وكم طائر كان يريد الارتحال فحالوا بينه وبين وجهته، وكم طائر كان يريد المقام سقط دون أمنيته، وهو يصرخ صراخ البعير عند إناخته، لقد كان يريد المرتع الخصب فإذا هو يجد المصرع الذى لم يكن له على بال، وكأنما دعاه ودعا رفاقه من الرمايا داعى الموت فأسمع وأصمى، والطير تعول غير متنبهة للرمى والرماة، خيفة على بناتها من أن تضل الطريق فى الجو، على حين تترامى على حياض الموت، بؤس ما بعده بؤس والصائدون ناعمون نعيما ما بعده نعيم. وقد عرضنا فى غير هذا الموضع بعض طرديات لابن المعتز. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنه أكبر شاعر نظم طرديات فى العصر. ويذكر مترجموه أنه صنّف كتابا فى جوارح الصيد وضواريه، ولا يكاد ضار أو جارح يفلت منه فى شعره أو قل فى طردياته، فمنها ما يصف فيه كلاب الصيد وفهوده ومنها ما يصف فيه بزاته وصقوره، ومنها ما يصف شباكه وبندقه، ودائما تجرى الكلاب وراء الظباء والأرانب حتى تصيدها وقلما أفلتت منها، ومن قوله فى كلبة ماهرة فى الصيد (١):
قد أغتدى والليل كالغراب ... داجى القناع حالك الخضاب
بكلبة تاهت على الكلاب ... تفوت سبقا لحظة المرتاب
تنساب مثل الأرقم المنساب ... كأنما تنظر من شهاب
بمقلة وقف على الصواب
فهو يخرج بكلبته وقت السحر، والليل لا يزال فى دجاه وحلوكته، تصحبه كلبة تيّاهة على الكلاب بسرعتها حتى لتسبق لحظة من وقعت فى نفسه الريبة، فهو ينظر خلسة وفى سرعة يريد أن يتحقق من صحة ريبه، وهى تنساب زاحفة كأنها أفعى، مسرعة لا تلوى، ناظرة لا بعين لمّاحة، وإنما بشهاب قبس، مقلة لا تخطئ الصيد، بل دائما تصيب وتصيد. ومن قوله فى وصف باز من بزاته (٢):
стр. 1962
ذو مقلة تهتك أستار الحجب ... كأنها فى الرأس مسمار ذهب
يعلو الشمال كالأمير المنتصب ... أمكنه الجود فأعطى ووهب
ذو منسر مثل السّنان المختضب ... وذنب كالذيل ريّان القصب (١)
كأن فوق ساقه إذا انتصب ... من حلل الكتّان رانا ذا هدب (٢)
وتشبيه مقلة البازى الصفراء بمسمار الذهب تشبيه بديع، ويقول إنه يقف رافع الرأس كالأمير يفرّق عطاياه ويهب ما يصيد، ثم يصف منسره بأنه كسنان الرمح المخضب بالدماء من كثرة ما يصيد، ويقول إن ذنبه كالذيل الزاهى بريشه، وكأن فوق ساقه ثوبا أبيض من الكتان تسترسل أهدابه، وله فى باز آخر (٣):
فارس كفّ ماثل كالإسوار ... ذو جؤجؤ مثل الرخام المرمار (٤)
أو مصحف منمنم ذى أسطار ... ومقلة صفراء مثل الدينار
ترفع جفنا مثل حرف الزّنّار ... ومخلب كمثل عطف المسمار
وهو فارس كف لأنه يحمل على الكف عادة، ويقول إن صدره مثل الرخام الناعم أو مثل المصحف المزخرف بالسطور، أما مقلته فصفراء مثل الدينار، وأما جفنه فكحرف الزنّار الذى يضعه النصارى فى أوساطهم تمييزا لهم، وأما المخلب فكعطفة المسمار. وله يصف فهدة (٥):
ولا صيد إلا بوثّابة ... تطير على أربع كالعذب (٦)
فإن أطلقت من قلاداتها ... وطار الغبار وجدّ الطّلب
فزوبعة من بنات الرياح ... تريك على الأرض شيئا عجب
تضمّ الطّريد إلى نحرها ... كضمّ المحّبة من لا يحبّ
فأرجلها كالخيوط من خفتها، وحين تطلق من قلائدها ويجدّ طلبها لطرائدها
стр. 1963
ويعلوها الغبار لسرعة عدوها تصبح كأنها زوبعة أو عاصفة من بنات الرياح، مما يملؤك عجبا، وإذا هى قد صادت الطريد وضمته إلى نحرها وصدرها لا ضمّ حنان ولكن ضم عدوان، كضم المحبة من لا يحبها. وهو تصوير رائع. وللصنوبرى طرديات مختلفة، منها قوله فى باز (١):
ذو منسر أقنى ورسغ كزّ ... ومخلب لم يعد إشفا (٢) الخرز
مسربل مثل حبيك القزّ ... أو مثل جزع اليمن الأرزّى (٣)
لما لززنا الطير بعد اللّزّ ... بأسفل القاع وأعلى النّشز (٤)
آب لنا بالقبج والإوزّ ... من جبل صلد ومرج نزّ (٥)
وهو يصور منسره ومخالبه الحادة التى ينقضّ بها على الطير انقضاضا فلا تستطيع منه خلاصا، ويصور ثيابه من الريش كأنها الحرير أو كأنها الجزع أو الخرز اليمانى الذى تغنّى به امرؤ القيس، والطير مبثوثة فى القيعان وعلى المرتفعات وقد آب منها بكثير من الحجل والإوز. ومن قوله فى الطّرد ووصف كلابه وما صادت من الوحش (٦):
يا روضة من حلل ... ما خاطها خيّاط
الوحش فى أرجائها ... قبائل أخلاط
غاديتها ولم يقم ... أعلامها الغطاط (٧)
بأكلب لو لم تطر ... أطارها النشاط
فجئن والطّلّ على ... آذانها أقراط
انبسطت كالشّهب لا ... يعجزها انبساط
стр. 1964
وطفقت والوحش فى ... مجالها بساط
صرعى تشقّ قمصها ... عنها ولا تخاط
وهو يبدأ بالحديث عن الروضة مكان الصيد وما انتشر عليها من حلل الأزهار والأنوار، ويذكر كثرة الوحش بها وأنه باكرها قبل أن يستيقظ القطا وغيره من الطير مرسلا عليها كلابه المسرعة التى تكاد تطير طيرانا، غير آبهة ببرودة الطّقس وما قرّط به آذانها من النّدى، فقد زحفت وانتشرت كالشهاب الساطع، تصرع كثيرا من الوحش وتشق عنه جلده وأديمه وتمزّقه تمزيقا لا يمكن رتقه.
وكما يعرض لصيد البرّ يعرض لصيد البحر بصنانيره الشبيهة بالأظفار وبالشبكة وعيونها الكثيرة، وفى ذلك يقول (١):
أفضل ما أعددته من العدد ... وما حوى صحبى به غنى الأبد
بنات قين حاز فى الحذق الأمد ... على مقادير مخاليب الصّرد (٢)
لها رءوس فى أعاليها أود ... كمثل أنياب الأفاعى وأحدّ (٣)
عجنا بها من حيث ما عاج أحد ... فى ظل صفصاف علينا قد برد (٤)
شاطئ نهر لابس درع زبد ... ولم تزل ترسل طورا وتمدّ
ثم بعثنا ألف عين فى جسد ... فجئننا بمثلهنّ فى العدد
ألف من الحيتان بيض كالبرد
وواضح أنه صوّر الصنانير والصيد ثم الشبكة وما صوّر أفاء الله عليهم من الحيتان الكثيرة: ولعل من الخير أن نكتفى بهذا العرض عند أعلام الشعراء، وأن نتركهم إلى شاعر اشتهر بكثرة طرديّاته فى العصر هو أبو العباس الناشئ فقد كان مولعا بالطّرد والصيد، وله طرديات كثيرة.
стр. 1965
أبو العباس (١) الناشئ الأكبر
هو عبد الله بن محمد المعروف بابن شرشير، من أهل الأنبار وفيها ولد ونشأ، ثم تركها إلى بغداد، واستقر بها طويلا، وفيها تلقّن علم الكلام كما تلقن كثيرا من العلوم، وكان ذكيّا ذكاء حادّا، وصرف ذكاءه فى مناهضة العباقرة من عالمه والعالم الخارجى، إذ ألف كتابا ينقض به منطق أرسطو وكتابا ثانيا ينقض به آراء الخليل ابن أحمد فى العروض ومثّل لقواعده بغير أمثلته. وحاول أن ينقض علل النحويين.
ونظم قصيدة طويلة فى فنون العلوم والآداب بلغت أربعة آلاف بيت فى روىّ واحد وقافية واحدة لم تصلنا، وربما كانت منها الأبيات التى أنشدها الحصرى له فى موضوعات الشعر وصفاته اللفظية والمعنوية. وكان شيعيّا، وربما شيعيته هى التى جعلته يترك بغداد عاصمة الدولة العباسية إلى مصر ويتوفّى بها سنة ٢٩٣ للهجرة.
