← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

والمترجمين التى كانت تعارض المتكلمين فى مقاييسهم البلاغية، لأنهم لم يستوعبوا فى رأيه كتابات أرسطو فى المنطق والجدل والخطابة. وهو يفتتح كتابه بمباحث فى العقل تدل على أنه شيعى إمامى، ويعقد فصلا للقياس يحلله فيه على طريقة أرسطو، ويقول إنه جعل عمادا وعيارا على العقل كما جعل البركار لتقويم الدائرة والمسطرة لتقويم الخط. ويفيض فى مباحث تتصل بالأخبار وبالفقه. ويتكلم عن بعض خصائص التعبير كما يتكلم عن الرمز ويقول إنه أتى منه كثير فى كتب المتقدمين من الفلاسفة وكان أكثرهم استعمالا له أفلاطون. ويعود إلى الحديث عن بعض خصائص العبارات وعن الأمثال والالتفات وعن المبالغة ويرتضيها متأثرا بأرسطو. ويعرض لمبحث الفصل والوصل بين العبارات وكذلك لمبحث التقديم والتأخير. ويقسم الكلام المنثور إلى خطابة وترسل واحتجاج وحديث، وينوّه بالإيجاز الذى حذّر الجاحظ منه، ويقول إن أرسطو وأوقليدس كانا شديدى الإيجاز، بينما امتاز بالإطناب جالينوس ويوحنا النحوى. ويعقد فصلا فى نحو عشرين صحيفة، أجمل فيه كتاب الجدل لأرسطو. وواضح أنه توسّع فى تشريعه للنثر العربى ووضعه لمعاييره فى الأخذ عن كتابى أرسطو فى المنطق والجدل. وهو أخذ يبدو فيه الجفاف وأنه ينبو عن الذوق العربى، ولذلك لم يلق هذا الكتاب ترحيبا من المتأدبين. وكان لذلك أثره فى أن نقاد العرب لم ينقلوا عنه شيئا فى كتاباتهم عن الخطابة والنثر، إذ رأوه يحتكم إلى أشياء غير وثيقة الصلة بأدبهم، ومن أجل ذلك ظل الكتاب وصاحبه مجهولين من عامة النقاد. ولا نبعد إذا قلنا إن بيئة المتكلمين هى التى سيطرت بما وضعته من معايير على أذواق الكتاب والأدباء فى العصر، وظل ذلك حقبا متطاولة، وهى كما قلنا بيئة معتدلة كانت تزاوج بين المعايير العربية والمعايير الأجنبية بحيث ظلت أوضاع العربية قائمة، كما ظلت مقوّماتها حيّة، مقومات تعتمد على التراث القديم وتتطور بما يلاثم العصر والثقافات الحديثة، تطورا لا يجنى على العربية، بل تجنى منه ثمارا رائعة، غذاء للعقول وشفاء للقلوب والأرواح. وعلى هذا النحو كان ذوق بيئة المتكلمين هو الذوق الأدبى العام، وكان لذلك أثره فى أن ازدهر النثر العربى وأخذت موضوعاته تتنوّع تنوعا واسعا، وقاد هذا الازدهار الجاحظ المتكلم المشهور. إذ نراه يعنى بتصوير الطبقات فى مجتمعه، فهو يكتب عن الأتراك والسودان والموالى والعرب والنصارى واليهود. ويفسح

стр. 1997

للطبقات العامة، فيكتب عن اللصوص والمكدين وحيلهم والقيان والمرأة. وكأنما أحدث موضوعات جديدة لكتب السّمر التى كانت تقرأ فى كل مكان. وكانت قبله لا تعدو بعض كتب الآداب الفارسية وبعض قصص الحب العربية وقصص البطولة والإسرائيليات. وظل الاتجاه إلى ترجمة بعض القصص الفارسية قائما، وكان أهم ما ترجم فى هذا العصر حكايات ألف ليلة وليلة واسمه بالفارسية هزار أفسان أى ألف حكاية. ويفهم من كلام المسعودى عنه أن حكايات السندباد لم تكن جزءا منه فى عصره، بل كانت مستقلة. ويقول إن مؤلفها حكيم هندى يسمى السندباد، وهى تشتمل على كتاب الوزراء السبعة، والمعلم والغلام، وامرأة الملك. ويذكر المسعودى أنه كانت هناك حكايات مماثلة ترجمت عن الرومية (١). ومما ترجم حينئذ أو قل مما استمدّ من أصول فارسية كتاب التاج المنسوب إلى الجاحظ، وقد ألّفه أحد معاصريه وقدّمه إلى الفتح بن خاقان وزير المتوكل، وهو يصور نظم الساسانيين حكّام الفرس قبل الإسلام وتقاليدهم. ومعنى ذلك أن النقل عن الفارسية ظل محتدما فى هذا العصر، ولكن أخذت الشخصية العربية تشبت وجودها فى قوة، فبمجرد أن ترجم كتاب ألف ليلة وليلة ألف محمد بن عبدوس الجهشيارى المتوفى سنة ٣٣١ للهجرة كتابا على نسقه به ألف حكاية من حكايات العرب وغيرهم. وظهرت فى العصر كتب أسمار كثيرة، كانت تتلهف عليها العامة، وخاصة ما دار منها حول الحب وأقاصيصه أو حول الجن أو حول بعض النساء. وكثرت كتب النوادر والكتب التى تصوّر أحوال الحمقى وأقوالهم وأفعالهم، وكتب الندماء والمنادمة، وكذلك الكتب التى تصور أخلاق العامة مثل كتابات مساوئ العوام وأخبار السفلة والأغتام للصّيمرى. وكثرت كتب الأدب التهذيبى، وممن أكثر منها ابن أبى الدنيا المتوفى سنة ٢٨١ وقد نشر فى القاهرة مختصر صنعه السيوطى لكتابه الفرج بعد الشدة، وكانت له كتب مختلفة فى مكارم الأخلاق. ومثله محمد بن خلف بن المرزبان

стр. 1998

المتوفى سنة ٣٠٩ وقد ترجم كتبا كثيرة عن الفارسية وله تصانيف حسان فى الأخلاق وأحوال الناس، منها كتابه: «تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب»، ومثلهما أبو بكر الخرائطى السامرى المتوفى سنة ٣٢٥، وله مكارم الأخلاق ومعاليها ومحمود طرائقها ومراضيها، نشر بالقاهرة. وبجانب كتب الأدب والسمر فتح الجاحظ موضوعا جديدا، هو وصف البلدان، إذ ألّف كتابا فيه سماه كتاب الأمصار وعجائب البلدان تحدث فيه عن مكة وقريش والمدينة ومصر والبصرة، وذكر خصائص كل بلدة وطباع أهلها وأثر البيئة فيها (١). ويبدو أنه اعتمد فى وصف بعض البلدان على بعض الإخباريين مما جعله يخطئ فى جوانب من كلامه على نحو ما لا حظ المسعودى إذ يقول: «وقد زعم عمرو بن بحر الجاحظ أن نهر مهران الذى هو نهر السند من نيل مصر، ويستدل على أنه من النيل بوجود التماسيح فيه، ولست أدرى كيف وقع له هذا الدليل، ذكر ذلك فى كتابه المترجم بكتاب الأمصار وعجائب البلدان. . . لأن الرجل لم يسلك البحار ولا أكثر الأسفار. . إنما كان ينقل من كتب الورّاقين (٢)». وملاحظة المسعودى صحيحة، ولكنها لا تغضّ من أهمية هذا الكتاب الذى فتح به الجاحظ لمعاصريه موضوعا جديدا للكتابة، وكان ممن تابعه فيه معاصره اليعقوبى أحمد بن أبى يعقوب بن واضح، وكتابه البلدان منشور، وتعاقبت بعد ذلك الكتب فى هذا الموضوع. والمهم أن الجاحظ أثار فى كتابه بقوة فكرة البيئة وطوابعها فى السكان، وقد كتبه بأسلوبه الأدبى البارع. ٢ - الخطابة والمواعظ والنثر الصوفى ضعفت الخطابة السياسية فى هذا العصر، كما ضعفت الخطابة الحفلية، فكلاهما أصبح شيئا نادرا، وحتى ما بقى منهما إنما هو شظايا قليلة كتلك الشظايا

стр. 1999

التى حكاها الطبرى عن صاحب الزنج، بل لقد أجمل ما رواه من خطبه (١) بحيث لا نكاد نتبينها فى وضوح. وضعفت الخطابة الدينية على ألسنة الخلفاء وإن ظلت مزدهرة فى المساجد وفى خطب الجمع والعيدين، فقد أصبح من المعتاد ألا يخطب الخليفة يوم الجمعة إلا ما كان من الخليفة المهتدى الورع الذى ظل فى الحكم نحو عام، فإنه كان يذهب إلى المسجد الجامع بسامرّاء فى كل جمعة ويخطب الناس ويؤمّهم (٢)، ويروى أن الخليفة المعتضد حاول أن يخطب فى بعض الأعياد، فأرتج عليه ولم تسمع خطبته (٣)، ولم يخطب خليفة بعده فى العصر سوى الراضى، ولم تؤثر خطبه. ولكن الخطابة الدينية إن كانت قد ضعفت على ألسنة الخلفاء فإنها نشطت نشاطا عظيما فى المساجد فقد كانت تعقد حلقات للوعاظ والقصّاص وكان الناس يتحلّقون من حولهم فيما يشبه احتفالات الأعياد، وكان منهم الرسميون الذين تعيّنهم الدولة للخطابة فى أيام الجمع ومنهم غير الرسميين، وهم الجمهور الأكبر. وكانوا يستمدّون فى وعظهم وقصصهم من القرآن الكريم والحديث النبوى وقصص الأنبياء والمرسلين، ومنهم من كان يقرأ القرآن الكريم ويفسره، وكانوا يعنون بعون الضعفاء والمساكين واليتامى وبالجهاد وحرب الأعداء مستعينين فى ذلك بأعمال البرّ. وكثير منهم كان يذهب مع الجيوش المجاهدة للوعظ فى الحرب وبثّ روح الحماسة الدينية فى نفوس المجاهدين من مثل أبى العباس الطبرى الذى مرّ ذكره والذى كان يعظ ويقصّ على المجاهدين فى طرسوس. ولم يكن يخلو يوم من أيام رمضان من واعظ أو قاصّ بعد الصلاة. وكانت العامة تشغف بهم شغفا شديدا، حتى ليحكى عن الطبرى أنه تعرّض لقاصّ ببغداد ينكر عليه بعض ما يقوله، فصاحت به العامة ورموا باب داره بالحجارة. ولا بد أن نفرق بين هؤلاء القصاص الوعاظ وبين قصّاص آخرين كانوا يجلسون للشباب والغلمان فى الطرقات ببغداد ويقصّون عليهم نوادر الأخبار والحكايات الهزلية، وكانوا يسلكون فى المشعوذين، ويضطرب بعض المستشرقين فيخلط بينهم وبين القصّاص الوعّاظ،

стр. 2000

ولا صلة بين الطرفين إلا فى الاسم، وهؤلاء هم الذين كانت الدولة تطاردهم أحيانا كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، أما قصّاص المساجد الوعّاظ فكانوا موضع رعاية الدولة منذ عصر بنى أمية، وظل ذلك بعدهم، حتى لنجد بعض من يسند إليهم القصص فى المساجد يسند إليهم القضاء (١). أما الوعّاظ فكان منهم دائما خطباء المساجد فى الجمع والأعياد وائمتها فى الصلاة، وكان منهم كثيرون فصحاء بلغاء، فكان الناس يحتشدون حولهم، مكبرين لهم إكبارا عظيما. وكانت المساجد دائما مفتوحة ليلا ونهارا، ودائما يوجد فيها الناس للصلاة وتوجد فيها حلقات التدريس، فكان الواعظ يختار أى وقت يشاء لموعظته، وإن كان عادة يجعلها تالية لبعض الصلوات. ومن كبار الوعاظ الذين شهدتهم بغداد فى العصر أبو الحسن على بن محمد الواعظ المصرى المتوفى ستة ٣٣٨ وكان يحضر مجلس وعظه الرجال والنساء. وأخذت تنشأ منذ أوائل العصر طبقة جديدة من الوعّاظ، كانوا يسمّون بالمذكّرين، ويسمّى مجلسهم باسم مجلس الذكر أى ذكر الله وتسبيحه، وكانوا من الصوفية، بل كانوا خطباءهم ووعّاظهم الممتلئين صلاحا وتقوى وورعا، وكانوا يعظون الناس فى المساجد وفى الزوايا، خالطين الخوف بالرجاء، مستشهدين ببعض آى القرآن وبعض الحديث، وقد يفسرونهما ويعلقون عليهما، مضيفين من حين إلى حين عباراتهم الصوفية التى تأسر العقول والقلوب. ومن وعّاظهم فى العصر يحيى بن معاذ الرازى المتوفّى عام ٢٥٨ ويروى أنه جاء إلى شيراز، فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس فأول ما بدأ به قوله: مواعظ الواعظ لن تقبلا ... حتى يعيها قلبه أوّلا وانهال الناس عليه بعد ذلك انهيالا. ومن أكبر وعّاظهم فى العصر أبو حمزة الصوفى المتوفى سنة ٢٦٩ وهو-كما مرّ بنا فى الفصل الثانى -أول من تكلم على رءوس المنابر ببغداد خالطا مواعظه باصطلاحات

