وجرّت رغبة الجاحظ فى أن يتخلّل كتاباته بالنوادر وما يطرف القارئ رغبة مماثلة فى أن يورد فى تضاعيف كتاباته بعض آى القرآن وبعض الآثار والأخبار وبعض الأشعار والحكم، مما أشاع فى رسائله وكتبه كثرة الاستطراد، وكان يقصد إليه قصدا ويتخذه مذهبا فى كتابته، حتى لا يملّ القارئ، وحتى يظل له نشاطه وإقباله على ما يكتبه، وهو يعلن ذلك مرارا فى كتبه، كقوله فى كتاب الحيوان: «قد عزمت-والله الموفّق-أنى أوشّح هذا الكتاب وأفصّل أبوابه بنوادر من ضروب الشعر وضروب الأحاديث ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب ومن شكل إلى شكل فإنى رأيت الأسماع تملّ الأصوات المطربة والأغانى الحسنة والأوتار الفصيحة إذا طال ذلك عليها، وما ذلك إلا فى طريق الراحة التى إذا طالت أو رثت الغفلة» (١). ويقول فى موضع آخر: «ومتى خرج (القارئ) من آى القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر إلى نوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية ومقاييس سداد. . . حتى يفضى إلى مزح ونكاهة، وإلى سخف وخزافة» (٢).
ودائما يعنى الجاحظ بصياغته، بادئا بموادّها من الألفاظ، فهى تارة ألفاظ جزلة رصينة، وتارة ألفاظ عذبة رشيقة، ولكل لفظة موضعها من الكلام ومن المعنى الذى تؤدّيه، وهو يصيح فى البيان والتبيين وغيره من كتاباته: التلاؤم التلاؤم ومطابقة الكلام لمقتضى الحال، أو بعبارة أخرى لسامعيه، يقول: «وكما لا ينبغى أن يكون اللفظ عاميّا وساقطا سوقيّا فكذلك لا ينبغى أن يكون غريبا وحشيا إلا أن يكون المتكلم بدويّا أعرابيّا، فإن الوحشىّ من الكلام يفهمه الوحشىّ من الناس، كما يفهم السوقىّ رطانة السّوقىّ» (٣). ودائما يبدئ ويعيد فى أن الأسلوب ينبغى أن يكون وسطا بين لغة العامة ولغة الخاصة، وأن تشفّ الألفاظ عن المعانى حتى تلذّ الأسماع والقلوب، يقول: «أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ومعناه فى ظاهر لفظه. . . وإذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا. . . صنع فى القلوب صنيع الغيث فى التربة الكريمة» (٤). وأكثر من
стр. 2067
الحديث فى البيان والتبيين عن حسن الصياغة وجمال العبارات، وهو بحقّ الذى أعدّ فى قوة لشيوع أسلوب جديد فى الكتابة، هو أسلوب الازدواج، وهو أسلوب يقوم على التوازن الدقيق بين العبارات بحيث تتلاحق فى صفوف متقابلة، دون أن تتّحد نهاياتها على نحو ما هو معروف فى السجع. هى تتقابل وتتعادل صوتيّا، ولكن دون أن تحقق التوازن الصوتى المألوف فى السجع، ومع ذلك تحقق ضروبا من الإيقاع، فالكلمات تتوازن وتتعادل، وكأن كل كلمة فى عبارة تقابلها كلمة فى العبارة التالية على شاكلة قوله: «لا أعلم قرينا أحسن موافاة، ولا أعجل مكافأة ولا أحضر معونة، ولا أخفّ مئونة، ولا شجرة أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد فى كل إبّان من كتاب ولا أعلم نتاجا فى حداثة سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه وإمكان وجوده، يجمع من التدابير العجيبة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الحكم الرفيعة، والمذاهب القويمة، والتجارب الحكيمة، ومن الإخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتنازحة، والأمثال السائرة، والأمم البائدة. ما يجمع لك الكتاب» (١). وبمثل هذا الأسلوب المتدفق الذى يحفّ، جمال الصوت من كل جانب دون أن يخرج به الجاحظ إلى تكلف السجع كان يؤلف ويصنّف الكتب الطوال والرسائل المتنوعة الموضوعات، دون أن تتأبّى عليه كلمة أو صيغة، فقد أصبحت اللغة مرنة فى لسانه وعلى قلمه إلى أقصى حد، لغة شفّافة يشيع فيها الوضوح وهذا الأسلوب المصفّى الذى يروق الآذان والأسماع بأصواته كما يروق القلوب والعقول بمعانيه وأفكاره.
ودائما تلقانا هذه الخصائص العامة لكتابات الجاحظ، إذ يعنى دائما بأسلوبه وسريان الازدواج فيه وبألفاظه وصياغاته وملاءمتها لمعانيها وموضوعاتها وقرّائها، كما يعنى بسريان روح الدّعابة والاستطراد من شعر إلى خبر إلى فكرة كلامية إلى نادرة إلى بيان سمة لشخص من معاصريه إلى قرآن أو حديث إلى فكرة عن علم من علوم عصره كالفلك إلى عقيدة للمجوس إلى ما لا يحصى من المعارف
стр. 2068
وأحوال مجتمعه. وبذلك ينفرد عن أدباء عصره إذ جعل أدبه أدبا واقعيّا يصوّر مجتمعه وكل ما فيه من أخلاق وعادات تتصل بالرجال أو بالنساء والقيان وكيدهن.
ودائما تلقاك طوابعه العقلية من القدرة على الجدل واستنباط البراهين والأدلة ودقائق المعانى والأفكار خائضا بك فى أعمق المباحث الكلامية من تنزيه الله عن الشبه بالمخلوقات أو الكلام عن صفاته أو فى المعرفة أو فى الاستطاعة، مع ذكر أطراف مما يجرى فيه الناس ويخوضون فيه، ومع التنقل فى كل الموضوعات من الإنسان أو الحيوان أو النبات.
ولسنا بصدد البحث العام فى الجاحظ، إنما نريد أن نقف قليلا عند عرضه لبعض المناظرات وما كتبه من رسائل إخوانية وأدبية ونثر قصصى ونوادر، ومرّ بنا أنه طبع كثيرا من رسائله بطابع المناظرة والحوار فى مدح الشئ وذمه، ولعل أكبر مناظرة ساقها مناظرة النظام ومعبد فى الكلب والديك أيهما أفضل، إذ شغلت نحو مجلّد ونصف من كتاب الحيوان، ويذكر أن الغرض منها بيان حكمة الله وتدبيره فى الكلب والديك، يقول: «إنما نتنظّر (نجادل) فيما وضع الله فيهما من الدلالة عليه وعلى إتقان صنعه وعلى عجيب تدبيره وعلى لطيف حكمته، وفيما استخزنهما من عجائب المعارف وأودعهما من غوامض الإحساس وسخّر لهما من عظام المنافع والمرافق، ودلّ بهما على أن الذى ألبسهما ذلك التدبير وأودعهما تلك الحكم يحب أن يفكّر فيهما ويعتبر بهما ويسبّح الله عندهما». وهو يردّد ذلك فى جوانب من المناظرة ليبين الغاية منها والغرض. وقد بدأ فيها بالحديث عن الكلب وما قاله معبد فى ذمه وما قاله النظام فى مدحه، ولخّص ذلك يقول (١):
«باب ما ذكر صاحب الديك من ذمّ الكلاب وتعداد أصنافها ومعايبها ومثالبها من لؤمها وجبنها، وضعفها وشرهها، وغدرها وبذائها، وجهلها وتسرعها، ونتنها وقذرها، وما جاء فى الآثار من النّهى عن اتخاذها وإمساكها ومن الأمر بقتلها وطردها، ومن كثرة جناياتها وقلة ودّها، ومن ضرب المثل بلؤمها ونذالتها، وقبحها وقبح ملازمتها، ومن سماجة نباحها وكثرة أذاها، وتقذّر المسلمين
стр. 2069
من دنوّها وأنها تأكل لحوم الناس، وأنها كالخلق المركب، والحيوان الملفق:
كالبغل فى الدوابّ وكالراعبىّ فى الحمام، وأنها لا سبع ولا بهيمة، ولا إنسية ولا جنّية، وأنها من الجنّ دون الجنّ، وأنها مطايا الجنّ ونوع من المسخ وأنها تنبش القبور وتأكل الموتى، وأنها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس.
فإذا حكينا ذلك حكينا قول من عدّد محاسنها، وصنّف مناقبها، وأخذنا فى ذكر أسمائها وأنسابها وأعراقها، وتفدية الرجال إيّاها، واستهتارهم بها، وذكر كسبها وحراستها، ووفائها وإلفها وجميع منافعها، والمرافق التى فيها، وما أودعت من المعرفة الصحيحة، والفطن العجيبة، والحسّ اللطيف، والأدب؟ ؟ ؟ .
وذلك سوى صدق الاسترواح وجودة الشم، وذكر حفظها ونفاذها واهتدائها، وإثباتها لصور أربابها وجيرانها وصبرها، ومعرفتها بحقوق الكرام، وإهانتها اللئام، وذكر صبرها على الجفاء، واحتمالها للجوع، وذكر ذمامها وشدة منعها معاقد الذّمار منها، وذكر يقظتها وقلة غفلتها، وبعد أصواتها، وكثرة نسلها وسرعة قبولها. . . مع اختلاف طبائع ذكورها. . . وتردّدها فى أصناف السباع، وسلامتها من أعراق البهائم، وذكر لقنها وحكايتها، وجودة ثقافتها ومهنها وخدمتها، وجدّها ولعبها فى جميع أمورها، بالأشعار المشهورة والأحاديث المأثورة، وبالكتب المنزلة، والأمثال السائرة، وعن تجربة الناس لها وفراستهم فيها، وما عاينوا منها، وكيف قال أصحاب الفأل فيها وأخبار المتطيرين عنها، وعن أسنانها ومنتهى أعمارها، وعدد جرائها، ومدة حملها وعن سماتها وشياتها، وعن دوائها وأدوائها وسياستها، وعن اللاتى لا تلقن منها، وعن أعراقها والخارجىّ منها، وعن أصول مواليدها ومخارج بلدانها».
وعلى هذا النحو يستقصى الجاحظ جميع الوجوه التى تذمّ بها الكلاب، فيذكرها على لسان معبد وينقضها على لسان النظام، ثم يأتى بمحاسنها ومحاولات معبد فى نقضها، وفى أثناء ذلك يستعين بالأشعار وبآى القرآن والحديث ومعارف العرب، كما يستعين بمعارف غيرهم وبنوادرهم ونوادر اليونان. مع الرجوع دائما إلى التجربة. وهو فى تضاعيف ذلك يستطرد إلى كثير من المباحث الكلامية وإلى
стр. 2070
كثير أيضا من عادات العرب. والمناظرة فى رأينا مناظرة بين الشعوبية والعرب، أما الشعوبية فرمزهم الديك الذى يرى فى قراهم ومدنهم، وأما العرب فرمزهم الكلب الذى لا يفارقهم فى منازلهم ومراعيهم، وكأن معبدا والنظام المعتزليين اسمان اختارهما الجاحظ ليقيم مناظرته، أما فى حقيقة الأمر فليس هناك معبد ولا النظام، وإنما هناك الجاحظ بلسنه وقدرته الرائعة على دراسة الموضوعات سواء اتصلت بالحيوان أو لم تتصل، وهناك العرب والشعوبية التى تستقذر الكلب وحيوانات الصحراء، مما جعل الجاحظ يعقد فى حيوانه مناظرة أخرى بين البعير والفيل (١)، فدائما الشعوبية تتحرش بالعرب وتهجّن حياتها وكل ما اتصل بها، وكأن الجاحظ أقام نفسه رصدا لهم، ومن الممكن أن يكون من هذا الباب كتابه الزرع والنخيل الذى أهداه إلى إبراهيم بن العباس الصولى، فالزرع رمز الحضارة والشعوبية، والنخيل رمز العرب والبادية، وقد هاجم الجاحظ الشعوبية مرارا، فى كتابه البيان والتبيين إذ أفرد لها فصلا طويلا وفى كتابات أخرى له متعددة عن العرب والعجم. ونسوق فقرة من ذم صاحب الديك للكلب وبعض صفاته وردّ صاحب الكلب عليه، وهى تجرى على هذه الصورة (٢):
«قال صاحب الديك: إن أطعمه اللص بالنهار كسرة خبز خلاّه، ودار حوله ليلا، فهو فى هذا الوجه مرتش وآكل سحت، وهو مع ذلك أسمج الخلق صوتا، وأحمق الخلق يقظة ونوما، ينام النهار كله على نفس الجادّة (الطريق) وعلى مدقّ الحوافر وفى كل سوق وملتقى طريق. . . وقد سهر الليل كله بالصياح والصخب، والنّصب والتعب، والغيظ والغضب، وبالمجئ والذهاب، فيركبه من حب النوم على حسب حاجته إليه، فإن وطئته دابة فأسوأ الخلق جزعا، وألأمه لؤما، وأكثره نباحا وعواء، فإن سلم ولم تطأه دابة ولا وطئه إنسان فليست تتم له السلامة، لأنه فى حال متوقع للبليّة، ومتوقع البليّة فى بليّة، فإن سلم فليس على ظهرها مبتلى أسوأ حالا منه، لأنه أسوأهم جزعا وأقلهم صبرا، لأنه الجانى ذلك على نفسه، وقد كانت الطرق الخالية له معرّضة. وأصول الحيطان مباحة، وبعد فإن كلّ خلق فارق أخلاق الناس فإنه
стр. 2071
مذموم، والناس ينامون بالليل الذى جعله الله تعالى سكنا، وينتشرون بالنهار الذى جعله الله تعالى لحاجات الناس مسرحا. قال صاحب الكلب: لو شئنا أن نقول إن سهره بالليل ونومه بالنهار خصلة ملوكية لقلنا. ولو كان خلاف ذلك ألذّ لكانت الملوك بذلك أولى. وأما الذى أشرتم إليه من النوم فى الطرق الخالية، وعبتموه به من نومه على شارعات الطرق والسكك العامرة، وفى الأسواق الجامعة فكل امرئ أعلم بشأنه، ولولا أن الكلب يعلم ما يلقى من الأحداث والسفهاء وصبيان الكتّاب من رضّ عظامه بألواحهم إذا وجدوه نائما فى طريق خال ليس بحضرته رجال يهابون، ولا مشيخة يرحمون ويزجرون السفهاء. وأن ذلك لا يعتريه فى مجامع الأسواق لقلّ خلافه عليك ولما رقد فى الأسواق. وعلى أن هذا الخلق إنما سيعترى كلاب الحرّاس، وهى التى فى الأسواق مأواها ومنازلها، وبعد فمن أخطأ وأظلم ممن يكلف السباع أخلاق الناس وعادات البهائم؟ وقد علمنا أن سباع الأرض عن آخرها إنما تهيج وتسرح وتلتمس المعيشة ليلا، لأنها تبصر بالليل. . . أما تركه الاعتراض على اللصّ الذى أطعمه أياما، وأحسن إليه مرارا، فإنما وجب عليه حفظ أهله لإحسانهم إليه وتعاهدهم له. فإذا كان عهده ببرّ اللصّ أحدث من عهده ببرّ أهله لم يكلّف الكلب النظر فى العواقب وموازنة الأمور. والذى أضمر اللص من البيات غيب قد ستر عنه، وهو لا يدرى أجاء ليأخذ أم جاء ليعطى. . . ولعل أهله أيضا أن يكون قد استحقوا ذلك منه بالضّرب والإجاعة، وبالسبّ والإهانة. وأما سماجة الصوت فالبغل أسمج صوتا منه، وكذلك الطاووس على أنهم يتشاءمون به. وليس الصوت الحسن إلا لأصناف الحمام من القمارىّ والدّباسىّ وأصناف الشفانين (ضرب من العصافير) فأما الأسد والذئب وابن آوى والخنزير وجميع الطير والسباع والبهائم، فكذلك، وإنما لك أن تذم الكلب فى الشئ الذى لا يعمّ. . . وربما كان من الناس-بل كثيرا ما تجده-من صوته أقبح من صوت الكلب، فلم تخصّون الكلب بشئ عامة الخلق فيه أسوأ حالا من الكلب. وأما عواؤه من وطء الدابة وسوء جزعه من ضرب الصبيان فجزع الفرس من وقع عذبة (طرف) السوط أسوأ من جزعه».
