أخذ كل ما يصدر عن الخليفة منذ سنة ٣٠٠ للهجرة يوشّى بالسجع (١)، وبالمثل ما يصدر عن وزرائه وفى مقدمتهم ابن الفرات. وكان على بن عيسى الوزير لا يقل عناية عنه بالسجع، وقد ذكر له الهلال مجموعة كبيرة من رسائله كلها مسجوعة. ومثله وزير المقتدر الثالث الخاقانى، فقد كان شغوفا بالسجع شغفا شديدا، وتروى له فى ذلك نوادر كثيرة، منها أن عامل النيل أحد فروع الأنهار فى العراق تأخر فى حمل غلّة إليه، فكتب إليه هذه العبارات: «احمل الغلّة، وأزح العلّة، ولا تجلس متودّعا فى الكلّة (الستر)» ولا حظ أنه قد حشر الكلة فى الكلام لاستكمال السجع، فالتفت إلى الكاتب وقال له: أفى النيل بق يحتاج إلى كلل؟ فقال له الكاتب مداجيا مرائيا: إى والله وأى بقّ، ومن أجله يلزم الناس الكلل ليلا ونهارا (٢). ووقّع فى رسالة وجّه بها إلى بعض عمّاله:
«الزم-وفّقك الله المنهاج، واحذر عواقب الاعوجاج، واحمل ما أمكن من الدّجاج، إن شاء الله»، وكان أن حمل العامل إليه دجاجا كثيرا، فقال: هذا دجاج وفّرته بركة السجع (٣). وكان الولاة يقلدون الوزراء فى هذا البدع الجديد فقد ذكر الرواة أن الوالى على كور الأهواز كتب إلى على بن عيسى كتابا سجع فيه، فكتب إليه وقد صمّم على عزله: «عوّلت بنا على كلام ألّفته، وخطاب سجّعته أوجب صرفك عما توليته (٤)».
وكان كتّاب الدواوين على شاكلة الوزراء يسجعون فى كتاباتهم، وفى مقدمتهم محمد بن جعفر بن ثوابة القائم على ديوان الرسائل لعهد المقتدر والمتوفى سنة ٣١٢، وكان فى باكورة حياته يكتب بين يدى عبيد الله بن سليمان بن وهب، وكلّفه أن يجيب على كتاب خمارويه حين أنفذ ابنته إلى المعتضد، فقال فى الفصل الذى احتاج فيه إلى ذكرها:
«وأما الوديعة فهى بمنزلة شئ انتقل من يمينك إلى شمالك، عناية بها، وحياطة عليها، ورعاية لمودتك فيها»، ورآه عبيد الله يعجب بهذه العبارات،
стр. 2032
فأخذ ينقدها له قائلا: «تفاءلت لامرأة زفّت إلى زوجها بالوديعة، والوديعة مستردّة. وقولك من يمينك إلى شمالك أقبح، لأنك جعلت أباها اليمين وأمير المؤمنين الشمال، ولو قلت: بمنزلة شئ انتقل من حال إلى حال لكان أحسن. وكان خيرا من ذلك كله أن تقول:
«وأما الهدية فقد حسن موقعها منا، وجلّ خطرها عندنا، وهى وإن بعدت عنك بمنزلة ما قرب منك لتفقّدنا لها، وأنسنا بها، ولسرورها بما وردت عليه واغتباطها بما صارت إليه» لكان أحسن» (١).
وواضح ما حمل نقد عبيد الله بن سليمان إلى الشاب فى مطالع عمله بالدواوين من؟ ؟ ؟ قوى إلى العناية بصياغته ومعانيه وكأنه هو الذى حمله على أن يأخذ نفسه بتكلف شديد. ومعروف أن عبيد الله توفى سنة ٢٧٨، ولا نصل مع محمد بن جعفر إلى عصر المقتدر، حتى يصبح أكبر كاتب فى دواوينه، وحتى يعهد إليه بتولى ديوان الرسائل، ويأخذ حينئذ نفسه بالحرص على السجع فى كل ما يصدر عنه، على نحو ما يصوّر ذلك منشور وجّهه باسم الخليفة المقتدر إلى العمّال فى البلدان المختلقة ينوّه فيه بابن الفرات فى وزارته الثانية لسنة ٣٠٤، وفيه يقول (٢):
«لما لم يجد أمير المؤمنين غنى عنه، ولا للملك بدّا منه. وكان كتّاب الدواوين على اختلاف أقدارهم، وتفاوت ما بين أخطارهم مقرّين برياسته، معترفين بكفايته، متحاكمين إليه إذا اختلفوا واقفين عند غايته إذا استبقوا، مذعنين بأنه الحوّل القلّب، المحنّك المجرّب، العالم بدرّة المال كيف نحلب، ووجوهه كيف تطلب، انتضاه (٣) من غمده، فعاود ما عرف من حدّه، فنفّذ الأعمال كأن لم يغب عنها، ودبّر الأمور كأن لم يخل منها».
فالسجع أصبح ظاهرة عامة فى الرسائل الديوانية، ويبدو أن ابن مقلة وزير المقتدر والخلفاء من بعده كان يستخدمه، إن لم يكن دائما ففى الحين بعد الحين، وكان كاتبا بليغا، وفيه يقول الصولى: «ما رأيت وزيرا منذ توفّى القاسم بن عبيد الله
стр. 2033
ابن سليمان بن وهب (وزير المكتفى) أحسن حركة، ولا أظرف إشارة، ولا أملح خطّا، ولا أكثر حفظا، ولا أسلط قلما، ولا أقصد بلاغة ولا آخذ بقلوب الخلفاء من ابن مقلة» (١) وهو صاحب الخطّ الذى تضرب به الأمثال، وهو أول من نقله من الوضع الكوفى إلى الوضع الذى شاع فى العالم العربى، وكان أول من رفع من قدره أبو الحسن بن الفرات، وخاصة فى وزارته الثانية آنفة الذكر، حتى علت حاله وعرض جاهه، ولكنه عاد فاستوحش منه ونكبه. ثم خلص من المحنة، واستوزره المقتدر ومن جاءوا بعده، واحتفظ له كتاب النجوم الزاهرة برسالة أنفذ بها إلى ابن الفرات وقد طالت به المحنة، تجرى على هذا النمط (٢):
«أمسكت-أطال الله بقاء الوزير-عن الشكوى، حتى تناهت البلوى، فى النفس والمال، والجسم والحال، إلى ما فيه شفاء للمنتقم، وتقويم للمجترم، حتى أفضيت إلى الحيرة والتبلّد، وعيالى إلى الهتكة والتشرد. وما أبداه الوزير -أيّده الله-فى أمرى إلا بحقّ واجب، وظنّ غير كاذب. وعلى كل حال فلى ذمام وحرمة، وصحبة وخدمة إن كانت الإساءة أضاعتها فرعاية الوزير، أيّده الله تعالى بحفظه، ولا مفزع إلا إلى الله بلطفه، وكنف الوزير وعطفه، فإن رأى-أطال الله بقاءه-أن يلحظ عبده بعين رأفته، وينعم بإحياء مهجته، وتخليصها من العذاب الشديد، والجهد الجهيد، ويجعل له من معروفه نصيبا، ومن البلوى فرجا قريبا».
وكأن السجع أصبح لغة جميع الرسائل منذ أوائل القرن الرابع للهجرة، بل مع أواخر القرن الثالث، فليس هناك كاتب إلا ويسجع، وإن فاته السجع فى مكان من رسالته عاد إليه فى الأمكنة الأخرى. وقد خلف محمد بن جعفر بن ثوابة ابنه أحمد منذ سنة ٣١٢، وظل على ديوان الرسائل من بعده إلى أن توفى سنة ٣٤٩، فخلفه عليه أبو إسحق الصابى. ولا ريب فى أن أحمد مضى فى إثر أبيه يسجع فى رسائله وكل ما يصدر عنه من كتابات ديوانية، وقد بقيت منها بقايا قليلة تصور سجعه وإغراقه فيه من مثل قوله فى وصف فتح (٣):
стр. 2034
«فلم يفر العجاج (١) إلا عن قتيل مرسل، أو غريق معجّل، أو جريح معطّل، أو أسير مكبّل، أو مستأمن محصّل، أو حقيبة ملأها الله بلا تعب، أو غنيمة أفاءها الله بلا نصب».
وواضح من كل ما قدمنا أن السجع أصبح منذ خلافة المقتدر اللغة العامة للدواوين، فالرسائل تمتلئ بزخارفه ولآلئه. إذ غدا المثل الأعلى للجمال الفنى فى الكتابة الديوانية، فلابد فيها من قوافيه وفواصله، ولا بد من تساوق أنغامه وألحانه فى الكلام.
٥ - الرسائل الإخوانية والأدبية
رأينا فى كتاب العصر العباسى الأول كيف أن الرسائل الإخوانية ازدهرت حينذاك، إذ اتخذها الأدباء لتصوير عواطفهم ومشاعرهم فى الخوف والرجاء والرهبة والرغبة والمديح والهجاء والتهانى والعتاب والاعتذار والاستعطاف والتعزية والاستمناح.
وبذلك نافس النثر الشعر فى مجالاته الخاصة: مجالات الوجدان، وأظهر الكتّاب فى ذلك براعة فائقة، إذ كان كثير منهم بلغ الذروة فى الفن الكتابى، وأيضا فإن الشعراء أنفسهم أدلوا بدلائهم فى تلك الرسائل حين وجدوها شديدة التأثير فى نفوس من توجّه إليهم. وبذلك توفّر للرسائل الإخوانية كثيرون من الكتّاب والشعراء النابهين، الذين استطاعوا أن يبثوا فى النثر طاقات جديدة من طرافة التفكير ودقة التعبير، حتى لنرى قوما إذا سئلوا عن الكلام أو الوصف هل يكون شعرا أو نثرا فضّلوا أن يكون نثرا، فقد روى المسعودى عن أبى العباس المكى نديم محمد بن عبد الله بن طاهر أنه كان ينادمه ذات ليلة فى سنة ٢٥٠ للهجرة، فسأله أن يصف له الطعام والشراب والطيب والنساء والخيل، فقال له: أيكون ذلك منثورا أو منظوما؟ قال: لا، بل منثورا (٢) فالنثر أصبح له القدح المعلّى على
стр. 2035
الشعر، لا لأن أصحابه كانوا يرقون إلى الوظائف العليا فى الدولة ودواوينها فحسب ولا لأنه كان يختار منهم الوزراء فحسب، بل أيضا لأنه أصبح يضارع الشعر فى التأثير فى وجدان القارئ، بما وفّر له كتّابه العظام من جزالة الألفاظ ورصانتها ومن حسن تلاؤمها فى الجرس. فالكاتب ما يزال يلائم بين لفظة ولفظة، بل أحيانا بين حرف وحرف، حتى يأسر العقول والألباب. وكان أكثر من الشعر طواعية لحمل الأفكار بحكم يسر تعابيره وما يجرى فيها من مرونة، مما جعل الشعراء أنفسهم يتخذونه فى بعض الأحوال أداة لتصوير خواطرهم ومشاعرهم وأفكارهم، كما ذكرنا آنفا. وتحمل كتب الأدب كثيرا من الرسائل الإخوانية لكتّاب بارعين، ونحن نعرض طائفة منها تصوّر مدى ما كانوا يحققونه لها من إجادة وإتقان، فمن ذلك رسالة للحسن بن وهب كتب بها إلى المتوكل فى عيد نيروز، يهنئه بالعيد، وكلها دعاء وابتهال، يقول (١):
«أسعدك الله-يا أمير المؤمنين-بكرّ الدهور، وتكامل السرور، وبارك لك فى إقبال الزمان، وبسط بيمن خلافتك الآمال، وخصّك بالمزيد، وأبهجك بكل عيد، وشدّ بك أزر التوحيد، ووصل لك بشاشة أزهار الربيع المونق، بطيب أيام الخريف المغدق (كثير المياه) وبمواقع تمكين لا يجاوزه الأمل، وغبطة إليها نهاية ضارب المثل، وعمّر ببلائك الإسلام، وفسح لك فى القدرة والمدة، وأمتع برأفتك وعدلك الأمة، وسربلك (ألبسك) العافية، وردّاك السلامة، ودرّعك العزّ والكرامة، وجعل الشهور لك بالإقبال متصدّية، والأزمنة إليك راغبة متشوقة، والقلوب نحوك سامية، تلاحظك عشقا، وترفرف نحوك طربا وشوقا».