стр. 2001

الصوفية وأفكارهم من صفاء الذكر وجمع الهمّ والمحبة والعشق والأنس. وكان هؤلاء الوعّاظ يجذبون إليهم الناس بأكثر مما يجذبهم الوعّاظ العاديون لقيام حياتهم على الزهد والتقشف ورفض كل متاع. وتكوّنت حول هؤلاء الوعّاظ من المتصوفة سريعا حكايات كثيرة تصوّر جهادهم العنيف فى قمع شهوات النفس ولذاتها وكيف كان الصوفىّ يفرض على نفسه عناء شاقّا مضنيا لا يطيقه إلا أولو العزم. وعادة تحتوى القصة أو الحكاية ما يلفت الصوفى إلى تقصيره وأن عليه أن يتحمل أهوالا ثقالا، فمن ذلك ما يروى عن بشر الحافى المتصوف المتوفى قبيل هذا العصر سنة ٢٢٧ من أنه مرّ ببعض الناس فسمعهم يقولون: هذا الرجل لا ينام الليل كله ولا يفطر إلا فى كل ثلاثة أيام مرة، فبكى حين سمعهم يردّدون هذا الكلام. وسأله سائل: ما يبكيك؟ فقال: إنى لا أذكر أنى سهرت ليلة كاملة، ولا أنى صمت يوما ولم أفطر من ليلته، ولكن الله يلقى فى القلوب أكثر مما يفعله العبد لطفا منه سبحانه (١) وكرما. ويحكى عن السّرىّ السّقطى المتوفى سنة ٢٥١ أنه كان إذا أفطر كل ليلة ترك لقمة، فإذا أصبح جاءت عصفورة، وأكلت تلك اللقمة من يده، وذات يوم اشتهى أن يأكل الخبز بالقديد (لحم مقدّد) فامتنعت العصفورة من أكل اللقمة التى تعودت أكلها، فعاهد نفسه ألا يتناول أبدا شيئا من الإدام (٢)! . ويروى ابن أخته الجنيد أنه دخل عليه يوما، فوجده يبكى، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: جاءتنى البارحة الصبية، فقالت: يا أبت هذه ليلة حارة، وهذا الكوز أعلّقه ههنا، ثم إنى نمت فرأيت جارية من أحسن الخلق نزلت من السماء فقلت لها: لمن أنت؟ فقالت: لمن لا يشرب الماء المبرّد فى الكيزان، فتناولت الكوز، فضربت به الأرض فحطمته (٣). وهما خبران رمزيان يصوران ما كان يأخذ به السّرىّ نفسه من الشظف فى العيش والحرمان الشديد. ويحكى عن رويم بن أحمد المتوفى سنة ٣٠٣، وكان مجردا من الدنيا زاهدا ورعا، أنه اجتاز فى بغداد وقت الهاجرة ببعض الطرقات وهو عطشان، فاستسقى من دار، ففتحت

стр. 2002

الباب صبيّة ومعها كوز ماء، فأخذه منها وشرب، فاستدارت له قائلة: صوفىّ يشرب بالنهار! فما أفطر بعد ذلك اليوم قط (١). وهذه الحكايات الصوفية أخذت تكوّن ضربا من ضروب الآداب الشعبية العربية، إذ كان الناس يتداولونها رجالا ونساء وشيبا وشبّانا، وكأن التصوف كان عاملا قويّا فى ظهور تلك الآداب وطبعها بطوابع الشعب ولغته وألفاظه. وتتصل بها الحكايات التى أخذت تؤثر عن كرامات المتصوفة، ومرّ بنا فى الفصل الثالث أن الحكيم الترمذى المتوفى سنة ٣٢٠ صنّف فى تلك الكرامات كتابا سمّاه «ختم الولاية» يريد ولاية الصوفية وأنهم أولياء الله فى أرضه، ولذلك تظهر على أيديهم كرامات كثيرة. وممن تكثر إضافة الكرامات إليه فى هذا العصر بنان الحمّال المصرى المتوفى سنة ٣١٦، فقد قيل إن خمارويه أمر بأن يطرح بين يدى سبع، فطرح وبقى ليلته. وجعل السبع يشمه ولا يضره. فلما أصبحوا وجدوه قاعدا مستقبل القبلة والسّبع بين يديه. وعجب خمارويه، فأطلقه واعتذر إليه (٢). وحكى أنه كان لرجل على آخر دين: مائة دينار، بوثيقة. فطلب الرجل الوثيقة فلم يجدها، فجاء إلى بنان ليدعو له، لعله يجد الوثيقة الضائعة، فقال له بنان: أنا رجل قد كبرت وأحب الحلواء، اذهب إلى قريح (حلوانى) فاشتر رطل حلواء واثتنى به، أدعو لك، ففعل الرجل، وجاءه. فقال له بنان: افتح ورقة الحلواء، ففتحها، فإذا هى الوثيقة. فقال: هذه وثيقتى. فقال بنان: خذها، وأطعم الحلواء صبيانك. ولم يكن يؤمن بمثل هاتين الكرامتين إلا عوامّ المتصوفة، وهو ما يعنينا، إذ دارت حكايات هذه الكرامات على ألسنة العامة، وبذلك كان التصوف عاملا قويّا فى العصر على ذيوع لون شعبى جديد من الأدب، وهو لون قصصى، وقد أخذت تؤلف فيه المصنّفات مثل كتاب «ختم الولاية» الآنف ذكره، وكانت بدورها مصنفات شعبية تتداولها كثرة من الأيدى. ولعله من المهم أن نعرف أن خاصة المتصوفة وكبارهم فى العصر كانوا ينكرون هذه الكرامات إنكارا باتّا، فيحكى عن أبى يزيد البسطامى المتوفى سنة ٢٦١ أنه قيل له إن فلانا يمشى فى ليلة إلى مكة، فقال:

стр. 2003

الشيطان يمشى فى ساعة من المشرق إلى المغرب فى لعنة الله. وقيل له: فلان يمشى على الماء ويطير فى الهواء، فقال: الطير يطير فى الهواء والسمك يمر على الماء (١). وجاء رجل إلى سهل التسترى المتوفى سنة ٢٧٣. فقال له: إن الناس يقولون إنك تمشى على الماء، فقال له: سل مؤذّن المحلّة، فإنه رجل صالح لا يكذب، قال: فسألته، فقال المؤذن: لا أدرى هذا. ولكنه نزل حوض الماء فى بعض الأيام ليتطهر، فوقع فى الماء، فلو لم أكن أنا لبقى فيه (٢). ويروى عن بعض الصوفية أنه قال: كان فى نفسى شئ من هذه الكرامات، فأخذت قصبة من الصبيان وقمت بين زورقين، ثم قلت: وعزّتك لئن لم تخرج لى سمكة قدرها ثلاثة أرطال لأغرقنّ نفسى. قال: فخرجت لى سمكة قدرها ثلاثة أرطال، فبلغ كلامه الجنيد. فقال: كان حقه أن تخرج له أفعى تلدغه. والمهم أن التصوف نشر بهذه الحكايات المتصلة باحتمال المتصوفة لأثقال الشظف وما اعتقدته العامة فيما جرى على أيديهم من الكرامات أدبا شعبيّا قصصيّا كان يدور بين الناس. ولون ثالث من هذه الحكايات كان يقص أخبار المتصوفة لعل خير ما يصوره كتاب أخبار الحلاج. وهو أخبار وحكايات عنه بألسنة تلاميذه. تحمل أحواله وآراءه ومعتقده، فمن ذلك ما رواه تلميذه إبراهيم الحلوانى. قال (٣): «دخلت على الحلاج بين المغرب والعشاء. فوجدته يصلى، فجلست فى زاوية الميت. كأنه لم يحسّ بى لاشتغاله بالصلاة. فقرأ سورة البقرة فى الركعة الأولى، وفى الركعة الثانية آل عمران، فلما سلّم سجد وتكلّم بأشياء لم أسمع بمثلها. فلما خاض فى الدعاء رفع صوته كأنه مأخوذ عن نفسه، ثم قال: يا إله الآلهة ويا ربّ الأرباب ويا من ﴿(لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ)﴾ ردّ إلىّ نفسى لئلا يفتتن بى عبادك، يا هو أنا، وأنا هو، لا فرق بين إنّيّتى (وجودى) وهويّتك إلا الحدوث والقدم. ثم رفع رأسه ونظر إلىّ وضحك فى وجهى ضحكات. ثم قال: يا أبا إسحق أما ترى أن ربى ضرب قدمه فى حدوثى حتى استهلك حدوثى فى قدمه، فلم

стр. 2004

يبق لى صفة إلا صفة القديم، ونطقى فى تلك الصفة. والخلق كلهم أحداث ينطقون عن حدوث. ثم إذا نطقت عن القدم ينكرون علىّ ويشهدون بكفرى ويسعون إلى قتلى، وهم بذلك معذورون، وبكل ما يفعلون بى مأجورون». والحكاية تصور عقيدة الحلاج فى أنه بتحمله للآلام الثقال أصبح-كما يزعم- فى مرتبة عليا، بحيث ارتسمت الصورة الإلهية فيه، إذ ظهر فيه اللاهوت، وأصبح لا يفرّق بين نفسه وربه، فقد امتزج الحدث أو الحداثة فيه بالقدم، بل إنه لم تبق فيه صفة إلا صفة القدم، بخلاف من حوله من الناس، فهم جميعا يستشعرون الحدوث، أو قل كلهم حادثون، وهو وحده الذى أصبح يستشعر القدم، فلماذا ينكرون عليه التكلم عن القدم. مع أنه هو-كما يزعم-والقديم شئ واحد! . وله عبارات تدل على أنه كان فى بعض أحواله يؤمن بتنزيه الذات العلية عن التشبيه بالمخلوقات وفى أخباره عن أحمد بن سعيد الإسبينجانى قال (١): سمعت الحلاج يقول: ألزم (الله) الكلّ الحدوث لأن القدم له. والذى بالجسم ظهوره العرض يلزمه. والذى بالإرادة اجتماعه قواها تمسكه. والذى يؤلفه وقت يفرّقه وقت. والذى يقيمه غيره الضرورة تمسّه. والذى الوهم يظفر به التصوير يرتقى إليه. ومن آواه محل أدركه أين. ومن كان له جنس طالبه كيف. إنه تعالى لا يظلّه فوق ولا يقلّه (يحمله) تحت. ولا يقابله حدّ ولا يزاحمه عند، ولا يأخذه خلف ولا يحدّه أمام. ولا يظهره قبل ولا يفيته بعد. ولا يوجده كان، ولا يفقده ليس (عدم). وصفه لا صفة له. وفعله لا علّة له. وكونه لا أمد له. تنزّه عن أحوال خلقه. ليس له من خلقه مزاج، ولا فى فعله علاج، باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم». ويستمر الحلاج فى مثل هذا التنزيه لله، فهو لا يشبه الكائنات فى شئ ولا يشبهونه فى شئ، تفرّد بذاته وصفاته عن ذواتهم وصفاتهم فهم حادثون وهو قديم، لا يلزمه شئ ولا يمسكه شئ، كلّ واحد لا أجزاء له، لا تمسه ضرورة ولا يلحقه وهم، ولا يؤويه مكان ولا تحتويه صفة، لا شئ فوقه ولا آخر تحته، لا يحدّه حدّ ولا جهة من الجهات، موجود قبل كل وجود، ولا يلحقه عدم

стр. 2005

ولا فناء، ولا يصفه وصف لا يسأل عما يفعل، أزلىّ أبدىّ، ليس كمثله شئ، قديم والخلق جميعا حادثون. ومرّ بنا أنه ربما كان أول صوفى دعا للانفصام بين الحقيقة (التصوف) والشريعة، وفى أخباره أنه قال فى رسالة له أرسل بها إلى بعض تلامذته (١): «اعلم أن المرء قائم على بساط الشريعة ما لم يصل إلى مواقف التوحيد، فإذا وصل إليها سقطت من عينه الشريعة واشتغل باللوائح الطالعة من معدن الصدق، فإذا ترادفت عليه اللوائح وتتابعت عليه الطوالع صار التوحيد عنده زندقة والشريعة عنده هوسا، فبقى بلاعين ولا أثر. إن استعمل الشريعة استعملها رسما. وإن نطق بالتوحيد نطق به غلبة وقهرا». وواضح أنه يجعل الشريعة للناس العاديين، أما أهل الحقيقة من أمثاله فإنهم يسقطون الشريعة ويسقطون معها الفروض الدينية! فلا صلاة ولا صوم ولا حج ولا زكاة، بل إن المتصوف إذا ظل راقيا فى مراقى الحقيقة العليا، سقطت عنده لا الشريعة وحدها، بل كل شئ حتى التوحيد! . ولعل فى الفقرة الأخيرة من كلامه ما يشير إلى لون رابع من ألوان النثر الصوفى، هو تصوير الصوفية لمعتقداتهم فى مصنفات خاصة، على نحو ما يلقانا فى كتاب الطواسين له، ويحسن أن نعرض منه قطعة أو فقرة تصوّر كتابته الصوفية، ولتكن القطعة التى كتبها عن شخصية الرسول ﷺ فى مستهل الفصل الأول من كتابه، وهى تجرى على هذا النمط (٢): «طس سراج من نور الغيب بدا وعاد، وجاوز السراج وساد، قمر تجلّى من بين الأقمار، برجه فى فلك الأسرار، سمّاه الحق أميّا لجمع همته، وحرميّا لعظم نعمته، ومكيّا لتمكينه عند قربه، شرح صدره، ورفع قدره، وأوجب أمره، فأظهر بدره. طلع بدره من غمامة اليمامة، وأشرقت شمسه من ناحية تهامة. . ﴿(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)﴾. أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، همّته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم، واسمه سبق القلم، لأنه كان قبل الأمم. . . وهو سيد البرية الذى اسمه أحمد، ونعته أوحد، كان مشهورا