وله كتاب فى تفضيل الشعر مما يدل على أنه لم يكن شاعرا ولا عالما فقط بل كان أيضا ناقدا، ولعل هذا الكتاب هو الذى جعل أبا حيان التوحيدى يعجب به وبنقده للشعر إذ يقول: «ما أصبت أحدا تكلم فى نقد الشعر وترصيفه أحسن مما تكلم به الناشئ المتكلم، وإن كلامه ليزيد على كلام قدامة وغيره، وله مذهب حلو وشعر بديع واحتفال عجيب»، وينقل أبو حيان فى تضاعيف كتابه بعض ما قرأه له، فمن ذلك حديثه عن دواعى الشعر وبواعثه، وهو يجرى على هذا النمط:
«أول الشعر إنما يكون بكاء على دمن، أو تأسفا على زمن، أو نزوعا لفراق، أو تلوعا لاشتياق، أو تطلعا لتلاق، أو إعذارا إلى سفيه، أو تغمدا لهفوة، أو تنصلا من زلّة، أو تحضيضا على أخذ بثأر، أو تحريضا على طلب أوتار، أو تعديدا للمكارم، أو تعظيما لشريف مقام، أو عتابا على طويّة أو متابا من مقارفة ذنب، أو تعهدا لمعاهد أحباب، أو تحسرا على مشاهد أطراب، أو
стр. 1966
ضربا لأمثال سائرة، أو قرعا لقوارع زاجرة، أو نظما لحكم بالغة، أو تزهيدا فى حقير عاجل، أو ترغيبا فى جليل آجل، أو حفظا لقديم نسب أو تدوينا لبارع أدب». والقطعة تلمّ فى دقة بالبواعث النفسية لنظم الشعر، فهو شاعر بصير بفنه وبصناعته وقد روى له الحصرى قطعة فى وصفه لشعره يقول فيها:
يتحيّر الشعراء إن سمعوا به ... فى حسن صنعته وفى تأليفه
شجر بدا للعين حسن نباته ... ونأى عن الأيدى جنا مقطوفه
ويذكر من ترجموا له أنه كان شاعرا بارعا غزير الشعر، وسلكه ابن خلكان فى طبقة ابن الرومى والبحترى، ويبدو من بقايا أشعاره أنه نظم فى موضوعات شتى، منها ما يتصل بعلم الكلام وافتخاره بالمتكلمين عامة لما ينيرون من المشكلات الصعبة، يقول:
مطالع الحق ما من شبهة غسقت ... إلا ومنهم لديها كوكب يقد (١)
ومنها ما يتصل بالطبيعة وبالغزل ومجالس الأنس، وصبّ أكثر عنايته على وصف الطرد والصيد وجوارحه وضواريه ومصيداته وآلاته. ويكفى لبيان كثرة هذا الجانب عنده واستنفاده لأكثر شعره أن نجد «كشاجم» يجعل أشعاره ركنا أساسيّا صنع «كتابه المصايد والمطارد» فقد اعتمد فيه على طردياته اعتمادا شديدا، وأول ما نقف عنده فى هذا الكتاب طردية له فى صيد أحد الكلاب يستهلّها على هذا النمط:
قد أغتدى والفجر فى حجابه ... لم يحلل العقدة من نقابه
بأغضف عيشه من عذابه ... من صولة بظفره ونابه (٢)
يراح أن يدعى ليغتدى به ... روحة ذى النّشوة من شرابه (٣)
يخطّ بالبرثن فى ترابه ... خطّ يد الكاتب فى كتابه (٤)
والطريف فى هذا الاستهلال أنه جعل الكلب كادحا لا يقيم أوده إلا بعرق جبينه وصولاته بظفره ونابه، وأيضا فإنه جعله يشعر بنشوة ما بعدها نشوة حين
стр. 1967
يندبه صاحبه للصيد، وتستحيل الأرض كأنها مشق أو صحيفة وهو يخطّ فيها ببراثنه، ويتبع كشاجم هذه الطّردية بطردية أخرى تطرّد على هذا السياق:
يا ربّ كلب ربّه فى رزقه ... برى حقوق النفس دون حقّه
متّبعا بخلقه لخلقه ... كأنما يملك عقد رقّه
يصونه بجلّه ودقّه ... كآمل من مالك لعتقه (١)
تراه فى تسريحه وربقه ... كعاشق أضناه طول عشقه (٢)
أصفر يلهى العين حسن خلقه ... كذهب أبرزته من حقّه
ذو غرّة فارقة لفرقه ... وذو حجول بيّنت عن سبقه (٣)
وقد جعل الناشئ ربّ هذا الكلب وصاحبه يقدّمه على نفسه فى غذائه، ويأتسى به، حتى لكأنما يشتق أخلاقه من أخلاق هذا الكلب أو قل السيد المطاع الذى يملك رقه، وإنه ليرعاه فى كل كبيرة وصغيرة، وكأنه عبد يتقرب لمالكه بكل ما يصونه ويحفظه حتى يفك رقبته ويرد عليه حريته. ويعود إلى فكرة عشق الكلب للصيد، فيجعله حين يكون فى ربقته وحبله كعاشق طال عليه البين والهجران، حتى أصابه ضنى شديد، ويتحدث عن حسنه وجمال صفرته الأخاذة وغرّته فى جبهته وحجوله فى سيقانه، وبياضها يلمع فى أثناء عدوه كأنه ضوء ساطع. وله فى البازى طرديات مختلفة يصور فيها حسنه وما خلع عليه الخالق من ريشه وجماله، وفيه يقول:
ألبسه الخالق من ديباجه ... ثوبا كفى الصانع من نساجه
حال من السّاق إلى أوداجه ... وشيا يحار الطّرف فى اندراجه (٤)
فى نسق منه وفى انعراجه ... وزان فوديه إلى حجاجه (٥)
بزينة كفته عزّ تاجه ... وظفره يخبر عن علاجه
لو استضاء المرء فى إدلاجه ... بعينه كفته عن سراجه
فالخالق جلّ شأنه كساه ثوبا من الديباج يملأ النفس إعجابا بوشيه وخطوطه
стр. 1968
ونقوشه من ساقه إلى مفرقه وعلى رأسه، وكأنما حلاّه بتاج كتاج الملوك المتألق بحليه وزينته، ويذكر مخالبه الحادة حدة الإبر، وعينه المضيئة ضياء السراج فى الليالى الداجية. وينظم فى الصقر غير طردية، وفى إحداها يقول:
سباه من كان به خليقا ... فرخا صغيرا ما أقلّ موقا
زيّنه برأيه شفيقا ... كما يصون العاشق المعشوقا
حتى انتهى وحمل الحقوقا ... ونفع الصاحب والصديقا
وهو يصوّر تدريب صاحبه له، وكيف أنه ربّاه صغيرا وما زال يرعاه محبّا له حب العاشق لمعشوقه، وما زال يثقفه ويدرّ به على الصيد، حتى مهر فيه، وحتى أصبح يجلب من الإوزّ وغيره ما ينفع به أصدقاء صاحبه وأحبّاءه. ومن قوله فى وصف شاهين:
يظلّ من جناحه المزين ... فى قرطق من خزّه الثّمين (١)
يشبه فى طرازه المصون ... برد أنوشروان أو شيرين
ذو منسر محدّد مسنون ... واف كشطر الحاجب المقرون
منعطف مثل انعطاف النون
هو يتحدث عن جمال هذا الشاهين وتلاوين ريشه التى تجعله يلبس قرطقا أو قباء مفوفا من الحرير كأنه ثوب أنوشروان أو ثوب شيرين زوج كسرى أبرويز، وإن منسره أو مخلبه المنحنى كحرف الراء ليشبه شطر حاجب مقرون أو كأنه انعطاف حرف النون. وله طردية طريفة فى وصف صيد الطير بالجلاهق أو البندق، تحدّث فيها عن صيد الكراكى، وهى طير طويل المنقار والرجلين، مفرده كركىّ، ويسمّى الغرنيق وجمعه غرانق، ويطرد وصفه عند الناشئ على هذا النمط:
ومورد يجذل قلب الوامق ... منظّم بالغرّ والغرانق (٢)
стр. 1969
وكلّ طير صافر أو ناعق ... مكتهل وبالغ ولا حق
موشيّة الصدور والعواتق ... بكل وشى فاخر وفائق (١)
تختال فى أجنحة خوافق ... كأنما تختال فى قراطق
يرفلن فى قمص وفى يلامق ... كأنهن زهر الحدائق (٢)
حمر الحداق كحل الحمالق ... كأنما يجلن فى مخانق (٣)
وهو يصوّر موردا عذبا يسر قلب الناظر إليه رصّع بالطير والكراكى من صافرة وناعقة وكبيرة وصغيرة، إذ وشّيت فى صدورها وكواهلها بوشى بديع، وقد اكتست أجنحتها بقراطق وأقبية أنيقة، بل إنها لترفل فى كسوة ذات تلاوين حتى لكأنها زهر حدائق مختلف الأصباغ والنقوش. وهى هناك بأحداقها الحمر وجفونها المكحولة، تطوّق أعناقها القلائد الباهرة. وفى كتاب المصايد والمطارد بجانب الطرديات السابقة طرديتان فى صيد الأسد، ونرى الناشئ يصوره فى إحداهما بهذه الصورة الفذة:
ربّ ذى شبلين قسورة ... قد أحمّ الحين فى أجمه (٤)
لا ترى حيّا يطيف به ... لا، ولا يدنو إلى حرمه
كمجنّ الحرب هامته ... وكغور الغار رحب فمه (٥)
وكأن البرق ما قدحت ... عينه بالّلحظ من ضرمه
وكأن الموت معترض ... بين لحييه وملتشمه
وهو يقول إن هذا الأسد القسورة هبط به القضاء فى عرينه، إذ حان حينه، بعد أن كان الناس لا يلمّون بحرمه مخافة بأسه وسطوته، لما ملأهم به من الرعب والفزع والهلع، ويقول إن هامته كانت مثل ترس حرب صلابة وقوة، وكان فمه كالغار
стр. 1970
يسقط فيه كل ما يقضمه. أما عينه فمن شدة توقدها كانت كأنها البرق الخاطف.
وكأن الموت كان يجم على فمه بين لحييه وملتثمه.
وللناشئ وراء طردياته أشعار كثيرة تدل على أنه حقّا كان صاحب شاعرية خصبة. وقد رفدها مبكرا بثقافته الكلامية التى أعدته ليحاور ويداور أرسطو والخليل بن أحمد وعلماء النحو واللغة. ولا ريب فى أنها وصلته بكل ينابيع الثقافة فى عصره يونانية وغير يونانية. ويقول من ترجموا له إنه كان يقول فى خلاف كل معنى قالت فيه الشعراء، غير أنهم لم يوردوا لنا شيئا من هذا القول، إنما أوردوا له هنا وهناك بعض أبيات رائعة الصور من مثل بيتيه اللذين أنشدناهما فى الفصل الرابع وهما فى وصف سحاب هاطل.
وفى الحق أنه كان يعرف كيف يولّد الصور وكيف يستخرجها من مكامنها وكيف ينظمها شعرا عذبا، يحفل بكل ما يملأ النفس إعجابا به على شاكلة قوله:
متعاشقان مكاتمان هواهما ... قد نام بينهما العتاب فطابا
يتناقلان اللحظ من جفنيهما ... فكأنما يتدارسان كتابا
وقوله:
يلوح فى خدّه ورد على زهر ... يعود من حسنه غضّا إذا قطفا
والزهر فى البيت طبعا هو زهر النرجس الذى تشبه به العيون، وعبّر عن القبلة بأنها اقتطاف لورد الخدود، وجعلها تثير فيها من الحمرة ما يعود بها غضّة إلى أول مجتناها وباكورته. وله:
ليس شئ أحرّ فى مهجة العا ... شق من هذه العيون المراض
والخدود المضرّجات اللواتى ... شيب جريالها بحسن البياض
وطروق الحبيب والليل داج ... حين همّ السّمّار بالإغماض
стр. 1971
فهذه العيون مع مرضها وفتورها تدلع فى قلب العاشق قطعا من النار، وتدلع فيه نفس القطع الخدود المشربة بالحمرة، ويشعله إشعالا، زيارة المحبوبة ليلا، وقد همّ السّمّار بالنوم. والقطعة جيدة، ويبدو أنه كان قريبا من نفوس الجوارى فى بلدته، فابن المعتز يروى أنه اجتمع مع بعض رفاقه على الشراب فى بعض المتنزهات ومعهم قينة محسنة طيبة الصوت، وما زالت تغنيهم حتى إذا أنشدها مقطوعة له ختمها بقوله:
وقد آذنونا بوقت الرحيل ... فإن كنت تهويننى فارحلى
يقول ابن المعتز: فلما سمعت الجارية هذا البيت وقعت فى قلبها النيران، وكانت تهواه ويهواها، فقامت وارتحلت معه، لكلفها به. واجتمع مع رفاق آخرين، ودعوا مغنية، فجاءت ومعها رقيبة جميلة، فلما أخذ الشراب منه ومن صحبه طلب رقعة وكتب فيها. موجها حديثه إلى تلك الرقيبة:
فديتك لو أنهم أنصفوك ... لردّوا النواظر عن ناظريك
تردّين أعيننا عن سواك ... وهل تنظر العين إلا إليك
وهم جعلوك رقيبا علينا ... فمن ذا يكون رقيبا عليك
ألم يقرءوا-ويحهم-ما يرو ... ن من وحى حسنك فى وجنتيك
وهل فى كلّ ما أسلفنا ما يدل بوضوح على روعة الملكة الشعرية عند الناشئ، وهى ملكة استطاع أن يغذوها بالثقافات المعاصرة له، فإذا هى تصقل وإذا هى تزداد خصبا، وإذا الناشئ لا يزال يطرف سامعيه بخواطر وأخيلة طريفة رائعة.
٥ - شعراء شعبيون
لا نغلو إذا قلنا إن الشعر العربى دائما كان موصولا بالشعب، اتصل به فى العصر الجاهلى فقد كان الشاعر وشعره صورة لقبيلته، وظلت له هذه الصلة
стр. 1972
فى العصر الأموى، وإن تحولت أحيانا من الشعور القبلى إلى الشعور الجماعى، أما منذ العصر العباسى الأول فقد أخذ يغلب الشعور بالروح الجماعية ويقلّ الشعور بالروح القبلية، حتى إذا كان هذا العصر نضب هذا الشعور جدّا بينما ظل الشعور بالروح الجماعية حيّا مشتعلا. وكان من أهم العوامل فى ذلك أن جمهور الشعراء كان من الطبقة العاملة، وقلما نبغ شاعر من الطبقة الأرستقراطية. حتى من عاش من هؤلاء الشعراء حول موائد الخلفاء وفى قصورهم ظلّ موصولا بروح الشعب، فهو يتغنّى بتقوى الخليفة وبما ينشر من العدالة التى لا تصلح حياة الرعية بدونها. وكانوا يمدحون أبطال المعارك الحربية معبّرين عن روح الشباب والحمية الوطنية والإسلامية.