وكانت قد أخذت تشيع التهنئات بالأعياد الفارسية والإسلامية شعرا فجعلها الحسن بن وهب نثرا، وفى رأينا أنه لم يعش طويلا فى عصر المتوكل. وكانوا قد اعتادوا كثيرا فى العصر العباسى الأول أن يتهادوا التحف والطرف، وعادة كانوا يرسلون مع الهدية بعض الأشعار، وأخذ النثر يزاحم الشعر فى هذا الموضوع، فمن ذلك أن نرى الكندى الفيلسوف المتوفى سنة ٢٦٠ كما مرّ بنا يهدى إلى بعض إخوانه سيفا ويكتب معه (٢):
стр. 2036
«الحمد لله الذى خصّك بمنافع ما أهدى إليك، فجعلك تهتزّ للمكارم، اهتزاز الصارم (السيف)، وتمضى فى الأمور، مضاء السيف المأثور (المتألّق اللامع) وتصون عرضك بالإرفاد (الإعطاء) كما تصان السيوف فى الأغماد، ويظهر دم الحياء فى صفحة خدّك المشوف (المجلو) كما يشفّ الرونق فى صفحات السيوف، وتصقل شرفك بالعطيّات، كما تصقل متون المشرفيّات (السيوف)».
والرسالة تتقدم فى السجع خطوة عن سابقتها، فإن الحسن بن وهب كان يترك السجع أحيانا أما الكندى فإنه فى رسالته يتشبث بالسجع، وكأنما لحق عصرا كانت عنايته به أقوى وأشد من عصر الحسن بن وهب. ومرّ بنا أبو على البصير بين الشعراء، ويقول ابن المعتز كان كاتبا رساليّا (صاحب رسائل) ليس له فى زمانه ثان. . . وقد قلنا فى أخبار العتّابى (وكان شاعرا كاتبا): إن هذا قلما يتفق للرجل الواحد، لأن الشعر الذى للكتّاب ضعيف جدّا، فإذا اجتمعا فى الواحد فهو المنقطع القرين» (١). وقد أثرت عن أبى على البصير رسائل كثيرة، فمن ذلك رسالة كتب بها إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل مادحا له معدّدا فضائله، وفيها يقول (٢):
«إن أمير المؤمنين لما استخلصك لنفسه، وائتمنك على رعيّته، فنطق بلسانك، وأخذ وأعطى بيدك، وأورد وأصدر عن رأيك. . . ولم يزد-أكرمك الله-رفعة وتشريفا إلا ازددت له هيبة وتعظيما، ولا تسليطا وتمكينا إلا زدت نفسك عن الدنيا عزوفا وتنزيها، ولا تقريبا واختصاصا إلا ازددت بالعامة رأفة وعليها حدبا، لا يخرجك فرط النصح له عن النظر لرعيته، ولا إيثار حقه عن الأخذ بحقها عنده. . . ولا يشغلك معاناة كبار الأمور عن تفقد صغارها. .
تمضى ما كان الرشد فى إمضائه، وترجئ ما كان الحزم فى إرجائه. . . وتلين فى غير تكبر، وتعمّ فى غير تصنع، لا يشقى بك المحقّ وإن كان عدوّا، ولا يسعد بك المبطل وإن كان وليّا. . . وكافّة الرعية-إلا من غمط (بطر) منهم النعمة-مشنون عليك بحسن السيرة، ويمن النقيبة».
стр. 2037
وقدرة أبى على البصير على اختيار الألفاظ بارعة، فقد كان يعرف كيف يختار مفرداته وكيف يؤلف بينها تأليفا حسنا، يجرى فيه التقابل والتوازن، وإن لم يجر فى هذه الرسالة السجع، ولكن يجرى فيها ماء ورونق. وهو لم يسق فى مديح عبيد الله عبارات طنانة فحسب، بل ساق معانى سياسية جيدة، فهو رءوف بالشعب حدب عليه، وحقّ كل فرد فوق حق الخليفة نفسه، مدبر حازم.
مترفع عن الصغائر، فى تواضع لا يسفّ به إلى الدنيات دون تكلف. لا يؤذى محقا وإن كان عدوّا، ولا يسرّ مبطلا وإن كان صديقا. والرعية جميعها تحبه وتثنى عليه لسيرته وفضائله الطيبة. وله رسالة مسجوعة تدخل فى العتاب أو بعبارة أدق فى الهجاء كتب بها إلى أبى العيناء منافسه فى منادمة الخلفاء والوزراء، وفيها يقول (١):
«من أبى على البصير، ذى البرهان المنير، المبلغ فى التحذير، المعذر فى النكير، إلى أبى العيساء الضّرير، ذى الرأى القصير، والخطل الكثير، والإقدام بالتعيير، سلام على المخصوصين بالسلام، من أجل حقيقة الإسلام، المؤمنين بالحلال والحرام، والفرائض والأحكام، فإنى أحمد الله إلى نفسه وأوليائه من خلقه، على ما هدانى من دينه، وعرّفنى من حقه، وامتنّ علىّ به من تصديق رسله. . . أما بعد فإنك الرجل الدقيق حسبه، الرّدئ مذهبه، الدّنئ مكسبه، الخسيس مطلبه، البذئ لسانه، المبتلى به إخوانه. . . قد صيّرت القحة (الوقاحة) جنّة (وقاية) وشتم الأعراض سنّة. . . صديقك على وجل منك إن شاهدته عافك، وإن غبت عنه خافك، تسأله فوق الطاقة، وترهقه عند الفاقة (الفقر) فإن اعتذر إليك لم تعذره، وإن استنظرك لم تنظره (تمهله) وإن أنعم عليك لم تشكره، لا تزيدك السنّ إلا نقصا، ولا يفيدك الغنى إلا حرصا. . . وتعرض للناس بالسؤال، غير محتشم من الإملال. . . من أطاعك فى ماله حربته (سلبته)، ومن منعك بعذر واضح سببته. . . ومن أكرمك أهنته وتطاولت عليه، ومن أهانك استكنت له ولنت فى يديه. . . إرثك عن أبيك السعاية، ونقل الأخبار والوشاية».
стр. 2038
والرسالة كلها-على هذا النحو-هجاء وإقذاع فى الهجاء، وقد استهلها لممّحا إلى أن أبا العيناء لا يؤمن بحلال ولا حرام ولا بفرائض ولا أحكام مخرجا له من الملة حامدا لنفسه هداه وتصديق الرسل الذين يكفر بهم أبو العيناء. ثم يسبه فى حسبه وفى مذهبه ومكسبه واصفا له بالخسّة والدناءة، وأنه لا يحترم صديقا مهما أكرمه، مع الشّحّ والتعرض للناس بالسؤال والإلحاف فيه. ويقول له فى نهاية رسالته:
«قد ملت إلى السجع على علمى بخساسة حظه وركاكة معانيه ولفظه، إذ كنت تلوى به لسانك، وتثنى إليه عنانك، قطعا لحجتك، وإزاحة لعلتك».
وكان أبو العيناء على شاكلة أبى على البصير يملأ رسائله بالسجع على نحو ما نجد فى رسالة كتب بها إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان يشكو له ابنه محمدا إذ أهداه فرسا غير فاره، وفيها يقول (١):
«أعلم الوزير-أيده الله-أن أبا على محمدا أراد أن يبرّنى فعقّنى، وأن يركبنى فأرجلنى، أمر لى بفرس كالقضيب اليابس عجفا (هزالا) وكالعاشق المهجور دنفا (سقما). قد أذكر الرواة عروة العذرىّ، والمجنون العامرى. . .
قد حفظ الأشعار، وروى الأخبار، ولحق العلماء فى الأمصار. . . وإنما أتيت من كاتبه الأعور، الذى إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخبث وأنزر (قلّل)».
والرسالة سجع خالص، وكأن من الكتّاب من أخذ يصطنعه منذ أوائل هذا العصر فى بعض الرسائل، فإن لأبى العيناء نفسه رسائل أخرى فى الاستمناح (٢) وطلب النوال وفى الشكر (٣)، يكتفى فيها بالعبارة المصقولة والألفاظ المنتخبة المختارة دون أن يعنى بالسجع وترصيفه وتنميقه. ومن الكتاب البلغاء المعاصرين لأبى العيناء وأبى على البصير محمد بن مكرم، وفيه يقول صاحب الفهرست: «كاتب بليغ مترسل، وله كتاب رسائل» (٤)، وتدور له فى الكتب مجموعة من الرسائل، منها رسالة فى الاعتذار لبعض الرؤساء على هذه الشاكلة (٥):
стр. 2039
«نبت بى عنك غرّة (غفلة) الحداثة، فردّتنى إليك التجربة، وباعدتنى عنك الثقة بالأيام، فأدنتنى إليك الضرورة ثقة بإسراعك إلىّ، وإن أبطأت عنك، وبقبولك لعذرى وإن قصّرت عن واجبك. وإن كانت ذنوبى قد سدّت مسالك الصّفح عنى، فراجع فىّ مجدك وسؤددك. وإنى لا أعرف موقفا أذلّ من موقفى، لولا أن المخاطبة فيه لك، ولا خطّة أدنى من خطّتى، لولا أنها فى طلب رضاك».
والرسالة محكمة، وكل عبارة كأنما حاكتها أو قل صبّتها فى قالبها يد صناع وحقّا لم يحلّ الرسالة بالسجع، ولكن العبارات كلها كأنها حلى مختارة، سواء فى اصطفاء الألفاظ، أو فى توشيئها بألوان البديع، فالغرة أمام التجربة، والبعد أمام الدنو، والسرعة أمام البطء. ثم تتعاقب الاستعارات والصور، فالذنوب قد سدّت بحجاب غليظ دروب الصفح وممالكه، وهو يتوسل أن يراجع فيه مجده وسؤدده. ثم يأتى التلطف وقبول الذل وكأنه يقبله من حبيب. وله رسالة جيدة فى تعزية سليمان بن وهب عن أخيه الحسن حين لبّى نداء ربه، ونكتفى منها بهذه الفقرة (١):
«إن الرّمض (حرقة الغيظ) والهلع إنما يكونان للمصيبة الخاصة التى لا تعدو صاحبها، ولا يجد مسعدا (معينا) عليها، ولا شريكا فيها، وقد أعانك الله على مصيبتك بالواشج (المشتبك) رحما بك والبعيد نسبا منك، وجمع فى ثقل محملها وألم فجعها صديقك وعدوّك، وكلّ مكتس منها سربال وحشة، ومنطو على دخيل حزن، وناظر من أعقابها فى منظر وعر، فجميعهم فيها مشترك، وأنت بالتعزّى حقيق قمين».
والقطعة كالرسالة السابقة، ألفاظها محكمة، ويجرى فيها الطباق والتقابل والاستعارات والصور والرّصف الدقيق للعبارات، فالنسج متين، وعليه ألوان وصور تلفت الأذهان. ومن الكتّاب البلغاء أحمد بن سليمان بن وهب، وهو من بيت كتابة، كان أبوه وعمه الحسن من البلغاء المفوهين، وله فى الصداقة رسالة كتب بها إلى بعض أصدقائه، وفيها يقول (٢):
стр. 2040
«ليس عن الصديق المخلص والأخ المشارك فى الأحوال كلها مذهب، ولا وراءه للواثق به مطلب، والشاعر يقول:
وإذا يصيبك والحوادث جمّة ... حدث حداك إلى أخيك الأوثق
وأنت الأخ الأوثق، والولىّ المشفق، والصديق الوصول، والمشارك فى المكروه والمحبوب، قد عرّفنى الله من صدق صفائك وكرم وفائك، على الأحوال المتصرّفة، والأزمنة المتقلبة، ما يستغرق الشكر، ويستعبد الحر، وما من يوم يأتى علىّ إلا ونقتى بك تزداد استحكاما، واعتمادى عليك يزداد تأكدا والتئاما. . .
وأعيذك بالله من العيون الطامحة، والألسنة القادحة، وأسأله أن يجعلك فى حرزه الذى لا يرام، وكنفه الذى لا يضام، وأن يحرسك بعينه التى لا تنام، إنه ذو المنّ والإنعام».
واستخدامه للسجع واضح، وليس سجعا متكلفا، مما يدل على أنه حذق صناعته، حتى أصبح السجع ينحدر عن لسانه انحدارا سهلا طبيعيّا، لاعوج فيه ولا التواء، ولا تكلف ولا عثرات هنا أو هناك، بل أسلوب مستو متناسق. ومن الشعراء الكتاب الذين نبغوا فى كتابة النثر والشعر أحمد بن أبى طاهر طيفور، ومرّت بنا ترجمة له بين الشعراء، ويحتفظ كتابه: «اختيار المنظوم والمنثور» بطائفة من رسائله، منها رسالة فى شكر على بن يحيى المنجم على برّ واسع أغدقه عليه، تمضى على هذا النحو (١):
«إن أحقّ معروف بأن يشكر، ويد بارّة بأن لا تكفر، وأحق واجب بأن يؤدّى، وإحسان وبرّ بأن يجازى معروفك-أعزّك الله-عندى، ويدك قبلى، وحقك علىّ، وإحسانك إلىّ، لأن المعروف يحسن عند الأحرار موقعه، ويجب عليهم شكره ونشره والإشادة بذكره. تتطوّع مبتدئا، وتشفع ما تقدّم معقبا، وتحسن ربّ ما أسديته متفضلا، لا أخلاك الله من برّ وإحسان، ولا أخلانا منك فى حال».