стр. 2006

قبل الحوادث والكوائن والأكوان ولم يزل، كان مذكورا قبل القبل وبعد البعد، هو الذى جلا الصّدأ عن الصدر المغلول، وهو الذى أتى بكلام قديم لا محدث ولا مقول ولا مفعول. . . فوقه غمامة برقت، وتحته برقة لمعت وأشرقت وأمطرت وأثمرت. العلوم كلها قطرة من بحره، والحكم كلّها غرفة من نهره، الأزمان كلها ساعة من دهره، هو الأول فى الوصلة، والآخر فى النبوة، والباطن بالحقيقة، والظاهر بالمعرفة». و«طس» تبتدئ بها سور معروفة فى القرآن الكريم، وقد اختار جمعها اسما لكتابه! وهو يشيد بالرسول ﵇ متمثلا فيه فكرة اللاهوت، بل إنه ليجعل نوره المحمدى أول شئ خلقه الله. وقد ظل يظهر فى نبوات الأنبياء منذ آدم، وليس ذلك فحسب. فهو مبدأ الوجود وروحه، وهو منبع العلم والعرفان والحكمة، أو هو الأول السابق فى الوجود لكل وجود، وهو الآخر فى النبوات وبين الأنبياء. وكأنه الحقيقة الإلهية السارية فى الوجود كله. فمنها يستمد الكون وجوده وكل نبى نوره. بل إنه هو المشاهد فى كل نور. وذكر أن الرسول ﵇ أتى بكلام قديم، وبذلك خالف المعتزلة مخالفة صريحة فى قولهم بأن القرآن كلام الله ليس قديما بل هو مخلوق وحادث. وواضح أن الحلاج كان يستخدم فى كتابه الطواسين السجع. وبذلك لاءم بين أسلوبه وأسلوب الكتابة فى أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع فإن السجع أخذ يعم فى الكتابات الأدبية. وربما كان فى اختياره لهذا الأسلوب ما يدل على أنه أراد أن يرتفع بكتابه الطواسين عن الطبقة العامة إلى الطبقة الخاصة محاولا أن يؤثر فيها بما حشده فيه من السجع تارة ومن الشعر تارة ثانية، وكأنه كان يعرف قبل غيره أن العامة لن تفهم أفكاره الصوفية المعقدة، فقدّمها إلى الطبقة الخاصة مودعا فيها من السجع والشعر ما يفسح للرمز والتأويل.

стр. 2007

٣ - المناظرات مرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول ما يصور اندلاع المناظرات بين المعتزلة وطوائف المتكلمين وبينهم وبين أصحاب الملل والنحل اندلاعا هيّأ لظهور كثير من كبار المناظرين فى شئون الدين والعقل كما هيأ لبسط المعانى ومدّها بذخائر جديدة من توليد الأفكار وتشعيبها والتعمق فى مساربها الخفية، وقد أسلفنا أن مجد المعتزلة سقط فى هذا العصر منذ وقف المتوكل قولهم القائل بخلق القرآن وفسح لآراء أهل السنة، وقد عضب غضبا شديدا على ممثل المعتزلة فى بلاط المعتصم والواثق من قبله، ونقصد أحمد بن أبى دؤاد. لم يعد للمعتزلة مجدهم القديم، ولكنهم لم يتراجعوا عن الوظيفة التى ندبوا لها أنفسهم إزاء أصحاب النحل والملل، فكانوا بالمرصاد للملاحدة، ومرّ بنا كتاب الانتصار للخياط المعتزلى الذى ردّ ردّا مفحما على ابن الراوندى الملحد. وظل الجدل عنيفا بين المعتزلة وغيرهم من المتكلمين، على نحو ما يصور لنا ذلك الجاحظ فى كتاباته وخاصة فى كتابه «فضيلة المعتزلة» وتلاه فى رياسة المعتزلة بالبصرة أبو يعقوب الشّحّام، وكان يعاصره فى بغداد جعفر بن حرب المعتزلى، وحكى الخياط مناظرة بينه وبين السّكاك الرافضى فى علم الله ﷻ وحدوثه وقدمه وإثباته ونفيه (١)، وفى موضع آخر يحكى المناظرات التى انعقدت بين هذا الرافضى وأبى جعفر الإسكافى المعتزلى قائلا: «وهذه مجالسة مع أبى جعفر الإسكافى معروفة يعلم قارئها والناظر فيها مقدار الرجلين وفرق ما بين المذهبين (٢)». وكانت تدور فى مجالس أبى على الجبّائى المتوفى سنة ٣٠٣ مناظرات كثيرة أهمها ما دار بينه وبين ربيبه وتلميذه أبى الحسن الأشعرى المتوفى سنة ٣٢٤، وكانت ترجح كفّة الأشعرى غالبا. من ذلك مناظرتهما فى الصلاح والأصلح إذ كانت المعتزلة ومعهم أبو على الجبّائى يوجبون على الله فعل الأصلح، وقد سأله الأشعرى فى أثناء احتدام

стр. 2008

المناظرة عن عاقبة ثلاثة: مؤمن وكافر وصبى ماتوا جميعا، فأجابه بأن المؤمن من أهل الدرجات والكافر من أهل الهلكات والصبى من أهل النجاة. وأخذ الأشعرى يراجعه إلى أن قال له: فلو قال الكافر: يا رب علمت حال الصبى وأنه لو بقى لعصى وعوقب فراعيت مصلحته، وعلمت حالى مثله، فهلاّ راعيت مصلحتى. حينئذ انقطع الجبّائى وألزمه الأشعرى أن الله يخصّ من شاء برحمته ومن شاء بعقابه وأن أفعاله غير معلّلة (١). وكان الخلاف واسعا بين بعض أصحاب المذاهب الفقهية، فكثرت المناظرات بينهم، وفى طبقات الشافعية للسبكى أطراف من هذه المناظرات، ومما يذكره أن أبا العباس بن سريج القاضى رئيس الشافعية ببغداد كان مشغوفا بمناظرة داود الظاهرى، حتى إذا توفى داود مضى يناظر ابنه محمدا فى المذهب الظاهرى، يقول: ولهما المناظرات المشهورة والمجالس المروية، ويحكى أن ابن داود قال لابن سريج يوما: أبلعنى ريقى، فقال له: أبلعتك نهر دجلة، وقال له يوما: أمهلنى ساعة، فقال له: أمهلتك من الساعة إلى قيام الساعة (٢). وبالمثل كان اللغويون والنحاة يتناظرون، وشائعة معروفة مناظرات المبرد مع ثعلب بدار محمد بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد فى مسائل اللغة والنحو (٣). وكان تلاميذ ثعلب يتعرضون أحيانا للمبرد فى محاضراته بالمسجد، فما يزال يناظرهم ويجادلهم ويجاورهم حتى ينزعهم من أستاذهم ثعلب ويلحقهم بتلامذته وحلقته (٤). ومن المناظرات التى اشتهرت بأخرة من العصر مناظرة السيرافى ومتّى بن يونس المترجم المتفلسف فى مجلس الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات لسنة ٣٢٠ وكان السيرافى من علماء النحو النابهين، وله كتاب كبير فى شرح كتاب سيبويه. وكان موضوع المناظرة النحو والمنطق أيهما أكثر نفعا فى معرفة صحيح الكلام من سقيمه. وقد روى المناظرة أبو حيان التوحيدى ونقلها عنه ياقوت فى معجمه (٥)، والطريف أنه يذكر فى فاتحتها من كان فى المجلس من العلماء والفضلاء، ويذكر

стр. 2009

أنهم كتبوا المناظرة فى ألواح وبمحابر كانت معهم، مما يعطى صورة عن مجلس المناظرات حينئذ. وتبدأ المناظرة بسؤال السيرافى لمتّى بن يونس عن المنطق ما يعنى به، حتى يكون كلامه معه فى قبول صوابه وردّ خطئه على سنن مرضىّ وطريقة معروفة، ويجيبه متى: أعنى به أنه آلة من الآلات يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه وفاسد المعنى من صالحه كالميزان فإنه يعرف به الرجحان من النقصان والشائل من الجانح. ويقول السيرافى: «أخطأت لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالعقل. هبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن من لك بمعرفة الموزون أهو حديد أو ذهب أو شبه (نحاس) أو رصاص؟ وأراك بعد معرفة الوزن فقيرا إلى معرفة جوهر الموزون وإلى معرفة قيمته وسائر صفاته التى يطول عدّها. فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذى كان عليه اعتمادك، وفى تحقيقه كان اجتهادك، إلا نفعا يسيرا من وجه واحد، وبقيت عليك وجوه، فأنت كما قال الأول: «حفظت شيئا وضاعت منك أشياء» وبعد فقد ذهب عليك شئ ههنا، ليس كل ما فى الدنيا يوزن، بل فيها ما يوزن، وفيها ما يكال، وفيها ما يذرع (يقاس بالذراع) وفيها ما يمسح، وفيها ما يحزر. وهذا وإن كان هكذا فى الأجسام المرئية فإنه أيضا على ذلك فى المعقولات المقروءة، والإحساس ظلال العقول، وهى تحكيها بالتبعيد والتقريب مع الشبه المحفوظ والمماثلة الظاهرة. ودع هذا إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها من أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه ويتخذوه حكما لهم وعليهم وقاضيا بينهم ما شهد له قبلوه وما أنكره رفضوه. قال متّى: إنما لزم ذلك لأن المنطق يبحث عن الأغراض المعقولة والمعانى المدركة ويتصفّح الخواطر السانحة والسوانح الهاجسة والناس فى المعقولات سواء، ألا ترى أن أربعة وأربعة ثمانية عند جميع الأمم؟ وكذلك ما أشبهه». قال السيرافى: «لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتبانية إلى هذه المرتبة البينة فى أربعة وأربعة أنهما ثمانية زال الاختلاف

стр. 2010

وحضر الاتفاق، ولكن ليس الأمر هكذا، ولقد موهت بهذا المثال، ولكم عادة فى مثل هذا التمويه، ولكن ندع هذا. إذا كانت الأغراض المعقولة والمعانى لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟ ». ويناقش السيرافى متّى فى ترجمة المنطق من اليونانية إلى السريانية ثم إلى العربية وأنه ربما حدث حيف على المنطق فى أثناء هذا الطريق الطويل الذى سلكه إلى الفصحى، ويقول له: كأنك تقول لا حجة إلا عقول يونان ولا برهان إلا ما وصفوه. ويقول متّى إنهم أصحاب عناية بالحكمة ولولاهم ما نشأت العلوم وأصحاب الصناعات. وهو تعميم أكثر مما ينبغى. ويحتدّ الجدال، ويسأله السيرافى عن حرف واحد من الحروف التى يهتمّ بها النحو يدور فى كلام العرب وهو حرف الواو ومعانيه المتميزّة عند النحاة، ويقول له استنبطها من ناحية منطق أرسططاليس الذى تدلّ به وتباهى بتفخيمه وعرّفنا ما أحكامه وكيف مواقعه وهل هو على وجه واحد أو وجوه. ويبهت متّى، ويقول: هذا نحو، والنحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقى إلى النحو، أما النحوى فمحتاج إلى المنطق، لأن المنطق يبحث عن المعنى والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مرّ المنطقى باللفظ فبالعرض وإن عبر النحوىّ بالمعنى فبالعرض، والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى. وينكر عليه السيرافى قوله ويحاول أن يثبت أن النحو يدور على المعانى ويسأله عن معانى الواو وكيف أنه يجهلها، وهى حرف واحد، فما باله لو سأله عن معانى جميع الحروف، ويصوّر له معانيها وأن المنطق الذى يزهى به متّى لا يستطيع بيانها. ثم يعرض عليه قولهم: «زيد أفضل الإخوة»، ويسأله أيجوز أن يقال: زيد أفضل إخوته، ولا يستطيع متّى التفرقة بين العبارتين فيقول له إن العبارة الثانية لا تصح فى الكلام لأن إخوة زيد هم غير زيد، وزيدا خارج عن جملتهم، ويقحمه فى متشابكات نحوية وعبارات موهمة لا يحلها سوى النحو. ويعرض عليه طائفة من مصطلحات المناطقة والفلاسفة، ويقول له إن كل ذلك لا حاجة للعقل السليم به. وفى الحق أن لسن السيرافى وفصاحته وقدرته على التعبير كل ذلك هو الذى أتاح له الظفر بخصمه فى تلك المناظرة الطويلة التى امتدت إلى أكثر من عشرين صحيفة،