وإذا كان المديح يتصل بروح الشعب على هذا النحو فأولى لغيره من أغراض الشعر أن تكون صلته أوثق وأقوى. وحتى حياة المجون وما اتصل منها بوصف الأعياد الإسلامية والمسيحية والفارسية وملاهيها كان يحسّها الشعب وتعيشها على الأقل فى تلك الأعياد أسراب منه. أما شعر الزهد والتصوف فكان يلقى على العامة وكان من وحى حياتها وما يسرى فيها من شظف وضنك وإعسار. وبهذا الأسلوب نفسه يمكن الوصل بين الغزل والفنون الأخرى وبين الشعب، ولكن ليس هذا ما نريده من الشعر الشعبى الذى نتحدث عنه، فنحن نريد منه نوعا خاصّا، هو النوع الذى يصوّر ما كانت عليه الرعية من تعاسة وبؤس، فالخلفاء والوزراء والأمراء وذوو الوجاهة ومن لحق بهم من بعض المغنين والشعراء يعيشون فى النعيم وأدواته ووسائله مستمتعين بالحياة أقصى ما يكون الاستمتاع دون أن يبذلوا أى جهد ودون أن يحتملوا أى عناء، على حين ترزح عامة الشعب تحت أثقال البؤس الممضّة جائعة ظامئة، غير آمنة من العبث والطغيان اللذين صورناهما فى فصل الحياة الاجتماعية. وكان طبيعيّا أن يكثر الشعراء الذين يصورون ما يتجرّعونه ويتجرعه الشعب من الفقر والإمعان فى البؤس والتعبة؟ ؟ ؟ . ومن المؤكد أن جلّ ما نظموه ضاع، لأنهم من أبناء الشعب، وهم عادة لا يهمهم تسجيل ما ينظمونه، بل هم آخر من يهتم بمثل هذا الشرف، وحتى ما سجّل من هذا الشعر لم يسجّل معه اسم صاحبه إلا نادرا (١).
стр. 1973
وقد هيّأ هذا البؤس لظهور طائفة بين الناس تعرف بالمكدين، وأول من تحدث عنهم الجاحظ فى مطالع كتابه البخلاء، وهو يورد فيه أسماءهم وحيلهم فى اقتناص الدراهم من الناس ويصوّر البيهقى أعمالهم ونوادرهم (١)، وهم جماعات من المتسولين وكان ينضم إليهم كثير من الأدباء والشعراء، وهم يكوّنون فى العصر طبقة كبيرة، طبقة تتكسب بالتحامق وإضحاك الناس.
وخير من يصوّر طائفة الشعراء المكدين حينئذ أبو العبر (٢) العباسى الذى عاش فى هذا العصر إلى خلافة المنتصر وكان قد ظل خمسين عاما يحيا حياة جادّة إلى أن ولى المتوكل فترك الجدّ وعدل إلى الحمق والشهرة به، ويقال إنه لم يكن فى عصره صناعة إلا وهو يعملها بيده حتى العجين والخبز. وفى بعض أحاديثه ما يدل على أنه كان ببغداد لعصره معلمون يعلمون الأحداث الهزل، وأنه أخذ عن معلم منهم ما عرف به من قلب الكلام رقاعة إذ كان يقول له ولرفقائه: أول ما تصنعون قلب الأشياء فكنت أقول إذا أصبح كيف أمسيت؟ وإذا أمسى كيف أصبحت؟ وإذا قال لى: تعال، تأخرت إلى الخلف. ويقال إنه حاول أن يلفت المتوكل إليه فقلب زيّه إذ جعل فى رجليه قلنسوتين وعلى رأسه خفّا (حذاء) وجعل سراويله قميصا وقميصه سراويل. فلما لمحه المتوكل قال علىّ بهذا المثلة ودخل عليه فقال له: أنت شارب إنى أضع الأدهم (القيد) فى رجليك وأنفيك إلى فارس، فقال توّا: ضع فى رجلى الأشهب وانفنى إلى راجل، فقال المتوكل أترانى فى قتلك مأثوم؟ فقال: بل ماء بصل، فضحك المتوكل. ويقال إنه أخذ منه أكثر مما أخذه أى شاعر بالجدّ، وقد اتخذه فى مجلسه أضحوكة، فكان يرمى به فى البركة التى وصفها البحترى فى بعض مدائحه، وتطرح عليه الشباك ويصاد، ويخرج وهو يقول:
ويأمر بى ذا الملك ... فيطرحنى فى البرك
ويصطادنى بالشّبك ... كأنى بعض السّمك
стр. 1974
وسأله ثعلب العالم النحوى المشهور: الظّبى معرفة أو نكرة؟ فأجابه: إن كان مشويّا على المائدة فمعرفة وإن كان فى الصحراء فهو نكرة، فقال ثعلب له: ما فى الدنيا أعرف منك بالنحو. وكان يجلس الغلمان «الأدباتية» إليه ليسجلوا كلامه، مما جعله يصنّف لهم كتاب جامع الحماقات ومأوى الرقاعات وكتاب نوادره وكتاب المنادمة، ويروى أن غلاما سأله: لم صار نهر دجلة أعلى من نهر الفرات والقطن أبيض من الكمأة (ثمرة صحراوية أرضية) فأجابه:
لأن الشاة ليس لها منقار وذنب الطاووس أربعة أشبار. وكان بهذا وأشباهه تروج بضاعته عند المكدين من الأدباتية وغير المكدين، وسئل عن لغته التى يتكلم بها وما فيها من استحالات أىّ شئ أصلها؟ فقال: إننى أبكّر فأجلس على الجسر ومعى دواة وقرطاس فأكتب كل شئ أسمعه من كلام الذاهب والجائى والملاحين والمكارين حتى أملأ القرطاس من الوجهين، ثم أقطعه عرضا وألصقه مخالفا فيجئ منه كلام ليس فى الدنيا أحمق منه. وكان ما يزال يغرب فى كل ما ينظم من شعر، ملتزما للغة العامّة وما يشبهها، ومن قوله فى بعض غزله:
وباض الحب فى قلبى ... فواويلى إذا فرّخ
ويستمر فى مثل هذا الهزل، وكان ينصح بعض شباب الشعراء من حوله أن يقولوا الشعر جيدا جيدا وإلا فليكن باردا باردا مثل شعره، ومما رواه له ابن المعتز من كلامه الهزلى البارد المضطرب الوزن قوله:
أنا أنا أنت أنا ... أيا أبو العبرنّه
أنا الفتى الحمقوقو ... أنا أخو المجنّة
أنا أحرّر شعرى ... وقد يجى بردنّه
وواضح أنه أضاف إلى أبياته النون المشددة الهاء هزلا وطلبا لإضحاك من حوله. وله أشعار من هذا النمط كلها هزل ودعابة، وقد اتخذه الشعراء «الأدباتية» الذين خلفوه إماما لهم فى مثل هذا الهزل وما كان يسلكه فى أشعاره من ألفاظ العامّة وأساليبهم الركيكة
стр. 1975
ومن شعراء الكدية الذين ذهبوا مذهب أبى العبر فى التحامق والهزل أبو العجل (١) وله أشعار كثيرة يدعو فيها إلى اتخاذ التحامق حرفة، وأى حرفة، لقد درّت عليه خيرا كثيرا وأموالا وبغالا وغلمانا. يقول:
أيا عاذلى فى الحمق دعنى من العذل ... فإنى رخىّ البال من كثرة الشّغل
ومرنى بما أحببت آت خلافه ... فإن جئتنى بالجدّ جئتك بالهزل
وإن قلت لى: لم كان ذاك؟ جوابه ... لأنى قد استكثرت من قلّة العقل
فأصبحت فى الحمقى أميرا مؤمّرا ... وما أحد فى الناس يمكنه عزلى
وصيّر لى حمقى بغالا وغلمة ... وكنت زمان العقل ممتطيا رجلى
فلا داعى للعذل واللوم فإن حرفة الكدية جعلته سيدا مطاعا وأثرته ثراء واسعا، وأصبح الناس لا يضيقون به، بل يرحّبون به فى كل مكان. وكان الشعراء المكدون حينئذ يطوفون فى بلدان العراق وغير العراق، جوّالين مكثرين من الأسفار فى الاحتيال لجلب الأموال، وفى ذلك يقول أبو العجل لبعض من عذلوه على كديته وحرفته:
أعلى الحماقة لمتنى ... قد كنت مثلك أولا
فدخلت مصر وأرضها ... والشام ثم الموصلا
وقرى الجزيرة لم أدع ... فيها لحى منزلا
إلا حللت فناءه ... بالعقل كى أتموّلا
وممن اتخذ الكدية حرفة فى العصر أبو عبد الله اليعقوبى وكان كثير الوصف لنفسه بالجوع والفقر والتطفيل، وروى له المرزبانى أشعارا (٢) تدخل فى الزهد.
ونقف قليلا عند جحظة والخبز أرزى وتصويرهما لبعض جوانب النزعة الشعبية.
стр. 1976
جحظة (١)
اسمه أحمد بن جعفر من نسل البرامكة، كان شاعرا حسن الشعر، وكان يحسن الغناء على الطّنبور كما كان يحسن فنونا مختلفة مثل الطبيخ والنجوم، وله فى الطّنبوريين كتاب غير كتب أخرى فى عدة فنون، وكان من ظرفاء عصره وصاحب أخبار ومنادمة حاضر النادرة. وابن المعتز هو الذى لقبه بجحظة لقبه الذى اشتهر به إذ كان فى عينيه نتوء شديد، وكان قبيح الوجه تقتحمه العيون، وفى ذلك يقول ابن الرومى:
وارحمتا لمنادميه تحمّلوا ... ألم العيون للذّة الآذان
وكان الخليفة المعتمد يقرّبه منه، ولكن بيوت الخلفاء لم تفتح له بعده، وفتحت بعض بيوت الوزراء مثل العباس بن الحسن وزير المكتفى وابن مقلة وزير المقتدر.
