون حريمهنّ مباحا
وهو يصور فتنته بزقاق الخمر الممتلئة التى لم يمسسها أحد قبله، وقد ضحكت الطبيعة فى دير سابر من حوله، وهو يفتح الزقاق ويشرب من دمائها أرطالا. وكان يختلف إلى ديارات العراق عامة، وله فى دير سرجس بالقرب من الكوفة قصيدة بديعة، يقول فيها:
أخوىّ حىّ على الصّبوح صباحا ... هبّا ولا تعدا النديم رواحا
مهما أقام على الصّبوح مساعد ... وعلى الغبوق فلن أريد براحا (٢)
عودا لعادتنا صبيحة أمسنا ... فالعود أحمد مغتدى ومراحا
هل تعذران بدير سرجس صاحبا ... بالصّحو أو تريان ذاك جناحا
إنى أعيذكما بألفة بيننا ... أن تشربا بقرى الفرات تراحا (٣)
عجّت قواقزنا وقدّس قسّنا ... هزجا وأصخبنا الدّجاج صياحا (٤)
وهو يتلطف إلى صاحبيه فى آخر الليل ويدعوهما أن يتناولا معه الصبوح كما تناولاه بالأمس، ويعذراه ولا يريا فى ذلك جناحا ولا إثما، ويستحلفهما بما
стр. 1937
بينهما وبينه من ألفة ومودة وأخوة ألا يشربا ماء الفرات النمير، بل يشربا معه صبوحه المسكر المحبب إلى نفسه. وكان أبو عيسى بن الرشيد يدفع غلامه «يسرا» إلى معابثته فكان ينظم فيه بعض غزله، وكذلك كان المتوكل يدفع غلامه «شفيعا» إلى العبث به، وكان وضئ الوجه مثل يسر فكان ينظم فيه أيضا بعض الغزل.
وواضح أنه غزل كان يراد به إلى الهزل وإضحاك المتوكل وأبى عيسى. وله فى الغزل عامة شعر كثير من مثل قوله:
وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أنى-وما أراك-أراكا
وإذا ما تنفّس النّرجس الغ ... ضّ توهّمته نسيم شذاكا
خدع للمنى تعلّلنى في ... ك بإشراق ذا وبهجة ذاكا
لأدومنّ يا حبيبى على الو ... دّ لهذا وذاك إذ حكياكا
والقطعة رائعة التصوير وتسيل عذوبة، وهى عذوبة تشيع فى كثير من أشعاره الغزلية والخمرية، وهى طبيعية لشاعر كان يعيش فى قصور الحلفاء ومجالسهم، ويسمع فى كل ليلة أوتار العيدان والطنابير والمعازف من كل لون، مما جعل أذنه الموسيقية ترهف إرهافا شديدا، فإذا كثير من شعره يتحول ألحانا وأنغاما خالصة على شاكلة قوله:
عالم بحبّيه ... مطرق من التّيه
يوسف الجمال وفر ... عون فى تعدّيه
وهو غير مكترث ... للذى ألاقيه
لا وحقّ ما أنا من ... عطفه أرجّيه
ما الحياة نافعة ... لى على تأبّيه
النعيم يشغله ... والجمال يطغيه
والقطعة من وزن عباسى حديث هو وزن المقتضب، وهى تطير عن الفم بخفة. ولم يقف تأثير الغناء وآلات الطرب لعصره فى شعره عند الملاءمة بين
стр. 1938
جرس الكلمات، بل تجاوز ذلك إلى الأوزان، فكان يفزع إلى مجزوءاتها كثيرا إرضاء لآذان السامعين، وحتى يتيح للمغنين والمغنيات فى شعره الفرص كى يجهروا بألفاظه ويهموا بها حسب حاجاتهم الغنائية.
أبو الشبل (١) البرجمىّ
اسمه عاصم بن وهب، ولد بالكوفة ونشأ وتأدّب بالبصرة، يقول أبو الفرج:
«قدم إلى سامرّاء فى أيام المتوكل ومدحه، وكان طبّا نادرا، كثير الغزل، ماجنا فنفق عند المتوكل بإيثاره العبث، ونادمه وخصّ به فأثرى» ثم يذكر بعض مديحه للمتوكل وما أسبغ عليه من عطاياه. ويبدو من اصطفاء المتوكل له أنه كان ظريفا خفيف الروح، ويقصّ ابن المعتز بعض نوادره، مما يدل على أنه كان فكه المحضر. وكان خليعا مثل الحسين بن الضحاك يسرف على نفسه فى المجون ويتهالك على اللذات، ويطلبها فى الحانات وفى الديارات، ويقول من ترجموا له إنه كان عاكفا على الشراب لا يفارقه، ولا يوجد إلا سكران قد أخذ منه السكر مأخذا شديدا. ويقولون إنه كان يتطرّح فى الديارات والحانات ومواطن اللهو، لا يغبّها ولا يتأخر عنها، بل دائما فى حانة أو فى دير أو فى بستان أو متنزّه وقد شرب وأغرق فى الشرب حتى لم يعد يستطيع أن يقف على قدميه، بل لم يعد يستطيع حراكا. وكان كثير الاختلاف إلى دير أشمونى بقرية قطربّل شمالىّ بغداد وكانت القرية أشبه بحانة كبيرة يختلف إليها أصحاب البطالة والمجون. وكان عيد هذا الدير فى اليوم الثالث من أكتوبر، وكان يجتمع فيه كل من ببغداد من أهل الطرب واللهو، يخرجون إليه جماعات، منهم من يركب السفن النهرية بدجلة، ومن يركب الخيل المطهمة، وينزلون فى أكناف القرية وحاناتها وديرها الكبير ضاربين خيامهم وفساطيطهم، وكلّ فد أعدّ ما استطاع لقصفه ولهوه، والقيان تعزف عليهم، وآلات الطرب تسمع فى كل مكان، والناس يطربون ويشربون وقد يرقصون طربا واستحسانا لما يسمعون. وطبيعى أن يتأثر الماجن الكبير أبو الشبل
стр. 1939
بمناظر هذا العيد، وقد أخذ الشراب منه مأخذا عظيما فيتغنّى بمثل قوله:
شهدت مواطن اللذّات طرّا ... وجبت بقاعها بحرا وبرّا
فلم أر مثل أشمونى محلاّ ... ألذّ لحاضريه ولا أسرّا
به جيشان من خيل وسفن ... أناخا فى ذراه واستترّا
كأنهما زحوف وغى ولكن ... إلى اللذات ما كرّا وفرّا
سلاحهما القواقز والقنانى ... وأكواس تدور هلمّ جرّا (١)
وضربهما المثالث والمثانى؟ ؟ ؟ ... إذا ما الضرب فى الحرب استحرّا
وكان مثل الحسين وعامة مجّان عصره يكثر من الغزل، وكان يستهتر فيه أحيانا ويتهتك ويتمدح بالتهتك والاستهتار مسفّا فى شعره. وكأنما كان ينظم مثل هذا اللون من الغزل للمجان من أمثاله مشيعا فيه غير قليل من الفحش. وكان ينظم بجانبه غزلا آخر لا يسفّ فيه هذا الإسفاف، بل يبقى فيه على مروءته وكرامته إن كان للمجان من أضرابه فضل من كرامة، على شاكلة قوله:
بأبى ريم رمى قل ... بى بألحاظ مراض (٢)
وحمى عينى أن تل ... تذّ طيب الإغتماض
كلما رمت انبساطا ... كفّ بسطى بانقباض
أو تعالى أملى في ... هـ رماه بانخفاض
فمتى ينتصف المظ ... لوم والظالم قاضى
والأبيات خفيفة. ولكنه لا يلحق الحسين بن الضحاك فى عذوبة نغمه وخفة روحه وحرارة عاطفته. وكان الحسين أعف منه لسانا إذ لم يكن يسف إلى الفحش إسفافه. وقد عمّر عمرا طويلا حتى وهن العظم منه واشتعل الرأس شيئا وبلغ من الكبر عتيّا. وكان طبيعيّا أن ينصرف عنه حينئذ الجوارى. وفى ذلك يقول:
عذيرى من جوارى الحىّ ... إذ يرغبن عن وصلى
стр. 1940
رأين الشيب قد ألب ... سنى أبّهة الكهل
فأعرضن وقد كنّ ... إذا قيل أبو شبل
تساعين فرقّعن ال ... كوى بالأعين النّجل (١)
ومرّ بنا هجاء الخنساء جارية هشام المكفوف له، وله فيها هجاء مسف إسفافا شديدا، وهو فى هجائه يفحش إلى درجة بعيدة تؤذى الأذواق السليمة. وكان قد اشترى كبشا لعيد الأضحى فظل يعلفه ويسمّنه، وأفلت يوما منه على قنديل كان يسرجه بين يديه وعلى سراج وقارورة للزيت، فكسر القنديل وانصبّ الزيت على ثيابه وكتبه وفراشه، فلما رأى منه ذلك ذبحه قبل الأضحى، ونظم قصيدة فى رثاء قنديله يقول فيها:
يا عين بكّى لفقد مسرجة ... كانت عمود الضياء والنور
صينيّة الصين حين أبدعها ... مصوّر الحسن بالتصاوير
مسرجتى كم كشفت من ظلم ... جلّيت ظلماءها بتنوير
إن كان أودى بك الزمان فقد ... أبقيت منك الحديث فى الدّور
ومضى يصور كيف انتقم للمسرجة، فذبح الكبش ومزقه بالمدى وألقى به فى القدور وكيف أن السّنانير والحدأة والغربان والكلاب طعمت من لحمه وعظامه، وكان ذلك عرسا لها جميعا بدون مزامير ومغنين. وتلك عاقبة البغى، مصرعه وخيم.