стр. 2011

وقد أردنا بعرضها أن نصور احتدام المناظرات فى العصر وأنها تناولت كل جوانب المعرفة. وحتى الكتب المؤلفة فى العصر نجد عليها مسحة المناظرة والجدل واضحة، حتى على عنواناتها، إذ كثيرا ما تعنون بكلمة الرد أو كلمة النقض، فالكتاب يؤلّف ردّا أو نقضا لكتاب آخر، وكأن المناظرات لم تقف عند المجالس والمحاضرات فى المساجد. بل امتدت إلى الكتب والمصنفات، ويوضح ذلك الجاحظ فى بعض كتبه ورسائله، فقد بنيت فى جمهورها على فكرة المناظرات إذ نرى الحيوان» يبنى على مناظرة امتدت إلى أكثر من مجلد بين معبد والنظام فى الكلب والديك أيهما أفضل؟ . وله كتاب افتخار الشتاء والصيف وهو مناظرة واضحة بين الفصلين، وكتاب الفخر ما بين عبد شمس ومخزوم، وهو مناظرة بين العشيرتين القرشيتين، وكتاب فخر القحطانية والعدنانية وهو مناظرة بين اليمنية والمضرية. وقد يمدح الشئ فى رسالة ثم يدمحه فى أخرى، وكأنه يكتب مناظرة فى رسالتين مثل رسالته فى مدح النبيذ ورسالته فى ذم النبيذ ومثل رسالته فى مدح الكتّاب ورسالته فى ذم الكتّاب، ومثل رسالته فى مدح الورّاق (بائع الكتب) ورسالته فى ذم الوراق وله كتب مختلفة يجعل عنوانها كلمة الرد مثل كتاب الرد على المشبّهة وكتاب الرد على النصارى وكتاب الرد على اليهود، وله كتاب العثمانية وكتاب الرد على العثمانية. وله كتاب نقض الطب ومن رسائله التى أدارها على المناظرة رسالته «فخر السودان على البيضان» ورسالته «مفاخرة الجوارى والغلمان». وقد لا توضع فكرة المناظرة أو الرد والنقض أو المدح والذم على الكتاب والرسالة، فإذا قرأنا فيهما وجدناهما يأخذان شكل مناظرة كبيرة مثل كتاب التربيع والتدوير، نراه فيه ينتصر للقصر تارة وللطول تارة ثانية، وتارة ثالثة للتوسط بين الطرفين المتناقضين. وكأنما كانت المناظرات والمحاورات لغة العصر الفكرية، فدائما مناظرات ومجادلات فى كل مكان وفى كل موضوع علمى أو فلسفى أو أدبى. والمناظر ينتصر تارة، وتارة ينهزم فى تلك الساحة الفكرية الكبيرة: بغداد، وهم لا يكلّون ولا يملّون ولا يتوقفون فدائما جدل وحوار وتشعيب لدقائق المعانى وغوص على خفياتها وكوامنها

стр. 2012

المستورة، ولا يمنع الانهزام يوما صاحبه من التجمع للمناظرة والتحفز للحوار فى يوم ثان أو لقاء ثان، بل قد ينهزم المناظر وينتصر فى المجلس الواحد مرارا، وفى هذا الحوار الواسع ومعاركه الدائرة دون توقف يقول ابن الرومى مشيرا إلى المتناظرين وجدالهم العنيف: لذوى الجدال إذا غدوا لجدالهم ... حجج تضلّ عن الهدى وتجور وهم كآنية الزجاج تصادمت ... فهوت وكلّ كاسر مكسور ويبدو ابن الرومى نفسه فى شعره مناظرا كبيرا، إذ تطبع جوانب من شعره كما أسلفنا-بطوابع الجدال وما يطوى فيه من قدرة وبراعة على نسج الأدلة تارة ونقضها تارة أخرى. ومرّ بنا ذمه للورد ونقضه محاسنه وقلبها مساوئ ذميمة فى قصيدته «النرجس والورد» وهى مناظرة شعرية طريفة. وتسرى هذه الروح فى قصص وحكايات وأخبار جمعت ونسّقت فى الكتاب المسمى بكتاب المحاسن والأضداد المنسوب خطأ إلى الجاحظ، لأنه يفتتح بكلمة: «قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ» وتتوالى نقول عنه فى فضائل الكتب ووصف فوائدها، نجدها مبثوثة فى كتاب الحيوان. ولعل هذا الاستهلال هو الذى جعل القدماء يظنون أن الكتاب من تأليف الجاحظ، وأيضا فإنه ينقل عنه فى بعض فصوله نقولا مختلفة، ولكن من يعرف أسلوب الجاحظ المطّرد فى كتبه يعرف توّا أن الكتاب ليس له، والطريف أن صاحبه ذكر فى مستهله عن الجاحظ قوله فى بعض رسائله: «إنى ربما ألفت الكتاب المحكم المتقن فى الدين والفقه والرسائل والسيرة والخطب والخراج والأحكام وسائر فنون الحكمة وأنسبه إلى نفسى فيتواطأ على الطعن فيه جماعة من أهل العلم بالحسد المركّب فيهم، وهم يعرفون براعته ونصاعته، وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفا لملك معه المقدرة على التقديم والتأخير والحطّ والرفع والترهيب والترغيب فإنهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة. . . وهم قد ذموه وثلبوه لما رأوه منسوبا إلىّ وموسوما بى. وربما ألفت الكتاب الذى هو دونه فى معانيه وألفاظه فأترجمه باسم غيرى وأحيله على من تقدمنى عصره مثل ابن المقفع والخليل وسلم صاحب بيت الحكمة ويحيى بن

стр. 2013

خالد والعتّابى ومن أشبه هؤلاء من مؤلفى الكتب فيأتينى أولئك القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذى كان أحكم من هذا الكتاب لاستنساخه وقراءته علىّ، ويكتبونه بخطوطهم ويصيّرونه إماما يقتدون به ويتدارسونه بينهم ويتأدبون به ويستعملون ألفاظه ومعانيه فى كتبهم وخطاباتهم ويروونه عنى لغيرهم من طلاب ذلك الجنس فتثبت لهم به رياسة. ويأتمّ بهم قوم فيه لأنه لم يترجم باسمى ولم ينسب إلى تأليفى». وقد يكون فى ذلك ما يدل على أن المؤلف رأى أن يحاكى الجاحظ فى إنكاره لاسمه أحيانا على بعض آثاره، فنسبه إليه. ليرى رأى الناس فيه وحكمهم عليه. وربما كان هو نفس مؤلف كتاب المحاسن والمساوى الذى سنعرض له عما قليل. ومما يشهد بأن الكتاب ليس للجاحظ وإنما هو لمؤلف تال لعصره أن نجد فيه نقولا عن عبد الله بن المعتز (١)، وكان فى الثامنة من عمره حين توفى الجاحظ. والكتاب مجموعة كبيرة من المناظرات فى الأخلاق والشمائل، فكل خلق أو كل شئ تعرض محاسنه ثم تعرض معايبه، وتصوّر المعايب والمحاسن فى أخبار وأقاصيص وحكايات، تلتقى فيها الثقافات المعروفة حينئذ وما كان يتسرب منها إلى كتب السمر، وفى مقدمتها الثقافة الإسلامية، وهى تتضح فى الاقتباس أحيانا من الذكر الحكيم (٢) والاستشهاد الدائم بالأحاديث النبوية (٣)، وتتسع الثقافة الدينية لتجلب بعض أقوال الزهاد أو بعض قصص الأنبياء أو بعض وصايا من التوراة من مثل: «اشكر من أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت ولا إقامة لها إذا كفرت، والشكر زيادة فى النعم وأمان من الغير» (٤) وبجانب ذلك تلقانا عناصر كثيرة من الثقافة العربية فى مقدمتها الأمثال (٥)، والأشعار وهى أكثر من أن ندلّ عليها فى موضع معين من الكتاب. وتكثر أخبار الجاهليين وأقاصيصهم المصوّرة لمكارم أخلاقهم أو مذامها. وبالمثل أخبار حكّام العرب وحكاياتهم على توالى الحقب من إسلاميين وعباسيين وخاصة حكام بنى أمية والرشيد والمأمون، وتكثر أخبار الأعراب وأقاصيصهم ويلمع فيها اسم الأصمعى.

стр. 2014

وتلقانا حكم وأقاصيص منقولة عن بعض كتب الهند من مثل: «ليس لكذوب مروءة ولا لضجور رياسة ولا لملول وفاء ولا لبخيل صديق» (١)، وبالمثل تلقانا أقاصيص وأخبار وحكم منقولة عن اليونان من مثل: «كلّم رجل سقراط عند قتله بكلام أطاله، فقال أنسانى أول كلامك طول عهده وفارق آخره فهمى لتفاوته، ولما قدّم بكت امرأته فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: تقتل ظلما قال: وكنت تحبين أن أقتل مظلوما أو أقتل ظالما» (٢). ولملوك الفرس ووزرائهم شطر كبير من الأقاصيص والأخبار. ونختار بابا من أبواب المحاسن نسوق منه ما يصور سيول هذه الثقافات، وهو باب محاسن السخاء، ومما جاء فيه (٣): «روى عن نافع قال: لقى يحيى بن زكريا ﵇ إبليس لعنه الله فقال له: أخبرنى بأحب الناس إليك وأبغضهم، قال: أحبهم إلىّ كل مؤمن بخيل وأبغضهم إلىّ كل منافق سخىّ قال: ولم ذاك؟ قال إبليس: لأن السخاء خلق الله الأعظم فأخشى أن يطلع عليه فى بعض سخائه فيغفر له وقال النبى ﷺ : السخىّ قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة قريب من النار، والجاهل السخى أحب إلى الله من عابد بخيل، وأدوأ الدواء البخل. وقال ﷺ : ما أشرقت شمس إلا ومعها ملكان يناديان يسمعان الخلائق غير الجن والإنس وهما الثقلان: اللهم عجل لمنفق خلفا ولممسك تلفا، وملكان يناديان: أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى. وعن الشعبى قال: قالت أم البنين ابنة عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز وزوجة الوليد بن عبد الملك: لو كان البخل قميصا ما لبسته أو طريقا ما سلكتها، وكانت تعتق فى كل يوم رقبة (عبدا) ونحمل على فرس مجاهدا فى سبيل الله. . . وقال بهرام جور: من أحب أن يعرف فضل الجود على سائر الأشياء فلينظر إلى ما جاد الله به على الخلق من المواهب الجليلة والرغائب النفيسة. . . وقال الموبذان لأبرويز (ملك فارس): أكنتم تمنّون أنتم وآباؤكم بالمعروف وتترصّدون عليه المكافأة؟ قال: ولا نستحسن ذلك لعبيدنا، فكيف

стр. 2015

نرى ذلك وفى كتاب ديننا (كتاب زرادشت: الأفستا) من فعل معروفا خفيّا وأظهره ليتطوّل به على المنعم عليه فقد نبذ الدين وراء ظهره واستوجب ألا نعدّه من الأبرار ولا نذكره فى الأتقياء والصالحين. وسئل الإسكندر: ما أكبر ما شيّدت به ملكك؟ قال: ابتدارى إلى اصطناع الرجال والإحسان إليهم. وكتب أرسططاليس فى رسالته إلى الإسكندر: اعلم أن الأيام تأتى على كل شئ فتخلقه (فتبليه) وتخلق آثاره وتميت الأفعال إلا ما رسخ فى قلوب الناس، فأودع قلوبهم محبة بأثرك تبقى بها حسن ذكرك وكريم فعالك وشريف آثارك. ولما قدّم بزرجمهر (وزير فارسى) إلى القتل قيل له: إنك فى آخر وقت من أوقات الدنيا وأول وقت من أوقات الآخرة، فتكلم بكلام تذكر به، فقال: أى شئ أقول، الكلام كثير ولكن إن أمكنك أن تكون حديثا حسنا فافعل. وتنازع رجلان أحدهما من أبناء العجم والآخر أعرابى فى الضيافة فقال الأعرابى: نحن أقرى للضيف، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن أحدنا ربما لا يملك إلا بعيرا فإذا حلّ به ضيف نحره له، فقال له الأعجمى: فنحن أحسن مذهبا فى القرى (الضيافة) منكم، قال: وما ذلك، قال: نحن نسمى الضيف: مهمان، ومعناه أنه أكبر من فى المنزل وأملكنا له. وقال المأمون: الجود بذل الموجود والبخل سوء الظن بالمعبود. وشكا رجل إلى إياس بن معاوية (قاضى البصرة المشهور فى العصر الأموى) كثرة ما يهب ويصل وينفق، فقال: إن النفقة داعية إلى الرزق، وكان جالسا بين بابين فقال للرجل: أغلق هذا الباب، فأغلقه، فقال: هل تدخل الريح البيت قال: لا، قال: فافتحه، ففتحه، فجعلت الريح تخترق البيت، فقال: هكذا الرزق أغلقت البيت فلم تدخل الريح، فكذلك إذا أمسكت لم يأتك الرزق. ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره القرى فنحر ناقة الضيف وعشّاه وغدّاه، وقال له: إنك أقرضتنى ناقتك فاحتكم علىّ، قال الرجل: راحلتين قال حاتم: لك عشرون أرضيت؟ قال: نعم وفوق الرضا. . . وقيل فى المثل هو أجود من كعب بن مامة الإيادى، وبلغ من جوده أنه خرج فى ركب فيهم رجل من بنى النّمر فى شهر قيظ. فضلّوا وتصافنوا (تقاسموا بالحصص) ماءهم، فجعل النمرى يشرب نصيبه ويظهر أنه عطشان، فكان كعب إذا أصاب نصيبه قال للساقى: آثر أخاك النّسرىّ حتى أضرّ به العطش فلما رأى ذلك استحثّ راحلته وبادر حتى وصل