وكان لا يبقى على شئ يصله من خليفة أو أمير أو وزير، فأكثر أيامه كانت بائسة، ولولا صنعته الطنبورية لعاش معدما. وهو من خير من يمثلون حياة الشعب التعسة، فقد كان كثير من الحكام والوجهاء يزورّون عنه لا لدمامته فقط، بل أيضا لما قيل من أنه كان دائما وسخ الثياب، وكان شيعيّا، فانصرف عنه كثيرون وأغلقوا أبوابهم فى وجهه. وكل ذلك كان يدفعه دفعا للاختلاط بأبناء الشعب وكانوا يتعلقون بشعره، فما إن ينظم شعرا حتى يدور فى بغداد وحتى تتناقله المجالس ويرويه الشباب وغير الشباب، حدّث هو نفسه، قال: كنت يوما عند عبد الله ابن المعتز فطلبت نعلى فلم أجده، فجعلت أقول:
يا قوم من لى بنعلى ... أو فى مصحّف نعل
يقصد بغلا يركبه. يقول: فسار هذا البيت حتى رواه الصبيان. وكان كثير من أشعاره الأخرى يرويها الصبيان أيضا، وكثير منها يحكى قصة بؤسه من مثل قوله:
стр. 1977
أنا الذى دينه إسعاف سائله ... والضّرّ يعرفه والبؤس والعدم
أنا الذى حبّ أهل البيت أفقره ... فالعدل مستعبر والجور مبتسم
وهو يعلّل لبؤسه من بعض وجوهه بتشيعه لأهل البيت كما أسلفنا، وكأنما عملت عوامل كثيرة على أن يعيش معيشة بائسة أكثر جوانبها ضيق وإقلال فى الرزق، وليس المهم أن يعيش تلك المعيشة، ولكن المهم أن تتعمق أحاسيسه وأن يصدر عنها بمثل قوله:
أحمد الله لم أقل قطّ يا بد ... ر ويا منصفا ويا كافور
لا، ولا قلت أين أين الشواهين ... ووزّاننا وأين البذور (١)
لا، ولا قيل: قد أتاك من الضّي ... عة برّ موفّر وشعير
أنا خلو من المماليك والأه ... لاك جلد على البلا وصبور
ليس إلا كسيرة وقديح ... وخليق أتت عليه الدهور
فهو ليس ممن يخدمهم الغلمان وتكتظّ بهم داره من مثل بدر ومنصف وكافور، وهو ليس ممن يحتاج إلى ميزان ووزّان يزن الحصاد، لأنه ليس من أصحاب الضياع الذين يجنون من ضياعهم البرّ والشعير، ليس عنده أملاك ولا مماليك إنما عنده الجلد والصبر على احتمال حياة الشظف والحرمان، عنده ما يقوته من كسرة وقدح ماء وثوب خلق أكل الدهر عليه وشرب، وقلبه يمتلئ حسرة ولوعة، فغيره يتقلب فى أعطاف النعيم وهو يتقلب فى أشواك الحسرات والشقاء والعناء، يقول:
الحمد لله ليس لى كاتب ... ولا على باب منزلى حاجب
ولا حمار إذا عزمت على ... ركوبه قيل جحظة راكب
ولا قميص يكون لى بدلا ... مخافة من قميصى الذاهب
وأجرة البيت فهى مقرحة ... أجفان عينى بالوابل الساكب
стр. 1978
إن زارنى صاحب عزمت على ... بيع كتاب لشبعة الصاحب
فهو ليس من أصحاب الجاه والسلطان فلا كاتب له ولا حاجب. بل ليس من أصحاب الوجاهة والثراء فلا حمار له يركبه لقضاء مهمّاته كسى كسوة حسنة، ولا قميص له جديد بدلا من قميصه البلل؟ ؟ ؟ ، وما أشد كدره، فأجرة البيت وعجزه عن سدادها ينغصانه، بل يبكيانه، حتى لقد تقرّحت أجفانه لكثرة بكائه، ولا من رحيم يرقّ قلبه له أو يعطف عليه. وحتى إن زاره صاحب لم يجد ما يغذوه به ويطعمه له إلا أن يبيع كتابا من كتبه يشترى له به بعض ما يقيم أوده. فيا للبؤس ويا للظلم الصارخ الذى جعل أبناء الشعب يكدحون ويضنون والحكام يجنون ويقطفون ثمار أعمالهم ولا يبقون لهم منها إلا الذلّ والهوان. وينتابه مرارا الشك فى حرفته الأدبية وتآليفه وما ينظم من أشعار. فيقول:
حسبى ضجرت من الأدب ... ورأيته سبب العطب
وهجرت إعراب الكلا ... م وما حفظت من الخطب
ورهنت ديوان النّقا ... ئض واسترحت من التعب
فهو قد صمم على أن يهجر حرفة الأدب التى لم يجن منها سوى الشقاء والعناء أما كتاب النقائض بين جرير والفرزدق فمع نفاسته رهنه ليسدّ به رمقه، وكأنما أحسّ فيه وفى غيره من كتب الأدب التى صمّم على هجرانها أعباء ثقالا كانت تبهظ كتفيه. فهو يتخلص منها ليريح ويستريح.
وكان طبيعيّا أن يشتد سخطه-مع أبناء الشعب-على فساد الحياة السياسية فى عصر المقتدر وأن يصبّ جاء غضبه على الوزراء الذين كانوا يعتصرون الشعب ليعيشوا هم والخلفاء والقواد فى النعيم. ولا ضير من أن يعيش الشعب فى الجحيم، لذلك كان طبيعيّا أن يتمنى للوزراء أن تحيق بهم الكوارث حتى يتخلص الشعب من ظلمهم وفساد حكمهم. ويروى أن بعض أصدقائه دخل عليه فى عصر المقتدر. فقال له: ما تتمنّى؟ فقال توّا: لم يبق لى منى غير نكبات الوزراء، فقال له: قد نكب ابن الفرات. فقال جحظة على البديهة:
أحسن من قهوة معتقة ... تخالها فى إنائها ذهبا
стр. 1979
من كفّ مقدودة منعّمة ... تقسم فينا ألحاظها الوصبا (١)
نعمة قوم أزالها قدر ... لم يحظ حرّ فيها بما طلبا
فقد أفرحته نكبة ابن الفرات وانتشى بها كما ينتشى السكارى بالخمر نشوة لا تعد لها نشوة. ويشمت به لأن أحدا لم يصب شيئا مما كان فيه من نعمة، وإنه ليضيق به كما ضاق به الشعب. إذ كان يملأ الأرض ظلما وشرّا ونكرا. وإنه ليبغضه ويبغض دولته التى حرمت الأحرار كل برّ وكل خير.
وكان يكثر من هجاء البخلاء الأشحاء الذين يقدمون الطعام للضيوف على كره منهم، وكثيرا ما يصوغ هذا الهجاء فى قالب فكه من مثل قوله فى صديق:
دعانى صديق لى لأكل القطائف ... فأمعنت فيها آمنا غير خائف
فقال وقد أوجعت بالأكل قلبه ... رويدك مهلا فهى إحدى المتالف
فقلت له: ما إن سمعنا بهالك ... ينادى عليه: يا قتيل القطائف
وكانت القطائف صادفت منه مسغبة وجوعا شديدا، فأكل منها أكل النّهم وصديقه ينظر إليه شزرا، فقال له: إنى أخاف عليك التخمة، بل التلف والهلاك، فردّ عليه هذا الرد الظريف. وله فى قوم بخلاء يحفظون القرآن:
قد حفظوا القرآن واستعملوا ... ما فيه إلا سورة المائدة
وتروى له أبيات مختلفة من هذا الطراز تدل على أنه كان حلو الدعابة على الرغم من قبح وجهه ورثائة ثيابه. وله هجاء كثير لاذع يدل على أنه كان سريع الإحساس طويل اللسان. ولم يكن يخشى أحدا فهو يهجو الوزراء والحجّاب وغير الحجاب والوزراء. وخاصة البخلاء منهم، وكانوا يتحامونه لما يعلمون من شيوع شعره على ألسنة الصبيان فى الشوارع والأزقة. ومن قوله فى ثقيل:
يا لفظة النّعى بموت الخليل ... يا وقفة التّوديع بين الحمول
стр. 1980
يا طلعة النّعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الحلول
يا نعمة قد آذنت بالرّحيل ... ونكسة من بعد برء العليل
ويستمر طويلا فى وصف الثقيل بمثل هذه الصفات التى تجعله تمثالا لكل شر، وكأنما تجمعت له شرور الحياة فى أسوأ صورها، لكى يصمه بما يشاء منها، وتتوالى الشرور فى أبشع هيئاتها، ويضع بينها طلعة النعش ونكسة العليل. وكان يلم بالديارات، وقد روى الشابشتى له بعض أشعار فى الخمر كان يغنيها على طنبوره من مثل قوله فى دير أشمونى ولهوه فيه:
سقيا لأشمونى ولذّاتها ... والعيش فيما بين جنّاتها
سقيا لأيام مضت لى بها ... ما بين شطّيها وحاناتها
ويبدو أن إلمامه بالأديرة كان قليلا لقلة أشعاره فيها، وربما كان الذى أقعده عنها بؤسه الذى كثيرا ما كان يرافقه. وله فى الغزل بعض قطع وأبيات طريفة من مثل قوله:
فقلت لها: بخلت علىّ يقظى ... فجودى فى المنام لمستهام
فقالت لى: وصرت تنام أيضا ... وتطمع أن أزورك فى المنام
وقد توفى سنة ٣٢٣ عن سن عالية، ويقال إنه عاش نحو قرن، ولعل فيما أسلفنا من أشعاره ما يصوّر شاعريته الخصبة. وقد أسقطنا من أشعاره ما كان يستخدمه من الألفاظ والأساليب العامية، وهى أثر من آثار شعبيته واختلاطه بالعامة فى بغداد.
стр. 1981
الخبز أرزىّ (١)
اسمه نصر بن أحمد، شاعر بصرى، كان أميّا لا يكتب ولا يقرأ، وكان يخبز خبز الأرز فى دكّانه بمربد البصرة يتكسب بذلك معاشه، وفى أثناء عمله كان ينشد أشعاره المقصورة على الغزل، والشباب والناس يزدحمون عليه لاستماع شعره، ويتعجّبون من حاله وأمره، وشعره يذيع فى الناس لقرب مأخذه وسهولته. وعنى بعض معاصريه ممن كانوا ينتابون دكّانه بجمع أشعاره، وجمعوا له ديوانا، وفى معهد المخطوطات بالجامعة العربية نسخة مصورة منه، ويقول المسعودى فيه: «أحد المطبوعين المجوّدين فى البديهة المعروفين بالغزل». ويقول أيضا:
«أكثر الغناء المحدث فى وقتنا هذا من شعره». والخبز أرزى بكل ما قدمنا شاعر شعبى بالمعنى الكامل، فهو من بيئة شعبية، صاحب صناعة وحرفة، وهو أمى لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وشعره يدور على كل لسان فى بلدته والشباب والصّبية ينشدونه فى كل مكان والمغنون يغنّون فيه على جميع آلات الطرب. وقدم بغداد فاستقبله أدباؤها وشبابها استقبالا حسنا لما كان قد سبقه إليهم من أشعاره الخفيفة السهلة العذبة. ومن الغريب أن نجد الثعالبى فى اليتيمة يقول إنه كان على وشك إهماله وطىّ أشعاره لسفسفة كلامه، لولا أن وجد من معاصريه من اهتم بجمع ديوانه، فرأى أن يضمّن كتابه «اليتيمة» لمعا من شعره علقت بحفظه، وفى الوقت نفسه رأى الإعراض عن التصفح لباقى شعره وترك الفحص فيه عما لا يصلح لإلحاقه باليتيمة من ملحه. وبذلك فوّت على نفسه عملا أدبيّا ونقديّا جليلا كان يمكن أن يضيفه لكتابه ولا ينقص منه، بل لعله يرفعه درجات، إذ يحتوى مادة شعرية شعبية كان جديرا أن تعرض كاملة، حتى يرى مدى ما حدث من تطور فى اللغة الشعبية البصرية بالقياس إلى الفصحى، سواء فى جوانبها اللغوية أو الأسلوبية، ويرى أيضا مدى ما ظل بينهما من تواصل. ولكن هذا غاب عن
стр. 1982
ذهنه. وأكبر الظن أنه إنما اختار أشعارا ليس فيها عامية. ومع ذلك فنحن نؤمن بأن الفوارق حينئذ بين العامية والفصحى لم تكن واسعة. ومن ملحه التى رواها له قوله:
خليلىّ هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولى تمشّى إلى عبد
أتى زائرا من غير وعد وقال لى ... أصونك عن تعليق قلبك بالوعد
فما زال كأس الوصل بينى وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسّعد
فطورا على تقبيل نرجس ناظر ... وطورا على تعضيض تفاحة الخدّ
وفى كلمة أصونك عن تعليق قلبك ما يصور رقّته وأنه يخشى عليه من تعلق قلبه بالانتظار، والبيتان الثالث والرابع جيدان فى التصوير. ومما روى له الثعالبى أيضا من ملحه قوله:
كم أناس وفوا لنا حين غابوا ... وأناس جفوا وهم حضّار
عرّضوا ثم أعرضوا واستمالوا ... ثم مالوا وجاوروا ثم جاروا
لا تلمهم على التجنّى فلو لم ... يتجنّوا لم يحسن الإعتذار
والأبيات زاخرة بجناسات وطباقات تدل على أنه كان يفقه صنعة الشعر وصناعة البديعيين فيها فقها حسنا. فوقوا تقابل «جفوا» وغابوا تقابل حضّار او بين كل كلمتين متعاقبتين فى البيت الثانى جناس وطباق محكمان، وحسن التعليل واضح فى البيت الأخير. والكلمات عذبة حلوة خفيفة. ومن ملحه قوله:
رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النّظر
فلم أدر من حيرتى فيهما ... هلال الدّجى من هلال البشر
ولولا التورّد فى الوجنتين ... وما راعنى من سواد الشّعر
لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر
والخيال جميل، وأحاله إلى طرفة نفيسة حقا بتلك الحيرة التى انتابته فلم يدر أين هلال الدّجى وأين هلال البشر، ثم أخذ يتأمل، وبعد أناة طويلة لاحظ
стр. 1983
تورّد الوجنتين وسواد الشعر فعرف أين الهلال وأين الحبيب وإلا ظل غارقا فى حيرته. ومن ملحه:
قد كان لى فيما مضى خاتم ... فاليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زجّ بى ... فى مقلة النائم لم ينتبه
وهى مبالغة واضحة فيما أصابه من ضنا بسبب حبه وشقائه فيه وعذابه.