ودخل داره بعض أصدقائه ورأى أن يعبث به، ولفته ثلث قرطاس كان يحتفظ به أبو الشبل، فأخذه ولم يعلمه بما صنع، فلما مرت بعض أيام جاء صديقه، فأنشده مرثية طويلة لذلك الجزء من القرطاس، وفيه يقول:
فكر تعترى وحزن طويل ... وسقيم أنحى عليه النّحول
ليس يبكى رسما ولا طللام ... حّ كما تندب الرّبى والطّاول (٢)
إنما حزنه على ثلث كا ... ن لحاجاته فغالته غول (٣)
стр. 1941
كان للسرّ والأمانة والكت ... مان إن باح بالحديث الرسول
وضحك صديقه طويلا. واعترف له بأخذه، وردّه عليه. وهذا هو أبو الشبل ماجن خليع، يسرف فى الخلاعة والمجون، بل فى الاستهتار والتهتك، وهو مع ذلك صاحب نوادر، لا نوادر يحكيها فحسب، بل نوادر حدثت له كان يحكيها وينظم فيها أشعاره.
عبد الله (١) بن العباس بن الفضل بن الربيع
حفيد الفضل بن الربيع وزير الرشيد والأمين، نشّئ فى الحلية والترف والنعيم، وقد عنى أبوه بتعليمه وتثقيفه حتى أحسن الشعر، وكان يقوله على الطبيعة مرسلا نفسه على سجيتها، لا يتكلف فيه ولا يتعمّل. ويقول أبو الفرج شعره مطبوع ظريف مليح المذهب من أشعار المترفين وأولاد النعم، ويقول: كما كان شاعرا مطبوعا كان مغنيا محسنا جيد الصنعة. ويقال إن سبب تعلمه الغناء أنه تعلق بجارية لعمّته رقيّة كانت تتقن الغناء، تسمى عاليج، شغفت قلبه حبّا. فكان يلزمها بعلة الغناء. وكان يأخذ عنها وعن صواحبها ما أحسنّه من الأصوات والأدوار، حتى أقررن له بالحذق. وصار يلازم من يختلفون إلى بيته من المغنين أمثال إسحق الموصلى. وكاد لا يترك لهم صوتا دون أن يأخذه. وكان جوارى الحارث بن بسخنّر وابنه محمد يدخلن إلى داره فيطرحن على الجوارى بها ما ليس عندهن من غناء.
وكل ذلك أتاح له أن يتثقف بالغناء، بل أن يصبح ماهرا فيه. وترتفع شهرته فى إحسانه إلى آذان الخلفاء، فيطلبونه اسماع أغانيه، وكان أول من طلبه الواثق، وله فيه أصوات مدحه بها. وغنّاه فيها فملأه طربا، من ذلك ما يروى من أن الواثق عوفى من مرض ألمّ به فطلبه مع طائفة من المغنين، فلما صار قريبا من مجلسه بحيث يسمع صوته ضرب على عود مغنيا بيتين قالهما فى طريقه إليه على هذا النمط:
стр. 1942
اسلم وعمّرك الإله لأمة ... بك أصبحت قهرت ذوى الإلحاد
لو تستطيع وقتك كلّ أذيّة ... بالنفس والأموال والأولاد
وكان الواثق يغمره بجوائزه وصلاته، وغمره من بعده المتوكل بالأموال، ويقصّ صاحب الأغانى من ذلك بعض أخبار، وله فيه أيضا مدائح قصيرة كان يغنيه بها فيهتز طربا، وفيه يقول:
أكرم الله الإمام المرتضى ... وأطال الله فينا عمره
سرّه الله وأبقاه لنا ... ألف عام وكفانا الفجره
وكان يغنى الخليفتين والمنتصر من بعدهما فى غزل كثير من أشعار السابقين وفى كثير من غزله الذى نظمه فى عساليج وفى غيرها من الجوارى اللائى فتنّ قلبه وفى مقدمتهن مصابيح جارية الأحدب المقيّن وكانت تغنى فى كثير من شعره.
وهى جارية نصرانية هام بها قلبه هياما شديدا، ويقال إنه كان يلزم بيع النصارى فى أعيادهم من أجلها شغفا بها، وفيها يقول:
تتثنّى بحسن جيد غزال ... وصليب مفضّض آبنوس
كم رأيت الصليب فى الجيد منها ... كهلال مكلّل بشموس
وتتردّد فى غزله أسماء الأعياد المسيحية كما يتردد ذكر كثير من الديارات مثل دير سرجس ودير قوطا القريب من بغداد، وكان ينزل فيهما أياما مع بعض رفاقه، يشربون ويقصفون ويمجنون، وله يصوّر ما كان من هذا المجون والقصف والشراب مع بعض صحبه فى دير قوطا، إذ يقول:
يا دير قوطا لقد هيجت لى طربا ... أزاح عن قلبى الأحزان والكربا
كم ليلة فيك واصلت السرور بها ... لما وصلت لها الأدوار والنّخبا
فى فتية بذلوا فى القصف ما ملكوا ... وأنفقوا فى التّصابى المال والنّشبا (١)
стр. 1943
وهو يكثر من الحديث عن صاحبته النصرانية وعن جوارى البيع والأديرة، وكأنما كان قلبه يتبعهن جميعا ويتمنى لو استطاع أن يجنى معهن زهرات الحب، أو لو أتيح له ذلك من حين إلى حين، ومن قوله فى إحدى جوارى الدير السالف:
وشادن ما رأت عينى له شبها ... فى الناس لا عجما منهم ولا عربا
إذا بدا مقبلا ناديت واطربا ... وإن مضى معرضا ناديت: واحربا
ويصرّح مرارا بأنه لا يحب سوى خمر الأديرة المعتقة، لما كان يخامره فيها من سكرين: سكره بالخمر الحقيقية وسكره برؤية الراهبات المتبتلات ومن يراهن هناك من العذارى الفاتنات. وله يتحدث عن خمر قرية من قراهن تسمى كركين وعن يوم الشعانين وهو العيد المسيحى الذى يقع فى يوم الأحد قبل عيد الفصح:
ألا اصبحانى يوم الشّعانين ... من قهوة عتّقت بكركين
عند أناس قلبى بهم كلف ... وإن تولّوا دينا سوى دينى
ومن الحق أنه لم يكن يبقى لنفسه شيئا من الحشمة فى مجونه، وهو من هذه الناحية شبيه بأبى الشبل، بعيد الشبه من الحسين بن الضحاك مع أنه كان مثله يعاشر الخلفاء والأمراء، وكأن هذه العشرة كانت شيئا سطحيّا، وهو نفسه كان حفيد وزير ومن أسرة رفيعة أو أرستقراطية. وربما جاءه ذلك من أنه كان لا يفيق من الخمر، إذ يقول أبو الفرج إنه كان يشرب الصّبوح كل يوم من دهره ما عدا أيام الجمع وشهر رمضان، فهو نهاره سكران، وكذلك كان ليله. ومثله يسفّ ويهبط إلى الدنيّات، لذلك لا نعجب إذا رأينا الشابشتى يقول عنه: «كان صاحب غزل ومجون كثير التطرح فى الديارات والحانات والاتّباع لأهل اللهو والخلاعة». ومع ذلك له غزل كثير رقيق اشتهر به بين معاصريه، ويروى أن ابن الزيات وزير الواثق وكان أديبا بارعا فى الشعر والنثر قال له: أنشدنى شيئا من شعرك، فقال إنما أعبث ببعض الأبيات، ولست بمكان من ينشدك شعره، فقال له: أتقول هذا وأنت القائل:
стр. 1944
يا شادنا رام إذ م ... رّ فى الشعانين قتلى
تقول لى كيف أصبح ... ت كيف يصبح مثلى
أنت والله أغزل الناس وأرقهم شعرا، ولو لم تقل غير البيت الأخير لكفاك ولكنت شاعرا مجيدا. وروى له الأغانى أشعارا كثيرة كان يغنى فيها هو وعساليج ومصابيح وغيرهما من مغنيات العصر ومغنيه. ومن الأصوات التى طرب لها الواثق طربا شديدا حين غنّاه بها قوله:
بأبى زور أتانى بالغلس ... قمت إجلالا له حتى جلس
فتعانقنا جميعا ساعة ... كادت الأرواح فيها تختلس
قلت يا سؤلى ويا بدر الدّجى ... فى ظلام الليل ما خفت العسس
قال: قد خفت ولكنّ الهوى ... آخذ بالروح منى والنّفس
زارنى يخطر فى مشيته ... حوله من نور خدّيه قبس
والقطعة بديعة فى خواطرها وفى تصويرها للهيام بالمعشوق، وللمعشوق نفسه وجماله الساحر الوضئ، وأيضا فى صياغتها وموسيقاها. وشعر عبد الله كله شعر وافر الموسيقى، وهو شئ طبيعى لأنه كان يغنيه ويوقعه على آلات الطرب، وكان الجوارى والمغنون من حوله يغنون فيه، فكان يضعه فى نسق موسيقى، تشترك فيه آذانه الداخلية: أذن الشاعر وأذن المغنى وأذن الموسيقىّ، شركة تصفيه من كل الأدران، فإذا ألفاظ الشعر متلاحمة مع قوافيه تلاحما إلى أبعد حدود الدقة، فلا عوج ولا انحراف لا فى لفظ بل لا عوج ولا انحراف فى حرف ولا فى حركة، إذ يعمّ الانسجام والإحكام.