والرسالة فيها سجع قليل، ولكن له رسائل أخرى يكثر فيها السجع، وكان
стр. 2041
كثير الهجاء للكتّاب، ويبدو أنه قلما كان أحد يسلم من لسانه، وممن هجاهم وأقذع فى هجائهم ابن ثوابة وابن مكرم، ومن قوله فى رسالة كتب بها إلى أبى على البصير يذم له الأخير ويعدد مثالبه (١):
«المقلىّ المذمّم، المهين ابن مكرّم. . . العاكف على ذنبه، الصادف عن ربه، الوضيع فى خلائقه، العاتى على خالقه. . . عدوّه آمن من غائلته، وصديقه خائف من بائقته. . . من استخفّ به أكرمه. ومن وصله صرمه (قطعه). . . يحلف ليحنث، ويعهد لينكث، إسناده عن المذمومين، وبلاغته فى ذم الصالحين، وطرفه قذف المحصنات، وسعيه فى كسب السيئات».
ولابن المعتز رسائل إخوانية كثيرة فى التهانى والتعازى والاعتذار والشوق والفراق وفى السؤال عن بعض المرضى والدعاء لهم بالشفاء، وبكل ذلك احتفظ كتاب الأوراق للصولى فى ترجمته، كما احتفظ بكثير منه كتاب زهر الآداب، ويقلّ السجع فى رسائله الإخوانية، ولكنه يعنى أشد العناية بصياغة كلامه، على نحو ما نرى فى الرسالة التالية، وهى فى تهنئة صديقه عبيد الله بن وهب وزير المعتمد فى يوم عيد (٢):
«أخرتنى العلة عن الوزير-أعزّه الله-فحضرت بالدعاء فى كتابى لينوب عنى، ويعمر ما أخلته العوائق منى، وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العيد أعظم الأعياد السالفة بركة على الوزير، ودون الأعياد المستقبلة فيما يحبّ ويحبّ له، ويقبل ما توسّل به إلى مرضاته، ويضاعف الإحسان إليه على الإحسان منه، ويمتعه بصحبة النعمة ولباس العافية، ولا يريه فى مسرّة نقصا، ولا يقطع عنه مزيدا، ويجعلنى من كل سوء فداءه، ويصرف عيون الغير (حوادث الدهر) عنه وعن حظّى منه».
والرسالة أدعية للوزير الصديق، وهو يعنى فيها أشد العناية بجزالة العبارة ونصاعتها، ولكن دون أن يلجأ إلى سجع. ويحتفظ له كتاب الأوراق بفصول كثيرة من بعض رسائله، فمن ذلك فصل فى الشوق يقول فيه: «إنى لآسف على كل يوم فارغ منك، وكلّ لحظة لا تؤنسها رؤيتك، وسقيا لدهر كان موسوما
стр. 2042
بالاجتماع معك، معمورا بلقائك، جمع الله شمل سرورى بك، وعمّر بقائى بالنظر إليك» (١). ومن ذلك فصل فى شفاعة: «موصل كتابى فلان، وقد جعلت الثقة به مطيته إليك، فلا تنضها (تهزلها) بمطلك، وأسرع ردّها بسابق إنجازك، وتصديق الأمل فيك والظن بك» (٢)، ولا ريب فى أنه كان يسجع أحيانا ففى بعض فصوله: «قد ملت إليك فما أعتدل، ونزلت بك فما أرتحل، ووقفت عليك فما أنتقل» (٣) وفى فصل آخر: «تولّى الله عنى مكافأتك، وأعان على فعل الخير نيتك، وأصحب بقاءك عزّا يبسط يدك لوليك وعلى أعدائك، وكلاءة (حراسة) تذبّ عن ودائع مننه عندك، وزاد فى نعمك وإن عظمت، وبلّغك آمالك وإن انفسحت» (٤). وله فى وصف الكتاب والقلم (٥):
«الكتاب والج الأبواب، جرئ على الحجّاب، مفهم لا يفهم، وناطق لا يتكلم، به يشخص (يحضر) المشتاق، ومنه يداوى الفراق. والقلم مجهز لجيوش الكلام يخدم الإرادة، ولا يملّ الاستزادة، يسكت واقفا، وينطق سائرا، على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضئ، وكأنه يقبّل بساط سلطان، أو يفتح نوّار بستان».
والوصف يكثر فيه السجع، كما يكثر التصوير، فقد شخّص الكتاب وجسّمه فى صور كثيرة، وبالمنل صنع بالقلم، وأخرجه مع الصحف التى يكتبها فى صور بديعة:
وكان الكتّاب يكثرون من الدعوة للزيارة ولقضاء بعض الوقت فى اللهو ولسماع الغناء أو للسمر والطعام. وأكثروا من التهانى فى كل مناسبة فى الأعياد وفى الزواج وفى إنجاب الأولاد وفى ختانهم، وفى الحج وقضاء مناسكه، وفى وصف الطبيعة شتاء وفى الربيع. . . وقد تعقبنا انتشار السجع فى الرسائل الإخوانية طوال العصر، لندل على أن ذوقا عامّا أخذ يعنى به، وهى عناية جعلته يعمّ فى تلك الرسائل مع أواخر القرن الثالث، بل لقد أخذ يعمّ-منذ أواسطه-عند أبى على
стр. 2043
البصير وأبى العيناء فى بعض رسائلهما. وقد أخذت تنتشر مع ذلك عناية باصطناع الصور البيانية وبعض ألوان البديع على نحو ما لاحظنا فى بعض رسائل ابن مكرم، وكأن الكاتب لا يريد أن يؤلف كلاما فحسب، بل يريد أن يصوغ دررا، مما هيّأ لسيادة السجع وسيطرته على جميع الرسائل سياسية وإخوانية منذ عصر المقتدر، بل لقد هيأ ذلك لظهور كتاب الألفاظ الكتابية التى ألف فيها عبد الرحمن ابن عيسى الهمذانى المتوفى سنة ٣٢٠ كتابه الذى وقفنا عنده فى موضع آخر، وهو يدل بوضوح على أنه أخذت تسود فكرة النموذج فى الكتابة: فى التهانى والتعازى والبشارة والإنذار والاعتذار، وأيضا فى كتابة الرسائل الديوانية، ففى كل ذلك درر من السجع والصور تحفظ وتصبح مادة للكتّاب، تعينهم فى كتابة الرسائل، وكأنما كان صنيع الهمذانى نذيرا بجمود النثر العربى وأن يصبح صيغا برّاقة، تخلب بما فيها من أسجاع قبل أن تخلب بما فيها من معان.
ولم يقف انتشار السجع وشيوعه عند الرسائل الإخوانية والديوانية، فقد أخذ يشيع فى الرسائل الأدبية الخالصة، وكان الجاحظ قد أشاع فى تلك الرسائل أسلوب الازدواج المعروف به، غير أن من تلوه فى القرن الثالث الهجرى أخذوا يدخلون عليها السجع ويكثرون منه، على نحو ما تصوّر ذلك رسالة لابن المعتز كتب بها إلى بعض أصدقائه يصف سامرّاء ويأسى لخرابها ويذم بغداد وأهلها، وهى أشبه بمناظرة بين البلدتين: العاصمة القديمة سامرّاء، والعاصمة الجديدة بغداد، وكان قد انتقل إليها المعتمد منذ سنة ٢٧٦ وانتقل معه ابن المعتز. ولعل من الخير أن نسوق أكثر هذه الرسالة الطريفة، وهى تمضى على هذه الصورة (١):
«كتبت إليك من بلدة قد أنهض (٢) الدهر سكّانها، فشاهد البأس فيها ينطق وحبل الرّجاء فيها يقصر، فكأن عمرانها يطوى وكأن خرابها ينشر، وقد وكّلت إلى الهجر نواحيها، واستحثّ باقيها إلى فانيها، وقد تمزّقت بأهلها الديار، فما يجب فيها حقّ جوار، فالظّاعن منها ممحوّ الأثر، والمقيم بها على طرف سفر، نهاره إرجاف، وسروره أحلام. . . فحالها تصف
стр. 2044
للعيون الشكوى، وتشير إلى ذم الدنيا، بعد ما كانت بالمرأى القريب جنّة الأرض، وقرار الملك، تفيض بالجنود أقطارها، عليهم أردية السيوف وغلائل الحديد، كأن رماحهم قرون الوعول، ودروعهم زبد السيول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمدّ بالنّقع (الغبار) سرادقها، قد نشرت فى وجوهها غرر كأنها صحائف البرق، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللجين، وقرّطت عذرا (١) كالشنوف، فى جيش يتلقف الأعداء أوائله، ولم تنهض أواخره، قد صبّ عليه وقار الصبر، وهبّت له روائح النصر، يصرّفه ملك يملأ العيون جمالا، والقلوب جلالا. . . قبل أن تخبّ (تعدو) مطايا الغير، وتسفر وجوه الحذر، وما زال الدهر مليئا بالنوائب، طارقا بالعجائب، يؤمن يومه، ويغد رغده. على أنها-وإن جفيت-معشوقة السكنى، حبيبة المشوى (المنزل) كوكبها يقظان، وجوها عريان (صحو) وحصباؤها جوهر، ونسيمها معطّر، وترابها مسك أذفر (ذكىّ) ويومها غداة (لطيف الطقس) وليلها سحر، وطعامها هنئ، وشرابها مرئ، وتاجرها مالك، وفقيرها فانك (غير محتاج) لا كبغدادكم الوسخة السماء، الومدة (الراكدة) الهواء، جوها نار، وأرضها خبار (لينة) وحيطانها نزوز (تنز بالماء) وتشرينها (أكتوبر) تموز (يولية) فكم فى شمسها من محترق، وفى ظلها من غرق، ضيقة الدار، قاسية الجوار، ساطعة الدخان، قليلة الضيفان، أهلها ذئاب، وكلامهم سباب، وسائلهم محروم، ومالهم مكتوم، لا يجوز إنفاقه، ولا يحلّ خناقه (كيسه) وحيطانهم خصاص (أكواخ) وبيوتهم أقفاص (ضيقة) ولكل مكروه أجل، وللبقاع دول، والدهر يسير بالمقيم، ويمزج البؤس بالنعيم».
والسجع زاخر فى الرسالة كما يرى القارئ، وكأن ابن المعتز أراد أن يجعلها رسالة أدبية خالصة، فهو يختار لها الأسلوب الذى أخذ يشيع فى عصره أسلوب درر السجع ولآلئه التى أصبحت موضع إعجاب الكتّاب والتى كانت تروقهم إلى أقصى حد، مما هيأ الأذواق لأن ترفع اللفظ فوق المعنى، فالمدار على جمال
стр. 2045
الجسد لا جمال الروح، والعبرة بالشكل لا بالجوهر، وبالقالب لا بما يحتويه، وبالبريق الخارجى للمعانى لا بالبريق الداخلى. وعمّ ذلك حتى طغى فى كتابة بعض الأخبار، وحتى نجد الخليفة القاهر (٣٢٠ - ٣٢٢ هـ) يطلب من بعض أصحاب التاريخ وصف الخلفاء العباسيين الذين سبقوه، ويقول له: «لا تغيّب عنى شيئا، ولا تحسّن القصة ولا تسجع فيها» (١)، فهو لا يريد فى وصفهم إدخال زينة السجع، حتى لا يجور اللفظ على المعنى. وكأنما أصبح السجع أسلوب الكتابة العامة واطّرد ذلك فى العصر التالى، وظل آمادا متطاولة.
وابن المعتز لا يكتفى فى هذه الرسالة الأدبية بالسجع، بل يضيف إلى ذلك ألوانا من البديع، إذ تطالعنا فيها توّا الطباقات. فالنهوض أو الرحيل يقابل القعود، واليأس يقابل الرجاء، والخراب يقابل العمران، والنشر يقابل الطىّ، والباقى يقابل الفانى، والظاعن يقابل المقيم. وبجانب الطباقات ما اشتهر به فى شعره من كثرة التشبيهات وإيراد الصور الطريفة، فالخيل تأكل الأرض بحوافرها وتمد من الغبار سرادقا ضخما يظل الجيش، والغرر فى وجوهها كأنها صحائف البرق، والتّحجيل فى سيقانها كأنه الأساور من فضة تحيط بها، وما سال على خدودها من اللجم كأنه أقراط فى آذانها، والحصباء جوهر، والتراب مسك أذفر. وتتوالى الصور والتشبيهات وابن المعتز دائما يستمد من مخازن لا تنفد، مخازن تعطيه كل ما يريد من زخارف السجع وزخارف الصور والأخيلة، وكأنه لم يلبث أن انضم بقوة إلى الرّكب، ركب العناية بالوشى. ويطلّ القرن الرابع، وإذا هذه العناية تصبح هى الذوق العام فى الكتابة الأدبية، فليس هناك كاتب نابه إلا ويتخذ هذا الأسلوب الفنى الجديد أسلوب السجع وما يطوى فيه من زخارف البديع.