فحتى المبالغة التى كانت قد أخذت تشيع بين الشعراء نجدها عنده، وكأنه توفّر على الشعر فى عصره وقبل عصره حتى استقامت له ملكته، وحتى تمثّله بجميع مقوماته وخصائصه. وكان خفيف الروح فكها مما جعله محبوبا عند أهل البصرة فى حياته وبعد مماته. ومن طريف ماله قوله فى قلة الطعام على مائدة أحد أصدقائه:
ولعمرى كان الخوان ولكن ... لم يكن ما يكون فوق الخوان
وجفان مثل الجوابى ولكن ... ليس فيهن ما يرى بالعيان (١)
فإذا ما أدرت فيها بنانى ... لم أجد ما أمسّه ببنان
إننى ما ضغ على غير شئ ... غير صكّ الأسنان بالأسنان
ترجع الكفّ وهى أفرغ منها ... عند مدّى لها فدأبى وشانى
والأبيات تدل على روح الدعابة عنده وأنه كان جميل المحضر عذب الفكاهة خفيف الظل على نفوس مواطنيه وعارفيه وعلى الشباب البصرى خاصة مما جعلهم يتعلقون به تعلقا شديدا. ويبدو أنه نظم بجانب مقطوعاته التى كان ينشدها فى خبزه للأرز قصائد طويلة، فقد أشار من ترجموا له إلى قصيدة طويلة طنانة استهلّها بقوله:
بات الحبيب منادمى ... والسّكر يصبغ وجنتيه
وواضح مما أنشدناه له أنه كان عذب الشعر رقيقه وهو شعر شعبى بالمعنى الدقيق، فقد نظمه صانع من صناع الشعب، لم يكن يحترف صنع الشعر للتكسب
стр. 1984
به وعرضه على الخلفاء وغير الخلفاء ليمنحوه الجوائز المالية الضخمة، فهو ليس ممن يقدمون شعرهم للطبقة الأرستقراطية إنما هو شاعر شعبى يقدّم أشعاره للجمهور، متبغيا إرضاءه بتصويره لأحاسيسه فى الغزل، وباتخاذه لغته السهلة التى لا تجد فى فهمها أى عسر أو مشقة. وقد لبّى نداء ربه سنة ٣٣٠ للهجرة، ويقول المسعودى أشيع أن الوزير البريدى غرّقه لأنه كان هجاه، وقيل: بل فرّ من البصرة إلى هجر والبحرين وتوفى هناك، ومهما يكن فقد حزنت البصرة وشبابها لوفاته، وظلت ذكراه ماثلة لأهلها طويلا.
стр. 1985
الفصل الثامن:
نشاط النثر
١ - تطور النثر
رأينا فى كتاب العصر العباسى الأول كيف أن النثر العربى تطوّر تطورا خطيرا، فقد حملت أوانيه الثقافات الأجنبية المختلفة من يونانية وفارسية وهندية وسريانية حملا لا يزال يروع الباحثين، وكأنما كان فى اللغة العربية طاقات مستكنّة لكى تحمل فى يسر هذه الثقافات ولا تتأبّى عليها، واشتهر كثيرون بالنهوض بهذا العمل وفى مقدمتهم ابن المقفع. ثم رعت الدولة الترجمة، وأنفقت عليها إنفاقات هائلة، بحيث كاد أن لا يبقى كتاب نفيس فى الثقافات المذكورة إلا نقل إلى العربية وبحيث يمكن أن يسمّى العصر العباسى الأول عصر النقل والترجمة. وظلت من ذلك بقايا إلى هذا العصر، وتحول المترجمون فيه يعيدون النظر فى كثير مما ترجم فى العصر الماضى، وكانت عامة الترجمة فيه حرفية، فالفقرة من الفقر فى كتاب تترجم حرفيّا، اللفظة مقابل اللفظة، مما قد يصيب الكلام بشئ من الالتواء أو التعثر أو الاضطراب فى التعبير. وكان ذلك دافعا للمترجمين أن يعيدوا النظر فى كثير مما ترجم وأن يترجموه ثانية على أساس جديد، هو ترجمة المعانى لا الترجمة الحرفية، بمعنى أن المترجم يقرأ الفقرة وينقل معناها كما ارتسم فى ذهنه دون التقيد الحرفى حتى يطرّد نسق الكلام ولا يظهر فيه شئ من الاختلال الذى كثيرا ما تدفع إليه الترجمة الحرفية. وحقّا من المترجمين الأوائل من استطاعوا أن ينفذوا إلى هذه الطريقة الثانية للترجمة مبكرين، على نحو ما هو معروف عن ابن المقفع وترجماته، ولكنه كان يعدّ شاذّا وعدّ فى الوقت نفسه من بلغاء العربية، لأننا قلما نحس عنده نشازا أو التواء أو انحرافا من شأنه إفساد التعبير،
стр. 1986
إلا ما قد يكون أصاب بعض رسائله لطول المسافة بيننا وبينه، وما أدخلته أيدى النسّاخ على مر العصور فى كتاباته، من بعض الخلل. وهو على كل حال خلل قليل جدّا، وبين أيدينا ترجمته لكليلة ودمنة، وهى من أروع الترجمات القديمة، وتدلّ بحق على أنه كان أحد بلغاء العربية لعصره. ولكن ابن المقفع يعد شخصية نادرة بين مترجمى العصر العباسى الأول، إذ لم يكن لكثرتهم بلاغته ولا فصاحته، لذلك أحسّ المترجمون فى العصر العباسى الثانى عندهم غير قليل من الانحراف فى التعبير، وتنبّهوا إلى أن ذلك جاءهم من الترجمة الحرفية، فأخذوا يعيدون ترجمة كثير مما نقلوه. وكان هذا كسبا للنثر العربى فإن الضّيم الذى كان يداخل الترجمات أخذ يزايلها. واتبع حنين بن إسحاق-أكبر مترجمى العصر-منهجا فى ترجمته أن يجمع للكتاب المترجم كلّ ما يمكنه من مخطوطاته، وأن يعارضها بعضها على بعض مقابلا بين عباراتها، محاولا أن يستخلص منها المعانى بكل دقة. وهو أستاذ المترجمين والترجمة فى العصر العباسى الثانى الذى وضع بقوة فكرة ترجمة المعانى لا ترجمة الألفاظ أو الترجمة الحرفية. وكان يعمل بين يديه كثير من الشباب فى مقدمتهم ابنه إسحق وابن أخته حبيش، يترجمون حسب منهجه، وهو يراجعهم ويصلح لهم بعض ما ترجموه على هدى طريقته الجديدة.
وكان من الكتب التى أعادت ترجمتها هذه المدرسة كتاب الخطابة لأرسططاليس، ترجمه إسحق بن حنين وينصّ ابن النديم فى الفهرست على أنه كان قد نقل قبل ذلك نقلا آخر، ولا يعيّن صاحبه، غير أنه يسميه «النقل القديم». وقد يقال إذا كانت الترجمة فى هذا العصر أصلحت الترجمات القديمة، وبدت فى أسلوب عربى مستقيم، فلماذا يبدو الخلل والاضطراب الشديد فى ترجمة متّى بن يونس لكتاب أرسططاليس عن الشعر؟ وأكبر الظن أن هذا الاضطراب والخلل مصدرهما أن موضوع الكتاب وهو المأساة وما اتصل بها من الشعر القصصى لم يرتسما فى ذهن متّى رسما بيّنا، إذ كان السريان-مثل العرب-لا يعرفون شيئا عن الشعر اليونانى وفنونه التى ظهرت عندهم القصصية والغنائية والتمثيلية، وهذا هو السبب فيما أصاب ترجمة كتاب الشعر لأرسطو عند متّى من تعثر وخلل. وقد يكون الخلل والعتثر موجودين فى الأصل السريانى الذى نقل عنه الكتاب.
стр. 1987
على كل حال انتقلت الترجمة فى هذا العصر نقلة واسعة، فقد آخذ المترجمون يتمثلون المعانى التى ينقلونها ويسيغونها ثم يترجمونها إلى لغة عربية فصيحة لا تشوبها شوائب الترجمة الحرفية القديمة. والذى لا ريب فيه أن معرفتهم بخصائص العربية كانت أدق من معرفة أسلافهم، إذ ذلّلها لهم علماء اللغة والبيان، وكانت قد ألفّت كتب كثيرة فى بيان طوابعها ومقوماتها، مما عرضنا له فى غير هذا الموضع، فطبيعى أن يتقنها غير مترجم. وهذا نفسه يلاحظ فيما أخذ ينشأ منذ العصر العباسى الأول من الأساليب الفلسفية والعلمية، فإن هذه الأساليب لانت وأخذ يزايلها الالتواء، بل أخذ يجرى فيها الاستواء والتناسق، وكأن الفلاسفة والعلماء أخذوا أنفسهم بإرادة قوية فى التثقف بالعربية. وليس ذلك فحسب، بل أيضا بالسيطرة على أساليبها سيطرة تقيم تلاؤما وتوازنا دقيقين بين الألفاظ والمعانى التى تؤدّيها، بل إن منهم من شارك فى الشعر والنثر مثل الكندى أول فيلسوف بالمعنى الكامل ظهر عند العرب، فقد أثرت عنه بعض أشعار، كما أثرت عنه بعض رسائل جيدة، سنعرض لها فى موضع آخر، فهو قد أتقن العربية وفقه أسرارها وخصائصها فقها جيدا، ونضرب لذلك مثلا من أسلوبه الفلسفى، وفيه يتحدث عن صانع الكون ومدبره والشواهد العقلية على وجوده، يقول (١):
«إن فى الظاهرات للحواس، أظهر الله لك الخفيات، لأوضح الدلالة على تدبير مدبّر أول، أعنى مدبرا لكل مدبر، وفاعلا لكل فاعل، ومكوّنا لكل مكوّن، وأولا لكل أولا، وعلة لكل علة، لمن كانت حواسه الآلية موصولة بأضواء عقله، وكانت مطالبه وجدان الحق وخواصه (معرفة) الحق وغرضه الإسناد للحق واستنباطه والحكم عليه. والمزكّى عنده-فى كل أمر شجر بينه وبين نفسه-العقل. فإن من كان كذلك انهتكت عن أبصار نفسه سجوف (٢) سدف الجهل، وعافت نفسه مشارب عكر العجب، وأنفت من ركاكة معالجة الزهو، واستوحشت من تولّج (٣) ظلم الشبهات، وخرجت من الرّيب على غير تبين، واستحيت من الحرص على
стр. 1988
اقتناء ما لا تجد، وتضييع ما تجد، فلم تضاد ذاتها ولم تتعصب لأضدادها.
فكن كذلك، كان الله لك ظهيرا، أيها الصورة المحمودة والجوهر النفيس يتضح لك أن الله، جلّ ثناؤه، وهو الإنيّة (الموجود) الحقّ التى لم تكن ليسا أبدا، لم يزل-ولا يزال-أيس أبدا، وأنه هو الحى الذى لا يتكثّر بتّة، وأنه هو العلة الأولى التى لا علة لها، الفاعلة التى لا فاعل لها، المتممة، التى لا متمم لها. . . وإن فى نظم (انتظام) هذا العالم وترتيبه وفعل بعضه فى بعض وانقياد بعضه لبعض وتسخير بعضه لبعض وإتقان هيئته على الأمر الأصلح فى كون كل كائن وفساد كل فاسد وثبات كل ثابت وزوال كل زائل لأعظم دلالة على أتقن تدبير».