стр. 2016

إلى ورد ماء، وقيل له: رد كعب، إنك وارد، ولكن العطش غلبه فمات. . . ومن قول أبى تمام. ولو لم يكن فى كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله» وإنما سقنا ذلك كله لندل على المزيج الثقافى الذى يتكوّن منه كتاب المحاسن والأضداد، وهو مزيج به عناصر قصصية عن الأنبياء وعناصر إسلامية من الحديث التبوى وعناصر عربية من أخبار العرب رجالا ونساء، وعناصر فارسية من أخبار الفرس وحكاياتهم وعناصر يونانية من أخبار الإسكندر المقدونى وكلاّم أرسططاليس. وبين السطور نحسّ شعوبية المؤلف حين يعلى ضيافة الفرس وكرمهم على ضيافة العرب وما عرف عنهم من خصلة الكرم والجود. ولم يكفه ذلك فقد جعل حاتما يذبح ناقة ضيفه ليقدّم له الغداء والعشاء، وإن عاد يقول إنه أعطاه بدلا منها عشرين ناقة، فكأنه يريد أن يستر شعوبيته. ولعل هذا الجانب فى الكتاب هو الذى جعل المؤلف لا يظهر اسمه، حتى لا يؤخذ به. وفى هذه الفقرة الطويلة ما يصور سيول الأخبار وما قد يكون فيها من قصّ. ودائما نلتقى فى الكتاب بطرائف من الحكم والأخبار، على نحو ما جاء فى محاسن حفظ اللسان إذ قيل: إنه تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات كأنما رميت عن قوس واحد، قال كسرى: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر منى على ردّ ما قلت. وقال ملك الهند: إذا تكلمت بكلمة ملكتنى وإن كنت أملكها. وقال قيصر: لا أندم على ما لم أقل وقد ندمت على ما قلت. وقال ملك الصّين: عاقبة ما قد جرى به القول أشد من الندم على ترك القول (١). وفى الكتاب قصص كثير متنوع فى موضوعاته وفى مصادره وموارده، ويكثر فيه القصص عن المرأة العربية، وكذلك عن المرأة الفارسية، فمما جاء فيه عن المرأة العربية قصة رواها العتبى على هذا النمط (٢): «قال العتبى: كنت كثير التزوج فمررت بامرأة فأعجبتنى، فأرسلت إليها ألك زوج؟ قالت: لا فصرت إليها، فوصفت لها نفسى، وعرّفتها موضعى فقالت: حسبك قد عرفناك، فقلت لها: زوّجينى نفسك، قالت نعم:

стр. 2017

ولكن ههنا شئ هل تحتمله؟ قلت: وما هو؟ قالت: بياض فى مفرق رأسى. قال: فانصرفت، فصاحت بى ارجع، فرجعت إليها، فأسفرت عن رأسها. فنظرت إلى وجه حسن وشعر أسود، فقالت: إنا كرهنا منك، عافاك الله، ما كرهت منا، وأنشدت: أرى شيب الرجال من الغوانى ... بموضع شيبهنّ من الرجال وهى قصة طريفة، وفى الكتاب قصص عن النساء ووفائهن وكيدهن، تكثر فيها عناصر التشويق، مما يجعلها قصصا بديعة من ذلك قصة أضيفت إلى شيرين الملكة الفارسية المشهورة ملخصها أن زوجها كسرى أبرويز أتاه صياد بسمكة كبيرة (١) فأعجب به وأمر له بأربعة آلاف درهم، فقالت له شيرين: أمرت لصياد بأربعة آلاف درهم فإن أمرت بمثلها لرجل من وجوه حاشيتك قال: إنما أمر لى بمثل ما أمر به للصياد. فقال لها كيف أصنع وقد أمرت له بما أمرت؟ قالت إذا أتاك فقل له: أخبرنى عن السمكة أذكر هى أم أنثى؟ فإن قال: أنثى فقل: لا تقع عينى عليك حتى تأتينى بالذكر، وإن قال: ذكر، فقل له: لا تقع عينى عليك حتى تأتينى بالأنثى، فلما غدا الصياد على الملك قال له: أخبرنى عن السمكة أذكر هى أم أنثى؟ قال: بل أنثى قال: فأتنى بذكرها، قال: عمّر الله الملك إنها كانت بكرا لم تتزوج بعد، فقال له الملك: حسنا، حسنا، وأمر له بأربعة آلاف درهم، وأمر أن يكتب فى ديوان الحكمة: إن الغدر ومطاوعة النساء يورثان الغرم. وبعض قصص النساء بها غير قليل من الفحش، وقد تذكر أشياء غريزية تنبو عن الأذواق (٢) على نحو ما يجرى فى بعض قصص ألف ليلة وليلة، وكانت قد ترجمت، فربما تأثر المؤلف بها، وربما تأثر المؤلف فى ذلك بالشعر المفحش الكثير الذى كان موجودا فى العصر. وقد يكون ذلك من أسباب تنكر المؤلف وإخفائه لاسمه. ويلقانا قصص دينى عن بعض الزهاد، وقد نلتقى بحكايات صوفية، بل قد نلتقى بما يصور كرامات المتصوفة التى سبق أن تحدثنا عنها التى كان ينكرها وشيوخهم الأجلاء، فمن ذلك ما رواه الكتاب،

стр. 2018

قال (١): «عن أبى مسلم الخولانى قال: إنه خرج إلى السوق بدرهم يشترى لأهله دقيقا، فعرض له سائل، فأعطاه بعضه، ثم عرض له سائل آخر فأعطاه الباقى فأتى درب النّجّارين، فملأ جرابه أو مزوده من نشارة الخشب، لتنتفع بها امرأته فى إيفاد التّنّور وأتى منزله، فألقاه، وخرج هاربا من زوجته. وأخذته فإذا هو دقيق أبيض حوّارى (فاخر) لم تر مثله، فعجنته وخبزته، فلما جاء ووجد الخبز سألها: من أين لك هذا الخبز، قالت له: من الدقيق الذى جئتنا به»! . ويذكر الكتاب كرامة لسفيان الثورى لا تقل غرابة عن الكرامة السابقة. ولا نريد أن نسترسل فى نقل هذا القصص الكثير الذى يزخر به كتاب المحاسن والأضداد، إنما نريد أن نوضح كيف أن هذا القصص يحتوى على عناصر مشوقة كثيرة. وأنه كان يدخل فى الأدب الشعبى العام، ولذلك يخلو من استعمال السجع والأساليب المنمقة، والطريف أنه عرض ليجسّم وجهين متقابلين فى كل خلق وكل خصلة، فمثلا الصدق له محاسنه، ولهذه المحاسن أقاصيصها وله معايبه، ولهذه المعايب أقاصيصها. وبالمثل كل فضيلة، فوفاء النساء لمحاسنه أقاصيصها ولمعايبه أقاصيص تقابلها وتناقضها أشد المناقضة. وبذلك يأخذ عرض هذه الأقاصيص وما يتصل بها من الأخبار والأقوال والأشعار شكل مناظرات أدبية لا تعتمد على الجدال والحوار بالدليل ضد الدليل والحجة العقلية ضد الحجة العقلية، وإنما على الحوار والجدال بالخبر ضد الخبر والشعر ضد الشعر والقصة ضد القصة والحكاية ضد الحكاية. ويلتقى بهذا الكتاب فى موضوعاته وأكثر مادّته كتاب المحاسن والمساوى لإبراهيم بن محمد البيهقى، وقد أغفلت الحديث عنه كتب التراجم. غير أنه يفهم مما ذكره عن الخليفة المقتدر فى آخر حديثه (٢) عن محاسن المسامرة أنه ألف كتابه فى زمنه. وهو يستهلّ كتابه بالحديث عن فضائل الكتب ووصف محاسنها مثل المحاسن والأضداد، ويماثله أيضا فى النقل كثيرا عن الجاحظ. ثم يفتح طائفة من الفصول لم ترد فى الكتاب السالف يتحدث فيها عن محاسن الرسول ﷺ

стр. 2019

وفضائله ومساوئ المتنبئين ومحاسن الخلفاء الراشدين ومناقبهم ومساوئ من عادى على بن أبى طالب ومحاسن ابنيه الحسن والحسين ومساوئ قتلة الأخير ومحاسن السابقين إلى الإسلام ومساوئ المرتدين ومحاسن كلام الحسن بن على وعبد الله بن العباس وفضائل بنى هاشم ومحاسن الافتخار بالرسول. وكل هذه المقدمات ينفرد بها هذا الكتاب بالقياس إلى كتاب المحاسن والأضداد، وبمجرد أن نفرغ منها نجد الكتابين يلتحمان، حتى ليصبح كتاب المحاسن والمساوى كأنه نسخة جديدة لكتاب المحاسن والأضداد، مما يؤكد أن مؤلفهما واحد، وكأن البيهقى ألّف الكتاب الأول، وأقحم فيه ما أقحم من أفكار الشعوبية والفحش فى القصص، ثم رأى أن يخرجه إخراجا جديدا وينسبه إلى نفسه، منحّيا منه ما يصور شعوبيته وما ينبو عن الأذواق السليمة من القصص المفحش مع وضع المقدمات آنفة الذكر. ويبدو منها أنه كان يكنّ نزعة شيعية، وإن لم يبرزها بقوة خوفا على نفسه من المقتدر وحواشيه. وهو فى هذه النسخة الجديدة للكتاب يذكر ابن المعتز (١) على نحو ذكره له فى النسخة القديمة أو بعبارة أخرى فى المحاسن والأضداد. وطبيعى أن تكون مصادر هذا الكتاب هى نفسها مصادر الكتاب الأول المنحول للجاحظ، لأنه ليس أكثر من نسخة مجدّدة له، وغاية ما هناك أنه دخله تنقيح وتهذيب كثير، وإذن فكل ما قلناه عن المزيج الثقافى فى المحاسن والأضداد ينطبق بحذافيره على هذا الكتاب، ففيه بعض آى القرآن والأحاديث النبوية وأقوال بعض الصحابة والزهاد، وفيه أخبار وأقاصيص منقولة عن الأنبياء وعن عيسى وحوارييه، ومن طريف ما نقله عنه، قوله (٢): «إن ابن آدم خلق فى الدنيا فى أربع منازل، هو فى ثلاثة منها واثق بالله ، وهو فى الرابعة سيّئ الظن، يخاف خذلان الله إياه، فأما المنزلة الأولى فإنه خلق فى بطن أمه خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث: ظلمة البطن وظلمة الرّحم وظلمة المشيمة، ينزل الله جلّ وعزّ عليه رزقه فى جوف ظلمة البطن. فإذا خرج من ظلمة البطن وقع فى اللبن لا يخطو إليه بقدم

стр. 2020

ولا ساق ولا يتناوله بيد ولا ينهض بقوة ويكره عليه إكراها، حتى ينبت عليه عظمه ودمه ولحمه. فإذا ارتفع من اللبن وقع فى المنزلة الثالثة فى الطعام بين أبوين يكتسبان عليه من حلال وحرام، فإن مات أبواه من غير شئ عطف عليه الناس، هذا يطعمه، وهذا يسقيه، وهذا يؤويه. فإذا وقع فى المنزلة الرابعة واشتدّ واستوى وكان رجلا خشى ألا يرزق، فيشب على الناس، فيخون أماناتهم، ويسرق أمتعتهم ويكاثرهم على (يغصبهم) أموالهم مخافة خذلان الله إياه». والنص موجود فى المحاسن والأضداد (١)، ولكن العبارة هنا نقحت وهذّبت بصور مختلفة، وكذلك النصوص الأخرى حين نعارض الكتابين فيها بعضهما على بعض نجد دائما هذا التنقيح، مما يشهد بأن يدا واحدة هى التى كتبتهما، وأن أولهما كان أشبه بمسوّدة واتخذ الثانى شكل نسخة مهذبة منقحة قد صفّيت وأخليت من كل الشوائب اللغوية وغير اللغوية، ودخلتها إضافات من الأمثال والأحاديث النبوية والأشعار والأخبار والأقاصيص، كهذه الأقصوصة التى تلقانا فى الحديث عن محاسن الولايات، وهى تمضى على هذا النمط (٢): «دخل محمد بن واضح دار المأمون، وخلفه أكثر من خمسمائة راكب، كلهم راغب إليه وراهب منه، وهو إذ ذاك يلى عملا من أعمال السّواد (الأرض المزروعة) فى العراق. فدعا به المأمون فلما حضر بين يديه قال: يا أمير المؤمنين أعفنى من عمل كذا وكذا، فإنه لا قوة لى عليه، فقال له المأمون: قد أعفيتك. واستعفى من عمل آخر. وهو يظن أنه لا يعفيه. فأعفاه، حتى خرج من كل عمل فى يده فى أقل من ساعة، وهو قائم على قدميه. فخرج وما فى يده شئ من عمله، فقال المأمون لسالم الحوائجى: إذا خرج فانظر إلى موكبه وأحص من بقى معه-وكان المأمون قد رآه من مستشرف له حين أقبل-فخرج سالم وراء محمد بن واضح وقد استفاض الخبر بعزله عن عمله. فنظر فإذا هو لا يتبعه أحد إلا غلام له بغاشية (٣). فرجع سالم إلى المأمون فأخبره، فقال: ويلهم