стр. 2046
الفصل التّاسع:
أعلام الكتاب
١ - إبراهيم (١) بن العباس بن محمد الصولى
كان جده صول حاكما لجرجان مع أخيه فيروز، وكانا تركيين يدينان بالمجوسية ويتشبّهان بالفرس، ودخل صول الإسلام على يد يزيد بن المهلب والى خراسان للحجاج، وأصبح من خاصّته، حتى إذا ثار يزيد على بنى أمية فى مطالع القرن الثانى الهجرى حارب تحت لوائه حتى قتل معه فى موقعة العقر بالقرب من الكوفة. وكان ابنه محمد من رجال الدولة العباسية ودعاتها، ونشأ له ابنه العباس فى ظلال تلك الدولة، ورزق ولدين: عبد الله وإبراهيم، وكان عبد الله أكبر سنّا من أخيه. وقد ولد إبراهيم سنة ١٧٦ للهجرة، وقيل بل سنة ١٦٧ ويقول مترجموه إن أمه كانت أخت العباس بن الأحنف الشاعر المشهور، وكأنه هو وأخاه تأدّبا عليه فى باكورة حياتهما، كما تأدبا على ابن عمهما عمرو بن مسعدة الكاتب المشهور فى عصر المأمون. ومن المؤكد أن إبراهيم لزم-على عادة لداته-حلقات العلماء والشعراء حتى أصبح يتقن العربية، وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة. وكان أخوه عبد الله سبقه إلى العمل مع ابن عمه عمرو بن مسعدة فى دواوين الفضل بن سهل الملقب بذى الرياستين وزير المأمون، حين كانا لا يزالان فى مرو قبل تحول المأمون
стр. 2047
إلى بغداد. ويبدو أن إبراهيم أراد الالتحاق بأخيه وابن عمه وعملهما، فرحل إليهما، وتصادف حين وصوله أن كان المأمون قد عهد بالخلافة من بعده إلى على بن موسى الرّضا. ويمدح إبراهيم ولى العهد الجديد، ويهبه عشرة آلاف درهم من دراهم كانت ضربت باسمه، ويقال إنه احتفظ بها وجعل منها مهور نسائه، وأبقى بعضها لكفنه فيما بعد وجهازه إلى قبره (١). وألحقه الفضل بن سهل بدواوينه، ومن حينئذ ظلّ يعمل فى الدواوين إلى أن توفى سنة ٢٤٣ وهو على ديوان النفقات والضياع للمتوكل، ويقول صاحب الفهرست: «كان إليه ديوان الرسائل فى مدة جماعة من الخلفاء» (٢).
وقد ترك الدواوين مدة قصيرة لعهد الواثق جرّت عليه بلاء عظيما، ذلك أن ابن الزيات الوزير-وكان صديقا له-ولاّه على معونة الأهواز وخراجها، ثم تنكّر له، فوجّه إليه بمحاسب كبير يسمى أبا الجهم ليكشفه، فتحامل عليه تحاملا شديدا، وقال إن أموالا كثيرة لم تؤدّ إلى بيت الخراج، وغضب ابن الزيات، وأمر بعزله واعتقاله فى ولايته. وكانت محنة كبيرة لإبراهيم لم يبل فيها صديقه ابن الزيات وحده، بل بلا فيها كثيرا من الأصدقاء ومن كانوا يظهرون له المودة، إذ قلبت له منهم جماعة ظهر المجنّ مثل أحمد بن المدبر، الذى كان يوغر صدر ابن الزيات عليه ويحثه على محاسبة عمّاله واستخراج الأموال منهم، مما جعله يزهد فيما بعد فى صحبة الإخوان والرفقاء وكان إذا سئل فى ذلك قال: «ما مثل الإخوان إلا كمثل النار قليلها مقنع وكثيرها محرق أو قليلها متاع وكثيرها بوار». ولعل ذلك ما جعله ينظم أشعارا كثيرة فى الصداقة والصديق، كأنما يريد أن يرسم واجباتها ومسئولياتها. ولم يعدم بعض الإخوان الذين كانوا يشفعون له عند ابن الزيات وهو ماض فى النكاية به، وقد كتب إليه شعرا ونثرا كثيرا يستعطفه، ومن أطرف ما كتب له هذه الرسالة (٣):
«كتبت إليك وقد بلغت المدية المحزّ، وعدت الأيام بك علىّ بعد عدوى بك عليها، وكان أسوأ ظنى وأكثر خوفى أن تسكن فى وقت حركتها،
стр. 2048
وتكفّ عند أذاها، فصرت علىّ أضرّ منها، وكفّ الصديق عن نصرتى وبادر إلىّ العدوّ تقرّبا إليك. وكتب تحت ذلك:
أخ بينى وبين الدّه ... ر صاحب أيّنا غلبا
صديقى ما استقام فإن ... نبا دهر علىّ نبا
وثبت على الزمان به ... فعاد به وقد وثبا
ولو عاد الزمان لنا ... لعاد به أخا حدبا»
والرسالة توضّح شخصيته الأدبية فهو كاتب شاعر، ويقول المسعودى: «كان كاتبا بليغا وشاعرا مجيدا، لا يعلم فيمن تقدم وتأخر من الكتّاب أشعر منه» (١).
ويقول ابن الجرّاح فى كتابه الورقة: «أشعر نظرائه الكتّاب وأرقهم لسانا، وأشعاره قصار ثلاثة أبيات ونحوها إلى العشرة، وهو أنعت الناس للزمان وأهله غير مدافع» (٢) ويقول أبو الفرج الأصبهانى: «كان يقول الشعر ثم يختاره، ويسقط رذله، ثم يسقط الوسط، ثم يسقط ما سبق إليه، فلا يدع من القصيدة إلا اليسير، وربما لم يدع منها إلا بيتا أو بيتين» (٣). وشعره مقطوعات حقّا، ولكنها مقطوعات ترقى إلى مرتبة رفيعة فى البلاغة، مثلها مثل هذه الرسالة القصيرة التى كتب بها لابن الزيات راجيا أن يخلصه من محنته، فكل كلمة فيها قد اختارها ذوق أدبى مصفّى، وكل عبارة قد أحكمت، أحكمتها يد صناع، فالمدية قد بلغت المحز كناية عن بلوغ المحنة الحد الأقصى، والأيام تعدو بابن الزيات عليه بعد أن كان يعدو به عليها، لقد كان ينتصر به عليها، فإذا هى تقهره به، وما أدق قوله له فى رسالة أخرى (٤):
وكنت أعدّك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
فناصره أصبح قاهره. ويتوالى الطباق فى الرسالة، فالسكون يقابل الحركة والكف يقابل المبادرة والصديق يقابل العدو. وظل ابن الزيات لا يعفو عنه، حتى بلغ منه كل مكروه، ثم عرف الواثق تحامله عليه وأنه مظلوم فيما نسبه إليه
стр. 2049
أبو الجهم، فأمر ابن الزيات بردّ حربته إليه وانتظامه فى حاشيته وبلاطه مصونا، فبسط لسانه فى غريمه ونظم فيه أشعارا كثيرة ذامّا هاجيا. وقد يكون ما حدث بينه وبين ابن الزيات هو الذى جعل المتوكل يقرّبه منه منذ أول عهده بالخلافة، فقد كان بدوره ينقم على ابن الزيات أشياء كثيرة، فلم يكد يتقلّد الخلافة حتى صادر أمواله، وعذبه فى تنّور ملئ بمسامير من الحديد حتى مات.
وأصبح إبراهيم بن العباس حظيّا عند المتوكل، فقلّده ديوان رسائله ودواوين مختلفة، وظل حتى وفاته يكتب عن المتوكل كل الكتب التى تصدر عنه، سواء أكانت منشورات أم عهودا لأولياء العهد أم فتوحا أم تهنئات بالأعياد أم تعازى باسم الخليفة، وأحيانا ينصّ الطبرى أن هذا الكتاب أو ذاك من إنشائه، وأحيانا لا ينص. ومن أوائل ما كتب له المنثور الموجّه إلى عمّاله فى الآفاق بشأن النصارى وأهل الذمة وأخذهم بلبس الطّيالسة والزّنانير، مما عرضنا له فى غير هذا الموضع، وهو يستهله على هذه الشاكلة (١):
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإن الله ﵎ بعزّته التى لا تحاول وقدرته على ما يريد، اصطفى الإسلام، فرضيه لنفسه، وأكرم به ملائكته، وبعث به رسله، وأيّد به أولياءه، وكنفه بالبرّ، وحاطه بالنصر، وحرسه من العاهة، وأظهره على الأديان، مبرّأ من الشبهات، معصوما من الآفات، محوّا بمناقب الخير، مخصوصا من الشرائع بأطهرها وأفضلها، ومن الفرائض بأزكاها وأشرفها، ومن الأحكام بأعدلها، ومن الأعمال بأحسنها وأقصدها، وأكرم أهله بما أحلّ لهم من حلاله، وحرّم عليهم من حرامه، وبيّن لهم من شرائعه وأحكامه، وحدّ لهم من حدوده ومناهجه، وأعدّ لهم من سعة جزائه وثوابه، فقال فى كتابه فيما أمر به ونهى عنه، وفيما حضّ عليه فيه ووعظ: ﴿(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)»﴾.
وواضح من هذا الاستهلال للمنشور مدى ما كان يأخذ به إبراهيم بن العباس نفسه من الاحتفال بصناعة الكلام. فهو لا يكتب ما يرد على ذهنه عفوا،
стр. 2050
بل هو يفكر فيما يكتب. ويختار له الألفاظ الجزلة الناصعة محدتا بينها ضروبا من التلاؤم بحيث يبدو كلامه مقطّعا، وإن لم يتخذ شكل تقطيع السجع، وهو بذلك أقرب إلى ذوق أسلوب الازدواج الذى يوازن بين العبارات دون أن يحيلها سجعا وتنميقا خالصين. وكان من أحداث خلافة المتوكل ثورة إسحق بن إسماعيل فى شمالىّ أرمينية وإحراقه لمدينة تفليس سنة ٢٣٨ وقد نازلته جيوش المتوكل، وهزمته هزيمة ساحقة، وأخذ أسيرا، فضربت عنقه وصلبت جثته وحمل رأسه إلى سامرّاء. ولإبراهيم بن العباس رسالة فى هذا الفتح نوّه بها القدماء، وفيها يقول (١):
«قسّم الله عدوّه أقساما ثلاثة: روحا معجّلة إلى عذاب الله، وجثّة منصوبة لأولياء الله، ورأسا منقولا إلى دار خلافة الله، استنزلوه من معقل إلى عقال (أغلال) وبدّلوه آجالا من آمال، وقديما غذّت المعصية أبناءها، فحلبت عليهم من درّها (لبنها) مرضعة، وبسطت لهم من أمانيها مطمعة، وركبت بهم مخاطرها موضعة (مسرعة) حتى إذا وثقوا فأمنوا، وركبوا فاطمأنوا، وانقضى رضاع وآن فطام، سقتهم سمّا، ففجّرت مجارى ألبانها منها دما، وأعقبتهم من حلو غذائها مرّا، ونقلتهم من عز إلى ذل، ومن فرحة إلى ترحة، ومن مسرّة إلى حسرة، قتلا وأسرا، وغلبة وقسرا، وقلّ من أوضع (أسرع) فى الفتنة مرهجا (مثيرا) واقتحم لهبها مؤجّجا، إلا استلحمته (تبعته) آخذة بمخنّقه (بحلقه) وموهنة بالحق كيده حتى جعلته لعاجله جزرا، ولآجله حطبا، وللحق موعظة، وعن الباطل مزجرة، أولئك لهم خزى فى الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر، وما ربك بظلاّم للعبيد».
وبلاغة الصولى التى اشتهر بها واضحة فى هذه الرسالة، فهو يعنى بكلامه محمّلا له معانى غزيرة، ومطرفا فيه بكل ما يستطيع من تقسيم على نحو ما صنع أول هذه الفقرة. وهو يضيف إلى ذلك مقابلة بين المعانى تنتهى إلى الطباق، فقد كان إسحق بن إسماعيل فى معقل فأصبح فى عقال، وكان فى آمال وحياة رغدة فأصبح فى آجال وموت رهيب. ويضيف إلى ذلك الصور، فقد أرضعتهم
стр. 2051
المعصية من لبنها وأطمعتهم باسطة لهم فى الأمانى العذاب، وأسرعت بهم مخاطرها. وكل تلك صور متلاصقة. ثم يسوق عبارة كأنها مثل من الأمثال، إذ يقول. انقضى رضاع وآن فطام. والكناية واضحة. وعاد إلى التصوير، وكأنما يريد أن يرسم لوحة ذات خطوط وظلال وأضواء. ويعود إلى الطباق، فيضع الرضاع مع الفطام والمر مع الحلو والذل مع العز والترحة مع الفرحة والحسرة مع المسرة. ثم يعود ثالثة إلى التصوير، وكأنما الفتنة جحيم يتأجج باللهب، وتعمّ حتى لتأخذ بمخنّق كل شخص، وحتى تجعله فى دنياه جزرا وقطعا من اللحم تنوشها السباع، أما فى الآخرة فتجعله حطبا ووقودا للنار. ويختم الفقرة بآى من القرآن. والطباق اللون البديعى العقلى الذى كان يروع العباسيين يكثر فيها، كما يكثر التصوير، وكأن إبراهيم بن العباس يريد أن يثبت إبداعه باستخدام فنون البديع التى كانت تخلب معاصريه، فهو يبدؤها بالتقسيم، وهو يشيع فيها الجناس كما يشيع الطباق على نحو ما يتضح فى مثل: معقل وعقال وآجال وآمال، وفرحة وترحة وأسرا وقسرا وعاجل وآجل. ومضى يوغل فى الموازنة بين عباراته، وإذا هو لا يكتفى بما قد يحدث فيها من تقطيعات صوتية، إذ يطلب ازديادا فى التلاؤم وفى الجرس، فليس يكفى أن تتقابل العبارات وتتوازن، بل يحسن أن تلتحم نغماتها وإزناناتها، فإذا هو يكثر من السجع وترصيفه. واحتفظت كتب الأدب بتحميده لهذه الرسالة، وهو يمضى فيه على هذا النحو (١):
«الحمد لله معزّ الحق ومديله (ناصره) وقامع الباطل ومزيله، الطالب فلا يفوته من طلب، والغالب فلا يعجزه من غلب، مؤيد خليفته وعبده، وناصر أوليائه وحزبه، الذين أقام بهم دعوته، وأعلى بهم كلمته، وأظهر بهم دينه، وأدال بهم حقّه، وجاهد بهم أعداءه، وأنار بهم سبيله، حمدا يتقبّله ويرضاه، ويوجب أفضل عواقب نصره، وسوابغ نعمائه».