стр. 2072
وواضح كيف أن صاحب الديك ثلب الكلب مثالب مختلفة فى وفائه لأصحابه وفى غلظ صوته وفى نومه بالنهار على الطرق وفى الأسواق، وفى كثرة نباحه وعوائه حين تطؤه دابّة. وينقض صاحب الكلب كل تلك المثالب فهو ينام بالنهار مثل الملوك والسلاطين، وفى الأماكن الجامعة لما يلقى من السفهاء والصبيان، حتى يزجرهم الناس، ومع ذلك ليست كل الكلاب ترقد فى الأسواق إنما تلك كلاب الحراسة، وهذا طبيعى لأن الأسواق دورها ومنازلها. أما أنه لا يفى لأصحابه حين يلقى له لصّ بكسرة خبز، فإن محاسبته على ذلك لإحسانهم إليه، وإحسان اللص أحدث من إحسانهم، ثم هو كلب لا يعرف نية اللص وما أضمر من سرقة أهله، ولا يدرى أجاء ليأخذ أو جاء ليعطى، وربما كان أهله يعاملونه معاملة سيئة. وسماجة صوته ليست مثلبة، فالبغل أسمج صوتا منه، وكذلك الطاووس الجميل المنظر، والصوت الحسن إنما يكون لأصناف الحمام دون جميع الطير والسباع والبهائم. وحتى الناس منهم من تهبط منزلة صوته فى القبح درجات عن صوت الكلب، وذلك لا يعيبهم.
أما جزعه من وطء والدوابّ ضرب الصبيان له فربما كان جزع الفرس من ضرب السياط أسوأ من جزعه. وهكذا تسقط جميع المثالب التى وصف بها صاحب الديك الكلب ولا يبقى منها فى يده شئ. وهى براعة فائقة فى الحوار وفى الاستدلال والتلطف للبرهان والاحتيال له بالعقل الثاقب، مع التأنى والتمكين للحجج، وهى توضع فى صورة أدبية بديعة، هى صورة الأسلوب المزدوج الذى تتوازن فيه العبارات والصيغ وتنعادل إيقاعاتها تعادلا محكما. وتمتد المناظرة فى الكلب ومحاسنه ومساوئه من صفحة ١٩٠ فى الجزء الأول من الحيوان إلى صفحة ٢٣٣ من الجزء الثانى فتشغل بذلك مجلدا ضخما، ثم تبدأ المناظرة فى مساوئ الديك ومحاسنه وتسمر إلى صفحة ٣٧٥ من هذا الجزء الثانى. ومما احتج به صاحب الديك من محاسنه صياحه الدال على معرفته لساعات الليل فى الفجر وغير الفجر، حتى كأنه فوق الإسطرلاب الذى يرصد الفلك ومنازل القمر، ويردّ عليه صاحب الكلب هذه المحمدة، لأن الحمار يشرك الديك فيها بنهيقه فى الأسحار، يقول (١):
стр. 2073
«لولا أن وجدنا الحمار المضروب به المثل فى الجهل يقوم فى الصباح وفى ساعات الليل مقام الديكة لقد كان ذلك قولا ومذهبا غير مردود، ولو أن متفقدا تفقد ذلك من الحمار لوجده منظوما يتبع بعضه بعضا على عدد معلوم، ولوجد ذلك مقسوما على ساعات الليل، ولكان لقائل أن يقول فى نهيق الحمار فى ذلك الوقت: ليس تجاوبا إنما ذلك شئ يتوافى معا، لاستواء العلة، فلم تكن للديك الموصوف بأنه فوق الإسطرلاب فضيلة ليست للحمار. . . والحمار أجهل الخلق، فليس ينبغى للدّيك أن يقضى له بالمعرفة، والحمار قد ساواه فى يسير علمه».
وعلى هذا النحو لا يدلى صاحب الديك بمحمدة إلا وينقضها عليه النظّام نقضا، وبالمثل ينقض معبد محامد الكلب. ويشتد الحوار بين المتناظرين، ونصبح وكأننا بإزاء بانيين لحصون من الأدلة والبراهين لا تلبث حين تقوم أن تنقضّ.
وكما قلنا ليس البانيان والناقضان سوى الجاحظ نفسه، فهو الذى أقام تلك المناظرة التى ظاهرها كلب وديك وباطنها عرب وشعوبية، وكان يتعصب للعروبة فى أعماقه، مما جعله ينفض عن الكلب كل مذامّه ومثالبه ويضفى عليه كثيرا من المحامد والمحاسن فى حماسة بالغة.
وهذا لون من ألوان أدبه. ولون ثان هو رسائله الإخوانية، وهى تموج بطرف فكره وبلاغته، فمن ذلك أن صديقه ابن الزيات تلوّن له وتنكّر فترة إذ أحسّ انشغاله عنه، فكتب إليه الجاحظ يستعطفه بالرسالة التالية (١):
«أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف، ورجّح فى قلبك إيثار الأناة (الحلم) فقد خفت -أيّدك الله-أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السفهاء، ومجانبة سبل الحكماء، وبعد فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
وإنّ امرأ أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلا ماجنى لسعيد
وقال الآخر:
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحق وبالباطل
стр. 2074
فإن كنت اجترأت عليك-أصلحك الله-فلم أجترئ إلا لأن دوام تغافلك عنى شبيه بالإهمال الذى يورث الإغفال، والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة (المجازاة) ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان ﵀: عمر كان خيرا لى منك: أرهبنى فأتقانى، وأعطانى فأغنانى. فإن كنت لا تهب عقابى -أيّدك الله-لحرمة، فهبه لأياديك عندى، فإن النعمة تشفع فى النقمة، وإلاّ تفعل ذلك لذلك فعد لحسن العادة، وإلا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة، وإلا فأت ما أنت أهله من العفو، دون ما أنا أهله من استحقاق العقوبة. فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، وتتجافى عن عقاب المصرّ، حتى إذا صرت إلى من هفوته بكر (أولى) وذنبه نسيان، ومن لا يعرف الشكر إلا لك، ولا الإنعام إلا منك هجمت عليه بالعقوبة. واعلم-أيّدك الله-أن شين غضبك علىّ كزين صفحك عنى، وأن موت ذكرى مع انقطاع سببى منك، كحياة ذكرى مع اتصالى سببى بك، واعلم أن لك فطنة عليم، وغفلة كريم، والسلام».
والرسالة على قصرها تحمل خصائص الجاحظ الأدبية، ففيها شعر وخبر، وفيها المهارة العقلية على التدليل واستنباط الأفكار، فابن الزيات هو الذى طال تغافله عن الجاحظ ويشبّه التغافل بالإهمال ضربا من القياس ليصل إلى إغفاله له، ويسوق دليلا ملزما، فهو دائما يعفو عنه والعفو المتتابع يجعل المعفوّ عنه آمنا من المجازاة وأن يصاب بسوء. ثم مضى يلزمه الرضا عنه، بمنزل متعددة منه، إما لمنزلة حرمته منه، وإما لما تتابع عليه من أياديه، والنعمة تشفع فى النقمة، برهانا ساطعا، وإما لحسن العادة، وإما لحسن الأحدوثة، وإما لأنه أهل للعفو عن المستحقين للعقوبة من أمثاله. ويتلطّف له قائلا إنه أول ذنب لى وليس ذنبى إلا النسيان، وهل عرفت الشكر إلا لك ولا الإنعام إلا منك. فماذا يملك ابن الزيات إزاء هذا البيان الرائع إلا أن يعود إلى الرضا التام؟ وتتقابل عبارات الرسالة فى صفوف، وكأن كل كلمة فى عبارة سابقة تجذب قرينتها فى العبارة اللاحقة، دون محاولة لسجع أو نغم متماثل فى نهايات الجمل المتلاحقة، وهكذا الجاحظ دائما يكتفى بجمال التوازن العام فى أسلوبه المزدوج. وانظر إلى التوازن الدقيق فى العبارات الأخيرة من الرسالة. «فشين غضبك» توازن «زين صفحك»، و «موت ذكرى
стр. 2075
مع انقطاع سببى» توازن «حياة ذكرى مع اتصال سببى». وتكامل مثل هذا التوازن فى أسلوبه يتيح له وفرة فى النغم، مع ما يتّسم به أسلوبه عامة من رصانة وجزالة ونصاعة.
ولون ثالث من كتاباته هو الرسائل الأدبية، وهى تعدّ بالعشرات، ويكفى أن نرجع لعنوانات المطبوع منها لنرى مدى تنوعها وأنها تناولت جوانب كثيرة من المجتمع ومن المسائل الكلامية ومن الأخلاق ومن الطوائف كالترك والمعلمين والقيان والمغنين غير ماله من رسائل فى حجج النبوة واستحقاق الامامة وخلق القرآن. وكثير منها مكتوب بأسلوب الجدل والمناظرة، إن لم نقل إنها جميعها كتبت بهذا الأسلوب ونكتفى بعرض رسالة منها ولتكن رسالته (١) فى فخر السودان على البيضان، وقد عرض فيها مناقب السودان ممثلة فى شخصيات بارزة مثل لقمان الحكيم وسعيد بن جبير العبد الصالح الذى قتله الحجاج وبلال الحبشى والمقداد الصحابى الجليل أول من عدا به فرسه فى الإسلام، ومثل مكحول الفقيه والحيقطان الشاعر الذى يفتخر بقومه، ويذكر قصيدة له تحتج بها العجم والحبش على العرب، ويشرح أبياتها، ومثل سنيح بن رباح المعاصر لجرير ويروى قصيدته فى الفخر بالزنج، ويذكر أبناء الزنجيات من العرب مثل العباس بن مرداس وعنترة الفوارس. ويذكر من احتجاجهم أنهم ملكوا ذات يوم بلاد العرب من لدن الحبشة إلى مكة وقتلوا ذا نواس وأقيال (تبابعة) حمير، ويذكر مشاركتهم فى بعض الأحداث والحركات السياسية فى العصرين الأموى والعباسى، ثم يقول:
«الناس مجمعون على أنه ليس فى الأرض أمة السخاء فيها أعم وعليها أغلب من الزنج. . . وهم أطبع الخلق على الرقص الموزون من غير تأديب ولا تعليم. وليس فى الأرض أحسن حلوقا منهم، وليس فى الأرض أخف على اللسان من لغتهم، ولا فى الأرض قوم أذرب (أفصح) ألسنة، ولا أقل تمطيطا منهم. . . والرجل منهم يخطب عند الملك بالزنج من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فلا يستعين بلفتة ولا بسكتة حتى يفرغ من كلامه. وليس فى الأرض أمة فى شدة الأبدان وقوة الأسر أعم منهم فيهما، وإن الرجل ليرفع الحجر الثقيل الذى تعجز عنه
стр. 2076
الجماعة من الأعراب وغيرهم، وهم شجعان أشداء الأبدان أسخياء. وهذه هى خصال الشرف. والزنجى مع حسن الخلق وقلة الأذى لا تراه أبدا إلا طيب النفس ضحوك السنّ حسن الظنّ، وهذا هو الشرف».