стр. 2021

لو تجمّلوا له ريثما يرجع إلى بيته كما خرج منه، ثم تمثل فيهم: ومن يجعل المعروف فى غير أهله ... يلاق الذى لاقى مجير أمّ عامر (١) ثم قال: صدق رسول الله وكان للصدق أهلا حين قال: لا تنفع الصنيعة إلا عند ذى حسب أو دين». ويفيض هذا الكتاب كما تفيض مسوّدته: «المحاسن والأضداد» بكثير من أحوال العصور العربية السياسية والاقتصادية والحضارية، وخاصة العصر العباسى، ونرى البيهقى يفتح فيه-كما أشرنا إلى ذلك فى غير هذا الموضع-فصلا طويلا عن أصناف (٢) المكدين وأفعالهم وهو فيه ينقل عن الجاحظ وما كتبه عنهم فى مصنّفه البخلاء، وقد عرض فيه حيلهم وتجوالهم فى البلدان ونوادرهم، فمن ذلك (٣): «أنه أتى سائل دارا يسأل منها، فأشرفت عليه امرأة من غرفة. فقال لها: يا أمة الله بالله أن تصدّقى علىّ بشئ، قالت: أى شئ تريد؟ قال: درهما، قالت: ليس عندى، قال: فدانقا (جزءا من درهم)، قالت: ليس عندى، قال: ففلسا (جزءا من دانق)، قالت: ليس عندى، قال: فكسوة، قالت: ليس عندى، قال: فكفّا من دقيق، قالت: ليس عندى. قال: فزيتا. . . حتى عدّ كل شئ يكون فى البيوت، وهى تقول ليس عندى، فقال لها: فما يجلسك عندك، مرى، اسألى معى». وواضح أننا لا نعثر فى المادة الأدبية التى يحتويها هذا الكتاب وسالفه على شئ من السجع أو التكلف لألوان البديع أو لأى زخرف أو تنحيق، فهى مادة سهلة. ليس فيها أى حليات لفظية ولا غير لفظية، وليس فيها أى صعوبات لغوية، وهى لذلك تعدّ مادة شعبية، أو قل إن الكتابين مصنفان كبيران من الأدب الشعبى فى العصر، وضعهما أديب ممتاز فى شكل مناظرات ومحاورات، حتى يشوّق إلى قراءتهما. ولم يكتف بهذا التشويق العام، فقد أدخل فى الأخبار والأقاصيص عناصر كثيرة منه تدفع العامة والخاصة إلى الشغف بقراءة الكتابين.

стр. 2022

٤ - الرسائل الديوانية مرّ بنا فى العصر العباسى الأول كيف أن الدواوين كانت كثيرة ومتنوعة، فديوان للخراج، وديوان للنفقات وديوان للضياع وديوان للرسائل وديوان للخاتم وديوان للجيش أو دواوين، ودواوين لشرقىّ الدولة وغربيّها، ولكل ولاية ديوان وأحيانا دواوين. وفوق كل هذه الدواوين ديوان الزمام الذى يشرف عليها. وهذه الصورة العامة للدواوين فى سامرّاء وبغداد كانت تقابلها دواوين أخرى فى حاضرة كل ولاية. وكان لأولياء العهد والوزراء دواوين بدورهم، وكذلك لكبار القواد، وحتى نساء الخلفاء كان لهن دواوين يقوم عليها كتّاب ينظرون فى الدّخل والخرج والنفقات. وكان ذلك عاملا قويّا فى نشاط الكتابة إذ اشتغل بها كثيرون، وخاصة أنها كانت تعود عليهم برواتب وأرزاق ضخمة. وكان الكاتب فى دواوين الدولة إذا أظهر نبوغا ارتقى سريعا، وما يزال يرتقى حتى يصبح رئيس مجموعة من الدواوين وقد يصبح وزيرا يدبّر أمور الدولة كلها، فإن فاتته الوزارة أصبح واليا لمدينة كبيرة مثل إبراهيم بن المدبر الكاتب إذ ولى-فيما ولى-البصرة. وكثير من الولاة كانوا يتقنون الكتابة مثل محمد بن عبد الله بن طاهر وأخيه عبيد الله حاكمى بغداد بالتعاقب. وكانت الدواوين فى سامرّاء وبغداد لذلك أشبه بمدرسة فنية كبيرة. يفد عليها الشباب، ويختبرون اختبارا دقيقا، فمن نجح فى الاختبار وظّف فيها، ولزم غيره من الكتاب القدماء وعمل بين أيديهم. ويدبّج بعض الرسائل، فإذا نالت رسالة حظوة من رئيس الديوان تمّ له سعده. وربما ألحقوهم ببعض الولاة أو العمال، وقد يقفزون بهم قفزا إلى القيام على أحد الدواوين. ولا ريب فى أن ذلك جعل التنافس على النهوض بالكتابة فيها يبلغ الذروة. وهو تنافس دفع إلى التثقف

стр. 2023

الواسع بكل ألوان الثقافات، وفى مقدمتها الثقافة اللغوية، ومرّ بنا كيف أن ابن قتيبة ألّف لهم فى ذلك كتابه «أدب الكاتب». ولا بد من إتقان الفقه لحاجة الكاتب إليه فى شئون الخراج، وأيضا لا بد من إتقان الحساب لنفس الغاية. وكانوا يكبّون خاصة على علوم التنجيم والمنطق والهندسة وعلى الفلسفة مما جعل ابن قتيبة يظنّ بهم الظنون وأنهم يغرقون إلى آذانهم فى علوم اليونان وفلسفتهم حتى ليفوتهم إتقان العربية. وتوفّروا على ما ترجم من الثقافة الهندية من الحكم والقصص وكذلك على ما ترجم من الثقافة الفارسية مما يتصل بتقاليد الساسانيين وأنظمة الحكم وآداب السياسة وأخبار ملوكهم ووزرائهم. فكل ذلك كانوا يعكفون عليه ويتزوّدون به، حتى يستمدوا منه فى معانيهم ومنطقهم. وكانوا يلتزمون الوضوح لأن رسائلهم توجّه إلى العامة ولا بد أن تفهم ما تسمع دون حاجة إلى شرح أو بيان. كما كانوا يلتزمون فيها شيئا من التنميق حتى تنال استحسان من يكتبون عنه من الخلفاء والوزراء والولاة والأمراء والقواد. وكانت الرسائل تتناول جميع شئون الدولة من منشورات تتصل بأهل الذمة أو الرعية ومن ولاية عهود أو بيعة لخليفة أو خلع أو دعوة إلى الجهاد فى سبيل الله أو تولية وزير أو وال أو تنويه بموسم حج أو عيد أو أخبار الولايات أو أمر بمعاقبة بعض الجناة. وتفنّنوا فى المقدمات وخاصة فى التحميدات وما اتصل منها برسالة الخميس التى كانت تكتب إلى الولايات حين يستولى خليفة على مقاليد الحكم. ونحن نعرض طائفة من الكتاب مرتّبين على عهود الخلفاء لنتبين من خلال كتاباتهم روعة بيانهم من جهة وما حدث من تطور فى الكتابة الديوانية وأساليبها فى العصر. ومعروف أن أول كاتب نابه يلقانا فى العصر هو إبراهيم بن العباس الصولى الذى حرّر أكثر ما صدر عن المتوكل من منشورات وكتب ورسائل فى الفتوح، ولن نقف عنده لأننا سنخصه بحديث مفصل فى الفصل التالى. ومن كتّاب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان الذى استكتبه سنة ٢٣٦. ثم جعله وزيره وللبحترى فيه مدائح مختلفة، وقد احتفظ له الطبرى برسالة كتب بها عن الخليفة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد يأمره بضرب رجل ألف سوط لما صحّ من شهادة شهود كثيرين عليه بشتمه لأبى بكر وعمر والسيدة عائشة والسيدة

стр. 2024

حفصة زوجى الرسول، والرسالة تخلو من السجع ومحاولة التنميق (١). ويدخل عصر المنتصر، ويستوزر أحمد بن الخصيب، وكان كاتبا أديبا، مما جعله يعهد إليه بكتابة الكتب التى تصدر عنه، وكان من أوائلها كتاب فى الجهاد كتبه لسبع ليال خلون من المحرم سنة ثمان وأربعين ومائتين حين اتّجه وصيف إلى الغزو فى أرض الروم، وفيه يقول (٢): «قال آمرا بالجهاد مفترضا له: ﴿(اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)﴾. وليست تمضى بالمجاهد فى سبيل الله حال لا يكابد فى الله نصبا ولا أذى، ولا ينفق نفقة ولا يقارع عدوّا، ولا يقطع بلدا، ولا يطأ أرضا، إلا وله بذلك أمر مكتوب وثواب جزيل وأجر مأمول. قال الله : ﴿(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ (٣)﴾ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ). . وليس من شئ يتقرّب به المؤمنون إلى الله من أعمالهم، ويسعون به فى حطّ أوزارهم وفكاك رقابهم، ويستوجبون به الثواب من ربهم إلا والجهاد عنده أعظم منه منزلة، وأعلى لديه رتبة، وأولى بالفوز فى العاجلة والآجلة، لأن أهله بذلوا لله أنفسهم، لتكون كلمة الله هى العليا، وسمحوا بها دون من وراءهم من إخوانهم وحريم المسلمين وبيضتهم ووقموا (قسعوا) بجهادهم العدو». وصياغة الكتاب جزلة رصينة، وفيها محاولة واضحة للدقة فى التعبير وأن يروق السمع والذهن، ولكن لا بسجع. وإنما بعبارات متوازنة متقابلة. مما يشهد لابن الخصيب بأنه كان كاتبا مجيدا. واحتفظ الطبرى له بكتاب ثان خلع فيه المنتصر أخويه المعتز والمؤيد (٤)، نحا فيه منحى الكتاب السابق فى الصياغة. ويتولى المستعين الخلافة، ويتخذ سعيد بن حميد أحد الكتاب البلغاء على

стр. 2025

ديوان رسائله، وسنخصّه بحديث مستقل فى الفصل التالى. وسرعان ما يتولّى المعتز الخلافة، ويستوزر أحمد بن إسرائيل، ويقول الفخرى إنه أحد الكتاب الحذّاق الأذكياء (١). وكان من كبار ولاته وأقربهم إلى نفسه محمد بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد، وكان أديبا بارعا، وفى الطبرى رسالة له وجّه بها إلى عمّال النواحى حين أعطاهم المعتز الحق فى التنكيل بأعدائه، وهى تمتلئ وعيدا وتهديدا على هذا النمط (٢): «أما بعد فإن زيغ الهوى صدف بكم عن حزم الرأى، فأقحمكم حبائل الخطأ، ولو ملّكتم الحق عليكم وحكمتم به فيكم لأوردكم البصيرة ونفى غيابة (٣) الحيرة، والآن فإن تجنحوا للسّلم تحقنوا دماءكم وترغدوا عيشكم ويصفح أمير المؤمنين عن جريرة جارمكم (٤)، ويسبغ النعمة عليكم، وإن مضيتم على غلوائكم وسوّل لكم الأمل أسوأ أعمالكم فأذنوا بحرب من الله ورسوله بعد نبذ المعذرة إليكم وإقامة الحجة عليكم. ولئن شنّت الغارات وشبّ ضرام (٥) الحرب، ودارت رحاها على قطبها وحسمت (٦) الصوارم أوصال حماتها، واستجرّت (٧) العوالى من نهمها. ودعيت نزال (٨)، والتحم الأبطال، وكلحت (٩) الحرب عن أنيابها أشداقها، وألقت للتجرّد عنها قناعها. واختلفت أعناق الخيل، وزحف أهل النجدة إلى أهل البغى لتعلمنّ أىّ الفريقين أسمح بالموت نفسا، وأشدّ عند اللقاء بطشا، ولات حين معذرة، ولا قبول فدية، وقد أعذر من أنذر ﴿(وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)»﴾. وصياغة الرسالة صياغة مضبوطة محكمة، ويكثر فيها التقابل بين العبارات ويكثر التفاصح واستخدام كلمات القرآن الكريم وبعض آيه مثل: ﴿(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ)﴾ ومثل: ﴿(فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)﴾ و ﴿(وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.)﴾ مما يدل على تمكن الكاتب من العربية والثقافة الإسلامية القرآنية. وقد استخدم كلمة:

стр. 2026

«واستجرت» بدلا من كلمة: «واجترت» دلالة على قدرته فى القياس والتصريف، وأتى بأمثال مختلفة مثل: «ودعيت نزال» وهو مثل يضرب لاحتدام الحرب، ومثل: «من أعذر فقد أنذر». وشئ أهم من ذلك كله واضح فى الرسالة وضوحا بيّنا، وهو كثرة الصور فيها مثل غيابة الحيرة وإسباغ النعمة وضرام الحرب و «دارت رحاها على قطبها، وحسمت الصوارم أوصال حماتها واستجرّت العوالى من نهمها. . . وكلحت الحرب عن أنيابها أشداقها وألقت للتجرد عنها قناعها». صور متراكمة. قصد إليها الكاتب قصدا ليدل على براعته الفنية، وأنه ليس الشعر وحده الذى يستطيع أن يحمل حشود الصور، فالنثر بدوره يمكن أن يحمل منها ما يحمل الشعر، بل يمكن أن يزداد حمله وأن يصبح صورا خالصة يأخذ بعضها بزمام بعض. ويخلف المعتز المهتدى، وهو أعظم خلفاء العصر سيرة حميدة وتقوى وورعا وعبادة، وكان كما مرّ بنا يخطب فى الناس كل جمعة يعظهم ويذكرهم الآخرة. وكان يعمل فى دواوينه سعيد بن عبد الملك، ويقول صاحب الفهرست: البلغاء الحديثون ثلاثة: الحسن بن وهب وإبراهيم بن العباس الصولى وسعيد بن عبد الملك (١)، وله كتاب فى التنويه بخليفة وخطابته فى عيد الفطر. ولا نرتاب فى أنه يريد المهتدى، لأن من وليه من خلفاء القرن الثالث كانوا يندبون عنهم من يخطب يوم الجمع، ومرّ بنا ما أصاب المعتضد من حصر حينما حاول الخطابة فى أحد الأعياد، فالمهتدى المقصود بتلك الرسالة، وفيها يقول (٢): «أدام الله صلاح الأمة ولا أخلاها من بركة رعايته، ومن ولايته وسياسته، ولا زالت فى كنف السلامة بسلامته، وظلّ العافية بعافيته، وعلى سبيل نجاة هدايته. وقد كتبت إلى أمير المؤمنين فيما وليه الله به فى مخرجه إلى عيده من يوم فطره وما وفّقه له من التقرب إليه بوسائل التذلل فى طاعته والاجتهاد فى شكره والمناصحة فى مخاطبة من حضره وإنصاتهم لوعظه وتذكيره، وما وليه الله به من العافية والسلامة الشاملة، والنعمة الكاملة، والعز الموصول بالسكينة. . . منّا من الله خصّ به

стр. 2027

خليفته وأعطاه فضل مزيّته بما وفّقه له من العدل والنّصفة، والبر والمرحمه، والعطف والرأفة». وفى هذه الفقرة ما يصوّر كيف أخذ كتّاب الرسائل الديوانية منذ أواسط القرن الثالث الهجرى يصطنعون السجع فى جوانب من رسائلهم على نحو ما نرى الآن عند سعيد بن عبد الملك، وحقّا أخذ السجع يدخل فى الرسائل الشخصية منذ القرن الثانى كما صوّر ذلك كتابنا العصر العباسى الأول على نحو ما يلقانا فى رسالة ابن سيابة المشهورة. ولكن الرسائل الديوانية ظلت تكتب بأسلوب مرسل، يشيع فيه أحيانا الازدواج، أما السجع فيندر أن نلتقى به فى تلك الرسائل، وكأن الأذواق أخذت تستعد لشيوعه وانتشاره فى الكتابة الديوانية لهذا العصر. ويخلف المهتدى المعتمد. ويظل وزيرا له، كما كان وزيرا لسابقه، سليمان بن وهب، ويقول الفخرى (١) عنه: أحد كتّاب الدنيا ورؤسائها فضلا وأدبا وكتابة وأحد عقلاء العالم وذوى الرأى منهم، ويروى عنه أنه كان يكتب، فى أول عهده بالعمل، بدواوين الدولة بين يدى محمد بن يزداد وزير المأمون. وكان إذا انصرف فى الليل إلى داره ناب عنه فى دار المأمون أحد الكتاب الصغار بالنوبة لمهمّ عساه يعرض فى الليل. يقول سليمان: وبينما أنا نائب عنه فى إحدى الليالى إذ طلبنى المأمون. فقال لى: اعمل نسخة فى المعنى الفلانى، ووسّع بين سطورها وأحضرها لأصلح منها ما أريد إصلاحه، فخرجت سريعا وكتبت الكتاب وبيّضته وأحضرته إليه. فلما رآنى قال: كتبت مسوّدة؟ قلت: بل كتبت الكتاب، فقال: بيّضته؟ قلت: نعم، فزاد فى نظره إلىّ كالمتعجب منى. فلما قرأه تبينت الاستحسان على وجهه. وقال: يا صبىّ لا أدرى من أى شئ أعجب أمن سرعة فهمك أم من من حسن خطّك. بارك الله فيك. ونعجب أن يظل سليمان بن وهب يعمل فى الدواوين ويكتب رسائل ديوانيه مختلفة حتى عصر المعتمد ومع ذلك لا تحتفظ له كتب الأدب برسالة واحدة من تلك الرسائل، وحتى رسائله الشخصية لم تحتفظ منها إلا بما كتبه شعرا على نحو ما يلاحظ قارئ ترجمته فى الأغانى. وإلا فقرة نثرية من كتاب اعتذار على هذا النحو (٢):

стр. 2028

«أنا مقرّ معترف، فما تراك صانعا بمن أعلقك زمامه، وأمكنك من قياده، وحكّمك فى أمره، معاقبا له أو متفضّلا عليه بالعفو عنه؟ لكنى أرجو أن أستقبل طاعة لا تمتنع من شكرها، واغتفار كل تقصير خلا فى جنبها، فالأيام بما تحبّ أمامك». والقطعة قصيرة، ولكنها على كل حال تصوّر صياغة جزلة رصينة، كما تصوّر ذوقا مهذبا فى الاعتذار والاستعطاف، حتى ليجعل زمامه وقياده بيد صديقه ويحكّمه فى أمره، وله الخيار إما أن يعاقب، وإما أن يتفضل بالعفو. وكان يكتب بين يديه حين وزر للمعتمد أبو العباس أحمد بن ثوابة، وهو من أعلام الكتّاب فى العصر، وسنخصه فى الفصل التالى بحديث مستقل. وكان يلى وزارة المعتضد عبيد الله بن سليمان بن وهب. وفيه يقول الفخرى (١): «من كبار الوزراء ومشايخ الكتاب، وكان بارعا فى صناعته حاذقا ماهرا لبيبا جليلا، ماتت للمعتضد جارية كان يحبها فجزع عليها، فقال له عبيد الله بن سليمان: «مثلك-يا أمير المؤمنين-تهون المصائب عليه، لأنك تجد من كل مفقود عوضا، ولا يجد أحد منك عوضا، وكأن الشاعر عساك بقوله: يبكى علينا ولا نبكى على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل» وليس بين أيدينا من رسائل عبيد الله الديوانية إلا رسالة كان قد أمره المعتضد بإنشائها فى لعن معاوية، حتى يقرأ بها الخطباء بعد صلاة الجمعة على المنابر، وقد استهلّها عبيد الله بالتحميد قائلا (٢): «بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله العلى العظيم. الحليم الحكيم العزيز الرحيم. المنفرد بالوحدانية. الباهر بقدرته. الخالق بمشيئته وحكمته، الذى يعلم أسرار الصدور وضمائر القلوب لا تخفى عليه خافية. ولا يعزب عنه مثقال ذرّة فى السموات العلا. ولا فى الأرضين السّفلى، قد أحاط بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا، وضرب لكل شئ أمدا. وهو العليم الخبير. والحمد لله الذى برأ خلقه لعبادته. وخلق عباده لمعرفته، على سابق علمه فى

стр. 2029

طاعة مطيعهم، وماضى أمره فى عصيان عاصيهم، فبيّن لهم ما يأتون وما يتّقون، ونهج لهم سبل النجاة، وحذّرهم مسالك الهلكة، وظاهر عليهم الحجة، وقدّم إليهم المعذرة، واختار لهم دينهم الذى ارتضى لهم وأكرمهم به، وجعل المعتصمين بحبله والمتمسكين بعروته أولياءه وأهل طاعته، والعاندين عنه والمخالفين له أعداءه وأهل معصيته ﴿(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ)﴾. والحمد لله الذى اصطفى محمدا رسوله من جميع بريّته، واختاره لرسالته، وابتعثه بالهدى والدين المرتضى إلى عباده أجمعين، وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين، وتأذّن له بالنصر والتمكين، وأيّده بالعز والبرهان المتين، فاهتدى به من اهتدى، واستنقذ به من استجاب له من العمى، وأضلّ من ﴿(أَدْبَرَ وَتَوَلّى)﴾ حتى أظهر الله أمره، وأعزّ نصره، وقهر من خالفه، وأنجز له وعده، وختم به رسله، وقبضه مؤدّيا لأمره، مبلغا لرسالته، ناصحا لأمته، مرضيّا مهتديا إلى أكرم مآب المنقلبين، وأعلى منازل أنبيائه المرسلين، وعباده الفائزين، فصلّى الله عليه أفضل صلاة وأتمّها، وأجلّها وأعظمها، وأزكاها وأطهرها، وعلى آله الطيبين». ويكثر السجع فى مقدمة هذه الرسالة التى كتبت لسنة ٢٨٤ وهو شئ طبيعى، فقد دخل السجع الرسائل الديوانية، وحقّا لم يطّرد فيها بعد، حتى فى هذه الرسالة نفسها فإن عبيد الله تخلص بعد ذلك منه فى الرسالة. وقد مضى يصور استجابة بنى هاشم للرسول ﵇ حين دعا قومه للهدى ومؤازرتهم له ومناصرتهم بينما كان ممن عانده ونابذه وكذبه وحاربه أبو سفيان بن حرب وأشياعه من بنى أمية، حتى علت كلمة الله وهم لها كارهون. ثم يذكر آثارا فى ذم أبى سفيان وابنه معاوية وما كان من حربه لأفضل المسلمين فى الإسلام مكانا وأقدمهم إليه سبقا وأحسنهم فيه أثرا وذكرا على بن أبى طالب. ويذكر أعمال معاوية وكيف أنه أباح المحارم ومنع الحقوق أهلها وقتل صبرا نفرا من خيار التابعين ويعرض أعمال يزيد بن معاوية وإيقاعه بأهل الحرّة وسفكه دم الحسين مع موقعه من رسول الله ﷺ ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل، اجتراء على الله وكفرا بدينه وعداوة لرسوله ومجاهدة لعترته واستهانة بحرمته. ويذكر ما كان من

стр. 2030

بنى مروان من تعطيل كتاب الله وأحكامه ونصبهم المجانيق على بيته ورميهم له بالنيران استباحه وانتهاكا، ويختمها بقوله: «أيها الناس بنا هداكم الله، ونحن المستحفظون فيكم أمر الله، ونحن ورثة رسول الله والقائمون بدين الله، فقفوا عند ما نقفكم عليه. وانفذوا لما نأمركم به، فإنكم ما أطعتم خلفاء الله وأئمة الهدى على سبيل الإيمان والتقوى. وأمير المؤمنين يستعصم الله لكم. ويسأله توفيقكم. ويرغب إلى الله فى هدايتكم لرشدكم وفى حفظ دينه عليكم. حتى تلقوه به مستحقين طاعته مستحقبين (حاملين) لرحمته». وراجع المعتضد نفسه، وخشى أن يجمع الكتاب قلوب العامة حول العلويين، لما كان لجدّهم على بن أبى طالب من بلاء عظيم فى إعلاء كلمة الله وإلقاء كفار قريش له عن يد وهم صاغرون. وفى الكتاب إطراء عظيم له ولأبنائه. فأمسك عما كان عزم عليه. وواضح من الفقرة الأخيرة أن عبيد الله كاتبه، إن كان تخلص من السجع بعد تقديمه فإنه ظل يحتفل بصياغته، ويبدو أنه كان يستخدم السجع فى جوانب من كتابته فى الحين بعد الحين. وخاصة فى توقيعاته. فقد كتب إليه أبو العيناء يذكّره بأمره وأنه من زرعه وغرس يده. فوقّع فى رقعته (١): «أنا-أسعدك الله-على الحال التى عهدت، وميلى إليك كما علمت، وليس من أنسيناه أهملناه. ولا من أخّرناه تركناه. مع اقتطاع الشغل لنا، واقتسامه زماننا، وكان من حقك علينا أن تذكّرنا بنفسك، وتعلمنا أمرك، وقد وقّعت لك برزق (راتب) شهرين لتزيح علتك وتعرّفنى مبلغ استحقاقك، لأطلق لك باقى أرزاقك، إن شاء الله، والسلام». والتوقيع-كما هو واضح-سجع خالص، وسنرى عما قليل أن سريان السجع فى الرسائل الشخصية طوال القرن الثالث الهجرى كان أقوى منه فى الرسائل الديوانية، حتى إذا كان عصر المقتدر (٢٩٥ - ٣٢٠ هـ) أخذ السجع يعم فى جميع ما يصدر من الرسائل الديوانية، فليس هناك وزير ولا كاتب فى الدواوين إلا وهو يتأنق فى كتابته ويبالغ فى تأنقه حتى يجعل كتابته سجعا خالصا. وبذلك