والتحميد يحمل نفس الخصائص المبثوثة فى الرسالة، وفيه اتجاه واضح نحو السجع وأن الكاتب يريد أن يلذّ كلامه الأسماع والآذان، كما يلذّ العقول والأذهان، بملا أماته بين الكلمة والكلمة فى الجرس، وبما يستخدم من طباقات
стр. 2052
وجناسات وتصويرات مختلفة. ولم تصلنا رسالة الخميس التى كتب بها إلى الولايات المختلفة بتولى المتوكل الخلافة، ولكن وصلنا التحميد الذى وضعه فى صدرها على هذا النحو (١):
«أما بعد فالحمد لله الذى جلّت نعمه، وتظاهرت مننه، وتتابعت أياديه، وعمّ إحسانه، إله كل شئ وخالقه، وبارئه ومصوّره، والكائن قبله، والباقى بعده، كما قال فى كتابه: ﴿(كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)﴾ العالى فى مشيئته والقاهر فوق عباده المتعالى عن شبه خلقه: ﴿(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)﴾ خلق العباد بقدرته، وهداهم برحمته، وأوضح لهم السبيل إلى معرفته، بما نصب لهم من دلائله، وأراهم من عبره، وصرّفهم فيه من صنعه، كما قال ﷻ : ﴿(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ)﴾. وذلك كله من خلقه إياهم بتمثيله ما مثّل لهم من الدلائل التى نصبها لهم والأعلام التى جعلها إزاء قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، ويسرّ لهم خواطرهم وفكرهم، والهيئة التى هيّأها لهم، ليقع الأمر والنّهى عليهم، فلا يكلفهم فوق طاقتهم، ولا يجشمهم ما يقصر عنه وسعهم، نظرا منه ﵎ إليهم، ورحمة بهم، ليؤمنوا به ويعبدوه، فيستحقّوا به رحمته ورضوانه والخلود فى النعيم المقيم والظلّ المديد والعيش الدائم، كما قال تعالى ذكره: ﴿(إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ)﴾. وكان من نظره ورأفته بهم أن بعث فيهم أنبياءه ورسله، يدعونهم إلى طاعته، ويبينون لهم هداه، ويوضّحون لهم سبيله، ويهدونهم إلى رحمته، ويعدونهم ثوابه، وينذرونهم عقابه، ويبسطون لهم توبته، ويحذّرونهم سخطه، ويبينون لهم سننه وشرائعه، ويكشنون لهم مواعظه، ويعلّمونهم كتابه وحكمته، كما قال ﵎:
﴿(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ)﴾ وكان من رأفته بهم ونظره لهم أن بعثهم إليهم بالحجج الظاهرة، والأعلام البيّنة، والشواهد الناطقة التى أظهر بها صدقهم، وأقام بها
стр. 2053
برهانهم، وأوضح بها دليلهم، وأثابهم عمل سواهم ليكون أدعى لهم إلى تصديقهم والقبول عنهم، وأوكد للحجة على من أبى ذلك منهم».
والتحميد يدور على موضوعين أساسيين هما: نعم الله وآلاؤه على الناس إذ بسط لهم الأسباب فى الهدى والرشاد، ونعمه أيضا وآلاؤه إذ أرسل لهم الرسل مبشرين ومنذرين. ونراه فى مستهل تحميده يشير إلى تنزيه الله عن شبه خلقه، وهو أصل من الأصول الأساسية عند المعتزلة، فهو منزه عن التحيز فى جوهر وعرض، لا يدركه حسّ ولا يحيط به خيال، منزه عن كل شبه بالآدميين فى خلقهم وصفاتهم. وليس من الضرورى أن يكون من المعتزلة، فيكفى أن يكون على صلة بمباحثهم، وهو ما نريد إثباته، فالتحميد كله كأنما كتبه اعتزالى كبير إذ كانوا يتكلمون كثيرا عن تنزيه الله فى صفاته وذاته وإبداعه للكون وللإنسان بما يشهد بعظمته وقدرته. وكانوا يستمدون ذلك كله من القرآن وما دعا إليه من التأمل فى النظام الكونى وما بثّ الله فيه من آيات تدل على وحدانيته وقدرته الباهرة. ويصوّر القرآن كما فى آيات خلق الإنسان التى اقتبسها الصولى كيف أنشأ الله الخلق إنشاء بديعا وكيف أودع فيهم من ملكات السمع والبصر والأفئدة ما يحقق لهم جميع حاجاتهم وكمالاتهم، وإنه لحرى بهم أن يستغلوا هذه الملكات ليستقر فى نفوسهم الإيمان بالكائن الأعلى. ويبثّ الصولى هذه الفكرة فى الشطر الأول من تحميده.
ويخرج منها إلى الفكرة التى طالما كررها المعتزلة فكرة أنه كان من رحمة الله بالناس أن أرسل إليهم الرسل ليهدوهم إلى طريق الحق والخير، إذ لم يخلقهم عبثا ولا دون غاية سامية، فقد خلقهم ليتّبعوا هداه، وليقع الأمر والنهى عليهم، فكان لا بد لهم من رسل يوضحون لهم سبل الهدى، حتى يعرفوا العمل الصالح وما ينتظرهم فى الآخرة من ثواب وعقاب، مبينين لهم السنن والشرائع التى تكفل لهم السعادة فى الدارين، وكيف أن من يجور عن الطريق يحق عليه العذاب إلا من تاب وأناب فإن الله غفور رحيم. وقد صاغ إبراهيم بن العباس هذه المعانى فى ألفاظه جزلة رصينة، يجرى فيها التقطيع الصوتى الذى ذكرناه آنفا، وإن لم يبلغ مداه فى الرسالة السابقة، إذ لم يتحول به إلى إرنانات السجع التى شاعت فيها، وكأنما كان مشغولا هنا عن السجع بالمعانى التى أثارها فى تحميده والتى جعلته يتمثل ببعض
стр. 2054
آى الذكر الحكيم. وبالمثل كان مشغولا عن الجناسات والطباقات والصور إلا ما جاء فى النادر وعفو الخاطر. ومن تحميداته فى أحد الفتوح (١):
«الحمد لله الغالب ذى القدرة، والقاهر ذى العزّة، الذى لم يقابل بالحق باطلا فى موطن من مواطن التحاكم بين عباده إلا جعل أولياء الحق منهم حزبه وجنده، وجعل الباطل بهم فلاّ (هزيما) منكوبا، ودحيضا (باطلا) زهوقا إن نهض به أولياؤه كانت مراصد عواقبه مفرّقة ما جمع، ومبتّرة (مستأصلة) ما أعدّ، وقائدة بأشياعه إلى مصرع الظالمين، حتى يكون الحق الطالب الأعزّ والباطل المطلوب الأذلّ، وأولياء الحق الأعلين يدا وأيدا (قوة) وأشياع الضلال الأخسرين أعمالا وكيدا، قضاء الله وسنته، وعادة الله وإرادته، فى الفئة المنصورة أن تعزّ فلا ترام، وأن يمكّن لها فى الأرض كما مكّن للذين من قبلها، وفى الفئة الناكبة عنه أن تذلّ، فتكون كلمتها السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم».
ونحسّ قدرته على اصطفاء الكلمات فى هذا التحميد، ولا نصل إلى قوله:
«وجعل الباطل بهم فلاّ منكوبا ودحيضا زهوقا»، حتى يتجسّد لنا هذا الاصطفاء وأن الكاتب يعنى بالموازنة الدقيقة بين العبارات. ويتضح لنا ذلك أكثر حين نصل إلى قوله: «يكون الحقّ الطالب الأعزّ، والباطل المطلوب الأذلّ، وأولياء الحق الأعلين يدا وأيدا، وأشياع الضلال الأخسرين أعمالا وكيدا» وكأن العبارات توضع فى صفوف لا فى سطور، لتأخذ كل كلمة بيد أختها، وكأننا فى مرقص للكلمات تتشابك فيه أيديها، فكل كلمة توشك أن تمسك بيد أختها فى العبارة التالية لعبارتها. فكلمة الحق تتلاقى مع كلمة الباطل، وتتلاقى كلمة الطالب مع كلمة المطلوب وكلمة الأعز مع كلمة الأذل. وبالمثل تتلاقى فى العبارتين التاليتين كلمة الحق وكلمة الضلال وكلمة الأعلين يدا وكلمة الأخسرين أعمالا.
فالكلمات فى العبارات تتجاذب تجاذبا شديدا، فى الصوت والجرس والأداء وفى المعانى المتقابلة المتناقضة، فقد عمّ فيها الطباق وكأنما أحدث بكثرته بينها نوعا من صلة القربى ووشائج الرحم. وانظر كيف وضع إبراهيم بن العباس كلمة «يدا»
стр. 2055
بجانب كلمة «أيدا» طلبا للتلاؤم فى الجرس الذى قد يخفى أحيانا، وأحيانا يتضح وضوح الشمس فى كبد السماء. وفى ذلك ما يدل بوضوح على مدى إحكامه لصنعة الكتابة وقدرته على اختيار اللفظ وانتخابه بحيث يروق اللسان والجنان. وينهى الرسالة باقتباس من القرآن الكريم، ويكثر عنده اصطناعه لبعض ألفاظه المونقة كقوله فى هذا التحميد: «الأخسرين أعمالا». ودائما نحس عنده القدرة على استخدام العبارة المطنبة والأخرى المجملة الموجزة، حتى لكأنما يصوغ أمثالا كما أشرنا إلى ذلك آنفا. ومن خير ما يصوّر ذلك عنده رسالة كتب بها لسنة ٢٤٠ عن المتوكل إلى أهل حمص حين ثاروا على عامل المعونة وقتلوا جماعة من أصحابه وأخرجوا صاحب الخراج من مدينتهم، والرسالة تمضى على هذا النمط (١):
«أما بعد فإن أمير المؤمنين يرى من حق الله عليه، مما قوّم به من أود (عوج) وعدّل به من زيغ، ولمّ به من منتشر، استعمال ثلاث، يقدّم بعضهن على بعض، أولاهنّ ما يتقدّم به من تنبيه وتوقيف، ثم ما يستظهر به من تحذير وتخويف، ثم التى لا يقع حسم الداء بغيرها:
أناة فإن لم تغن عقّب بعدها ... وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه»
وقرأ إبراهيم بن العباس الرسالة على المتوكل فملأت نفسه إعجابا، وأومأ إلى وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان-وكان حاضرا-أما تسمع؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن إبراهيم فضيلة خبأها الله لك، وذخيرة ذخرها على دولتك. ويقال إن البيت فى هذه الرسالة أول شعر نفذ فى كتاب عن الخلفاء العباسيين. والمتوكل إنما أعجب بالرسالة لأن إبراهيم أدّى الغرض الذى كانت تكتب فيه الرسائل الطويلة بأوجز عبارة دون أى تقصير ودون أى إخلال، بل مع الوفاء به إلى أبعد حد.