وهذا الأثر الموسيقى فى الألفاظ والحروف والحركات كان يرافقه أثر آخر فى الأوزان إذ نرى عبد الله يشغف بالأوزان المجزوءة والأخرى القصيرة حتى يوفر لأغانيه أو قل لبعضها كل ما يريد من خفة ورشاقة موسيقية.
стр. 1945
٣ - شعراء الزهد والتصوف
هذه الموجة من اللهو والمجون إنما كانت مقصورة على البيئات المترفة التى أفسدها الترف وعلى الحانات والأديرة ومن كان يختلف إليها من الناس والشعراء؛ ولم يكونوا يؤلفون إلا شطرا ضئيلا من الجمهور. أما شطور الجمهور الأخرى فلم تكن تعرف الترف ولا كانت تنغمس فى الخمر والإثم، إنما كانت تعرف شظف العيش وتعرف تقوى الله وتجد فيها ما يعينها على احتمال أعباء الحياة، مما جعلها تنصرف إلى سماع الوعاظ فى المساجد ببغداد وغير بغداد وسماع أهل الحديث والفقه والتفسير. وكانت دائما تدوّى فى آذانهم كلمات الوعاظ والنسّاك وما يدعون إليه من رفض الدنيا ومتاعها الآثم والتفكير فى مصير الإنسان وما ينتظره من ثواب وعقاب فى الآخرة. وكان هؤلاء النساك والوعاظ كثيرين كثرة مفرطة، وكان لكثير منهم حلقات فى المساجد يستدير الناس من حولهم فيها لسماع ما يتحدثون به عن الوعد والوعيد وعذاب النار ونعيم الجنان والمحشر وما يكون فيه من أهوال. وفى كل مكان نجد بينهم قصّاصا يقصّون على الناس من سير الأنبياء والأمم الداثرة ما يدفعهم دفعا إلى العمل الصالح. وتقرأ ترجمات هؤلاء القصاص والوعاظ فتحس فيهم إيمانا صادقا وورعا مخلصا، وكانوا كلما عرض خليفة أو وال على شخص منهم عملا أو منصبا رفضه فى إصرار، مؤثرا حياته الخشنة على اللباس الليّن والطعام الطيب والماء البارد. حياة كلها خشوع وزهد واحتقار لمتاع الدنيا فى جانب ما أمّل من متاع الآخرة. وظل نفر منهم يرافق الجيوش فى الثغور واعظا وقاصّا ومذكرا بما أعدّ الله للمجاهدين والمستشهدين من ثواب عظيم، على نحو ما هو معروف عن أبى العباس الطبرى المتوفى سنة ٣٣٥، وكان من أخشع الناس قلبا إذا قصّ، ويروى عن موته أنه قص على الناس بطرسوس (من ثغور الشام) فأدركته روعة مما كان يصف من جلال الله وعظمته وملكوته فخرّ مغشيّا عليه من الموت (١).
стр. 1946
ولا نبالغ إذا قلنا إن القصاص والوعاظ جميعا كانوا من هذا الطراز، وكانوا لذلك قريبين من قلوب العامة، وقد استطاعوا أن ينشروا موجة حادة من الزهد، لا فى الطبقة العامة وحدها، بل أيضا فى الطبقات الأرستقراطية، على الأقل من حين إلى حين، كأن نرى واعظا يقف بين يدى هذا الخليفة أو ذاك محذرا من الظلم وعواقبه وداعيا إلى الإقبال على ما عند الله ونبذ متاع الحياة الزائل، أو مخوفا منذرا بالموت وما بعده من العذاب الأليم والنعيم المقيم. وطبيعى-والزهد قوت العامة فى حين كان المجون قوت الخاصة-أن يتعلق بالنظم فيه أكثر الشعراء، حتى شعراء المجون أنفسهم نرى لهم شعرا زاهدا كثيرا على نحو ما هو معروف عن أبى نواس فى العصر الماضى فقد كان الشعر الذى تتطلبه العامة والذى تجد فيه غذاء مشاعرها وعواطفها، مما جعل الشعراء ينظمون فيه قصائد ومقطوعات كثيرة. وكان الخلفاء إذا سمعوا منه شيئا غلبهم التأثر حتى لو كانوا فى مجلس شراب على نحو ما يروى عن المتوكل فإن الحمّانى نقيب العلويين فى الكوفة الذى ترجمنا له فى الفصل الماضى دخل عليه وهو فى مجلس شراب، فأنشده (١):
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرّجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم ... فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا ... أين الأسرّة والتّيجان والحلل
وأفصح القبر عنهم حين ساء لهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما عمروا دورا لتحصنهم ... ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
ومضى فى موعظته وبكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلّت دموعه لحيته وبكى من حضره، وأمر برفع الشراب، وكأنما ثاب إلى رشده. وممن كان يكثر فى العصر من الوعظ فى شعره العتاهية وأشعار أبيه الزاهدة مشهورة، ويقول ابن المعتز عن الأب إنه كان ناسك الظاهر وكان خبيث الدين يذهب مذهب الثّنويّة، أما الابن فكان صحيح الدين ورعا وولى القضاء برهة، ويروى له موعظة حائية يستهلها بقوله (٢):
стр. 1947
أراعك شيب فى السواد يلوح ... يبثّ بأسباب البلا وينوح
والموعظة تدور على أن الشيب ناقوس الموت. وقد بدأ يدق بقوة، فعما قليل ستزهق الروح. ويذكر المرزبانى شاعرا معاصرا للمعتز من المعتزلة، ويقول إن له أشعارا يحضّ فيها على القول بالعدل والتوحيد المبدأين المعروفين فى الاعتزال، ثم يذكر له أشعارا (١) كلها مواعظ ودعوة إلى التقوى، وتخويف من الموت وما بعده.