والقطعة تدلّ بوضوح على مهارة الكندى البيانية، وأنها لا تقف عند فصاحة التعبير، بل تتعدى ذلك إلى إدخال تلاوين من التكرار ومن الصور البيانية، وما المعنى الذى يريد أن يوضحه الكندى؟ إنه يريد أن يقول إن ما يبصره الإنسان من ظواهر الكون ويحسه من مشاهده ويراه من نظامه واتساق أجزائه دليل على أن هناك مدبرا أعلى للكون، وضع له قوانينه، التى تحول بينه وبين أى اختلاط أو اضطراب، كما يشهد بذلك نظامه الذى يخلو من كل عوج وخلل وفساد، ولكنه أخرج هذه الفكرة فى صورة فلسفية مطنبة، وهو فى إطنابه لا ينسى خصائص الأسلوب الأدبى وجمال الترادف فيه على نحو ما نرى فى قوله: «أعنى مدبرا لكل مدبر، وفاعلا لكل فاعل، ومكوّنا لكل مكوّن، وأولا لكل أول، وعلة لكل علة»، فقد عبّر عن معنى واحد بخمس كلمات متوالية، ليقوّى المعنى، وليضيف إليه شيئا من الجمال الذى يلاحظ فى التكرار الصوتى. وهو لا ينسى أيضا ما فى الأسلوب الأدبى من روعة التصوير التى تخلب ألباب السامعين، على نحو ما نقرأ فى قوله: «فإن من كان كذلك انهتكت عن أبصار نفسه سجوف سدف الجهل، وعافت نفسه مشارب عكر العجب، وأنفت من ركاكة معالجة الزهو، واستوحشت من تولّج ظلم الشبهات»، والصور متلاحقة فى هذه العبارات، وكأننا بإزاء كاتب أدبى لا كاتب فلسفى. وفى ذلك ما يدل بوضوح على التقاء الفلسفة بالأدب بل على امتزاجهما، فهذا الكندى الفيلسوف يعرض فلسفته فى أسلوب أدبى يشتمل على غير قليل من الروعة البيانية. وتلقانا فى أسلوبه اصطلاحاته الفلسفية كاصطلاح (الإنيّة) بمعنى
стр. 1989
(الموجود) واصطلاح (ليس) بمعنى المعدوم و (أيس) بمعنى الموجود. وهذه الاصطلاحات لا تجور على العبارات فى الأسلوب، بل يندمج فيها لقدرة الكندى كما قلنا آنفا على المزج بين العبارة الفلسفية والعبارة الأدبية.
وحقّا لم يكن من وراء الكندى من المتفلسفين يبلغون مبلغه فى العربية والوقوف على أسرارها وخصائصها الأدبية ولكن من الحق أنهم جميعا عنوا بفصاحة عباراتهم وسلامتها بقدر ما استطاعوا حتى عند من كان منهم ينادى باتخاذ مقاييس البلاغة اليونانية معيارا للفن البيانى فى النثر. ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أنه كانت هناك ثلاثة أذواق: ذوق ينادى بالرجوع إلى اليونان ومعاييرهم البلاغية، وكان يمثله المترجمون السريان ومن التفّ حولهم من الكتّاب الذين كانوا يعكفون على النظر فى علم النجوم وفى المنطق والفلسفة والذين كانوا يتحدثون دائما عن الكون والفساد، وسمع الكيان، والكيفية والكمية، والجوهر والعرض، ورأس الخط النقطة، والنقطة لا تنقسم مما كانوا يقرءونه فى الكتب المترجمة، على نحو ما يصور ذلك ابن قتيبة فى مقدمة كتابه «أدب الكاتب». وكان يقابل هذا الذوق المجدد إلى أبعد حدود التجديد حتى ليرفض المقاييس العربية ذوق كان يرتضى هذه المقاييس، بل كان يرى خطل الاحتكام إلى سواها، فالأدب أدب عربى له ملكاته الراسخة، وله أساليبه الموروثة المصفّاة. وينبغى ألا نعدل عن معاييره الذاتية إلى معايير أخرى ليست من طبيعته ولا من بيئته. وكان يمثل هذا الذوق علماء اللغة المحافظون ومن سار فى فلكهم. وبين الذوقين كان هناك ذوق ثالث معتدل، لا يغلو غلو الأولين فى رفض المقاييس العربية ولا غلو الأخيرين فى رفض المقاييس الأجنبية، بل يقف موقفا وسطا بين الطرفين المتعارضين، فهو يعتدّ بالمقاييس العربية ويأخذ منها ما يوافق العصر ويلائمه، وهو ينظر فى المقاييس الأجنبية ويأخذ منها ما يتفق وروح البيان العربى. وكان يمثل هذا الذوق المتكلمون على نحو ما يلاحظ فى كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ، وهو فيه يعرض ملاحظات العرب منذ الجاهلية عن البيان ومقوماته ولا يكاد يترك ملاحظة هنا أو هناك لخطيب عربى إلا ويسجّلها، وينقل عن الهند واليونان والفرس آراءهم-التى استطاع الحصول عليها-فى البلاغة دون أن يعلى فريقا على فريق أو ينصر فريقا ضد فريق.
стр. 1990
وكانت بيئة المتكلمين أسبق من البيئتين الأخريين فى وضع قواعد البلاغة النثرية، إذ أخذت تحاول منذ العصر العباسى الأول وضع هذه القواعد، وكان من أهم ما دفعها إلى ذلك تدريب الشباب على المهارة فى الخطابة والبيان وكيف يتغلب على الخصوم فى حجاجه وجدله. وكانت المناظرات مندلعة بينها وبين أصحاب الفرق الأخرى، وكانت تندلع أحيانا فيما بين أفرادها، فكثر كلامهم عن صفات الخطيب وجهارة صوته ووضوح عبارته وخلابتها وملاءمة كلامه للسامعين وما يحسن من حركاته وإشاراته ودقة أدلته وبراهينه، وكيف يقرع حجة الخصم بالحجة الناصعة وكيف ينقض كلامه نقضا. وأخذوا يحاولون مبكرين التعرف على مقومات البيان العربى، ودار بينهم كلام كثير عن البلاغة وقواعدها البيانية وما ينبغى فى ألفاظ العبارات أحيانا من رشاقة وعذوبة وأحيانا أخرى من جزالة ورصانة، وما ينبغى للمعانى من وضوح مهما دقّت مسالكها. وبحق لاحظ ابن تيمية أن هذه البيئة هى التى فرقت بين الحقيقة والمجاز وأعدّت لمباحث البيان العربى المعروفة (١). ويلقانا فى هذا العصر الجاحظ وكتابه البيان والتبيين الذى ذكرناه آنفا، وهو يشتمل على كل الملاحظات البيانية والبلاغية التى أوصى بها المتكلمون الأدباء، حتى يحوزوا لأنفسهم بيانا ناصعا رائعا. وتهمنا ملاحظات الجاحظ نفسه، لأنه هو الذى عايش العصر، وترك آثارا واضحة فيه، ومن أهم ما ردّده طويلا فكرة مطابقة الكلام للسامعين، فلا يصح لمتكلم أن يكلم العامة بمصطلحات علم الكلام أو يكلم علماء الكلام بكلام الأعراب الممتلئ بالغريب أو بكلام العوام المبتذل المسف يقول: «قبيح بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلمين فى خطبة أو رسالة أو فى مخاطبة العوامّ أو فى مخاطبة أهله. . . أو فى حديثه إذا حدث أو فى خبره إذا أخبر وكذلك من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب وألفاظ العوام فى صناعة الكلام، ولكل مقام مقال ولكل صناعة شكل (٢)». ولا يملّ الجاحظ من الدعوة إلى الوضوح، وألا يوجز كاتب ولا عالم فى كلامه حتى يصبح ألغازا، وقد حمل على كتب الأخفش لما فيها من صعوبة وغموض، كما حمل على كل تكلف، يقول: «متى شاكل-أبقاك الله-اللفظ معناه، وأعرب عن فحواه، وكان لتلك الحال وفقا، ولذلك القدر
стр. 1991
لفقا، وخرج من سماجة الاستكراه وسلم من فساد التكلف كان قمينا بحسن الموقع وبانتفاع المستمع» (١). وتحدث كثيرا عن جزالة الألفاظ وعذوبتها وعن تلاحمها وتنافرها وعن حسن موقعها فى مكان وسوئه فى مكان آخر، كما تحدث عن دقة استخدام الكلمات، يقول: «قد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها، وغيرها أحق بذلك منها، ألا ترى أن الله ﵎ لم يذكر فى القرآن الجوع إلا فى موضع العقاب أو فى موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون السّغب ويذكرون الجوع فى حال القدرة والسلامة. وكذلك ذكر المطر، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا فى مواضع الانتقام، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث» (٢). ويتوقف مرارا ليشيد بجمال اختيار الألفاظ وجودة الصياغة والسبك وحسن الرّصف والنظم، ونراه ينوّه بالسجع وأثره فى نفوس السامعين (٣)، كما ينوه بالازدواج وما فيه من جمال (٤) صوتى، وكأنه هو الذى أعدّ لهذين الأسلوبين كى يشيعا على ألسنة الأدباء منذ عصره، وكان هو نفسه يستخدم الازدواج كثيرا فى أسلوبه، واستخدم السجع قليلا، وتردّدت على لسانه فنون بديعية وبيانية كثيرة، مثل: الأسلوب الحكيم والاحتراس، وكان يسميه إصابة المقدار، والاعتراض، والكناية والحقيقة والمجاز والاستعارة والتشبيه والتمثيل. وبذلك هيّأ فيما بعد لابن المعتز أن يكتب كتابه البديع مصورا فيه المحسنات البيانية والبديعية وفيه ينص على أن الجاحظ اكتشف بين تلك المحسّنات محسنا عقليّا هو «المذهب الكلامى» ويريد به الجاحظ دقة حيل المتكلمين فى الغوص على الحجج والعلل والمعاذير. وظلت كتابات الجاحظ فى البيان والتبيين وكذلك فى الحيوان مخازن لا تنفد للبلاغيين المتأخرين، كل يأخذ منها حسب ذوقه وقدرته العقلية.
وقدّمت بيئة اللغويين كتبا مختلفة، منها ما يعتمد على رواية الأشعار الغريبة وبعض أخبار عن الأعراب مثل مجالس ثعلب، ومنها ما يعنى بضبط ألفاظ وتفسيرها مثل كتابه «الفصيح»، وأهم كتاب قدمته هذه البيئة كتاب الكامل للمبرد، وهو معرض جيد لنماذج من الشعر والنثر، لا تبلغ فى الغرابة مبلغ نماذج ثعلب فى
стр. 1992
مجالسه، ولذلك شغف الأدباء فى عصر المبرد وبعد عصره بهذا الكتاب، وعدّوه أحد كتب الأدب الأربعة الأساسية. ونراه يتأثر بما كتبه الجاحظ عن فنون البيان، فيشير إلى الحقيقة والمجاز والاستعارة، ويتحدث عن الكناية ويوزّعها على ثلاثة أنواع، فهى إما للتعمية وإما لتحاشى اللفظ الخسيس وإما للتفخيم (١)، ويجعل التشبيه أربعة أضرب، فهو إما تشبيه مفرط، وإما تشبيه مصيب، وإما تشبيه مقارب، وإما تشبيه بعيد (٢). والكتاب يمثل ذوقا محافظا، فليس فيه أى شئ يتصل بآراء الأجانب فى البيان والبلاغة، وليس فيه أىّ استضاءة بهذه الآراء.