وكأننا لا نقرأ صيغا متعاقبة فى رسالة، وإنما نقرأ حكما وأمثالا، لدنة المعانى ودقة أدائها وصياغتها، وقد أجرى فيها ضروبا من النقطيعات الصوتية، وإن لم تأخذ الصورة النهائية على نحو ما يتضح فى أوائلها، ولم يلبث أن أضاف فيها سجعة طريفة، كما أضاف صورة بديعة إذ عبّر عن الحرب بحسم الداء. والكتاب بحق
стр. 2056
يصور مرانا طويلا على استخدام الكلام ووضعه فى مواضعه، بل قل إنه يصوّر خبرة طويلة امتدت عشرات السنين. ومن طراز هذه الرسالة رسالة أكثر منها قصرا كتب بها فى شفاعة إلى أحد أصدقائه يزكّى رجلا يستحق العناية به (١):
«فلان ممن يزكو (ينمو) شكره، ويحسن ذكره، ويعنينى أمره، والصنيعة عنده واقعة موقعها، وسالكة طريقها:
وأفضل ما يأتيه ذو الدّين والحجى ... إصابة شكر لم يضع معه أجر»
والرسالة موجزة ولكنها تؤدّى الغرض منها أداء واضحا، وقد استخدم فيها إبراهيم بن العباس السجع، وبلغ من شدة تدقيقه فى المعنى أن أخرج البيت الذى ضمّنه الرسالة مخرج الأمثال. وكان كتّاب الرسائل يكتبون فى عيدى الفطر والأضحى رسائل إلى الرعية يبشرونهم فيها بسلامة الخلفاء، وقد يوجهونها إلى حكام الولايات ليحمدوا الله على سلامة الخليفة ويذكّروهم واجبهم، من ذلك قوله فى رسالة (٢):
«أما بعد فإن لكل فرع أصلا، عنه مورده ومستنبطه، وإليه مرجعه وموئله، ومتى رجع من أصول الأمور إلى تأثلها (تأصّلها) وتمكّنها، رجع من فروعها إلى استتبابها واستقامتها. وأفضل ما تدبّره أمور دين الله وخلافته، وحقوق الله وعباده. فكان الأصل وزكاؤه (نماؤه) ما جمع بإذن الله سكون الدّهماء (العامة) وصلاح البيضة (الولاية) وأمن السّرب (الجماعة) وتظاهر النّعم فيما قرب وبعد، ودنا ونأى. . . فافعل ذاك معانا على أمرك».
والترادف والازدواج واضحان فى السطور الأولى من الرسالة، فمورده يليها مستنبطه بنفس المعنى، وبالمثل مرجعه تليها موئله، وتأثلها يليها تمكنها، واستتبابها يليها استقامتها. وفى ذلك حرص واضح على إرضاء الأذن، وفى كلامه عن الأصول والفروع ما قد يشير إلى أنه كان مثقفا ثقافة فقهية، وقد جمع الأصول الدالة على حسن الحكم وتدبيره فى أربعة: سكون الناس دون إحداث أى فتن أو ثغرات مما يدل على رضاهم عن حاكمهم، وصلاح الولاية فى شئونها السياسية والاقتصادية
стр. 2057
والإدارية، وأمن الناس على نفوسهم، وظهور النعم عليهم وأنهم لا يعانون البؤس والضنك فى الحياة. ويكتب باسم المتوكل وأبنائه تعزيات مختلفة، من ذلك تعزية باسمه إلى طاهر بن عبد الله واليه على خراسان، وفيها يقول (١):
«أما بعد فإن أحقّ من أرضى الله فى نعمته بشكره وفى مصائبه بالتسليم له، من فهم ما فى شكر النعم من استدعاء تمامها، وما فى التذلل للمقادير من استحقاق رضوانه، وقد جعل الله محلّك من الحالتين جميعا محل المتقدم بنيّته ومعرفته. والله يمتع أمير المؤمنين فيك بصالح قسمه فيمن مضى، والجارى على من بقى ويبقى، حتى يؤدّى الفناء الذى لا بقاء معه إلى البقاء الذى لا فناء بعده. وأمير المؤمنين يعظك بالله، وهو أحق من وعظ به، ويرشدك من إيثار الله لما ندبك له منه. . . فقدّم حق الله عليك بطاعتك له فيما أمرك به، واتّق الله فى مواقع أقداره بك، تقتض بذلك من ثواب الله أفضل عوض الصالحين».
والرسالة تحمل طائفة من دقائق المعانى، فواجب الإنسان إزاء ربه شكره على نعمه واستسلامه لما ينزل به قضاؤه فإنه بذلك يستحق رضوانه. والله يمتع أمير المؤمنين به حتى يطوف به طائف الفناء الذى لا بقاء معه، والذى ينتقل به إلى البقاء الذى لا فناء بعده. ويقول له: قدّم حق الله عليك بالطاعة له والرضا بقدره، وبذلك تستحق ثوابه، هو خير عوض للراضين المقرّبين. وفى كتب الأدب قطع مختارة لإبراهيم ابن العباس تزخر بالسجع، ويبدو أنه كان يستخدمه أحيانا فى جوانب من رسائله مسهبا فيه، على نحو ما نرى فى القطعة التالية التى احتفظ بها ياقوت فى معجم الأدباء إذ يقول: (٢)
«ووجد أعداء الله زخرف باطلهم، وتمويه كذبهم سرابا بقيعة ﴿(يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً)﴾ وكوميض برق عرض فأسرع، ولمع فأطمع، حتى إذا انحسرت (انكشفت) مغاربه، وتشعّبت مولّية مذاهبه، وأيقن راجيه وطالبه، أن لا ملاذ ولا وزر، ولا مورد ولا صدر (صدور) ولا من الحرب مفرّ، هنالك ظهرت عواقب الحق منجية، وخواتم الباطل مردية،
стр. 2058
سنّة الله فيما أزاله وأداله (هزمه) ﴿(وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)﴾ ولا عن قضائه تحويلا».
والقطعة سجع خالص، وتحمل اقتباسات من آى القرآن، وكلماتها منتخبة انتخبها ذوق مرهف، وتجرى فيها الخصائص التى ذكرنا لإبراهيم بن العباس، ففيها الازدواج والتكرار فى مثل: «زخرف باطلهم وتمويه كذبهم»، ومثل «أزاله وأداله»، وفى الكلمة الأخيرة جناس ناقص. وتلقانا بعض طباقات مثل: «ولا مورد ولا صدر» ومثل «عواقب الحق وخواتم الباطل» ونعثر على بعض صور مثل زخرف الباطل وتمويه الكذب ومثل تشبيه زخرف الباطل بالسراب. وكأنه كان فى نثره مثل شعره وما وصفه به أبو الفرج، كما مر بنا، يكتب ثم يختار، وما يزال يصلح ويسقط حتى تخرج الرسالة نخبة من الصياغات الأدبية الطريفة. وله توقيعات بديعة تدور فى الكتب الأدبية، فمن ذلك أن بعض الكتاب كتب إليه يذم شخصا ويمدح آخر، فوقّع فى الرسالة (١):
«إذا كان للمحسن من الجزاء ما يقنعه، وللمسئ من النكال ما يقمعه، بذل المحسن الواجب على رغبة، وانقاد المسئ للحق رهبة».
والسجع واضح فى التوقيع، ولكن المهم طرافة التقسيم. ويقول المسعودى:
«ولإبراهيم بن العباس مكاتبات قد دونت، وفصول حسان من كلامه قد جمعت».
ويروى عنه أنه كان يقول: «مثل أصحاب السلطان مثل قوم علوا جبلا ثم وقعوا منه، فكان أقربهم إلى التلف أبعدهم فى الارتقاء» (٢). ويذكر ياقوت له ديوان شعر وديوان رسائل، وفى الحق أنه كان كاتبا بليغا بلاغة رائعة.
стр. 2059
٢ - الجاحظ (١)
اشتهر بلقبه الدال على نتوء حدقتيه وجحوظهما، واسمه أبو عثمان عمرو بن بحر. وقيل إنه من كنانة، وقيل بل هو كنانى ولاء وإن جدّه فزارة كان عبدا أسود جمّالا لعمرو بن قلع الكنانى. واختلف فى السنة التى ولد فيها، على حين اتفق الرواة على أنه توفى سنة ٢٥٥ للهجرة، والمظنون أنه ولد فى العقد السادس من القرن الثانى للهجرة، وكأنه عاش ما يقرب من مائة سنة، ويروى عنه أنه قال فى أواخر حياته يشكو من الفالج (الشلل) والنقرس (الروماتزم):
«أنا فى هذه العلل المتناقضة التى يتخوّف من بعضها التلف، وأعظمها ست وتسعون سنة» (٢). وليس بين أيدينا شئ واضح عن نشأته إلا أنه نشأ بالبصرة مسقط رأسه، وفى مطالع الجزء الثانى من كتابه «الحيوان» ما يشير إلى أنه كان يختلف إلى بعض الكتاتيب مع لداته من الصّبية، وكانوا يتعلمون فيها القراءة وشيئا من النحو والفقه والحساب، ويحفظون بعض القرآن وبعض الأشعار، حتى إذا شبّ عن الطوق مضى إلى المساجد يستمع إلى محاضرات العلماء فيها، وكانوا يحاضرون فى كل فن، وكانت أشبه بجامعات مفتوحة الأبواب لكل من أراد الدرس. وقد أخذ يلتهم كل ما يسمعه فيها من فقه وعلوم شريعة ومن نحو وعلوم لغة ومن مناقشات ومحاورات بين المتكلمين من كل الفرق. وكان يختلف إلى المربد يأخذ عن فصحاء العرب اللغة وبعض ما ينشدونه من الأشعار، وكان المربد سوقا تجارية وأدبية كبيرة منذ
стр. 2060
العصر الأموى. وفى أخباره أنه كان يبيع الخبز والسمك بسيحان (١) أحد نهيرات البصرة، وقد يشير ذلك إلى أن نشأته كانت بسيطة، وأنه كان فى حاجة إلى أن يكتسب معاشه. ويروى أن أمه ضاقت بانهماكه فى الدرس والقراءة، فطلب منها يوما طعاما، فجاءته بطبق ملئ بكراريس أودعها البيت، وقالت له:
ليس عندى من طعام سوى هذه الكراريس، تريد أن تنبهه إلى التكسب. فذهب إلى الجامع مغتمّا، ولقيه مويس بن عمران أحد رفاقه الأثرياء فى الدرس، فسأله ما شأنك؟ فحدّثه بحديث أمه، فأخذه إلى منزله وأعطاه خمسين دينارا، فأخذها فرحا، ودخل السوق، واشترى الدقيق وحمله الحمّالون إلى داره، وسألته أمه من أين لك هذا؟ فقال لها من الكراريس التى قدّمتها إلىّ (٢).
وكأن مويس بن عمران كان رمزا مبكرا لما سيصيبه من أموال وعطايا من الخلفاء والوزراء.
ولم تقف ساحات تثقفه عند المسجد والمربد وما كان يأخذه عن جلّة العلماء أمثال الأصمعى وأبى زيد والأخفش وأبى عبيدة أصحاب اللغة والأخبار ولا عند أبى الهذيل العلاف وبشر بن المعتمر وثمامة بن أشرس والنظّام من المعتزلة، ولا عند كبار الفقهاء والمحدّثين فى عصره، بل امتدت إلى كل فروع الثقافة، عن طريق المكتبات، وكان الكتاب بمجرد أن يؤلّف أو يترجم فى البصرة أو فى بغداد تتكاثر نسخه فى أيدى الورّاقين أصحاب المكتبات ودكاكين الكتب. ومعروف أن البصرة كانت دار الترجمة قبل نشوء بغداد وفيها ترجم ابن المقفع كليلة ودمنة وكتب الآداب الفارسية ومنطق أرسططاليس، وبهذه الثقافة العلمية التى حققتها لنفسها مبكرة استطاعت أن تضع علم النحو وقوانينه النهائية، كما استطاعت أن تظفر بالمعتزلة أصحاب الفكر الحر فى الدراسات الدينية، وصلة المعتزلة بالفلسفة مقرّرة معروفة، ولذلك يكون من الخطأ أن يزعم زاعم أن الجاحظ لم يقرأ الترجمات اليونانية إلا فى بغداد (٣) بعد أن تجاوز الأربعين من عمره، حين دخلها وأقام فيها لعهد المأمون، فقد كانت تحت بصره فى دكاكين
стр. 2061
الوراقين، ولم يكن يكتفى بقراءة كتاب أو كتب فى اليوم الواحد، إذ يذكر صاحب الفهرست أنه كان يكترى دكاكين الورّاقين ويبيت فيها للقراءة والنظر (١). ويقول أبو هفّان: «لم أر قط ولا سمعت من أحبّ الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان» (٢). وكان أشبه بآلة مصورة فليس هناك شئ يقرؤه إلا ويرتسم فى ذهنه، ويظل فى ذاكرته آمادا متطاولة. ومن أكبر الدلالة على شغفه بالقراءة والكتب المقدّمة الطويلة التى وضعها بين يدى كتابه الحيوان، وهى نحو مائة صفحة فى تمجيد الكتب، وقد ضمنها فهرست كتبه الكثيرة التى صنّفها قبل الحيوان.