ويرد على أناس قالوا إنهم صاروا أسخياء لضعف عقولهم، ويقول لو كان البخل بمقدار قوة العقل، لكان الصقالبة أعقل من الروم لأنهم أبخل منهم والروم أشد عقولا. ويقول لخصومهم إنكم أقررتم لهم بالسخاء وادعيتم عليهم ما لا يعرف من ضعف العقل، ولو كان هذا القياس صحيحا لكان الجبان أعقل من الشجاع.
ويذكر فخر الزنج بملوكهم. ثم يعود إلى ذكر طائفة من شعرائهم وافتخارهم بالنجاشى الذى أكرم المهاجرين إليه من الصحابة، ثم يقول بلسانهم:
«ونحن أهول فى الصدور وأملأ للعيون. . . كما أن الليل أهول من النهار. . .
ودهم الخيل أبهى وأقوى، والبقر السود أحسن وأبهى، وجلودها أثمن وأنفع وأبقى، والحمر (ج حمار) السود أثمن وأحسن وأقوى، وسود الشّاء أدسم ألبانا وأكثر زبدا. . . وكل جبل وكل حجر إذا كان أسود كان أصلب صلابة، وأشد يبوسة، والأسد الأسود لا يقوم له شئ، وليس من التمر شئ أحلى حلاوة من الأسود ولا أعم منفعة ولا أبقى على الدهر، والنخيل أقوى ما تكون إذا كانت سود الجذوع. . . وأحسن الخضرة ما ضارع السواد، قال الله : ﴿(وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ)﴾ ثم قال لما وصفهما وشوّق إليهما: ﴿(مُدْهامَّتانِ)﴾ قال ابن عباس: خضراوان من الرىّ سوداوان، وليس فى الأرض عود أحسن خشبا ولا أغلى ثمنا ولا أثقل وزنا. . .
ولا أجدر أن ينشب فيه الخطّ من الآبنوس. . . والإنسان أحسن ما يكون فى العين ما دام أسود الشعر، وكذلك شعورهم فى الجنة، وأكرم ما فى الإنسان حدقتاه وهما سوداوان، وأكرم الكحل الإثمد، وهو أسود. . . وأنفع ما فى الإنسان له كبده».
ونحس كأن الكلام سيول تتدافع، وهى سيول تحيط بفكرة السواد وترفع منها محصية إحصاء دقيقا مواقعه فى الطبيعة وفى الحيوان وفى الجماد وفى الثمار والأشجار وفى الزروع والأعواد والأخشاب وفى الإنسان وفى الجنة ونعيمها الخالد. وكل ذلك
стр. 2077
يسوّى فى أسلوب الازدواج وما يحمل من متاع موسيقى للآذان والأسماع ويتحدث الجاحظ عن اقتران السواد بالشدة والصلابة والصرامة، وأنه لا يوجد لون أرسخ فى جوهره من السواد، ويذكر أن العرب تفخر بسواد اللون وأنه كان كثيرون من سادتهم سودا دهما. ويتحدث عن كثرة عدد الزنج، وكيف أن كثيرين من العرب مثل الفرزدق كانوا يفضلون زوجاتهم السودانيات. ويجعل سكان الجزر الهندية وكذلك القبط جنسا من السودان ويذكر أن إبراهيم الخليل تزوج منهم امرأة ولدت له إسماعيل ﵇. ويقول إن الله تعالى لم يجعلهم سودا تشويها لخلقهم، وإنما فعلت بهم ذلك البيئة، ويسلك فيهم من العرب بنى سليم بن منصور وكل من نزل الحرّة لسريان السواد فيهم، ويقول إنه بلغ من أمر تلك الحرّة (حرّة بنى سليم) أن ظباءها ونعامها، وهوامّها وذبابها، وثعالبها وشاءها، وحميرها وخيلها، وطيرها، كلها سود.
ونحس فى حرارة دفاعه عن السودان كأنه يدافع عن أصوله إذا صحّ أن جده كان عبدا أسود. وأكبر الظن أنه أول من أشاد بالسودان فى عصره، وكأنما أصبح لهم شئ من الخطر فى الحياة الاجتماعية العباسية، ولم تمض على وفاته سوى عشر سنوات حتى شبت ثورة الزنج التى تحدثنا عنها فى غير هذا الموضع.
ولون رابع من كتاباته هو النثر القصصى، إذ كان بارعا فى تصوير الشخصيات والنفوس، ولو أنه عرف الأدب التمثيلى لأسعفته ملكته فى المناظرة والحوار بقصص تمثيلية كثيرة، وهو بحق لا يبارى فى وصف الحركات الجسدية والمشاعر النفسية، ومن خير ما يصوّر هذه النزعة القصصية عنده أقصوصته فى كتابه الحيوان عن «القاضى والذباب» وهى تجرى على هذه الصورة الرائعة (١):
«كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن سوّار، لم ير الناس حاكما قط ولا زمّيتا (٢) ولا ركينا (٣)، ولا وقورا حليما ضبط من نفسه، وملك من حركته، مثل الذى ضبط وملك. كان يصلّى الغداة (٤) فى منزله، وهو قريب
стр. 2078
الدار من مسجده، فيأتى مجلسه، فيحتبى، ولا يتكئ، فلا يزال منتصبا، لا يتحرّك له عضو ولا يلتفت ولا يحلّ حبوته (١)، ولا يحوّل رجلا عن رجل، ولا يعتمد على أحد شقّيه، حتى كأنه بناء مبنىّ أو صخرة منصوبة فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى صلاة الظهر، ثم يعود إلى مجلسه، فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى صلاة المغرب. . . كذلك كان شأنه فى طوال الأيام وفى قصارها، وفى صيفها وفى شتائها، وكان مع ذلك لا يحرّك يده ولا يشير برأسه، وليس إلا أن يتكلم فيوجز ويبلغ بالكلام اليسير المعانى الكثيرة، فبينما هو كذلك ذات يوم وأصحابه حواليه وفى السماطين (٢) بين يديه، إذ سقط على أنفه ذباب، فأطال المكث، ثم تحول إلى مؤق (٣) عينه، فرام الصبر فى سقوطه على المؤق وعلى عضّه ونفاذ خرطومه، كما رام الصبر على سقوطه على أنفه من غير أن يحرك أرنبته (٤) أو يغضّن وجهه أو يذبّ بإصبعه. فلما طال ذلك عليه من الذباب وشغله وأوجعه وأحرقه، وقصد إلى مكان لا يحتمل التغافل أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل، فلم ينهض (الذباب) فدعاه ذلك إلى أن والى بين الإطباق والفتح، فتنحىّ ريثما سكن جفنه، ثم عاد إلى مؤقه بأشد من مرّته الأولى، فغمس خرطومه فى مكان كان قد أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله له أضعف وعجزه عن الصبر فى الثانية أقوى. فحرّك أجفانه وزاد فى شدة الحركة وفى فتح العين وفى تتابع الفتح والإطباق، فتنحّى عنه بقدر ما سكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه، فما زال بلحّ عليه حتى استفرغ صبره وبلغ مجهوده. فلم يجد بدّا من أن يذبّ عن عينيه بيده، ففعل، وعيون القوم إليه ترمقه. فتنحّى عنه بقدر ما ردّ يده وسكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه، ثم ألجأه إلى أن ذبّ عن وجهه بطرف كمّه، ثم ألجأه، إلى أن تابع بين ذلك. وعلم أن فعله كله بعين من حضره من أمنائه وجلسائه. فلما نظروا إليه قال: أشهد أن الذباب ألجّ من الخنفساء وأزهى من الغراب، وأستغفر الله، فما أكثر من أعجبته نفسه، فأراد الله أن يعرّفه من ضعفه ما كان عنه مستورا. وقد علمت أنى عند الناس من أزمت
стр. 2079
الناس، فقد غلبنى وفضحنى أضعف خلقه، ثم تلا قوله تعالى: ﴿(وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)﴾.
والأفصوصة تتألف من ثلاثة أجزاء واضحة، أما الجزء الأول فيصف فيه الجاحظ وقار القاضى عبد الله بن سوّار وتزمته وما بلغه من سيطرته الشديدة-التى لم يبلغها أحد-على نفسه وحركته. وهى سيطرة كانت تظل تلازمه طوال اليوم من الغداة حتى صلاة المغرب، بل لكأنما أصبحت له فطرة ثابتة، فإذا هو يجلس محتبيا غير متكئ فى المسجد، منتصبا كأنه سارية أو عمود من أعمدته، لا يتحرك له عضو ولا يلتفت يمنة ولا يسرة، ولا يغيّر وضعا له فى جلسته، حتى لكأنه بناء مبنى أو صخرة منصوبة. ويقول إنه يتخذ هذا الوضع لا فى يوم من أيام السنة، بل فى جميع أيامها طوالها وقصارها، وشئ منه لا يتحرك، لا رجل ولا يد ولا رأس، حتى إذا اجتمع الناس له فى سماطين وعظهم وعظا بليغا.
وهذا هو الجزء الأول فى القصة أو الأقصوصة، ويليه جزء ثان يصور فيه الجاحظ إلحاح الذباب الضعيف على هذا البناء الضخم من الوقار والتزمت والرزانة وهو يسترسل فى العظة، ويصمد البناء لهذا الإلحاح فترة، ثم تأخذ قواه فى الوهن شيئا فشيئا، والجاحظ يلاحظ ويسجل ملاحظاته مصورا أدق الدقائق من حركة الذباب وكيف تحول من أنف القاضى إلى مؤقه، والقاضى يستشعر وقاره صابرا صبرا عظيما على عضّ الذباب لمؤقه ونفاذ خرطومه فيه دون أن يغمض طرفه أو يغضّن وجهه أو يذبّه. ويظل على وقاره صابرا يوجعه الذباب ويحرقه، حتى إذا نفد صبره أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل، فلم يتنحّ الذباب وظل فى إحراقه وإيجاعه، فوالى بين الإطباق والفتح وهو لا يفقد وقاره. وتنحىّ الذباب قليلا ثم عاد بأشد مما كان، لأن المكان كان قد وهى، فكان احتماله له أضعف، فحرّك أجفانه وزاد فى شدة الحركة وفى تتابع الفتح والإطباق. فتنحى الذباب عن المؤق ولم يلبث أن عاد إلى موضعه، وما زال يلحّ على القاضى حتى نفد صبره، فذبّ عن عينيه بيده وعيون الجالسين أمامه ترمقه. وتنحى عنه بقدر ما ردّ يده وسكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه. حينئذ خرج عن وقاره المألوف إذ لم يجد بدّا أن يذبّ عن عينيه بطرف كمه. وعاوده مرارا، وهو يتابع ذبّه بطرف الكم. وننتقل مع الجاحظ إلى الجزء الثالث من الأقصوصة وفيه يصوّر تعلق أعين السامعين،
стр. 2080
الذين شهدوا المنظر بالقاضى، ناظرين إليه وكأنهم يريدون منه تعليقا أو عظة.
ويبدأ ببيان إلحاح الذباب، ويعترف بضعفه أمام أضعف مخلوقات الله، ويصرّح بأن الذباب غلبه وقهره وفضحه، وأنه لا يختلف فى ذلك عن بنى جنسه بشهادة الآية القرآنية الكريمة. والأفصوصة محبوكة حبكا دقيقا بما أودعها الجاحظ من دقائق التصوير والتفاصيل، وكأنها مشهد نراه بأعيننا إذ نقله لنا بحذافيره نقلا واعيا، أو قل نقل عين بصيرة لا يفوتها شئ فى الرؤية الحسية ولا فى الرؤية النفسية.
ولون خامس فى كتابات الجاحظ الأدبية هو كثرة ما أذاع فيها من نوادر ترويحا عن نفس القارئ وتنشيطا له، على نحو ما صوّر ذلك بنفسه فيما أسلفنا من الحديث عن خصائصه، وقد وضع لها قاعدة لغوية عامة ألا تغيّر ولا تبدّل صورتها اللفظية، سواء جرت على ألسنة البدو أو ألسنة العامّة، يقول (١):
«ومتى سمعت-حفظك الله-بنادرة من كلام الأعراب، فإياك أن تحكيها إلا مع إعرابها ومخارج ألفاظها، فإنك إن غيّرتها بأن تلحن فى إعرابها وأخرجتها مخارج كلام المولّدين والبلديين خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير. وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوامّ وملحة من ملح الحشوة والطغام فإياك أن تستعمل فيها الإعراب، أو تتخيّر لها لفظا حسنا أو تجعل لها من فيك مخرجا سريّا، فإن ذلك يفسد الإمتاع بها، ويخرجها من صورتها ومن الذى أريدت له، ويذهب استطابتهم إياها واستملاحهم لها».