стр. 2031

أخذ كل ما يصدر عن الخليفة منذ سنة ٣٠٠ للهجرة يوشّى بالسجع (١)، وبالمثل ما يصدر عن وزرائه وفى مقدمتهم ابن الفرات. وكان على بن عيسى الوزير لا يقل عناية عنه بالسجع، وقد ذكر له الهلال مجموعة كبيرة من رسائله كلها مسجوعة. ومثله وزير المقتدر الثالث الخاقانى، فقد كان شغوفا بالسجع شغفا شديدا، وتروى له فى ذلك نوادر كثيرة، منها أن عامل النيل أحد فروع الأنهار فى العراق تأخر فى حمل غلّة إليه، فكتب إليه هذه العبارات: «احمل الغلّة، وأزح العلّة، ولا تجلس متودّعا فى الكلّة (الستر)» ولا حظ أنه قد حشر الكلة فى الكلام لاستكمال السجع، فالتفت إلى الكاتب وقال له: أفى النيل بق يحتاج إلى كلل؟ فقال له الكاتب مداجيا مرائيا: إى والله وأى بقّ، ومن أجله يلزم الناس الكلل ليلا ونهارا (٢). ووقّع فى رسالة وجّه بها إلى بعض عمّاله: «الزم-وفّقك الله المنهاج، واحذر عواقب الاعوجاج، واحمل ما أمكن من الدّجاج، إن شاء الله»، وكان أن حمل العامل إليه دجاجا كثيرا، فقال: هذا دجاج وفّرته بركة السجع (٣). وكان الولاة يقلدون الوزراء فى هذا البدع الجديد فقد ذكر الرواة أن الوالى على كور الأهواز كتب إلى على بن عيسى كتابا سجع فيه، فكتب إليه وقد صمّم على عزله: «عوّلت بنا على كلام ألّفته، وخطاب سجّعته أوجب صرفك عما توليته (٤)». وكان كتّاب الدواوين على شاكلة الوزراء يسجعون فى كتاباتهم، وفى مقدمتهم محمد بن جعفر بن ثوابة القائم على ديوان الرسائل لعهد المقتدر والمتوفى سنة ٣١٢، وكان فى باكورة حياته يكتب بين يدى عبيد الله بن سليمان بن وهب، وكلّفه أن يجيب على كتاب خمارويه حين أنفذ ابنته إلى المعتضد، فقال فى الفصل الذى احتاج فيه إلى ذكرها: «وأما الوديعة فهى بمنزلة شئ انتقل من يمينك إلى شمالك، عناية بها، وحياطة عليها، ورعاية لمودتك فيها»، ورآه عبيد الله يعجب بهذه العبارات،

стр. 2032

فأخذ ينقدها له قائلا: «تفاءلت لامرأة زفّت إلى زوجها بالوديعة، والوديعة مستردّة. وقولك من يمينك إلى شمالك أقبح، لأنك جعلت أباها اليمين وأمير المؤمنين الشمال، ولو قلت: بمنزلة شئ انتقل من حال إلى حال لكان أحسن. وكان خيرا من ذلك كله أن تقول: «وأما الهدية فقد حسن موقعها منا، وجلّ خطرها عندنا، وهى وإن بعدت عنك بمنزلة ما قرب منك لتفقّدنا لها، وأنسنا بها، ولسرورها بما وردت عليه واغتباطها بما صارت إليه» لكان أحسن» (١). وواضح ما حمل نقد عبيد الله بن سليمان إلى الشاب فى مطالع عمله بالدواوين من؟ ؟ ؟ قوى إلى العناية بصياغته ومعانيه وكأنه هو الذى حمله على أن يأخذ نفسه بتكلف شديد. ومعروف أن عبيد الله توفى سنة ٢٧٨، ولا نصل مع محمد بن جعفر إلى عصر المقتدر، حتى يصبح أكبر كاتب فى دواوينه، وحتى يعهد إليه بتولى ديوان الرسائل، ويأخذ حينئذ نفسه بالحرص على السجع فى كل ما يصدر عنه، على نحو ما يصوّر ذلك منشور وجّهه باسم الخليفة المقتدر إلى العمّال فى البلدان المختلقة ينوّه فيه بابن الفرات فى وزارته الثانية لسنة ٣٠٤، وفيه يقول (٢): «لما لم يجد أمير المؤمنين غنى عنه، ولا للملك بدّا منه. وكان كتّاب الدواوين على اختلاف أقدارهم، وتفاوت ما بين أخطارهم مقرّين برياسته، معترفين بكفايته، متحاكمين إليه إذا اختلفوا واقفين عند غايته إذا استبقوا، مذعنين بأنه الحوّل القلّب، المحنّك المجرّب، العالم بدرّة المال كيف نحلب، ووجوهه كيف تطلب، انتضاه (٣) من غمده، فعاود ما عرف من حدّه، فنفّذ الأعمال كأن لم يغب عنها، ودبّر الأمور كأن لم يخل منها». فالسجع أصبح ظاهرة عامة فى الرسائل الديوانية، ويبدو أن ابن مقلة وزير المقتدر والخلفاء من بعده كان يستخدمه، إن لم يكن دائما ففى الحين بعد الحين، وكان كاتبا بليغا، وفيه يقول الصولى: «ما رأيت وزيرا منذ توفّى القاسم بن عبيد الله

стр. 2033

ابن سليمان بن وهب (وزير المكتفى) أحسن حركة، ولا أظرف إشارة، ولا أملح خطّا، ولا أكثر حفظا، ولا أسلط قلما، ولا أقصد بلاغة ولا آخذ بقلوب الخلفاء من ابن مقلة» (١) وهو صاحب الخطّ الذى تضرب به الأمثال، وهو أول من نقله من الوضع الكوفى إلى الوضع الذى شاع فى العالم العربى، وكان أول من رفع من قدره أبو الحسن بن الفرات، وخاصة فى وزارته الثانية آنفة الذكر، حتى علت حاله وعرض جاهه، ولكنه عاد فاستوحش منه ونكبه. ثم خلص من المحنة، واستوزره المقتدر ومن جاءوا بعده، واحتفظ له كتاب النجوم الزاهرة برسالة أنفذ بها إلى ابن الفرات وقد طالت به المحنة، تجرى على هذا النمط (٢): «أمسكت-أطال الله بقاء الوزير-عن الشكوى، حتى تناهت البلوى، فى النفس والمال، والجسم والحال، إلى ما فيه شفاء للمنتقم، وتقويم للمجترم، حتى أفضيت إلى الحيرة والتبلّد، وعيالى إلى الهتكة والتشرد. وما أبداه الوزير -أيّده الله-فى أمرى إلا بحقّ واجب، وظنّ غير كاذب. وعلى كل حال فلى ذمام وحرمة، وصحبة وخدمة إن كانت الإساءة أضاعتها فرعاية الوزير، أيّده الله تعالى بحفظه، ولا مفزع إلا إلى الله بلطفه، وكنف الوزير وعطفه، فإن رأى-أطال الله بقاءه-أن يلحظ عبده بعين رأفته، وينعم بإحياء مهجته، وتخليصها من العذاب الشديد، والجهد الجهيد، ويجعل له من معروفه نصيبا، ومن البلوى فرجا قريبا». وكأن السجع أصبح لغة جميع الرسائل منذ أوائل القرن الرابع للهجرة، بل مع أواخر القرن الثالث، فليس هناك كاتب إلا ويسجع، وإن فاته السجع فى مكان من رسالته عاد إليه فى الأمكنة الأخرى. وقد خلف محمد بن جعفر بن ثوابة ابنه أحمد منذ سنة ٣١٢، وظل على ديوان الرسائل من بعده إلى أن توفى سنة ٣٤٩، فخلفه عليه أبو إسحق الصابى. ولا ريب فى أن أحمد مضى فى إثر أبيه يسجع فى رسائله وكل ما يصدر عنه من كتابات ديوانية، وقد بقيت منها بقايا قليلة تصور سجعه وإغراقه فيه من مثل قوله فى وصف فتح (٣):

стр. 2034

«فلم يفر العجاج (١) إلا عن قتيل مرسل، أو غريق معجّل، أو جريح معطّل، أو أسير مكبّل، أو مستأمن محصّل، أو حقيبة ملأها الله بلا تعب، أو غنيمة أفاءها الله بلا نصب». وواضح من كل ما قدمنا أن السجع أصبح منذ خلافة المقتدر اللغة العامة للدواوين، فالرسائل تمتلئ بزخارفه ولآلئه. إذ غدا المثل الأعلى للجمال الفنى فى الكتابة الديوانية، فلابد فيها من قوافيه وفواصله، ولا بد من تساوق أنغامه وألحانه فى الكلام. ٥ - الرسائل الإخوانية والأدبية رأينا فى كتاب العصر العباسى الأول كيف أن الرسائل الإخوانية ازدهرت حينذاك، إذ اتخذها الأدباء لتصوير عواطفهم ومشاعرهم فى الخوف والرجاء والرهبة والرغبة والمديح والهجاء والتهانى والعتاب والاعتذار والاستعطاف والتعزية والاستمناح. وبذلك نافس النثر الشعر فى مجالاته الخاصة: مجالات الوجدان، وأظهر الكتّاب فى ذلك براعة فائقة، إذ كان كثير منهم بلغ الذروة فى الفن الكتابى، وأيضا فإن الشعراء أنفسهم أدلوا بدلائهم فى تلك الرسائل حين وجدوها شديدة التأثير فى نفوس من توجّه إليهم. وبذلك توفّر للرسائل الإخوانية كثيرون من الكتّاب والشعراء النابهين، الذين استطاعوا أن يبثوا فى النثر طاقات جديدة من طرافة التفكير ودقة التعبير، حتى لنرى قوما إذا سئلوا عن الكلام أو الوصف هل يكون شعرا أو نثرا فضّلوا أن يكون نثرا، فقد روى المسعودى عن أبى العباس المكى نديم محمد بن عبد الله بن طاهر أنه كان ينادمه ذات ليلة فى سنة ٢٥٠ للهجرة، فسأله أن يصف له الطعام والشراب والطيب والنساء والخيل، فقال له: أيكون ذلك منثورا أو منظوما؟ قال: لا، بل منثورا (٢) فالنثر أصبح له القدح المعلّى على

стр. 2035

الشعر، لا لأن أصحابه كانوا يرقون إلى الوظائف العليا فى الدولة ودواوينها فحسب ولا لأنه كان يختار منهم الوزراء فحسب، بل أيضا لأنه أصبح يضارع الشعر فى التأثير فى وجدان القارئ، بما وفّر له كتّابه العظام من جزالة الألفاظ ورصانتها ومن حسن تلاؤمها فى الجرس. فالكاتب ما يزال يلائم بين لفظة ولفظة، بل أحيانا بين حرف وحرف، حتى يأسر العقول والألباب. وكان أكثر من الشعر طواعية لحمل الأفكار بحكم يسر تعابيره وما يجرى فيها من مرونة، مما جعل الشعراء أنفسهم يتخذونه فى بعض الأحوال أداة لتصوير خواطرهم ومشاعرهم وأفكارهم، كما ذكرنا آنفا. وتحمل كتب الأدب كثيرا من الرسائل الإخوانية لكتّاب بارعين، ونحن نعرض طائفة منها تصوّر مدى ما كانوا يحققونه لها من إجادة وإتقان، فمن ذلك رسالة للحسن بن وهب كتب بها إلى المتوكل فى عيد نيروز، يهنئه بالعيد، وكلها دعاء وابتهال، يقول (١): «أسعدك الله-يا أمير المؤمنين-بكرّ الدهور، وتكامل السرور، وبارك لك فى إقبال الزمان، وبسط بيمن خلافتك الآمال، وخصّك بالمزيد، وأبهجك بكل عيد، وشدّ بك أزر التوحيد، ووصل لك بشاشة أزهار الربيع المونق، بطيب أيام الخريف المغدق (كثير المياه) وبمواقع تمكين لا يجاوزه الأمل، وغبطة إليها نهاية ضارب المثل، وعمّر ببلائك الإسلام، وفسح لك فى القدرة والمدة، وأمتع برأفتك وعدلك الأمة، وسربلك (ألبسك) العافية، وردّاك السلامة، ودرّعك العزّ والكرامة، وجعل الشهور لك بالإقبال متصدّية، والأزمنة إليك راغبة متشوقة، والقلوب نحوك سامية، تلاحظك عشقا، وترفرف نحوك طربا وشوقا». وكانت قد أخذت تشيع التهنئات بالأعياد الفارسية والإسلامية شعرا فجعلها الحسن بن وهب نثرا، وفى رأينا أنه لم يعش طويلا فى عصر المتوكل. وكانوا قد اعتادوا كثيرا فى العصر العباسى الأول أن يتهادوا التحف والطرف، وعادة كانوا يرسلون مع الهدية بعض الأشعار، وأخذ النثر يزاحم الشعر فى هذا الموضوع، فمن ذلك أن نرى الكندى الفيلسوف المتوفى سنة ٢٦٠ كما مرّ بنا يهدى إلى بعض إخوانه سيفا ويكتب معه (٢):
следующие страницы →