وقد قلنا آنفا إن شعراء اللهو ومن وراءهم من شعراء الخمر كثيرا ما نظموا فى الزهد. ولا يكاد شاعر ممن ترجمنا لهم يخلو ديوانه أو تخلو أشعاره من بعض أبيات زاهدة، وفى ديوان ابن المعتز والصنوبرى وابن الرومى زهد كثير، ولعل أحدا لم يرسم صورة الزاهد فى هذا العصر كما رسمها ابن الرومى فى قصيدة بديعة من قصائده، نكتفى منها بالأبيات التالية (٢):
بات يدعو الواحد الصمدا ... فى ظلام الّليل منفردا
فى حشاه من مخافته ... حرقات تلذع الكدا؟ ؟ ؟
كلما مرّ الوعيد به ... سحّ دمع العين فاطّردا
قائل: يا منتهى أملى ... نجّنى مما أخاف غدا
وخطيئاتى التى سلفت ... لست أحصى بعضها عددا
ويح عينى ساء ما نظرت ... ويح قلبى ساء ما اعتقدا
وهذه الموجة الحادة من الزهد أخذت تلتقى بها منذ أواخر القرن الثانى الهجرى موجة صوفية، تعد وليدة الموجة السابقة، ومرّ بنا فى الفصل الثانى حديث مفصل عن نشأتها وتطورها ومقوماتها وكيف أنها قامت على فكرة المحبة الإلهية وما يتصل بهذه الفكرة من إنكار الذات ومن التوكل على الله توكلا خالصا. ونمضى فى العصر ويلقانا ذو النون المصرى الذى يعدّ الأب الحقيقى للتصوف، وهو أول من تكلم عن المعرفة الصوفية فارقا بينها وبين المعرفة العلمية والفلسفية التى تقوم على
стр. 1948
الفكر والمنطق، على حين تقوم المعرفة الصوفية على القلب والكشف والمشاهدة، فهى معرفة باطنة تقوم على الإدراك الحدسى، ولها أحوال ومقامات، ومن قوله يخاطب ربه (١):
أموت وما ماتت إليك صبابتى ... ولا قضيت من صدق حبّك أوطارى
تحمّل قلبى فيك ما لا أبثّه ... وإن طال سقمى فيك أوطال إضرارى
ويخلفه أبو يزيد البسطامى فيذيع فكرة الفناء فى الذات الإلهية، كما مر بنا فى غير هذا الموضع، ويقصد بها تجرد النفس عن رغباتها وقمعها لشهواتها وانمحاء إرادتها فى الإرادة الإلهية. ونمضى حتى نلتقى بالجنيد رأس الطبقة الثانية من المتصونة ونراه يعبّر عن فنائه فى الذات الربانية بمثل قوله (٢):
أفنيتنى عن جميعى ... فكيف أرعى المحلاّ
وهو الذى عمل على ترسيخ نظام الطرق والمريدين فى التصوف، وكان يكثر من العبارات والشطحات الموهمة فى مواعظه. وكان يعاصره أبو الحسن النورى، وكان شاعرا، ويكثر فى أشعاره من التعبير عن الحب الإلهى وفكرة الفناء فى الذات العلية بمثل قوله (٣):
تأمّل بعين الحق إن كنت ناظرا ... إلى صفة فيها بدائع فاطر
ولا تعط حظّ النفس منها لما بها ... وكن ناظرا بالحق قدرة قادر
ويلقانا أبو الحسين سحنون الخوّاص، وله شعر كثير فى المحبة الربانية وما يصحبها من وجد لا يماثله وجد وشوق لا يماثله شوق، وكذلك فى فكرة الفناء المطلق فى الله بحيث لا يصبح فى المتصوف أى فضل لإحساس أى شئ من حوله، فقد فنيت فيه جميع الصفات والرغبات ولم تبق إلا رغبة واحدة هى رغبة الانمحاء فى الذات الربانية التى تملك عليه كل شئ من أمره، يقول (٤):
стр. 1949
وكان فؤادى خاليا قبل حبّكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمزح
فلما دعا قلبى هواك أجابه ... فلست أراه عن فنائك يبرح
رميت ببين منك إن كنت كاذبا ... وإن كنت فى الدنيا بغيرك أفرح
وإن كل شئ فى البلاد بأسرها ... إذا غبت عن عينى بعينى يملح
ومن تلامذة الجنيد المهمين أبو على الرّوذبارى، وكان يقول: المريد الذى لا يريد لنفسه إلا ما أراد الله له، يريد أنه هو الذى تفنى إرادته فى الإرادة الإلهية، بحيث لا يحس المريد أو المتصوف شيئا فى الكون سوى الله، وكان شاعرا ومن شعره فى فكرة الفناء وغياب روحه عن حسّ أى شئ من أشياء الكون (١):
روحى إليك بكلّها قد أجمعت ... لو أنّ فيها هلكها ما أقلعت
تبكى عليك بكلّها عن كلّها ... حتى يقال من البكاء تقطّعت
والبيتان يحملان فكرة الفناء وفكرة المحبة التى تخلّص النفس لربها. والفكرتان تتداخلان فى التصوف، فالمحبة التى ننكر الذات تنتهى إلى فكرة الفناء والغياب عن كل حسّ وكل خاطرة إلا الذوبان فى الذات العلية. ونعرض لاثنين من كبار المتصوفة بشئ من التفصيل وهما الحلاّج والشّبلى.
الحلاج (٢)
أشهر تلاميذ الجنيد هو الحسين بن منصور المعروف باسم الحلاّج ويقال إن أباه هو الذى كان حلاّجا يحلج الصوف أو القطن أما جدّه فكان مجوسيّا أسلم ودخل فى الدين الحنيف، وقد نشأ فى مدينة تستر، فلزم سهلا التسترى
стр. 1950
الصوفى، الذى أضاف إلى التوبة عند المتصوفة عنصر الندم، والذى أخذ عن الشيعة فكرة عمود النور محل نفوس المؤمنين، وكأن الله يتجلّى فيهم منذ البدء.
وقدم بغداد بعد أن أصبح مزوّدا بكثير من المعارف وصحب الجنيد وأخذ عنه شطحاته وعباراته الطنانة الموهمة، وبالغ فيها وأسرف إسرافا شديدا، ووقع فى نفسه أنه أعلى من الجنيد فى عالم التصوف وأرفع، وأنه رقى مرتبة الكمال التى طالما حلم الجنيد ببلوغها دون أن يدركها. وفارقة متجها إلى أداء فريضة الحج وأقام بمكة سنة، ثم أخذ يطوف فى البلدان وتعرّف فى طوافه على أبى بكر الرازى أشهر أطباء العصر وتخرج عليه فى الفلسفة اليونانية وعلم الكيمياء، وتعمق فى طوافه ورحلاته حتى بلغ الهند، وتعرف فيها على ما يشيع بها من السحر والشعبذة والنيرنجيات. وفى عودته التحق بالقرامطة وتمثّل عنهم عقيدتهم. وأدى فريضة الحج للمرة الثانية، وعاد إلى بغداد سنة ٢٩٥ للهجرة وأخذ ينشر بها آراءه فى أن الزاهد إذا تحمل المشاق والآلام وظل يصفىّ نفسه بالمجاهدات والرياضات المضنية انتهى إلى الدرجة الرفيعة التى يبتغيها إذ يتمثّل فى نفسه حقيقة الصورة الإلهية التى سوّاها الله فيه، وبذلك يصبح هو والحق بمنزلة سواء. وجادله أستاذه الجنيد فى هذه الفكرة طويلا، غير أن كثيرين من المريدين اجتمعوا حوله، وأخذ يكثر من الشطحات ومن الكلام الموهم للكفر والخروج حتى على متصوفة عصره من مثل «أنا الله»، ويقال إن الشبلى قال له: بل أنت بالله، ومثل «أنا الحق»، ويقال إن الجنيد قال له: بل أنت بالحق.
ويبدو أنه كان يضيف إلى ذلك بعض الشعبذات والمخلوطات الكيميائية التى تعلمها على الرازى والنيرنجيات التى تعلمها فى الهند، وأحاطت به ريب المعتزلة واتهموه بالزندقة، وأثار الفقهاء عليه رجال الدولة، فسيق إلى السجن لسنة ٣٠١ وظل فيه ثمانى سنوات، كان يسمح له فيها بأن يزوره مريدوه وأن يتراسل مع من يشاء.
وحاولت «شغب» أم الخليفة المقتدر وحاجبه نصر أن يخلصاه من السجن، فدعا الوزير حينئذ حامد بن العباس قضاة المذاهب الأربعة لمحاكمته، وانعقدت جلسات المحاكمة، وتقدم الشهود، وشهدوا بأنه ادعى الربوبية والنبوة، ولكنه أنكر ذلك، وثبت عليه أنه يقول بأن الحج ليس من الفرائض الواجب أداؤها شرعا. ولعل هذه التهمة هى التى دفعت الفقهاء إلى الفتوى بصلبه، فقد أنكر ركنا أساسيّا من أركان الدين. ويبدو أنه لم يكن يحلّ المتصوف الذى بلغ مثل منزلته بالمجاهدات
стр. 1951
الشاقة من فريضة الحج وحدها، بل كان يحلّه من جميع الفرائض رافعا عنه التكليف إذ أصبح مساويا للحق. ومن الممكن أن يكون دعا سرّا للقرامطة وأن تكون هذه الدعوة من الأسباب فى سجنه وصلبه. وقد نفّذ الحكم عليه فى الثانى عشر من ذى القعدة لسنة ٣٠٩ فضرب ألف سوط ثم قطعت يداه ورجلاه، وحزّ رأسه ونصب يومين على الجسر، ثم حمل إلى خراسان فطيف به هناك، أما جثته فأحرقت وألقى برمادها فى دجلة. وهرب مريدوه إلى خراسان وأخذوا يحيون بها ذكراه، وظلت خالدة على مرّ الأجيال بين متصوفة العرب والفرس والترك.