وطبّق هذه القاعدة على نفسه تطبيقا شديدا، فالنادرة تروى بألفاظها كما ندّت من ألسنة أصحابها، وإذا كان لفظها عاميّا أو أعرابيّا مسرفا فى البداوة ظلت كما اجتلبت دون أى تعديل، فإنها إن عدّلت مسخت وأصبحت مشوّهة الخلق، وفارقتها طبيعتها، ولم تعد مضحكة. وتكثر النوادر فى البخلاء بل كل الكتاب نوادر إن صح هذا التعبير، وهو يعرض فيه شخصيات المجتمع الفذة الفلسفية والكلامية ومحركاته من شعوبية وغير شعوبية وكثيرا من تقاليده ومطاعمه وملابسه، فكل ما فى المجتمع البصرى من صور حياة يعرض عرضا دقيقا بكل شياته وسماته. وله فى المعلمين كتاب ملأه بنوادرهم، ونسوق له هذه النادرة التى صوّر فيها حمق المعلمين وضعف عقولهم لملازمتهم الصّبية، قال:
стр. 2081
«كنت ألّفت كتابا فى نوادر المعلمين وما هم عليه من الغفلة، ثم رجعت عن ذلك وعزمت على تقطيع الكتاب، فدخلت يوما قرية، فوجدت فيها معلما فى هيئة حسنة، فسلّمت عليه فردّ علىّ أحسن ردّ، ورحّب بى، فجلست عنده، وباحثته فى القرآن، فإذا هو ماهر، ثم فاتحته فى الفقه والنحو وعلم المعقول وأشعار العرب، فإذا هو كامل الأدوات، فقلت: هذا والله مما يقوّى عزمى على تقطيع الكتاب. وكنت أختلف إليه وأزوره، فجئت يوما لزيارته وطرقت الباب، فخرجت إلىّ جارية وقالت: ما تريد؟ قلت: سيّدك. فدخلت وخرجت، وقالت: باسم الله! . فدخلت إليه، وإذا به جالس كئيبا، فقلت:
عظّم الله أجرك ﴿(لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)﴾، ﴿(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ)﴾، فعليك بالصبر، ثم قلت له: هذا الذى توفى ولدك؟ قال: لا، قلت: فوالدك؟ قال: لا، قلت: فأخوك؟ قال: لا، قلت: فزوجتك؟ قال: لا. فقلت: وما هو منك؟ قال: حبيبتى. فقلت فى نفسى: هذه أول المناحس، فقلت: سبحان الله! النساء كثير، وستجد غيرها، فقال: أتظن أنى رأيتها؟ قلت: هذه منحسة ثانية، ثم قلت: وكيف عشقت من لم تر؟ فقال: اعلم أنى كنت جالسا فى هذا المكان، وأنا أنظر من الطاق (النافذة) إذ رأيت رجلا عليه برد (ثوب) وهو يقول:
يا أمّ عمرو جزاك الله مكرمة ... ردّى علىّ فؤادى أينما كانا
لا تأخذين فؤادى تلعبين به ... فكيف يلعب بالإنسان إنسانا
فقلت فى نفسى: لولا أن أم عمرو هذه ما فى الدنيا أحسن منها ما قيل فيها هذا الشعر، فعشقتها، فلما كان منذ يومين مرّ ذلك الرجل بعينه، وهو يقول:
لقد ذهب الحمار بأمّ عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار
فعلمت أنها ماتت، فحزنت عليها، وأغلقت المكتب، وجلست فى الدار، فقلت: يا هذا: إنى كنت ألفت كتابا فى نوادركم معشر المعلمين، وكنت حين صاحبتك عزمت على تقطيعه، والآن قد قوّيت عزمى على إبقائه، وأول ما أبدأ فيه بك إن شاء الله».
стр. 2082
والنادرة طريفة منتهى الطرافة، والمعلم فيها يأخذ سمتا جادّا، يزينه فى أول الأمر علمه الواسع بالقرآن وتفسيره وبالفقه والنحو وبأشعار العرب وما شدا من علوم الأوائل أو علم المعقول كما يقول الجاحظ، حتى ظن أنه كامل الأدوات وعزم على تقطيع كتاب كان ألّفه فى نوادر المعلمين وغفلتهم وحمقهم. ويصحبه فترة، ويلاحظ أنه أغلق كتّابه فيزوره فى داره، وإذا هو جالس جلسة حزين مكتئب، فظن أنه فقد عزيزا لديه، وأخذ يسأله عنه، وهو يجيب جادّا، حتى عرف أنه فقد معشوقته.
وكأنما أطلّ حمقه على الجاحظ، وإذا هو يقول له إنه لم يرها، وتتوالى غفلته فى هذا الحب الأحمق الذى تهوى فيه كل قواعد المنطق، وكأننا فى مسرح هزلى نفضى فيه إلى الضحك، وكلما مضينا فى النادرة أغربنا فيه، لا نتوقف، وكأنما اختلّ توازننا، أو كأنما نندفع فى انحدار بقوة ولا نملك الوقوف أو السيطرة على أنفسنا من هذا السيل الجارف للغفلة المجسمة وما يطوى فيها من حمق فظيع، حمق يدفعنا إلى الضحك العريض. ولعل من الطريف أن الجاحظ كان يتندّر على كل شئ حتى على نفسه وشكله القبيح، ويروى عنه أنه قال: «ما أخجلنى إلا امرأة مرت بى إلى صائغ فقالت له: اعمل مثل هذا، فبقيت مبهوتا، ثم سألت الصائغ فقال: هذه امرأة أرادت أن أعمل لها صورة شيطان، فقلت: لا أدرى كيف أصوّره، فأتت بك لأصوره على صورتك».
ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور شخصية الجاحظ الأدبية وخصائصه الفنية فى كتاباته. ومن المؤكد أن العربية لم تعرف كاتبا فرض نفسه على عصره والعصور التالية كما عرفت فى الجاحظ الذى ملأ الدنيا وشغل الناس بملكاته النادرة، وما وصلها به من ذخائر الثقافات الأجنبية، وما جسّدها فيه من طوابع عقلية ومن جدّ وهزل ومن نقل لكل صور الحياة فى مجتمعه ومن استطرادات تحمل كثيرا من الطّرف والنوادر ومن أسلوب ملئ بالنغم، يجرى فيه دائما الازدواج الذى يروع القارئ بجرسه، إذ يمتع الألسنة حين تنطق به والآذان حين تصغى إليه، كما يمتع بمضامينه العقول والأفئدة.
стр. 2083
٣ - ابن قتيبة (١)
هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى، ولد سنة ٢١٣ للهجرة ببغداد وقيل بالكوفة، أصله فارسى أو تركى من مرو بخراسان، ومن ثم نسب إليها، فقيل المروزى، اختلف فى صباه إلى الكتّاب، فحفظ شيئا من القرآن الكريم والحديث النبوى والأشعار وشدا شيئا من الفقه والنحو والحساب، ولم يكد يشبّ عن الطرق حتى أخذ يختلف إلى المساجد الجامعة بموطنه بغداد يأخذ عن علمائها كل ما عندهم من علوم اللغة والشريعة والحديث، وعكف على المترجمات يقرأ فيها ويستوعب، وخاصة ما ترجم عن الفارسية، ولمع اسمه فى بيئة الفقهاء، فتولّى القضاء بدينور، ولذلك يقال له الدّينورى. وعاد إلى بغداد مؤثرا الاشتغال بالتدريس والتعليم حتى توفى سنة ٢٧٦ للهجرة. وقد أكبّ على كتب الجاحظ يدرسها ويتمثلها، مع أنهما كانا على طرفى نقيض، فقد كان الجاحظ معتزليّا كما مرّ بنا، وكان ابن قتيبة سنّيّا، وله كتابان: مشكل القرآن وتأويل مختلف الحديث، وفيهما وخاصة فى الثانى يحمل على الجاحظ والمعتزلة حملات شعواء، وهما منشوران. وله بجانبهما كتب كثيرة منها كتاب فى الفقه وكتاب فى دلائل النبوة وغريب القرآن وكتب غيرهما كثيرة فى مختلف الميادين سقطت من يد الزمن. ومن كتبه المنشورة المعارف وفيه يتحدث عن مبدأ الخلق وقصة الطوفان نقلا عن ترجمة للتوراة، ويعقب ذلك بتاريخ الأنبياء والرسل والعرب الجاهليين وسيرة الرسول ﵇، ثم أخبار موجزة عن العلماء فى كل فن وعن الفرس قبل الإسلام. وله كتاب الأشربة وهو منشور بدمشق وكتاب الميسر والقداح وهو منشور بالقاهرة وكتاب الاختلاف فى اللفظ والرد على الجهمية والمشبّهة وهو منشور أيضا بالقاهرة ونشر
стр. 2084
باسمه كتاب الإمامة والسياسة وهو منحول عليه. ومن أهم كتبه كتاب الشعر والشعراء وهو تراجم قصيرة لشعراء العرب حتى عصره، وهو منشور مرارا. وله كتاب معانى الشعر الكبير. وألف طائفة من الكتب لتثقيف الكتّاب الناشئين؛ منها كتابه «أدب الكاتب»، الذى عرضنا له فى غير هذا الموضع، وهو يمدّ الكاتب فيه بثقافة لغوية واسعة، وأهم منه كتابه «عيون الأخبار» وهو يمد الكاتب فيه بكنوز الثقافات التى تسعفه فى مادة عمله.
وابن قتيبة يعدّ أكبر مؤلف أدبى ظهر فى العصر بعد الجاحظ، وهو سنى محافظ ولذلك يكون من المنطق أن تتضح محافظته فى آرائه النقدية، غير أنه كان فيما يبدو يوازن بين النزعة المحافظة لعصره والنزعات المجدّدة المعتدلة عند الجاحظ وأمثاله من المعتزلة. ويتضح ذلك فى مقدمته الطويلة لكتابه «الشعر والشعراء» إذ نراه يعلن أنه لن ينظر إلى المتقدم من الشعراء بعين الجلالة لتقدمه ولا إلى المتأخر بعين الاحتقار لتأخره، فإن الله لم يقصر البلاغة على زمن دون زمن ولا خصّ بها قوما دون قوم. وهى نظرة منصفة، ولكنه يعود فيقول: «ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين. . . فيقف على منزل عامر أو يبكى عند مشيّد البنيان لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم العافى، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب الجوارى لأن المتقدمين وردوا الأواجن والطوامى، أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد لأن المتقدمين جروا على ذكر منابت الشّيح والحنوة (١) والعرارة» وهى لا شك نظرة محافظة تستمد من الجو السنّى فى العصر الذى حل محل جوّ الاعتزال منذ فاتحة عهد المتوكل. وكانت هذه النظرة تلتقى مع النظرة السابقة التى لا تضع فى موازين القيمة الشعرية قدم الشعر وحداثته، حتى لا يكون محافظا جامد العقل، بل هو محافظ أميل إلى روح التجديد والمعاصرة. ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أنه كان أحد خصوم الشعوبية، بل كان ثانى اثنين خاضا معركة حامية مع أصحاب هذه النزعة، وعرضنا هناك لمصنّفه: «كتاب العرب أو الرد على الشعوبية» وكانت له وراء ذلك فى نفس الموضوع كتب مختلفة.
стр. 2085
وأهم من هذا الموقف له ضد الشعوبية أن نجده يدخل بقوة الثقافات الأجنبية:
اليونانية والفارسية والهندية على الثقافة العربية الإسلامية، ويعمل على تكوين مزيج موحّد منها جميعا، بحيث لا يشغل أصحاب كل ثقافة بالدعوة والترويج لها، مما أحدث هذا الصراع العنيف بين الشعوبيين والعرب الذى طال عليه الأمد منذ عهد المهدى حتى عصره. وحقّا حاول ذلك الجاحظ من قبله، ولكن غلبة النزعتين الكلامية والأدبية عليه حالت دون النفوذ إلى نهاية الغاية، وكانت الثقافة اليونانية أكثر شئ يشغله، حتى ليقول: «لا يكون المتكلم جامعا لأفطار الكلام متمكنا فى الصناعة، يصلح للرياسة، حتى يكون الذى يحسن من كلام الدين فى وزن الذى يحسن من كلام الفلسفة» (١) وأشار غير مرة إلى أن كتابه «أخذ من طرف الفلسفة». ولم يكن اليونانيون أصحاب النزعة الشعوبية فى العصر، فقد كان الفرس هم الذين يحملون علمها ويبذلون قصارى جهدهم فى الدعوة لها مشيرين دائما إلى كتب الآداب الفارسية. فكان لا بد كى يقضى على هذه النزعة الحادّة من أن تلتقى-على يد كاتب عظيم-ثقافتها وكذلك الثقافة اليونانية والهندية بالثقافة العربية الإسلامية، وتدخل جميعها فى مجرى النهر العربى الإسلامى بحيث تتلاشى فيه نهائيّا، ولا يصبح لها وجود مستقل، فوجودها جزء لا يتجزأ من وجود الثقافة العربية الإسلامية العامة.
وهو ما نهض به ابن قتيبة فى أروع صورة، إذ مضى ينسّق مختارات ومقتطفات من الآداب الفارسية، مع مقتطفات ومختارات من الآداب العربية الخالصة ومع مقتطفات ومختارات من الثقافتين الهندية واليونانية، وكانت ثمرة ذلك أربعة مجلدات ضخمة ألّفت كتابه «عيون الأخبار»، وقد وزعه على عشرة كتب، أولها كتاب السلطان، وفيه يتحدث عن سيرته وسياسته وصحبته واختياره للعمال والقضاة والحجّاب والكتّاب، ويبدؤه بأحاديث نبوية، ثم يذكر بعض وصايا لشخصيات عربية فى الحكم وسياسة السلطان، ولا يلبث أن يقول: وقرأت فى كتاب من كتب الهند: «شر المال ما لا ينفق منه، وشرّ الإخوان الخاذل، وشرّ السلطان من خافه البرئ، وشر البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن. . . وخير سلطان من أشبه النّسر
стр. 2086
حوله الجيف لا من أشبه الجيفة حولها النسور» ويذكر أقوالا لابن مسعود وعمر بن الخطاب، ثم ينقل فصلا طويلا من كتاب اليتيمة لابن المقفع وما يصوّر من الأدب الأخلاقى فى عهد ملوك الفرس الساسانيين، ثم يقول: «وقرأت فى التاج (وهو فى سيرة أنوشروان) لبعض الملوك: هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار، وألباب الملوك مشغولة بكل شئ يجلّ، وألباب السّوق مشغولة بأيسر الشئ».