وكان من أهم ما شغف به الاعتزال، وقد مضى يلزم أساتذته فى عصره، ويستوعب كل ما كان عندهم، بادئا بأبى الهذيل العلاّف، وكلما اشتهر معتزلى لزم حلقته، وكان من أهم من لزمهم النظام (٣)، وكان لا يبارى فى المناظرة وإفحام الخصوم بالبراهين والأدلة القاطعة، فتلقّن ذلك عنه، وسنراه يطبقه فى كل جانب من جوانب كتاباته الكثيرة، وفيه يقول: «لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوام من جميع النّحل، وأقول لولا أصحاب إبراهيم، وإبراهيم (النظام) لهلكت العوام من المعتزلة فإنى أقول إنه قد أنهج لهم سبلا وفتق لهم أمورا واختصر لهم أبوابا ظهرت فيها المنفعة وشملتهم بها النعمة» (٤) وكان النظام يمزج بقوة بين الاعتزال والفلسفة، وكأنه هو الذى دفع الجاحظ دفعا للتزود من جداولها بكل ما استطاع. ويبدو أنه هو الذى غرس فى نفسه فكرة الثقافة الموسوعية فإن ما رواه عنه فى كتابه «الحيوان» يدل على أنه كان مستوعبا لكل الثقافات فى عصره من فارسية وهندية وعربية وإسلامية. وهداه طول تفكيره فى آراء أستاذه الاعتزالية وغيره من المعتزلة إلى أن يعتنق مجموعة من الآراء كوّنت له فرقة سميت بالجاحظية نسبة إليه، ويعرض الخياط المعتزلى فى كتابه الانتصار طائفة من هذه الآراء، ويشيد بكتابه فضيلة المعتزلة طويلا (٥). ولا نعرف متى بدأ الجاحظ كتاباته
стр. 2062
ويبدو أنه كان يلقى كثيرا من الإهمال فى أول أمره، حتى كان يضطر حين يؤلف كتابا أو رسالة أن ينسب عمله إلى بعض الكتاب القدماء النابهين أمثال ابن المقفع أو الخليل أو العتّابىّ أو سلم صاحب بيت الحكمة، حينئذ كان الكتاب يروج، ويأتى الناس لروايته (١) عنه. وكان زملاؤه وأساتذته من المعتزلة يعرفون فضله، وفى مقدمتهم بشر بن المعتمر وثمامة بن أشرس، حتى إذا شغل المأمون بعقيدة الإمامة ومستحقيها من العباسيين أو الشيعة بعد رجوعه من مرو إلى بغداد أشار عليه ثمامة بأن يطلب إلى الجاحظ الكتابة فى هذا الموضوع، وكتب الجاحظ وأعجب المأمون إعجابا لا حدّ له بما كتب (٢)، وكان ذلك فاتحة عهد جديد للجاحظ، لا لأنه تحول من البصرة إلى بغداد، ولكن لأنه أصبح كاتبا رسميّا للدولة، ونظن ظنّا أنه أصبح له راتب منذ هذا التاريخ، ويقال إن المأمون حاول أن يقلده ديوان الرسائل، ولكنه لم يستطع المقام به سوى ثلاثة أيام (٣)، عاد بعدها إلى صناعته من التأليف والكتابة الأدبية، مكتفيا-فيما يبدو-براتبه، وربما كان قبحه الذى عرف به هو السبب الحقيقى فى أنه وجد وظيفة ديوان الرسائل لا تلائمه. وفى بغداد طاب له المقام وأخذ يتعرف على بيئاتها الأدبية والعلمية فى النوادى والمساجد وحلقات الدرس والمناظرة. وتتحول الخلافة إلى سامرّاء فى عهد المعتصم، ويتحوّل معها الجاحظ، ويتخذ سامرّاء دار مقام له وتتوثق الصلة بينه وبين وزير المعتصم ابن الزيات الكاتب الشاعر المشهور، وفيها يتعرّف على كثير من الأدباء، وخاصة أصحاب الفكاهات والنوادر من أمثال أبى العيناء والجمّاز وغيرهما من المضحكين ندماء الخلفاء، وجعلته صلته بابن الزيات يقف فى صفه ضد خصمه أحمد بن أبى دؤاد قاضى القضاة، ولا يلبث المعتصم أن يتوفّى ويتبعه ابنه الواثق وتصير الخلافة إلى المتوكل، وكان يضطغن على ابن الزيات أمورا كثيرة مما جعله يقبض عليه ويعذّبه فى تنّور محمىّ بالنار حتى يموت. ويقرّب المتوكل فى هذه الأثناء ابن أبى دؤاد، ويرسل فى طلب الجاحظ، ويأتونه به مقيّدا، ويأخذ فى تعنيفه، ويقول له الجاحظ:
стр. 2063
«خفّض عليك-أيّدك الله-فو الله لأن يكون لك الأمر علىّ خير من أن يكون لى عليك، ولأن أسئ وتحسن أحسن من أن أحسن فتسئ، وأن تعفو عنى فى حال قدرتك أجمل من الانتقام منى». وعفا عنه ابن أبى دؤاد (١). ولا نلبث أن نرى الفتح بن خاقان وزير المتوكل شغوفا به وبمجالسته ونراه يكتب إليه بأمر من المتوكل أن يصنف رسالة فى الرد على النصارى (٢)، ويغلب أن يكون هذا التكليف فى سنة ٢٣٥، وهى السنة التى أخذ فيها المتوكل النصارى وأهل الذمة بلبس الطيالس كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. وكأن مهمته كاتبا رسميّا للدولة ظلت قائمة منذ مطالع القرن الثالث الهجرى حتى هذا العام. ولا بد أن الدولة كانت تكفيه عيشه كما كانت تكفى كثيرين من العلماء والشعراء، وكان حين يهدى الوزراء والقوّاد وكبار الكتّاب بعض كتبه يهدونه بعض أموالهم، فقد أهداه ابن الزيات خمسة آلاف دينار على كتابه الحيوان حين قدّمه إليه، وبالمثل صنع ابن أبى دؤاد حين أهدى إليه كتاب البيان والتبيين وإبراهيم بن العباس الصولى حين أهدى إليه كتاب الزرع والنخيل. وكان قليل من المال يسدّ حاجته، إذ لم يتزوج ولم يرزق الأولاد، إنما هو وجاريتان، وهذا كل ما هناك. ويظهر أن مرض الفالج (الشلل) ألمّ به مبكرا ولكنه لم يقعده عن الحركة ولا عن الكتابة، فقد ألّف كتاب الحيوان الذى قدّمه لابن الزيات المتوفى سنة ٢٣٣ للهجرة وهو مفلوج (٣)، وبالمثل البيان والتبيين والزرع والنخيل وكثير من رسائله الأدبية. وأصابه النقرس وطال به العمر، وإذا صح أنه صحب الفتح بن خاقان فى زيارته لدمشق سنة ٢٤٣ فإنه يكون قد ظل محتفظا بقواه على الأقل حتى هذا التاريخ. وحين اشتد به المرض عاد إلى البصرة وأمضى بها بقية حياته. ويقول المبرد: «دخلت على الجاحظ فى آخر أيامه. فقلت له:
كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حزّ بالمناشير ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه». ووجّه إليه المتوكل فى سنة ٢٤٧ شخصا يحمله إليه، فقال: «وما يصنع أمير المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذى شقّ مائل، ولعاب سائل، وعقل حائل (٤)؟ ! ».
стр. 2064
ويعدّ الجاحظ أكبر كاتب ظهر فى العصر العباسى، وهو فى الحق الثمرة الناضجة لكل الجهود العقلية الخصبة التى نهض بها المعتزلة، سواء من حيث وضوح المنطق أو من حيث قوة الاستدلال أو من حيث القدرة على التوليد للمعانى، وكأنه يستمد من مخازن عقلية لا تنفد، ولاحظ ذلك ابن المعتز وغيره من القدماء عنده، فقالوا إنه يستخدم المذهب الكلامى فى كتاباته (١)، ويريدون به قوة الحجة المنطقية والقدرة على التسبيب والتعليل، وكأنما يأخذ من نهر لا ينضب، نهر لا يزال يجلب منه الحجة ونقيضها، تسعفه فى ذلك قدرة على الجدل والحوار لا تتوقف عند حد، ومن أجل ذلك قال ابن العميد عنه عبارته المأثورة: «إن كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا» بما يستنبطه من خفيات المعانى وما يثيره من دقائق الفكر فى الروح والجسم والحواس والخير والشر والجوهر والعرض، بل أيضا من خفايا المجتمع الذى عاشه وظواهره وما فيه من أخلاق وغير أخلاق مما يتصل بطبقاته الشعبية من لصوص ومكدين ورقيق وغير رقيق وقيان وغير قيان وما يتصل بطبقاته الوسطى من تجار وموظفين فى الدواوين وعلماء وشعراء وما يتصل بطبقاته العليا الحاكمة وغير الحاكمة من خلفاء ووزراء ورؤساء دواوين وقضاة وقواد وما يتصل بأهل الذمة من المجوس والنصارى واليهود، وما يتصل بالحيوان وبالنبات وبالعرب والعجم وفضائل الشعوب، وكأنك تدور فى كتاباته بمتحف لا تزال تفجؤك فيه الطرف والصور. وتارة يعرض عليك مسألة كلامية معقدة، وتارة يعرض حادثة من حوادث الحياة اليومية فى البصرة أو فى بغداد أو فى سامراء، ومرة يطوف بك فى ردهات الفكر العميق أو فى بعض آى القرآن، ومرة يطوف بك فى شارعات المدن السابقة وأزقتها وحوانيتها الصغيرة والكبيرة ودور النخاسة ومن فيها من الجوارى، وهو فى هذا كله لا تفوته قسمة وجه ولا إشارة يد ولا دخيلة نفس.
وبجانب هذا الفكر المنطق فى البحث وفى الوصف وفى الرواية الذى ينقل لك الواقع بكل شياته وسماته، وكأنك بإزاء أشرطة سينمائية تعرض عليك كل ما فى مدن العراق الكبيرة من صور الحياة فى أشدها ترفا ونعيما وأشدها بؤسا وضنكا، حتى لكأنما كتبه دائرة معارف لكل ما كان هناك من أزياء وعادات ومستوى معيشة وأخلاق. ويبلغ من نقله لواقع مجتمعه أنه كان لا يتحرج من ذكر أى شئ حتى
стр. 2065
العورات أحيانا، ويعلن ذلك فى صراحة صريحة دون أى مواربة إذ يقول:
«وبعض الناس إذا انتهى إلى ذكر (العورات) ارتدع وأظهر التقزز واستعمل باب التورع، وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من العفاف والكرم والنبل والوقار إلا بقدر هذا الشكل من التصنع، ولم يكشف قط صاحب رياء ونفاق إلا عن لؤم مستفحل ونذالة متمكنة. (١)»
وبجانب ذلك لا يزال الجاحظ يحاول إطرافك بالنوادر المضحكة، وكان القدماء يلاحظون ذلك بوضوح، حتى ليقول المسعودى: «كتب الجاحظ مع انحرافه المشهور (يريد خصومته للشيعة، وكان المسعودى متشيعا) تجلو صدأ الأذهان وتكشف واضح البرهان، لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جدّ إلى هزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة» (٢) ويصوّر ذلك الجاحظ نفسه فيقول: «وليس ينبغى لكتب الآداب والرياضات أن يحمل أصحابها على الجد الصّرف وعلى العقل المحض وعلى الحق المرّ وعلى المعانى الصعبة التى تستكدّ النفوس وتستفرغ المجهود، وللصبر غاية وللاحتمال نهاية، ولا بأس أن يكون الكتاب موشّحا ببعض الهزل» (٣). وخصّ الهزل والنوادر بكتابه المشهور «البخلاء» وهو مجموعة كبيرة من الأقاصيص الفكهة عن الأشحاء البخلاء فى عصره. وبنى رسالة له فى هجاء أحد الكتاب المسمى بأحمد بن عبد الوهاب، وهى رسالة التربيع والتدوير، على الضحك به والتندر عليه إذ كان قصيرا مليئا، فجعل يصفه فى رسالته وصفا مضحكا، ثم حوّله إلى دراسة واسعة فى الجمال، وهل يكون فى القصر أو يكون فى الطول أو يكون فى النحافة أو يكون فى الامتلاء أو يكون فى التربيع والتدوير، وهى تمتد إلى عشرات الصفحات وتمتلئ بالدعابة تارة وبالسخرية تارة أخرى، وفيها يقول مدافعا عن المزاح: «ولو استعمل الناس الرصانة فى كل حال والجد فى كل مقال. . . لكان السفه الصّراح خيرا لهم، والباطل محضا أردّ عليهم. . . ولكن لكل شئ قدر ولكل حال شكل، فالضحك فى موضعه كالبكاء فى موضعه» (٤).