وكان أهم ما جعل بعض العلماء والناس فى عصره حتى اليوم يذهبون إلى زندقته نظريته فى الخالق وخلقه فقد كان يظهر أنه يؤمن فى الخالق بتنزيهه كما يبدو ذلك فى كلمات كثيرة له مثل: «إن الله تعالى لا تحيط به القلوب ولا تدركه الأبصار ولا تمسكه الأماكن ولا تحويه الجهات ولا يتصوّر فى الأوهام ولا يتخايل للفكر ولا يدخل تحت كيف ولا ينعت بالشرح والوصف» وهذا تنزيه مطلق عن النشبيه بالمخلوقات ولكنه كان يعود فيقول إن الإنسان إذا أقبل على تحمل المشاق والآلام انطبعت فى نفسه الصورة الإلهية. فالله يرى فيه، مع إيمانه بأنه غير مخلوقاته وأنه فوق كل شئ، وهذا هو معنى قوله: أنا الله وأنا الحق، فهو صورة له، وليس هو بعينه، وكأنما الأثر القديم: «إن الله خلق آدم على صورته»، هو الذى جعله ينطق بالكلمتين السابقتين، وهو لا يريد ظاهرهما، إنما يريد أن الله يتجلّى فيه، كما يتجلّى فى خلقه ومن هنا أثر عنه أنه كان يقول: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه. وهو لم يستمد النظرية من الأثر السابق وحده فقد استمدها أيضا من نظرية الناسوت واللاهوت اللذين يؤلفان الطبيعة الثنائية للمسيح، إذ آمن باتحاد الناسوت وهو الروح الإنسانى فى اللاهوت وهو الروح الإلهى، وبذلك يظهر الله بصورته فى الإنسان، ونراه يصرح بذلك إذ يقول فى الطّواسين:
سبحان من أظهر ناسوته ... سرّ سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا لخلقه ظاهرا ... فى صورة الاكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقه ... كلحظة الصاحب؟ ؟ ؟ بالحاجب
стр. 1952
وهو يشير فى البيت الأول إلى آدم وفى البيتين الثانى والثالث إلى ذريته، فهم جميعا ناسوت يظهر أسرار اللاهوت، ويصدق ذلك على الحلاج كما صدق عند المسيحين على عيسى، ومن هنا قال عن نفسه كما قدمنا: أنا الحق أو أنا الله، ومثّل ذلك فى عبارات طنانة، وهو فيها تارة يشعر بالانفصال بين الطبيعتين وأنهما لا تمتزجان فى مثل قوله: «اللهم إنك المتجلى من كل جهة المتخلى من كل جهة، بحق قيامك بحقى وبحق قيامى بحقك، وقيامك بحقى يخالف قيامى بحقك، فإن قيامى بحقك ناسوتية وقيامك بحقى لاهوتية»، وتارة ثانية يشعر بأنهما ممتزجتان امتزاجا تامّا؛ يقول مخاطبا ربه:
مزجت روحك فى روحى كما ... تمزج الخمرة بالماء الزّلال
فإذا مسّك شئ مسّنى ... فإذا أنت أنا فى كلّ حال
وكأنه يشاهد الله فى ذاته، أو كأنما حلّ اللاهوت فيه بالضبط كما آمن المسيحيون فى المسيح، فالروح الإلهية أو اللاهوت يحلّ فيه حتى لتشعّ أنواره فى كل كيانه، ويصور ذلك بمثل قوله:
حويت بكلّى كلّ كلّك يا قدسى ... تكاشفنى حتى كأنك فى نفسى
وقوله:
أنت بين الشّغاف والقلب تجرى ... مثل جرى الدموع من أجفانى
وتحلّ الضمير جوف فؤادى ... كحلول الأرواح فى الأبدان
وهكذا تجرى على لسانه كلمة الحلول، وكل ذلك يؤكد أنه تثقف بالثقافة المسيحية وعرف ما قيل فيها من طبيعة المسيح معرفة بيّنة واستقر فى نفسه أن كل ما قيل عن اللاهوت والناسوت فيه يصدق على كل متصوف جاهد جهادا عنيفا فى الاتصال بربه ومحبته محبة تملك عليه الشغاف من قلبه، حتى ليحس فى قوة بالاتحاد معه، مما جعله يقول:
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتنى أبصرته ... وإذا أبصرته أبصرتنا
стр. 1953
وقد رفع الرّسول ﷺ مراتب فوق جميع الخلق، ويبدو أنه أول من أعدّ لفكرة الحقيقة المحمدية، وأن محمدا بتلك الحقيقة لا بصورته الجسدية يعدّ مبدأ العالم، إذ هو النور الذى تفجّرت من ينابيعه جميع أنوار النبوات، بل هو مبدأ الوجود كله ونبعه الفيّاض السابق لكل موجود، أو بعبارة أخرى هو الحقيقة الإلهية السارية فى الوجود.
وتكثر عنده كلمات الوجد ولهيبه المشتعل فى القلب والسكر ونشوته التى تفقده وعيه والفناء الذى تفنى فيه جميع حواسه، حتى ليرى كأن وجوده هو نفس وجود الذات العلية، وفى ذلك يقول:
إذا بلغ الصّبّ الكمال من الهوى ... وغاب عن المذكور فى سطوة الذكر
فشاهد حقّا حين يشهده الهوى ... بأن صلاة العارفين من الكفر
فكمال الحب الصوفى عنده أن يجاهد المتصوف ويعانى ويلقى الأمرّين فى حبه بمداومة ذكر محبوبه وتسبيحه حتى ليغيب عند ذكره حين تأخذه نشوته به، فيغيب عن ربه ويغيب عن الوجود كله. وحينئذ يصل المتصوف إلى حال تجعله يؤمن بأن صلاة أمثاله من الكفر، وهو يريد أنه حين يصل إلى هذه الحال يرتفع عنه التكليف.
وبذلك يتضح أنه هو الذى أعدّ للانفصام بين أهل الحقيقة من المتصوفة وأهل الشريعة من الفقهاء. وظل هذا الانفصام قائما بعده عند الغلاة من المتصوفة حتى رتق فتقه القشيرى والغزالى فى القرن الخامس الهجرى. ويبدئ ويعيد فى تصوير مجاهداته وما يحتمل فيها من أهوال طوال وآلام ثقال، كقوله فى بعض مناجاته للذات العلية: «أنت تعلم ولا تعلم، وترى ولا ترى. . . وأنا بما وجدت من روائح نسيم حبّك وعواطر قربك أستحقر الراسيات، وأستخفّ الأرضين والسموات، وبحقك لو بعت منى الجنّة بلمحة من وقتى أو بطرفة من أحرّ أنفاسى لما اشتريتها، ولو عرضت علىّ النار بما فيها من ألوان عذابك لاستهونتها فى مقابلة ما أنا فيه من حال استتارك عنى». ومن قوله فى وصف مجاهداته:
لقد ركبت على التغرير واعجبا ... ممن يريد النّجا فى المسلك الخطر
كأننى بين أمواج تقلّبنى ... مقلّب بين إصعاد ومنحدر
стр. 1954
الحزن فى مهجتى والنار فى كبدى ... والدّمع يشهد لى فاستشهدوا بصرى
ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إنه هو الذى وضع فى التصوف الإسلامى فكرة أن الأديان جميعا تؤدّى إلى الله. وفقط تختلف شعائرها، ولكنها تتحد فى الغاية.
وبذلك تخطّى حدود الإسلام إلى حدود الديانات جميعا، مما جعله يقول:
ألا أبلغ أحبّائى بأنى ... ركبت البحر وانكسر السّفينة
ففى دين الصّليب يكون موتى ... ولا البطحا أريد ولا المدينة
وهو لا يريد أن يقول إنه انسلخ عن الإسلام وأصبح لا يريد الموت فى بطحاء مكة ولا فى المدينة المقدسة، إنما يريد أن يقول إنه يرى الله فى المسجد وفى الدّير وفى كل معبد من معابد الديانات. فالديانات جميعا عنده سواء. وفى الحق أن أشعاره وأقواله تحمل كثيرا من الإيهام والغموض حتى لتصبح أحيانا-كما فى كتابه الطواسين-ألغازا خالصة.