ويعود إلى النقل عن بعض النابهين من العرب، ثم يقول: «وقرأت فى بعض كتب العجم كتابا لأردشير بن بابك إلى الرعية، وينقل الكتاب جميعه، ويعقب عليه بكتاب من أرسططاليس إلى الإسكندر وفيه: «املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، فإن طلبك ذلك منها بإحسانك، هو أدوم بقاء منه باعتسافك، واعلم أنك إنما تملك الأبدان، فتخطّها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت على أن تفعل، فاجهد ألا تقول تسلم من أن تفعل». ويتلو ذلك بقوله: «وقرأت فى كتاب الآيين (فى أنظمة الملك والدولة الساسانية) أن بعض ملوك العجم قال فى خطبة له: «إنى إنما أملك الأجساد لا النيات، وأحكم بالعدل لا بالرضا، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر» ويذكر أخبارا عن أنوشروان ومعاوية وعبد الملك بن مروان وعمر الفاروق وعن سياسة الحجاج فى رعيته، ثم يقول: «وقرأت فى كتاب التاج: قال أبرويز لابنه شيرويه وهو فى حبسه: «لا توسعنّ على جندك فيستغنوا عنك، ولا تضيّقنّ عليهم فيضجّوا منك، أعطهم عطاء قصدا، وامنعهم منعا جميلا، ووسّع عليهم فى الرجاء، ولا توسّع عليهم فى العطاء». ويروى عن عمر بن الخطاب «إن للناس نفرة عن سلطانهم، فأعوذ بالله أن تدركنى وإياك عمياء مجهولة وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران: أحدهما لله والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الله، فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى. . . وإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة بهيمة مرّت بواد خصب فلم يكن لها همّ إلا السّمن، وإنما حتفها فى السّمن». ثم أخبار عن عبد الله بن الزبير فى الرعية، ولا يلبث أن يقول:
وفى كتاب من كتب العجم أن أردشير قال لابنه: «يا بنىّ إن الملك والدين أخوان لا غنى بأحدهما عن الآخر، فالدين أسّ والملك حارس، وما لم يكن له أسّ فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع» ثم يذكر صفات ذميمة لا يصح
стр. 2087
أن تكون فى السلطان. ويتحدث عن اختيار العمال ويختم حديثه بقوله: قرأت فى كتاب للهند «السلطان الحازم ربما أحبّ الرجل فأقصاه واطّرحه مخافة ضرّه، فعل الذى تلسع الحية إصبعه، فيقطعها لئلا ينتشر سمّها فى جسده، وربما أبغض الرجل فأكره نفسه على توليته وتقريبه لغناء يجده عنده كتكاره المرء على الدواء البشع لنفعه». ويعرض لصحبة السلطان وآدابها وتغير السلطان وتلونه، ويقول:
«قرأت فى كتاب للهند: صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطار. وإنما تشبّه بالجبل الوعر فيه الثمار الطيبة والسباع العادية، فالارتقاء إليه شديد، والمقام فيه أشد. . . ولا خير فى الشئ الذى فى سلامته مال وجاه، وفى نكبته الجائحة والتلف». وينقل عن بعض العرب ورجالاتهم وعن آداب ابن المقفع وعن بعض النساك والمعتزلة والوعّاظ وعن بعض كتبه التى كتب بها إلى الحكام والوزراء وعن بعض الكتاب وعن أبرويز فى بعض ما كتب به إلى ابنه شيرويه وعن بعض رجال الحكم من العرب، ويستشهد ببعض الأشعار للقطامى وبشار وغيرهما، ويعرض لخيانات العمّال، وينقل من كتاب التاج: أن أبرويز قال لصاحب بيت المال: «إنى لا أحتملك على خيانة درهم، ولا أحمدك على حفظ ألف ألف درهم، لأنك إنما تحقن بذلك دمك وتعمر به أمانتك، فإنك إن خنت قليلا خنت كثيرا». ويكثر فى فصل القضاء المعقود فى هذا الكتاب من النقل عن العرب وأحكام الإسلام، ويروى كتاب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى فى القضاء، وهو دستور عظيم فى عدالة القضاء ونزاهته. وتتوالى فصول عن الأحكام والشهادات والظلم، وفيها يكثر من النقل عن العرب نثرا وشعرا، ويعود فى الفصول التالية إلى النقل عن كتب الهند والفرس.
والكتاب الثانى كتاب الحرب، وفيه يتكلم عن آدابها ومكايدها وأوقاتها وحيلها وعددها وسلاحها، ويبدؤه بحديث عن الرسول ﵇ وببعض وصايا أبى بكر وعمر للجيوش وقوّادها عند عقد الألوية، ويذكر بعض ما قرأ فى كتب العجم والهند، ومما قرأه فى الأخيرة: «الحازم يحذر عدوه فى كل حال، يحذر المواثبة إن قرب، والغارة إن بعد، والكمين إن انكشف، والاستطراد إن ولّى، والمكر إن رآه وحيدا، ويكره القتال ما وجد بدّا، لأن النفقة فيه من الأنفس، والنفقة فى
стр. 2088
غيره من المال». ويذكر بعض حيل الفرس والعرب فى الحرب، ويتحدث عن آداب الفروسية عند الأمتين، ويفيض فى الحديث عن الشجعان وإنشاد الشعر الحماسى.
والكتاب الثالث كتاب السؤدد، ويتكلم فيه عن مخايله وأسبابه، ويعرض لجوانب كثيرة من الشرف والأخلاق الرفيعة، ويفتح فيه فصلا للمزاح والرخصة فيه، ويدعو إلى التوسط فى الدين والحلم والعقل والغنى والإنفاق، وكأنه يتأثر بنظرية الأوساط المعروفة عند أرسططاليس. ويفرد الكتاب الرابع للطبائع والأخلاق المذمومة من مثل الحسد والغيبة والسعاية، وفيها يقول: وقرأت فى كتاب للهند:
«قلما يسنع القلب من القول إذا تردّد عليه، فإن الماء ألين من القول، والحجر أصلب من القلب، وإذا انحدر عليه وطال ذلك أثّر فيه، وقد تقطع الشجرة بالفئوس فتنبت، ويقطع اللحم بالسيوف فيندمل، واللسان لا يندمل جرحه والنصول تغيب فى الجوف فتنزع، والقول إذا وصل إلى القلب لم ينزع، ولكل حريق مطفئ: للنار الماء. وللسم الدواء، وللحزن الصبر. وللعشق الفرقة، ونار الحقد لا تخبو». ويذكر أن واشيا وشى برجل إلى الإسكندر فقال له:
«أتحب أن أقبل منك ما قلت فيه على أن أقبل منه ما قال فيك؟ قال: لا، قال فكفّ عن الشّرّ يكفّ عنك الشر»، وينقل فى هذا الكتاب عن كثيرين من العرب شعرا ونثرا. ويستطرد إلى الحيوانات وطبائعها متأثرا بالجاحظ، ويعرض للحشرات وينقل فيها عن أطباء العصر، كما يعرض للنبات. ويعقد الكتاب الخامس للعلم والبيان، ويستهله بحديث عن الرسول ويقول: فى كتاب للهند: العالم إذا اغترب معه من علمه كاف كالأسد معه قوته التى يعيش بها حيث توجّه، ويذكر عن بزرجمهر أنه قيل له: بم أدركت ما أدركت من العلم؟ فقال ببكور كبكور الغراب، وحرص كحرص الخنزير، وصبر كصبر الحمار» ويذكر عن أفلاطون أنه قال: «لولا أن فى قول لا أعلم سببا لأنى أعلم لقلت إنى أعلم».
ويروى بعض كلمات للمسيح ﵇، ويفتح فصولا للقرآن الكريم والحديث الشريف والفرق والأهواء فى الدين، ويعرض لبعض صور الكلام والشعر، كما يعرض طائفة كبيرة من الخطب منذ الرسول ﵇ إلى المأمون.
стр. 2089
والكتاب السادس كتاب الزهد، وفيه تبرز بجانب مواعظ كبار النسّاك والوعّاظ والزهاد المسلمين ثقافة ابن قتيبة الدينية لا الإسلامية وحدها، بل أيضا ثقافته بالكتب السماوية وكيف أنه عكف عليها وعلى كل ما يتصل بها يقرأ وينقل، تارة مما كتبه أمثال وهب بن منبه عما أوحى الله إلى أنبيائه. وينقل من التوراة ومن الإنجيل، من ذلك قوله: «قرأت فى الإنجيل: لا تجعلوا كنوزكم فى الأرض حيث يفسدها السوس والدود وحيث ينقب السرّاق ولكن اجعلوا كنوزكم فى السماء، فإنه حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم» ويذكر أن رجلا من الحواريين قال للمسيح: أتأذن لى أن أدفن أبى؟ فقال له: دع الموتى يدفنون موتاهم. ويذكر له دعاء طويلا حين أخذه اليهود ليصلبوه بزعمهم فرفعه الله إليه، كما يذكر دعاء لداود وتحميدا طويلا ودعاء ليوسف، ويروى عن المسيح أنه قال: حبّ الدنيا أصل كلّ حطيئة، والمال فيها داء؛ قيل: ما داؤه؟ قال: لا يسلم صاحبه من الفخر والكبر، قيل وإن سلم؟ قال: يشغله إصلاحه عن ذكر الله. وبذلك يكون ابن قتيبة قد أضاف إلى الثقافة الإسلامية ثقافة عامة بالكتب السماوية وأقوال أنبيائها المرسلين. والصلة بين هذا الكتاب وكتاب الزهد فى البيان والتبيين للجاحظ واضحة.
والكتاب السابع كتاب الإخوان، وفيه يتحدث عن اختيارهم وما ينبغى أن يكون بينهم من الوشائج والصلات والاشتراك فى السّرّاء والضّرّاء.، وتلقانا من حين إلى حين نقول عن بعض كتب الهند أو بعض ملوك العجم، كما تلقانا أحاديث نبوية وأشعار وأخبار ونصائح ووصايا على ألسنة كثيرين من رجال العرب النابهين.
والكتاب الثامن كتاب الحوائج واستنجاحها والمواعيد وتنجّزها، ويظل فيه ينقل عن كتب العجم مثل قول بزرجمهر: «إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق، فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنها لا تبقى». والكتاب التاسع كتاب الطعام وفيه يعرض صنوفه وأخبار العرب فى مآكلهم وآداب الطعام والضيافة وأخبار البخلاء وأوانى الأكل والحمية وشرب الدواء والتّخمة والمياه والأشربة ومنافع بعض النباتات والبقول. وتلقانا لفس الثقافات العربية والفارسية واليونانية، ويصرّح بأنه ينقل فى هذا الكتاب عن الجاحظ وأثر كتابه البخلاء واضح فيه، ويذكر فى الحمية عن الطبيب اليونانى جالينوس أنه قيل له: إنك تقلّ من الطعام؟ قال: غرضى من
стр. 2090
الطعام أن آكل لأحيا وغرض غيرى من الطعام أن يحيا ليأكل. وبالمثل ينقل عن أبقراط اليونانى نقولا، كما ينقل عن أطباء العصر العباسى مثل ابن ماسويه وعن كتاب الآيين الأعجمى. والكتاب العاشر كتاب النساء، وفيه يتكلم عن أخلاقهن وما يقبل منهن وما يكره والجمال والقبح والمهور والزواج وسياسة معاشرتهن والجوارى والقيان ومساوئ النساء، ويحكى هنا قصة حصار أردشير لمدينة الحضر الأسطورية التى يقال إنها كانت قائمة فى الزمن القديم بين دجلة والفرات، وكيف أن فتاة ملك الحضر رأته فعشقته، وسرعان ما أرسلت إليه أن تدله على موضع يفتتح منه المدينة إن هو وعدها الاقتران بها، ووعدها، فدلته على الموضع، ودخل المدينة هو وجنوده.
ولعل فيما قدمنا ما يصور بوضوح كيف مزج ابن قتيبة بين الثقافات العربية والإسلامية والفارسية والهندية واليونانية، وكذلك ثقافة أهل الكتاب، فكل الثقافات الأجنبية والعربية من مدنية ودينية استحالت عنده إلى هذه الصورة الجديدة التى نقرؤها فى عيون الأخبار. وبلغت هذه الصورة من النجاح أنه خفت صوت الشعوبية، فإن الكنوز التى كانت تباهى بها تحولت إلى عالم العروبة على يد ابن قتيبة وأصبحت من لبّه، بحيث لم يعد هناك مجال للفخر بها، إذ لم تعد مستقلة ولم تعد تشقّ لنفسها جداول تجرى فيها وحدها، فقد صبّت فى نهر العروبة الكبير وذابت فيه، أذابها ابن قتيبة ببصيرته النافذة وقلمه الباهر، وأكبر الدلالة على ذلك لا تضاؤل صوت الشعوبية تضاؤلا شديدا مع السنين فقط، بل أيضا أنا لا نعود نسمع عن ترجمات لكتابات الفرس الأدبية والتاريخية، فقد أصبحت غير ذات موضوع بعد أن تناولت الأيدى كتاب عيون الأخبار، وبعد أن أصبح المصدر الأساسى لكل من يريد التعرف على الآداب الفارسية وما يمكن أن يفيده الأدب العربى منها ومن الثقافتين الهندية واليونانية وثقافة أهل الكتب السماوية. فكل ذلك قد أصبح تحت أيدى العرب وأبصارهم، ولم يعودوا فى حاجة إلى مزيد منه، ولذلك لم يهتموا فيما بعد بما دوّن الفردوسى فى الشاهنامة من شعر قصصى ولا بما كتب حافظ الشيرازى وغيره من شعر صوفى. وكان من آثار ذلك أن أعداء العرب لم يعودوا يوصفون بوصف الشعوبية والزندقة معا، فقد أصبحوا غالبا يوصفون بالزندقة والإلحاد
стр. 2091
فحسب، وشاع ذلك على ألسن العرب وعلمائهم منذ أواخر القرن الثالث الهجرى، مصوّرين بذلك بواعثهم وحقائقهم النفسية.