стр. 2066
وجرّت رغبة الجاحظ فى أن يتخلّل كتاباته بالنوادر وما يطرف القارئ رغبة مماثلة فى أن يورد فى تضاعيف كتاباته بعض آى القرآن وبعض الآثار والأخبار وبعض الأشعار والحكم، مما أشاع فى رسائله وكتبه كثرة الاستطراد، وكان يقصد إليه قصدا ويتخذه مذهبا فى كتابته، حتى لا يملّ القارئ، وحتى يظل له نشاطه وإقباله على ما يكتبه، وهو يعلن ذلك مرارا فى كتبه، كقوله فى كتاب الحيوان: «قد عزمت-والله الموفّق-أنى أوشّح هذا الكتاب وأفصّل أبوابه بنوادر من ضروب الشعر وضروب الأحاديث ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب ومن شكل إلى شكل فإنى رأيت الأسماع تملّ الأصوات المطربة والأغانى الحسنة والأوتار الفصيحة إذا طال ذلك عليها، وما ذلك إلا فى طريق الراحة التى إذا طالت أو رثت الغفلة» (١). ويقول فى موضع آخر: «ومتى خرج (القارئ) من آى القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر إلى نوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية ومقاييس سداد. . . حتى يفضى إلى مزح ونكاهة، وإلى سخف وخزافة» (٢).
ودائما يعنى الجاحظ بصياغته، بادئا بموادّها من الألفاظ، فهى تارة ألفاظ جزلة رصينة، وتارة ألفاظ عذبة رشيقة، ولكل لفظة موضعها من الكلام ومن المعنى الذى تؤدّيه، وهو يصيح فى البيان والتبيين وغيره من كتاباته: التلاؤم التلاؤم ومطابقة الكلام لمقتضى الحال، أو بعبارة أخرى لسامعيه، يقول: «وكما لا ينبغى أن يكون اللفظ عاميّا وساقطا سوقيّا فكذلك لا ينبغى أن يكون غريبا وحشيا إلا أن يكون المتكلم بدويّا أعرابيّا، فإن الوحشىّ من الكلام يفهمه الوحشىّ من الناس، كما يفهم السوقىّ رطانة السّوقىّ» (٣). ودائما يبدئ ويعيد فى أن الأسلوب ينبغى أن يكون وسطا بين لغة العامة ولغة الخاصة، وأن تشفّ الألفاظ عن المعانى حتى تلذّ الأسماع والقلوب، يقول: «أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ومعناه فى ظاهر لفظه. . . وإذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا. . . صنع فى القلوب صنيع الغيث فى التربة الكريمة» (٤). وأكثر من
стр. 2067
الحديث فى البيان والتبيين عن حسن الصياغة وجمال العبارات، وهو بحقّ الذى أعدّ فى قوة لشيوع أسلوب جديد فى الكتابة، هو أسلوب الازدواج، وهو أسلوب يقوم على التوازن الدقيق بين العبارات بحيث تتلاحق فى صفوف متقابلة، دون أن تتّحد نهاياتها على نحو ما هو معروف فى السجع. هى تتقابل وتتعادل صوتيّا، ولكن دون أن تحقق التوازن الصوتى المألوف فى السجع، ومع ذلك تحقق ضروبا من الإيقاع، فالكلمات تتوازن وتتعادل، وكأن كل كلمة فى عبارة تقابلها كلمة فى العبارة التالية على شاكلة قوله: «لا أعلم قرينا أحسن موافاة، ولا أعجل مكافأة ولا أحضر معونة، ولا أخفّ مئونة، ولا شجرة أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد فى كل إبّان من كتاب ولا أعلم نتاجا فى حداثة سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه وإمكان وجوده، يجمع من التدابير العجيبة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الحكم الرفيعة، والمذاهب القويمة، والتجارب الحكيمة، ومن الإخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتنازحة، والأمثال السائرة، والأمم البائدة. ما يجمع لك الكتاب» (١). وبمثل هذا الأسلوب المتدفق الذى يحفّ، جمال الصوت من كل جانب دون أن يخرج به الجاحظ إلى تكلف السجع كان يؤلف ويصنّف الكتب الطوال والرسائل المتنوعة الموضوعات، دون أن تتأبّى عليه كلمة أو صيغة، فقد أصبحت اللغة مرنة فى لسانه وعلى قلمه إلى أقصى حد، لغة شفّافة يشيع فيها الوضوح وهذا الأسلوب المصفّى الذى يروق الآذان والأسماع بأصواته كما يروق القلوب والعقول بمعانيه وأفكاره.
ودائما تلقانا هذه الخصائص العامة لكتابات الجاحظ، إذ يعنى دائما بأسلوبه وسريان الازدواج فيه وبألفاظه وصياغاته وملاءمتها لمعانيها وموضوعاتها وقرّائها، كما يعنى بسريان روح الدّعابة والاستطراد من شعر إلى خبر إلى فكرة كلامية إلى نادرة إلى بيان سمة لشخص من معاصريه إلى قرآن أو حديث إلى فكرة عن علم من علوم عصره كالفلك إلى عقيدة للمجوس إلى ما لا يحصى من المعارف
стр. 2068
وأحوال مجتمعه. وبذلك ينفرد عن أدباء عصره إذ جعل أدبه أدبا واقعيّا يصوّر مجتمعه وكل ما فيه من أخلاق وعادات تتصل بالرجال أو بالنساء والقيان وكيدهن.
ودائما تلقاك طوابعه العقلية من القدرة على الجدل واستنباط البراهين والأدلة ودقائق المعانى والأفكار خائضا بك فى أعمق المباحث الكلامية من تنزيه الله عن الشبه بالمخلوقات أو الكلام عن صفاته أو فى المعرفة أو فى الاستطاعة، مع ذكر أطراف مما يجرى فيه الناس ويخوضون فيه، ومع التنقل فى كل الموضوعات من الإنسان أو الحيوان أو النبات.
ولسنا بصدد البحث العام فى الجاحظ، إنما نريد أن نقف قليلا عند عرضه لبعض المناظرات وما كتبه من رسائل إخوانية وأدبية ونثر قصصى ونوادر، ومرّ بنا أنه طبع كثيرا من رسائله بطابع المناظرة والحوار فى مدح الشئ وذمه، ولعل أكبر مناظرة ساقها مناظرة النظام ومعبد فى الكلب والديك أيهما أفضل، إذ شغلت نحو مجلّد ونصف من كتاب الحيوان، ويذكر أن الغرض منها بيان حكمة الله وتدبيره فى الكلب والديك، يقول: «إنما نتنظّر (نجادل) فيما وضع الله فيهما من الدلالة عليه وعلى إتقان صنعه وعلى عجيب تدبيره وعلى لطيف حكمته، وفيما استخزنهما من عجائب المعارف وأودعهما من غوامض الإحساس وسخّر لهما من عظام المنافع والمرافق، ودلّ بهما على أن الذى ألبسهما ذلك التدبير وأودعهما تلك الحكم يحب أن يفكّر فيهما ويعتبر بهما ويسبّح الله عندهما». وهو يردّد ذلك فى جوانب من المناظرة ليبين الغاية منها والغرض. وقد بدأ فيها بالحديث عن الكلب وما قاله معبد فى ذمه وما قاله النظام فى مدحه، ولخّص ذلك يقول (١):
«باب ما ذكر صاحب الديك من ذمّ الكلاب وتعداد أصنافها ومعايبها ومثالبها من لؤمها وجبنها، وضعفها وشرهها، وغدرها وبذائها، وجهلها وتسرعها، ونتنها وقذرها، وما جاء فى الآثار من النّهى عن اتخاذها وإمساكها ومن الأمر بقتلها وطردها، ومن كثرة جناياتها وقلة ودّها، ومن ضرب المثل بلؤمها ونذالتها، وقبحها وقبح ملازمتها، ومن سماجة نباحها وكثرة أذاها، وتقذّر المسلمين
стр. 2069
من دنوّها وأنها تأكل لحوم الناس، وأنها كالخلق المركب، والحيوان الملفق:
كالبغل فى الدوابّ وكالراعبىّ فى الحمام، وأنها لا سبع ولا بهيمة، ولا إنسية ولا جنّية، وأنها من الجنّ دون الجنّ، وأنها مطايا الجنّ ونوع من المسخ وأنها تنبش القبور وتأكل الموتى، وأنها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس.
فإذا حكينا ذلك حكينا قول من عدّد محاسنها، وصنّف مناقبها، وأخذنا فى ذكر أسمائها وأنسابها وأعراقها، وتفدية الرجال إيّاها، واستهتارهم بها، وذكر كسبها وحراستها، ووفائها وإلفها وجميع منافعها، والمرافق التى فيها، وما أودعت من المعرفة الصحيحة، والفطن العجيبة، والحسّ اللطيف، والأدب؟ ؟ ؟ .
وذلك سوى صدق الاسترواح وجودة الشم، وذكر حفظها ونفاذها واهتدائها، وإثباتها لصور أربابها وجيرانها وصبرها، ومعرفتها بحقوق الكرام، وإهانتها اللئام، وذكر صبرها على الجفاء، واحتمالها للجوع، وذكر ذمامها وشدة منعها معاقد الذّمار منها، وذكر يقظتها وقلة غفلتها، وبعد أصواتها، وكثرة نسلها وسرعة قبولها. . . مع اختلاف طبائع ذكورها. . . وتردّدها فى أصناف السباع، وسلامتها من أعراق البهائم، وذكر لقنها وحكايتها، وجودة ثقافتها ومهنها وخدمتها، وجدّها ولعبها فى جميع أمورها، بالأشعار المشهورة والأحاديث المأثورة، وبالكتب المنزلة، والأمثال السائرة، وعن تجربة الناس لها وفراستهم فيها، وما عاينوا منها، وكيف قال أصحاب الفأل فيها وأخبار المتطيرين عنها، وعن أسنانها ومنتهى أعمارها، وعدد جرائها، ومدة حملها وعن سماتها وشياتها، وعن دوائها وأدوائها وسياستها، وعن اللاتى لا تلقن منها، وعن أعراقها والخارجىّ منها، وعن أصول مواليدها ومخارج بلدانها».
وعلى هذا النحو يستقصى الجاحظ جميع الوجوه التى تذمّ بها الكلاب، فيذكرها على لسان معبد وينقضها على لسان النظام، ثم يأتى بمحاسنها ومحاولات معبد فى نقضها، وفى أثناء ذلك يستعين بالأشعار وبآى القرآن والحديث ومعارف العرب، كما يستعين بمعارف غيرهم وبنوادرهم ونوادر اليونان. مع الرجوع دائما إلى التجربة. وهو فى تضاعيف ذلك يستطرد إلى كثير من المباحث الكلامية وإلى
стр. 2070
كثير أيضا من عادات العرب. والمناظرة فى رأينا مناظرة بين الشعوبية والعرب، أما الشعوبية فرمزهم الديك الذى يرى فى قراهم ومدنهم، وأما العرب فرمزهم الكلب الذى لا يفارقهم فى منازلهم ومراعيهم، وكأن معبدا والنظام المعتزليين اسمان اختارهما الجاحظ ليقيم مناظرته، أما فى حقيقة الأمر فليس هناك معبد ولا النظام، وإنما هناك الجاحظ بلسنه وقدرته الرائعة على دراسة الموضوعات سواء اتصلت بالحيوان أو لم تتصل، وهناك العرب والشعوبية التى تستقذر الكلب وحيوانات الصحراء، مما جعل الجاحظ يعقد فى حيوانه مناظرة أخرى بين البعير والفيل (١)، فدائما الشعوبية تتحرش بالعرب وتهجّن حياتها وكل ما اتصل بها، وكأن الجاحظ أقام نفسه رصدا لهم، ومن الممكن أن يكون من هذا الباب كتابه الزرع والنخيل الذى أهداه إلى إبراهيم بن العباس الصولى، فالزرع رمز الحضارة والشعوبية، والنخيل رمز العرب والبادية، وقد هاجم الجاحظ الشعوبية مرارا، فى كتابه البيان والتبيين إذ أفرد لها فصلا طويلا وفى كتابات أخرى له متعددة عن العرب والعجم. ونسوق فقرة من ذم صاحب الديك للكلب وبعض صفاته وردّ صاحب الكلب عليه، وهى تجرى على هذه الصورة (٢):
«قال صاحب الديك: إن أطعمه اللص بالنهار كسرة خبز خلاّه، ودار حوله ليلا، فهو فى هذا الوجه مرتش وآكل سحت، وهو مع ذلك أسمج الخلق صوتا، وأحمق الخلق يقظة ونوما، ينام النهار كله على نفس الجادّة (الطريق) وعلى مدقّ الحوافر وفى كل سوق وملتقى طريق. . . وقد سهر الليل كله بالصياح والصخب، والنّصب والتعب، والغيظ والغضب، وبالمجئ والذهاب، فيركبه من حب النوم على حسب حاجته إليه، فإن وطئته دابة فأسوأ الخلق جزعا، وألأمه لؤما، وأكثره نباحا وعواء، فإن سلم ولم تطأه دابة ولا وطئه إنسان فليست تتم له السلامة، لأنه فى حال متوقع للبليّة، ومتوقع البليّة فى بليّة، فإن سلم فليس على ظهرها مبتلى أسوأ حالا منه، لأنه أسوأهم جزعا وأقلهم صبرا، لأنه الجانى ذلك على نفسه، وقد كانت الطرق الخالية له معرّضة. وأصول الحيطان مباحة، وبعد فإن كلّ خلق فارق أخلاق الناس فإنه