الشبلىّ (١)
كنيته أبو بكر، واسمه دلف بن جحدر، وقيل: جعفر بن يونس، وقيل جعفر بن دلف، وقيل غير ذلك. وأصل أهله من أشروسنة جنوبى طشقند الحالية. فهو تركى العرق. رقى أبوه فى قصر الخلافة حتى أصبح حاجب الحجّاب، وكان خاله يلى إمرة الإسكندرية بمصر. ويبدو أنه استعان به فى عمله لعدة سنوات إذ يزعم بعض من تحدثوا عنه أنه كان مصريّا وأنه ورد بغداد من مصر. وقد تركت مصر والإسكندرية فيه بعض طوابعهما. إذ نراه يعتنق مذهب
стр. 1955
المالكية الذى كان يعتنقه أهل الإسكندرية ومحافظة البحيرة القريبة منها. وعاد إلى العراق، فقرّبه منه الموفّق-ولى عهد المعتمد وصاحب الأمر من دونه فى خلافته- واتخذه حاجبا له، ثم ولاّه دنباوند بالقرب من الرّىّ ويحدث منه ما يجعل أمير الرى التابع له يصرفه عن عمله. وكان ذلك نعمة كبرى عليه، فإنه انصرف إلى مجالس المتصوفة وخاصة مجلس خير النسّاج تلميذ السّرىّ السقطى، وأبى حمزة البغدادى وعلى يديه تاب وأناب. ولم يلبث أن لحق بالجنيد أستاذ الصوفية ببغداد حينئذ، ويقال إنه عاد إلى ولايته يستسمح الناس ويطلب منهم العفو إن كان قد أساء إلى أحد منهم وفرّق أمواله فى الفقراء، ورجع إلى الجنيد فأخذه برياضات ومجاهدات عنيفة، ويذكرون أنه قال له فى أول سلوكه الطريق: «لقد حدثونى أن عندك جوهرة العلم الربّانى. فإما أن تمنحنيها، وإما أن تبيعنيها؟ فقال له الجنيد: لا أستطيع أن أبيعكها فما عندك ثمنها، وإن منحتها لك أخذتها رخيصة فلا تعرف قدرها، ألق بنفسك غير هيّاب فى عباب هذا المحيط مثلما فعلت، فعلّك-إن صبرت-أن تظفر بها». ومضى الشبلى يجاهد ويضنى فى جهاده ويشقى طوال حياة شيخه الجنيد حتى إذا توفى سنة ٢٩٧ صحب الحلاج، وكان يزوره فى سجنه، ولكنه لم يعتنق مذهبه الذى صوّرناه آنفا وما اتصل به من أفكار اللاهوت والناسوت والحلول والاتحاد ورفع التكاليف الشرعية، فقد كان يصل بقوة بين الحقيقة أو الحقائق الصوفية والشريعة متابعا أستاذه الجنيد فى اتباع الكتاب والسنة، بل فى التفقه ورواية الحديث النبوى، وبذلك لم يترك الحلاج فيه أى أثر. ويزعم بعض من تحدثوا عنه من القدماء أنه كان شيعيّا، وقد عرفنا آنفا أنه كان مالكى المذهب، وهو لذلك يسلك مع أهل السنة. ويقال إنه لما قتل الحلاج خشى على نفسه لتردده عليه، فتظاهر بالخبل لئلا يمتحن، وأدخل المارستان، ثم خرج منه، وتفرّغ للوعظ، فكان ينعقد له مجلس أيام الجمع، يحضره الناس على تفاوت طبقاتهم، وكان يحضره على بن عيسى وزير المقتدر، وذاع صيته، فكان يقصده الطلاب والمتصوفة من كل فجّ.
وما زال يحتلّ ببغداد هذه المكانة العليّة حتى توفى سنة ٣٣٤ للهجرة عن سبعة وثمانين عامّا.
стр. 1956
وكان الشبلى فى تصوفه دائما سنيا، فلم يكن يزعم لنفسه حال غيبة ولا ابتعد عن ظاهر الشريعة، ويقال إنه سئل من أسعد أصحابك بصحبتك؟ فقال:
أعظمهم لحرمات الله وألهجهم بذكر الله وأقومهم بحق الله وأسرعهم مبادرة فى مرضاة الله وأعرفهم بقضائه وأكثرهم تعظيما لما عظّم من حرمة عباده. وكان يقول إن الله موجود عند الناظرين فى صنعه مفقود عند الناظرين فى ذاته، وسأله سائل: هل يتحقق العارف بما يبدو له؟ فقال: كيف يتحقق بما لا يثبت؟ وكيف يطمئن إلى ما لا يظهر؟ وكيف يأنس بما يخفى؟ ولم يلبث أن قال:
فمن كان فى طول الهوى ذاق سلوة ... فإنى من ليلى لها غير ذائق
وأكثر شئ نلته من نوالها ... أمانىّ لم تصدق كلمحة بارق
فهو لم يكن يقول حتى بالشهود فضلا عن الحلول والاتحاد. وكان ينكر كل ما قيل، أو بعبارة أدق كل ما قاله الحلاج عن تجلى الله فى عبيده ومخلوقاته، فالله واجب الوجود وخالق العالم شئ والعالم بكل ما فيه من مخلوقات شئ آخر، وهو يخاطب ولكن لا يرى ولا يشاهد، يقول:
وخاطبت موجودا بغير تكلّم ... ولا حظت معلوما بغير عيان
وكان يقول: «تعززت به وما افترقنا وكيف نفترق ولم يجر علينا حال الجمع أبدا». وكان يتحدث كثيرا عن الأحوال والمقامات، ويبدئ ويعيد فى الحديث عن حبه، ومن قوله: «أدخلت المارستان كذا وكذا مرة، وأسقيت الدواء كذا وكذا مرة، فلم أزدد إلا جنونا»، وكثيرا ما كان ينشد قوله:
جرى حبّك فى قلبى ... كجرى الماء فى العود
وقوله:
هذه دارهم وأنت محبّ ... ما بقاء الدموع فى الآماق
ويطيل الحديث عن عذابه فى حبه وما يتحمل فيه من أهوال وما يسكب من دموع غزار، حتى فى العيد، فالناس فيه يفرحون ويعدّون الراح والريحان وآلات الطرب، أما هو فيفضى إلى حزن شديد ونوح وتعديد، حتى لكأنما يحمل تحت
стр. 1957
ثيابه قبرا، فهو دائم البكاء دائم النواح، يقول:
قبور الورى تحت التراب وللهوى ... رجال لهم تحت الثياب قبور
وعندى دموع لو بكيت ببعضها ... لفاضت بحور بعدهن بحور
وكان يؤمن بالفناء فى الذات الإلهية مثل أستاذه الجنيد، ولكن لم يكن يفنى فيه عن نفسه الواعية، فتصوفه دائما تصوف صحو لا تصوف غيب، وإن بدا فى كلامه أحيانا أن فناءه إنما يكون فى حال غيبة من مثل قوله وقد سئل: متى يكون العارف بمشهد الحق؟ فأجاب: إذا بدا الشاهد وفنيت الشواهد وذهبت الحواس واضمحلّ الإحساس»، وذكر عنه أنه كان يقول: «هذا مجنون بنى عامر كان إذا سئل عن ليلى يقول: أنا ليلى، فكان يغيب بليلى عن ليلى حتى يبقى بمشهد ليلى ويغيّبه عن كل معنى سوى ليلى، ويشهد الأشياء كلها بليلى». ولكن ينبغى ألا نظن من مثل هذا القول أنه كان يؤمن بانمحاء التفرقة بين الشاهد والمشهود مثل الحلاّج، إنما يريد الإحساس بالفناء فى الذات العلية، ومن طريف ماله من ذلك قوله:
تسرمد (١) ... وقتى فيك فهو مسرمد
وأفنيتنى عنى فعدت محدّدا
وكلّى بكلّ الكلّ وصل محقّق ... حقائق حقّ فى دوام تخلّدا
وقوله:
تغنّى العود فاشتقنا ... إلى الأحباب إذ غنّى
وكنّا حيثما كانوا ... وكانوا حيثما كنّا
وكان ينكر كل ما تورط فيه الحلاج من شعوذات ونيرنجيات مما رواه عنه بعض مريديه، وتتردد على لسانه كثيرا كلمة السكر، وسأله سائل: هل شاهد الله أحد بحقيقته؟ فقال: الحقيقة بعيدة، ولكن ظنون وأمانىّ وحسبان.