ولا نغلو إذا قلنا إن من أهم الأسباب فى أن كتاب عيون الأخبار أخذ هذه المكانة الممتازة أسلوب ابن قتيبة فيه، فإن كل هذه المواد الثقافية التى نسّقها سبكها فى أسلوب أدبى رائع، أسلوب يمتاز بوضوحه واصطفاء ألفاظه والمزاوجة بينها على طريقة الجاحظ أحيانا، وأحيانا يسترسل دون محاولة الازدواج، ولكن مع العناية باختيار الكلمات والملاءمة بينها بحيث لا تجد فيها أى نشاز ولا أى اضطراب أو انحراف، فقد كانت اللغة مرنة فى يده، وكان لا يتأبّى عليه أى لفظ، ولا تستعصى عليه أى كلمة. وبهذا الأسلوب المتناسق وما يجرى فيه من استواء صنّف كتابه عيون الأخبار جميعه، بحيث غدا كأنه مصبوب فى قوالب متماثلة، قوالب تستريح لها الأذن، وتجد فيها القلوب والعقول متاعا لا ينفد، واقرأ سطوره الأولى فى المقدمة، فإنها تطرد على هذا المنوال:
«الحمد لله الذى يعجز بلاؤه صفة الواصفين، وتفوت آلاؤه عدد العادّين، وتسع رحمته ذنوب المسرفين، والحمد لله الذى لا تحجب عنه دعوة، ولا تخيب لديه طلبة. ولا يضل عنده سعى، الذى رضى عن عظيم النعم بقليل الشكر، وغفر بعقد الندم كبير الذنوب، ومحا بتوبة الساعة خطايا السنين. والحمد لله الذى ابتعث فينا البشير النذير السراج المنير، هاديا إلى رضاه وداعيا إلى محبّته، ودالاّ على سبيل جنّته. ففتح لنا باب رحمته، وأغلق عنا باب سخطه. . . أما بعد فإن لله فى كل نعمة أنعم بها حقّا، وعلى كل بلاء أبلاه زكاة، فزكاة المال الصدقة، وزكاة الشرف التواضع، وزكاة الجاه بذله، وزكاة العلم نشره، وخير العلوم أنفعها، وأنفعها أحمدها مغبّة، وأحمدها مغبّة ما تعلّم وعلّم لله وأريد به وجه الله تعالى».
وهذه القطعة فى مستهلّ الكتاب تصور ضربا من العناية بالألفاظ فيه يشبه عناية الجاحظ، فالجاحظ يعمد إلى الازدواج أو العبارات المتقابلة، وقد يجرى السجع على لسانه فى غير تكلف بالضبط كما نرى الآن عند ابن قتيبة. والعبارات الأخيرة التى ردّد فيها ابن قتيبة كلمة الزكاة، وتعقّب فيها الكلمة الأخيرة وردّدها
стр. 2092
كما فى كلمة «أنفعها» و «أحمدها» هذا الأسلوب بعينه نجده عند الجاحظ، وكأن ابن قتيبة تمثّل أسلوبه بجميع خصائصه ونمضى معه فى المقدمة، فنراه يقول:
«وهذه عيون الأخبار نظمتها لمغفل التأدّب تبصرة، ولأهل العلم تذكرة، ولسائس الناس ومسوسهم مؤدّبا، وللملوك مستراحا، وصنّفتها أبوابا، وقرنت الباب بشكله، والخبر بمثله، والكلمة بأختها، ليسهل على المتعلم علمها، وعلى الدارس حفظها، وعلى الناشد طلبها، وهى لقاح عقول العلماء، ونتاج أفكار الحكماء، وزبدة المخض، وحلية الأدب، وثمار طول النظر، والمتخيّر من كلام البلغاء، وفطن الشعراء، وسير الملوك، وآثار السلف».
ولو أننا لم نعرف أن ابن قتيبة هو الذى كتب هذا الكلام، وسئلنا عن صاحبه لأجبنا توّا الجاحظ، إذ نشعر كأنما فصل من أسلوبه بخواصه من الموازنات والمعادلات بين العبارات، بحيث تتقابل الكلمات فى صفوف، وكل كلمة كأنما تمسك بمثيلتها فى العبارة التالية، وكل عبارة كأنما تصافح أختها السابقة، فهى على وتيرتها ومن نفس جنسها ونوعها، وكان هذا يحدث تماسكا شديدا فى أسلوب الجاحظ، لولا ما يداخله أحيانا من استطراد. أما عند ابن قتيبة فلا استطراد ولا خروج من دائرة الفكرة التى يعالجها، وكتابته من هذه الناحية مرتّبة مبوّبة فى أدقّ نسق. ويكفى أن ننظر فى فهرس عيون الأخبار فسنرى الكتاب من كتبه العشرة يفتح، ولكل كتاب فصوله المترابطة معه، وكأنها حلقات فى سلسلة متتابعة وليس فى داخلها ما يوهن العلاقات المنطقية بين الكلام، بل لكأنما الكتاب خيط ممتدّ أحكمت فصوله ونسّقت مواده تنسيقا دقيقا. وابن قتيبة يخطو بالتأليف الأدبى من هذه الناحية بعد الجاحظ خطوات واسعة، إذ لا يسمح لأى فصل داخلى فى كتاب فضلا عن الكتاب نفسه بأى استطراد يخلخل الكلام أو يفقده سياقه. ولكن إذا كان قد تفوّق على الجاحظ من حيث نسق التأليف فإن الجاحظ يتفوق عليه فى وصله الأدب بمجتمعه، على نحو ما صوّرنا من صنيعه فى هذا الجانب. وحقّا نجد عند ابن قتيبة أشعارا معاصرة له، ولكنه لم يحك أخبار الخلفاء والوزراء الذين عاصرهم على نحو ما حكى الجاحظ، ولا حكى أخبار
стр. 2093
طبقات المجتمع وخاصة الطبقة العامة. وهو لذلك لا يعدّ كاتبا واقعيّا على نحو ما يعدّ الجاحظ، وإن كان قد حاول أحيانا أن يقتفى أثره. ومرّ بنا أنه بلغ من واقعية الجاحظ أنه لم يكن يجد أى حرج فى أى شئ يخجل منه المتزمتون، حتى العورات كان لا يرى فى ذكرها أى بأس ما دام الكلام يستلزم ذكرها، ويتابعه ابن قتيبة فى تقديمه لعيون الأخبار قائلا: «إنما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين، وإذا مرّ بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو وصف فاحشة فلا يحملنّك الخشوع أو التخاشع على أن تصعّر خدّك، وتعرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم فى شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب».
ومع ذلك فإنه لم يبلغ مبلغ الجاحظ فى صراحته، إذ كان فى حقيقته محافظا متزمّنا لا يستطيع أن يترك لنفسه-مثل الجاحظ-العنان فى الصراحة دون أى مواربة.
ومرّ بنا أن الجاحظ كان يجعل خلط الجد بالهزل خاصة قوية من خصائص كتابته، ومع أن ابن قتيبة كان من أهل السنّة المحافظين الذين يأخذون أنفسهم بالجد والوقار نراه فى مقدمته لعيون الأخبار يعلن أنه سيأخذ بهذا المنهج فى كتابته، يقول:
«ولم أخله من نادرة طريفة، وفطنة لطيفة، وكلمة معجبة، وأخرى مضحكة. . لأروّح بذلك عن القارئ من كدّ الجدّ وإتعاب الحق، فإن الأذن مجّاجة، وللنفس حمضة، والمزح إذا كان حقّا أو مقاربا، ولأحايينه وأوقاته، وأسباب أوجبته مشاكلا، ليس من القبيح ولا من المنكر ولا من الكبائر ولا من الصغائر إن شاء الله. وسينتهى بك كتابنا هذا إلى باب المزاح والفكاهة وما روى عن الأشراف والأئمة فيهما، فإذا مرّ بك أيها المتزمت حديث تستخفه أو تستحسنه أو تعجب منه أو تضحك له فاعرف المذهب فيه وما أردنا به».
وإذا انتهينا-كما يقول ابن قتيبة-إلى باب المزاح والفكاهة وهو من أبواب كتاب السؤدد لاحظنا توّاأن فكاهاته ونوادره من طراز آخر غير طراز الجاحظ، فمنها كثير لا يثير ابتساما، وما يثير الابتسام قليل جدّا، ويكفى أن يقول إنها مما روى عن الأشراف والأئمة لنعرف مقدّما أنها نوادر وفكاهات يمسح عليها الوقار وأنه يندر أن ترتسم معها ابتسامة على الشفاء. ونسوق منها هذه النوادر عن الشّعبىّ (من علماء الكوفة) لتعرف طوابعها ومدى ما فيها من المزاح:
стр. 2094
«دخل رجل على الشعبى ومعه فى البيت امرأة، فقال لهما: أيكما الشعبى، فأجابه الشعبى: هذه. وسأل سائل الشعبى عن لحم الشيطان هل يجوز أكله؟ فأجابه: نحن نرضى منه بالكفاف. ودخل على الأعمش زميله يعوده فى مرض، ونظر من حوله إلى المنزل وما فيه من أثاث بسيط، ثم قال له: أما أنت فتعرف فى منزلك أنك لست من أهل القريتين (مكة والطائف) عظيما».
وأين هذه النوادر، من نادرة المعلم الأحمق التى رويناها آنفا، والتى مثّل فيها الجاحظ حمقه تمثيلا هزليّا مضحكا؟ . ولا ريب فى أن هذا يرجع إلى اختلاف مزاج الشخصيتين، فالجاحظ أديب فكه بطبعه متحرر من كل قيد، يضحك وتستغرق فى الضحك ولا تستطيع أن تعود منه وتستردّ نفسك إلا بعد ضحك عريض، وابن قتيبة أديب وقور تغلب عليه المحافظة وإن حاول التجرر، ويغلب عليه استشعار الجد، وكأنه إذا هزل أو تندّر خرج عن طبعه، أو قل كأنه إنما كان يريد أن يتشبه بالجاحظ. ومن بقية هذا التشبّه عنده فى باب النوادر والمزاح أن نراه يزعم فى تقديمه لكتاب العيون أنه سيحكى النوادر العامية بلفظها وبما فيها من لحن، ومرّ بنا كلام الجاحظ فى هذا الموضوع وأنه ينبغى أن تظل النادرة العامية بصيغتها ولحّنها وإلا ضاع ما فيها من فكاهة إذا انقلبت ألفاظها من العامية إلى الفصحى وتبدّلت صورتها الفكهة، ويقول ابن قتيبة محتجّا لذلك: «اللّحن إن مرّ بك فى حديث من النوادر فلا يذهبنّ عليك أنا تعمدناه وأردنا منك أن تتعمده، لأن الإعراب ربما سلب بعض الحديث حسنه، وشاطر النادرة حلاوتها، وسأمثل لك مثالا، قيل لمزبّد المدينى (المضحك) -وقد أكل طعاما كظّه (أتخه) -قى (قئ) فقال:
ما أقى، أقى نقا (مخّا) ولحم جدى! مرتى طالق لو وجدت هذا قيّا لأكلته. ألا ترى أن هذه الألفاظ لو وفيت بالإعراب والهمز حقوقها لذهبت طلاوتها، ولاستبشعها سامعها». والنادرة نفسها التى تمثّل بها ابن قتيبة ثقيلة وتدلّ-هى وما سبقها بوضوح-على أنه من مزاج آخر غير مزاج الجاحظ.
والجاحظ فى الواقع قمة بعيدة المنال فى الأدب العربى كله، ومن الظلم لابن قتيبة أن نزنه به ونقيسه إليه، فقد كان فريدا فى عصره والعصور السابقة جميعها، ويكفى ابن قتيبة مجدا أدبيا أسلوبه الواضح الناصع الذى وصفناه وأنه أخرس إلى الأبد
стр. 2095
أصحاب الشعوبية بما سوّى للعربية فى عيون الأخبار من هذا الأدب العربى الرفيع الذى وسع مختلف الثقافات ومزج بينها بحيث أصبح له طوابع جديدة مميزة.
٤ - سعيد بن حميد (١)
أبوه حميد بن سعيد فارسى الأصل، كان من أهل النباهة فى بغداد ووجها من وجوه المعتزلة وكان يحسن نظم الشعر، ولا نعرف متى ولد له سعيد، ويبدو أنه عنى به عناية شديدة منذ نعومة أظفاره، فألحقه بكتّاب حفظ فيه شيئا من القرآن والفقه والحديث والنحو واللغة والأشعار والحساب، حتى إذا خطا خطوات فى العقد الثانى من عمره دفعه إلى حلقات الدرس فى المساجد، ويروى أنه عنى خاصة بأن يلحقه بحلقة ابن الأعرابى المتوفّى سنة ٢٣١ وأنه سمع منه أرجوزة فى نحو عشرين بيتا وحفظها بمجرد سماعها، مما يدل على ذكائه وقوة ذاكرته. ولم يكتف سعيد بحلقة هذا العالم اللغوى الكبير، فقد مضى يختلف إلى حلقات العلماء من كل صنف، مكبّا عليها ناهلا منها متمثلا لما يقدّم فيها من غذاء أدبى وفكرى، مما جعل المسعودى يقول عنه: «كان سعيد حافظا لما يستحسن من الأخبار ويستجاد من الأشعار متصرفا فى فنون العلم، ممتعا إذا حدّث، مفيدا إذا جولس». ولعل ذلك ما جعل فضلا الشاعرة تعجب به، وتعقد بينها وبينه مودة ظلت فترة طويلة، وظلا يتبادلان فيها الرسائل الشعرية، على نحو ما مرّ بنا فى حديثنا عن فضل. وكان قد ملأه الطموح بالنجاح فى سامراء عاصمة الخلافة فتحول من بغداد إليها. ولا ريب فى أن حلاوة محضره وعذوبة أحاديثه جعلتا كثيرين من أدباء عصره تشرئب أعناقهم إلى صحبته، وكانت فيه دعابة تجعل مجلسه خفيف الروح، مما جعل أبا على البصير وأبا العيناء نديمى المتوكل يألفانه ويختلفان إلى مجالسه، وتدور بينهما وبينه مداعبات ومعاتبات ومكاتبات، كما قال الرواة. ويبدو
стр. 2096
أنه كان ينتظم بين كتّاب الدواوين لعهد المتوكل، إن لم يكن قد انتظم فيها قبل ذلك، وإنما يدفعنا إلى هذا الرأى ما اشتهر به من تعصبه على آل على بن أبى طالب تعصبا شديدا حتى ليقول ابن المعتز. «كان سعيد من أشد الناس نصبا (عداء) لعلى وانحرافا عن آل الرسول ﵇» (١) ويقول المسعودى:
«كان يتنصّب ويظهر التسنن والانحراف عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه وعن الطاهرين من ولده». ومرّ بنا فى غير هذا الموضع موقف المتوكل من العلويين وأمره بهدم قبر الحسين فى كربلاء وانحرافه عن على وآله، وكأن سعيدا اعتنق أفكاره إما حقيقة وإما رياء للخليفة الموظف بدواوينه. على كل حال نظن فى هذا الانحراف عند المتوكل وسعيد معا أنه كان يعمل فى ظله، وأنه استحال بوقا من أبواقه. ويقول صاحب الفهرست إن له كتاب انتصاف العجم من العرب ويعرف بالتّسوية، والكتاب لم يصلنا، ولا ندرى هل كان ينحرف عن العرب بدورهم انحرافا شديدا أو انحرافا خفيفا، على أن فى كلمة ابن النديم أن الكتاب يعرف بالتسوية ما قد يشير إلى أنه لم يكن شديد العصبية فيه على العرب وأنه إنما كان يطالب بالتسوية بينهم وبين الأعاجم، والتسوية كما مرّ بنا فى هذا الكتاب وكتاب العصر العباسى الأول لا تدخل فى العصبية المنحرفة لدى بعض الأعاجم والمعروفة باسم الشعوبية.