ومن الغريب أن نجد ابن قتيبة، وسنعرف فى موضع آخر أنه كان مثقفا بالثقافات الأجنبية المعاصرة، يجنح فى ذوقه إلى هذه البيئة اللغوية المحافظة فى كتابه «أدب الكاتب» وقد مضى فيه يعرّف الكتّاب بالاستعمالات اللغوية الصحيحة للكلمات، فمن ذلك الطّرب يذهب الناس إلى أنه فى الفرح دون الجزع، وليس كذلك إنما الطرب خفّة تصيب الرجل لشدة السرور أو لشدة الجزع (٣)، ومن ذلك المأتم يذهب الناس إلى أنه المصيبة، يقولون كنا فى مأتم، وليس كذلك إنما المأتم النساء يجتمعن فى الخير والشر، والجمع مآتم، والصواب أن يقولوا كنا فى مناحة، وإنما قيل لها مناحة من النوائح لتقابلهن عند البكاء (٤). ويظل يفتح نحو خمسين بابا لتعليم الكتّاب ألفاظا يجب أن يعرفوا دقة استخدامها، منها ما يتصل بأسماء الحيوان ومنها ما يتصل بأسماء الأفلاك، ومنها ما يتصل بأسماء النبات، ومنها ما يعرف واحده ويشكل جمعه، ومنها ما يتصل بالطعام أو الشراب أو الثياب أو السلاح. ويخرج من ذلك إلى أبواب تتصل بكتابة الكلمات من ذوات الألف أو الواو أو الياء إلى غير ذلك. وينتقل إلى أبواب تقويم اللسان ناصّا فيها على ما يسبّبه السماع للعامة من الوقوع فى الخطأ كأفعال تهمز والعامة تدع حذفها وما هو بالسين ويقولونه بالصاد وما جاء مفتوحا وهم يكسرونه إلى جمّ من مثل هذه المسائل. ويمضى إلى أبنية الأفعال ومعانيها وأبنية الأسماء ومعانيها، وفى أثناء ذلك يعقد بابا طريفا (٥) لما يتكلم به العامة من الكلام الأعجمى، سواء
стр. 1993
أكان أصله روميّا أم نبطيّا أم فارسيّا أم سريانيّا. والذوق العام فى الكتاب ذوق لغوى محافظ شديد المحافظة.
وعلى ضوء الذوقين اللذين وصفناهما للبيئتين السالفتين صنّف معاصر لابن قتيبة هو إبراهيم بن المدبر المتوفى سنة ٢٧٨ رسالة (١) بديعة فى موازين البلاغة وأدوات الكتابة، سماها الرسالة العذراء، وهى أول رسالة تناولت بدقة صناعة النثر، وهو يستهلها بأن شخصا طلب إليه أن يعرّفه بجوامع أسباب البلاغة وآداب الكتابة، ويشيد بهذه الصناعة، ويطلب ممن يريد حذقها طول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة كتب الحكماء ورسائل المتقدمين والمتأخرين والوقوف على الأشعار والأخبار والسير والأسمار والخطب ومحاورات العرب ومعانى العجم وحدود المنطق وأمثال الفرس ورسائلهم وعهودهم وسيرهم، مع التزود بالنحو والتصريف واللغة والفقه. وابن المدبر بذلك كله يلتقى بذوق علماء الكلام كما يمثلهم الجاحظ فيما حكاه من الثقافات الأجنبية، كما يلتقى بعلماء اللغة والتصريف، فهو يستضئ بهم جميعا. ويدعو من يريد التخصص بهذه الصناعة أن يمهر فى نزع آى القرآن الكريم ووضعها فى مواضعها، وكذلك الأمثال والأشعار وإن كانت الأخيرة لا تستحبّ فى مخاطبة الخلفاء، وهو فى هذه الملاحظة يستمد من الجاحظ مباشرة (٢) وقد استمد منه كثيرا فى رسالته. والمهم أنه يشيد فى تكوين ثقافة الأديب بالثقافة العربية، ويضعها جنبا إلى جنب مع الثقافات الأجنبية، مما يدل بوضوح على أنه كان يتأثر ببيئة المتكلمين تأثرا عميقا. ويتحدث عن زىّ الكاتب وحسن هندامه، ويطالب-فى إلحاح-كما طالب الجاحظ من قبله بالملاءمة الدقيقة بين الكلام وطبقات الناس من الخلفاء والوزراء والكتّاب وولاة الثغور وقواد الجيوش والقضاة والعلماء وذوى النباهة والظّرف. ويقول إن لكل طبقة من هذه ما يناسبها من الألفاظ والمعانى، حتى لا يجرى الأديب شعاع بلاغته فى غير مساربه ولا ينظم جوهر كلامه فى غير سلكه. ولا بد-كما قال الجاحظ مرارا وتكرارا- من المشاكلة الدقيقة بين الألفاظ والمعانى، حتى توضع الألفاظ فى مواضعها وتنزل
стр. 1994
مواطنها، ثم يتوقف-مهتديا بابن قتيبة-إزاء أبنية ينبغى تركها واستعمال أبنية أخرى، فمثل الدعاء: «أبقاك الله طويلا» ليس مستحبّا، إنما المستحب «أطال الله بقاءك» مع أنه لا فرق فى المعنى بين العبارتين، ولكنهم جعلوا الثانية أرجح وزنا وأنبه قدرا. وكذلك الدعاء: «جعلت فداك» يرى أنه قد ابتذل حتى مجّته الأفواه، إلى غير ذلك من أدعية كانت تنبو عن ذوق الأدباء من أمثاله.
ويقول إن مديح الخلفاء والوزراء فى الرسائل ينبغى ألا يكون بالفروض الواجبة مثل:
يصدق فى وعده ويفى بعهده، لأن ذلك من الواجبات التى ينبغى أن تكون فى كل شخص. ولا بد أن يعرف الأديب لكل كلمة مكانها، ويضرب مثلا لذلك أن شخصا كتب إلى داود بن خلف الأصبهانى معاصره صاحب مذهب الظاهرية عن شخص آخر على هذا النمط: «وإن قال كذا فقد خرج عن الملّة، والحمد لله» وردّ عليه داود متعجبا عن وضع الحمد فى هذا المكان قائلا: «تحمد الله على أن تخرج امرءا مسلما من الإسلام، هذا موضع استرجاع، وللحمد مكان يليق به، وإنما يقال فى المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون». ويطلب ابن المدبّر أن يوضع مع ذكر الشكوى مثل: «والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل»، ومع ذكر البلوى:
«نسأل الله دفع المحذور، ونسأل الله صرف السوء» ومع ذكر النعم مثل: «الحمد لله خالصا، والشكر لله واجبا». ويمضى فى إثر الجاحظ، فيقول إنه لا يجوز فى الرسائل الإيجاز المفرط ولا استعمال الألفاظ المشتركة أو المبهمة ولا محاكاة الشعر فيما يجرى فيه من حذف أو ضرورات. ويحذّر من استعمال كلمة «إياك» ويحسّ ثقلها فى مثل «كلمت إياك». ويبدئ ويعيد-على ضوء الجاحظ-فى أن الألفاظ ينبغى أن توضع فى مواقعها بدقة. ويدعو إلى الاستهلال فى مقدمات الرسائل بحيث تشير فى صدرها إلى المراد منها، ويوصى بعدم إطالة المقدمات فى الكتابة، ويقول إنها ينبغى ألا تزيد عن سطرين أو ثلاثة. ثم يقيض فى أوصاف القلم واختيار مادته وطريقة بريه وأنواعه وأجودها، ويوصى بعدم إغفال الصلاة على الرسول ﵇. ويلفت إلى كيفية كتابة التاريخ بالقياس إلى الشهر، فإن كان الماضى أقل من نصف الشهر قال الكاتب: لكذا ليلة مضت من شهر كذا. وإن كان الباقى أقل من النصف قال: لكذا ليلة بقيت. ويتحدث عن القراطيس والكتابة فيها وطيّها. ويشير-على هدى ابن قتيبة-إلى العناية
стр. 1995
بميزان التصريف. ويعود إلى وضع الألفاظ فى أماكنها، وينهى-كما نهى المتكلمون من قبل-من ليست له موهبة أدبية عن محاولة الانتظام فى هذه الصناعة. وينقل عن أحد المتكلمين، وهو العتّابى، رأيه فى اختيار الألفاظ وصعوبته. وينصح الكاتب بعرض ما يكتبه فى باكورة حياته على المختصين ليروا مقدار صلاحيته للصناعة. وينهى-على هدى الجاحظ-عن الألفاظ الحوشية والمبتذلة. وينقل عنه إعجابه بالكتّاب إذ قال: «ما رأيت قوما أمثل طريقة فى البلاغة من الكتّاب، فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعّرا وحشيّا ولا ساقطا سوقيّا». ويعود إلى فكرة الوضوح الجاحظية. وينقل عنه بعض كلامه. ويذكر أرسطو وينقل عنه بعض ما قاله فى النّصبة التى تدل على اللفظ والإشارة والخط والعقد كأعلام الأفراح. وينقل أيضا عنه حدّه للإنسان وأنه الحى الناطق، وهو بذلك يقترب من ذوق المتكلمين وانتفاعهم ببعض ما ترجم دون الذوبان فيه. ويبيّن أهمية الكتب المحبّرة تحبيرا جيدا فى استنزال الجبابرة وأنها قد تصنع ما لا تصنعه الجيوش اللّجبة. ثم يسوق صفحات جلبها من البيان والتبيين عن تعريف اليونان والروم والفرس للبلاغة. ولا يكتفى بذلك بل ينقل أيضا الصحيفة التى دوّنها الجاحظ عن الهنود فى البلاغة. ويتلوها بما دوّنه عن بعض بلغاء العرب والمتكلمين مثل خالد بن صفوان وعمرو بن عبيد والخليل بن أحمد، وكل ذلك دليل واضح على أن ابن المدبر وضع نصب عينه فى كتابته لرسالته العذراء ابن قتيبة والجاحظ، ولكن أثر الجاحظ وكتابه البيان والتبيين أبعد مدى وأعمق أثرا.
وحتى الآن لم نتكلم عن كتاب يمثل بيئة المترجمين والمتفلسفة ومن كان ينهج نهجهم فى الدعوة لمعايير البلاغة اليونانية، ولعل خير كتاب قدمته هذه البيئة فى مجال النثر والكتابة هو الكتاب الذى نشر باسم نقد النثر منسوبا إلى قدامة بن جعفر، وقد تبيّن فيما بعد أنه جزء من كتاب البرهان فى وجوه البيان لإسحق بن إبراهيم بن سليمان ابن وهب، وهو من أسرة ظلت تعمل فى دواوين الخلفاء العباسيين منذ المأمون، وكان جده وزيرا للمهتدى والمعتمد، وتوفى سنة ٢٧٢ فبينه وبين حفيده جيل واحد مما يدل على أنه ممن عاشوا بأخرة من هذا العصر. ونراه فى مستهل كتابه يزرى على كتاب الجاحظ: «البيان والتبيين»، وهذا طبيعى لأنه يمثل بيئة المتفلسفة
стр. 1996
والمترجمين التى كانت تعارض المتكلمين فى مقاييسهم البلاغية، لأنهم لم يستوعبوا فى رأيه كتابات أرسطو فى المنطق والجدل والخطابة. وهو يفتتح كتابه بمباحث فى العقل تدل على أنه شيعى إمامى، ويعقد فصلا للقياس يحلله فيه على طريقة أرسطو، ويقول إنه جعل عمادا وعيارا على العقل كما جعل البركار لتقويم الدائرة والمسطرة لتقويم الخط.