стр. 1958
٤ - شعراء الطرد والصيد
مرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول أن الخلفاء والوزراء وعلية القوم شغفوا بالصيد والطّرد حينذاك وأن الشعراء وفى مقدمتهم أبو نواس نظموا طرديّات كثيرة، اختاروا لها وزن الرجز، ولأبى نواس نحو خمسين طرديّة أحسن فيها غاية الإحسان.
واستمر الخلفاء وأبناؤهم وكثير من الناس فى هذا العصر يولعون بالصيد، وممن كان يولع به من الخلفاء ولعا شديدا المتوكل، إذ كان يولع بالفهود والصيد بها كما كان يولع بالشباك. ولعل خليفة فى العصر لم يشغف بالصيد كما شغف المعتضد ومرّ بنا فى الفصل الثانى أنه كان يخرج لصيد الأسود، ويقال إنه كان يتقدّم لها وحده، وفى ذلك يقول له بعض معاصريه (١):
يا صائد الأسد إن صيدكها ... لجامع خلّتين من رشد
فلذّة تجتنى ومنفعة ... للسالكين السّبيل والقعد (٢)
ويذكر الصابى أنه كان ينفق يوميّا سبعين دينارا لأصحاب الصيد من البازياريين والفهّادين والكلاّبين (٣). وورث ابنه المكتفى عنه هذه الهواية، فكان يولع بالفهود والعقبان والصيد بهما. وكان المعتز مثلهما يخرج للصيد فى مواكب حافلة. وانتشر ذلك بين ذوى الوجاهة انتشارا واسعا، مما أهّل لازدهار شعر الطرد فى العصر، حتى كاد لا يكون هناك شاعر نابه لا ينظم فيه طرديّة بل طرديات، وقد مضوا ينظمونها فى بحور وأوزان مختلفة غير مكتفين بالرجز، إذا نحن استثنينا ابن المعتز، وكأنه رأى أن يظل متمسكا بوزنها القديم، أما معاصروه فرأوا الاتساع بها، بحيث تنظم فى أى وزن حسب مشيئاتهم الفنية، ولم يتركوا ضاريا من ضوارى الصيد إلا وصفوه ولا جارحا من جوارحه إلا نعتوه، نعتوا الكلاب
стр. 1959
والفهود والبزاة والشواهين والصّقور والعقبان، ونعتوا الصيد من حمر الوحش وأتنه وثيرانه وبقره وظبائه ونعامه وكذلك من الأرانب والثعالب والذئاب والآساد والطير والإوزّ، وألموا بآلاته من النّبل والسهام والنشّاب والفخاخ والشباك والحبال المسماة بالأوهاق التى تجعل فى أطرافها أنشوطة وترمى على الحيوان فتمسك بعنقه.
والجلاهق وهو بندق مدوّر من طين يرمى به. وكان لهذا النشاط الواسع فى الصيد وما يتصل به من الشعر أثر فى أن أخذت تؤلّف كتب مختلفة فى البيزرة وفى المصايد والمطارد. تفصّل القول فى الصيد وآلاته وضواريه وجوارحه. وقد نظمت حينئذ طرديات كثيرة، لا نستطيع أن نستقصيها ولا أن نستقصى شعراءها لكثرتهم المغرطة، ونكتفى بالوقوف عند أعلامهم، وأول من نقف عنده على بن الجهم، وكان قد خرج يوما مع طاهر بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان إلى الصيد واتفق لهما فى مرج للزعفران كثير من الطير والوحش، فاصطادا منهما كثيرا بالبزاة والصقور والشواهين والكلاب، وفى ذلك يقول (١):
وطئنا رياض الزّعفران وأمسكت ... علينا البزاة البيض حمر الدّرارج (٢)
ولم تحمها الأدغال منا وإنّما ... أبحنا حماها بالكلاب النّوابج (٣)
بمستروحات سابحات بطونها ... على الأرض أمثال السهام الزّوالج (٤)
ومستشرفات بالهوادى كأنها ... وما عقفت منها رءوس الصوالج (٥)
ومن دالعات ألسنا فكأنها ... لحى من رجال خاضعين كواسج (٦)
فلينا بها الغيطان فليا كأنها ... أنامل إحدى الغانيات الحوالج (٧)
قرنّا بزاة بالصقور وحوّمت ... شواهيننا من بعد صيد الزّمامج (٨)
وهو يصور الصقور والكلاب تصويرات بديعة. فمنقار الصقر كأنه صولجان،
стр. 1960
والكلاب حين تدلع ألسنتها لاهثات كأنما ألسنتها لحى مرسلة على الذقون، وقد فحصت المرج البزاة والكلاب فحصا دقيقا حتى لكأنها أنامل دقيقة لسيدة تفلى القطن وتخلّص الحبّ منه، فلا تبقى حبة مختبئة، بل كل الحب يستخلص، تستخلصه أنامل مرهفة. ومرّ بنا فى الفصل الرابع تصوير البحترى لصيد الأسد وكذلك تصويره لصيده الذئب وقد لقيه فى فلاة موحشة، وهما لوحتان رائعتان.
ولابن الرومى غير قصيدة فى الطّرد والصيد، ونكتفى من طردياته بالقطعة التالية التى يصور فيها صيد صحابه للطير، وقد تقلّدوا أوعية حمراء من جلد أودعوها كثيرا من البندق الذى يرمى به. وأشرعوا أقواسهم مسدّ دين البندق منها للطير الهاجع وقت السحر، يقول (١):
وجدّت قسىّ القوم فى الطير جدّها ... فظلّت سجودا للرّماة وركّعا
طرائح من بيض وسود نواصع ... تخال أديم الأرض منهن أبقعا (٢)
فكم ظاعن منهن مزمع رحلة ... قصرنا نواه دون ما كان أزمعا (٣)
وكم قادم منهنّ مرتاد منزل ... أناخ به منا منيخ فجعجعا (٤)
هنالك تغدو الطير ترتاد مصرعا ... وحسبانها المكذوب ترتاد مرتعا
مباح لراميها الرّمايا كأنما ... دعاها له داعى المنايا فأسمعا
لها عولة أولى بها ما تصيبه ... وأجدر بالإعوال من كان موجعا
وما ذاك إلا زجرها لبناتها ... مخافة أن يذهبن فى الجوّ ضيّعا
وظلّ صحابى ناعمين ببؤسها ... وظلّت على حوض المنيّة شرّعا (٥)
ويبثّ ابن الرومى فى وصفه حيوية خافقة، فالطير ماتنى ساقطة ساجدة راكعة، منها ما هبط إلى الأرض جشّة هامدة، ومنها ما هو فى سبيله إلى الهبوط، وهى مطروحة فى الأرض أبيضها وأسودها، وكأنما أصبحت الأرض أديما مخطّطا،
стр. 1961
وكم طائر كان يريد الارتحال فحالوا بينه وبين وجهته، وكم طائر كان يريد المقام سقط دون أمنيته، وهو يصرخ صراخ البعير عند إناخته، لقد كان يريد المرتع الخصب فإذا هو يجد المصرع الذى لم يكن له على بال، وكأنما دعاه ودعا رفاقه من الرمايا داعى الموت فأسمع وأصمى، والطير تعول غير متنبهة للرمى والرماة، خيفة على بناتها من أن تضل الطريق فى الجو، على حين تترامى على حياض الموت، بؤس ما بعده بؤس والصائدون ناعمون نعيما ما بعده نعيم. وقد عرضنا فى غير هذا الموضع بعض طرديات لابن المعتز. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنه أكبر شاعر نظم طرديات فى العصر. ويذكر مترجموه أنه صنّف كتابا فى جوارح الصيد وضواريه، ولا يكاد ضار أو جارح يفلت منه فى شعره أو قل فى طردياته، فمنها ما يصف فيه كلاب الصيد وفهوده ومنها ما يصف فيه بزاته وصقوره، ومنها ما يصف شباكه وبندقه، ودائما تجرى الكلاب وراء الظباء والأرانب حتى تصيدها وقلما أفلتت منها، ومن قوله فى كلبة ماهرة فى الصيد (١):
قد أغتدى والليل كالغراب ... داجى القناع حالك الخضاب
بكلبة تاهت على الكلاب ... تفوت سبقا لحظة المرتاب
تنساب مثل الأرقم المنساب ... كأنما تنظر من شهاب
بمقلة وقف على الصواب