وفى أشعاره ما يدل على أنه كان معتزليّا مثل أبيه على نحو ما نرى فى قوله (٢):
قد قلت بالعدل ولكننى ... عدلت فى الحبّ عن العدل
فقلت بالإجبار مستغفرا ... لله من قولى ومن فعلى
فهو يؤمن بنظرية العدل على الله المعروفة عند المعتزلة، والتى تتيح للإنسان حرية الإرادة والاستطاعة، حتى يكون ثوابه وعقابه جزاء لما قدمت يداه، بينما يذهب أصحاب الجبر إلى أن كل شئ بقضاء وقدر وأنه لا مفر من الاستسلام للمقادير.
ولعل فى ذلك كله ما يصور شخصية سعيد وأنه كان مثقفا ثقافة واسعة، ثقافة بالعربية وبمواد المعرفة الأجنبية، وهيّأ له ذلك أن يصبح من كتّاب الدواوين
стр. 2097
مبكرا. وما يزال يرقى فيها وأعين رؤسائها ترمقه وتلاحظه، إذ كان شاعرا بارعا وكاتبا نابغا.
وكانت أول حادثة لمع فيها اسمه البيعة للمنتصر بعد مقتل أبيه المتوكل سنة ٢٤٧، فقد ذكر أن أحمد بن الخصيب وزير المنتصر قال له: ويلك يا سعيد! أمعك كلمتان أو ثلاث تأخذ بها البيعة؟ قلت: نعم وكلمات، وعملت كتاب البيعة.
وهو كتاب طويل استهلّه بقوله (١):
«بسم الله الرحمن الرحيم. تبايعون عبد الله المنتصر بالله أمير المؤمنين بيعة طوع واعتقاد ورضا، ورغبة بإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدق من نيّاتكم لا مكرهين ولا مجبرين، بل مقرّين عالمين بما فى هذه البيعة وتأكيدها من طاعة الله وتقواه، وإعزاز دين الله وحقه، ومن عموم صلاح عباد الله واجتماع الكلمة، ولمّ الشّعث، وسكون الدّهماء، وأمن العواقب، وعزّ الأولياء، وقمع الملحدين. . . لا تشكّون ولا تدهنون (تمالئون) ولا تميلون، ولا ترتابون، وعلى السمع له، والطاعة والمسالمة، والنصرة والوفاء والاستقامة والنصيحة فى السر والعلانية، والخفوف والوقوف عند كل ما يأمر به».
وأكبر الظن ان صوت سعيد اتضح فى هذه السطور القليلة، فهو يعنى أشد العناية باختيار لفظه، وهو لا يطيل عباراته، بل يجعلها قصيرة، حتى لتصبح كلمة مثل: «طوع واعتقاد ورضا»، ومثل «اجتماع الكلمة، ولمّ الشعث، وسكون الدهماء، وأمن العواقب، وعز الأولياء، ولمع الملحدين» فالكلمات تتعاقب، جزلة حقا، ولكنها خفيفة على الأفواه والشفاه، إذ لا تلبث أن تحملها حتى ترسلها. ويظل كاتبا لأحمد بن الخصيب طوال خلافة المنتصر، حتى إذا ولى الخلافة بعده المستعين لسنة ٢٤٨ عزل ابن الخصيب من الوزارة، واستوزر مكانه أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد وسرغان ما عزله واستوزر محمد بن الفضل الجرجرائى، فجعل رياسة ديوان الرسائل لسعيد بن حميد (٢)، وبذلك أصبح الكاتب الأول فى الدولة الذى تصدر عنه جميع رسائلها الديوانية، ومما كتبه حينئذ رسالة خطيرة عن محمد بن عبد الله بن طاهر إلى أهل بغداد، وكان المستعين قد
стр. 2098
نزلها سنة ٢٥١ بعدا عن سامرّاء مدينة الترك وبغيهم، فبايعوا المعتز، ونازلوا ابن طاهر ببغداد فهزمهم، حينئذ نراه يأمر سعيد بن حميد بكتابة رسالة تذكر الوقعة حتى تقرأ على أهل بغداد فى مسجد جامعها، وهى رسالة طويلة طولا شديدا نقتطف منها بعض الفقر التالية:
«ساروا نحو مدينة السلام (بغداد) معلنين للبغى والاقتدار، مظهرين للغىّ والإصرار، فتأنّاهم أمير المؤمنين (المستعين) وفسح لهم فى النّظرة، وأمر بالكتاب إليهم بما فيه تبصيرهم الرشد. . . وأن يبيّن لهم ما سلف من بلائه عندهم من أسنى المواهب، وأرفع الرّغائب، والاختصاص بسنىّ المراتب، والتقدم فى المحافل، فأبوا إلا تماديا ونفارا، وتمسكا بالغىّ وإصرارا. . . وقابلوا الموعظة بالإصرار على الذنب، وعارضوا التبصير بالاستبصار فى الباطل. . .
وصدقهم أولياء الله (جنود المستعين وابن طاهر) فى لقائهم بقلوب مستجمعة لهم، وعلم بأن الله لا يخلف وعده فيهم، فجالت الخيل بهم جولة، وعاودت كرّة بعد كرّة، طعنا بالرماح، وضربا بالسيوف، ورشقا بالسهام، فلما مسّهم ألم جراحها وكلمتهم (جرحتهم) الحرب بأنيابها، ودارت عليهم رحاها، وصمد لهم أبناؤها ظمأ إلى دمائهم، ولّوا أدبارهم، ومنح الله أكتافهم، وأوقع بأسه بهم، فقتلت منهم جماعة لم يحترسوا من عذاب الله بتوبة، ولم يتحصّنوا من عقابه بإنابة. . . فمن قتيل غودرت جثته بمصرعه، ونقلت هامته إلى مصير فيه معتبر لغيره، ومن لاجئ من السيف إلى الغرق لم يجره الله من حذاره، ومن أسير مصفود (موثق بالأغلال) يقاد إلى دار أولياء الله وحزبه، ومن هارب بحشاشة نفسه. . . فرقا أربعا تجمعها النار، ويشملها عاجل النكال عظة ومعتبرا لأولى الأبصار».
وواضح تقطيع العبارات وتقابل الكلم فى الرسالة، وكأننا بإزاء حائك، يقيس ثيابا متماثلة مقدّرة على معانيها. وقد يتكامل التقطيع، فيظهر السجع، ولكنه ليس سجعا متكلّفا، فليس مردّه إلى محاولة صنعة، وإنما مرده إلى دقة التقطيع، حتى لتأخذ العبارات شكل سجعات متوالية. وما نزال نتنقل بين تقاطيع طريفة، حتى نصل مع سعيد إلى تقسيم الجيش الذى دارت عليه الدوائر أقساما أربعة:
стр. 2099
فهم بين قتيل وغريق وأسير وفار على وجهه لا يلوى.
ولسعيد تحميدات طريفة كان يضعها بين يدى رسائله الديوانية، فمن ذلك تحميد كتب به فى فتح نهض به القائد التركى وصيف، يستهله بقوله (١):
«أما بعد فالحمد لله الحميد المجيد، الفعّال لما يريد، الذى خلق الخلق بقدرته وأمضاه على مشيئته، ودبّره بعلمه وأظهر فيه آثار حكمته، التى تدعو العقول إلى معرفته، وتشهد لذوى الألباب بربوبيته، وتدلّ على وحدانيته، لم يكن له شريك فى ملكه فينازعه، ولا معين على ما خلق فتلزمه الحاجة إليه، فليس يتصرّف عباده فى حال إلا كانت دليلا عليه، ولا تقع الأبصار على شئ إلا كان شاهدا له بما رسم فيه من آثار صنعه، وأبان فيه من دلائل تدبيره، إعذارا بحجّته، وتطولا بنعمته، وهداية إلى حقّه، وإرشادا إلى سبيل طاعته. . . والحمد لله العزيز القهّار، الملك الجبّار، الذى اصطفى الإسلام واختاره، وارتضاه وطهّره، وأعلاه وأظهره، فجعله حجّة أهله على من شاقّهم (خالفهم) ووسيلتهم إلى النصر على من عند (مال) فى حقهم، وابتغى غير سبيلهم».
والسجع كثير فى هذا التحميد، وهو دليل على أنه ظهر ثمرة لكثرة التقاطيع فى العبارات، وإحساس الكتاب بأنه لا بأس من استكمال هذه التقاطيع، ولكن لا على أساس الجور على المعانى، وإنما على أساس الوفاء بها. وسعيد يستوفى فى أول تحميده صفات الله جلّ شأنه من خلق وتقدير وعلم وحكمة فى تدبير الكون، مما يشهد بوحدانيته. ونحس أثر قراءته لمباحث المتكلمين حين يلمّ بالوحدانية إذ يقول:
لو كان هناك إلهان أو آلهة لتنازعت فيما بينها على السلطان، وأيضا فإن هذا يؤول إلى أن يكون هناك آلهة تعينه فى الخلق وتساعده، ولو صحّ ذلك لأصبح الله محتاجا إليها وانتفت عنه ألوهيته، إذ يمسه الضعف والعجز من بعض الوجوه، ويعرض حجة على ربوبيته التأمل فى خلق الإنسان وفى نظام الكون مما يهدى إلى طريق الرّشاد.
ولسعيد بجانب الرسائل الديوانية التى كان يكتبها فى أثناء عمله بالدواوين رسائل إخوانية كثيرة، منها تهنئات بعيد النّيروز وشوق وعزاء واعتذار ودعوة إلى
стр. 2100
مجالس الأنس وشكر وهجاء واستمناح لبعض الأشخاص وتوصيات، ونعم طائفة منها بادئين بتهنئاته فى عيد النيروز، فمن ذلك رسالة إلى أبى صالح يزداد وزير المستعين (١):
«النفس لك، والمال منك، والرجاء موقوف عليك، والأمر مصروف إليك، فما عسانا أن نهدى لك فى هذا اليوم، وهو يوم سهّلت فيه العادة، سبيل الهدايا للسادة، وكرهت أن نخليه من سنّته فنكون من المقصّرين، أو ندّعى أن فى وسعنا ما يفى بحقك علينا فنكون من الكاذبين، فاقتصرنا على هدية تقضى بعض الحق، وتقوم عندك مقام أجمل البرّ، وهى الثناء الجميل، والدعاء الحسن، لا زلت أيها الأمير دائم السرور والغبطة فى أتم أحوال العافية، وأعلى منازل الكرامة، تمر بك الأعياد الصالحة، والأيام المفرحة، فتخلقها وأنت جديد، وتستقبل أمثالها، فتلقاك ببهائها وجمالها. وقد بعثت الرسول بالسكّر لطيبه وحلاوته، والسّفرجل لفأله وبركته، والدرهم لبقائه عند كل من ملكه، ولا زلت حلو المذاق على أوليائك، مرّا على أعدائك، متقدّما عند خلفاء الله الذين تليق بهم خدمتك وتحسن أفنيتهم (ساحاتهم) بمثلك».
والرسالة تحمل أسلوب سعيد وما يميزه من التقطيعات المتوالية والمعانى المتقابلة، فالنفس يقابلها المال، والرجاء يقابله الأمر. ويسقط السجع سقوطا طبيعيّا، كأنه ثمر يسقط من شجرة مورقة. ويمسح على ذلك لطف الحضارة، وما يمتاز به أهلها من دقة الحسّ ورهافة الذوق، على نحو ما يتضح فى المعانى التى تحملها الهدية، فالسكر رمز للحلاوة والسفرجل رمز للبركة والدرهم رمز لبقاء الوزير فى عزّه.