ويفيض فى مباحث تتصل بالأخبار وبالفقه. ويتكلم عن بعض خصائص التعبير كما يتكلم عن الرمز ويقول إنه أتى منه كثير فى كتب المتقدمين من الفلاسفة وكان أكثرهم استعمالا له أفلاطون. ويعود إلى الحديث عن بعض خصائص العبارات وعن الأمثال والالتفات وعن المبالغة ويرتضيها متأثرا بأرسطو. ويعرض لمبحث الفصل والوصل بين العبارات وكذلك لمبحث التقديم والتأخير. ويقسم الكلام المنثور إلى خطابة وترسل واحتجاج وحديث، وينوّه بالإيجاز الذى حذّر الجاحظ منه، ويقول إن أرسطو وأوقليدس كانا شديدى الإيجاز، بينما امتاز بالإطناب جالينوس ويوحنا النحوى. ويعقد فصلا فى نحو عشرين صحيفة، أجمل فيه كتاب الجدل لأرسطو. وواضح أنه توسّع فى تشريعه للنثر العربى ووضعه لمعاييره فى الأخذ عن كتابى أرسطو فى المنطق والجدل. وهو أخذ يبدو فيه الجفاف وأنه ينبو عن الذوق العربى، ولذلك لم يلق هذا الكتاب ترحيبا من المتأدبين. وكان لذلك أثره فى أن نقاد العرب لم ينقلوا عنه شيئا فى كتاباتهم عن الخطابة والنثر، إذ رأوه يحتكم إلى أشياء غير وثيقة الصلة بأدبهم، ومن أجل ذلك ظل الكتاب وصاحبه مجهولين من عامة النقاد. ولا نبعد إذا قلنا إن بيئة المتكلمين هى التى سيطرت بما وضعته من معايير على أذواق الكتاب والأدباء فى العصر، وظل ذلك حقبا متطاولة، وهى كما قلنا بيئة معتدلة كانت تزاوج بين المعايير العربية والمعايير الأجنبية بحيث ظلت أوضاع العربية قائمة، كما ظلت مقوّماتها حيّة، مقومات تعتمد على التراث القديم وتتطور بما يلاثم العصر والثقافات الحديثة، تطورا لا يجنى على العربية، بل تجنى منه ثمارا رائعة، غذاء للعقول وشفاء للقلوب والأرواح.
وعلى هذا النحو كان ذوق بيئة المتكلمين هو الذوق الأدبى العام، وكان لذلك أثره فى أن ازدهر النثر العربى وأخذت موضوعاته تتنوّع تنوعا واسعا، وقاد هذا الازدهار الجاحظ المتكلم المشهور. إذ نراه يعنى بتصوير الطبقات فى مجتمعه، فهو يكتب عن الأتراك والسودان والموالى والعرب والنصارى واليهود. ويفسح
стр. 1997
للطبقات العامة، فيكتب عن اللصوص والمكدين وحيلهم والقيان والمرأة.
وكأنما أحدث موضوعات جديدة لكتب السّمر التى كانت تقرأ فى كل مكان.
وكانت قبله لا تعدو بعض كتب الآداب الفارسية وبعض قصص الحب العربية وقصص البطولة والإسرائيليات. وظل الاتجاه إلى ترجمة بعض القصص الفارسية قائما، وكان أهم ما ترجم فى هذا العصر حكايات ألف ليلة وليلة واسمه بالفارسية هزار أفسان أى ألف حكاية. ويفهم من كلام المسعودى عنه أن حكايات السندباد لم تكن جزءا منه فى عصره، بل كانت مستقلة. ويقول إن مؤلفها حكيم هندى يسمى السندباد، وهى تشتمل على كتاب الوزراء السبعة، والمعلم والغلام، وامرأة الملك. ويذكر المسعودى أنه كانت هناك حكايات مماثلة ترجمت عن الرومية (١). ومما ترجم حينئذ أو قل مما استمدّ من أصول فارسية كتاب التاج المنسوب إلى الجاحظ، وقد ألّفه أحد معاصريه وقدّمه إلى الفتح بن خاقان وزير المتوكل، وهو يصور نظم الساسانيين حكّام الفرس قبل الإسلام وتقاليدهم.
ومعنى ذلك أن النقل عن الفارسية ظل محتدما فى هذا العصر، ولكن أخذت الشخصية العربية تشبت وجودها فى قوة، فبمجرد أن ترجم كتاب ألف ليلة وليلة ألف محمد بن عبدوس الجهشيارى المتوفى سنة ٣٣١ للهجرة كتابا على نسقه به ألف حكاية من حكايات العرب وغيرهم. وظهرت فى العصر كتب أسمار كثيرة، كانت تتلهف عليها العامة، وخاصة ما دار منها حول الحب وأقاصيصه أو حول الجن أو حول بعض النساء. وكثرت كتب النوادر والكتب التى تصوّر أحوال الحمقى وأقوالهم وأفعالهم، وكتب الندماء والمنادمة، وكذلك الكتب التى تصور أخلاق العامة مثل كتابات مساوئ العوام وأخبار السفلة والأغتام للصّيمرى.
وكثرت كتب الأدب التهذيبى، وممن أكثر منها ابن أبى الدنيا المتوفى سنة ٢٨١ وقد نشر فى القاهرة مختصر صنعه السيوطى لكتابه الفرج بعد الشدة، وكانت له كتب مختلفة فى مكارم الأخلاق. ومثله محمد بن خلف بن المرزبان
стр. 1998
المتوفى سنة ٣٠٩ وقد ترجم كتبا كثيرة عن الفارسية وله تصانيف حسان فى الأخلاق وأحوال الناس، منها كتابه: «تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب»، ومثلهما أبو بكر الخرائطى السامرى المتوفى سنة ٣٢٥، وله مكارم الأخلاق ومعاليها ومحمود طرائقها ومراضيها، نشر بالقاهرة.
وبجانب كتب الأدب والسمر فتح الجاحظ موضوعا جديدا، هو وصف البلدان، إذ ألّف كتابا فيه سماه كتاب الأمصار وعجائب البلدان تحدث فيه عن مكة وقريش والمدينة ومصر والبصرة، وذكر خصائص كل بلدة وطباع أهلها وأثر البيئة فيها (١). ويبدو أنه اعتمد فى وصف بعض البلدان على بعض الإخباريين مما جعله يخطئ فى جوانب من كلامه على نحو ما لا حظ المسعودى إذ يقول: «وقد زعم عمرو بن بحر الجاحظ أن نهر مهران الذى هو نهر السند من نيل مصر، ويستدل على أنه من النيل بوجود التماسيح فيه، ولست أدرى كيف وقع له هذا الدليل، ذكر ذلك فى كتابه المترجم بكتاب الأمصار وعجائب البلدان. . . لأن الرجل لم يسلك البحار ولا أكثر الأسفار. . إنما كان ينقل من كتب الورّاقين (٢)». وملاحظة المسعودى صحيحة، ولكنها لا تغضّ من أهمية هذا الكتاب الذى فتح به الجاحظ لمعاصريه موضوعا جديدا للكتابة، وكان ممن تابعه فيه معاصره اليعقوبى أحمد بن أبى يعقوب بن واضح، وكتابه البلدان منشور، وتعاقبت بعد ذلك الكتب فى هذا الموضوع. والمهم أن الجاحظ أثار فى كتابه بقوة فكرة البيئة وطوابعها فى السكان، وقد كتبه بأسلوبه الأدبى البارع.
٢ - الخطابة والمواعظ والنثر الصوفى
ضعفت الخطابة السياسية فى هذا العصر، كما ضعفت الخطابة الحفلية، فكلاهما أصبح شيئا نادرا، وحتى ما بقى منهما إنما هو شظايا قليلة كتلك الشظايا
стр. 1999
التى حكاها الطبرى عن صاحب الزنج، بل لقد أجمل ما رواه من خطبه (١) بحيث لا نكاد نتبينها فى وضوح. وضعفت الخطابة الدينية على ألسنة الخلفاء وإن ظلت مزدهرة فى المساجد وفى خطب الجمع والعيدين، فقد أصبح من المعتاد ألا يخطب الخليفة يوم الجمعة إلا ما كان من الخليفة المهتدى الورع الذى ظل فى الحكم نحو عام، فإنه كان يذهب إلى المسجد الجامع بسامرّاء فى كل جمعة ويخطب الناس ويؤمّهم (٢)، ويروى أن الخليفة المعتضد حاول أن يخطب فى بعض الأعياد، فأرتج عليه ولم تسمع خطبته (٣)، ولم يخطب خليفة بعده فى العصر سوى الراضى، ولم تؤثر خطبه.
ولكن الخطابة الدينية إن كانت قد ضعفت على ألسنة الخلفاء فإنها نشطت نشاطا عظيما فى المساجد فقد كانت تعقد حلقات للوعاظ والقصّاص وكان الناس يتحلّقون من حولهم فيما يشبه احتفالات الأعياد، وكان منهم الرسميون الذين تعيّنهم الدولة للخطابة فى أيام الجمع ومنهم غير الرسميين، وهم الجمهور الأكبر. وكانوا يستمدّون فى وعظهم وقصصهم من القرآن الكريم والحديث النبوى وقصص الأنبياء والمرسلين، ومنهم من كان يقرأ القرآن الكريم ويفسره، وكانوا يعنون بعون الضعفاء والمساكين واليتامى وبالجهاد وحرب الأعداء مستعينين فى ذلك بأعمال البرّ. وكثير منهم كان يذهب مع الجيوش المجاهدة للوعظ فى الحرب وبثّ روح الحماسة الدينية فى نفوس المجاهدين من مثل أبى العباس الطبرى الذى مرّ ذكره والذى كان يعظ ويقصّ على المجاهدين فى طرسوس. ولم يكن يخلو يوم من أيام رمضان من واعظ أو قاصّ بعد الصلاة. وكانت العامة تشغف بهم شغفا شديدا، حتى ليحكى عن الطبرى أنه تعرّض لقاصّ ببغداد ينكر عليه بعض ما يقوله، فصاحت به العامة ورموا باب داره بالحجارة. ولا بد أن نفرق بين هؤلاء القصاص الوعاظ وبين قصّاص آخرين كانوا يجلسون للشباب والغلمان فى الطرقات ببغداد ويقصّون عليهم نوادر الأخبار والحكايات الهزلية، وكانوا يسلكون فى المشعوذين، ويضطرب بعض المستشرقين فيخلط بينهم وبين القصّاص الوعّاظ،
стр. 2000
ولا صلة بين الطرفين إلا فى الاسم، وهؤلاء هم الذين كانت الدولة تطاردهم أحيانا كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، أما قصّاص المساجد الوعّاظ فكانوا موضع رعاية الدولة منذ عصر بنى أمية، وظل ذلك بعدهم، حتى لنجد بعض من يسند إليهم القصص فى المساجد يسند إليهم القضاء (١). أما الوعّاظ فكان منهم دائما خطباء المساجد فى الجمع والأعياد وائمتها فى الصلاة، وكان منهم كثيرون فصحاء بلغاء، فكان الناس يحتشدون حولهم، مكبرين لهم إكبارا عظيما.
وكانت المساجد دائما مفتوحة ليلا ونهارا، ودائما يوجد فيها الناس للصلاة وتوجد فيها حلقات التدريس، فكان الواعظ يختار أى وقت يشاء لموعظته، وإن كان عادة يجعلها تالية لبعض الصلوات. ومن كبار الوعاظ الذين شهدتهم بغداد فى العصر أبو الحسن على بن محمد الواعظ المصرى المتوفى ستة ٣٣٨ وكان يحضر مجلس وعظه الرجال والنساء.
وأخذت تنشأ منذ أوائل العصر طبقة جديدة من الوعّاظ، كانوا يسمّون بالمذكّرين، ويسمّى مجلسهم باسم مجلس الذكر أى ذكر الله وتسبيحه، وكانوا من الصوفية، بل كانوا خطباءهم ووعّاظهم الممتلئين صلاحا وتقوى وورعا، وكانوا يعظون الناس فى المساجد وفى الزوايا، خالطين الخوف بالرجاء، مستشهدين ببعض آى القرآن وبعض الحديث، وقد يفسرونهما ويعلقون عليهما، مضيفين من حين إلى حين عباراتهم الصوفية التى تأسر العقول والقلوب. ومن وعّاظهم فى العصر يحيى بن معاذ الرازى المتوفّى عام ٢٥٨ ويروى أنه جاء إلى شيراز، فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس فأول ما بدأ به قوله:
مواعظ الواعظ لن تقبلا ... حتى يعيها قلبه أوّلا
وانهال الناس عليه بعد ذلك انهيالا. ومن أكبر وعّاظهم فى العصر أبو حمزة الصوفى المتوفى سنة ٢٦٩ وهو-كما مرّ بنا فى الفصل الثانى -أول من تكلم على رءوس المنابر ببغداد خالطا مواعظه باصطلاحات