فهو يخرج بكلبته وقت السحر، والليل لا يزال فى دجاه وحلوكته، تصحبه كلبة تيّاهة على الكلاب بسرعتها حتى لتسبق لحظة من وقعت فى نفسه الريبة، فهو ينظر خلسة وفى سرعة يريد أن يتحقق من صحة ريبه، وهى تنساب زاحفة كأنها أفعى، مسرعة لا تلوى، ناظرة لا بعين لمّاحة، وإنما بشهاب قبس، مقلة لا تخطئ الصيد، بل دائما تصيب وتصيد. ومن قوله فى وصف باز من بزاته (٢):
стр. 1962
ذو مقلة تهتك أستار الحجب ... كأنها فى الرأس مسمار ذهب
يعلو الشمال كالأمير المنتصب ... أمكنه الجود فأعطى ووهب
ذو منسر مثل السّنان المختضب ... وذنب كالذيل ريّان القصب (١)
كأن فوق ساقه إذا انتصب ... من حلل الكتّان رانا ذا هدب (٢)
وتشبيه مقلة البازى الصفراء بمسمار الذهب تشبيه بديع، ويقول إنه يقف رافع الرأس كالأمير يفرّق عطاياه ويهب ما يصيد، ثم يصف منسره بأنه كسنان الرمح المخضب بالدماء من كثرة ما يصيد، ويقول إن ذنبه كالذيل الزاهى بريشه، وكأن فوق ساقه ثوبا أبيض من الكتان تسترسل أهدابه، وله فى باز آخر (٣):
فارس كفّ ماثل كالإسوار ... ذو جؤجؤ مثل الرخام المرمار (٤)
أو مصحف منمنم ذى أسطار ... ومقلة صفراء مثل الدينار
ترفع جفنا مثل حرف الزّنّار ... ومخلب كمثل عطف المسمار
وهو فارس كف لأنه يحمل على الكف عادة، ويقول إن صدره مثل الرخام الناعم أو مثل المصحف المزخرف بالسطور، أما مقلته فصفراء مثل الدينار، وأما جفنه فكحرف الزنّار الذى يضعه النصارى فى أوساطهم تمييزا لهم، وأما المخلب فكعطفة المسمار. وله يصف فهدة (٥):
ولا صيد إلا بوثّابة ... تطير على أربع كالعذب (٦)
فإن أطلقت من قلاداتها ... وطار الغبار وجدّ الطّلب
فزوبعة من بنات الرياح ... تريك على الأرض شيئا عجب
تضمّ الطّريد إلى نحرها ... كضمّ المحّبة من لا يحبّ
فأرجلها كالخيوط من خفتها، وحين تطلق من قلائدها ويجدّ طلبها لطرائدها
стр. 1963
ويعلوها الغبار لسرعة عدوها تصبح كأنها زوبعة أو عاصفة من بنات الرياح، مما يملؤك عجبا، وإذا هى قد صادت الطريد وضمته إلى نحرها وصدرها لا ضمّ حنان ولكن ضم عدوان، كضم المحبة من لا يحبها. وهو تصوير رائع. وللصنوبرى طرديات مختلفة، منها قوله فى باز (١):
ذو منسر أقنى ورسغ كزّ ... ومخلب لم يعد إشفا (٢) الخرز
مسربل مثل حبيك القزّ ... أو مثل جزع اليمن الأرزّى (٣)
لما لززنا الطير بعد اللّزّ ... بأسفل القاع وأعلى النّشز (٤)
آب لنا بالقبج والإوزّ ... من جبل صلد ومرج نزّ (٥)
وهو يصور منسره ومخالبه الحادة التى ينقضّ بها على الطير انقضاضا فلا تستطيع منه خلاصا، ويصور ثيابه من الريش كأنها الحرير أو كأنها الجزع أو الخرز اليمانى الذى تغنّى به امرؤ القيس، والطير مبثوثة فى القيعان وعلى المرتفعات وقد آب منها بكثير من الحجل والإوز. ومن قوله فى الطّرد ووصف كلابه وما صادت من الوحش (٦):
يا روضة من حلل ... ما خاطها خيّاط
الوحش فى أرجائها ... قبائل أخلاط
غاديتها ولم يقم ... أعلامها الغطاط (٧)
بأكلب لو لم تطر ... أطارها النشاط
فجئن والطّلّ على ... آذانها أقراط
انبسطت كالشّهب لا ... يعجزها انبساط
стр. 1964
وطفقت والوحش فى ... مجالها بساط
صرعى تشقّ قمصها ... عنها ولا تخاط
وهو يبدأ بالحديث عن الروضة مكان الصيد وما انتشر عليها من حلل الأزهار والأنوار، ويذكر كثرة الوحش بها وأنه باكرها قبل أن يستيقظ القطا وغيره من الطير مرسلا عليها كلابه المسرعة التى تكاد تطير طيرانا، غير آبهة ببرودة الطّقس وما قرّط به آذانها من النّدى، فقد زحفت وانتشرت كالشهاب الساطع، تصرع كثيرا من الوحش وتشق عنه جلده وأديمه وتمزّقه تمزيقا لا يمكن رتقه.
وكما يعرض لصيد البرّ يعرض لصيد البحر بصنانيره الشبيهة بالأظفار وبالشبكة وعيونها الكثيرة، وفى ذلك يقول (١):
أفضل ما أعددته من العدد ... وما حوى صحبى به غنى الأبد
بنات قين حاز فى الحذق الأمد ... على مقادير مخاليب الصّرد (٢)
لها رءوس فى أعاليها أود ... كمثل أنياب الأفاعى وأحدّ (٣)
عجنا بها من حيث ما عاج أحد ... فى ظل صفصاف علينا قد برد (٤)
شاطئ نهر لابس درع زبد ... ولم تزل ترسل طورا وتمدّ
ثم بعثنا ألف عين فى جسد ... فجئننا بمثلهنّ فى العدد
ألف من الحيتان بيض كالبرد
وواضح أنه صوّر الصنانير والصيد ثم الشبكة وما صوّر أفاء الله عليهم من الحيتان الكثيرة: ولعل من الخير أن نكتفى بهذا العرض عند أعلام الشعراء، وأن نتركهم إلى شاعر اشتهر بكثرة طرديّاته فى العصر هو أبو العباس الناشئ فقد كان مولعا بالطّرد والصيد، وله طرديات كثيرة.
стр. 1965
أبو العباس (١) الناشئ الأكبر
هو عبد الله بن محمد المعروف بابن شرشير، من أهل الأنبار وفيها ولد ونشأ، ثم تركها إلى بغداد، واستقر بها طويلا، وفيها تلقّن علم الكلام كما تلقن كثيرا من العلوم، وكان ذكيّا ذكاء حادّا، وصرف ذكاءه فى مناهضة العباقرة من عالمه والعالم الخارجى، إذ ألف كتابا ينقض به منطق أرسطو وكتابا ثانيا ينقض به آراء الخليل ابن أحمد فى العروض ومثّل لقواعده بغير أمثلته. وحاول أن ينقض علل النحويين.
ونظم قصيدة طويلة فى فنون العلوم والآداب بلغت أربعة آلاف بيت فى روىّ واحد وقافية واحدة لم تصلنا، وربما كانت منها الأبيات التى أنشدها الحصرى له فى موضوعات الشعر وصفاته اللفظية والمعنوية. وكان شيعيّا، وربما شيعيته هى التى جعلته يترك بغداد عاصمة الدولة العباسية إلى مصر ويتوفّى بها سنة ٢٩٣ للهجرة.
وله كتاب فى تفضيل الشعر مما يدل على أنه لم يكن شاعرا ولا عالما فقط بل كان أيضا ناقدا، ولعل هذا الكتاب هو الذى جعل أبا حيان التوحيدى يعجب به وبنقده للشعر إذ يقول: «ما أصبت أحدا تكلم فى نقد الشعر وترصيفه أحسن مما تكلم به الناشئ المتكلم، وإن كلامه ليزيد على كلام قدامة وغيره، وله مذهب حلو وشعر بديع واحتفال عجيب»، وينقل أبو حيان فى تضاعيف كتابه بعض ما قرأه له، فمن ذلك حديثه عن دواعى الشعر وبواعثه، وهو يجرى على هذا النمط:
«أول الشعر إنما يكون بكاء على دمن، أو تأسفا على زمن، أو نزوعا لفراق، أو تلوعا لاشتياق، أو تطلعا لتلاق، أو إعذارا إلى سفيه، أو تغمدا لهفوة، أو تنصلا من زلّة، أو تحضيضا على أخذ بثأر، أو تحريضا على طلب أوتار، أو تعديدا للمكارم، أو تعظيما لشريف مقام، أو عتابا على طويّة أو متابا من مقارفة ذنب، أو تعهدا لمعاهد أحباب، أو تحسرا على مشاهد أطراب، أو