ويكتب برسالة مماثلة إلى الحسن بن مخلد وزير المعتمد على هذا المنوال (٢):
«أيها السيد الشريف! عشت أطول الأعمار بزيادة من العمر، موصولة بقرائنها من الشكر، لا ينقضى حق نعمة، حتى تجدّد لك أخرى، ولا يمر بك يوم إلا كان مقصّرا عما بعده، موفيا على ما قبله. إنى تصفحت أحوال الأتباع الذين تجب عليهم الهدايا إلى السادة، فالتمست التأسى بهم فى الإهداء، وإنى إن
стр. 2101
اهديت نفسى فهى ملك لك، لا حظّ فيها لغيرك، وإن رميت بطرفى إلى كرائم مالى وجدتها منك. . . وفزعت إلى مودتى فوجدتها خالصة لك قديمة غير مستحدثة فرأيت إن أنا جعلتها هديتى لم أجدّد لهذا اليوم الجديد برّا ولا لطفا (هدية) ولم أقس منزلة من شكرى بمنزلة من نعمتك إلا كان الشكر مقصرا عن الحق، والنعمة زائدة على ما تبلغه الطاقه، فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك، والإقرار بما يجب لك برّا أتوصّل به».
والرسالة تحمل فى جوهرها معانى الرسالة السابقة، وفيها نفس التلطف، وإن كان قد ازداد رقة فى الدعاء وفى التعبير عن الاعتذار بالتقصير، فليس هناك ما يستطيع تقديمه حتى نفسه ومودته قدّمهما من قبل، ولم يبق فى طاقته سوى الحمد والثناء والشكر الذى لا يماثله شكر، وتتوافر التقطيعات فى الرسالة ويظهر السجع أحيانا فى خفة وبدون أى تكلف لجهد أو عناء. ويكتب لصديق عزل عن عمله، مسليّا له (١):
«حفظك الله بحفظه، وأسبغ عليك كرامته، وأدام إليك إحسانه، إن سرورى بصرفك أكثر من سرور أهل عملك بما خصّوا به من ولايتك. وقد كنت-أعزّك الله-فيما يربأ بك عنه بما أنت عليه فى قدرك واستئهالك، ولكنا رجونا أن يكون سببا لك إلى ما تستحق، فطبنا نفسا بالذى رجونا. فالحمد لله الذى سلّمك منه، ونسأله تمام نعمه عليك وعلينا فيك، بتبليغك أملك وآمالنا فيك وشفع (قرن) ما كان من ولايتك بأعظم الدرجات، وأشرف المراتب، ثم خصّك الله بجميل الصّنع، وبلّغك غاية المؤملين. إن من سعادة الوالى-حفظك الله-وأعظم ما يخصّ به فى عمله وولايته السلامة من بوائق (دواهى) الإثم، ونوائب الدنيا وشرها، والعاقبة مما يخاف منها، وقد خصّك الله منها-بمنّه وطوله (إنعامه) ما نرجو أن يكون سببا لك إلى نيل ما تستحق من المراتب، والله نسأل إيزاعك (إلهامك) شكر ما منّ به عليك، وتبليغك غاية أملك فى جميع أمورك، برحمته وفضله».
والرسالة طريفة غاية الطرافة إذا عكس سعيد العزاء عن العمل، وجعله تهنئة
стр. 2102
خليقة بأن تنصب لها أعلام السرور. ومضى يصوّر سروره وأنه يزيد على سرور أهل عمله حين جاءهم نبأ تولية هذا العامل عليهم. ويؤكد سروره بقوله إنه طاب نفسا، وقد أحسن اختيار هذه الكلمة. ثم أخذ يحمد له السلامة من هذا العمل ويعدّ ذلك نعمة ليس فوقها نعمة، ويدعو له بأن يبلغ أعظم الدرجات وأشرف المراتب، كما يدعو له بأن يعرف حق هذه النعمة ويشكر الله عليها أصدق الشكر، ويتمنى له أن يبلغ غاية آماله. وكأنما الرسالة ضرب من الحيل العقلية التى كانت تدور فى المجالس، والتى كانت تعرض محاسن الشئ ومساوئه. فقد يكون حسنا وينقلب سيئا، وقد يكون سيئا وينقلب حسنا، ولا يرى فيه إلا الحسن، بفضل الذخائر العقلية التى حازها لنفسه العصر العباسى. وله من رسالة تعزية (١):
«إذا استوى المعزّى والمعزّى فى النائبة استغنى عن الإكثار فى الوصف لموقع الرزيّة. . .
وأنا أقول إنا لله وإنا إليه راجعون، إقرارا له بالهلكة، واغترافا بالمرجع إليه، وتسليما لقضائه، ورضا بمواضع أقداره، وأسأل الله أن يصلّى على محمد صلاة متصلة بركاتها، وأن يوفقك لما يرضيه عنك قولا وفعلا، حتى يكمل لك ثواب الصابر المحتسب وجزاء المطيع المتنجّز للوعد، ويرحم فلانا ويحله أعلى منازل أوليائه الذين رضى سعيهم، وتطول بفضله عليهم، إنه ولىّ قدير».
والحيلة أيضا فى هذه الرسالة واضحة، فقد جعل وفاة الشخص شركة بينه وبين المعزّى، فهو أيضا حرى بأن يعزّى فيه، وكأن المصيبة فيه مصيبة عامة، والحزن عليه لا يقف عند من أرسل له هذه الرسالة، بل يشمل كثيرين هو أحدهم.
وقد أخذ يحتال على أن يسلو عنه صاحبه، تسليما للقضاء، واعترافا بأن كل من عليها فان، ورضا بالمقادير، وإنه ليدعو الله أن يوفق صاحبه للصبر على المصيبة، حتى يحوز ثواب المحتسب الصابر، ويدعو للمتوفى أن يرحمه الله وينزله مع أوليائه وأصفيائه فى الدرجات العلية. وله يهنئ بعض إخوانه بولاية (٢):
«أنا أهنئ بك العمل الذى وليته، ولا أهنئك به، لأن الله أصاره إلى من يورده موارد الصواب، ويصدره مصادر الحجّة ويصونه من كل خلل وتقصير، ويمضيه بالرأى الأصيل، والمعرفة الكاملة. قرن الله لك كل نعمة بشكرها،
стр. 2103
وأوجب لك بطوله المزيد منها، وأوزعك (ألهمك) من المعرفة بها ما يصونها من الفتن ويحوطها من النقص».
والرسالة مع إيجازها تبدأ بحيلة من حيل الفكر العباسى الخصب الحافل بما يلفت السامع ويروعه، وهى أن العمل هو الذى يهنّأ بهذا الوالى، لا أن الوالى هو الذى يهنّأ به، إمعانا فى المدح والإطراء، فقد كان من حسن حظ هذا العمل أن صار بيد من يدبره على خير وجه ممكن فى الإيراد والإصدار، ومن يصونه ويحفظه من أى خلل أو تقصير، مع الفكر الحصيف والمعرفة التامة. ويدعو له بالأمن فى عمله والسلامة من الفتن والثورات، وهو خطاب مقتضب، ولكنه جامع شامل، مع اللفظ المنتقى والأسلوب المصفّى. وله من رسالة فى ذم بعض الأشخاص وهجائه (١):
«رجل يعنف بالنعم عنف من قد ساءته بمجاورتها، ويستخفّ بحقها استخفاف من لا يخفّ عليه محملها، ويقصّر فى الشكر تقصير من لا يعلم أن الشكر يرتبطها. . فكيف يتسع الصدر للصبر عليه؟ إن الله لا يخاف الفوت فهو يمهله، وإنه إن مات لم يخرج من سلطان الله جلّ وعزّ إلى سلطان غيره فيعاجله».
وهذه الكلمات على قصرها من ألذع الهجاء، وهل هناك شخص تسوؤه النعم سوى هذا الشخص الذى لا يعرف قدرها، بل إنه يعنف بها عنف عدوّ غاشم، وإنه ليستخفّ بحقوقها استخفاف من ثقل عليه النهوض بها وحملها، وهو لذلك كله يطّرح الشكر عليها اطراح الجاهل بأن الشكر هو الذى يكفل لها البقاء، وهو لا يدرى أنه مع طغيانه وبغيه على نعمة ربه سيلقى جزاءه، إنه يمهله، لأنه لا يعرف أنه لن يخرج حين يموت عن دائرة سلطانه. والكلمات والعبارات مختارة بدقة. وله فى الدعوة إلى يوم أنس من رسالة (٢):
«لا عذر فى التخلف عنك، وإن حال الاشتغال بيننا وبينك، فإن كنت سامحت على العذر قبل الاعتذار، وسبقت إلى فضيلة الاغتفار، فلا زلت على كل خير دليلا، وإليه داعيا، وبه آمرا، وقد التقنا قبل وصول كتابك لقاء أحدث قطرا (دموعا منهمرة) وهاج شوقا، وأرجو أن تتسع لنا الجمعة بما بخلت به الأيام، فننال حظّا من محادثتك والأنس بك».
стр. 2104
وهو يعترف بأنه مقصر وخليق بالاعتذار لتخلفه عن زيارة صديقه، ويعتذر بكثرة أعماله، ويتلطف معه، فيجعله قبل عذره قبل تقديمه وغفر له تقصيره.
وانظر كيف عبّر عن مدى تأثرهما عند اللقاء بقوله إنه لقاء أحدث قطرا. ودائما لا تفوته الكلمة الموجزة المعبّرة أدق تعبير وأقواه. ومن رسالاته عن فضل محبوبته وقد ظن بها الظنون وأنها تعثّرت فى حبال غيره (١):
«أصبحت-والله-من أمر فضل فى غرور، أخادع نفسى بتكذيب العيان، وأمنّيها ما قد حيل دونه. والله إن إرسالى إليها-بعد ما قد لاح من تغيّرها-لذلّ، وإن عدولى عنها-وفى أمرها شبهة-لعجز، وإن تصرّى عنها لمن دواعى التلف».
والقطعة محبوكة العبارات، وقد عمد فيها إلى بيان حالته النفسية إزاء تغيّر فضل عليه، متصورا ثلاثة مواقف، فهو إن راسلها كان ذلك ذلاّ له وهوانا ما بعده هوان، وهو إن انصرف عنها ولا يزال مشتبها فى أمرها لم يتبين بالضبط قطيعتها له كان ذلك عجزا منه وتقصيرا، وهو إن أخذ نفسه بالصبر عنها كان ذلك فوق طاقته وأدّى به إلى التلف والهلاك. ودائما نحسّ عنده دقة التعبير، وكأن الكلمات سهام تصيب مرماها. وله فصول بديعة تدور فى كتب الأدب من مثل قوله فى رسالة لصديق مصوّرا مودته (٢):
«إنى أهديت مودتى إليك رغبة، ورضيت بالقبول منك مثوبة، فصرت بقبولها قاضيا لحق، ومالكا لرقّ، وصرت-بالتسرع إلى الهدية والتخير للمثوبة-مرتهن اللسان بالرضا، واليدين بالوفا».
وانظر تصويره لمودته بأنها هدية أهداها لصاحبه، ودائما تردّ الهدايا، وهو لا يريد لها ردّا ولا جزاء سوى قبول الصديق لها، ويقول إنك إن قبلتها أصبحت ناهضا بحق ومالكا لعبد، جعل رقّه فى يديك وحريته طوع مشيئتك، وكل ذلك كناية عن مدى إخلاصه فى أخوته وصداقته. وهو يصوّر نفسه، وقد قدّم الهدية وتخيّر جزاءها مودة صديقه بل قبوله لها، قد أصبح لسانه مرتهنا بحرمتها ويداه مقيدتين بالوفاء لها ونفسه مستعبدة له. ولا تعرف بالضبط السنة التى توفى فيها سعيد، وأكبر
стр. 2105
الظن أنه عاش إلى أواسط عصر المعتمد (٢٥٦ - ٢٧٨ هـ). ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور مهارته البيانية فى الرسائل الإخوانية والديوانية، فقد كان يعنى أشد العناية باختيار ألفاظه وتقطيع عباراته حتى لينتهى التقطيع أحيانا إلى السجع، كما كان يعنى بمعانيه وجلب ما يروق منها بدقته وطرافته.
٥ - أبو العباس بن ثوابة (١)
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن ثوابة المتوفى عام ٢٧٧ للهجرة، وهو من أسرة أصلها مسيحى، عملت فى دواوين الخلافة، منذ أواسط القرن الثالث للهجرة إلى منتصف القرن الرابع. وأول من لمع اسمه منهم محمد بن ثوابة وكان يعمل فى دواوين الدولة، وهو من ممدوحى البحترى، وكان ابنه جعفر يتولّى ديوان الرسائل فى أيام عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير بأخرة من عصر المعتمد، وقد توفى سنة ٢٨٤ للهجرة، وخلفه على رياسة هذا الديوان ابنه أحمد بن محمد بن جعفر بن ثوابة، وسبق أن عرضنا له فى الفصل الماضى وقلنا إنه كان يسجع فى رسائله الديوانية، وقد توفى سنة ٣١٢ فخلفه على رياسة الديوان ابنه أحمد حتى سنة ٣٤٩ للهجرة. ويبدو أن السجع نما على أيدى هذه الأسرة وكانت عاملا من عوامل انتشاره فى الكتابتين الديوانية والإخوانية.
وليست بين أيدينا معلومات واضحة عن نشأة أبى العباس بن ثوابة، ولكن لا بد أن أباه وكان يشتغل فى الدواوين أخذه مبكرا بالدرس والتحصيل، بادئا معه من الكتّاب، ومنتهيا به إلى حلقات العلماء فى المساجد، حتى إذا غزرت ثقافته تحول به إلى الدواوين الرسمية ونراه متألفا فيها منذ عصر المهتدى (٢) (٢٥٥ - ٢٥٦ هـ)، وما زال نجمه فى صعود حتى اختير لرياسة ديوان الرسائل لأوائل عصر المعتمد. وكانت لا تعقد إلا لمن أثبت كفاءته وعرفت بلاغته. وكان طبيعيّا أن تكثر الصلات والمودات بينه وبين سعيد